الإسلام > القرآن > سور > سورة 6 الأنعام > الآية ١٠٨ من سورة الأنعام
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 116 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٨ من سورة الأنعام: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ناهيا لرسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن سب آلهة المشركين ، وإن كان فيه مصلحة ، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها ، وهي مقابلة المشركين بسب إله المؤمنين ، وهو الله لا إله إلا هو .
كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية : قالوا : يا محمد ، لتنتهين عن سبك آلهتنا ، أو لنهجون ربك ، فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ، ( فيسبوا الله عدوا بغير علم ) .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فيسب الكفار الله عدوا بغير علم ، فأنزل الله : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) .
وروى ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية : لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش : انطلقوا فلندخل على هذا الرجل ، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه ، فإنا نستحيي أن نقتله بعد موته ، فتقول العرب : كان يمنعهم فلما مات قتلوه .
فانطلق أبو سفيان ، وأبو جهل ، والنضر بن الحارث ، وأمية ، وأبي ابنا خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعمرو بن العاص ، والأسود بن البختري وبعثوا رجلا منهم يقال له : " المطلب " ، قالوا : استأذن لنا على أبي طالب ، فأتى أبا طالب فقال : هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك ، فأذن لهم عليه ، فدخلوا عليه فقالوا : يا أبا طالب ، أنت كبيرنا وسيدنا ، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا ، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ، ولندعه وإلهه .
فدعاه ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له أبو طالب : هؤلاء قومك وبنو عمك .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تريدون؟
" قالوا : نريد أن تدعنا وآلهتنا ، ولندعك وإلهك .
قال له أبو طالب : قد أنصفك قومك ، فاقبل منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أرأيتم إن أعطيتكم هذا ، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ، ودانت لكم بها العجم ، وأدت لكم الخراج ؟
" قال أبو جهل : وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قال : فما هي؟
قال : " قولوا لا إله إلا الله " فأبوا واشمأزوا .
قال أبو طالب : يا ابن أخي ، قل غيرها ، فإن قومك قد فزعوا منها .
قال : " يا عم ، ما أنا بالذي أقول غيرها ، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي ، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها " إرادة أن يؤيسهم ، فغضبوا وقالوا : لتكفن عن شتم آلهتنا ، أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك ، فذلك قوله : ( فيسبوا الله عدوا بغير علم ) .
ومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ملعون من سب والديه " قالوا : يا رسول الله ، وكيف يسب الرجل والديه؟
قال : " يسب أبا الرجل فيسب أباه ، ويسب أمه فيسب أمه " أو كما قال عليه السلام .
وقوله تعالى : ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) أي : وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار ، كذلك زينا لكل أمة من الأمم الخالية على الضلال - عملهم الذي كانوا فيه ، ولله الحجة البالغة ، والحكمة التامة فيما يشاؤه ويختاره .
( ثم إلى ربهم مرجعهم ) أي : معادهم ومصيرهم ، ( فينبئهم بما كانوا يعملون ) أي : يجازيهم بأعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به: ولا تسبُّوا الذين يدعو المشركون من دون الله من الآلهة والأنداد, فيسبَّ المشركون اللهَ جهلا منهم بربهم، واعتداءً بغير علم ، كما:- 13738- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم)، قال: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبِّ آلهتنا، أو لنهجوَنَّ ربك !
فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم، فيسبوا الله عدوًا بغير علم .
13739- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم)، كان المسلمون يسبون أوثان الكفار, فيردّون ذلك عليهم, فنهاهم الله أن يستسِبُّوا لربهم, (41) فإنهم قومٌ جهلة لا علم لهم بالله .
13740- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم)، قال: لما حضر أبا طالب الموتُ, قالت قريش: انطلقوا بنا فلندخل على هذا الرجل، فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه, فإنا نستحي أن نقتله بعد موته, فتقول العرب: " كان يمنعه فلما مات قتلوه " !
فانطلق أبو سفيان, وأبو جهل, والنضر بن الحارث, وأمية وأبيّ ابنا خلف, وعقبة بن أبي معيط, وعمرو بن العاص, والأسود بن البختري, وبعثوا رجلا منهم يقال له: " المطلب ", قالوا: استأذن على أبي طالب !
فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخولَ عليك !
فأذن لهم, فدخلوا عليه فقالوا: يا أبا طالب, أنت كبيرنا وسيدنا, وإنّ محمدًا قد آذانا وآذى آلهتنا, فنحبّ أن تدعوه فتنهاهُ عن ذكر آلهتنا, ولندَعْه وإلهه !
فدعاه, فجاء نبي الله صلى الله عليه وسلم, فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك !
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تريدون؟
قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا، وندعك وإلهك !
قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك, فاقبل منهم !
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطيَّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب, ودانت لكم بها العجم، وأدَّت لكم الخراج؟" (42) قال أبو جهل: نعم وأبيك، لنعطينكها وعشرَ أمثالها, فما هي؟
قال: قولوا: " لا إله إلا الله "!
فأبوا واشمأزُّوا .
قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها, فإن قومك قد فزعوا منها !
قال: يا عم، ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوني بالشمس فيضعوها في يديّ, (43) ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يديّ ما قلت غيرها!
إرادةَ أن يُؤْيسهم ، فغضبوا وقالوا: لتكفّنَّ عن شتمك آلهتنا, أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك .
فذلك قوله (فيسبوا الله عدوًا بغير علم) .
13741- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم, فأنـزل الله: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) .
13742- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (فيسبوا الله عدوًا بغير علم) قال: إذا سببت إلهه سبَّ إلهك, فلا تسبوا آلهتهم .
* * * قال أبو جعفر: وأجمعت الحجة من قرأة الأمصار على قراءة ذلك: (44) ( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ )، بفتح العين، وتسكين الدال, وتخفيف الواو من قوله: (عدوًا)، على أنه مصدر من قول القائل: " عدا فلان على فلان "، إذا ظلمه واعتدى عليه," يعدو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا ".
و " الاعتداء "، إنما هو: " افتعال "، من ذلك .
(45) * * * روى عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: " عُدُوًّا " مشددة الواو .
13743- حدثني بذلك أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا حجاج, عن هارون, عن عثمان بن سعد: ( فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا )، مضمومة العين، مثقّلة .
(46) * * * وقد ذكر عن بعض البصريين أنه قرأ ذلك: (47) " فَيَسُبُّوا الَله عَدُوًّا "، يوجِّه تأويله إلى أنهم جماعة, كما قال جل ثناؤه: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ ، [سورة الشعراء: 77] , وكما قال: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ، [سورة الممتحنة: 1] ويجعل نصب " العدوّ" حينئذ على الحال من ذكر " المشركين " في قوله: (فيسبوا) ، = فيكون تأويل الكلام: ولا تسبوا أيها المؤمنون الذين يدعو المشركون من دون الله, فيسب المشركون الله، أعداءَ الله، بغير علم .
وإذا كان التأويل هكذا، كان " العدوّ"، من صفة " المشركين " ونعتهم, كأنه قيل: فيسب المشركون أعداء الله، بغير علم= ولكن " العدوّ" لما خرج مخرج النكرة وهو نعت للمعرفة، نصب على الحال .
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة عندي في ذلك، قراءةُ من قرأ بفتح العين وتخفيف الواو، لإجماع الحجة من القرأة على قراءة ذلك كذلك, وغير جائز خلافُها فيما جاءت به مجمعة عليه .
(48) * * * القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) يقول تعالى ذكره: كما زيّنا لهؤلاء العادلين بربهم الأوثَانَ والأصنام، عبادةَ الأوثان وطاعةَ الشيطان بخذلاننا إيّاهم عن طاعة الرحمن, (49) كذلك زيَّنا لكل جماعةٍ اجتمعت على عملٍ من الأعمال من طاعة الله ومعصيته، عملَهم الذي هم عليه مجتمعون, (50) ثم مرجعهم بعد ذلك ومصيرهم إلى ربهم (51) =" فينبئهم بما كانوا يعملون ".
يقول: فيُوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا, (52) ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًّا فشرًّا, أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا .
------------------- الهوامش : (41) (( استسب له )) ، عرضه للسب وجره إليه .
وفي حديث أبي هريرة : ( لا تمشِيَنَّ أَمَامَ أَبِيكَ ، ولا تجلِسْ قَبْلَهُ ، ولا تَدْعُه باسْمه ، ولا تَسْتَسِبَّ لهُ ) ، أي : لا تعرضه للسب وتجره إليه ، بأن تسب أبا غيرك ، فيسب أباك مجازاة لك = وهذا أدب يفتقده الناس يومًا بعد يوم .
(42) في المطبوعة : (( ودانت لكم بها العجم بالخراج )) ، وفي المطبوعة : (( ودانت لكم بها العجم الحراح )) غير منقوطة ، وفي تفسير ابن كثير 3 : 374 ، ما أثبته ، وهو الصواب إن شاء الله .
(43) في المطبوعة : (( حتى يأتوا بالشمس )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
(44) في المطبوعة : (( وأجمعت الأمة من قراء الأمصار )) ، لم يحسن قراءة ما في المخطوطة .
(45) انظر تفسير (( عدا )) فيما سلف 10 : 522 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(46) الأثر : 13743 - (( عثمان بن سعد التميمي )) ، أبو بكر الكاتب المعلم .
روى عن أنس ، والحسن والبصري ، وابن سيرين ، وعكرمة ، والمجاهد .
تكلموا فيه .
مترجم في التهذيب .
(47) نسبها ابن خالويه في شواذ القراءات : 40 ، إلى بعض المكيين ، ولم يبينه .
وقال أبو حيان في تفسيره 4 : 200 (( وقال ابن عطية : وقرأ بعض المكيين ، وعينه الزمخشري فقال : عن ابن كثير )) .
(48) في المطبوعة أسقط (( به )) ، وهي ثابتة في المخطوطة .
(49) انظر تفسير (( زين )) فيما سلف 11 : 357 (50) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف 11 : 354 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(51) انظر تفسير (( المرجع )) فيما سلف 11 : 407 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .
(52) انظر تفسير (( أنبأ )) فيما سلف 11 : 434 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملونفيه خمس مسائل ، الأولى قوله تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله نهي .فيسبوا الله جواب النهي .
فنهى سبحانه المؤمنين أن يسبوا أوثانهم ; لأنه علم إذا سبوها نفر الكفار وازدادوا كفرا .
قال ابن عباس : قالت كفار قريش لأبي طالب إما أن تنهى محمدا وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما أن نسب إلهه ونهجوه ; فنزلت الآية .[ ص: 56 ] الثانية : قال العلماء : حكمها باق في هذه الأمة على كل حال ; فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام أو الله عز وجل ، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك ; لأنه بمنزلة البعث على المعصية .
وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل ب " الذين " على معتقد الكفرة فيها .الثالثة : في هذه الآية أيضا ضرب من الموادعة ، ودليل على وجوب الحكم بسد الذرائع ; حسب ما تقدم في " البقرة " .
وفيها دليل على أن المحق قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين .
ومن هذا المعنى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : لا تبتوا الحكم بين ذوي القرابات مخافة القطيعة .
قال ابن العربي : إن كان الحق واجبا فيأخذه بكل حال وإن كان جائزا ففيه يكون هذا القول .الرابعة : قوله تعالى عدوا بغير علم أي جهلا واعتداء .
وروي عن أهل مكة أنهم قرءوا " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو ، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة ، وهي راجعة إلى القراءة الأولى ، وهما جميعا بمعنى الظلم .
وقرأ أهل مكة أيضا " عدوا " بفتح العين وضم الدال بمعنى عدو .
وهو واحد يؤدي عن جمع ; كما قال : فإنهم عدو لي إلا رب العالمين .
وقال تعالى : هم العدو وهو منصوب على المصدر أو على المفعول من أجله .الخامسة : قوله تعالى كذلك زينا لكل أمة عملهم أي كما زينا لهؤلاء أعمالهم كذلك زينا لكل أمة عملهم .
قال ابن عباس .
زينا لأهل الطاعة الطاعة ، ولأهل الكفر الكفر ; وهو كقوله : كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء .
وفي هذا رد على القدرية .
ينهى الله المؤمنين عن أمر كان جائزا، بل مشروعا في الأصل، وهو سب آلهة المشركين، التي اتخذت أوثانا وآلهة مع الله، التي يتقرب إلى الله بإهانتها وسبها.
ولكن لما كان هذا السب طريقا إلى سب المشركين لرب العالمين، الذي يجب تنزيه جنابه العظيم عن كل عيب، وآفة، وسب، وقدح -نهى الله عن سب آلهة المشركين، لأنهم يحمون لدينهم، ويتعصبون له.
لأن كل أمة، زين الله لهم عملهم، فرأوه حسنا، وذبوا عنه، ودافعوا بكل طريق، حتى إنهم، ليسبون الله رب العالمين، الذي رسخت عظمته في قلوب الأبرار والفجار، إذا سب المسلمون آلهتهم.
ولكن الخلق كلهم، مرجعهم ومآلهم، إلى الله يوم القيامة، يعرضون عليه، وتعرض أعمالهم، فينبئهم بما كانوا يعملون، من خير وشر.
وفي هذه الآية الكريمة، دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم، ولو كانت جائزة تكون محرمة، إذا كانت تفضي إلى الشر.
قوله عز وجل : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) الآية قال ابن عباس : لما نزلت " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " ( الأنبياء ، 98 ) قال المشركون : يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك ، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم .
وقال قتادة : كان المسلمون يسبون أصنام الكفار ، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك ، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة .
وقال السدي : لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش : انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته ، فتقول العرب : كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه .
فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة [ بن أبي معيط وعمرو بن العاص ، والأسود بن ] البختري إلى أبي طالب ، فقالوا : يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآلهتنا ، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ، ولندعنه وإلهه ، فدعاه فقال : هؤلاء قومك يقولون نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك ، فقد أنصفك قومك فاقبل منهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟
" قال أبو جهل : نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها ، فما هي؟
قال : " قولوا لا إله إلا الله " فأبوا ونفروا ، فقال أبو طالب : قل غيرها يا ابن أخي ، فقال : يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ، فقالوا : لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك ، فأنزل الله عز وجل : ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ) يعني الأوثان ، ( فيسبوا الله عدوا ) أي : اعتداء وظلما ، ( بغير علم ) وقرأ يعقوب " عدوا " بضم العين والدال وتشديد الواو ، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " لا تسبوا ربكم " ، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم .
فظاهر الآية ، وإن كان نهيا عن سب الأصنام ، فحقيقته النهي عن سب الله ، لأنه سبب لذلك .
( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) [ أي : كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان ، كذلك زينا لكل أمة عملهم ] من الخير والشر والطاعة والمعصية ، ( ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ) ويجازيهم ، ( بما كانوا يعملون ) .
«ولا تسبوا الذين يدعونـ» ـهم «من دون الله» أي الأصنام «فيسبوا الله عدْوا» اعتداء وظلما «بغير علم» أي جهلا منهم بالله «كذلك» كما زيَّنا لهؤلاء ما هم عليه «زيَّنا لكل أمة عملهم» من الخير والشر فأتوه «ثم إلى ربهم مرجعهم» في الآخرة «فينبِّئهم بما كانوا يعلمون» فيجازيهم به.
ولا تسبوا -أيها المسلمون- الأوثان التي يعبدها المشركون -سدًّا للذريعة- حتى لا يتسبب ذلك في سبهم الله جهلا واعتداءً: بغير علم.
وكما حسَّنَّا لهؤلاء عملهم السيئ عقوبة لهم على سوء اختيارهم، حسَّنَّا لكل أمة أعمالها، ثم إلى ربهم معادهم جميعًا فيخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا، ثم يجازيهم بها.
ثم أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق ، فنهاهم عن سب آلهة المشركين حتى لا يقابلهم المشركون بالمثل فقال - تعالى - { وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } .السب : الشتم الوضيع وذكر مساوىء الغير لمجرد التحقير والإهانة .وعدوا : مصدر بمعنى العدوان والظلم والتجاوز من الحق إلى الباطل وهو مفعول مطلق " لتسبوا " .
من معناه ، لأن السب عدوان ، وقيل هو حال من ضمير { يَسُبُّواْ } مؤكدة لمضمون الجملة وكذلك قوله { بِغَيْرِ عِلْمٍ } .والمعنى : ولا تسبوا أيها المؤمنون آلهة المشركين الباطلة فيترتب على ذلك أن يسب المشركون معبودكم الحق جهلا منهم وضلالا .قال الآلوسى : ومعنى سبهم الله - تعالى - إفضاء كلامهم إليه كشتمهم له صلى الله عليه وسلم ولمن يأمره وقد فسر { بِغَيْرِ عِلْمٍ } بذلك أى : فيسبوا الله - تعالى - بغير علم أنهم يسبونه وإلا فالقوم كانوا يقرون بالله - تعالى - وعظمته وأن آلهتهم إنما عبدوها لتكون شفعاء لهم عنده - سبحانه - فكيف يسبونه؟
ويحتمل أن يراد سبهم له - عز وجل - صراحة ولا إشكال بناء على أن الغضب والغيظ قد يحملهم على ذلك ، ألا ترى أن المسلم قد تحمله شدة غيظة على التكلم بالكفر!
