الآية ١١٠ من سورة الأنعام

الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١١٠ من سورة الأنعام

وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٠ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٠ من سورة الأنعام عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر .

وقال مجاهد : ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية ، فلا يؤمنون ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة .

وكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

وقال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس أنه قال : أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه .

قال : ( ولا ينبئك مثل خبير ) [ فاطر : 14 ] ، وقال : ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) [ الزمر : 56 - 58 ] فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى ، وقال : ( ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام : 28 ] ، وقال ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) قال : لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا .

وقوله : ( ونذرهم ) أي : نتركهم ( في طغيانهم ) قال ابن عباس والسدي : في كفرهم .

وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة : في ضلالهم .

( يعمهون ) قال الأعمش : يلعبون .

وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو العالية ، والربيع ، وأبو مالك ، وغيره : في كفرهم يترددون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: لو أنَّا جئناهم بآية كما سألوا، ما آمنوا، كما لم يؤمنوا بما قبلَها أول مرة, لأن الله حال بينهم وبين ذلك : * ذكر من قال ذلك: 13751- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) الآية, قال: لما جحد المشركون ما أنـزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّتْ عن كل أمر .

13752- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)، قال: نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم أول مرة .

وقرأ: (كما لم يؤمنوا به أول مرة) .

13753- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)، قال: نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون, كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا فلا يؤمنون، كما فعلنا بهم ذلك, فلم يؤمنوا في الدنيا .

قالوا: وذلك نظير قوله وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، [سورة الأنعام: 28] .

* ذكر من قال قال ذلك: 13754- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: أخبر الله سبحانه ما العبادُ قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه.

قال: وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ .

أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، [سورة الزمر: 56-58]، يقول: من المهتدين .

فأخبر الله سبحانه أنهم لو رُدُّوا [إلى الدنيا، لما استقاموا] على الهدى، و[قال]: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ , (68) وقال: " ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة " ، قال: لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى, كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا .

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه، أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها: أنَّه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرِّفها كيف شاء, وأنّ ذلك بيده يقيمه إذا شاء، ويزيغه إذا أراد= وأنّ قوله: (كما لم يؤمنوا به أول مرة)، دليل على محذوف من الكلام= وأنّ قوله: " كما " تشبيه ما بعده بشيء قبله .

وإذْ كان ذلك كذلك, فالواجب أن يكون معنى الكلام: ونقلب أفئدتَهم، فنـزيغها عن الإيمان, وأبصارَهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحجة, وإن جاءتهم الآية التي سألوها، فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبلَ مجيئها مرَّة قبل ذلك .

* * * وإذا كان ذلك تأويله، كانت " الهاء " من قوله: (كما لم يؤمنوا به)، كناية ذكر " التقليب " .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونذر هؤلاء المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها عند مجيئها (69) = في تمرُّدهم على الله واعتدائهم في حدوده, (70) يتردَّدون، لا يهتدون لحق، ولا يبصرون صوابًا, (71) قد غلب عليهم الخِذْلان، واستحوذ عليهم الشيطانُ .

------------------------- الهوامش : (68) في المطبوعة : (( فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ...

)) حذف بعض ما في المخطوطة .

وفي المخطوطة : (( فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا على الهدى وقال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ...

)) فأثبت نص المخطوطة ، وزدت ما زدته بين القوسين حتى ستقيم الكلام .

(69) انظر تفسير (( يذر )) فيما سلف 11 : 529 ، تعليق : 2 والمراجع هناك .

(70) انظر تفسير (( الطغيان )) فيما سلف 10 : 475 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(71) انظر تفسير (( العمه )) فيما سلف 1 : 309 - 311 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهونهذه آية مشكلة ، ولا سيما وفيها ونذرهم في طغيانهم يعمهون .

قيل : المعنى ونقلب أفئدتهم وأنظارهم يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر ; كما لم يؤمنوا في الدنيا .

ونذرهم في الدنيا ، أي نمهلهم ولا نعاقبهم ; فبعض الآية في الآخرة ، وبعضها في الدنيا .

ونظيرها وجوه يومئذ خاشعة فهذا في الآخرة .

عاملة ناصبة في الدنيا .

وقيل : ونقلب [ ص: 60 ] في الدنيا ; أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية ، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة ; لما دعوتهم وأظهرت المعجزة .

وفي التنزيل : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه .

والمعنى : كان ينبغي أن يؤمنوا إذا جاءتهم الآية فرأوها بأبصارهم وعرفوها بقلوبهم ; فإذا لم يؤمنوا كان ذلك بتقليب الله قلوبهم وأبصارهم .كما لم يؤمنوا به أول مرة ودخلت الكاف على محذوف ، أي فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة ; أي أول مرة أتتهم الآيات التي عجزوا عن معارضتها مثل القرآن وغيره .

وقيل : ونقلب أفئدة هؤلاء كي لا يؤمنوا ; كما لم تؤمن كفار الأمم السالفة لما رأوا ما اقترحوا من الآيات .

وقيل : في الكلام تقديم وتأخير ; أي أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا أول مرة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم .ونذرهم في طغيانهم يعمهون يتحيرون .

وقد مضى في " البقرة " .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي: ونعاقبهم، إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم.

وهذا من عدل الله، وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق، كان مناسبا لأحوالهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ) قال ابن عباس : يعني ونحول بينهم وبين الإيمان ، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة أي : كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره ، وقيل : كما لم يؤمنوا به أول مرة ، يعني معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام ، كقوله تعالى ( أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ) ، ( القصص ، 48 ) ، وفي الآية محذوف تقديره فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : المرة الأولى دار الدنيا ، يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم ، كما قال : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " ( الأنعام ، 28 ( ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) قال عطاء : نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ونقلَّب أفئدتهم» نحول قلوبهم عن الحق فلا يفهمونه «وأبصارهم» عنه فلا يبصرونه فلا يؤمنون «كما لم يؤمنوا به» أي بما أنزل من الآيات «أوَّل مرّةِ ونذرهم» نتركهم «في طغيانهم» ضلالهم «يعمهون» يترددون متحيرين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ونقلب أفئدتهم وأبصارهم، فنحول بينها وبين الانتفاع بآيات الله، فلا يؤمنون بها كما لم يؤمنوا بآيات القرآن عند نزولها أول مرة، ونتركهم في تمرُّدهم على الله متحيِّرين، لا يهتدون إلى الحق والصواب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } معطوف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } وداخل معه فى حكم { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } مقيد بما قيد به .أى : وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم عن إدراك الحق فلا يفقهونه ، وأبصارهم عن اجتلائه فلا يبصرونه ، كشأنهم فى عدم إيمانهم بما جاءهم أول رمة من آيات .

وهدايات على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقترحوا عليه تلك المقترحات الباطلة .إنكم إيها المؤمنون لا تدرون ذلك ولا تشعرون به لأنه علمه عند الله وحده .قال الآلوسى : وهذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق واستعدادها له ، بل لكمال نبوها عنه وإعراضها بالكلية ، ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعارا بأصالتهم فى الكفر ، وحسما لتوهم أن عدم إيمانهم ناشىء من تقليبه - تعالى - مشاعرهم بطريق الإجبار " .وقوله { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } معطوف على { لاَ يُؤْمِنُونَ } .والعمه : التردد فى الأمر مع الحيرة فيه ، يقال : عمه كفرح ومنع - عمها إذا تردد وتحير .أى : ونتركهم فى تجاوزهم الحد فى العصيان يترددون متحيرين ، لا يعرفون لهم طريقا ، ولا يهتدون إلى سبيل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا أيضاً من الآيات الدالة على قولنا: إن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره، والتقلب والقلب واحد، وهو تحويل الشيء عن وجهه، ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار: هو أنه إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها وعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول، إلا أنه تعالى إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات، والمقصود من هذه الآية تقرير ما ذكرناه في الآية الأولى من أن تلك الآيات القاهرة لو جاءتهم لما آمنوا بها ولما انتفعوا بظهورها ألبتة.

أجاب الجبائي عنه بأن قال: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وجمرها لنعذبهم كما لم يأمنوا به أول مرة في دار الدنيا.

وأجاب الكعبي عنه: بأن المراد من قوله: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ بأنا لا نفعل بهم ما نفعله بالمؤمنين من الفوائد والألطاف من حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.

وأجاب القاضي: بأن المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الآيات التي قد ظهرت، فلا تجدهم يؤمنون بها آخراً كما لم يؤمنوا بها أولاً.

واعلم أن كل هذه الوجوه في غاية الضعف، وليس لأحد أن يعيبنا، فيقول: إنكم تكررون هذه الوجوه في كل موضع، فإنا نقول: إن هؤلاء المعتزلة لهم وجوه معدودة في تأويلات آيات الجزاء، فهم يكررونها في كل آية، فنحن أيضاً نكرر الجواب عنها في كل آية، فنقول: قد بينا أن القدرة الأصلية صالحة للضدين وللطرفين على السوية.

فإذا لم ينضم على تلك القدرة داعية مرجحة امتنع حصول الرجحان، فإذا انضمت الداعية المرجحة إما إلى جانب الفعل أو إلى جانب الترك ظهر الرجحان، وتلك الداعية ليست إلا من الله تعالى قطعاً للتسلسل.

وقد ظهر صحة هذه المقدمات بالدلائل القاطعة اليقينية التي لا يشك فيها العاقل.

وهذا هو المراد من قوله صلى الله عليه وسلم: «قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء» فالقلب كالموقوف بين داعية الفعل وبين داعية الترك، فإن حصل في القلب داعي الفعل ترجح جانب الفعل، وإن حصل فيه داعي الترك ترجح جانب الترك، وهاتان الداعيتان لما كانتا لا تحصلان إلا بإيجاد الله وتخليقه وتكوينه، عبر عنهما بأصبعي الرحمن، والسبب في حسن هذه الاستعارة أن الشيء الذي يحصل بين أصبعي الإنسان يكون كامل القدرة عليه.

فإن شاء أمسكه وإن شاء أسقطه، فهاهنا أيضاً كذلك القلب واقف بين هاتين الداعيتين، وهاتان الداعيتان حاصلتان بخلق الله تعالى، والقلب مسخر لهاتين الداعيتين، فلهذا السبب حسنت هذه الاستعارة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك».

والمراد من قوله مقلب القلوب أن الله تعالى يقلبه تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.

إذا عرفت هذه القاعدة فقوله تعالى: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ محمول على هذا المعنى الظاهر الجلي الذي يشهد بصحته كل طبع سليم وعقل مستقيم، فلا حاجة ألبتة إلى ما ذكروه من التأويلات المستكرهة.

وإنما قدم الله تعالى ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب.

فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه، فهو وإن كان يبصره في الظاهر.

إلا أنه لا يصير ذلك الإبصار سبباً للوقوف على الفوائد المطلوبة.

وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءاذَانِهِمْ وَقْراً ﴾ فلما كان المعدن هو القلب، وأما السمع والبصر فهما آلتان للقلب، كانا لا محالة تابعين لأحوال القلب.

فلهذا السبب وقع الابتداء بذكر تقليب القلوب في هذه الآية، ثم أتبعه بذكر تقليب البصر، وفي الآية الأخرى وقع الابتداء بذكر تحصيل الكنان في القلب ثم أتبعه بذكر السمع، فهذا هو الكلام القوي العقلي البرهاني الذي ينطبق عليه لفظ القرآن، فكيف يحسن مع ذلك حمل هذا اللفظ على التكلفات التي ذكروها؟

ولنرجع إلى ما يليق بتلك الكلمات الضعيفة فنقول: أما الوجه الذي ذكره الجبائي فمدفوع لأن الله تعالى قال: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ ثم عطف عليه فقال: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ولا شك أن قوله: ﴿ وَنَذَرُهُمْ ﴾ إنما يحصل في الدنيا، فلو قلنا: المراد من قوله: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ إنما يحصل في الآخرة، كان هذا سوأ للنظم في كلام الله تعالى حيث قدم المؤخر وأخر المقدم من غير فائدة، وأما الوجه الذي ذكره الكعبي فضعيف أيضاً لأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر، فهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان والخدلان فكيف تحسن إضافته إلى الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ .

وأما الوجه الثاني الذي ذكره القاضي فبعيد أيضاً لأن المراد من قوله: ﴿ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ تقليب القلب من حالة إلى حالة ونقله من صفة إلى صفة.

وعلى ما يقوله القاضي فليس الأمر كذلك بل القلب باق على حالة واحدة إلا أنه تعالى أدخل التقليب والتبديل في الدلائل، فثبت أن الوجوه التي ذكروها فاسدة باطلة بالكلية.

أما قوله تعالى: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ فقال الواحدي فيه وجهان: الوجه الأول: دخلت الكاف على محذوف تقديره فلا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره من الآيات، والتقدير فلا يؤمنون في المرة الثانية من ظهور الآيات كما لم يؤمنوا به في المرة الأولى، وأما الكناية في ﴿ بِهِ ﴾ فيجوز أن تكون عائدة إلى القرآن أو إلى محمد عليه الصلاة والسلام، أو إلى ما طلبوا من الآيات.