ومما شاهدناه أن بعض جهلة العوام رأى بعض الرافضة يسب الشيخين - أبا بكر وعمر - فغاظه ذلك جداً فسب عليا - كرم الله وجهه - فسئل عن ذلك فقال : ما أردت إلا إغاظتهم ولم أر شيئاً يغيظهم مثل ذلك فاستتيب عن هذا الجهل العظيم " .وقد روى المفسرون فى سب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه معمر عن قتادة قال : كان المسلمون يسبون أوثان الكفار فيسب الكفار الله عدوا بغير علم فنزلت " .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : سب الآلهة الباطلة حق وطاعة فكيف صح النهى عنه وإنما يصح النهى عن المعاصى؟
قلت رب طاعة علم أنها تؤدى إلى مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهى عنها لأنها معصية لا لأنها طاعة .
كالنهى عن المنكر هو من أجل الطاعات ، فإذا علم أنه يؤدى إلى زيادة الشر انقلب إلى معصية ووجب النهى عن ذلك كما يجب النهى عن المنكر " .وقال الشيخ القاسمى : قال ابن الفارس فى الآية : إنه متى خيف من سب الكفار وأصنامهم أن يسبوا الله أو رسوله أو القرآن لم يجز أن يسبوا آلهتهم ولا دينهم ، وهذا أصل فى سد الذرائع " .وقال السيوطى : " وقد يستدل بها على سقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا خيف من ذلك مفسدة أقوى وكذا كل مفعول مطلوب ترتب على فعله مفسدة أقوى من مفسدة تركه " .وقال الحاكم : نهوا عن سب الأصنام لوجهين :أحدهما : أنها جماد لا ذنب لها .والثانى : أن ذلك يؤدى إلى المعصية بسب الله - تعالى - .
والذى يجب علينا إنما هو بيان بغضها وأنه لا تجوز عبادتها ، وأنها لا تضر ولا تنفع ، وأنها لا تستحق العبادة ، وهذا ليس بسب .
ولهذا قال أمير المؤمنين على - يوم صفين - " لا تسبوهم ولكن اذكروا قبيح أفعالهم " .وقال بعض العلماء : ووجه النهى عن سب أصنامهم هو أن السب لا تترتب عليه مصلحة دينية ، لأن المقصود من الدعوة هو الاستدلال على إبطال الشرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله - تعالى - فذلك الذى يتميز به المحق من المبطل ، فأما السب فإنه مقدور للمحق وللمبطل فيظهر بمظهر التساوى بينهما ، وربما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه مالا يستطيعه المحق ، فيلوح للناس أنه تغلب على المحق .
على أن سب آلهتهم لما كان يحمى غيظهم ويزيد تصلبهم صار منافياً لمراد الله من الدعوة فقد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ } وأصبح هذا السب متمحضاً للمفسدة وليس مشوباً بمصلحة ، وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة ، لأن تغيير المنكر مصحلة بالذات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعرض .
وذلك مجال تتردد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوة وضعفاً وتحققاً واحتمالا ، وكذلك القول فى تعارض المصالح والمفاسد كلها .وهذه الآية الكريمة ليست منسوخة بآية السيف - كما قيل - وإنما هى محكمة ولذا قال القرطبى : قال العلماء : حكمها باق فى هذه الأمة على كل حال فمتى كان الكافر فى منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبى صلى الله عليه وسلم أو الله - تعالى - فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا كنائسهم ، ولا يتعرض إلى ما يؤدى إلى ذلك ، لأنه بمنزلة البعث على المعصية " .وقوله { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } .التزيين تفعيل من الزين وهو الحسن .والمعنى : مثل ذلك التزيين الذى حمل المشركين على الدفاع عن عقائدهم الباطلة جهلا منهم وعدوانا ، زينا لكل أمة من الأمم عملهم ، من الخير والشر والإيمان والكفر ، فقد مضت سننا فى أخلاق البشر أن يستحسنوا ما تعودوه ، وأن يتعلقوا بما ألفوه .وقيل : المراد بكل أمة أمم الفكر لأن الكلام فيهم .
والمراد بعملهم .
شرورهم ومفاسدهم .
والمشبه به تزيين سب الله - تعالى - لهم .أى : كما زينا لهؤلاء المشركين سوء أعمالهم زينا لكل أمة من الأمم الماضية على الضلال عملهم السىء .قال الآلوسى : " وقد استدل بالآية على أنه - تعالى - هو الذى زين للكافر كفره كما زين للمؤمن إيمانه .
وأنكر ذلك المعتزلة فتأولوا الآية بما لا يخفى ضعفه " .وقال صاحب المنار : فظهر بهذا التزيين أثر لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه وليس المراد به أن الله خلق فى قلوب بعض الأمم تزيينا للكفر والشر ، وفى قلوب بعضها الآخر تزيينا للإيمان والخير خلقا ابتدائياً من غير أن يكون لهم عمل اختيارى نشأ عنه ذلك ، إذ لو كان الأمر كما ذكر لكان الإيمان والكفر والخير والشر من الغرائب الخلقية التى تعد الدعوة إليها والترغيب فيها وما يقابلهما من النهى والترهيب عنها من العبث الذى يتنزه الله عن إرسال الرسل وإنزال الكتب لأجله .وقد غفلت المعتزلة عن هذا التحقيق فأول بعضهم الآية بأنها خاصة بالمؤمنين الذين زين الله فى قلوبهم الإيمان ، وبعضهم بغير ذلك .ثم ختم الله - تعالى - الآية بقوله : { ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أى : ثم إلى ربهم أمورهم ورجوعهم ومصيرهم بعد البعث ، فيخبرهم من غير تسويف أو تأخير بما كانوا يعملونه فى الدنيا ، ويجازيهم على ذلك بما يستحقونه .
وفى هذه الجملة الكريمة تهديد وتوبيخ لأولئك المشركين الذين تجاسروا على مقام الله ، وزين لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا .
اعلم أن هذا الكلام أيضاً متعلق بقولهم للرسول عليه السلام: إنما جمعت هذا القرآن من مدارسة الناس ومذاكرتهم، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين إذا سمعوا ذلك الكلام من الكفار غضبوا وشتموا آلهتهم على سبيل المعارضة، فنهى الله تعالى عن هذا العمل، لأنك متى شتمت آلهتهم غضبوا فربما ذكروا الله تعالى بما لا ينبغي من القول، فلأجل الاحتراز عن هذا المحذور وجب الاحتراز عن ذلك المقال، وبالجملة فهو تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والسفاهة وذلك لا يليق بالعقلاء، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في سبب نزول الآية وجوهاً: الأول: قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وشتمها لنهجون إلهك فنزلت هذه الآية، أقول: لي هاهنا إشكالان: الأول: أن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة فكيف يمكن أن يقال: إن سبب نزول هذه الآية كذا وكذا.
الثاني: أن الكفار كانوا مقرين بالإله تعالى وكانوا يقولون: إنما حسنت عبادة الأصنام لتصير شفعاء لهم عند الله تعالى، وإذا كان كذلك، فكيف يعقل إقدامهم على شتم الله تعالى وسبه.
والقول الثاني: في سبب نزول هذه الآية.
قال السدي: لما قربت وفاة أبي طالب قالت قريش: ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابن أخيه عنا فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه.
فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث مع جماعة إليه وقالوا له: أنت كبيرنا وخاطبوه بما أرادوا.
فدعا محمداً عليه الصلاة والسلام وقال: هؤلاء قومك وبنو عمك يطلبون منك أن تتركهم على دينهم، وأن يتركوك على دينك فقال عليه الصلاة والسلام: «قولوا لا إله إلا الله» فأبوا فقال أبو طالب: قل غير هذه الكلمة فإن قومك يكرهونها.
فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أنا بالذي أقول غيرها حتى تأتوني بالشمس فتضعوها في يدي» فقالوا له: اترك شتم آلهتنا وإلا شتمناك، ومن يأمرك بذلك فذلك قوله تعالى: ﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
واعلم أنا قد دللنا على أن القوم كانوا مقرين بوجود الإله تعالى فاستحال إقدامهم على شتم الإله بل هاهنا احتمالات: أحدها: أنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي بهذا النوع من السفاهة.
وثانيها: أن الصحابة متى شتموا الأصنام فهم كانوا يشتمون الرسول عليه الصلاة والسلام فالله تعالى أجرى شتم الرسول مجرى شتم الله تعالى كما في قوله: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله ﴾ وكقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله ﴾ .
وثالثها: أنه ربما كان في جهالهم من كان يعتقد أن شيطاناً يحمله على ادعاء النبوة والرسالة، ثم إنه لجهله كان يسمي ذلك الشيطان بأنه إله محمد عليه الصلاة والسلام فكان يشتم إله محمد بناء على هذا التأويل.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: إن شتم الأصنام من أصول الطاعات، فكيف يحسن من الله تعالى أن ينهى عنها.
والجواب: أن هذا الشتم، وإن كان طاعة.
إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم وجود منكر عظيم، وجب الاحتراز منه، والأمر هاهنا كذلك، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله، وعلى فتح باب السفاهة، وعلى تنفيرهم عن قبول الدين، وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم، فلكونه مستلزماً لهذه المنكرات، وقع النهي عنه.
المسألة الثالثة: قرأ الحسن: ﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً ﴾ بضم العين وتشديد الواو، ويقال: عدا فلان عدواً وعدواً وعدواناً وعداً.
أي ظلم ظلماً جاوز القدر.
قال الزجاج: وعدواً منصوب على المصدر، لأن المعنى فيعدوا عدواً.
قال: ويجوز أن يكون بإرادة اللام، والمعنى: فينسبوا الله للظلم.
المسألة الرابعة: قال الجبائي: دلت هذه الآية على أنه لا يجوز أن يفعل بالكفار ما يزدادون به بعداً عن الحق ونفوراً.
إذ لو جاز أن يفعله لجاز أن يأمر به، وكان لا ينهى عما ذكرنا، وكان لا يأمر بالرفق بهم عند الدعاء.
كقوله لموسى وهرون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ وذلك يبين بطلان مذهب المجبرة.
المسألة الخامسة: قالوا هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر، وغلبة الظن قائمة مقام العلم في هذا الباب وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين، لئلا يتشاغل بما لا فائدة له في المطلوب، لأن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها، فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها.
وأما قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ فاحتج أصحابنا بهذا على أنه تعالى هو الذي زين للكافر الكفر، وللمؤمن الإيمان، وللعاصي المعصية، وللمطيع الطاعة.
ق الكعبي: حمل الآية على هذا المعنى محال، لأنه تعالى هو الذي يقول: ﴿ الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ ﴾ ويقول: ﴿ والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات ﴾ ثم إن القوم ذكروا في الجواب وجوهاً: الأول: قال الجبائي: المراد زينا لكل أمة تقدمت ما أمرناهم به من قبول الحق والكعبي أيضاً ذكر عين هذا الجواب فقال: المراد أنه تعالى زين لهم ما ينبغي أن يعملوا وهم لا ينتهون.
الثاني: قال آخرون: المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار سوء عملهم، أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم.
والثالث: أمهلنا الشيطان حتى زين لهم، والرابع: زيناه في زعمهم وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا.
هذا مجموع التأويلات المذكورة في هذه الآية والكل ضعيف وذلك لأن الدليل العقلي القاطع دل على صحة ما أشعر به ظاهر هذا النص، وذلك لأنا بينا غير مرة أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على حصول الداعي.
وبينا أن تلك الداعية لابد وأن تكون بخلق الله تعالى، ولا معنى لتلك الداعية إلا علمه واعتقاده أو ظنه باشتمال ذلك الفعل على نفع زائد، ومصلحة راجحة، وإذا كانت تلك الداعية حصلت بفعل الله تعالى، وتلك الداعية لا معنى لها إلا كونه معتقداً لاشتمال ذلك الفعل على النفع الزائد، والمصلحة الراجحة.
ثبت أنه يمتنع أن يصدر عن العبد فعل، ولا قول ولا حركة ولا سكون، إلا إذا زين الله تعالى ذلك الفعل في قلبه وضميره واعتقاده، وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً، والعلم بذلك ضروري بل إنما يختاره لاعتقاده كونه إيماناً وعلماً وصدقاً وحقاً فلولا سابقة الجهل الأول لما اختار هذا الجهل.
الثاني: ثم إنا ننقل الكلام إلى أنه لم اختار ذلك الجهل السابق، فإن كان ذلك لسابقة جهل آخر فقد لزم أن يستمر ذلك إلى ما لا نهاية له من الجهالات وذلك محال، ولما كان ذلك باطلاً وجب انتهاء تلك الجهالات إلى جهل أول يخلقه الله تعالى فيه ابتداء، وهو بسبب ذلك الجهل ظن في الكفر كونه إيماناً وحقاً وعلماً وصدقاً، فثبت أنه يستحيل من الكافر اختيار الجهل والكفر إلا إذا زين الله تعالى ذلك الجهل في قلبه، فثبت بهذين البرهانين القاطعين القطعيين أن الذي يدل عليه ظاهر هذه الآية هو الحق الذي لا محيد عنه، وإذا كان الأمر كذلك، فقد بطلت التأويلات المذكورة بأسرها، لأن المصير إلى التأويل إنما يكون عند تعذر حمل الكلام على ظاهره.
أما لما قام الدليل على أنه لا يمكن العدول عن الظاهر، فقد سقطت هذه التكليفات بأسرها والله أعلم.
وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله تعالى.
فأما أن يحمل ذلك على أنه تعالى زين الأعمال الصالحة في قلوب الأمم، فهذا كلام منقطع عما قبله، وأيضاً فقوله: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ يتناول الأمم الكافرة والمؤمنة، فتخصيص هذا الكلام بالأمة المؤمنة ترك لظاهر العموم، وأما سائر التأويلات، فقد ذكرها صاحب الكشاف: وسقوطها لا يخفى، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ فالمقصود منه أن أمرهم مفوض إلى الله تعالى، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم.
مطلع على ضمائرهم.
ورجوعهم يوم القيامة إلى الله فيجازي كل أحد بمقتضى عمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ﴾ الآلهة ﴿ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله ﴾ وذلك أنهم قالوا عند نزول قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] لتنتهينّ عن سبّ آلهتنا أو لنهجونّ إلهك.
وقيل: كان المسلمون يسبون آلهتهم، فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسبّ الله تعالى.
فإن قلت: سب الآلهة حق وطاعة، فكيف صحّ النهي عنه، وإنما يصحّ النهي عن المعاصي قلت: ربّ طاعة علم أنها تكون مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة، فيجب النهي عنها لأنها معصية، لا لأنها طاعة كالنهي عن المنكر هو من أجلّ الطاعات، فإذا علم أنه يؤدّي إلى زيادة الشرّ انقلب معصية، ووجب النهي عن ذلك النهي.
كما يجب النهي عن المنكر.
فإن قلت: فقد روي عن الحسن وابن سيرين: أنهما حضرا جنازة فرأى محمد نساء فرجع، فقال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا.
قلت: ليس هذا ممن نحن بصدده، لأنّ حضور الرجال الجنازة طاعة وليس بسبب لحضور النساء فإنهنّ يحضرنها حضر الرجال أو لم يحضروا، بخلاف سبّ الآلهة.
وإنما خيل إلى محمد أنه مثله حتى نبه عليه الحسن.
﴿ عَدْوَا ﴾ ظلماً وعدواناً.
وقرئ: ﴿ عُدوّاً ﴾ بضم العين وتشديد الواو بمعناه.
ويقال: عدا فلان عدواً وعدواً وعدواناً وعداء.
وعن ابن كثير: ﴿ عدوّاً ﴾ ، بفتح العين بمعنى أعداء ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ كذلك زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مثل ذلك التزيين زينا لكل أمّة من أمم الكفار سوء عملهم.
أو خليناهم وشأنهم، ولم نكفهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زيناه في زعمهم.
وقولهم: إن الله أمرنا بهذا وزينه لنا ﴿ فَيُنَبِّئُهُم ﴾ فيوبخهم عليه ويعاتبهم ويعاقبهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ ولا تَذْكُرُوا آلِهَتَهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها بِما فِيها مِنَ القَبائِحِ.
﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا ﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ.
﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ عَلى جَهالَةٍ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ بِهِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ عَدْوًا يُقالُ عَدا فُلانٌ عَدْوًا وعُدُوًّا وعَداءً وعُدْوانًا.
رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَطْعَنُ في آلِهَتِهِمْ فَقالُوا لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا أوْ لِنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ، فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَها فَنُهُوا لِئَلّا يَكُونَ سَبُّهم سَبَبًا لِسَبِّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ.
﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا وتَخْذِيلًا، ويَجُوزُ تَخْصِيصُ العَمَلِ بِالشَّرِّ وكُلِّ أُمَّةٍ بِالكَفَرَةِ لِأنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ لَهم.
﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ بِالمُحاسَبَةِ والمُجازاتِ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
وكان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله بقوله {ولا تسبوا} آلهة {الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله} منصوبا على جواب النهي {عَدْوَاً} ظلماً وعدواناً {بِغَيْرِ عِلْمٍ} على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به {كذلك} مثل ذلك التزيين {زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ} من أمم الكفار {عَمَلَهُمْ} وهو كقوله أفمن زين له سوء علمه فرآه حَسَناً فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي من يشاء وهو حجة لنا في الأصلح {ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ} مصيرهم {فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيخبرهم بما عملوا ويجزيهم عليه
﴿ ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَشْتُمُوهم ولا تَذْكُرُوهم بِالقَبِيحِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا المُشْرِكُونَ عَلى مَعْنى لا تَسُبُّوهم مِن حَيْثُ عِبادَتِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ كَأنْ تَقُولُوا تَبًّا لَكم ولِما تَعْبُدُونَهُ مَثَلًا أوْ آلِهَتِهِمْ فالآيَةُ صَرِيحَةٌ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّها، والعائِدُ حِينَئِذٍ مُقَدَّرٌ أيِ الَّذِينَ تَدْعُونَهُمْ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالَّذِينِ مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمْ أنَّها مِن أهْلِ العِلْمِ أوْ عَلى تَغْلِيبِ العُقَلاءِ مِنها كالمَلائِكَةِ والمَسِيحِ وعُزَيْرٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: إنَّ سَبَّ الآلِهَةِ سَبٌّ لَهُمْ؛ كَما يُقالُ ضَرْبُ الدّابَّةِ صَفْعٌ لِراكِبِها ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا ﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، وأنْ يَكُونَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ، و(يَسُبُّوا) مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وقِيلَ: مَجْزُومٌ عَلى العَطْفِ كَقَوْلِهِمْ: لا تَمْدُدْها فَتَشْقُقْها ومَعْنى سَبِّهِمْ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ إفْضاءُ كَلامِهِمْ إلَيْهِ كَشَتْمِهِمْ لَهُ ولِمَن يَأْمُرُهُ، وقَدْ فُسِّرَ ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ بِذَلِكَ أيْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ أنَّهم يَسُبُّونَهُ وإلّا فالقَوْمُ كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ وأنَّ آلِهَتَهم إنَّما عَبَدُوها لِتَكُونَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ فَكَيْفَ يَسُبُّونَهُ؟
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ سَبُّهم لَهُ عَزَّ اسْمُهُ صَرِيحًا؛ ولا إشْكالَ بِناءً عَلى أنَّ الغَضَبَ والغَيْظَ يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ ألا تَرى أنَّ المُسْلِمَ قَدْ تَحْمِلُهُ شِدَّةُ غَيْظِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِالكُفْرِ ومِمّا شاهَدْناهُ أنَّ بَعْضَ جَهَلَةِ العَوامِّ أكْثَرَ الرّافِضَةُ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عِنْدَهُ فَغاظَهُ ذَلِكَ جِدًّا فَسَبَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ما أرَدْتُ إلّا إغاظَتَهم ولَمْ أرَ شَيْئًا يَغِيظُهم مِثْلَ ذَلِكَ فاسْتُتِيبَ عَنْ هَذا الجَهْلِ العَظِيمِ، وقالَ الرّاغِبُ: إنَّ سَبَّهم لِلَّهِ تَعالى لَيْسَ أنَّهم يَسُبُّونَهُ جَلَّ شَأْنُهُ صَرِيحًا ولَكِنْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِهِ تَعالى ويَتَمادَوْنَ في ذَلِكَ بِالمُجادَلَةِ ويَزْدادُونَ في وصْفِهِ سُبْحانَهُ بِما يُنَزَّهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ عَنْهُ، وقَدْ يُجْعَلُ الإصْرارُ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ سَبًّا؛ وهو سَبٌّ فِعْلِيٌّ قالَ الشّاعِرُ: وما كانَ ذَنْبُ بَنِي مالِكٍ بِأنْ سَبَّ مِنهم غُلامًا فَسُبَّ بِأبْيَضَ ذِي شَطْبٍ قاطِعٍ يَقُدُّ العِظامَ ويَبْرِي العَصَبَ ونُبِّهَ بِهِ عَلى ما قالَهُ الآخَرُ: ونَشْتُمُ بِالأفْعالِ لا بِالتَّكَلُّمِ وقِيلَ: المُرادُ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى سَبُّ الرَّسُولِ ونَظِيرُ ذَلِكَ مِن وجْهِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ ﴾ الآيَةِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ (عُدُوًّا) يُقالُ: عَدا فُلانٌ يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا حَضَرَ أبا طالِبٍ المَوْتُ قالَتْ قُرَيْشٌ: انْطَلِقُوا فَلْنَدْخُلْ عَلى هَذا الرَّجُلِ فَلْنَأْمُرْهُ أنْ يَنْهى عَنّا ابْنَ أخِيهِ فَإنّا نَسْتَحِي أنْ نَقْتُلَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَقُولُ العَرَبُ: كانَ يَمْنَعُهُ فَلَمّا ماتَ قَتَلُوهُ، فانْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ وأبُو جَهْلٍ والنَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ وأُمَيَّةُ وأُبَيُّ ابْنا خَلْفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وعَمْرُو بْنُ العاصِ والأسْوَدُ بْنُ البُحْتُرِيِّ إلى أبِي طالِبٍ فَقالُوا: أنْتَ كَبِيرُنا وسَيِّدُنا وإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ آذانا وآذى آلِهَتَنا فَنُحِبُّ أنْ تَدْعُوَهُ فَتَنْهاهُ عَنْ ذِكْرِ آلِهَتِنا ولَنَدَعَنَّهُ وإلَهَهُ فَدَعاهُ فَجاءَ النَّبِيُّ فَقالَ لَهُ أبُو طالِبٍ: هَؤُلاءِ قَوْمُكَ وبَنُو عَمِّكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : ماذا تُرِيدُونَ؟
قالُوا نُرِيدُ أنْ تَدَعَنا وآلِهَتَنا ونَدَعَكَ وإلَهَكَ فَقالَ أبُو طالِبٍ: قَدْ أنْصَفَكَ قَوْمُكَ فاقْبَلْ مِنهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : أرَأيْتُكم إنْ أعْطَيْتُكم هَذا فَهَلْ أنْتُمْ مُعْطِيَّ كَلِمَةً إنْ تَكَلَّمْتُمْ بِها مَلَكْتُمُ العَرَبَ ودانَتْ لَكم بِها العَجَمُ قالَ أبُو جَهْلٍ: نَعَمْ لَنُعْطِيَنَّكَها وأبِيكَ وعَشْرَ أمْثالِها فَما هِيَ؟
قالَ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ فَأبَوْا واشْمَأزُّوا فَقالَ أبُو طالِبٍ قُلْ غَيْرَها يا ابْنَ أخِي فَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ فَزِعُوا مِنها فَقالَ : يا عَمُّ ما أنا بِالَّذِي أقُولُ غَيْرَها ولَوْ أتَوْنِي بِالشَّمْسِ فَوَضَعُوها في يَدِي ما قُلْتُ غَيْرَها فَقالُوا: لَتَكُفَّنَّ عَنْ شَتْمِكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَشْتُمَنَّكَ ولَنَشْتُمَنَّ مَن يَأْمُرُكَ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: قالُوا: يا مُحَمَّدُ لِتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنا أوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَسُبُّوا أوْثانَهم».
وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ نَزَلَتْ ﴿ ولا تَسُبُّوا ﴾ إلَخْ، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ وصْفَ آلِهَتِهِمْ بِأنَّها حَصَبُ جَهَنَّمَ وبِأنَّها لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ سَبٌّ لَها فَكَيْفَ نَهى عَنْهُ بِما هُنا.
وأُجِيبَ بِأنَّهم إذا قَصَدُوا بِالتِّلاوَةِ سَبَّهم وغَيْظَهم يَسْتَقِيمُ النَّهْيُ عَنْها ولا بِدْعَ في ذَلِكَ كَما يُنْهى عَنِ التِّلاوَةِ في المَواضِعِ المَكْرُوهَةِ وقالَ في الكَشْفِ: المَعْنى عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يَقَعُ السَّبُّ مِنكم بِناءً عَلى ما ورَدَ في الآيَةِ فَيَصِيرُ سَبًّا لِسَبِّهِمْ، وقِيلَ: ما في الآيَةِ لا يُعَدُّ سَبًّا لِأنَّهُ ذَكَرَ المَساوِئَ لِمُجَرَّدِ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ وما فِيها إنَّما ورَدَ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى عَدَمِ صُلُوحِها لِلْأُلُوهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وفِيهِ تَأمَّلْ.
وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو عَنِ العُدُولِ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى السَّبِّ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَخْرُجُوا مِن دَعْوَةِ الكُفّارِ ومُحاجَّتِهِمْ إلى أنْ تَسُبُّوا ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحِجاجِ في شَيْءٍ ويَجُرُّ إلى سَبِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ؛ وهَذا بِخِلافِ الطّاعَةِ في مَوْضِعٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لا يُمْكِنُ دَفْعُها وكَثِيرًا ما يَشْتَبِهانِ، ولِذا لَمْ يَحْضُرِ ابْنُ سِيرِينَ جِنازَةً اجْتَمَعَ فِيها الرِّجالُ والنِّساءُ وخالَفَهُ الحَسَنُ قائِلًا: لَوْ تَرَكْنا الطّاعَةَ لِأجْلِ المَعْصِيَةِ لَأسْرَعَ ذَلِكَ في دِينِنا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُما ونَقَلَ الشِّهابُ عَنِ المَقْدِسِيِّ في الرَّمْزِ أنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ فُقَهائِنا أنَّهُ لا يَتْرُكُ ما يَطْلُبُ لِمُقارَنَةِ بِدْعَةٍ كَتَرْكِ إجابَةِ دَعْوَةٍ لِما فِيها مِنَ المَلاهِي وصَلاةِ جِنازَةٍ لِنائِحَةٍ فَإنْ قَدَرَ عَلى المَنعِ مَنَعَ وإلّا صَبَرَ، وهَذا إذا لَمْ يُقْتَدْ بِهِ وإلّا لا يَقْعُدُ لِأنَّ فِيهِ شَيْنَ الدِّينِ.
وما رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتُلِيَ بِهِ كانَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إمامًا يُقْتَدى بِهِ.
ونُقِلَ عَنْ أبِي مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: كَيْفَ نَهانا اللَّهُ تَعالى عَنْ سَبِّ مَن يَسْتَحِقُّ السَّبَّ لِئَلّا يُسَبَّ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ وقَدْ أمَرَنا بِقِتالِهِمْ وإذا قاتَلْناهم قَتَلُونا وقَتْلُ المُؤْمِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ مُنْكَرٍ؟
وكَذا أمَرَ النَّبِيَّ بِالتَّبْلِيغِ والتِّلاوَةِ عَلَيْهِمْ وإنْ كانُوا يُكَذِّبُونَهُ؟
وأنَّهُ أجابَ بِأنَّ سَبَّ الآلِهَةِ مُباحٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ وقِتالَهم فَرْضٌ وكَذا التَّبْلِيغَ وما كانَ مُباحًا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ ويَحْدُثُ، وما كانَ فَرْضًا لا يُنْهى عَمّا يَتَوَلَّدُ مِنهُ.
وعَلى هَذا يَقَعُ الفَرْقُ لِأبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيمَن قَطَعَ يَدَ قاطِعٍ قِصاصًا فَماتَ مِنهُ فَإنَّهُ يَضْمَنُ الدِّيَةَ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّهِ مُباحٌ فَأُخِذَ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، والإمامُ إذا قَطَعَ يَدَ السّارِقِ فَماتَ لا يَضْمَنُ لِأنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُؤْخَذْ بِالمُتَوَلِّدِ مِنهُ، اهـ.
ومَن هُنا لا تُحْمَلُ الطّاعَةُ فِيما تَقَدَّمَ عَلى إطْلاقِها ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ القَوِيِّ ﴿ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ مِنَ الأُمَمِ ﴿ عَمَلَهُمْ ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا أوْ تَخْذِيلًا، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ أُمَمُ الكُفْرِ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وبِعَمَلِهِمْ شَرُّهم وفَسادُهُمْ، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ تَعالى شَأْنُهُ لَهُمْ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي زَيَّنَ لِلْكافِرِ الكُفْرَ كَما زَيَّنَ لِلْمُؤْمِنِ الإيمانَ وأنْكَرَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَتَأوَّلُوا الآيَةَ لِما لا يَخْفى ضَعْفُهُ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ ﴿ مَرْجِعُهُمْ ﴾ أيْ رَجَعُوهم ومَصِيرُهم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ﴿ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ 108 - في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وذَلِكَ بِالثَّوابِ عَلى الأوَّلِ والعِقابِ عَلى الثّانِي، فالجُمْلَةُ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ وفَسَّرَ بَعْضُهم (ما) بِالسَّيِّئاتِ المُزَيَّنَةِ لَهم وقالَ: إنَّ هَذا وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ <div class="verse-tafsir"
اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: اعمل بما أنزل إليك من ربك من أمره ونهيه حين دعي إلى ملة آبائه.
ثم قال لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ يعني: اتركهم على ضلالتهم.
ثم قال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا يقول: وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَهُمْ مؤمنين.
ويقال: لو شاء لأنزل عليهم آية يؤمنوا بها لو شاء لاستأصلهم فقطع سبب شركهم.
وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً يعني: أن لم يوحّدوا وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ يعني: بمسلط وقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وذلك أن النبيّ وأصحابه كان يذكرون الأصنام بسوء ويذكرون عيبهم، فقال المشركون: لتنتهين عن شتم آلهتنا، أو لنسبنّ ربك.
فنهى الله تعالى المؤمنين عن شتم آلهتهم عندهم لأنهم جهلة.
فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً يعني: اعتداءً بِغَيْرِ عِلْمٍ يعني: بلا علم منهم ويقال: عَدْواً يعني: ظلماً صار نصباً بالمصدر، وفي الآية دليل أن الإنسان إذا أراد أن يأمر بالمعروف فيقع المأمور به في أمر هو شر مما هو فيه من الضرب أو الشتم أو القتل، ينبغي أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه.
ثم قال: كَذلِكَ زَيَّنَّا يقول: هكذا زينا لِكُلِّ أُمَّةٍ يعني: لكل أهل دين عملهم يعني: ضلالتهم في الدنيا عقوبة ومجازاة لهم ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: فيجازيهم بذلك.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...
الآية: مخاطبة للمؤمنين والنبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال ابن عباس: سببها أن كفَّار قريشٍ قالوا لأبي طَالِبٍ: إما أنْ ينتهِيَ محمَّد وأصحابه عن سَبِّ آلهتنا والغَضِّ منها، وإما أنْ نَسُبَّ إلهه ونَهْجُوه «١» ، فنزلَتِ الآية، وحكْمُها على كلِّ حال باقٍ في الأمة/، فلا يحلُّ لمسلمٍ أنْ يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى سبّ الإسلام أو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو اللَّه عزَّ وجلَّ، وعبَّر عن الأصنامِ بالذين، وهي لا تَعْقِلُ، وذلك على معتقدِ الكَفَرة فيها، وفي هذه الآية ضَرْبٌ من الموادعة، وعَدْواً: مصدر من الاعتداء، وبِغَيْرِ عِلْمٍ: بيانٌ لمعنى الاعتداءِ.
وقوله تعالى: كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ: إشارة إلى ما زَيَّنَ لهؤلاء من التمسُّك بأصنامهم، وتَزْيينُ اللَّه عَمَلَ الأممِ هو ما يخلقه سبحانه في النُّفُوس من المحبَّة للخَيْر والشَّرِّ، وتزيينُ الشيطان هو ما يَقْذِفُه في النفُوسِ من الوسوسة وخَطَراتِ السُّوء، وقوله:
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ...
الآية: تتضمَّن وعداً جميلاً للمحسنين، ووعيداً ثقيلاً للمسيئين.
وقوله سبحانه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها: اللام في قوله: لَئِنْ لامُ توطئة للقَسَمِ، وأما المُتَلَقِّيَةُ للقَسَمِ فهي قوله: لَيُؤْمِنُنَّ بِها، وآيَةٌ: يريد: علامة، وحُكِيَ أنَّ الكفار لمَّا نزلَتْ: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [الشعراء: ٤] ، أقسموا حينئذٍ أنها إنْ نزلَتْ، آمنوا، فنزلَتْ هذه الآيةُ، وحُكِيَ أنهم اقترحُوا أنْ يعود الصفا ذَهَباً، وأقسموا على ذلك، فقام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يَدْعُو في ذلك، فجاءه جِبْريلُ، فقال له: إنْ شئْتَ أصْبَحَ ذَهَباً، فإن لم يؤمنُوا، هَلَكُوا عَنْ آخرهم معاجلَةً كما فعل بالأمم المُقْتَرِحَةِ، وإن شئْتَ، أُخِّرُوا حتى يتوبَ تائبهم، فقال- عليه الصلاة والسلام-: بل حتّى يتوب تائبهم «٢» ، ونزلت الآية.