الوجه الثاني: قال بعضهم: الكاف في قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ ﴾ بمعنى الجزاء، ومعنى الآية ونقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على تركهم الإيمان في المرة الأولى، يعني كما لم يؤمنوا به أول مرة، فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم في المرة الثانية، وعلى هذا الوجه فليس في الآية محذوف ولا حاجة فيها إلى الإضمار.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ فالجبائي قال: ﴿ وَنَذَرُهُمْ ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم من ذلك بمعاجلة الهلاك وغيره، لكنا نمهلهم فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم، وهو يوجب تأكيد الحجة عليهم، وقال أصحابنا: معناه إنا نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان وفي ذلك الضلال والعمه.

ولقائل أن يقول للجبائي: إنك تقول إن إله العالم ما أراد بعبيده إلا الخير والرحمة، فلم ترك هذا المسكين حتى عمه في طغيانه؟

ولم لا يخلصه عنه على سبيل الإلجاء والقهر؟

أقصى ما في الباب أنه إن فعل به ذلك لم يكن مستحقاً للثواب فيفوته الاستحقاق فقط، ولكن يسلم من العقاب، أما إذا تركه في ذلك العمه مع علمه بأنه يموت عليه، فإنه لا يحصل استحقاق الثواب.

ويحصل له العقاب العظيم الدائم، فالمفسدة الحاصلة عند خلق الإيمان فيه على سبيل الإلجاء مفسدة واحدة وهي فوت استحقاق الثواب، أما المفسدة الحاصلة عند إبقائه على ذلك العمه والطغيان حتى يموت عليه فهي فوت استحقاق الثواب مع استحقاق العقاب الشديد، والرحيم المحسن الناظر لعباده لابد وأن يرجح الجانب الذي هو أكثر صلاحاً وأقل فساداً، فعلمنا أن إبقاء ذلك الكافر في ذلك العمه والطغيان يقدح في أنه لا يريد به إلا الخير والإحسان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ....

وَنَذَرُهُمْ ﴾ عطف على (يؤمنون)، داخل في حكم وما يشعركم، بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون، وما يشعركم أنّا نقلب أفئدتهم وأبصارهم: أي نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا، أو لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعاً على قلوبهم، وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم أي نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه.

وقرئ: ﴿ ويقلب ويذرهم ﴾ بالياء أي الله عزّ وجلّ.

وقرأ الأعمش: ﴿ وتقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ على البناء للمفعول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والدّاعِي لَهم إلى هَذا القَسَمِ والتَّأْكِيدِ فِيهِ التَّحَكُّمُ عَلى الرَّسُولِ  في طَلَبِ الآياتِ واسْتِحْقارِ ما رَأوْا مِنها.

﴿ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ.

﴿ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ هو قادِرٌ عَلَيْها يُظْهِرُ مِنها ما يَشاءُ ولَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِقُدْرَتِي وإرادَتِي.

﴿ وَما يُشْعِرُكُمْ ﴾ وما يُدْرِيكُمُ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ.

﴿ أنَّها ﴾ أيْ أنَّ الآيَةَ المُقْتَرَحَةَ.

﴿ إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ أيْ لا تَدْرُونَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، أنْكَرَ السَّبَبَ مُبالَغَةً في نَفْيِ المُسَبَّبِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما لَمْ يُنْزِلْها لِعِلْمِهِ بِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، وقِيلَ لا مَزِيدَةٌ وقِيلَ أنَّ بِمَعْنى لَعَلَّ إذْ قُرِئَ لَعَلَّها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبَ إنَّها بِالكَسْرِ كَأنَّهُ قالَ: وما يُشْعِرُكم ما يَكُونُ مِنهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَكم بِما عَلِمَ مِنهم والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإنَّهم يَتَمَنَّوْنَ مَجِيءَ الآيَةِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ «لا تُؤْمِنُونَ».

بِالتّاءِ وقُرِئَ: «وَما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهُمْ» فَيَكُونُ إنْكارًا لَهم عَلى حَلْفِهِمْ أيْ: وما يُشْعِرُهم أنَّ قُلُوبَهم حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنْ مَطْبُوعَةً كَما كانَتْ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ فَيُؤْمِنُونَ بِها.

﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى لا يُؤْمِنُونَ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا حِينَئِذٍ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارُهم فَلا يُبْصِرُونَهُ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها.

﴿ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴾ أيْ بِما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ.

﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ ونَدَعُهم مُتَحَيِّرِينَ لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ.

وقُرِئَ.

«وَيُقَلِّبُ» و «يَذَرُهُمْ» عَلى الغَيْبَةِ، و «تُقَلَّبُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى الأفْئِدَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} عن قبول الحق {وأبصارهم} عن رؤية الحق عند نزول الآية التي اقترحوها فلا يؤمنون بها قيل هو عطف على لا يؤمنون داخل فى حكم وما يعشركم أي وما يشعركم أنهم لا يؤمنون وما يشعركم أنا نقلب أفئدتهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق {كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} كما كانوا عند نزول آياتنا اولا لا يومنون بها {ونذرهم في طغيانهم يعمهون}

الأنعام (١١٠ _ ١١٤)

قيل وما يشعركم أنا نذرهم في طغيانهم يعمهون يتحيرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُؤْمِنُونَ) داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ ﴿ وما يُشْعِرُكُمْ ﴾ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْ وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يُدْرِكُونَهُ وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ.

وهَذا -عَلى ما قالَ الإمامُ- تَقْرِيرٌ لِما في الآيَةِ الأُولى مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ.

وذَكَرَ شَيْخُ الإسْلامِ أنَّ هَذا التَّقْلِيبَ لَيْسَ مِن تَوَجُّهِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ إلى الحَقِّ واسْتِعْدادِها لَهُ بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ؛ ولِذَلِكَ أخَّرَ ذِكْرَهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ وحَسْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ.

وتَحْقِيقُهُ عَلى ما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ عَلِمَ في الأزَلِ سُوءَ اسْتِعْدادِهِمُ المَخْبُوءِ في ماهِيّاتِهِمْ أفاضَ عَلَيْهِمْ ما يَقْتَضِيهِ وفَعَلَ بِهِمْ ما سَألُوهُ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ بَعْدَ أنْ رَغَّبَهم ورَهَّبَهم وأقامَ الحُجَّةَ وأوْضَحَ المَحَجَّةَ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴿ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ﴾ أيْ بِما جاءَ مِنَ الآياتِ بِاللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: بِالقُرْآنِ، وقِيلَ: بِمُحَمَّدٍ  وإنْ لَمْ يَجْرِ لِذَلِكَ ذِكْرٌ، وقِيلَ: بِالتَّقْلِيبِ، وهو كَما تَرى ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أيْ عِنْدَ وُرُودِ الآياتِ السّابِقَةِ، والكافُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَنصُوبٍ بِـ (لا يُؤْمِنُونَ) .

و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بَلْ يَكْفُرُونَ كُفْرًا كائِنًا كَكُفْرِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ.

وتَوْسِيطُ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: أنَّ الكافَ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ تَقْلِيبًا كَكُفْرِهِمْ أيْ عُقُوبَةً مُساوِيَةً لِمَعْصِيَتِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

والآيَةُ ظاهِرَةٌ في أنَّ الإيمانَ والكُفْرَ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْها بِأنَّ المُرادَ مِن ﴿ ونُقَلِّبُ ﴾ إلَخْ: أنا لا نَفْعَلُ بِهِمْ ما نَفْعَلُهُ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَوائِدِ والألْطافِ مِن حَيْثُ أخْرَجُوا أنْفُسَهم عَنْ هَذا الحَدِّ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

والقاضِي بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في الآياتِ الَّتِي ظَهَرَتْ فَلا نَجِدُهم يُؤْمِنُونَ بِها آخِرًا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِها أوَّلًا.

والجَبائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في جَهَنَّمَ عَلى لَهَبِ النّارِ وجَمْرِها لِنُعَذِّبَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ في الدُّنْيا.

والكُلُّ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، وهَكَذا غالِبُ كَلامِ المُعْتَزِلَةِ ﴿ ونَذَرُهُمْ ﴾ أيْ نَدَعُهم ﴿ فِي طُغْيانِهِمْ ﴾ أيْ تَجاوُزِهِمُ الحَدَّ في العِصْيانِ ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ 110 - أيْ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ وهَذا عَطْفٌ عَلى يُؤْمِنُونَ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ أيْضًا مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ مُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ.

والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ.

وجُمْلَةُ (يَعْمَهُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَذَرُهُمْ) .

وقُرِئَ (يُقَلِّبُ.

ويَذَرُ) عَلى الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وقَرَأ الأعْمَشُ (وتُقَلَّبُ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وإسْنادُهُ إلى أفْئِدَتِهِمْ * * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قالَ الجُنَيْدُ قُدِّسَ سِرُّهُ: أيْ أخْلَصْناهم وآوَيْناهم لِحَضْرَتِنا ودَلَلْناهم لِلِاكْتِفاءِ بِنا عَمّا سِوانا ﴿ ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ وهم أهْلُ السّابِقَةِ الَّذِينَ سَألُوهُ سُبْحانَهُ الهِدايَةَ بِلِسانِ الِاسْتِعْدادِ الأزَلِيِّ ﴿ ولَوْ أشْرَكُوا ﴾ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وهو شِرْكُ الكامِلِينَ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ سَيِّدِي عَمْرُ بْنُ الفارِضِ قُدِّسَ سِرُّهُ بِقَوْلِهِ: ولَوْ خَطَرَتْ لِي في سِواكَ إرادَةٌ عَلى خاطِرِي سَهْوًا حَكَمْتَ بِرِدَّتِي ﴿ لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لِعِظَمِ ما أتَوْا بِهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ ﴾ وهُمُ المَحْجُوبُونَ ﴿ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ ﴾ وهُمُ العارِفُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الَّذِينَ هم خَزائِنُ حَقائِقِ الإيمانِ وفِي الخَبَرِ «لا يَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قائِمِينَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهم عَلى ذَلِكَ» ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ ﴾ وهو آدابُ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ والحَقِيقَةِ (اقْتَدِهْ) أمْرٌ لَهُ  أنْ يَتَّصِفَ بِجَمِيعِ ما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِن ذَلِكَ الهُدى وكانَ ذَلِكَ -عَلى ما قِيلَ- في مَنازِلِ الوَسائِطِ، ولَمّا كَحَّلَ عُيُونَ أسْرارِهِ بِكُحْلِ الرُّبُوبِيَّةِ جَعَلَهُ مُسْتَقِلًّا بِذاتِهِ مُسْتَقِيمًا بِحالِهِ وأخْرَجَهُ مِن حَدِّ الإرادَةِ إلى حَدِّ المَعْرِفَةِ والِاسْتِقامَةِ ولِذا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإسْقاطِ الوَسائِطِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي ﴾ مَعَ قَوْلِهِ  : «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا ما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: لَيْسَ في هَذا تَوْسِيطُ الوَسائِطِ لِأنَّهُ أمَرَ بِالِاقْتِداءِ بِهُداهم لا بِهِمْ.

ونَظِيرُهُ: ﴿ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ أنِ اتَّبِعْ إبْراهِيمَ ﴿ وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أيْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ﴿ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ لَمْ يُظْهِرْ مِن عَلْمِهِ وكَلامِهِ سُبْحانَهُ عَلى أحَدٍ شَيْئًا؛ وذَلِكَ لِزَعْمِهِمُ البُعْدَ مِن عِبادِهِ جَلَّ شَأْنُهُ وعَدَمَ إمْكانِ ظُهُورِ بَعْضِ صِفاتِهِ عَلى مَظْهَرٍ بَشَرِيٍّ، ولَوْ عَرَفُوا لَما أنْكَرُوا ولا اعْتَقَدُوا أنَّهُ لا مُظْهِرَ لِكَمالِ عَلْمِهِ وحِكْمَتِهِ إلّا الإنْسانُ الكامِلُ بَلْ لَوِ ارْتَفَعَ الحَوَلُ عَنِ العَيْنِ لَما رَأوُا الواحِدَ اثْنَيْنِ ﴿ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ﴾ لِما فِيهِ مِن أسْرارِ القُرْبِ والوِصالِ والتَّشْوِيقِ إلى الحُسْنِ والجَمالِ بَلْ مِنهُ تَجَلّى الحَقُّ لِخَلْقِهِ لَوْ يَعْلَمُونَ ﴿ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ لِجَمْعِهِ الظّاهِرَ والباطِنَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ ﴿ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ وهي القَلْبُ ﴿ ومَن حَوْلَها ﴾ مِنَ القُوى ﴿ ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ كَمَنِ ادَّعى الكَمالَ والوُصُولَ إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ عَنْ كَثْرَةِ صِفاتِ النَّفْسِ وزَعَمَ أنَّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ مِن أهْلِ الإرْشادِ وهو لَيْسَ كَذَلِكَ ﴿ أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ كَمَن سَمّى مُفْتَرِياتِ وهْمِهِ وخَيالِهِ ومُخْتَرَعاتِ عَقْلِهِ وفِكْرِهِ وحْيًا وفَيْضًا مِنَ الرُّوحِ القُدْسِيِّ فَتَنَبَّأ لِذَلِكَ، أو ﴿ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ كَمَن تَفَرْعَنَ وادَّعى الأُلُوهِيَّةَ ﴿ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ ﴾ وهم هَؤُلاءِ الأصْنافُ الثَّلاثَةُ ﴿ فِي غَمَراتِ المَوْتِ ﴾ الطَّبِيعِيِّ ﴿ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ كالمُتَقاضِي المُلِظِّ يَقُولُونَ ﴿ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ﴾ تَغْلِيظًا وتَعْنِيفًا عَلَيْهِمْ ﴿ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ ﴾ والصَّغارِ لِوُجُودِ صِفاتِ نُفُوسِكم وهَيْآتِها المُظْلِمَةِ وتَكاثُفِ حُجُبِ أنانِيَّتِكم وتَفَرْعُنِكم ﴿ ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى ﴾ أيْ مُنْفَرِدِينَ مُجَرَّدِينَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ بِالِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ ﴿ إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ ﴾ أيْ حَبَّةِ القَلْبِ بِنُورِ الرُّوحِ عَنِ العُلُومِ والمَعارِفِ ﴿ والنَّوى ﴾ أيْ نَوى النَّفْسِ بِنُورِ القَلْبِ عَنِ الأخْلاقِ والمَكارِمِ أوْ فالِقُ حَبَّةِ المَحَبَّةِ الأزَلِيَّةِ في قُلُوبِ المُحِبِّينَ والصِّدِّيقِينَ، ونَوى شَجَرِ أنْوارِ الأزَلِ في فُؤادِ العارِفِينَ فَتُثْمِرُ بِالأعْمالِ الزَّكِيَّةِ والمَقاماتِ الشَّرِيفَةِ والحالاتِ الرَّفِيعَةِ ﴿ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ أيِ العالِمَ بِهِ مِنَ الجاهِلِ ﴿ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ﴾ أيِ الجاهِلَ مِنَ العالِمِ، أوْ يَخْرُجُ حَيَّ القَلْبِ عَنْ مَيِّتِ النَّفْسِ تارَةً بِاسْتِيلاءِ نُورِ الرُّوحِ عَلَيْها ومُخْرِجُ مَيِّتَ النَّفْسِ عَنْ حَيِّ القَلْبِ أُخْرى بِإقْبالِهِ عَلَيْها واسْتِيلاءِ الهَوى وصِفاتِ النَّفْسِ عَلَيْهِ ﴿ فالِقُ الإصْباحِ ﴾ أيْ مُظْهِرُ أنْوارِ صِفاتِهِ عَلى صَفَحاتِ آفاقِ مَخْلُوقاتِهِ أوْ شاقُّ ظُلْمَةِ الإصْباحِ بِنُورِ الإصْباحُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ بَحْرَ العَدَمِ كانَ مَمْلُوءًا مِنَ الظُّلْمَةِ فَشَقَّهُ بِأنْ أجْرى فِيهِ جَدْوَلًا مِن نُورِهِ حَتّى بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبى.

وقالَ الإمامُ: فالِقُ ظُلْمَةِ العَدَمِ بِصَباحِ التَّكْوِينِ والإيجادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَمادِيَّةِ بِصَباحِ الحَياةِ والعَقْلِ والرَّشادِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الجَهالَةِ بِصَباحِ الِادِّراكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ بِتَخْلِيصِ النَّفْسِ القُدْسِيَّةِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأفْلاكِ، وفالِقُ ظُلْمَةِ الِاشْتِغالِ بِعالَمِ المُمَكِناتِ بِصَباحِ نُورِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ مُدَبِّرِ المُحْدَثاتِ والمُبْدَعاتِ.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: المَعْنى فالِقُ ظُلْمَةِ صِفاتِ النَّفْسِ عَنِ القَلْبِ بِإصْباحِ نُورِ شَمْسِ الرُّوحِ وإشْراقِهِ عَلَيْها، ﴿ وجَعَلَ اللَّيْلَ ﴾ أيْ لَيْلَ الحَيْرَةِ في الذّاتِ البَحْتِ ﴿ سَكَنًا ﴾ تَسْكُنُ إلَيْهِ أرْواحُ العاشِقِينَ كَما قالَ قائِلُهم: زِدْنِي بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَحَيُّرًا وارْحَمْ حَشًا بِلَظى هَواكَ تَسَعَّرا أوْ جاعِلُ ظُلْمَةِ النَّفْسِ سَكَنَ القَلْبِ يَسْكُنُ إلَيْها أحْيانًا لِلِارْتِفاقِ والِاسْتِرْواحِ أوْ سَكَنًا تَسْكُنُ فِيهِ القُوى البَدَنِيَّةُ وتَسْتَقِرُّ عَنِ الِاضْطِرابِ كَما قِيلَ ﴿ والشَّمْسَ ﴾ أيْ شَمْسَ تَجَلِّي الصِّفاتِ ﴿ والقَمَرَ ﴾ أيْ قَمَرَ تَجْلِّي الأفْعالِ ﴿ حُسْبانًا ﴾ أيْ عَلى حِسابِ الأحْوالِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ بِهِما أوْ شَمْسَ الرُّوحِ وقَمَرَ القَلْبِ مَحْسُوبَيْنِ في عِدادِ المَوْجُوداتِ الباقِيَةِ الشَّرِيفَةِ مُعْتَدًّا بِهِما أوْ عَلى حِسابِ الأوْقاتِ والأحْوالِ ﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ ﴾ أيِ المُرْشِدِينَ أوْ نُجُومَ الحَواسِّ ﴿ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ ﴾ وهو عِلْمُ الآدابِ ﴿ والبَحْرِ ﴾ وهو عِلْمُ الحَقائِقِ أوِ المَعْنى لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ بَرِّ الأجْسادِ إلى مَصالِحِ المَعاشِ وبَحْرِ العُلُومِ بِاكْتِسابِها بِها ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ ﴾ أيْ أظْهَرَكم ﴿ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ وهي النَّفْسُ الكُلِّيَّةُ ﴿ فَمُسْتَقَرٌّ ﴾ في أرْضِ البَدَنِ حالَ الظُّهُورِ ﴿ ومُسْتَوْدَعٌ ﴾ في عَيْنِ جَمْعِ الذّاتِ ﴿ وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ﴾ أيْ مِن سَماءِ الرُّوحِ ماءَ العِلْمِ ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أيْ كُلَّ صِنْفٍ مِنَ الأخْلاقِ والفَضائِلِ ﴿ فَأخْرَجْنا مِنهُ ﴾ أيِ النَّباتِ ﴿ خَضِرًا ﴾ زِينَةَ النَّفْسِ وبَهْجَةً لَها ﴿ نُخْرِجُ مِنهُ ﴾ أيِ الخَضِرِ ﴿ حَبًّا مُتَراكِبًا ﴾ أيْ أعْمالًا مُتَرَتِّبَةً شَرِيفَةً ونِيّاتٍ صادِقَةً يَتَقَوّى القَلْبُ بِها ﴿ ومِنَ النَّخْلِ ﴾ أيْ نَخْلِ العَقْلِ ﴿ مِن طَلْعِها ﴾ أيْ مِن ظُهُورِ تَعَلُّقِها ﴿ قِنْوانٌ ﴾ مَعارِفُ وحَقائِقُ ﴿ دانِيَةٌ ﴾ قَرِيبَةُ التَّناوُلِ لِظُهُورِها بِنُورِ الرُّوحِ كَأنَّها بَدِيهِيَّةٌ ﴿ وجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ ﴾ وهي أعْنابُ الأحْوالِ والأذْواقِ، ومِنها تُعْتَصِرُ سُلافَةُ المَحَبَّةِ وفي سَكْرَةٍ مِنها ولَوْ عُمْرَ ساعَةٍ تَرى الدَّهْرَ عَبْدًا طائِعًا ولَكَ الحُكْمُ ﴿ والزَّيْتُونَ ﴾ أيْ زَيْتُونَ التَّفَكُّرِ ﴿ والرُّمّانَ ﴾ أيْ رُمّانَ الهِمَمِ الشَّرِيفَةِ والعَزائِمِ النَّفْسِيَّةِ ﴿ مُشْتَبِهًا ﴾ كَما في أفْرادِ نَوْعٍ واحِدٍ ﴿ وغَيْرَ مُتَشابِهٍ ﴾ كَنَوْعَيْنِ وفَرْدَيْنِ مِنهُما مَثَلًا ﴿ انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ﴾ أيْ راعُوهُ بِالمُراقَبَةِ عِنْدَ السُّلُوكِ وبَدْءِ الحالِ ﴿ ويَنْعِهِ ﴾ وهو كَمالٌ عِنْدَ الوُصُولِ بِالحُضُورِ ﴿ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ ﴾ أيْ جِنِّ الوَهْمِ والخَيالِ حَيْثُ أطاعُوهم وانْقادُوا لَهم ﴿ وخَلَقَهم وخَرَقُوا ﴾ وافْتَرَوْا ﴿ لَهُ بَنِينَ ﴾ مِنَ العُقُولِ ﴿ وبَناتٍ ﴾ مِنَ النُّفُوسِ يَعْتَقِدُونَ أنَّها لِتَجَرُّدِها مُؤَثِّرَةٌ مِثْلُهُ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مِنهم أنَّها أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ لا تُؤَثِّرُ إلّا بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ ﴾ مِن تَقَيُّدِهِ بِما قَيَّدُوهُ بِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في البابِ الحادِيَ والعِشْرِينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: يَعْنِي مِن كُلِّ عَيْنٍ مِن أعْيُنِ الوُجُوهِ وأعْيُنِ القُلُوبِ فَإنَّ القُلُوبَ ما تَرى إلّا بِالبَصَرِ وأعْيُنِ الوُجُوهِ لا تَرى إلّا بِالبَصَرِ فالبَصَرُ حَيْثُ كانَ بِهِ يَقَعُ الِادِّراكُ فَيُسَمّى البَصَرُ في العَقْلِ عَيْنَ البَصِيرَةِ ويُسَمّى في الظّاهِرِ بَصَرَ العَيْنِ، والعَيْنُ في الظّاهِرِ مَحَلُّ البَصَرِ والبَصِيرَةُ في الباطِنِ مَحَلٌّ لِلْعَيْنِ الَّذِي هو بَصَرٌ في عَيْنِ الوَجْهِ فاخْتَلَفَ الِاسْمُ عَلَيْهِ وما اخْتَلَفَ هو في نَفْسِهِ فَكَما لا تُدْرِكُهُ العُيُونُ بِأبْصارِها لا تُدْرِكُهُ البَصائِرُ بِأعْيُنِها، ووَرَدَ في الخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى احْتَجَبَ عَنِ العُقُولِ كَما احْتَجَبَ عَنِ الأبْصارِ وأنَّ المَلَأ الأعْلى يَطْلُبُونَهُ كَما تَطْلُبُونَهُ أنْتُمْ» فاشْتَرَكْنا في الطَّلَبِ مَعَ المَلَإ الأعْلى واخْتَلَفْنا في الكَيْفِيَّةِ فَمِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِفِكْرِهِ والمَلَأُ الأعْلى لَهُ العَقْلُ ومالَهُ الفِكْرُ، ومِنّا مَن يَطْلُبُهُ بِهِ ولَيْسَ في المَلَإ الأعْلى مَن يَطْلُبُهُ بِهِ لِأنَّ الكامِلَ مِنّا هو عَلى الصُّورَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها؛ فَلِهَذا يَصِحُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أنْ يَطْلُبَ اللَّهَ تَعالى بِهِ ومَن طَلَبَهُ بِهِ وصَلَ إلَيْهِ فَإنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ غَيْرُهُ، وأنَّ الكامِلَ مِنّا لَهُ نافِلَةٌ تَزِيدُ عَلى فَرائِضِهِ إذا تَقَرَّبَ العَبْدُ بِها إلى رَبِّهِ أحَبَّهُ؛ فَإذا أحَبَّهُ كانَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ، فَإذا كانَ الحَقُّ بَصَرَ مِثْلِ هَذا العَبْدِ رَآهُ وأدْرَكَهُ بِبَصَرِهِ لِأنَّ بَصَرَهُ الحَقُّ فَما أدْرَكَهُ إلّا بِهِ لا بِنَفْسِهِ، وما ثَمَّ مَلَكٌ يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِنافِلَةٍ بَلْ هم في الفَرائِضِ وفَرائِضُهم قَدِ اسْتَغْرَقَتْ أنْفاسَهم فَلا نَفْلَ عِنْدَهم فَلَيْسَ لَهم مَقامٌ يُنْتِجُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ بَصَرَهم حَتّى يُدْرِكُوهُ بِهِ فَهم عَبِيدُ اضْطِرارٍ ونَحْنُ عَبِيدُ اضْطِرارٍ مِن فَرائِضِنا وعَبِيدُ اخْتِيارٍ مِن نَوافِلِنا، إلى آخِرِ ما قالَ.

وهو صَرِيحٌ في أنَّ بَعْضَ الأبْصارِ تُدْرِكُهُ لَكِنْ مِن حَيْثِيَّةِ رَفْعِ الغَيْرِيَّةِ.