قال ابنُ العربيِّ: قوله: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، يعني: غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليها قدرتهم.
انتهى من «الأحكام» .
ثم قال تعالى: قل لهم، يا محمَّد على جهة الردِّ والتخطئةِ: إنما الآياتُ عند اللَّه وليْسَتْ عندي، فَتُقْتَرَحَ علَيَّ، ثم قال: وَما يُشْعِرُكُمْ، قال مجاهدٌ: وابن زيد:
المخاطَبُ بهذا الكفَّار «١» ، وقال الفَرَّاء وغيره: المخاطَبُ بهذا المؤمنون، وَما يُشْعِرُكُمْ:
معناه: وما يُعْلِمُكم وما يُدْرِيكم، وقرأ ابن كثير «٢» وغيره: «إنَّهَا» - بكسر الألف-، على القطعِ، واستئناف الأخبار، فمن قرأ «تُؤْمِنُونَ» «٣» - بالتاء-، وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبةُ، أولاً وآخراً، للكفَّار، ومن قرأ بالياء، وهي قراءةُ نافعٍ.
وغيره، فيحتمل أنْ يخاطب، أولاً وآخراً، المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله: وَما يُشْعِرُكُمْ الكفَّار، ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، وقرأ نافعٌ وغيره: «أَنَّهَا» - بفتح الألف-، فقيل: إنَّ «لا» زائدةٌ في قوله: لاَ يُؤْمِنُونَ كما زيدَتْ في قوله تعالى: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: ٩٥] ، ودعا إلى التزامِ هذا حفْظُ المعنى، لأنها لو لم تكُنْ زائدةً، لعاد الكلام عذراً للكفَّار، وفَسَدَ المراد بالآية، وضَعَّف الزَّجَّاج وغيره زيادةَ «لا» ، ومنهم مَنْ جعل أَنَّها بمعنى لَعَلَّها، وحكاه سيبَوَيْهِ عن الخليلِ، وهذا التأويل لا يحتاجُ معه إلى تقديرِ زيادةٍ، «لا» ، وحكى الكسائيُّ: أنه كذلك في مُصْحف أُبَيٍّ «وَمَا أَدْرَاكُمْ لَعَلَّهَا إذَا جَاءَتْ» ، ورجَّح أبو عليٍّ أنْ تكون «لا» زائدةً، وبسط شواهده في ذلك.
وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ، فالمعنى على ما قالت فرقة: ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم في النَّار، وفي لهبها في الآخرة، لمَّا لم يُؤْمِنُوا في الدنيا، ثم استأنف على هذا: ونَذَرُهُمْ في الدنيا في طغيانهم يعمهون، وقالتْ فرقة: إنما المراد بالتقْلِيبِ التّحويل عن الحقّ والهدى والتّرك في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ لَلْمُشْرِكِينَ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قالُوا: لَتَنْتَهِيَنَّ يا مُحَمَّدُ عَنْ سَبِّ آَلِهَتِنا وعَيْبِها، أوْ لَنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسُبُّونَ أوْثانَ الكُفّارِ، فَيَرُدُّونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَنَهاهُمُ اللهُ تَعالى أنْ يَسْتَسِبُّوا لَرَبِّهِمْ قَوْمًا جَهَلَةً لا عِلْمَ لَهم بِاللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ومَعْنى "يَدْعُونَ": يَعْبُدُونَ، وهي الأصْنامُ.
﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ ﴾ أيْ: فَيَسُبُّوا مِن أمْرِكم بِعَيْبِها، فَيَعُودُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى، لا أنَّهم كانُوا يُصَرِّحُونَ بِسَبِّ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ أنَّهُ خالِقُهم، وإنْ أشْرَكُوا بِهِ.
وَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أيْ: ظُلْمًا بِالجَهْلِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: "عَدُوًّا" بِضَمِّ العَيْنِ والدّالِ وتَشْدِيدِ الواوِ.
والعَرَبُ تَقُولُ في الظُّلْمِ: عَدا فُلانٌ عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا.
وعَدا، أيْ: ظَلَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ أيْ: كَما زَيَّنّا لَهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عِبادَةَ الأصْنامِ، وطاعَةَ الشَّيْطانِ، كَذَلِكَ زَيَّنّا لَكُلِّ جَماعَةٍ اجْتَمَعَتْ عَلى حَقٍّ أوْ باطِلٍ عَمَلَهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذِهِ الآَيَةُ نُسِخَتْ بِتَنْبِيهِ الخِطابِ في آَيَةِ السَّيْفِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ لا إلَهَ إلا هو وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكُوا وما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهِ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ هَذانِ أمْرانِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُضَمَّنُهُما الِاقْتِصارُ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ؛ ومُوادَعَةِ الكُفّارِ؛ وذَلِكَ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ الإعْراضُ عنهم بِالقِتالِ؛ والسَوْقِ إلى الدِينِ طَوْعًا؛ أو كَرْهًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكُوا ﴾ ؛ في ظاهِرِها رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ: إنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللهِ تَعالى لُطْفٌ يُؤْمِنُ بِهِ الكافِرُ؛ وإنَّ الكافِرَ؛ والإنْسانَ؛ في الجُمْلَةِ؛ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ وهي مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ إشْراكَهم وغَيْرَهُ وقْفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ ؛ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَبَبُها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِأبِي طالِبٍ: إمّا أنْ يَنْتَهِيَ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ عن سَبِّ آلِهَتِنا؛ والغَضِّ مِنها؛ وإمّا أنْ نَسُبَّ إلَهَهُ؛ ونَهْجُوَهُ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ"؛ وحُكْمُها عَلى كُلِّ حالٍ باقٍ في الأُمَّةِ؛ فَمَتى كانَ الكافِرُ في مَنَعَةٍ؛ وخِيفَ أنْ يَسُبَّ الإسْلامَ؛ أوِ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ أوِ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَلا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسُبَّ دِينَهُمْ؛ ولا صُلْبانَهُمْ؛ ولا يَتَعَرَّضَ إلى ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ أو نَحْوِهِ؛ وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ - وهي لا تَعْقِلُ - بِـ "اَلَّذِينَ"؛ وذَلِكَ عَلى مُعْتَقَدِ الكَفَرَةِ فِيها؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ المُوادَعَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَدْوًا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وسُكُونِ الدالِ؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ويَعْقُوبُ؛ وسَلامٌ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "عُدُوًّا"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ والدالِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وهَذا أيْضًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وهو مِن "اَلِاعْتِداءُ"؛ وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: "عَدُوًّا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ أيْ في حالِ عَداوَةٍ لِلَّهِ تَعالى ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِغَيْرِ عِلْمٍ"؛ ﴾ بَيانٌ لِمَعْنى الِاعْتِداءِ المُتَقَدِّمِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى ما زَيَّنَ اللهُ تَعالى لِهَؤُلاءِ؛ عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ مِنَ التَمَسُّكِ بِها؛ والذَبِّ عنها؛ وتَزْيِينُ اللهِ تَعالى عَمَلَ الأُمَمِ هو ما يَخْلُقُهُ؛ ويَخْتَرِعُهُ في النُفُوسِ مِنَ المَحَبَّةِ لِلْخَيْرِ؛ أوِ الشَرِّ؛ والِاتِّباعُ لِطُرُقِهِ؛ وتَزْيِينُ الشَيْطانِ هو بِما يَقْذِفُهُ في النُفُوسِ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ وخَطَراتِ السُوءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهم فَيُنَبِّئُهُمْ ﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ وعَدًا جَمِيلًا لِلْمُحْسِنِينَ؛ ووَعِيدًا ثَقِيلًا لِلْمُسِيئِينَ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على قوله: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ [الأنعام: 106] يزيد معنى الإعراض المأمور به بياناً، ويحقّق ما قلناه أن ليس المقصود من الإعراض ترك الدّعوة بل المقصود الإغضاء عن سبابهم وبذيء أقوالهم مع الدّوام على متابعة الدّعوة بالقرآن، فإنّ النّهي عن سبّ أصنامهم يؤذن بالاسترسال على دعوتهم وإبطال معتقداتهم مع تجنّب المسلمين سبّ ما يدعونهم من دون الله.
والسبّ: كلام يدلّ على تحقير أحد أو نسبته إلى نقيصة أو معرّة، بالباطل أو بالحقّ، وهو مرادف الشّتم.
وليس من السبّ النسبةُ إلى خطإ في الرّأي أو العمللِ، ولا النّسبة إلى ضلال في الدّين إن كان صدر من مخالف في الدّين.
والمخاطب بهذا النّهي المسلمون لا الرّسول صلى الله عليه وسلم لأنّ الرّسول لم يكن فحّاشاً ولا سبّاباً لأنّ خُلقه العظيم حائل بينه وبين ذلك، ولأنّه يدعوهم بما ينزل عليه من القرآن فإذا شاء الله تركه من وحيه الّذي ينزله، وإنّما كان المسلمون لغيرتهم على الإسلام ربّما تجاوزوا الحدّ ففرطت منهم فرطات سبّوا فيها أصنام المشركين.
روى الطّبري عن قتادة قال «كان المسلمون يسبّون أوثان الكفّار فيردّون ذلك عليهم فنهاهم الله أن يستَسبّوا لربّهم».
وهذا أصحّ ما روي في سبب نزول هذه الآية وأوفَقُه بنظم الآية.
وأمّا ما روى الطّبري عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنّه لمّا نزل قوله تعالى: ﴿ إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم ﴾ [الأنبياء: 98] قال المشركون: لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا وشتمها لنهجُوَنّ إلهك، فنزلت هذه الآية في ذلك، فهو ضعيف لأنّ عليّ بن أبي طلحة ضعيف وله منكرات ولم يلق ابن عبّاس.
ومن البعيد أن يكون ذلك المراد من النّهي في هذه الآية، لأنّ ذلك واقع في القرآن فلا يناسب أن ينهى عنه بلفظ ﴿ ولا تسُبّوا ﴾ وكان أن يقال: ولا تجهروا بسبّ الّذين يَدْعون من دون الله مثلاً.
كما قال في الآية الأخرى ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ﴾ [الإسراء: 110].
وكذا ما رواه عن السديّ أنّه لمّا قربت وفاة أبي طالب قالت قريش: ندخل عليه ونطلب منه أن ينهى ابنَ أخيه عنّا فإنّا نستحيي أن نقتله بعد موته، فانطلق نفر من سادتهم إلى أبي طالب وقالوا: أنت سيّدنا، وخاطبوه بما راموا، فدعا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال له: هؤلاء قومك وبنو عمّك يريدون أن تدَعهم وآلهتَهم ويدَعوك وإلَهَك، وقالوا: لتكُفّن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنّك ولنشتمنّ من يأمُرك.
ولم يقل السدّي أنّ ذلك سبب نزول هذه الآية ولكنّه جعله تفسيراً للآية، ويرد عليه ما أوردناه على ما روي عن عليّ بن أبي طلحة.
قال الفخر: ههنا إشكالان هما: أنّ النّاس اتَّفقوا على أنّ سورة الأنعام نزلت دفعة واحدة فكيف يصحّ أن يقال: إنّ سبب نزول هذه الآية كذا، وأنّ الكفّار كانوا مقرّين بالله تعالى وكانوا يقولون: عبدنا الأصنام لتكون شفعاء لنا عند الله فكيف يعقل إقدامُ الكفّار على شتم الله تعالى اه.
وأقول: يدفع الإشكال الأوّل أنّ سبب النّزول ليس يلزم أن يكون مقارناً للنّزول فإنّ السّبب قد يتقدّم زمانه ثمّ يشار إليه في الآية النّازلة فتكون الآية جواباً عن أقوالهم.
وقد أجاب الفخر بمثل هذا عند قوله تعالى: ﴿ ولو أنّنا نزّلنا إليهم الملائكة ﴾ [الأنعام: 111] الآية.
ويدفع الإشكال الثّاني أنّ المشركين قالوا لئن لم تنته عن سبّ آلهتنا لنهجونّ إلهك، ومعناه أنّهم ينكرون أنّ الله هو إلهه ولذلك أنكروا الرّحمان ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرّحمان قالوا وما الرّحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾ [الفرقان: 60].
فهم ينكرون أنّ الله أمره بذمّ آلهتهم لأنّهم يزعمون أنّ آلهتهم مقرّبون عند الله، وإنّما يزعمون أنّ شيطاناً يأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بسبّ الأصنام، ألا ترى إلى قول امرأة منهم لمّا فتَر الوحي في ابتداء البعثة: ما أرى شيطانه إلاّ ودّعه، وكان ذلك سبب نزول سورة الضّحى.
وجواب الفخر عنه ﴿ إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله ﴾ [الفتح: 10] اه.
فإنّ في هذا التّأويل بُعداً لا داعي إليه.
والوجه في تفسير الآية أنّه ليس المراد بالسبّ المنهي عنه فيها ما جاء في القرآن من إثبات نقائص آلهتهم ممّا يدلّ على انتفاء إلهيتها، كقوله تعالى: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضلّ ﴾ في سورة الأعراف (179).
وأمّا ما عداه من نحو قوله تعالى: ألهم أرجل يمشون بها } [الأعراف: 195] فليس من الشّتم ولا من السبّ لأنّ ذلك من طريق الاحتجاج وليس تصدّياً للشّتم، فالمراد في الآية ما يصدر من بعض المسلمين من كلمات الذمّ والتّعبير لآلهة المشركين، كما روي في «السيرة» أنّ عُروة بن مسعود الثّقفي جاء رسولاً من أهل مكّة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ الحديبيّة فكان من جملة ما قاله: " وأيم الله لكأنّي بهؤلاء (يعني المسلمين) قد انكشفوا عنك "، وكان أبو بكر الصدّيق حاضراً، فقال له أبو بكر «امصُصْ بَظْر اللاّت» إلى آخر الخبر.
ووجه النّهي عن سبّ أصنامهم هو أنّ السبّ لا تترتَّب عليه مصلحة دينيّة لأنّ المقصود من الدّعوة هو الاستدلال على إبطال الشّرك وإظهار استحالة أن تكون الأصنام شركاء لله تعالى، فذلك هو الّذي يتميّز به الحقّ عن الباطل، وينهض به المحقُّ ولا يستطيعه المبطل، فأمّا السبّ فإنّه مقدور للمحقّ وللمبطل فيظهر بمظهر التّساوي بينهما.
وربّما استطاع المبطل بوقاحته وفحشه ما لا يستطيعه المحقّ، فيلوح للنّاس أنّه تغلّب على المحقّ.
على أنّ سبّ آلهتهم لمّا كان يُحمي غيظهم ويزيد تصلّبهم قد عادَ مُنافياً لمراد الله من الدّعوة، فقد قال لرسوله عليه الصّلاة والسّلام " وجادلهم بالّتي هي أحسن "، وقال لموسى وهارون عليهما السّلام «فقولا له قولاً ليّناً»، فصار السبّ عائقاً من المقصود من البعثة، فتمحّض هذا السبّ للمفسدة ولم يكن مشوباً بمصلحة.
وليس هذا مثل تغيير المنكر إذا خيف إفضاؤه إلى مفسدة لأنّ تغيير المنكر مصلحة بالذّات وإفضاؤه إلى المفسدة بالعَرض.
وذلك مَجال تتردّد فيه أنظار العلماء المجتهدين بحسب الموازنة بين المصالح والمفاسد قوّة وضعفاً، وتحقّقاً واحتمالاً.
وكذلك القول في تعارض المصالح والمفاسد كلّها.
وحكم هذه الآية محكم غير منسوخ.
قال القرطبي: قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمّة على كلّ حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أنّه إنْ سبّ المسلمون أصنامه أو أمور شريعَته أن يَسُبّ هو الإسلام أو النّبيء عليه الصّلاة والسّلام أو اللّهَ عزّ وجلّ لم يحلّ للمسلم أن يسبّ صُلبانهم ولا كنائسهم لأنّه بمنزلة البعث على المعصيّة اه، أي على زيادة الكفر.
وليس من السبّ إبطال ما يخالف الإسلام من عقائدهم في مقام المجادلة ولكنّ السبّ أن نباشرهم في غير مقام المناظرة بذلك، ونظير هذا ما قاله علماؤنا فيما يصدر من أهل الذّمة من سبّ الله تعالى أو سبّ النّبيء صلى الله عليه وسلم بأنّهم إن صدر منهم ما هو من أصول كفرهم فلا يعدّ سَبّاً وإن تجاوزوا ذلك عدّ سبّاً، ويعبّر عنها الفقهاء بقولهم: «مَا به كَفر وغير ما به كفر».