وقالَ في البابِ الرّابِعِ عَشَرَ وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ: مَن رَأى الحَقَّ كِفاحًا عَلَنًا إنَّما أبْصَرَهُ ∗∗∗ خَلْفَ حِجابٍ وهو لا يَعْرِفُهُ وهُوَ بِهِ إنَّ هَذا لَهو الأمْرُ العُجابُ كُلُّ راءٍ لا يَرى غَيْرَ الَّذِي هو فِيهِ مِن نَعِيمٍ وعَذابٍ صُورَةُ الرّائِي تَجَلَّتْ عِنْدَهُ وهو عَيْنُ الرّاءِ بَلْ عَيْنُ الحِجابِ فَإذا رَآهُ سُبْحانَهُ الرّائِي كِفاحًا فَما يَراهُ إلّا حَتّى يَكُونَ الحَقُّ جَلَّ جَلالُهُ بَصَرَهُ فَيَكُونُ هو الرّائِيَ نَفْسَهُ بِبَصَرِهِ في صُورَةِ عَبْدِهِ فَأعْطَتْهُ الصُّورَةُ المُكافَحَةَ إذا كانَتِ الحامِلَةَ لِلْبَصَرِ ولِجَمِيعِ القُوى إلَخْ.

وقالَ في البابِ الحادِي وأرْبَعِمِائَةٍ بَعْدَ أنْ أنْشَدَ: قَدِ اسْتَوى المَيِّتُ والحَيُّ ∗∗∗ في كَوْنِهِمْ ما عِنْدَهم شَيٌّ مِنِّي فَلا نُورَ ولا ظُلْمَةَ ∗∗∗ فِيهِمْ ولا ظِلَّ ولا في رُؤْيَتِهِمْ لِي مَعْدُومَةٌ فَنَشْرُهم في كَوْنِهِمْ طَيٌّ وفَهْمِهِمْ إنْ كانَ مَعْناهم عَنْهُ إذا حَقَّقْتَهُ غَيٌّ إنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ لا يَرى الرّائِي إذا رَآهُ مِنهُ إلّا قَدْرَ مَنزِلَتِهِ ورُتْبَتِهِ فَما رَآهُ وما رَأى إلّا نَفْسَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما تَفاضَلَتِ الرُّؤْيَةُ في الرّائِينَ إذْ لَوْ كانَ هو المَرْئِيَّ ما اخْتَلَفُوا لَكِنْ لَمّا كانَ هو سُبْحانَهُ مُجَلِّيَ رُؤْيَتِهِمْ أنْفُسَهم لِذَلِكَ وصَفُوهُ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَتَجَلّى، ولَكِنَّ شُغْلَ الرّائِي بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ في مَجْلى الحَقِّ حَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ فَلَوْ لَمْ تَبْدُ لِلرّائِي صُورَتُهُ أوْ صُورَةُ كَوْنٍ مِنَ الأكْوانِ رُبَّما كانَ يَراهُ فَما حَجَبَنا عَنْهُ إلّا رُؤْيَةُ نُفُوسِنا فِيهِ فَلَوْ زِلْنا عَنّا ما رَأيْناهُ لِأنَّهُ ما كانَ يَبْقى بِزَوالِنا مَن يَراهُ وإنْ نَحْنُ لَمْ نَزُلْ فَما نَرى إلّا نُفُوسَنا فِيهِ وصُوَرَنا وقَدْرَنا ومَنزِلَتَنا فَعَلى كُلِّ حالٍ ما رَأيْناهُ، وقَدْ نَتَوَسَّعُ فَنَقُولُ: قَدْ رَأيْناهُ ونَصْدُقُ كَما أنَّهُ لَوْ قُلْنا: رَأيْنا الإنْسانَ صَدَقْنا في أنْ نَقُولَ رَأيْنا مَن مَضى مِنَ النّاسِ ومَن بَقِيَ ومَن في زَمانِنا مِن كَوْنِهِمْ إنْسانًا لا مِن حَيْثُ شَخْصِيَّةِ كُلِّ إنْسانٍ، ولَمّا كانَ العالَمُ أجْمَعُهُ وآحادُهُ عَلى صُورَةِ حَقٍّ ورَأيْنا الحَقَّ فَقَدْ رَأيْنا وصَدَّقْنا، وإذا نَظَرْنا في عَيْنِ التَّمْيِيزِ في عَيْنِ عَيْنٍ لَمْ نُصَدِّقْ إلى ءاخِرِ ما قالَ.

وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ لِهَذا المَطْلَبِ ومِنهُ يُعْلَمُ ما في قَوْلِ بَعْضِهِمْ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ لِغايَةِ ظُهُورِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ اللَّطِيفُ ﴾ إذْ لا ألْطَفَ كَما قالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ مِن هَوِيَّةِ تَكَوُّنِ عَيْنِ بَصَرِ العَبْدِ ﴿ الخَبِيرُ ﴾ أيِ العَلِيمُ خِبْرَةً أنَّهُ بَصَرُ العَبْدِ ﴿ واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ و ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ وعَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ: اللَّطِيفُ مَن نَوَّرَ قَلْبَكَ بِالهُدى، ورَبّى جِسْمَكَ بِالغِذاءِ، وجَعَلَ لَكَ الوِلايَةَ بِالبَلْوى، ويَحْرُسُكَ وأنْتَ في لَظى، ويُدْخِلُكَ جَنَّةَ المَأْوى.

وقالَ غَيْرُهُ: اللَّطِيفُ إنْ دَعَوْتَهُ لَبّاكَ، وإنْ قَصَدْتَهُ آواكَ، وإنْ أحْبَبْتَهُ أدْناكَ، وإنْ أطَعْتَهُ كافاكَ، وإنْ أغْضَبْتَهُ عافاكَ، وإنْ أعْرَضْتَ عَنْهُ دَعاكَ، وإنْ أقْبَلْتَ إلَيْهِ هَداكَ، وإنْ عَصَيْتَهُ راعاكَ.

وهو كَلامٌ ما ألْطَفَهُ ﴿ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ ﴾ وهي صُوَرُ تَجَلِّياتِ صِفاتِهِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أنَّها كَلِماتُهُ الَّتِي تَجَلّى مِنها لِذَوِي الحَقائِقِ وبَرَزَتْ مِن تَحْتِ سُرادِقاتِها أنْوارُ نُعُوتِهِ الأزَلِيَّةِ ﴿ فَمَن أبْصَرَ ﴾ واهْتَدى ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ ذَلِكَ الإبْصارُ أيْ أنَّ ثَمَرَتَهُ تَعُودُ إلَيْهِ ﴿ ومَن عَمِيَ ﴾ واحْتَجَبَ عَنِ الهُدى ﴿ فَعَلَيْها ﴾ عَماهُ واحْتِجابُهُ ﴿ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ ﴾ بَلِ اللَّهُ تَعالى حَفِيظٌ عَلَيْكم لِأنَّكم وسائِرُ شُؤُونِكم بِهِ مَوْجُودُونَ (وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) قالَ ابْنُ عَطاءٍ أيْ حَقِيقَةَ البَيانِ وهو الوُقُوفُ مَعَهُ حَيْثُ ما وقَفَ والجَرْيُ مَعَهُ حَيْثُ ما جَرى لا يَتَقَدَّمُ بِغَلَبَتِهِ ولا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ لِعَجْزِهِ، وقالَ آخَرُ: المَعْنى يَعْرِفُونَ قَدَرِي ويَفْهَمُونَ خِطابِي لا مَن لا يَعْرِفُ مَكانَ خِطابِي ومُرادِي مِن كَلامِي ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ قِيلَ: هو إشارَةٌ إلى وحْيٍ خاصٍّ بِهِ  لا يَتَحَمَّلُهُ غَيْرُهُ أوْ إشارَةٌ إلى الوَحْيِ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولِذا وصَفَ سُبْحانَهُ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا إلَهَ إلا هُوَ ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ المَحْجُوبِينَ بِالكَثْرَةِ عَنِ الوَحْدَةِ ﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا ﴾ بَلْ شاءَ سُبْحانَهُ إشْراكَهم لِأنَّهُ المَعْلُومُ لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أزَلًا دُونَ إيمانِهِمْ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُهُ دُونَ ما لا يَعْلَمُهُ مِنَ النَّفْيِ الصِّرْفِ ﴿ ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بَلْ أرْشِدُوهم إلى الحَقِّ بِالَّتِي هي أحْسَنُ ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِأنْ يَسُبُّوكم وأنْتُمْ أعْظَمُ مَظاهِرِهِ ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ إذْ هو الَّذِي طَلَبُوهُ مِنّا بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادِهِمُ الأزَلِيِّ ومِن شَأْنِنا أنْ لا نَرُدَّ طالِبًا ﴿ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ﴾ أيْ أنَّهم طَلَبُوا خَوارِقَ العاداتِ وأعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ لِاحْتِجابِهِمْ بِالحِسِّ والمَحْسُوسِ ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ فَيَأْتِي بِها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ لِسَبْقِ الشَّقاءِ عَلَيْهِمْ ﴿ ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ لِاقْتِضاءِ اسْتِعْدادِهِمْ ذَلِكَ ﴿ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ حِينَ أعْرَضُوا عَنِ الحُجَجِ البَيِّناتِ أوْ في الأزَلِ ﴿ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ الَّذِي هو لَهم بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لا يَدْرُونَ وجْهَ الرَّشادِ (ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ) تَمَّ طَبْعُ الجُزْءِ السّابِعِ مِن تَفْسِيرِ رُوحِ المَعانِي لِلْعَلّامَةِ الألُوسِيِّ بِحَوْلِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ ويَتْلُوهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الجُزْءُ الثّامِنُ مِنهُ وأوَّلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا ﴾ الآيَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ يعني: نترك قلوبهم وأبصارهم مغلقة كما هي ولا أوفقهم.

كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قبل نزول الآيات ويقال عند انشقاق القمر: لما لم يعتبروا به ولم يؤمنوا فعاقبهم الله تعالى وختم على قلوبهم فثبتوا على كفرهم.

وَنَذَرُهُمْ يقول: وندعهم فِي طُغْيانِهِمْ يعني: في ضلالتهم يَعْمَهُونَ يعني: يترددون ويتحيرون فيه.

ويقال: كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني: كما لم يؤمن به أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآية من أنبيائهم قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ هذا جواب لقولهم: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [الأنعام: 8] فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [الفرقان: 7] قال الله تعالى.

ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة كما سألوا حتى يشهدوا بأنك رسول الله وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى بأنك رسول الله وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا قرأ نافع وابن عامر قُبُلًا بكسر القاف ونصب الباء.

وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالضم فمعناه جماعة القبيل.

والقبيل الكفيل.

ويقال قبلاً: أي أصنافاً من الآدميين ومن الملائكة ومن الوحش.

ومن قرأ قُبُلًا بالكسر معناه: وحشرنا عليهم كل شيء معاينة فعاينوه.

مَّا كانُوا لِيُؤْمِنُوا وهذا إعلام للنبي  بأنهم لا يؤمنون كما أعلم نوحاً-  - أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: 36] .

ثم قال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني: إلا من هو أهل لذلك فيوفقه الله تعالى.

ويقال: إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يقول: قد شاء الله أن لا يؤمنوا حيث خذلهم ولم يوفقهم.

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ عن ذلك ويقال: أكثرهم يجهلون الحق أنه من الله تعالى.

ويقال: يجهلون ما في العلامة من وجوب هلاكهم بعد العلامة إن لم يؤمنوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...

الآية: مخاطبة للمؤمنين والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس: سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ: إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه «١» ، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة/، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى سبّ الإسلام أو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو اللَّه عزَّ وجلَّ، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك على معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، وعَدْواً: مصدر من الاعتداء، وبِغَيْرِ عِلْمٍ: بيانٌ لمعنى الاعتداءِ.

وقوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله:

ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ...

الآية: تتضمَّن وعداً جميلاً للمحسنين، ووعيداً ثقيلاً للمسيئين.

وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها: اللام في قوله: لَئِنْ لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله: لَيُؤْمِنُنَّ بِها، وآيَةٌ: يريد: علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: ٤] ، أقسموا حينئذٍ أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَباً، وأقسموا على ذلك، فقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له: إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَباً، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتى يتوبَ تائبهم، فقال- عليه الصلاة والسلام-: بل حتّى يتوب تائبهم «٢» ، ونزلت الآية.

قال ابنُ العربيِّ: قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، يعني: غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم.

انتهى من «الأحكام» .

ثم قال تعالى: قل لهم، يا محمَّد على جهة الردِّ والتخطئةِ: إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال: وَما يُشْعِرُكُمْ، قال مجاهدٌ: وابن زيد:

المخاطَبُ بهذا الكفَّار «١» ، وقال الفَرَّاء وغيره: المخاطَبُ بهذا المؤمنون، وَما يُشْعِرُكُمْ:

معناه: وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير «٢» وغيره: «إنَّهَا» - بكسر الألف-، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ «تُؤْمِنُونَ» «٣» - بالتاء-، وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبةُ، أولاً وآخراً، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ.

وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولاً وآخراً، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره: «أَنَّهَا» - بفتح الألف-، فقيل: إنَّ «لا» زائدةٌ في قوله: لاَ يُؤْمِنُونَ كما زيدَتْ في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٩٥] ، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنى، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذراً للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ «لا» ، ومنهم مَنْ جعل أَنَّها بمعنى لَعَلَّها، وحكاه سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، «لا» ، وحكى الكسائيُّ: أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ» ، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون «لا» زائدةً، وبسط شواهده في ذلك.

وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فالمعنى على ما قالت فرقة: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم استأنف على هذا: ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة: إنما المراد بالتقْلِيبِ التّحويل عن الحقّ والهدى والتّرك في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ ﴾ التَّقْلِيبُ: تَحْوِيلُ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ.

وفي مَعْنى الكَلامِ، أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ أتَيْناهم بِآَيَةٍ كَما سَألُوا، لَقَلَّبْنا أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِها، وَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى، فَلَمْ يُؤْمِنُوا كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِما رَأوْا قَبْلَها عُقُوبَةً لَهم عَلى ذَلِكَ.

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ جَوابٌ لَسُؤالِهِمْ في الآَخِرَةِ الرُّجُوعُ إلى الدُّنْيا؛ فالمَعْنى: لَوْ رَدُّوا لَحُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الهُدى كَما حُلْنا بَيْنَهم وبَيْنَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ وهم في الدُّنْيا.

رَوى هَذا المَعْنى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ونُقَلِّبُ أفْئِدَةَ هَؤُلاءِ وأبْصارَهم عَنِ الإيمانِ بِالآَياتِ كَما لَمْ يُؤْمِن أوائِلُهم مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما رَأوْا مِنَ الآَياتِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّ ذَلِكَ التَّقْلِيبَ في النّارِ، عُقُوبَةٌ لَهم، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وفي هاءِ "بِهِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها كِنايَةٌ عَنِ القُرْآَنِ.

والثّانِي: عَنَ النَّبِيِّ  .

والثّالِثُ: عَمّا ظَهَرَ مِنَ الآَياتِ.

والرّابِعُ: عَنَ التَّقْلِيبِ.

وفي المُرادِ بِـ "أوَّلِ مَرَّةٍ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المَرَّةَ الأُولى: دارُ الدُّنْيا.

والثّانِي: أنَّها مُعْجِزاتُ الأنْبِياءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.

والثّالِثُ: أنَّها صَرْفُ قُلُوبِهِمْ عَنِ الإيمانِ قَبْلَ نُزُولِ الآَياتِ أنْ لَوْ نَزَلَتْ؛ والطُّغْيانُ والعَمَهُ مَذْكُورانِ في [سُورَةِ البَقْرَةِ] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ونَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَأقْسَمُوا"؛ ﴾ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ؛ و"جَهْدَ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ والعامِلُ فِيهِ: ﴿ "وَأقْسَمُوا"؛ ﴾ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ؛ وعَلى مَذْهَبِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مِن لَفْظِهِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَئِنْ"؛ لامٌ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ مُؤْذِنَةٌ بِهِ؛ وأمّا اللامُ المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ؛ فَهي قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: "لَيُؤْمِنُنَّ"؛ و"آيَةٌ" يُرِيدُ: عَلامَةٌ.

وحُكِيَ «أنَّ الكُفّارَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ  ﴾ ؛ أقْسَمُوا حِينَئِذٍ أنَّها إنْ نَزَلَتْ آمَنُوا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛» وحُكِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا أنْ يَعُودَ "اَلصَّفا" ذَهَبًا؛ وأقْسَمُوا عَلى ذَلِكَ؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَدْعُو في ذَلِكَ؛ فَجاءَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ لَهُ: "إنْ شِئْتَ أصْبَحَ ذَهَبًا؛ فَإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا هَلَكُوا عن آخِرِهِمْ مُعاجَلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالأُمَمِ إذْ لَمْ تُؤْمِن بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ؛ وإنْ شِئْتَ أُخِّرُوا حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "بَلْ حَتّى يَتُوبَ تائِبُهُمْ"؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "لَيُؤْمَنَنْ"؛ بِفَتْحِ المِيمِ؛ والنُونِ؛ وبِالنُونِ الخَفِيفَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى "قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ الرَدِّ والتَخْطِئَةِ -: إنَّما الآياتُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ وعِنْدَهُ؛ لَيْسَتْ عِنْدِي؛ فَتُقْتَرَحَ عَلَيَّ"؛ ثُمَّ قالَ - سُبْحانَهُ -: "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ فاخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى "وَما يُشْعِرُكُمْ"؟

ومَنِ المُسْتَفْهِمُ بِـ "وَما"؛ اَلَّتِي يَعُودُ عَلَيْها الضَمِيرُ الفاعِلُ في "يُشْعِرُكُمْ"؟

فَقالَ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمُخاطَبُ بِذَلِكَ الكُفّارُ؛ وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: اَلْمُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ؛ "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ مَعْناهُ: "وَما يُعْلِمُكُمْ؟"؛ و"وَما يُدْرِيكُمْ؟"؛ وقَرَأ قَوْمٌ: "يُشْعِرْكُمْ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ وهي عَلى التَخْفِيفِ؛ ويُحَسِّنُها أنَّ الخُرُوجَ مِن كَسْرَةٍ إلى ضَمَّةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ داوُدَ الإيادِيِّ -: "إنَّها"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ عَلى القَطْعِ؛ واسْتِئْنافِ الإخْبارِ؛ فَمَن قَرَأ: "تُؤْمِنُونَ"؛ بِالتاءِ - وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةَ -؛ اسْتَقامَتْ لَهُ المُخاطَبَةُ أوَّلًا وآخِرًا لِلْكُفّارِ؛ ومَن قَرَأ: "يُؤْمِنُونَ" بِالياءِ - وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٍ ؛ وأبِي عَمْرٍو ؛ والكِسائِيِّ -؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ أوَّلًا وآخِرًا المُؤْمِنِينَ؛ ويُحْتَمَلَ أنْ يُخاطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى "وَما يُشْعِرُكُمْ"؛ اَلْكُفّارَ؛ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الإخْبارَ عنهم لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ومَفْعُولُ "يُشْعِرُكُمْ"؛ اَلثّانِي مَحْذُوفٌ؛ ويَخْتَلِفُ تَقْدِيرُهُ بِحَسَبِ كُلِّ تَأْوِيلٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وابْنُ عامِرٍ: "أنَّها"؛ بِفَتْحِ الألِفِ؛ فَمِنهم مَن جَعَلَها "أنَّ" اَلَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمَلِ؛ وتَأْتِي بَعْدَ الأفْعالِ؛ كَـ "عَلِمْتُ"؛ و"ظَنَنْتُ"؛ وأعْمَلَ فِيها "يُشْعِرُكُمْ"؛ والتَزَمَ بَعْضُهم أنَّ "لا"؛ زائِدَةٌ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "لا يُؤْمِنُونَ"؛ ﴾ وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: "وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ"؛ أو: "تُؤْمِنُونَ"؛ فَزِيدَتْ "لا"؛ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ  ﴾ ؛ لِأنَّ المَعْنى: "وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ مُهْلَكَةٍ رُجُوعُهُمْ"؛ وكَما جاءَتْ في قَوْلِ الشاعِرِ: أبى جُودُهُ لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ قالَ الزَجّاجُ: أرادَ: "أبى جُودُهُ البُخْلَ"؛ كَما جاءَتْ زائِدَةً في قَوْلِ الشاعِرِ: أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ ودَعا إلى التِزامِ هَذا حِفْظُ المَعْنى؛ لِأنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ زائِدَةً لَعادَ الكَلامُ عُذْرًا لِلْكُفّارِ؛ وفَسَدَ المُرادُ بِالآيَةِ؛ وضَعَّفَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ زِيادَةَ "لا"؛ وقالَ: هَذا غَلَطٌ؛ ومِنهم مَن جَعَلَ "أنَّها"؛ بِمَعْنى: "لَعَلَّها"؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ؛ وهو تَأْوِيلٌ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرِ زِيادَةِ "لا"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّهُ كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما أدْراكم لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ"؛ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: قُلْتُ لَشَيْبانَ ادْنُ مِن لِقائِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أنَّ تُغَذِّي القَوْمُ مِن شِوائِهِ فَهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى "لَعَلَّ"؛ وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا؛ بِأنَّ التَوَقُّعَ الَّذِي فِيهِ لا يُناسِبُ الآيَةَ بَعْدُ؛ الَّتِي حَكَمَتْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ وتَرَجَّحَ عِنْدَهُ في الآيَةِ أنْ تَكُونَ "أنَّ"؛ عَلى بابِها؛ وأنْ يَكُونَ المَعْنى: "قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ لِأنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ"؛ فَهو لا يَأْتِي بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ"؛ وتَكُونَ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ  ﴾ ؛ أيْ: "بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنْ تَكُونَ "وَما"؛ نافِيَةً؛ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ ؛ فَتَأمَّلْ؛ وتَرَجَّحَ عِنْدَهُ أيْضًا أنْ تَكُونَ "لا"؛ زائِدَةً؛ وبَسَطَ شَواهِدَهُ في ذَلِكَ؛ وحَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ في آخِرِ الآيَةِ حَذْفًا يُسْتَغْنى بِهِ عن زِيادَةِ "لا"؛ وعن تَأْوِيلِها بِمَعْنى "لَعَلَّ"؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: "أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ أو يُؤْمِنُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لا يُعَضِّدُهُ لَفْظُ الآيَةِ؛ ولا يَقْتَضِيهِ؛ وَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: "وَما يُشْعِرُكم بِهَذِهِ الحَقِيقَةِ؟"؛ أيْ: "لا سَبِيلَ إلى شُعُورِكم بِها؛ وهي حَقٌّ في نَفْسِها؛ وهم لا يُؤْمِنُونَ أنْ لَوْ جاءَتْ"؛ و"وَما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يُشْعِرُكم إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ ؛ اَلْمَعْنى عَلى ما قالَتْ فِرْقَةٌ: "وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم في النارِ؛ وفي لَهِيبِها؛ في الآخِرَةِ؛ لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا في الدُنْيا"؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى هَذا: "وَنَذَرُهُمْ"؛ في الدُنْيا؛ "فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ".

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المُرادُ بِالتَقْلِيبِ: اَلتَّحْوِيلُ عَنِ الحَقِّ؛ والهُدى؛ والتَرْكُ في الضَلالَةِ؛ والكُفْرِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّهم يُؤْمِنُونَ إنْ جاءَتْ آيَةٌ؛ نَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ؛ أنْ لَوْ جاءَتْ فَلا يُؤْمِنُونَ بِها؛ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ اللهِ تَعالى "؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِصُورَةِ فِعْلِهِ بِهِمْ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "يَذَرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَيُقَلِّبُ"؛ "وَيَذَرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ فِيهِما؛ كِنايَةً عَنِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ وقَرَأ أيْضًا - فِيما رَوى عنهُ مُغِيرَةُ -: "وَتَقَلَّبُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ واللامِ؛ بِمَعْنى: "وَتَتَقَلَّبُ أفْئِدَتُهم وأبْصارُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ فِيهِما؛ "وَيَذَرْهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وجَزْمِ الراءِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "كَما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ إنَّما بِمَعْنى المُجازاةِ؛ أيْ: "لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ نُجازِيهِمْ بِأنْ نُقَلِّبَ أفْئِدَتَهم عَنِ الهُدى؛ ونَطْبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ"؛ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: "وَنَحْنُ نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ؛ وأبْصارَهُمْ؛ جَزاءً؛ لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا أوَّلَ مَرَّةٍ؛ بِما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ الشَرْعِ".

والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أو عَلى القُرْآنِ؛ أو عَلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "وَنَذَرُهُمْ"؛ مَعْناهُ: نَتْرُكُهُمْ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والهَمَذانِيُّ: "وَيَذَرْهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وجَزْمِ الراءِ؛ عَلى وجْهِ التَخْفِيفِ.

و"اَلطُّغْيانُ": اَلتَّخَبُّطُ في الشَرِّ؛ والإفْراطُ فِيما يَتَناوَلُهُ المَرْءُ؛ و"اَلْعَمى": اَلتَّرَدُّدُ؛ والحَيْرَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

يجوز أن يكون عطفاً على جملة ﴿ أنّها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 109] فتكون بياناً لقوله ﴿ لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 109]، أي بأن نعطِّل أبصارَهم عن تلك الآية وعقولهم عن الاهتداء بها فلا يبصُرون ما تحتوي عليه الآية من الدّلائل ولا تفقه قلوبهم وجه الدّلالة فيتعطَّل تصديقهم بها، وذلك بأن يحرمهم الله من إصلاح إدراكهم، وذلك أنّهم قد خُلقت عقولهم نابية عن العلم الصّحيح بما هيّأ لها ذلك من انسلالها من أصول المشركين، ومن نشأتها بين أهل الضّلال وتلقّي ضلالتهم، كما بيّنتُه آنفاً.

فعبّر عن ذلك الحال المخالف للفطرة السّليمة بأنّه تقليب لعقولهم وأبصارهم، ولأنّها كانت مقلوبة عن المعروف عند أهل العقول السّليمة، وليس داعي الشّرك فيها تقليباً عن حالة كانت صالحة لأنّها لم تكن كذلك حيناً، ولكنّه تقليب لأنّها جاءت على خلاف ما الشّأن أن تجيء عليه.

وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى القرآن المفهوم من قوله: ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ [الأنعام: 109] فإنّهم عَنوا آية غير القرآن.

والكاف في قوله: ﴿ كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ﴾ لتشبيه حالة انتفاء إيمانهم بعد أن تجيئهم آية ممّا اقترحوا.

والمعنى ونقلِّب أيديهم وأبصارهم فلا يؤمنون بالآية الّتي تجيئهم مثلَما لم يؤمنوا بالقرآن من قبلُ، فتقليب أفئدتهم وأبصارهم على هذا المعنى يحصل في الدّنيا، وهو الخذلان.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ مستأنفة والواو للاستئناف، أو أن تكون معطوفة على جملة ﴿ لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 109].

والمعنى: ونحن نقلّب أفئدتهم وأبصارهم، أي في نار جهنّم، كناية عن تقليب أجسادهم كلّها.

وخصّ من أجسادهم أفئدتُهم وأبصارهُم لأنّها سبب إعراضهم عن العبرة بالآيات، كقوله تعالى: ﴿ سحروا أعْيُن النّاس ﴾ [الأعراف: 116]، أي سحروا النّاسَ بما تُخيِّلُه لهم أعينهم.

والكاف في قوله: ﴿ كما لم يؤمنوا به ﴾ على هذا الوجه للتّعليل كَقوله: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198].

وأقول: هذا الوجه يناكده قوله ﴿ أوّل مرّة ﴾ إذ ليس ثمّة مرّتان على هذا الوجه الثّاني، فيتعيّن تأويل ﴿ أوّل مرّة ﴾ بأنّها الحياة الأولى في الدّنيا.

والتّقليب مصدر قلّب الدالّ على شدّة قلب الشّيء عن حاله الأصليّة.

والقلب يكون بمعنى جعل المقابل للنظر من الشيء غير مقابل، كقوله تعالى: ﴿ فأصبح يُقلِّب كفَّيْه على ما أنفق فيها ﴾ [الكهف: 42]، وقولهم: قَلَب ظَهْر المِجَن، وقريب منه قوله: ﴿ قد نرى تقلّب وجهك في السّماء ﴾ [البقرة: 144]؛ ويكون بمعنى تغيير حالة الشيء إلى ضدّها لأنّه يشبه قلب ذات الشّيء.

والكاف في قوله: ﴿ كما لم يؤمنوا به ﴾ الظّاهر أنّها للتّشبيه في محلّ حال من ضمير ﴿ لا يؤمنون ﴾ [الأنعام: 109]، و«ما» مصدريّة.

والمعنى: لا يؤمنون مثل انتفاء إيمانهم أوّل مرّة.

والضّمير المجرور بالباء عائد إلى القرآن لأنّه معلوم من السّياق كما في قوله: ﴿ وكذّب به قومك ﴾ [الأنعام: 66]، أي أنّ المكابرة سجيّتهم فكما لم يؤمنوا في الماضي بآية القرآن وفيه أعظم دليل على صدق الرّسول عليه الصّلاة والسّلام لا يؤمنون في المستقبل بآيةٍ أخرى إذا جاءتهم.

وعلى هذا الوجه يكون قوله: ﴿ ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ معترضاً بالعطف بين الحال وصاحبها.

ويجوز أن يجعل التّشبيه للتقليب فيكون حالاً من الضّمير في ﴿ نقلّب ﴾ ، أي نقلّب أفئدتهم وأبصارهم عن فطرة الأفئدة والأبصار كما قلّبناها فلم يؤمنوا به أوّل مرّة إذ جمحوا عن الإيمان أوّلَ ما دعاهم الرّسول عليه الصّلاة والسّلام، ويصير هذا التّشبيه في قوّة البيان للتّقليب المجعول حالاً من انتفاء إيمانهم بأنّ سبب صدورهم عن الإيمان لا يزال قائماً لأنّ الله حرمهم إصلاح قلوبهم.

وجوّز بعض المفسّرين أن تكون الكاف للتّعليل على القول بأنّه من معانيها، وخُرّج عليه قوله تعالى: ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ [البقرة: 198].

فالمعنى: نقلّب أفئدتهم لأنّهم عصوا وكابروا فلم يؤمنوا بالقرآن أوّلَ ما تحدّاهم، فنجعلُ أفئدتهم وأبصارهم مستمرّة الانقلاب عن شأن العقول والأبصار، فهو جزاء لهم على عدم الاهتمام بالنّظر في أمر الله تعالى وبعثة رسوله، واستخفافهم بالمبادرة إلى التّكذيب قبل التّأمّل الصّادق.

وتقديم الأفئدة على الأبصار لأنّ الأفئدة بمعنى العقول، وهي محلّ الدّواعي والصّوارف، فإذا لاح للقلب بارق الاستدلال وجّه الحواس إلى الأشياء وتأمّل منها.

والظّاهر أنّ وجه الجمع بين الأفئدة والأبصار وعدم الاستغناء بالأفئدة عن الأبصار لأنّ الأفئدة تختصّ بإدراك الآيات العقليّة المحضة، مثل آية الأمِّية وآيةِ الإعجاز.

ولمّا لم تكفهم الآيات العقليّة ولم ينتفعوا بأفئدتهم لأنّها مقلَّبة عن الفطرة وسألوا آيات مرئيّة مبصَرة، كأنْ يرقى في السّماء وينزلَ عليهم كتاباً في قرطاس، أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بأنّهم لو جاءتهم آية مبصرة لَمَا آمنوا لأنّ أبصارهم مقلّبة أيضاً مثل تقليب عقولهم.

وذُكِّر ﴿ أوّل ﴾ مع أنّه مضاف إلى ﴿ مرّة ﴾ إضافة الصفة إلى الموصوف لأنّ أصل «أوّل» اسمُ تفضيل.

واسم التّفضيل إذا أضيف إلى النّكرة تعيّن فيه الإفراد والتّذكير، كما تقول: خَديجَةُ أوّل النّساء إيماناً ولا تقول أولى النّساء.

والمراد بالمرّة مرّة من مَرّتَيْ مجيء الآيات، فالمرّة الأولى هي مَجيء القرآن، والمرّة الثّانية هي مجيء الآية المقترحة، وهي مرّة مفروضة.

﴿ ونَذَرُهم ﴾ عطف على ﴿ نُقلّب ﴾ .

فحُقِّق أنّ معنى ﴿ نقلّب أفئدتهم ﴾ نتركها على انقلابها الّذي خلقت عليه، فكانت مملوءة طغياناً ومكابرة للحقّ، وكانت تصرف أبصارهم عن النّظر والاستدلال، ولذلك أضاف الطّغيان إلى ضميرهم للدّلالة على تأصّله فيهم ونشأتهم عليه وأنّهم حرموا لين الأفئدة الّذي تنشأ عنه الخشيةُ والذّكرى.

والطّغيان والعَمَه تقدّماً عند قوله تعالى: ﴿ ويمُدّهم في طغيانهم يعمهون ﴾ في سورة [البقرة: 15].

والظّرفيّة من قوله: في طغيانهم } مجازية للدّلالة على إحاطة الطّغيان بهم، أي بقلوبهم.

وجملة: ﴿ ونذرهم ﴾ معطوفة على ﴿ نقلّب ﴾ .

وجملة ﴿ يعمهون ﴾ حال من الضّمير المنصوب في قوله: ﴿ ونذرهم ﴾ .

وفيه تنبيه على أنّ العمَه ناشيء عن الطّغيان.

الجزء الثامن <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها ﴾ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ حَلَفُوا بِاللَّهِ لِرَسُولِهِ  لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ اقْتَرَحُوها لَيُؤْمِنُنَّ بِها، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُسْتَهْزِئُونَ.

واخْتُلِفَ في الآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحُوها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْ تَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا.

والثّانِي: ما ذَكَرَهُ اللَّهُ في آخِرِ: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ ﴿ أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا ﴾ ﴿ أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ كِتابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ حِينَ أقْسَمُوا لَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ﴿ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى في الشُّعَراءِ: ﴿ إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ ﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: أنْزِلْها عَلَيْنا حَتّى نُؤْمِنَ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِلْها عَلَيْهِمْ لِيُؤْمِنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ: ولَيْسَ يَجِبُ عَلى اللَّهِ إجابَتُهم إلى اقْتِراحِهِمْ لا سِيَّما إذا عَلِمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، واخْتُلِفَ في وُجُوبِها عَلَيْهِ إذا عَلِمَ إيمانَهم بِها عَلى قَوْلَيْنِ وقَدْ أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهم كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ وهَذا مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةٌ لَهم، وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ في الآخِرَةِ يُقَلِّبُها في النّارِ.

والثّانِي: في الدُّنْيا بِالحَيْرَةِ حَتّى يُزْعِجَ النَّفْسَ ويَغُمَّها.

والثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّنا نُحِيطُ بِذاتِ الصُّدُورِ وخائِنَةِ الأعْيُنِ مِنهم.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أوَّلُ مَرَّةٍ جاءَتْهُمُ الآياتُ.

والثّانِي: أنَّ الأوَّلَ أحْوالُهم في الدُّنْيا كُلُّها، ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ تَعالى حالَ عَنَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: أنزلت في قريش ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ﴾ يا معشر المسلمين ﴿ أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ إلا إن يشاء الله فيجبرهم على الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: «كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كان معه عصاً يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يُحيي الموتى، وأن ثمود كان لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فإن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم.

والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهباً.

فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم؟

فقال: بلى يتوب تائبهم.

فأنزل الله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ إلى قوله: ﴿ يجهلون ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ﴾ في المستهزئين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، فنزل فيهم ﴿ وأقسموا بالله ﴾ حتى ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: القسم يمين، ثم قرأ ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: القسم يمين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها ﴾ قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية فاستحلفهم ليؤمنن بها ﴿ قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم ﴾ قال: ما يدريكم، ثم أوجب عليه أنهم لا يؤمنون ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ قال: نحول بينهم وبين الأيمان لو جاءتهم كل آية كما حلنا بينهم وبينه أول مرة ﴿ ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ قال: يترددون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من وجه آخر عن مجاهد في قوله: ﴿ وما يشعركم ﴾ قال: وما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءت، ثم استقبل يخبر فقال: أنها إذا جاءت لا يؤمنون.

وأخرج أبو الشيخ عن النضر بن شميل قال: سأل رجل الخليل بن أحمد عن قوله: ﴿ وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ فقال: إنها لعلها ألا ترى أنك تقول: اذهب إنك تأتينا بكذا وكذا، يقول: لعلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، وردت عن كل أمر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ونقلب أفئدتهم...

﴾ الآية.

قال: جاءهم محمد بالبينات فلم يؤمنوا به، فقلبنا أبصارهم وأفئدتهم ولو جاءتهم كل آية مثل ذلك لم يؤمنوا إلا أن يشاء الله.

وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد وابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عسكر عن أم الدرداء.

أن أبا الدرداء لما احتضر جعل يقول: من يعمل لمثل يومي هذا: من يعمل لمثل ساعتي هذه، من يعمل لمثل مضجعي هذا، ثم يقول ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ﴾ ثم يغمى عليه، ثم يفيق فيقولها حتى قبض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ قال: معاينة ﴿ ما كانوا ليؤمنوا ﴾ أي أهل الشقاء ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أي أهل السعادة الذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإِيمان.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ أي فعاينوا ذلك معاينة.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ﴾ قال: أفواجاً قبيلاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾ قال المفسرون (١) ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾ حتى يرجعوا إلى ما سبق عليهم من علمي، قال: وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ  ﴾ قال: يريد: يحول بين المؤمن وبين أن يكفر به وبين الكافر وبين أن يؤمن به) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وقد أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦)  ا: دعوة كان رسول الله  يكثر أن يدعو بها: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" فقلت: يا رسول الله، دعوة كثيراً ما تدعو بها؟

قال: "إنه ليس من عبد إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فإذا شاء أن يقيمه أقامه، [وإذا] (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ دخلت الكاف على محذوف تقديره: فلا يؤمنون ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يعني: أول مرة أتتهم الآيات، مثل انشقاق القمر، وغيره من الآيات، والتقدير: فلا يؤمنون ثاني مرة بما طلبوا من الآيات؛ كما لم يؤمنوا أول مرة، وهذا معنى قول ابن زيد (١٩) (٢٠) (٢١) والكناية في (به) يجوز أن تعود على القرآن، وعلى محمد، ويجوز أن تعود على ما طلبوا من الآيات (٢٢) ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا ﴾ معنى الجزاء (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: (يريد: أخذلهم وأدعهم في ضلالتهم يتمادون) (٢٧) (١) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 314، والسمرقندي 1/ 507، والماوردي 2/ 156.

(٢) ذكره ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 172.

(٣) القلب: بفتح القاف وسكون اللام.