وقد احتجّ علماؤنا بهذه الآية على إثبات أصل من أصول الفقه عند المالكيّة، وهو الملقّب بمسألة سَدّ الذّرائع.
قال ابن العربي: «منع الله في كتابه أحداً أن يفعل فعلاً جائزاً يؤدّي إلى محظور ولأجل هذا تعلّق علماؤنا بهذه الآية في سدّ الذّرائع وهو كلّ عقد جائز في الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصّل به إلى محظور».
وقال في تفسير سورة الأعراف (163) عند قوله تعالى: ﴿ واسْألهم عن القرية الّتي كانت حاضرة البحر إذْ يعدون في السّبت ﴾ قال علماؤنا: هذه الآية أصل من أصول إثبات الذّرائع الّتي انفرد بها مالك رضي الله عنه وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته وخفيت على الشّافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما مع تبحّرهما في الشّريعة، وهو كلّ عمل ظاهر الجواز يتوصّل به إلى محظور اه.
وفَسَّر المازري في باب بيوع الآجال من شرحه للتّلقين } سَدّ الذّريعة بأنّه منع ما يجوز لئلاّ يتَطرّق به إلى ما لا يجوز اه.
والمراد: سدّ ذرائع الفساد، كما أفصح عنه القرافي في «تنقيح الفصول» وفي «الفرق الثّامن والخمسين» فقال: الذّريعة: الوسيلة إلى الشّيء.
ومعنى سدّ الذّرائع حسم مادّة وسائل الفساد.
وأجمعت الأمّة على أنّ الذّرائع ثلاثة أقسام: أحدها: معتبر إجماعاً كحفر الآبار في طرق المسلمين وإلقاءِ السمّ في أطعمتهم وسبّ الأصنام عند من يُعلم من حاله أنّه يسبّ الله تعالى حينئذٍ.
وثانيها: مُلغًى إجماعاً كزراعة العنب فإنّها لا تمنع لخشيَة الخمر، وكالشركة في سكنى الدّور خشية الزّنا.
وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، فاعتبر مالك رضي الله عنه الذّريعة فيها وخالفه غيره اه.
وعَنَى بالمخالف الشّافعي وأبا حنيفة رضي الله عنهما.
وهذه القاعدة تندرج تحت قاعدة الوسائل والمقاصد، فهذه القاعدة شعبة من قاعدة إعطاء الوسيلة حكم المقصد خاصّة بوسائل حصول المفسدة.
ولا يختلف الفقهاء في اعتبار معنى سدّ الذّرائع في القسم الّذي حكى القرافي الإجماع على اعتبار سدّ الذّريعة فيه.
وليس لهذه القاعدة عنوان في أصول الحنفيّة والشّافعيّة، ولا تعرّضوا لها بإثبات ولا نفي، ولم يذكرها الغزالي في «المستصفى» في عداد الأصول الموهومة في خاتمة القطب الثّاني في أدلّة الأحكام.
و ﴿ عَدْواً ﴾ بفتح العين وسكون الدّال وتخفيف الواو في قراءة الجمهور، وهو مصدر بمعنى العدوان والظلم، وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة ل«يسبّوا» لأنّ العدو هنا صفة للسبّ، فصحّ أن يحلّ محلّه في المفعوليّة المطلقة بياناً لنوعه.
وقرأ يعقوب ﴿ عُدُوّاً ﴾ بضمّ العين والدّال وتشديد الواو وهو مصدر كالعَدْو.
ووصفُ سبِّهم بأنّه عَدْو تعريض بأنّ سبّ المسلمين أصنامَ المشركين ليس من الاعتداء، وجعل ذلك السبّ عدواً سواء كان مراداً به الله أم كان مراداً به من يأمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به لأنّ الّذي أمر النّبيء صلى الله عليه وسلم بما جاء به هو في نفس الأمر اللّهُ تعالى فصادفوا الاعتداء على جلاله.
وقوله: ﴿ بغير علم ﴾ حال من ضمير ﴿ يسبّوا ﴾ ، أي عن جهالة، فهم لجهلهم بالله لا يزعهم وازع عن سبّه، ويسبّونه غير عالمين بأنّهم يسبّون الله لأنّهم يسبّون مَن أمر محمّداً صلى الله عليه وسلم بما جاء به فيصادف سبّهم سبّ الله تعالى لأنّه الّذي أمره بما جاء به.
ويجوز أن يكون ﴿ بغير علم ﴾ صفة ل ﴿ عَدْواً ﴾ كاشفة، لأنّ ذلك العدو لا يكون إلاّ عن غير علم بعظم الجرم الّذي اقترفوه، أو عن علم بذلك لكن حالة إقدامهم عليه تشبه حالة عدم العلم بوخامة عاقبته.
وقوله: ﴿ كذلك زيّنّا لكلّ أمّة عمَلهم ﴾ معناه كتزييننا لهؤلاء سُوءِ عملهم زَيَّنَّا لكلّ أمّة عملهم، فالمشار إليه هو ما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجنّ إلى قوله فيسبّوا الله عدواً بغير علم ﴾ [الأنعام: 100 108].
فإنّ اجتراءهم على هذه الجرائم وعماهم عن النّظر في سوء عواقبها نشأ عن تزيينها في نفوسهم وحسبانهم أنّها طرائق نفع لهم ونجاة وفوز في الدّنيا بعناية أصنامهم.
فعلى هذه السنّة وبمماثل هذا التّزيين زيّن الله أعمال الأمم الخالية مع الرّسل الّذين بُعثوا فيهم فكانوا يُشاكسونهم ويعصون نصحهم ويجترئون على ربّهم الّذي بعثهم إليهم، فلمّا شبّه بالمشار إليه تزيينا عَلِم السّامع أنّ ما وقعت إليه الإشارة هو من قبيل التّزيين.
وقد جرى اسم الإشارة هنا على غير الطّريقة الّتي في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمّة وسطا ﴾ [البقرة: 143] ونظائره، لأنّ ما بعده يتعلّق بأحوال غير المتحدّث عنهم بل بأحوال أعمّ من أحوالهم.
وفي هذا الكلام تعريض بالتوعّد بأن سيحلّ بمشركي العرب من العذاب مثلُ ما حلّ بأولئك في الدّنيا.
وحقيقة تزيين الله لهم ذلك أنّه خلَقهم بعقول يَحْسُن لديها مثلُ ذلك الفعل، على نحو ما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ [الأنعام: 108].
وذلك هو القانون في نظائره.
والتّزيين تفعيل من الزّيْن، وهو الحُسن؛ أو من الزّينة، وهي ما يتحسّن به الشّيء.
فالتّزيين جعل الشّيء ذا زينة أو إظهاره زيْناً أو نسبته إلى الزّين.
وهو هنا بمعنى إظهاره في صورة الزّين وإن لم يكن كذلك، فالتّفعيل فيه للنّسبة مثل التّفسيق.
وفي قوله: ﴿ ولكنّ الله حبَّب إليكم الإيمان وَزَيَّنه في قلوبكم ﴾ [الحجرات: 7] بمعنى جعله زيناً، فالتّفعيل للجعل لأنّه حَسَن في ذاته.
ولما في قوله: ﴿ كذلك زيّنّا لكلّ أمّة عملهم ﴾ من التّعريض بالوعيد بعذاب الأمم عقّب الكلام ب ﴿ ثُمّ ﴾ المفيدة التّرتيب الرتبي في قوله: ﴿ ثمّ إلى ربّهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون ﴾ ، لأنّ ما تضمّنته الجملة المعطوفة ب ﴿ ثُمّ ﴾ أعظم ممّا تضمّنته المعطوفُ عليها، لأنّ الوعيد الّذي عُطفت جملته ب ﴿ ثمّ ﴾ أشدّ وأنكى فإنّ عذاب الدّنيا زائل غير مؤيّد.
والمعنى أعظم من ذلك أنّهم إلى الله مرجعهم فيحاسبهم.
والعدول عن اسم الجلالة إلى لفظ ﴿ ربّهم ﴾ لقصد تهويل الوعيد وتعليل استحقاقه بأنّهم يرجعون إلى مالكهم الذي خلقهم فكفروا نعمه وأشركوا به فكانوا كالعبيد الآبقين يطوِّفون ما يطوفوّن ثمّ يقعون في يد مالكهم.
والإنباء: الإعلام، وهو توقيفهم على سوء أعمالهم.
وقد استعمل هنا في لازم معناه، وهو التّوبيخ والعقاب، لأنّ العقاب هو العاقبة المقصودة من إعلام المجرم بجرمه.
والفاء للتّفريع عن المَرْجِع مؤذنة بسرعة العقاب إثر الرّجوع إليه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ يَعْنِي اعْتِداءً، وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ عَدُوًّا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ عَدُوًّا.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَسُبُّوا الأصْنامَ فَتَسُبُّ عَبَدَةُ الأصْنامِ مَن يَسُبُّها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: لا تَسُبُّوها فَيَحْمِلُهُمُ الغَيْظُ والجَهْلُ عَلى أنْ يَسُبُّوا مَن تَعْبُدُونَ كَما سَبَبْتُمْ ما يَعْبُدُونَ.
﴿ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كَما زَيَّنّا لَكم فِعْلَ ما أمَرْناكم بِهِ مِنَ الطّاعاتِ كَذَلِكَ زَيَّنّا لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِعْلَ ما أمَرْناهم بِهِ مِنَ الطّاعاتِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: كَذَلِكَ شَبَّهْنا لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ عَمَلَهم بِالشُّبُهاتِ ابْتِلاءً لَهم حَتّى قادَهُمُ الهَوى إلَيْها وعَمُوا عَنِ الرُّشْدِ فِيها.
والثّالِثُ: كَما أوْضَحْنا لَكُمُ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى الحَقِّ كَذَلِكَ أوْضَحْنا لِمَن قَبْلَكم مِن حُجَجِ الحَقِّ مِثْلَ ما أوْضَحْنا لَكم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله...
﴾ الآية.
قال: قالوا: يا محمد لتنتهين عن سبِّ أو شتم آلهتنا أو لَنَهْجُوَنَّ ربَّك.
فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿ فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: «لما حضر أبا طالب الموت قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهي عنا ابن أخيه، فانا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه.
فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحارث، وأمية وأبي ابنا خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاصي، والأسود بن البختري، وبعثوا رجلاً منهم يقال له المطلب، فقالوا: استأذن لنا علي بن أبي طالب، فأتى أبا طالب فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك؟
فأذن لهم عليه فدخلوا، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعا فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يريدون؟
قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم أن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم بها العرب ودانت لكم بها العجم الخراج؟
قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها فما هي؟!
قال: قولوا: لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا.
قال أبو طالب: قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها.
قال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمك ونشتم من يأمرك، فأنزل الله: ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم ﴾ » .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله، فأنزل الله: ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ كذلك زينا لكل أمة عملهم ﴾ قال: زين الله لكل أمة عملهم الذي يعملون به حتى يموتوا عليه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ الآية قال [قتادة] (١) (٢) (٣) وقال الزجاج: (نهوا في ذلك الوقت قبل القتال أن يلعنوا الأصنام التي كانت يعبدها المشركون) (٤) وقال أبو بكر (٥) (٦) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: فيسبوا الله ظلمًا بالجهل، يقال: عَدَا (٩) (١٠) قال السدي: (معناه: لا تسبوا الأصنام فيسبوا من أمركم بما أنتم عليه من عيبها) (١١) وقال آخرون: (معنى ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ فيحملهم الغيظ والجهل على أن يسبوا من تعبدون، كما سببتم من تعبدون) (١٢) ﴿ فَيَسُبُّوا اللَّهَ ﴾ لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله لأنهم كانوا يقرون أن الله خالقهم وإن أشركوا به.
قال الزجاج: (وعدوا) منصوب على المصدر؛ لأن المعنى: فيعدوا عدوًا (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ قال المفسرون (١٦) ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ من الخير والشر والطاعة والمعصية)، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: زينت لأوليائي وأهل طاعتي محبتي وعبادتي، وزينت لأعدائي وأهل معصيتي كفر نعمتي وخذلتهم حتى أشركوا) (١٧) (١٨) ﴿ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ ، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ (١٩) وهذه الآية بتفسير هؤلاء دليل على تكذيب القدرية (٢٠) (٢١) (١) لفظ: (قتادة) غير واضح في (أ).
(٢) أخرجه عبد الرزاق 1/ 2/ 215 بسند جيد.
(٣) أخرجه الطبري 7/ 309، وابن أبي حاتم 5/ 312 من طرق جيدة عن ابن عباس وقتادة والسدي، وهو قول مقاتل 1/ 583، والسمرقندي 1/ 506، وحكاه هود الهواري 1/ 551 عن الحسن والكلبي.
وانظر: "أسباب النزول" للواحدي ص 225، و"الدر المنثور" 3/ 72.
(٤) "معاني الزجاج" 2/ 280.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) في (ش): (جل وعز).
(٧) في النسخ: (واقتلوا)، وهو تحريف.
(٨) هذا قول ابن حزم في "ناسخه" ص 38، و (ابن سلامة) ص 69، والظاهر عدم النسخ وأن الآية محكمة، وهو اختيار أكثرهم، قال ابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص 329: (لا أرى النسخ بل يكره للإنسان أن يتعرض بما يوجب ذكر معبوده بسوء أو نبيه) ا.
هـ، وقال القرطبي 7/ 61: (قال العلماء: الآية حكمها باق على كل حال، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يُسب الإِسلام أو النبي أو الله عز وجل فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية) ا.
هـ وانظر: "أحكام القرآن" للكيا الهراس 3/ 325، وابن عطية 5/ 313، وابن كثير 2/ 183.
(٩) العَدَاء: بالفتح والمد: تجاوز الحد والظلم والجور، يقال: عَدَا -بفتح العين والدال-، فلان عَدْوًا: بفتح العين وسكون الدال، وعُدُوًّا بضم العين والدال وتشديد الواو المفتوحة، وعُدْوانا، بضم العين، وسكون الدال، وعَدَاء: بفتح العين والدال.
انظر: "العين" 2/ 213، و"الجمهرة" 2/ 666، و"الصحاح" 6/ 2420، و"المجمل" 3/ 652، و"مقاييس اللغة" 4/ 249، و"المفردات" ص 553، و"اللسان" 5/ 2832 مادة (عدا).
(١٠) هذا كلام الزجاج في "معانيه" 2/ 281، والأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 3347 مادة (عدا)، وانظر: "الزاهر" 1/ 216.
(١١) أخرج الطبري 7/ 310، وابن أبي حاتم 4/ 1366، بسند جيد عنه نحوه، وذكره الماوردي 1/ 552، والواحدي في "الوسيط" 1/ 98.
وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" 2/ 743: (اتفق العلماء على أن المعنى: لا تسبوا آلهة الكفار فيسبوا إلهكم، وكذلك هو، فإن السب في غير الحُجَّة فعل الأدنياء) ا.
هـ.
وقال ابن الجوزي 3/ 102: (المعنى: فيسبوا من أمركم بعيبها، فيعود ذلك إلى الله تعالى لا أنهم كانوا يصرحون بسب الله تعالى؛ لأنهم كانوا يقرون أنه خالقهم وإن أشركوا به) ا.
هـ.
وانظر: "بدائع التفسير" 2/ 170.
(١٢) هذا قول الطبري في "تفسيره" 7/ 309، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 203، و"معاني الأخفش" 1/ 285، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 141.
(١٣) عدوا: بفتح العين وسكون الدال، وتخفيف الواو المفتوحة.
(١٤) وعليه يكون مفعولًا من أجله، أي: لأجل العدو.
انظر: "إعراب النحاس" 1/ 573، و"المشكل" 1/ 265، و"التبيان" 1/ 353، و"الفريد" 2/ 210، و"الدر المصون" 5/ 100.
(١٥) "معاني الزجاج" 2/ 281 ، ومثله قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2347 مادة (عدا).
(١٦) وهو الأظهر وقول الأكثر، انظر: "تفسير الطبري" 7/ 311، و"معاني النحاس" 2/ 472، والسمرقندي 1/ 506، والبغوي 3/ 177، وابن عطية 5/ 313، وابن الجوزي 3/ 103، وابن كثير 2/ 184.
(١٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 98، والقرطبي 7/ 61 - 62.
(١٨) في النسخ: (بل طبع الله على قلوبهم)، وهو تحريف.
وفي سورة النساء آية 155 ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم ﴾ ، وفي "معاني الزجاج" 2/ 281: (الأجود أنه بمنزلة ﴿ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ ، فذلك تزيين أعمالهم، قال الله ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم ﴾ ) ا.
هـ.
(١٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 281.
(٢٠) القدرية تزعم أن العبد يخلق فعله، والكفر والمعاصي ليست بتقدير الله تعالى، وقولهم باطل.