والتقليب -بفتح التاء وسكون القاف وكسر اللام-: الصرف، وتحويل الشيء عن وجهه.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 3027، و"الصحاح" 1/ 205، و"المفردات" ص 681، و"اللسان" 6/ 3713 مادة (قلب).

(٤) (تحويلك) غير واضح في (ش).

(٥) في (ش): (الأفئدة أو الأبصار).

(٦) النسخ: (وبين أهل الإيمان).

وفي (أ): ضرب على - (أهل) - وهو الصواب.

(٧) ذكر ابن القيم كما في "بدائع التفسير" 2/ 172، نحوه.

وانظر: البغوي 3/ 178، وابن الجوزي 3/ 105، والقرطبي 7/ 65.

(٨) أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم بن محمد النصراباذي الواعظ.

تقدمت ترجمته.

(٩) في (أ): (أنا).

(١٠) محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر النيسابوري، أبو عمرو الزاهد، إمام علامة عابد، كان ذا حفظ، وإتقان، متعففًا قانعًا، يحيي الليل ويجتهد في متابعة السنة، ورحل إلى الآفاق المتباعدة، وسمع الكثير، وسمع منه الحفاظ الكبار، توفي سنة 360 هـ، وله 95 سنة.

انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 162، و"البداية والنهاية" 11/ 271، و"شذرات الذهب" 3/ 31.

(١١) إبراهيم بن شَرِيك بن الفَضل ابن خالد الأسدي أبو إسحاق الكوفي نزيل، محدث ثقة، توفي سنة 302 هـ، أو قبلها.

انظر: "تاريخ بغداد" 6/ 102، و"سير أعلام النبلاء" 14/ 120، و"تاريخ الإِسلام" ص 84، و"شذرات الذهب" 2/ 238.

(١٢) شهاب بن عباد العبدي أبو عمر الكوفي إمام ثقة، توفي سنة 224 هـ.

انظر: "التاريخ الكبير" 4/ 235، و"الجرح والتعديل" 4/ 363، و"تهذيب التهذيب" 2/ 181.

(١٣) حماد بن زيد بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، إمام علامة، عابد فاضل، فقيه، ثقة، ثبت، أجمعوا على جلالته، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي سنة == 179 هـ، وله 81 سنة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 287، و"الحلية" 6/ 257، و"سير أعلام النبلاء" 7/ 456، و"تهذيب التهذيب" 1/ 480.

(١٤) أيوب بن كيسان السَّختيَاني، أبو بكر بن أبي تميمة البصري، إمام عابد، فقيه، ثبت، متقن، أجمعوا على إمامته ووفور علمه، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي سنة 131 هـ، وله 65 سنة.

انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 246، و"الجرح والتعديل" 2/ 256، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 18، و"تهذيب التهذيب" 1/ 200.

(١٥) هشام بن حسان الأزدي أبو عبد الله البصري القردوسي، تقدمت ترجمته.

(١٦) مَعلَّى بن زياد القُرْدُوسي، أبو الحسن البصري، إمام عابد، زاهد صدوق، قليل الحديث، روى عن جماعة من التابعين، وتوفي بعد المائة.

انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري 7/ 394 (1715)، و"الجرح والتعديل" 8/ 330، و"ميزان الاعتدال" 4/ 148، و"تهذيب التهذيب" 4/ 122، و"تقريب التهذيب" ص 541 (6804).

(١٧) في (أ): (وإن شاء).

(١٨) سند الواحدي جيد لكنه مرسل، قال المزي في "تهذيب الكمال" 6/ 97: (الحسن رأى عائشة ولم يصح له سماع منها) ا.

هـ، وذكر طريق الواحدي ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 173، وأخرجه أحمد في "المسند" 6/ 91، عن الحسن، وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 100، رقم 224، 233، والآجري في "الشريعة" ص 263، 264، من طرق عن عائشة، وأخرجه الآجري عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة، وصحح طريق عائشة الألباني في تعليقه على "السنة" 1/ 101 ص 104، والحديث ثابت صحيح من عدة طرق أخرى، فقد روي من طرق جيدة عن أنس، والنواس بن سمعان، وجابر، وعبد الله بن عمرو، وأم == سلمة، أخرجه أحمد في "المسند" 2/ 173 ص 168 و3/ 112 و157 و4/ 182 و6/ 315، وابن ماجه 1/ 72، رقم 199 و2/ 1260، رقم 3834، والترمذي وحسنه 4/ 448، رقم 2140 و5/ 538، رقم 3522، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 98 - 104، والآجري في "الشريعة" ص 263، 264، و"الحاكم" وصححه 2/ 289 و4/ 321، وصحح أكثر طرقه الألباني في تعليقه على "السنة".

وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 210، وأخرج مسلم 3/ 2045، رقم 2654، عن عبد الله بن عمرو قال: (سمعت رسول الله  يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفه حيث شاء"، ثم قال: "اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك" ا.

هـ (١٩) أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 314، وابن أبي حاتم 4/ 1369 بسند جيد عنه قال: (نمنعهم من ذلك كما فعلنا بهم أول مرة، وقرأ (كما لم يؤمنوا به أول مرة) ا.

هـ.

(٢٠) أخرج الطبري في "تفسيره" 7/ 314، وابن أبي حاتم 4/ 1369 بسند جيد عنه قال: (نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة) ا.

هـ.

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 72.

(٢١) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 52.

(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 7/ 315، والسمرقندي 3/ 306، وابن الجوزي 3/ 106.

(٢٣) انظر: "تفسير ابن عطية" 5/ 319، ونقل الرازي 3/ 148، السمين في "الدر" 5/ 111، هذا القول عن الواحدي، وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 172: (اختلف في قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، فقال كثير من المفسرين المعنى: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم الآية كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.

وقال آخرون: المعنى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لتركهم الإيمان به أول مرة، فعاقبناهم بتقليب أفئدتهم وأبصارهم، وهذا معنى حسن، فإن كاف التشبيه تتضمن نوعًا من التعليل، كقوله ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ  ﴾ ، والذي حسن اجتماع التعليل والتشبيه الإعلام بأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر.

والتقليب: تحويل الشيء عن وجه إلى وجه، وكان الواجب من مقتضى إنزال الآية وصولهم إليها كما سألوا أن يؤمنوا إذ جاءتهم لأنهم رأوها عيانًا وعرفوا أدلتها وتحققوا صدقها، فإذا لم يؤمنوا كان ذلك تقليبًا لقلوبهم وأبصارهم عن وجهها الذي ينبغي أن تكون عليه ..) ا.

هـ ملخصًا، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 204: (الكاف في (كما) الظاهر أنها لتعليل، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلاً.

وقالت فرقة: هي بمعنى المجازاة، وهو معنى التعليل إلا أن تسمية ذلك غريبة لا يعهد في كلام النحويين أن الكاف للمجازاة) ا.

هـ ملخصًا.

(٢٤) أخرجه الطبري 7/ 315، وابن أبي حاتم 4/ 1370 بسند جيد، قال: (لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا) ا.

هـ ، وأخرجا بسند ضعيف عن ابن عباس قال: (لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر) ا.

هـ.

(٢٥) لم أقف عليه.

(٢٦) انظر: "تفسير الرازي" 13/ 146، 147.

(٢٧) ذكره ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 173، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 100، والبغوي 3/ 179 من قول عطاء، وأخرج الطبري 7/ 315، وابن أبي حاتم 4/ 1370، تحقيق أحمد الزهراني بسند جيد عن ابن عباس، قال: ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ يتمادون.

وانظر: "تفسير ابن كثير" 2/ 185.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ أي لا تسبوا آلهتمهم فيكون ذلك سبباً لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع ﴿ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله ﴾ أي هي بيد الله لا بيدي ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم.

وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس الوقف.

ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى فأجاز بعض الناس الوقف.

ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ أي نطبع عليها ونصدها عن الفهم فلا يفهمون ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه، أن تطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.

والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.

﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.

الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.

﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالفتح.

﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.

الباقون: على الغيبة.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.

﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.

﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.

التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.

والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.

وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه  عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.

وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.

ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.

قال في التفسير الكبير: إنه  أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.

ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.

ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.

وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.

قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.

وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.

أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.

وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له  لزم أن تكون مخلوقة له.

وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.

وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.

ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته  .

قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.

ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.

وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد  ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه  .

وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه  يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد  ﴾ مع أنه  قادر على الظلم عندهم.

وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون  ﴾ أي لملحقون وقوله  ﴿ حتى إذا أدركه الغرق  ﴾ أي لحقه.

وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.

وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.

ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.

سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.

وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله  بحاسة سادسة يخلقها الله  يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.

أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله  جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.

ثم إنه  يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.

والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري  يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.

فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه  جائز الرؤية بحسب ذاته.

ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.

ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.

فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه  ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.

وأجيب بأن ذاته  مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.

وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه  .

وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله  الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟

وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله  منزه عن ذلك.

وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.

ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه  محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.

وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.

(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.

ومنها أن موسى  طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.

ومنها أنه  علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي  وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه  ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً  ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.

ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله  .

ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.

ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.

ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً  ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.

وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.

ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي  وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.

أما قوله  ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه  مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.

ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.

أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.

أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.

أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.

﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.

﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.

قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.

وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.

ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.

ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.

وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه  ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.

وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً  ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا  ﴾ أي لئلا تضلوا.

أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.

وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً  إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.

فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.

ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه  لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.

وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.

﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.

وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه  لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.

ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول  وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.

ثم إنهم لما نسبوا الرسول  إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله  عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.

وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.

قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.

وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.

فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.

فدعاه فجاء النبي  وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : ماذا تريدون؟

قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.

فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.

فقال رسول الله  : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟

قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟

قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.

فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.

فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله  هذه الآية" .

قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله  فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟

وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول  وآله فأجرى الله  شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد  وآله.

وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله  أن ينهى عنه؟

والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله  وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.

وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.

وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.

قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.

ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه  هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله  ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم  ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت  ﴾ فإذا المراد أنه  زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله  ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله  .

وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله  فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.

قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.

قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.

عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله  وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.

فقال رسول الله  : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟

قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.

قال: فأن فعلت تصدقوني؟

قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.

فقام رسول الله  يدعو فجاءه جبريل  فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.

فقال رسول الله  : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.

وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.

والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.

وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا  ﴾ الآيات.

وقيل: كان النبي  وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.

﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله  ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه  متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه  ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.

فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.

ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد  ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون  ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.

وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.

قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه  يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.

وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله  ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.

وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.

ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه  إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.

والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.

وكان  وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه  يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.

وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.

قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.

وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.

وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.

وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله  في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه  أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.

واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.

وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.

والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد  وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.

قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.

وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.

التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.

﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.

﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟

قالوا بلى.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ .

قالوا: جهد أيمانهم: [أيمانهم] بالله، فهذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الحنث في اليمين يخرج مخرج الاستخفاف والتهاون، [وإن كان المسلم لا يقصد قصد الاستخفاف بالله  ] وإن كان في اليمين التعظيم، وفي الحنث استخفاف، ففي اليمين بالله جهد اليمين.

ويحتمل وجهين سوى هذا، وذلك ما قيل: إن الكفرة كانوا لا يحلفون بالله إلا عند العظيم من الأمور، [و] الجليل منها، وفي غير ذلك كانوا يحلفون بدونه؛ فسمي اليمين بالله جهد اليمين؛ تعظيماً لله وتبجيلا.

والثاني: يحتمل أنهم كانوا يحلفون بأشياء، ويؤكدون اليمين بالله ويشددونه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ .

قيل: إنهم كانوا يقسمون جهد أيمانهم ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، كانوا يسألون رسول الله  آيات: لئن جاءتهم ليؤمنن بها؛ من نحو ما قالوا: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ فقال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد: ﴿ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ هو الذي يرسلها وينزلها، وأنا لا أملك إرسالها ولا إنزالها؛ كقوله: ﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات؛ إنباء منه أنه لا يملك إنزال ما كانوا يسألونه من الآيات، ثم قال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن وأبو بكر الأصم: إنه خاطب بقوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أهل القسم الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ، أي: ما يدريكم أنكم تؤمنون إذا جاءكم آية ثم استأنف، فقال: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، [وهكذا كان يقرؤه] الحسن بالخفض: ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ على الاستئناف والابتداء.

وقال غيرهم من أهل التأويل: الخطاب لأصحاب رسول الله  ؛ وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ ، ظنوا أنهم لما أقسموا بالله جهد أيمانهم أنهم يؤمنون إذا جاءتهم آية، يفعلون ذلك ويؤمنون على ما يقولون؛ فقال [لهم]: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، على طرح لا، أي ما يدريكم أنها إذا جاءت يؤمنون [ويحتمل فيه وجهاً آخر على الإضمار، وكأنه قال: وما يشعركم فاعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون على الوقف في قوله ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ ثم ابتدأ فقال: اعلموا أنها إذا جاءت لا يؤمنون] وهذا كأنه أقرب.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن أهل الإسلام قالوا: إنهم - وإن جاءتم آية - لا يؤمنون؛ فقال عند ذلك: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ خاطب به هؤلاء ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

والثاني: أنهم، وإن آمنوا بها، إذا جاءت؛ فنقلب أفئدتهم من بعد.