انظر مذهبهم والرد عليهم في: "الإبانة" للأشعري ص 56، و"الشريعة"، للآجري ص 128، و"شرح الطحاوية" لابن أبي العز 2/ 355.
(٢١) ذكر نحوه القرطبي 7/ 62، والخازن 2/ 170، وانظر: "الفتاوى" 14/ 290، == وقال ابن القيم في "بدائع التفسير" 2/ 170 - 171: (يضاف التزيين إليه سبحانه خلقًا ومشيئة، وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه، ومن أجراه على يده تارة، وهذا التزيين ابتلاء واختبار للعبد، ليتميز المطيع منهم من العاصي، وعقوبة منه له على إعراضه وإيثاره سيئ العمل على حسنه، وحجة الله قائمة عليه بالرسالة وبالتعريف الأول، فتزيِن الرب تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم، وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبه وبغضه وإعراضه، والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته) ا.
هـ.
ملخصًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ أي لا تسبوا آلهتمهم فيكون ذلك سبباً لأن يسبوا الله، واستدل المالكية بهذا على سدّ الذرائع ﴿ قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله ﴾ أي هي بيد الله لا بيدي ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ ﴾ أي ما يدريكم، وهو من الشعور بالشيء، وما نافية أو استفهامية ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ من قرأ بفتح أنها فهو معمول يشعركم: أي ما يدريكم أن الآيات إذا جاءتهم لا يؤمنون بها، نحن نعلم ذلك وأنتم لا تعلمونه وقيل: لا زائدة، والمعنى ما يشعركم أنهم يؤمنون، وقيل: أن هنا بمعنى لعل فمن قرأ بالكسر فهي استئناف إخبار وتم الكلام في قوله: وما يشعركم أي ما يشعركم ما يكون منهم فعلى القراءة بالكسر يوقف على ما يشعركم.
وأما على القراءة بالفتح فإن كانت مصدرية لم يوقف عليه لأنه عامل فيها، وإن كانت بمعنى لعل فأجاز بعض الناس الوقف.
ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى فأجاز بعض الناس الوقف.
ومنعه شيخنا أبو جعفر بن الزبير، لما في لعل من معنى التعليل ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم ﴾ أي نطبع عليها ونصدها عن الفهم فلا يفهمون ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ ﴾ الكاف للتعليل أي: نطبع على أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم على أنهم لا يؤمنون به أول مرة، ويحتمل أن تكون للتشبيه، أن تطبع عليها إذا رأوا الآيات مثل طبعنا عليها أول مرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولم يكن ﴾ بياء الغيبة: قتيبة ﴿ درست ﴾ بتاء التأنيث: ابن عامر وسهل ويعقوب ﴿ دارست ﴾ بتاء الخطاب من المدارسة: ابن كثير وابو عمرو.
والباقون بتاء الخطاب ﴿ درست ﴾ من الدرس.
﴿ عدوّاً ﴾ على فعول بالضم: يعقوب.
الباقون ﴿ عدوا ﴾ على فعل.
﴿ إنها إذا جاءت ﴾ بالكسر: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وقتيبة ونصير وأبو بكر وحماد.
الباقون: بالفتح.
﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة.
الباقون: على الغيبة.
الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ صاحبة ﴾ ط ﴿ كل شيء ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ ربكم ﴾ ط لاحتمال الجملة الاستئناف والحال والعامل معنى الإشارة ﴿ إلا هو ﴾ ط لأن قوله ﴿ خالق ﴾ بدل من الضمير المستثنى أو خبر ضمير محذوف ﴿ فاعبدوه ﴾ ط لاحتمال الواو الحال والاستئناف ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع أن الثانية من تمام المقصود ﴿ يدرك الأبصار ﴾ ط لاحتمال الواو الاستئناف والحال أي يدرك الأبصار لطيفاً خبيراً.
﴿ الخبير ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فلنفسه ﴾ ط كذلك مع الواو.
﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ بحفيظ ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط لاحتمال الجملة الحال والاستئناف على أنها جملة معترضة ﴿ إلا هو ﴾ ط للعطف مع العارض ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ما أشركوا ﴾ ط ﴿ حفيظاً ﴾ ط للابتداء بالنفي مع اتحاد المعنى ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ ليؤمنن بها ﴾ ط ﴿ وما يشعركم ﴾ ط لمن قرأ ﴿ إنها ﴾ بكسر الألف.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ يعمهون ﴾ ه.
التفسير: لما نبه إجمالاً بغير علم على الدليل على إبطال قول من خرق له بنين وبنات، فصل ذلك بقوله ﴿ بديع السموات والأرض ﴾ الآية.
والمراد هو بديع السموات، ويجوز أن يكون ﴿ بديع ﴾ مبتدأ والجملة بعده خبره.
وتقرير الدليل أنكم إما أن تريدوا بكون عيسى ولداً له أنه أحدثه على سبيل الإبداع من غيره تقدم نطفة و لا أب وحينئذ يلزمكم القول بأنه والد السموات والأرض بكونه مبدعاً لهما وهذا باطل بالاتفاق، وإما أن تريدوا به الولادة كما هو المألوف في الحيوانات وهذا أيضاً محال لأن تلك الولادة لا تصح إلا ممن كانت له صاحبة من جنسه وينفصل منه جزء يحتبس في رحمها، وهذه الأحوال إنما تثبت في حق الجسم الذي يصح عليه الاجتماع والافتراق والحركة والسكون والحد والنهاية والشهوة واللذة، وكل ذلك على الله محال وأشار إلى هذا بقوله ﴿ أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ﴾ وأيضاً الولد بهذا الطريق إنما يتصور في حق من لا يقدر على خلق الأشياء دفعة واحدة، أما الذي إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون فذلك في حقه مستحيل، وإلى هذا أشار بقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾ وأيضاً هذا الولد لا يكون أزلياً وإلا كان واجباً لذاته غنياً عن غيره فبقي أن يكون حادثاً فنقول: إنه عالم بكل المعلومات أزلاً وأبداً كما قال ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ فإن كان قد علم أن له في تحصيل ذلك الولد كمالاً أو نفعاً أو لذة لتعلقت إرادته بإيجاده في الأزل دفعاً لذلك الاحتياج والنقصان، فيكون الولد أزلياً على تقدير كونه حادثاً هذا خلف، فتبين أن إله العالم فرد واحد صمد منزه عن الشريك والنظير والأضداد والأنداد والأولاد، فلهذا صرح بالنتيجة فقال ﴿ ذلكم الله ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة أي ذلكم الموصوف الجامع لتلك الصفات المقدسة هو الله إلى آخره.
وإنما قال ههنا ﴿ لا إله إلا هو خالق كل شيء ﴾ وفي "المؤمن" بالعكس لأنه وقع ههنا بعد ذكر الشركاء والبنين والبنات فكان رفع الشرك أهم، وهنالك وقع بعد ذكر خلق السموات والأرض فكان تقديم الخالقية أهم.
ثم قال ﴿ فاعبدوه ﴾ وهو مسبب عن مضمون الجملة المقتدمة يعني أن من استجمعت له هذه الكمالات كان حقيقاً بالعبادة ﴿ وهو ﴾ مع تلك الصفات ﴿ على كل شيء وكيل ﴾ يحفظه ويرزقه ويراقبه.
قال في التفسير الكبير: إنه أقام الدليل على وجود الخالق، ثم زيف طريق من أثبت له شريكاً وهذا القدر لا يوجب التوحيد المحض لكن للعلماء في إثبات التوحيد طرق منها: أن الدليل قد دل على وجود صانع، والزائد على الواحد لم يدل دليل على ثبوته فليس عدد أولي من عدد آخر فيلزم آلهة لا نهاية لها، أو القول بعدد معين بلا ترجيح وكلاهما محال فلم يبق إلا الإكتفاء بواحد وهو المطلوب.
ومنها أنا لو قدّرنا إلهين قادرين على كل المقدورات عالمين بكل المعلومات، فكل فعل يفعله أحدهما صار كونه فاعلاً لذلك الفعل مانعاً للآخر من تحصيل مقدوره وذلك يوجب أن يكون كل واحد يعجز الآخر وهو محال، وإن كان في أحدهما عجز ونقص لم يصلح للإلهية.
ومنها أنا لو فرضنا إلهاً ثانياً فكان إما أن يكون الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال أولا.
وعلى الأول لا بد أن يحصل الامتياز بأمر وإلا لم يحصل التعدد، فذلك المميز إن كان من صفات الكمال لم يكن جميع صفات الكمال مشتركة بينهما، وإن كان من صفات النقص فالموصوف به لا يصلح للإلهية وكذا إن لم يكن الثاني مشاركاً للأوّل في جميع صفات الكمال فثبت التوحيد بهذه الدلائل، مع أن الدليل النقلي في التوحيد كاف والله أعلم.
قالت الأشاعرة: عموم قوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ يدل على أنه خالق أفعال العباد.
وقالت المعتزلة: إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح ولكنه لا يتمدح بخلق الزنا والكفر واللواط، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.
وأيضاً احتج كثير من المعتزلة به على نفي الصفات وعلى أن القرآن مخلوق.
أما الثاني فلأن القرآن شيء فيدخل تحت العموم.
وأما الأوّل فلأن الصفات لو كانت موجودة له لزم أن تكون مخلوقة له.
وأجيب بأنكم تخصصون هذا العام بحسب ذاته ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه وبحسب أفعال العباد، فنحن أيضاً نخصصه بحسب الصفات وبحسب القرآن.
وأما الفرق بين قوله ﴿ وخلق كل شيء ﴾ وقوله ﴿ خالق كل شيء ﴾ فذلك لأن الأول يتعلق بالزمان الماضي، والثاني يتناول الأوقات كلها على سبيل الاستمرار.
ثم بين أن شيئاً من القوى المدركة لا يحيط بحقيقته وأن عقلاً من العقول لا يقف على كونه صمديته فقال ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ هذه الآية من مشهورات استدلالات المعتزلة على نفي رؤيته .
قالوا: الإدراك بالبصر عبارة عن الرؤية بدليل أن قول القائل: أدركته ببصري وما رأيته متناقضان.
ثم إن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يقتضي أنه لا يراه شيء من الأبصار في شيء من الأحوال بدليل صحة الاستثناء.
وأيضاً أنه ذكر الآية في معرض المدح والثناء، وكل ما كان عدمه مدحاً ولم يكن ذلك من باب الفعل كان ثبوته نقصاً كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ ﴿ لم يلد ولم يولد ﴾ فوجب كون الرؤية نقصاً في حقه .
وإنما قيدوا بما لا يكون من باب الفعل لأنه يمتدح بنفي الظلم عن نفسه في قوله ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ مع أنه قادر على الظلم عندهم.
وأجيب بالمنع من أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لأنه في أصل اللغة موضوع للوصول واللحوق ومنه ﴿ قال أصحاب موسى إنا لمدركون ﴾ أي لملحقون وقوله ﴿ حتى إذا أدركه الغرق ﴾ أي لحقه.
وأدرك الغلام أي بلغ، وأدركت الثمرة إذا نضجت.
وإذ قد ثبت ذلك فنقول: الرؤية جنس والإدراك أي إدراك البصر رؤية مع الإحاطة.
ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي إدراك البصر نفي الرؤية.
سلمنا أن إدراك البصر عبارة عن الرؤية لكن قوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ لا يفيد إلا نفي العموم وأنتم تدعون عموم النفي فأين ذاك من هذا.
وإنما قلنا إنه لا يفيد إلا نفي العموم لأن صيغة الجمع كما تحمل على الاستغراق فقد تحمل على المعهود السابق أيضاً.
فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يفيد أنها لا تدركه في الدنيا وأنها تركه إذا تبدلت صفاتها وتغيرت أحوالها في الآخرة، أو نقول قول القائل: لا يدركه جميع الأبصار يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب، فلم لا يجوز أن يفيد أنه يدركه بعض الأبصار كما لو قيل إن محمداً ما آمن به كل الناس فإنه يفيد أنه آمن به بعض الناس، سلمنا أن الأبصار لا تدركه البتة فلم لا يجوز حصول إدراك الله بحاسة سادسة يخلقها الله يوم القيامة كما هو مذهب ضرار بن عمرو الكوفي.
أو نقول: سلمنا أن الأبصار لا تدركه فلم قلتم إن المبصرين لا يدركونه، أما قولهم إن الآية مذكورة في معرض المدح فنقول: لو لم يكن الله جائز الرؤية لما حصل المدح بقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ وإنما يحصل التمدح لو كان بحيث نصح رؤيته.
ثم إنه يحجب الأبصار عن رؤيتهلغاية جلاله ونهاية جماله.
والتحقيق فيه أن النفي المحض والعدم الصرف لا يكون موجباً للمدح والعلم به ضروري، بل إذا كان النفي دليلاً على حصول صفة ثابتة من صفات المدح قيل: إن ذلك النفي يوجب التمدح كقوله ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ فإنه لا يفيد المدح نظراً إلى هذا النفي، فإن الجماد أيضاً لا تأخذه سنة ولا نوم إلا أن هذا النفي في حق الباري يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات من غير تبدل ولا زوال.
فقوله ﴿ لا تدركه الأبصار ﴾ يمتنع أن يفيد المدح إلا إذا دل على معنى موجود وذلك ما قلناه من كونه قادراً على حجب الأبصار ومنعها عن الإحاطة به، فثبت بما ذكرنا أن هذه الآية عليكم لا لكم لأنها أفادت أنه جائز الرؤية بحسب ذاته.
ثم نقول: إذا ثبت ذلك يجب القطع بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة لأن القائل قائلان: قائل بجواز الرؤية مع أن المؤمنين يرونه، وقائل لا يرونه ولا تجوز رؤيته، وإذا بطل هذا القول يبقى الأول حقاً لأن القول بجواز رؤيته مع أنه لا يراه أحد قول لم يقل به أحد وهذا استدلال لطيف.
ثم إن القاضي استدل ههنا على نفي الرؤية بوجوه أخر خارجة عن التفسير لائقة بالأصول.
فأولها أن الحاسة إذا كانت سليمة وكان المرئي حاضراً وكانت الشرائط المعتبرة حاصلة - وهو أن لا يحصل القرب القريب والبعد البعيد وارتفع الحجاب وكان المرئي مقابلاً أو في حكم المقابل - فإنه يجب حصول الرؤية وإلا لجاز أن يكون بحضرتنا بوقات وطبول ونحن لا نسمعها ولا نراها، وهذا يوجب السفسطة إذا ثبت هذا فنقول: القرب القريب والبعد البعيد والحجاب والمقابلة في حقه ممتنع، فلو صحت رؤيته كان المقتضي لحصول تلك الرؤية سلامة الحاسة وكون المرئي بحيث يصح رؤيته، وهذان المعنيان حصلان في هذا الوقت فوجب أن تحصل رؤيته، وحيث لم تحصل علمنا أن رؤيته ممتنعة في نفسها.
وأجيب بأن ذاته مخالفة لسائر الذوات ولا يلزم من ثبوت حكم لشيء ثبوت مثله فيما يخالفه.
وثانيها لو صحت رؤيته لأهل الجنة لرآه أهل النار أيضاً لأن القرب والبعد والحجاب ممتنع في حقه .
وأجيب لأنه لم لا يجوز أن يخلق الله الرؤية في عيون أهل الجنة ولا يخلقها في عيون أهل النار؟
وثالثها أن كل ما كان مرئياً كان مقابلاً أو في حكم المقابل، والله منزه عن ذلك.
وأجيب بمنع الكلية وبأنه إعادة لعين الدعوى لأن النزاع واقع في أن الموجود الذي لا يكون مختصاً بمكان وجهة هل يجوز رؤيته أم لا.
ورابعها أن أهل الجنة يلزم أن يروه في كل حال حتى عند الجماع لأن القرب والبعد عليه محال، ولأن رؤيته أعظم اللذات وفوات ذلك يوجب الغم والحزن وذلك لا يليق بحال أهل الجنة.
وأجيب بأنهم لعلهم يشتهون الرؤية في حال دون حال كسائر الملاذ والمنافع.
(في تعديد الوجوه الدالة على جواز الرؤية): منها هذه الآية كما بينا.
ومنها أن موسى طلب الرؤية فدل ذلك على جوازها.
ومنها أنه علق الرؤية على استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
ومنها قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ قد اتفق الجمهور على أن النبي وآله فسر الحسنى بالجنة والزيادة بالرؤية، ومنها قوله ﴿ فمن كان يرجوا لقاء ربه ﴾ ونحو ذلك من الآيات الدالة على اللقاء، ومنها قوله ﴿ كانت لهم جنات الفروس نزلاً ﴾ والاقتصار على النزل لا يجوز فالزائد على جنات الفردوس لا يكون إلا اللقاء.
ومنها قوله ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى ﴾ وسوف يأتي في سورة النجم إن شاء الله .
ومنها قوله ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ ومنها قوله ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ فيكون المؤمنون غير محجوبين.
ومنها قوله ﴿ فيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ ولا شك أن القلوب الصافية مجبولة على حب معرفة الله على كل الوجوه وأكمل طرق المعرفة هو العيان.
ومنها قوله ﴿ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً ﴾ فيمن قرأ بفتح الميم وكسر اللام.
وأما الأخبار فكثيرة منها: الحديث المشهور "إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته" والمراد تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا تشبيه المرئي بالمرئي.
ومنها أن الصحابة اختلفوا في أن النبي وآله هل رأى الله تعالى ليلة المعراج ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب فدل ذلك على أنهم كانوا يجمعون على إمكان الرؤية.
أما قوله ﴿ وهو يدرك الأبصار ﴾ ففيه دليل على أنه مبصر للمبصرات، راء للمرئيات، مطلع على ماهياتها، عليم بعوارضها وذاتياتها.
ثم قال ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وليس المراد باللطافة ضد الكثافة وهو رقة القوام فإن ذلك من صفات الأجسام، بل المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها إلا مبدعها.
أو المراد أنه لطيف في الإنعام والرحمة لا يأمرهم فوق طاقتهم وينعم عليهم فوق استحقاقهم.
أو الغرض أنه يثني عليهم بالطاعة، ولا يقطع موادّ إحسانه عنهم بالمعصية.
أو المراد أنه يلطف عن أن يدركه الأبصار الخبير بكل لطيف ولا يلطف شيء عن إدراكه، ثم عاد إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة فقال ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ أي موجباتها والبصيرة للقلب بمنزلة البصر للعين.
﴿ فمن أبصر ﴾ الحق وآمن ﴿ فلنفسه ﴾ أبصر وإياها نفع.
﴿ ومن عمي ﴾ عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر.
قالت المعتزلة: فيه تصريح بأن العبد يتمكن من الأمرين: الفعل والترك.
وعورض بالعلم والداعي ﴿ وما أنا عليكم بحفيظ ﴾ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم.
ثم حكى شبه المنكرين بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التقرير البليغ ﴿ نصرف الآيات ﴾ نأتي بها متواترة حالاً بعد حال ﴿ وليقولوا ﴾ عطف على محذوف أي لتلزمهم الحجة وليقولوا أو متعلق بما بعده أي وليقولوا درست نصرفها.
ومعنى ﴿ درست ﴾ قرأت وتعلمت من الدرس، ومن قرأ ﴿ دارست ﴾ أي قرأت على اليهود وقرؤا عليك وجرت بينك وبينهم مدارسة ومذاكرة.
وأما قراءة ابن عامر ﴿ درست ﴾ فهي من الدروس بمعنى أن هذه الآيات قد درست وعفت أي هذه الأخبار التي تلوتها علينا من جملة أساطير القرون الخالية، قالت العلماء: التركيب يدل على التذليل والتليين لأن من درس الكتاب فقد ذلـله بكثرة القراءة، ومنه قيل للثوب الخلق "دريس"، لأنه قد لان فكأنه ذكر الوجه الذي لأجله صرف الآيات وهو أمران: أحدهما قوله ﴿ وليقولوا دارست ﴾ والثاني قوله ﴿ ولنبينه ﴾ أما الثاني فلا إشكال فيه لأنه بيّن أن الحكمة في هذا التصريف أن يظهر منه البيان والعلم والضمير في ﴿ لنبينه ﴾ للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر للعلم به، أو إلى التبيين الذي هو مصدر الفعل نحو: ضربته زيداً أي ضربت الضرب زيداً.
وأما الأول فقد أورد عليه أن قولهم للرسول ﴿ دارست ﴾ كفر منهم بالقرآن والرسول، وعلى هذا فتعود مسألة الجبر والقدر، أما الأشاعرة فأجروا الكلام على ظاهره وقالوا: معناه أنا ذكرنا هذه الدلائل حالاً بعد حال ليقول بعضهم دارست فيزدادوا كفراً على كفر، ونبينه لبعض فيزدادوا إيماناً على إيمان كقوله ﴿ يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً ﴾ وأما المعتزلة فقال الجبائي منهم والقاضي: إن هذا الإثبات محمول على النفي والتقدير: نصرف الآيات لئلا يقولوا كقوله ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي لئلا تضلوا.
أو المراد لام العاقبة، وزيف بأن حمل الإثبات على النفي تحريف لكلام الله وفتح هذا الباب يخرج الكتاب عن أن يكون حجة.
وأيضاً إنه مناف للمقصود لأن إنزال الآيات نجماً فنجماً هو الذي أوقع الشبهة للقوم في أن محمداً إنما أتى بالقرآن على سبيل المدارسة والمذاكرة مع أقوام آخرين، ولهذا كانوا يقولون لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.
فالجواب الذي ذكره إنما يصح لو كان التصريف علة لأن يمتنعوا من هذا القول لكنه موجب له فسقط كلامهم، وأيضاً حمل اللام على لام العاقبة مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى.
ثم إنه لما حكى عن الكفار أنهم نسبوه في شأن القرآن إلى الافتراء وإلى أنه دارس أقواماً واستفاد هذه العلوم منهم ثم نظمها قرآناً وادّعى أنه نزل عليه من الله أتبعه قوله ﴿ اتبع ما أوحي إليك من ربك ﴾ لئلا يصير ذلك القول سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي يعتريه بسماع تلك الشبهة، ونبه بالجملة المعترضة أو الحال المؤكدة وهي قوله ﴿ لا إله إلا هو ﴾ على أنه لما كان واحداً في الإلهية فإنه يجب طاعته ولا يجوز الإعراض عن تكاليفه بسبب جهل الجاهلين وزيغ الزائغين.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ وحمله بعضهم على أنها منسوخة بآية القتال.
وضعف بأن المراد واترك مقابلتهم فيما يأتونه من سفه، وأن يعدل صلوات الله عليه إلى الطريق الذي يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن التنفير والتغيظ.
﴿ ولو شاء الله ما أشركوا ﴾ مذهب الأشاعرة فيه ظاهر.
وحمله المعتزلة على مشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بعد المعارضة بالعلم والداعي بأن الإيمان الاختياري هب أنه أنفع وأفضل من الإيمان القهري إلا أنه لما علم أن ذلك لا يقع ولا يحصل فقد كان يجب في حكمته أن يخلق الله فيه الإيمان القهري كي يخلص من العقاب، وإن لم يجب له الثواب كما أن الأب المشفق إذا علم أن ابنه لا يحسن الغوص يقول له: اترك الغوص في البحر ولا تطلب اللآلىء فإنك لا تجدها واكتف بالرزق القليل مع السلامة، فأما أن يأمره بالغوص في البحر مع اليقين التام بأنه لا يستفيد منه إلا الهلاك فإن ذلك من الرحمة والشفقة بمعزل.
ثم ختم الكلام بما يكمل به بصيرة الرسول وآله، وذلك أن بيّن له قدر ما جعل إليه فذكر أنه ما جعله حفيظاً ولا وكيلاً عليهم وإنما فوض إليه الإبلاغ والإنذار.
ثم إنهم لما نسبوا الرسول إلى أنه جمع القرآن بطريق المداومة وكان لا يبعد أن يغضب له المسلمون لسبب ذلك فيسبوا آلهتهم نهى الله عن ذلك فقال ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ﴾ وذلك أن المسلمين إذا شتموا آلهتهم فربما غضبوا وذكروا الله بما لا ينبغي من القول.
وفيه تنبيه على أن خصمك إذا شافهك بجهل وسفاهة لم يجز لك أن تقدم على مشافهته بما يجري مجرى كلامه فإن ذلك يوجب فتح باب المشاتمة والمسافهة وإنه لا يليق بالعقلاء.
قال ابن عباس: لما نزل ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال المشركون: لئن لم تنته عن سب آلهتنا وعيبها لنهجونّ إلهك فنزلت.
وقال السدي: " لما حضر أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهي عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فتقول العرب كان يمنعه فلما مات قتلوه.
فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحرث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود بن البختري إلى أبي طالب فقالوا: أنت كبيرنا وسيدنا، وأن محمداً قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه.
فدعاه فجاء النبي وآله فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك.
فقال رسول الله : ماذا تريدون؟
قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك.
فقال أبو طالب: قد أنصفك قومك وبنو عمك.
فقال رسول الله : أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟
قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها فما هي؟
قال: قولوا لا إله إلا الله فأبوا واشمأزوا فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي فإن قومك قد فزعوا منها.
فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها، ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها.
فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك فأنزل الله هذه الآية" .
قالت العلماء: إن القوم كانوا مقرين بوجود الإله فكيف يتصور إقدامهم على شتم الله؟
وأجيب بأنه ربما كان بعضهم قائلاً بالدهر ونفي الصانع فما كان يبالي هذا النوع من السفاهة، أو لعل مرادهم شتم الرسول وآله فأجرى الله شتمه مجرى شتم الله كما في قوله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ أو لعلهم من جهالتهم اعتقدوا أن الشيطان يحمله على ادعاء الرسالة ثم إنهم سموا ذلك الشيطان بأنه إله محمد وآله.
وههنا سؤال وهو أن شتم الأصنام من أصول الطاعات فكيف يحسن من الله أن ينهى عنه؟
والجواب أن هذا الشتم وإن كان طاعة إلا أنه إذا وقع على وجه يستلزم منكراً وجب الاحتراز عنه، لأن هذا الشتم كان يستلزم إقدامهم على شتم الله وشتم رسوله وفتح باب السفاهة ويقتضي تنفيرهم عن قبول الدين وإدخال الغيظ والغضب في قلوبهم.
وفيه أن الأمر بالمعروف قد يقبح إذا أدى إلى ارتكاب منكر، والنهي عن المنكر يقبح إذا أدى إلى زيادة منكر وغلبة الظن قائمة مقام اليقين في هذا الباب.
وفيه تأديب لمن يدعو إلى الدين كيلا يتشاغل بما لا يفيد في المطلوب، فإن وصف الأوثان بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر يكفي في القدح في إلهيتها فلا حاجة مع ذلك إلى شتمها، يقال: عدا فلان عدواً وعدواناً وعداء إذا ظلم ظلماً يتجاوز القدر.
قال الزجاج ﴿ عدواً ﴾ منصوب على المصدر لأن المعنى فيعدو عدواً وقرىء ﴿ عدوّاً ﴾ بفتح العين والتشديد أي في حال كونهم أعداء.
ومعنى ﴿ بغير علم ﴾ على جهالة بالله وبما يجب أن يذكر به ﴿ وكذلك ﴾ أي مثل ذلك التزيين ﴿ زينا لكل أمة عملهم ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دلالة على أنه هو الذي زين للكافر الكفر وللمؤمن الإيمان وللعاصي المعصية، وزيفه الكعبي بقوله ﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ [العنكبوت: 38] وبقوله ﴿ والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ﴾ فإذا المراد أنه زين لهم ما لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم أن الله أمرنا بهذا وزينه لنا، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله ﴿ كذلك زينا ﴾ بعد قوله ﴿ فيسبوا الله ﴾ مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين الله .
وأيضاً الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفراً وجهلاً والعلم بذلك ضروري، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيماناً وعلماً وحقاً وصدقاً، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه الله فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيماناً والجهل علماً.
قال: ﴿ وأقسموا بالله جهد إيمانهم ﴾ والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة،ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينه قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام.
قال الواحدي: إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين.
عن محمد بن كعب قال: " كلمت رسول الله وآله قريش فقالوا: يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وأن عيسى كان يحيى الموتى، وأن صالحاً كانت له ناقة، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك.
فقال رسول الله : أي شيء تحبون أن آتيكم به؟
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً.
قال: فأن فعلت تصدقوني؟
قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون.
فقام رسول الله يدعو فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح الصفا ذهباً ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم.
فقال رسول الله : أتركهم حتى يتوب تائبهم " وأنزل الله الآيات إلى قوله ﴿ ولكن أكثرهم يجهلون ﴾ قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله فهو جهد يمينه.
وقال الزجاج: معناه بالغوا في الإيمان.
والمراد بقوله ﴿ لئن جاءتهم آية ﴾ ما روينا من جعل الصفا ذهباً.
وقيل: هي الأشياء المذكورة في قوله ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا ﴾ الآيات.
وقيل: كان النبي وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها.
﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق الله ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي إيمانهم أم لا كقوله ﴿ وعنده مفاتح الغيب ﴾ أو المراد أنها وإن كانت معدومة في الحال إلا أنه متى شاء أحدثها وليس لكم أن تتحكموا في طلبها كقوله ﴿ وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ ﴿ وما يشعركم ﴾ ما استفهام والجملة خبره، ثم من قرأ ﴿ انها ﴾ بكسر الهمزة على الابتداء - وهي القراءة الجيدة - فالتقدير وما يشعركم ما يكون منهم ثم ابتدأ فقال ﴿ إنها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وأما قراءة الفتح فقال سيبويه: سألت الخليل عن ذلك فقال: لا تحسن لأنها تصير عذراً للكفار، لأن معنى قول القائل: ما يدريك أنه لا يفعل هو أنه يفعل.
فمعنى الآية أنها إذا جاءت آمنوا وذلك يوجب مجيء هذه الآيات ويصير هذا الكلام عذراً لهم في طلبها، لكن القراءة لما كانت متواترة فلا جرم ذكر العلماء فيه وجوها: قال الخليل: "أن" بمعنى "لعل" تقول العرب: ائت السوق أنك تشتري لنا شياً أي لعلك.
ويقوي هذا الوجه قراءة أبي ﴿ لعلها إذا جاءت لا يؤمنون ﴾ وثانيها "أن" تجعل "لا" صلة كما في قوله ﴿ ما منعك أن لا تسجد ﴾ ﴿ وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ﴾ وثالثها أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ويتمنون مجيئها فقال الله: وما يدريكم أيها المؤمنون أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق به على من أنهم لا يؤمنون.
وأما من قرأ ﴿ لا تؤمنون ﴾ بتاء الخطاب فالمراد وما يشعركم أيها الكفار.
قال القاضي والجبائي: في الآية دلالة على أنه يجب أن يفعل كل ما في مقدوره من الألطاف إذ لو كان في المعلوم لطف يؤمنون عنده، ثم إنه لا يفعل ذلك لم يكن لتعليل ترك الإجابة بأنهم لا يؤمنون وجه.
وأيضاً لو كان الإيمان بخلق الله ولم يكن لفعل الألطاف أثر في حمل المكلف على الطاعات لم يكن لإظهار تلك المعجزات أثر.
وأجيب بأن تأثير المعجزات عندهم مبني على وجوب اللطف، فلو أثبت اللطف به لزم الدور، وبأن الآية التي بعد هذه وهي قوله ﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴾ تدل على أن الكفر والإيمان بقضاء الله وقدره.
ومعنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها عرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول إلا إنه إذا قلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح بقوا على الكفر ولم ينتفعوا بتلك الآيات.
والتقليب تحريك الشيء عن وجهه.
وكان وآله يقول "يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك" والمراد أنه يقلب القلوب تارة من داعي الخير إلى داعي الشر وبالعكس.
وإنما قدم ذكر تقليب الأفئدة على تقليب الأبصار، لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر عنه، والحاصل أن السمع والبصر آلتان للقلب فلهذا السبب وقع الابتداء بتقليب القلب.
قال الجبائي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في جهنم على لهب النار وحرها لتعذيبهم.
وزيف بأن قوله ﴿ ونذرهم ﴾ إنما يحصل في الدنيا وهذا يستلزم سوء النظم.
وقال الكعبي: المراد ونقلب أفئدتهم وأبصارهم بأنا لا نفعل بهم ما نفعل بالمؤمنين من الفوائد والألطاف حيث أخرجوا أنفسهم عن هذا الحد بسبب كفرهم.
وضعف بأنه إنما استحق الحرمان من تلك الألطاف والفوائد بسبب إقدامه على الكفر وهو الذي أوقع نفسه في ذلك الحرمان فكيف يحسن إضافته إلى الله في قوله ﴿ ونقلب ﴾ وقال القاضي: القلب باقٍ على حالة واحدة إلا أنه أدخل التقليب والتبديل في الدلائل.
واعترض بأن تقليب القلب نقله من صفة إلى صفة ومن حالة إلى حالة.
وأما قوله ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ فقال الواحدي: فيه حذف والتقدير ولا يؤمنون بهذه الآيات كما لم يؤمنوا بظهور الآيات أول مرة يعني أول مرة أتتهم الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.
والكناية في ﴿ به ﴾ إما عائدة إلى القرآن، أو إلى محمد وآله، أو إلى ما طلبوا من الآيات وقيل: الكاف للجزاء أي كما لم يؤمنوا أول مرة فكذلك نقلب أفئدتهم وأبصارهم عقوبة لهم.
قال الجبائي: ﴿ ونذرهم ﴾ أي لا نحول بينهم وبين اختيارهم ولا نمنعهم بمعاجلة الهلاك وغيره لكنا نمهلهم، فإن أقاموا على طغيانهم فذلك من قبلهم وأنه يوجب تأكيد الحجة عليهم.
وقالت الأشاعرة: نقلب أفئدتهم من الحق إلى الباطل ونتركهم في ذلك الطغيان والضلال والعمى.
التأويل: ﴿ قد جاءكم بصائر ﴾ دلالات السعادات الباقية، فمن أبصرها بنظر البصيرة فاشتغل بتحصيلها وأقبل على الله لسلوك سبيلها فذلك تحصيل لنفسه ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ ﴿ ومن عمي ﴾ فبالعكس.
﴿ ولا تسبوا الذين يدعون ﴾ لا تخاطبوا أهل الضلال على مواجب نوازع النفس والطبيعة فيحملهم ذلك على ترك الإجلال وإظهار الضلال، بل خاطبوهم بلسان الحجة والتزام الحجة ونفي الشبهة.
﴿ وأقسموا بالله ﴾ حسبوا أن البرهان يوجب الإيمان ولم يعلموا أنهم مقهورون تحت حكم السلطان، وما يغني وضوح الأدلة لمن لم تدركه سوابق الرحمة ﴿ ونقلب أفئدتهم ﴾ عن الآخرة إلى الدنيا ﴿ وأبصارهم ﴾ عن شواهد المولى إلى مشاهدة النفس والهوى كأنهم لم يؤمنوا يوم الميثاق إذ قلت ألست بربكم؟
قالوا بلى.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: بينات من ربكم.
وقيل البصائر الهدى، بصائر في قلوبهم، وليست ببصائر الرءوس وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقيل: بصائر، أي: بيان، وهو واحد.
وقيل: بصائر شواهد، أي قد جاءكم من الله شواهد تدلكم على ألوهيته، وهو كقوله : ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، أي: بل الإنسان من نفسه بصيرة، أي: شاهدة؛ فشهدت كل جارحة منهم على وحدانية الله وألوهيته.
ألا ترى أنه قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ؛ هذا - والله أعلم - لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان والأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ، ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فيقول: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ من الآيات والرسل ما لو اتبعتموهم، لكانوا لكم شفعاء عند الله.
والثاني: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ ﴾ : ما لو تفكروا وتدبروا ونظروا فيها، لعرفوا أنها بصائر من الله؛ لأن البشر أنشئوا بحيث ينظرون في العجيب من الأشياء؛ فكانوا على أمرين: منهم من نظر وتفكر وعرف أنها بصائر، لكنه عاند وكابر ولم يعمل بها، ومنهم من ترك النظر فيها؛ فعمي عنها، ما لو تفكروا ونظروا لتبين لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
أي: أبصر الحق والهدى وعمل به، فلنفسه عمل، ومن أبصر وعمي عنها - أي: ترك العمل - فعليها ترك؛ كقوله: ﴿ مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ﴾ .
فإن قيل: ذكر في آية أخرى: ﴿ لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ﴾ ، أخبر أن من هلك هلك عن بينة، ومن حي حي عن بينة، وهاهنا يقول: ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ : ذكر عمي عليها؛ فكيف وجه التوفيق [بينهما]؟!
قيل: يحتمل قوله: ﴿ عَمِيَ ﴾ بعد ما تبين له، فترك العمل به؛ فعليها ذلك؛ لأنه أبصرها، وعرف أنها من الله، لكنه عاندها وكابرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ .
أي: قد جاءكم بصائر من ربكم، فليس علينا إلا التبليغ؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ .
أي: نردّها في الوجوه التي تتبين لقوم يطلبون البيان.
أو نقول ﴿ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ﴾ ، أي: نضع كل آية ونصرفها إلى الوجوه التي تكون بالخلق إليها حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ .
فيه لغات: درست، ودارست.
ودرست: قرأت، ودارست: تعلمت.
وقيل: دارست أهل الكتاب: جادلتهم، ودرست بالجزم، [قيل: تعاونت] فهذا الاختلاف فيه؛ لاختلاف قول كان من الكفرة لرسول الله؛ منهم من يقول: [ ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ فهو تأويل دارست، ومنهم من يقول: ﴿ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ فهو تأويل قوله: درست، ومنه من يقول]: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، وهو تأويل درست؛ فعلى اختلاف أقاويلهم خرجت القراءة.
ثم اختلف في تأويل قوله - -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ \[قال بعضهم: لئلا يقولوا درست\] فهو صلة قوله: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ \[لئلا\]؛ يقولوا: درست.
وقال الحسن قوله: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ ، أي: ﴿ قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ ؛ ليقولوا درست؛ لأن من قوله: إنه بعث الرسل، وأنزل الكتب؛ ليكون من الكافر قول كفر، ومن المؤمن قول إيمان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ ﴾ .
يخرج - والله أعلم - على [معنى] التعجب: يعجب أصحاب النبي عن قبح صنيع الكفرة وسوء معاملتهم رسول الله وقد جاءهم بصائر من ربهم وبينات وحجج، ثم هم بعد هذا كله يستقبلونه بالرد والتكذيب.
وهو على ما قلنا: إن الله ذكر نعمه عليهم بما أنشأ لهم: من الأنعام، والجنات المعروشات، والزرع، والنخيل، وما أخبر عنه، وقد علموا ذلك كله، ثم جعلوا له بعد معرفتهم هذا ﴿ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ ، ولا بينة؛ فهو على التعجب أنهم كيف جعلوا له شركاء، وقد علموا أن الذي جعل هذا كله لهم هو الله؟!
فعلى ذلك هذه الآية أنهم كيف قذفوه بالدراسة، وقد تبين لهم صدقه، وأنه من عند الله بالآيات والدلائل، وبما كان لا يخط كتابا، ولا شهدوه يختلف إلى من عنده علم ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
أي: لنبينه يعني القرآن، وقيل البصائر التي ذكر لقوم ينتفعون بعلمهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، وإنما أوحي إليه من ربّه، ويكفي قوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ ؟!
ولكن معناه على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال للذي أوحى إليه على يديه: قل ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ، ثم أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه من ربه، أي: اعمل بما أوحى إليك.
ثم الأمر بالعمل يحتمل وجهين: يحتمل: الأمر بالاعتقاد بذلك.
ويحتمل: نفس العمل، أي: اعمل.
ويشبه أن يكون الأمر بالاتباع ما أوحى إليه صدقاً في الخبر وعدلا في الحكم؛ كقوله: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ﴾ .
قيل: صدقاً في الأخبار، وعدلا في الأحكام؛ فعلى ذلك أمكن أن يكون الأمر بالاتباع اتباع ما أوحي إليه صدقاً في الأخبار، وعدلا في الأحكام، ثم على ما أمر نبيه باتباع ما أوحي إليه وأنزل من ربه أمر أمته كذلك، وهو قوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ أمرهم باتباع ما أنزل إليهم من ربهم، ونهاهم عن اتباع من اتخذوا من دونه أولياء؛ فعلى ما نهاهم عن اتخاذ أولياء دونه قال في الآية التي أمر رسوله باتباع ما أوحي إليه من ربه؛ فقال: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ واحد؛ لأنه أمر باتباع ما أوحى إليه من ربه، ونهى أن يتبع دونه أولياء؛ لأنه أخبر أن لا إله إلا هو.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾ .
يحتمل: أمره بالإعراض عن المشركين وجوهاً: يحتمل ألا تكافئهم على أذاهم؛ ولكن اصبر، ويحتمل الأمر بالإعراض عنهم: النهي عن قتالهم؛ كأنه نهى عن قتالهم في وقت.
ويحتمل أن تكون الآية في قوم خاصة، قال: أعرض عنهم؛ فإنهم لا يؤمنون، ولا تقم عليهم الآيات والحجج؛ لما علم منهم أنهم لا يؤمنون، ثم على ما أمر نبيه بالإعراض عنهم أمر المؤمنين - أيضاً - بالإعراض عنهم، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ .
قالت المعتزلة: المشيئة هاهنا مشيئة قهر وجبر، أي: لو شاء الله لأعجزهم ومنعهم عن الشرك على دفع الابتلاء والامتحان.
وأما عندنا: المشيئة: مشيئة اختيار، والطوع على قيام الابتلاء والامتحان، وبعد: فإن مشيئة الجبر هي خلقه، وقد كانوا جميعاً غير مشركين بالخلقة؛ فلا معنى لتأويلهم الذي تأولوا في المشيئة.
ثم لا يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ مشيئة قهر وجبر؛ لأنه لا يكون في حال الجبر والقهر إيمان ولا كفر؛ إنما يكون ذلك في حال الاختيار والطوع؛ لأن الجبر والقهر يمنع من أن يكون له فعل حقيقة؛ بل يتحول الفعل عنه ويسقط، ويثبت للذي جبر وقهر؛ وذلك بعيد؛ فدل أنه ما ذكرنا، وبالله الرشاد.
وفي قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ ﴾ دلالة أن طريق الإسلام الإفضال والإنعام، ولله أن يخص به من كان أهلا للإفضال والإنعام باللطائف التي عنده، ويحرم [بعضاً] ذلك، وله أن يجعل بعضهم أهلا لذلك؛ إفضالا منه، ولا يجعل البعض؛ عدلا منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .
أي: لم يؤخذ عليك حفظ أعمالهم، أو لا تسأل أنت عن صنيعهم؛ إنما عليك التبليغ، وهو كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ ﴾ ، [و] كقوله - -: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ، ونحوه.
وقيل: الحفيظ والوكيل: واحد، وقيل: الوكيل هو الكفيل، وقد ذكرناه في غير موضع فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
نهانا الله - عز وجل - عن سبّ من يستحق السبّ؛ مخافة سبّ من لا يستحق [السبّ].
فإن قيل: كيف نهانا عن سب من يستحق السب؛ مخافة سبّ من لا يستحق، وقد أمرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهم قاتلونا، [وقتل] المؤمن بغير حق من المناكير، وكذلك أمر رسول الله بتبليغ الرسالة والتلاوة عليهم، وإن كانوا يستقبلونه بالتكذيب؟!
قيل: إن السبّ لأولئك [مباح] غير مفروض، والقتال معهم فرض، وكذلك التبليغ فرض يبلغ إليهم، وإن كانوا ينكرون ما يبلغهم، وكذلك القتال نقاتلهم، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسنا وأصله أن ما خرج الأمر به مخرج الإباحة فإنه ينهى عما يتولد منه ويحدث، وما كان الأمر به أمر فرض ولزوم لا ينهى عن المتولد منه والحادث.
ويجوز أن يستدل بهذا على تأييد مذهب أبي حنيفة - - في قوله: إن [من] قطع يد آخر بقصاص فمات في ذلك أخذ بالدية، وإذا قطع اليد بحدّ لزمه فمات، لم يؤخذ بها؛ لأنه أبيح له قطع يده، والقصاص لم يفرض عليه، وفي الحدّ، تلزم إقامة الحد لله، فإذا كان قيامه بفعل أبيح له الفعل، ينهى عما يتولد منه، ويؤخذ به؛ وإذا كان قيامه بفعل فرض عليه، لم يؤخذ بما تولد منه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الأمر بالختان إذا تولد من ذلك الموت؛ لأنه أمر بإقامة السنة، وكذلك الأمر بالحجامة؛ لأنه يفرض عليه الحجامة في حال إذا خاف عليه الهلاك؛ إذا لم يحتجم وأما الأمر بالدق وغيره مما يشاكله: فهو - أمر إباحة، لا أمر إلزام؛ لذلك ضمن ما تولد منه؛ فعلى ذلك السبّ الذي يسب آلهتهم إذا حملهم ذلك على سبّ الله - عز وجل - وسبّ رسوله لا يسبون، وإن كانوا مستحقين لذلك؛ لأنه قد ينهى الرجل أن يعود نفسه السبّ؛ فعلى ذلك يجوز أن ينهوا عن سبّ آلهتهم؛ مخافة الاعتياد لذلك نهوا عن سبّ آلهتهم.
ثم ذكر في القصّة أن أصحاب رسول الله كانوا يسبون آلهتهم فيسبون الله؛ عدوا بغير علم؛ وذكر أن رسول الله ذكر آلهتهم بسوء؛ فقالوا: لتنتهين عن ذلك أو لنهجون ربك.
وعن ابن عباس - - وذلك حين قال لهم رسول الله : ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية، فقالوا عند ذلك ما قالوا؛ فنزل: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾ ، ولكن لا ندري كيف كانت القصة، ولكن فيه ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
قال الكيساني وأبو عوسجة: ﴿ عَدْواً ﴾ : من الاعتداء، وهو مجاوزة الحد.
وقال أبو عمرو: (عدوٌ): بالرفع، وقال: إنما العدو من عدو الرجلين؛ وكذلك قال في يونس: ﴿ وَعَدْواً ﴾ .
وقيل: فلما نزل قوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ﴾ الآية، قال رسول الله [لأصحابه]: "لا تسبوا ربكم فأمسكوا عن سبّ آلهتهم".
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ .
قال أبو بكر الكيساني: إن صلة قوله: ﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان؛ رجاء أن تقرب عبادتهم إياها إلى الله؛ لا أنهم كانوا يعبدونها ويتخذونها آلهة دون الله؛ فإذا سبّوا معبودهم فكأنهم سبوا الله عدواً بغير علم؛ إذ العبادة في الحقيقة لله، فيرجع سبّهم إياها إلى الله؛ لذلك كان معنى السبّ فقال؛ فعلى ذلك رجع قوله: ﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ؛ حتى امتنعوا عن سبّ [الله]، فذلك الذي زين عليهم.
وقال الحسن: قوله: ﴿ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ ، أي: زينا عليهم أعمالهم فيما أمروا به، وفرض ويجب عليهم أن يفعلوا، لا فيما لا يفرض ولا يحل لهم أن يفعلوا.
وكذلك يقول جعفر بن حرب والكعبي وغيرهما من المعتزلة: إنه زين عليهم عملهم الذي فرض عليهم أن يعملوا ويأتوا به، وأما ما لا ينبغي أن يقولوا فلا؛ كقوله: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ﴾ الآية ذكر في الإيمان: التزيين، وفي الكفر: التكريه، ويقولون: إنه أضاف التزيين إلى الشيطان بقوله: ﴿ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ٱلشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ ﴾ والشيطان يزين لهم المعاصي والفسوق؛ فلا يحتمل أن يكون الله يزين لهم ما يزين الشيطان؛ فدل أنه إنما يزين لهم ما يؤمرون به ويفرض عليهم، ولكن يضاف إليه التزيين ما أضيف إليه حرف الإضلال والإغواء.
وأما عندنا: فالتزيين على وجهين: تزيين في العقول، وهو تحسين من طريق الآيات والبراهين، فذلك لا يحتمل فعل الكفر والضلال أن يكون مزيناً من جهة الآيات والحجج.
والثاني: تزيين في الطباع: بالشهوات، والأماني، وفعل كل أحد مزين بالشهوة والحاجة التي مكنت فيه، ولا شك أن كل كافر لو سئل عن فعله الكفر والضلال؛ فيقول: هذا الذين زين لي، وليس إضافة فعل التزيين إلى الله بأكبر وأبعد من إضافة الإضلال والإغواء، وقد ذكرنا معنى إضافة الإضلال والإغواء إليه في غير موضع؛ فعلى ذلك التزيين.
ويقولون - أيضاً -: إن التزيين: تزيين وعد وثواب؛ فالكافر متى يؤمن بالوعد في الآخرة والثواب فيها، وهو ليس يؤمن [بالآخرة]، فهذا بعيد.
ولا يحتمل ما قال الكيساني - أيضاً - لأنه لا كل الكفرة كانوا يعبدون الأصنام؛ ليقربهم ذلك إلى الله زلفى؛ بل أكثرهم لا [يعرفون] أن لهم خالقاً وربّاً.
وتحتمل إضافة التزيين إلى الشيطان على جهة التمني والتشهي؛ كقوله: ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ وإضافته إلى الله على القدرة عليه والسلطان، أو أن يخلق أعمالهم مزينة عندهم مسولة.
وإضافة فعل الضلال والغواية إلى الشيطان على الدعاء إليه والترغيب فيه، وإضافته إلى الله على أن يخلق فعل الضلال منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ ﴾ .
قد ذكرناه.
﴿ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
في جزيل الثواب، أو في أليم العذاب؛ فهو على الوعيد.
<div class="verse-tafsir"
ولا تسبوا -أيها المؤمنون- الأصنام التي يعبدها المشركون مع الله، وإن كانت أحقر شيء وأولاه بالسب؛ حتى لا يسب المشركون الله تطاولًا عليه، وجهلًا بما يليق به سبحانه، وكما زُيِّن لهؤلاء ما هم عليه من الضلال زَيَّنا لكل أمة عملهم، خيرًا كان أو شرًّا، فَأتَوْا ما زَيَّنا لهم منه، ثم إلى ربهم مرجعهم يوم القيامة، فيخبرهم بما كانوا يعملون في الدنيا، ويجازيهم عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.KvWDO"