وعلى هذا التأويل أن خلق تقلب أفئدتهم وأبصارهم كقوله: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ﴾ ، أي: خلق زيغ قلوبهم؛ فكذلك الأوّل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ .

أي: نقلب أفئدتهم وأبصارهم بالحجج والآيات، ويردونها؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

وقال أهل التأويل: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ ﴾ ، أي: نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآيات؛ فلا يؤمنون؛ كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقلب في أفئدتهم وأبصارهم آيات وحدانيته وألوهيته؛ فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة.

ثم تخصيص الأفئدة والأبصار دون غيرها من الجوارح؛ لأن القلب والبصر لا يقع إلا على ما يشهد به [على] وحدانية الله وألوهيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: إن هؤلاء، وإن جاءتهم آية، فإنهم لا يؤمنون كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية لما سألوا الآيات قبلهم؛ فكذلك هؤلاء لا يؤمنون بها، وإن جاءتهم الآية بعد السؤال.

وقال غيرهم: قوله: ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ، أي: قد جاءتهم آيات قبل هذا على غير سؤال، فلم يؤمنوا بها؛ فكذلك إن جاءتهم بالسؤال، فلا يؤمنون بها.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن مشركي العرب كانوا يقسمون بالله: أنه إن جاءهم نذير يؤمنون به، وهو قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ يعنون - والله أعلم - اليهود والنصارى، أي: لو جاءهم نذير ليكونون أهدى من اليهود والنصارى، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر أنهم كما لم يؤمنوا بالنذير عند سؤالهم النذير في الابتداء إذا جاءهم نذير، فكذلك - أيضاً - لا يؤمنون عند سؤالهم الآيات، وإن جاءتهم آيات.

يخبر نبيه أنهم ليسوا يسألون الآيات سؤال استرشاد، ولكن يسألون سؤال عناد ومكابرة، وهذا التأويل كأنه أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .

إذا علم أنهم لا يؤمنون، تركهم في [ظلمات] ضلالتهم يعمهون، ويتحيرون، والعمه: الحيرة في اللغة.

وقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

قيل: هذه الآية صلة قوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ ﴾ الآية: أخبر أنهم وإن نزل إليهم الآيات بعد السؤال منهم الآيات: من إنزال الملائكة، وتكليم الموتى - أنهم لا يؤمنون؛ إذ سؤالهم الآيات سؤال تعنت واستهزاء وعناد، لا سؤال استرشاد؛ لأنهم قد جاءتهم آيات لو لم يعاندوا لآمنوا [بها] ثم إذا علم منهم أنهم لا يؤمنون، وأن ما يسألون من الآيات [إنما يسألون] سؤال تعنت وعناد جعل فيهم خصالا على الخذلان من [نحو] قساوة القلب، حتى أخبر أن قلوبهم أقصى من الحجارة، ومن نحو البغض والجهالة، وغير ذلك من الخصال [ما يدل] على ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ  ﴾ [يخبر] عن تعنتهم ومكابرتهم.

وفيه دليل أن الآيات لا تضطر أهلها على الإيمان؛ لأنه قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ...

﴾ الآية، لو كانت آية تضطرهم إلى الإيمان لكانت هذه، وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم لا يؤمنون بالآية، ولكن إذا شاء أن يؤمنوا لآمنوا، ولو كانت الآيات تضطر أهلها إلى الإيمان به لكان لا آية أعظم من القيامة، ولا أبين منها، ثم أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ قد كذبوا عند معاينتهم القيامة والعذاب؛ فهذا يدل على أن الآية لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها، ويدل أن تأويل قوله: ﴿ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  ﴾ أنهم يخضعون إذا شاء أن يخضعوا، لا أن الآية تضطرهم على الخضوع بالدلائل التي ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .

قال الحسن: هذه المشيئة مشيئة القدرة، أي: لو شاء الله أن يعجزهم حتى يؤمنوا، وهو كقوله -  - ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ  ﴾ ، ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ  ﴾ ونحوه فهذه المشيئة؛ مشيئة القدرة، لكنا نقول: إنه أخبر أنه لو شاء أن يمسخهم لمسخهم؛ فقل - أيضاً -: إنه لو شاء أن يهديهم لهداهم، ولو شاء أن يهتدوا لاهتدوا، وكذلك يقول المعتزلة: إن المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والجبر، وقد ذكرنا ألا يكون في حال القهر والجبر إيمان؛ فيصير على قولهم: إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فآمنوا فلا يكون إيماناً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ : اختلف في تلاوته وتأويله: [عن الحسن] قال ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً، وعن قتادة كذلك ﴿ قُبُلاً ﴾ : عياناً: حتى يعاينوا ذلك معاينة.

﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ ، وهو على ما ذكرنا إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا فيؤمنوا.

وعن مجاهد: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: أفواجاً [قبيلاً] وفي حرف أبي عمرو بن العلاء: ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقول: جيلا فجيلا.

وفي حرف أبي: ﴿ قَبِيلاً ﴾ ، أي: [قبيلة].

وقال القتبي: ﴿ قُبُلاً ﴾ ، أي: جماعة جماعة، وقبلا، أي: أصنافاً.

ويقال: القبيل: الكفيل؛ كقوله: ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً  ﴾ ، أي: ضمينا كفيلا.

قال الكيساني: من قرأها ﴿ قُبُلاً ﴾ فقد تكون جمع (القبيل)؛ مثل (الجبيل) و (الجُبُل)، وقد يكون (القبيل) - أيضاً - من معنى الإقبال؛ كقوله: من قبل ومن دبر.

ومن قرأها (قِبَلا): أراد معاينة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، يقال أتانا الناس قبلا، أي: كلهم؛ وقبلا: من المقابلة، وتأويله ما ذكرنا: أن لو فعلنا هذا كله: من إنزال الملائكة إليهم، وتكليم الموتى إياهم، ﴿ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ﴾ ، فأخبروهم بالذي يقول محمد إنه حق ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ لهم الإيمان فيؤمنوا، وفيه ما ذكرنا من الدليل أن الآيات لا تضطر أهلها إلى الإيمان بها إلا أن يشاء الله أن يؤمنوا؛ فيحنئذ يؤمنون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾ .

أي: لكن أكثرهم لا ينتفعون بعلمهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ .

قيل: كما جعلنا لكل نبي [من قبل] عدوا كذلك نجعل لك عدوا، [ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ ثم قوله: كذلك] ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، قال الحسن: إن من حكم الله أن بعث رسلا، وأن كل من اتبع رسله يكون وليا له، ومن عصى رسله يكون عدوا له، هذا حكم الله في الكل.

وقال جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا ﴾ ، أي: خلينا بينهم وبين ما اختاروا من الكفر والعداوة، يقال: جعل فلان كذا إذا كان مسلطاً على ذلك، وهو يقدر أن يمنعه عن ذلك؛ ويصير التأويل على قول المعتزلة، أي: لم نجعل لكل نبي عدوّاً؛ ولكن هم جعلوا أنفسهم أعداء لكل نبي.

وقلنا نحن: إن قوله: ﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، والجعل من الله: هو الخلق؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً  ﴾ .

كل جعل أضيف إلى الله فهو خلق؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً ﴾ ، أي: خلقنا لكل نبي عداوة كل عدو، ولو كان الحكم على ما قال الحسن، وما قال أولئك من التخلية لكان يجوز أن يضاف فعل الكفر وفعل الضلال إلى الله، وذلك بعيد.

والثاني: لم يوفق لهم فعل الولاية؛ لما علم منهم أنهم يختارون فعل العداوة على فعل الولاية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الشياطين كلهم يكونون من الجن، ثم إنهم يوحون إلى الإنس؛ فيكونون هم الذين يدعون الخلق إلى معصية الله؛ فيكونُ من الجن وحياً إلى الإنس، ومن الإنس إلى الخلق قولا ودُعاء.

وقال بعضهم: يكونُ من الجن شياطين، [ومن الإنس شياطين] تدعو شياطين الجن - الجن إلى معصية الله [وهكذا من دعا آخر إلى معصيته والكفر به، ويدعو شياطين الإنسِ الإنسَ إلى ذلك، يدعو كل فريق قومه إلى معصية الله، وهكذا من دعا آخر إلى معصية الله] فهو شيطان، وكذلك كبراء الكفرة ورؤساؤهم الذين كانوا يدعون أتباعهم وسفلتهم إلى الكفر والضلال بالله؛ فهم شياطينهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله  : ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ  ﴾ .

[وقوله]: ﴿ قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّىٰ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ .

وغيره من الآيات؛ أن كلَّ من دعا غيره [إلى] معصية الله والكفر به، فهو شيطان.

والشيطان هو البعيدُ من رحمة الله؛ شطن أي: بَعُدَ.

وقيل: إن إبليس وكَّلَ [شياطين الإنس] يضلونهم ويدعونهم إلى معصية الله، ووكَّلَ شياطين بالجن يضلونهم.

وهو تأويل الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً ﴾ \[أي: يزين بعضهم لبعض القول غرورا\] يغرون به.

قال القتبي - رحمه الله -: زخرف القول غرورا: ما زين به وحسن وموه.

وقال واصل: الزخرف: الذهب؛ ويقال: [زخرف الشيء، أي: حسنه].

قال أبو عوسجة: الوحي أن يحى بعينه أو بشفتيه، وهي إشارة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ﴾ قال بعضهم: [لو شاء] ربك خلقهم خلقا لم يركب فيهم الشهوات والحاجات حتى أطاعوه ولم يعصوا؛ كما خلق الملائكة لم يركب [فيهم] الشهوات والحاجات والأماني، فلم يعصوه.

وقالت المعتزلة: لو شاء ربك لأعجزهم وقهرهم؛ حتى لا يقدروا على معصية الله والكفر به فآمنوا واهتدوا.

[وعندنا] أنه لو شاء ربك لهداهم لاهتدوا، لكن لما علم منهم أنهم يختارون الضلال على الهدى شاء ألا يهديهم.

وقد ذكرنا قبح تأويلهم الآية في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ هذا يخرج على الوعيد لهم؛ كقوله: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ  ﴾ وكقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ  ﴾ أي: ذرهم وما يختارون؛ فإنك تراهم في العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ قيل: ولتميل قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة إلى زخرف القول الذي كان يوحي ويلقي شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لما كان الذي أوحى وألقى بعضهم إلى بعض من زخرف القول الذي يوافق هواهم، وكل من ظفر بما يوافق هواه فإنه يرضى به؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالآخرة ولا يرجون لقاءه وكانت همتهم هذه الدنيا ورضوا بها واطمأنوا فيها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ ﴾ أي: إلى الكتاب ﴿ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ أي: ليس ميل قبول منهم له، ولكن ميل طلب الطعن فيه، وهكذا كانت [همة] أولئك الكفرة، وعادتهم طلب الطعن فيه، والأول أشبه.

ثم إن كان زخرف القول الذي أوحى بعضهم إلى بعض من كبرائهم وعظمائهم، فقد أشرك -  - هؤلاء وأولئك في الكذب الذي كان منهم كان من الكبراء الدعاء إلى ذلك، ومن الأتباع الرضا والإجابة، وكان منهم التزيينُ والزخرفة، ومن الأتباع القبولُ والرضا به، فقد اشتركوا جميعاً في ذلك الكذب، والقول: الغرور.

وقوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ اختلف فيه: قال قائلون: قوله: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ أي: ليكتسبوا هؤلاء الأتباع من الكذب ما كان أولئك يكتسبون من الكذب.

وقيل: ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ ﴾ أولئك المتبوعون من الكذب ﴿ مَا هُم ﴾ يعني: هؤلاء الأتباع ﴿ مُّقْتَرِفُونَ ﴾ من القول الغرور والزخرف.

ثم اختلف في الاقتراف: قال بعضهم: الاكتسابُ؛ اكتسابُ كلِّ شيء.

وقال قائلون: الاقترافُ هو موافقة الذنب والإثم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ونُقَلِّب أفئدتهم وأبصارهم بالحيلولة بينها وبين الاهتداء للحق، كما حُلْنَا بينهم وبين الإيمان بالقرآن أول مرة بسبب عنادهم، ونتركهم في ضلالهم وتمردهم على ربهم حيارى يتخبطون.

من فوائد الآيات تنزيه الله تعالى عن الظلم الذي ترسِّخُه عقيدة (الجَبْر)، وبيان أن كفر العباد وشركهم أمر يحدث باختيارهم.

ليس بمقدور نبي من الأنبياء أن يأتي بآية من عند نفسه، أو متى شاء، بل ذلك أمر مردود لله تعالى، فهو القادر وحده على ذلك، وهو الحكيم الذي يُقَدِّر نوع الآية ووقت إظهارها.

النهي عن سب آلهة المشركين حذرًا من مفسدة أكبر وهي التعدي بالسب على جناب رب العالمين.

قد يحول الله سبحانه وتعالى بين العبد والهداية، ويُصرِّف بصره وقلبه على غير الطاعة؛ عقوبة له على اختياره الكفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.aZxWn"

مزيد من التفاسير لسورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله