الآية ٢٣ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٣ من سورة يونس

فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 99 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى : ( فلما أنجاهم ) أي : من تلك الورطة ( إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ) أي : كأن لم يكن من ذاك شيء ( كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ) ثم قال تعالى : ( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) أي : إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم ، كما جاء في الحديث : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا ، مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم " .

وقوله : ( متاع الحياة الدنيا ) أي : إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة ( ثم إلينا مرجعكم ) أي : مصيركم ومآلكم ( فننبئكم ) أي : فنخبركم بجميع أعمالكم ، ونوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما أنجى الله هؤلاء الذين ظنُّوا في البحر أنهم أحيط بهم ، من الجهد الذي كانوا فيه، أخلفوا الله ما وعدُوه، وبغوا في الأرض، فتجاوزوا فيها إلى غير ما أذن الله لهم فيه ، من الكفر به ، والعمل بمعاصيه على ظهرها.

(11) يقول الله: يا أيها الناس ، إنما اعتداؤكم الذي تعتدونه على أنفسكم ، وإياها تظلمون.

وهذا الذي أنتم فيه ، (متاع الحياة الدنيا)، يقول: ذلك بلاغ تبلغون به في عاجل دنياكم.

(12) * * * وعلى هذا التأويل، " البغي" يكون مرفوعًا بالعائد من ذكره في قوله: (على أنفسكم) (13) ويكون قوله ( متاع الحياة الدنيا ) ، مرفوعًا على معنى: ذلك متاع الحياة الدنيا، كما قال: لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ ، [سورة الأحقاف: 35] ، بمعنى: هذا بلاغ.

وقد يحتمل أن يكون معنى ذلك: إنما بغيكم في الحياة الدنيا على أنفسكم، لأنكم بكفركم تكسبونها غضبَ الله، متاع الحياة الدنيا، كأنه قال: إنما بغيكم متاعُ الحياة الدنيا، فيكون " البغي" مرفوعًا ب " المتاع "، و " على أنفسكم " من صلة " البغي".

* * * وبرفع " المتاع " قرأت القراء سوى عبد الله بن أبي إسحاق ، فإنه نصبه ، بمعنى: إنما بغيكم على أنفسكم متاعًا في الحياة الدنيا، فجعل " البغي" مرفوعًا بقوله: (على أنفسكم) ، و " المتاع " منصوبًا على الحال.

(14) * * * وقوله: (ثم إلينا مرجعكم) يقول: ثم إلينا بعد ذلك معادكم ومصيركم، وذلك بعد الممات (15) ، يقول: فنخبركم يوم القيامة بما كنتم تعملون في الدنيا من معاصي الله، ونجازيكم على أعمالكم التي سلفت منكم في الدنيا.

(16) ------------------------ الهوامش : (11) انظر تفسير " البغي " فيما سلف 12 : 403 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(12) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف 14 : 340 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .

(13) قراءتنا في مصحفنا اليوم ، في مصر وغيرها ، بنصب " متاع " ، وهي القراءة الأخرى التي سيذكرها أبو جعفر ، ولكنه جرى فيما سلف على تفسير قراءة الرفع .

(14) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 461 ، في تأويل القراءتين .

(15) انظر تفسير " المرجع " فيما سلف ص : 20 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص : 46 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فلما أنجاهم أي خلصهم وأنقذهم .

إذا هم يبغون في الأرض أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي .

والبغي : الفساد والشرك ; من بغى الجرح إذا فسد ; وأصله الطلب ، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد بغير الحق أي بالتكذيب ; ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها .قوله تعالى يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم أي وباله عائد عليكم ; وتم الكلام ، ثم ابتدأ فقال : متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون أي هو متاع الحياة الدنيا ; ولا بقاء له .

قال النحاس : بغيكم رفع بالابتداء وخبره ( متاع الحياة الدنيا ) .

و على أنفسكم مفعول معنى فعل البغي .

ويجوز أن يكون خبره على أنفسكم وتضمر مبتدأ ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا ، أو هو متاع الحياة الدنيا ; وبين المعنيين حرف لطيف ، إذا رفعت متاعا على أنه خبر بغيكم فالمعنى .

إنما بغي بعضكم على بعض ; مثل : فسلموا على أنفسكم وكذا لقد جاءكم رسول من أنفسكم .

وإذا كان الخبر على أنفسكم فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم ; مثل وإن أسأتم فلها .

وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا ، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا ; كما يقال : البغي مصرعة .

وقرأ ابن أبي إسحاق متاع بالنصب على أنه مصدر ; أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا .

أو بنزع الخافض ، أي لمتاع ، أو مصدر ، بمعنى المفعول على الحال ، أي متمتعين .

أو هو نصب على الظرف ، أي في متاع الحياة الدنيا ، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي .

و على أنفسكم مفعول ذلك المعنى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

‏{‏فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ‏}‏ أي‏:‏ نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة‏؟‏‏!‏‏!‏ ولكن هذا البغي يعود وباله عليهم، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏ أي‏:‏ غاية ما تؤملون ببغيكم، وشرودكم عن الإخلاص لله، أن تنالوا شيئًا من حطام الدنيا وجاهها النزر اليسير الذي سينقضي سريعًا، ويمضي جميعًا، ثم تنتقلون عنه بالرغم‏.‏ ‏{‏ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ‏}‏ في يوم القيامة ‏{‏فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏ وفي هذا غاية التحذير لهم عن الاستمرار على عملهم‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ) يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله عز وجل في الأرض ، ( بغير الحق ) أي : بالفساد .

( يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ) لأن وباله راجع عليها ، ثم ابتدأ فقال : ( متاع الحياة الدنيا ) أي : هذا متاع الحياة الدنيا ، خبر ابتداء مضمر ، كقوله : " لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ " ( الأحقاف - 35 ) ، أي : هذا بلاغ .

وقيل : هو كلام متصل ، والبغي : ابتداء ، ومتاع : خبره .

ومعناه : إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا ، لا يصلح زادا لمعاد لأنكم تستوجبون به غضب الله .

وقرأ حفص : " متاع " بالنصب ، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا ، ( ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق» بالشرك «يا أيها الناس إنما بغيكم» ظلمكم «على أنفسكم» لأن إثمه عليها هو «متاعُ الحياة الدنيا» تمتعون فيها قليلا «ثم إلينا مرجعكم» بعد الموت «فننبئكم بما كنتم تعملون» فنجاريكم عليه وفي قراءة بنصب متاع: أي تتمتعون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما أنجاهم الله من الشدائد والأهوال إذا هم يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي.

يا أيها الناس إنما وَبالُ بغيكم راجع على أنفسكم، لكم متاع في الحياة الدنيا الزائلة، ثم إلينا مصيركم ومرجعكم، فنخبركم بجميع أعمالكم، ونحاسبكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ وفى الأرض بِغَيْرِ الحق .

.

)أى : فحين أنجاهم الله - تعالى - بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم الذي كانوا فيه ، إذا هم يسعون وفى الأرض فساداً .

ويرتكبون البغي الفاضح الذي لا يخفى قبحه على أحد .وقيد البغى بكونه بغير الحق ، لأنه لا يكون إلا كذلك ، إذ البغي معناه : تجاوز الحق ، يقال : بغي الجرح إذا تجاوز حده وفى الفساد .فقوله : ( بِغَيْرِ الحق ) تأكيد لما يفيد البغى من التعدى والظلم ، فهو بغى ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد .وقيل قيده بذلك يخرج البغي على الغير وفى مقابلة بغيه .

فإنه يسمى بغيا فى الجملة ، لكنه بحق .

وهو قول ضعيف ، لأن دفع البغي لا يسمى بغيا وإنما يسمى إنصافا من الظالم ، ولذا قال القرآن الكريم : ( وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ) وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية ، للإِشعار بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم والجحود ، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر الأمان ، نسوا ما كانوا فيه من أهوال ، وسارعوا إلى الفساد وفى الأرض ، دون أن يردعهم رادع ، أو يصدهم ترغيب أو ترهيب .والتعبير بقوله ( فِى الأرض ) للإِشارة إلى أن بغيهم قد شمل أقطارها ، ولم يقتصر على جانب من جوانبها .وقوله - سبحانه - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) خطاب منه - سبحانه - لأولئك البغاة وفى كل زمان ومكان ، قصد به التهديد والوعيد .أى : يأيها الناس الذين تضرعوا إلينا وفى ساعات الشدة ، وهرولوا إلى البغي بعد زوال تلك الشدة ، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غيركم فأنتم وحدكم الذين ستتحملون سوء عاقبته وفى الدنيا والآخرة .واعلموا أن هذا البغي إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التيلا بقاء لها ، وإنما هى إلى زوال وفناء .واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفاني .

فنخبركم يوم الدين بكل أعمالكم ، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذي تستحقونه .وقوله : ( إِنَّمَا بَغْيُكُمْ ) مبتدأ وخبره ( على أَنفُسِكُمْ ) أى هو عليكم وفى الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم .وقوله : ( مَّتَاعَ الحياة الدنيا ) : قرأ حفص عن عاصم ( متاع ) بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر .

أى : تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية .وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : هو متاع الحياة الدنيا .

وقوله : ( ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم ، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى يرتدعوا وينزجروا .هذا ، ومن الأحكام والآداب التي أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1 - أن من الواجب على العاقل أن يكثر الله وفى حالتى الشدة والرخاء ، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية ، ففى الحديث الشريف : " تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة " .2 - أن الناس جيلوا على الرجوع إلى الله وحده عند المصائب والمحن ، وفى ذلك يقول الآلوسى : " روى أبو داود والنسائي وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص قال : لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف ، فقال أصحاب السفينة لركابها : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً .

فقال عكرمة : لئن لم ينجني وفى البحر إلا الإِخلاص ، ما ينجيني وفى البر غيره .

اللهم ن لك عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي فى يده ، فلأجدنه عفوا كريما .

قال : فجاء فأسلم .وفى رواية ابن سعد عن أبي مليكة : أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله - تعالى - ويوحدونه فقال : ما هذا؟

فقالوا : هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى - قال : " فهذا ما يدعونا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا بنا " .

فرجع وأسلم .

.

.

" .وقال الفخر الرازي : " يحكي أن واحدا قال لجعفر الصادق : اذكر لي دليلا على إثبات الصانع؟

فقال له : أخبرني عن حرفتك : فقال : أنا رجل أتجر وفى البحر .

فقال له : صف لي كيفية حالك .

فقال : ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة .فقال جعفر : هل وجدت وفى قلبك تضرعا ودعاء .

فقال : نعم .فقال جعفر : فإلهك هو الذي تضرعت إليه وفى ذلك الوقت .وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها " أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله - تعالى - ( هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ وفى البر والبحر ) فراعته بلاغة وصفها لطغيان البحر .

.

وكان يعمل قائدا لإحدى السفن .

.

فسأل بعض المسلمين : أتعلمون أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - قد سافر وفى البحار؟

فقالوا له : لا .

.

فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله - تعالى .

.3 - دل قوله - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) .

وقوله - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ .

.

) على أن البغى يجازي أصحابه عليه فى الدنيا والآخرة .فأما وفى الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه أسوأ الجزاء .وأما فى الدنيا فبدليل قوله - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) ويؤيده ما رواه البخاري وفى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من حديث أبي بكر الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة وفى الدنيا مع ما يدخر له فى الآخرة سوى البغى وقطيعة الرحم " .قال الآلوسى : وفى الآية من الزجر عن البغى ما لا يخفى " فقد أخرج أبو نعيم والخطيب والديلمى وغيرهم عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث هن رواجع على أهلها : المكر والنكث والبغى " ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - تعالى - ( ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ) .

وقوله - تعالى - ( فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ ) وقوله - تعالى - ( وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ ) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله - صلى الله عليه والسلام - : " لو بغى جبل على جبل لدك الباغى منهما " .وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه :يا صاحب البغى إن البغى مصرعه ...

فارجع فخير فعال المرء أعدلهفلو بغى جبل يوما على جبل ...

لاندك منه أعاليه وأسفله

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِي ءاياتنا  ﴾ كان هذا الكلام كلاماً كلياً لا ينكشف معناه تمام الانكشاف.

إلا بذكر مثال كامل، فذكر الله تعالى لنقل الإنسان من الضر الشديد إلى الرحمة مثالاً، ولمكر الإنسان مثالاً، حتى تكون هذه الآية كالمفسرة للآية التي قبلها، وذلك لأن المعنى الكلي لا يصل إلى أفهام السامعين إلا بذكر مثال جلي واضح يكشف عن حقيقة ذلك المعنى الكلي.

واعلم أن الإنسان إذا ركب السفينة ووجد الريح الطيبة الموافقة للمقصود، حصل له الفرح التام والمسرة القوية، ثم قد تظهر علامات الهلاك دفعة واحدة.

فأولها: أن تجيئهم الرياح العاصفة الشديدة.

وثانيها: أن تأتيهم الأمواج العظيمة من كل جانب.

وثالثها: أن يغلب على ظنونهم أن الهلاك واقع، وأن النجاة ليست متوقعة، ولا شك أن الانتقال من تلك الأحوال الطيبة الموافقة إلى هذه الأحوال القاهرة الشديدة يوجب الخوف العظيم، والرعب الشديد، وأيضاً مشاهدة هذه الأحوال والأهوال في البحر مختصة بإيجاب مزيد الرعب، والخوف ثم إن الإنسان في هذه الحالة لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق، ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعاً إلى الله تعالى، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة، فظهر أنه لا يمكن تقرير ذلك المعنى الكلي المذكور في الآية المتقدمة بمثال أحسن وأكمل من المثال المذكور في هذه الآية.

المسألة الثانية: يحكى أن واحداً قال لجعفر الصادق: اذكر لي دليلاً على إثبات الصانع فقال: أخبرني عن حرفتك: فقال: أنا رجل أتجر في البحر، فقال: صف لي كيفية حالك.

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة، فقال جعفر: هل وجدت في قلبك تضرعاً ودعاء.

فقال نعم.

فقال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

المسألة الثالثة: قرأ ابن عامر ﴿ ينشركم ﴾ من النشر الذي هو خلاف الطي كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿ فانتشروا فِي الارض  ﴾ والباقون قرؤا ﴿ يُسَيّرُكُمْ ﴾ من التسيير.

المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد يجب أن يكون خلقاً لله تعالى.

قالوا: دلت هذه الآية على أن سير العباد من الله تعالى، ودل قوله تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الارض  ﴾ على أن سيرهم منهم، وهذا يدل على أن سيرهم منهم ومن الله، فيكون كسبياً لهم وخلقاً لله ونظيره.

قوله تعالى: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا  ﴾ ثم قال في آية أخرى ﴿ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى  ﴾ وقال في آية أخرى ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذَا رَمَيْتَ ولكن الله رمى  ﴾ قال الجبائي: أما كونه تعالى مسيراً لهم في البحر على الحقيقة فالأمر كذلك.

وأما سيرهم في البر فإنما أضيف إلى الله تعالى على التوسع.

فما كان منه طاعة فبأمره وتسهيله، وما كان منه معصية فلأنه تعالى هو الذي أقدره عليه.

وزاد القاضي فيه يجوز أن يضاف ذلك إليه تعالى من حيث إنه تعالى سخر لهم المركب في البر، وسخر لهم الأرض التي يتصرفون عليها بإمساكه لها، لأنه تعالى لو لم يفعل ذلك لتعذر عليهم السير.

وقال القفال: ﴿ هُوَ الذي يُسَيّرُكُمْ فِي البر والبحر ﴾ أي هو الله الهادي لكم إلى السير في البر والبحر طلباً للمعاش لكم، وهو المسير لكم، لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

هذا جملة ما قيل في الجواب عنه.

ونحن نقول: لا شك أن المسير في البحر هو الله تعالى، لأن الله تعالى هو المحدث لتلك الحركات في أجزاء السفينة، ولا شك أن إضافة الفعل إلى الفاعل هو الحقيقة.

فنقول: وجب أيضاً أن يكون مسيراً لهم في البر بهذا التفسير، إذ لو كان مسيراً لهم في البر بمعنى إعطاء الآلات والأدوات لكان مجازاً بهذا الوجه، فيلزم كون اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً دفعة واحدة، وذلك باطل.

واعلم أن مذهب الجبائي أنه لامتناع في كون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى المعنى الواحد.

وأما أبو هاشم فإنه يقول: إن ذلك ممتنع، إلا أنه يقول: لا يبعد أن يقال إنه تعالى تكلم به مرتين.

واعلم أن قول الجبائي: قد أبطلناه في أصول الفقه، وقول أبي هاشم أنه تعالى تكلم به مرتين أيضاً بعيد.

لأن هذا قول لم يقل به أحد من الأمة ممن كانوا قبله، فكان هذا على خلاف الإجماع فيكون باطلاً.

واعلم أنه بقي في هذه الآية سؤالات: السؤال الأول: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، مع أن الكون في الفلك متقدم لا محالة على التسيير في البحر؟

والجواب: لم يجعل الكون في الفلك غاية للتسيير، بل تقدير الكلام كأنه قيل هو الذي يسيركم حتى إذا وقع في جملة تلك التسييرات الحصول في الفلك كان كذا وكذا.

السؤال الثاني: ما جواب ﴿ إِذَا ﴾ في قوله: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك ﴾ .

الجواب: هو أن جوابها هو قوله: ﴿ جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾ ثم قال صاحب الكشاف: وأما قوله: ﴿ دَّعَوَا الله ﴾ فهو بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك.

وقال بعض الأفاضل لو حمل قوله: ﴿ دَّعَوَا الله ﴾ على الاستئناف.

كان أوضح، كأنه لما قيل: ﴿ جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ قال قائل فما صنعوا؟

فقيل: ﴿ دَّعَوَا الله ﴾ .

السؤال الثالث: ما الفائدة في صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟

الجواب فيه وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: المقصود هو المبالغة كأنه تعالى يذكر حالهم لغيرهم لتعجيبهم منها، ويستدعى منهم مزيد الإنكار والتقبيح.

الثاني: قال أبو علي الجبائي: إن مخاطبته تعالى لعباده، هي على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، فهي بمنزلة الخبر عن الغائب.

وكل من أقام الغائب مقام المخاطب، حسن منه أن يرده مرة أخرى إلى الغائب.

الثالث: وهو الذي خطر بالبال في الحال، أن الانتقال في الكلام من لفظ الغيبة إلى لفظ الحضور فإنه يدل على مزيد التقرب والإكرام.

وأما ضده وهو الانتقال من لفظ الحضور إلى لفظ الغيبة، يدل على المقت والتبعيد.

أما الأول: فكما في سورة الفاتحة، فإن قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ  ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ  ﴾ كله مقام الغيبة، ثم انتقل منها إلى قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ وهذا يدل على أن العبد كأنه انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، وهو يوجب علو الدرجة، وكمال القرب من خدمة رب العالمين.

وأما الثاني: فكما في هذه الآية، لأن قوله: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك ﴾ خطاب الحضور، وقوله: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ مقام الغيبة، فهاهنا انتقل من مقام الحضور إلى مقام الغيبة، وذلك يدل على المقت والتبعيد والطرد، وهو اللائق بحال هؤلاء، لأن من كان صفته أنه يقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران، كان اللائق به ما ذكرناه.

السؤال الرابع: كم القيود المعتبرة في الشرط والقيود المعتبرة في الجزاء؟

الجواب: أما القيود المعتبرة في الشرط فثلاثة: أولها: الكون في الفلك.

وثانيها: جَرْيُ الفلك بالريح الطيبة.

وثالثها: فرحهم بها.

وأما القيود المعتبرة في الجزاء فثلاثة أيضاً: أولها: قوله: ﴿ جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾ وفيه سؤالان: السؤال الأول: الضمير في قوله: ﴿ جَاءتْهَا ﴾ عائد إلى الفلك وهو ضمير الواحد، والضمير في قوله: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ عائد إلى الفلك وهو الضمير الجمع، فما السبب فيه؟

الجواب عنه من وجهين: الأول: أنا لا نسلم أن الضمير في قوله: ﴿ جَاءتْهَا ﴾ عائد إلى الفلك، بل نقول إنه عائد إلى الريح الطيبة المذكورة في قوله: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ ﴾ الثاني: لو سلمنا ما ذكرتم إلا أن لفظ ﴿ الفلك ﴾ يصلح للواحد والجمع، فحسن الضميران.

السؤال الثاني: ما العاطف.

الجواب: قال القراء والزجاج: يقال ريح عاصف وعاصفة، وقد عصفت عصوفاً وأعصفت، فهي معصف ومعصفة.

قال الفراء: والألف لغة بني أسد، ومعنى عصفت الريح اشتدت، وأصل العصف السرعة، يقال: ناقة عاصف وعصوف سريعة، وإنما قيل ﴿ رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾ لأنه يراد ذات عصوف كما قيل: لابن وتامر أو لأجل أن لفظ الريح مذكر.

أما القيد الثاني: فهو قوله: ﴿ وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ ﴾ والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

أما القيد الثالث: فهو قوله: ﴿ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ والمراد أنهم ظنوا القرب من الهلاك، وأصله أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد، فقد دنوا من الهلاك.

السؤال الخامس: ما المراد من الإخلاص في قوله: ﴿ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ .

والجواب: قال ابن عباس: يريد تركوا الشرك، ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

قال الحسن: ﴿ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ ﴾ الإخلاص الإيمان، لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله تعالى، فيكون جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والبلاء لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة أن المراد من ذلك الدعاء قولهم أهيا شراهيا تفسيره يا حي يا قيوم.

السؤال السادس: ما الشيء المشارإليه بقوله: ﴿ هذه ﴾ في قوله: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه ﴾ ؟

والجواب المراد لئن أنجيتنا من هذه الريح العاصفة، وقيل المراد لئن أنجيتنا من هذه الأمواج أو من هذه الشدائد، وهذه الألفاظ وإن لم يسبق ذكرها، إلا أنه سبق ذكر ما يدل عليها.

السؤال السابع: هل يحتاج في هذه الآية إلى إضمار؟

الجواب: نعم، والتقدير: دعوا الله مخلصين له الدين مريدين أن يقولوا لئن أنجيتنا، ويمكن أن يقال: لا حاجة إلا الإضمار، لأن قوله: ﴿ دَّعَوَا الله ﴾ يصير مفسراً بقوله: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ فهم في الحقيقة ما قالوا إلا هذا القول.

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا التضرع الكامل بين أنهم بعد الخلاص من تلك البلية والمحنة أقدموا في الحال على البغي في الأرض بغير الحق.

قال ابن عباس: يريد به الفساد والتكذيب والجراءة على الله تعالى، ومعنى البغي قصد الاستعلاء بالظلم.

قال الزجاج: البغي الترقي في الفساد قال الأصمعي: يقال بغى الجرح يبغي بغياً إذا ترقى إلى الفساد، وبغت المرأة إذا فجرت، قال الواحدي: أصل هذا اللفظ من الطلب.

فإن قيل: فما معنى قوله: ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ والبغي لا يكون بحق؟

قلنا: البغي قد يكون بالحق، وهو استيلاء المسلمين عل أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة.

ثم إنه تعالى بين أن هذا البغي أمر باطل يجب على العاقل أن يحترز منه فقال: ﴿ يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ الأكثرون ﴿ متاع ﴾ برفع العين، وقرأ حفص عن عاصم ﴿ متاع ﴾ بنصب العين، أما الرفع ففيه وجهان: الأول: أن يكون قوله: ﴿ بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ﴾ خبراً.

والمراد من قوله: ﴿ بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ بغي بعضكم على بعض كما في قوله: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ ومعنى الكلام أن بغي بعضكم عن بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها.

والثاني: أن قوله: ﴿ بَغْيُكُمْ ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ على أَنفُسِكُمْ ﴾ خبره، وقوله: ﴿ متاع الحياة الدنيا ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو متاع الحياة الدنيا.

وأما القراءة بالنصب فوجهها أن نقول: إن قوله: ﴿ بَغْيُكُمْ ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ على أَنفُسِكُمْ ﴾ خبره، وقوله: ﴿ مَّتَاعَ الحياة الدنيا ﴾ في موضع المصدر المؤكد، والتقدير: تتمتعون متاع الحياة الدنيا.

المسألة الثانية: البغي من منكرات المعاصي.

قال عليه الصلاة والسلام: «أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة».

وروى: «ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين».

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي.

وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه: يا صاحب البغي إن البغي مصرعة *** فأربع فخير فعال المرء أعدله فلو بغى جبل يوماً على جبل *** لاندك منه أعاليه وأسفله وعن محمد بن كعب القرظي: ثلاث من كن فيه كن عليه، البغي والنكث والمكر، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ .

المسألة الثالثة: حاصل الكلام في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قليلة، وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا ﴾ أي ما وعدنا من المجازاة على أعمالكم ﴿ مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ في الدنيا، والإنباء هو الإخبار، وهو في هذا الموضع وعيد بالعذاب كقول الرجل لغيره سأخبرك بما فعلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ زيد بن ثابت: ﴿ ينشركم ﴾ ومثله قوله: ﴿ فانتشروا فِي الأرض ﴾ [الجمعة: 10] ، ﴿ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُون ﴾ [الروم: 20] فإن قلت: كيف جعل الكون في الفلك غاية للتسيير في البحر، والتسيير في البحر إنما هو بالكون في الفلك؟

قلت: لم يجعل الكون في الفلك غاية التسيير في البحر، ولكن مضمون الجملة الشرطية الواقعة بعد (حتى) بما في حيّزها، كأنه قيل: يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجيء الريح العاصف وتراكم الأمواج والظنّ للهلاك والدعاء بالإنجاء.

فإن قلت: ما جواب (إذا)؟

قلت: جاءتها.

فإن قلت: فدعوا؟

قلت: بدل من ظنوا؛ لأنّ دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو ملتبس به.

فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟

قلت: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

فإن قلت: ما وجه قراءة أمّ الدرداء: (في الفلكي) بزيادة ياء النسب؟

قلت: قيل هما زائدتان كما في الخارجي والأحمري.

ويجوز أن يراد به اللجّ والماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلاّ فيه.

والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك، لأنه جمع فلك كالأسد، في فعل أخي فعل.

وفي قراءة أمّ الدرداء: ﴿ للفلك ﴾ أيضاً؛ لأنّ الفلكي يدلّ عليه ﴿ جَاءتْهَا ﴾ جاءت الريح الطيبة، أي تلقتها.

وقيل: الضمير للفلك ﴿ من كُلّ مَّكَانَ ﴾ من جميع أمكنة الموج ﴿ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ أي أهلكواجعل إحاطة العدوّ بالحي مثلاً في الهلاك ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ من غير إشراك به؛ لأنهم لا يدعون حينئذ غيره معه ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ على إرادة القول.

أو لأنّ ﴿ دَعَوُاْ ﴾ من جملة القول: ﴿ يَبْغُونَ فِي الأرض ﴾ يفسدون فيها ويعبثون متراقين في ذلك، ممعنين فيه، من قولك: بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد.

فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ بِغَيْرِ الحق ﴾ والبغي لا يكون بحق؟

قلت: بلى، وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة، وهدم دورهم، وإحراق زروعهم وقطع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة.

قرئ: ﴿ متاع الحياة الدنيا ﴾ ، بالنصب: فإن قلت: ما الفرق بين القراءتين؟

قلت: إذا رفعت كان المتاع خبراً للمبتدإ الذي هو ﴿ بَغْيُكُمْ ﴾ و ﴿ على أَنفُسِكُمْ ﴾ صلته، كقوله: ﴿ فبغى عَلَيْهِمْ ﴾ ومعناه: إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا لابقاء لها وإذا نصبت ﴿ فَعَلَىَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ خبر غير صلة معناه إنما بغيكم بال على أنفسكم، و ﴿ متاع الحياة الدنيا ﴾ في موضع المصدر المؤكد، كأنه قيل: تتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ويجوز أن يكون الرفع على: هو متاع الحياة الدنيا بعد تمام الكلام.

وعن البني صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تمكر ولا تعن ماكراً، ولا تبغ ولا تعن باغياً، ولا تنكث ولا تعن ناكثاً» وكان يتلوها.

وعنه عليه الصلاة والسلام: «أسرع الخير ثواباً صلة الرحم، وأعجل الشرّ عقاباً البغي واليمين الفاجرة» ، وروي: «ثنتان يعجلهما الله تعالى في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين» وعن ابن عباس رضي الله عنه: لو بغى جبل على جبل لدك الباغي.

وكان المأمون يتمثل بهذين البيتين في أخيه: يَا صَاحِبَ الْبَغْيِ إنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعَة ** فَارْبَعْ فَخَيْرُ فِعَالِ الْمَرْءِ أَعْسَلُهُ فَلَوْ بَغَى جَبَلٌ يَوْماً عَلَى جَبَل ** لانْدَكَّ مِنْهُ أَعَالِيهِ وَأَسْفَلُهُ وعن محمد بن كعب: ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي والنكث والمكر.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ﴾ يَحْمِلُكم عَلى السَّيْرِ ويُمَكِّنُكم مِنهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ « يَنْشُرُكم» بِالنُّونِ والشِّينِ مِنَ النَّشْرِ.

﴿ فِي البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ ﴾ في السُّفُنِ، ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ بِمَن فِيها، عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغِيبَةِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُ تَذْكِرَةٌ لِغَيْرِهِمْ لِيَتَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ.

﴿ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ لَيِّنَةِ الهُبُوبِ.

﴿ وَفَرِحُوا بِها ﴾ بِتِلْكَ الرِّيحِ.

﴿ جاءَتْها ﴾ جَوابُ إذا والضَّمِيرُ لِلْفُلْكِ أوْ لِلرِّيحِ الطَّيِّبَةِ، بِمَعْنى تَلَقَّتْها.

﴿ رِيحٌ عاصِفٌ ﴾ ذاتُ عَصْفٍ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ.

﴿ وَجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ يَجِيءُ المَوْجُ مِنهُ.

﴿ وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ أُهْلِكُوا وسُدَّتْ عَلَيْهِمْ مَسالِكُ الخَلاصِ كَمَن أحاطَ بِهِ العَدُوُّ.

﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ مِن غَيْرِ إشْراكٍ لِتَراجُعِ الفِطْرَةِ وزَوالِ المُعارِضِ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ، وهو بَدَلٌ مَن ﴿ ظَنُّوا ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ لِأنَّ دُعاءَهم مِن لَوازِمِ ظَنِّهِمْ.

﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أوْ مَفْعُولُ ﴿ دَعَوُا ﴾ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ.

﴿ فَلَمّا أنْجاهُمْ ﴾ إجابَةً لِدُعائِهِمْ.

﴿ إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ ﴾ فاجَئُوا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلى ما كانُوا عَلَيْهِ.

﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ مُبْطِلِينَ فِيهِ وهو احْتِرازٌ عَنْ تَخْرِيبِ المُسْلِمِينَ دِيارَ الكَفَرَةِ وإحْراقِ زُرُوعِهِمْ وقَلْعِ أشْجارِهِمْ فَإنَّها إفْسادٌ بِحَقٍّ.

﴿ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ فَإنَّ وبالَهُ عَلَيْكم أوْ أنَّهُ عَلى أمْثالِكم أبْناءِ جِنْسِكم.

﴿ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ مَنفَعَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لا تَبْقى ويَبْقى عِقابُها، ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ﴿ بَغْيُكُمْ ﴾ وعَلى أنْفُسِكم صِلَتُهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا و ﴿ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ خَبَرُ ﴿ بَغْيُكُمْ ﴾ ، ونَصَبَهُ حَفْصٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا أوْ مَفْعُولُ البَغْيِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الطَّلَبِ فَيَكُونُ الجارُّ مِن صِلَتِهِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بَغْيُكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَحْذُورٌ أوْ ضَلالٌ، أوْ مَفْعُولُ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ البَغْيُ وعَلى أنْفُسِكم خَبَرُهُ.

﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ ﴾ في القِيامَةِ.

﴿ فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ بِأجْزاءٍ عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)

{فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُم يَبْغُونَ فِى الأرض} يفسدون فيها {بِغَيْرِ الحق} باطلاً أي مبطلين {يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ} أي ظلمكم يرجع إليكم كقوله {مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} مَّتَاعَ الحياة الدنيا حفص أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا وعلى انفسكم خبر لبغيكم غيره بالرفع على أنه خبر بغيكم وعلى أنفسكم صلته كقوله فبغى عليهم ومعناه إنما بغيكم على أمثالكم أو هو خبر ومتاع خبر بعد خبر أو متاع خبر مبتدأ مضمر أي هو متاع الحياة الدنيا وفي الحديث أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة ورُوي ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين وعن ابن عباس رضى الله عنهما لو بغى جبل على جبل لدك الباغي وعن محمد بن كعب ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر قال الله تعالى إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ وَلاَ يحيق المكر السيء إِلاَّ بِأَهْلِهِ وَمِنْ نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نفسه {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فنخبركم به ونجازيكم عليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا أنْجاهُمْ ﴾ مِمّا نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الشَّدَّةِ والكُرْبَةِ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سُرْعَةِ الإجابَةِ ﴿ إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ ﴾ أيْ فاجَأوُا الفَسادَ فِيها وسارَعُوا إلَيْهِ مُتَرامِينَ في ذَلِكَ مُمْعِنِينَ فِيهِ مِن قَوْلِهِمْ: بَغى الجُرْحُ إذا تَرامى في الفَسادِ وزِيادَةُ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى شُمُولِ بَغْيِهِمْ لِأقْطارِها وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ البَغْيُ إذْ مَعْناهُ أنَّهُ بِغَيْرِ الحَقِّ عِنْدَهم أيْضًا بِأنْ يَكُونَ ظُلْمًا ظاهِرًا لا يَخْفى قُبْحُهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ كَما قِيلَ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ وقَدْ فُسِّرَ البَغْيُ بِإفْسادِ صُورَةِ الشَّيْءِ وإتْلافِ مَنفَعَتِهِ وجُعِلَ ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ لِلِاحْتِرازِ مِمّا يَكُونُ مِن ذَلِكَ بِحَقٍّ كَتَخْرِيبِ الغُزاةِ دِيارَ الكَفَرَةِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ وحَرْقِ زُرُوعِهِمْ كَما فَعَلَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِأنَّ البَغْيَ بِالمَعْنى الأوَّلِ هو اللّائِقُ بِحالِ المُفْسِدِينَ فِيَنْبَغِي بِناءُ الكَلامِ عَلَيْهِ والزَّمَخْشَرِيُّ اخْتارَ كَوْنَ ذَلِكَ لِلِاحْتِرازِ عَمّا ذُكِرَ وذُكِرَ في الكَشْفِ أنَّهُ أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الفَسادَ اللُّغَوِيَّ خُرُوجُ الشَّيْءِ مِنَ الِانْتِفاعِ فَلا كُلُّ بَغْيٍ أيْ فَسادٍ في الأرْضِ واسْتِطالَةٌ فِيها كَذَلِكَ كَما عَلِمْتَ وإنْ كانَ مَوْضُوعُهُ العُرْفِيُّ لِلِاسْتِطالَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنَّ النَّظَرَ إلى مَوْضُوعِهِ الأصْلِيِّ وقِيلَ: إنَّ البَغْيَ الَّذِي يَتَعَدّى بِفي بِمَعْنى الإتْلافِ والإفْسادِ وهو يَكُونُ حَقًّا وغَيْرُهُ والَّذِي يَتَعَدّى بِعَلى بِمَعْنى الظُّلْمِ وتَقْيِيدُ الأوَّلِ بِغَيْرِ الحَقِّ لِلِاحْتِرازِ وتَقْيِيدُ الثّانِي بِهِ لِلتَّأْكِيدِ ولَعَلَّ مَن يَجْعَلُ البَغْيَ هُنا بِمَعْنى الظُّلْمِ يَقُولُ: إنَّ المَعْنى يَبْغُونَ عَلى المُسْلِمِينَ مَثَلًا فافْهَمْ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ تَوْجِيهُ الخِطابِ إلى أُولَئِكَ الباغِينَ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ والمُبالَغَةِ في الوَعِيدِ ﴿ إنَّما بَغْيُكُمْ ﴾ الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ عَلَيْكم في الحَقِيقَةِ لا عَلى الَّذِينَ تَبْغُونَ عَلَيْهِمْ وإنَّ ظُنَّ كَذَلِكَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أيْ تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا والمُرادُ مِن ذَلِكَ بَيانُ كَوْنِ ما في البَغْيِ مِنَ المَنفَعَةِ العاجِلَةِ شَيْئًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ سَرِيعِ الزَّوالِ دائِمِ الوَبالِ وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ أيْ مُتَمَتِّعِينَ والعامِلُ هو الِاسْتِقْرارُ الَّذِي في الخَبَرِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْسَ البَغْيِ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ بِالخَبَرِ وأيْضًا لا يُخْبَرُ عَنِ المَصْدَرِ إلّا بَعْدَ تَمامِ صِلاتِهِ ومَعْمُولاتِهِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ في تَقْيِيدِ كَوْنِ بَغْيِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِحالِ تَمَتُّعِهِمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مَعْنًى يُعْتَدُّ بِهِ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ كَمَقْدَمِ الحاجِّ أيْ زَمانِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ أيْضًا وفِيهِ ما في سابِقِهِ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَصْدَرُ أيْ تَبْغُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ البَغْيُ بِمَعْنى الطَّلَبِ لِأنَّهُ الَّذِي يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ والمَصْدَرُ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وجُعِلَ المَصْدَرُ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ لِبَيانِ سُوءِ عاقِبَةِ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ البَغْيِ المُفَسَّرِ عَلى المُخْتارِ بِالفَسادِ المُفْرِطِ اللّائِقِ بِحالِهِمْ وحِينَئِذٍ تَنْتَفِي المُناسَبَةُ ويَفُوتُ الِانْتِظامُ وجُعِلَ الأوَّلُ أيْضًا بِمَعْناهُ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا والعامِلُ فِيهِ الِاسْتِقْرارُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُعَلَّلَ بِما ذُكِرَ نَفْسُ البَغْيِ لا كَوْنُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالمَصْدَرِ أيْ تَبْغُونَ لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ صَرِيحٌ لِلْمَصْدَرِ وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِهِ لا خَبَرٌ لِما مَرَّ والمُرادُ بِالأنْفُسِ الجِنْسُ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِطُولِ الكَلامِ والتَّقْدِيرُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا مَذْمُومٌ أوْ مَنهِيٌّ عَنْهُ أوْ ضَلالٌ أوْ ظاهِرُ الفَسادِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ وفِيهِ الِابْتِناءُ عَلى أنَّ البَغْيَ بِمَعْنى الطَّلَبِ وقَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ.

نَعَمْ لَوْ جُعِلَ نَصْبُهُ عَلى العِلَّةِ أيْ إنَّما بَغْيُكم عَلى أبْناءِ جِنْسِكم لِأجْلِ مَتاعِ الحَياةِ الدُّنْيا مَذْمُومٌ كَما اخْتارَهُ بَعْضُهم لَكانَ لَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ لَكِنَّ الحَقَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النُّظُمِ هو الأوَّلُ وقَرَأ الجُمْهُورُ (مَتاعُ) بِالرَّفْعِ قالَ صاحِبُ المُرْشِدِ: وفِيهِ وجْهانِ أحَدُهُما كَوْنُهُ الخَبَرَ والظَّرْفُ صِلَةُ المَصْدَرِ والثّانِي كَوْنُهُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ مَتاعٌ وزِيدَ وجْهٌ آخَرُ وهو كَوْنُهُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ لِبَغْيِكم والمُخْتارُ بَلِ المُتَعَيَّنُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ كَوْنُ المُرادِ بِأنْفُسِكم أبْناءَ جِنْسِكم أوْ أمْثالَكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ لِلتَّشْفِيقِ والحَثِّ عَلى تَرْكِ إيثارِ التَّمَتُّعِ المَذْكُورِ عَلى ما يَنْبَغِي مِنَ الحُقُوقِ ولا مانِعَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِنَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كَما بَيَّنَ ذَلِكَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ وقُرِئَ بِنَصْبِ المَتاعِ (والحَياةَ) وخَرَجَ نَصْبُ الأوَّلِ عَلى ما مَرَّ ونُصِبَ الثّانِي عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأوَّلِ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لَهُ إذا لَمْ يَكُنِ انْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لا يَعْمَلُ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ بِجَرِّهِما عَلى أنَّ الثّانِيَ مُضافٌ إلَيْهِ والأوَّلُ نَعْتٌ لِلْأنْفُسِ أيْ ذاتُ مَتاعٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أيْ مُتَمَتِّعاتٍ وضَعُفَ كَوْنُهُ بَدَلًا إذْ قَدْ أمْكَنَ كَوْنُهُ صِفَةً ﴿ هَذا ﴾ وفي الآيَةِ مِنَ الزَّجْرِ عَنِ البَغْيِ ما لا يَخْفى.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وأبُو نُعَيْمٍ والخَطِيبُ والدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ثَلاثٌ هُنَّ رَواجِعُ عَلى أهْلِها المَكْرُ والنَّكْثُ والبَغْيُ ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ يا أيُّها النّاسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ ﴿ ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ ﴾ ﴿ ومَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ » وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي بَكْرَةٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ما مِن ذَنْبٍ أجْدَرَ أنْ يُعَجَّلَ لِصاحِبِهِ العُقُوبَةُ مِنَ البَغْيِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» .

وأخْرَجَ أيْضًا مِن طَرِيقِ بِلالِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «لا يَبْغِي عَلى النّاسِ إلّا ولَدُ بَغِيٍّ أوْ فِيهِ عِرْقُ مِنهُ» وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «لَوْ بَغى جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي مِنهُما» .

وكانَ المَأْمُونُ يَتَمَثَّلُ بِهَذَيْنِ البَيْتَيْنِ لِأخِيهِ يا صاحِبَ البَغْيِ إنَّ البَغْيَ مَصْرَعَةٌ فارْبَعْ فَخَيْرُ فَعالِ المَرْءِ أعْدَلُهُ فَلَوْ بَغى جَبَلٌ يَوْمًا عَلى جَبَلٍ لانْدَكَّ مِنهُ أعالِيهِ وأسْفَلُهُ وعَقَدَ ذَلِكَ الشِّهابُ فَقالَ: إنْ يَعْدُ ذُو بَغْيٍ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ ∗∗∗ وارْقُبْ زَمانًا لِانْتِقامِ باغِي واحْذَرْ مِنَ البَغْيِ الوَخِيمِ فَلَوْ بَغى ∗∗∗ جَبَلٌ عَلى جَبَلٍ لَدُكَّ الباغِي ﴿ ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ المُقَدَّرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ تَرْجِعُونَ إلَيْنا وإنَّما غُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ والقِصَرِ ﴿فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ 23﴾ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ البَغْيِ فَهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في نَظِيرِهِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، يعني: يحملكم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن، ويقال: هو الذي يحفظكم إذا سافرتم في بر أو بحر.

قرأ ابن عامر يَنْشُرُكُمْ بالنون والشين من النشر، يعني: يبثكم (١) وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بالقرية، يقال: دنا أهلها من الهلكة، قال الله تعالى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [الكهف: 42] فصار ذلك كناية عن الهلاك دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، يعني: إذا دنا هلاكهم أخلصوا لله تعالى، يعني: بالدعاء وقالوا: لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ، يعني: من هذه الريح العاصف، ويقال: من هذه الأهوال، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ يعني: من الموحدين المطيعين.

فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ، يعني: يعصون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، يعني: الدعاء إلى غير عبادة الله تعالى، والعمل بالمعاصي والفساد.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، يعني: إثم معصيتكم عليكم.

وهو كقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [فصلت: 46] ويقال: مظالمكم فيما بينكم عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: جنايتكم عليكم، وهذا كما يقال في المثل: المحسن سيجزى بإحسانه والمسيء ستكفيه مساويه.

يعني: وباله يرجع إليه.

ثم قال: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: تمتعون فيها أيام حياتكم.

ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ.

ويقال: عيشكم في الدنيا قليل، ويقال: عمر الدنيا في حياة الآخرة قليل ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ أي بعد الموت في الآخرة، فَنُنَبِّئُكُمْ يعني: نخبركم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

قرأ عاصم في رواية حفص مَتاعَ بالنصب ويكون نصباً على المصدر، ومعناه: تمتعون متاع الحياة الدنيا، وقرأ الباقون بالضمّ مَتاعَ ومعناه: هو متاع الحياة الدنيا.

(١) في النسخة «ب» يبسطكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.

ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.

انتهى.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.

وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:

«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.

وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.

قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .

وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ ﴾ عادَ بَعْدَ المُخاطَبَةِ لَهم إلى الإخْبارِ عَنْهم.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أقامَ الغائِبَ مَقامَ مَن يُخاطِبُهُ جازَ أنْ يَرُدَّهُ إلى الغائِبِ، قالَ الشّاعِرُ: شَطَّتْ مَزارُ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ أيْ: لَيِّنَةٍ.

﴿ وَفَرِحُوا بِها ﴾ لِلِينِها.

﴿ جاءَتْها ﴾ يَعْنِي الفُلْكَ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها لِلرِّيحِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ رِيحٌ عاصِفٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: عاصِفٌ وعاصِفَةٌ، وقَدْ عَصَفَتِ الرِّيحُ وأعْصَفَتْ، والألِفُ لُغَةٌ لِبَنِي أسَدٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّيحُ العاصِفُ: الشَّدِيدَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ عَصَفَتِ الرِّيحُ، فَهي عاصِفٌ وعاصِفَةٌ، وأعْصَفَتْ، فَهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ.

﴿ وَجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أمْكِنَةِ المَوْجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنُّوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوَهُّمُ.

وفي قَوْلِهِ " أُحِيطَ بِهِمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا أنَّ العَدُوَّ إذا أحاطَ بِبَلَدٍ، فَقَدْ دَنا أهْلُهُ مِنَ الهَلَكَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ: قَدْ أُحِيطَ بِفُلانٍ، أيْ: أحاطَ بِهِ البَلاءُ.

والثّانِي: أحاطَتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ دُونَ أوْثانِهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا الشِّرْكَ، وأخْلَصُوا لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وقالُوا: ﴿ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ ﴾ الرِّيحِ العاصِفِ ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ ﴾ أيِ: المُوَحِّدِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْغُونَ في الأرْضِ ﴾ البَغْيُ: التَّرامِي في الفَسادِ.

قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى إلى فَسادٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَبْغُونَ في الأرْضِ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي والفَسادِ.

﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ.

﴿ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: جِنايَةُ مَظالِمِكم بَيْنَكم عَلى أنْفُسِكم.

وقالَ الزَّجّاجُ: عَمَلُكم بِالظُّلْمِ عَلَيْكم يَرْجِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا " بِنَصْبِ المَتاعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ المَتاعَ، فالمَعْنى أنَّ ما تَنالُونَهُ بِهَذا البَغْيِ إنَّما تَنْتَفِعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ومَن نَصَبَ المَتاعَ، فَعَلى المَصْدَرِ.

فالمَعْنى: تُمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا.

وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ، وهارُونُ العَتْكِيُّ عَنْ عاصِمٍ: " مَتاعِ الحَياةِ " بِكَسْرِ العَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا "، أيْ: مَنفَعَةٌ في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها الناسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ "يَبْغُونَ": أيْ يُفْسِدُونَ ويَكْفُرُونَ، والبَغْيُ: التَعَدِّي والأعْمالُ الفاسِدَةُ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ ، ثُمَّ ابْتَدَأ بِالزَجْرِ وذَمِّ البَغْيِ في أوجَزِ لَفْظٍ، وقَوْلُهُ: "مَتاعُ الحَياةِ" رَفْعٌ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وذَلِكَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، والمُبْتَدَأُ "بَغْيُكُمْ"، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ "مَتاعُ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ مَتاعُ، أو هو مَتاعُ، وخَبَرُ البَغْيِ قَوْلُهُ: "عَلى أنْفُسِكُمْ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهارُونَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مَتاعَ" بِالنَصْبِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ البَغْيِ، وخَبَرُ البَغْيِ -عَلى هَذا- مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَذْمُومٌ أو مَكْرُوهٌ ونَحْوُ هَذا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَوْلُهُ: "عَلى أنْفُسِكُمْ" لِأنَّهُ كانَ يَحُولُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما عَمِلَ فِيهِ بِأجْنَبِيٍّ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ "مَتاعَ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: تُمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مَتاعًا الحَياةِ الدُنْيا" بِالنَصْبِ فِيهِما، ومَعْنى الآيَةِ: إنَّما بَغْيُكم وإفْسادُكم مُضِرٌّ لَكم وهو في حالَةِ الدُنْيا ثُمَّ تَلْقَوْنَ عِقابَهُ في الآخِرَةِ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ أيْ: تُعَجَّلُ لَكم عُقُوبَتُهُ في الحَياةِ الدُنْيا، وعَلى هَذا قالُوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهْلَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالُوا: الباغِي مَصْرُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ  ﴾ ، ولِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "ما مِن ذَنْبٍ أسْرَعُ عُقُوبَةً مِن بَغْيٍ"».

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنُنَبِّئُكُمْ" عَلى ضَمِيرِ المُعَظَّمِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيُنَبِّئُكُمْ" عَلى ضَمِيرِ الغائِبِ، والمُرادُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ هُوَ الذى يُسَيِّرُكُمْ فِى البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين ﴾ ﴿ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الارض بِغَيْرِ الحق ﴾ هذه الجملة بدل اشمال من جملة ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة ﴾ [يونس: 21] إلى آخرها لأن البغي في الأرض اشتمل عليه المكر في آيات الله.

والمقصود من هذه الجملة هو قوله: ﴿ فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ﴾ وما سواه تمهيد وإدماج للامتنان.

أعقب التهديد على كفران النعمة بذكر بعض نعم الله عليهم ثم ضَراء تعقب النعمة للابتلاء والتذكير بخالقهم، ثم كيف تُفرج عنهم رحمةً بهم فيكفر فريق منهم كلتا النعمتين ولا يتذكر، فكان المقصود أنَّ في ذلك أعظم الآيات على الوحدانية فكيف يقولون: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ [يونس: 20] وفي كل شيء له آية، وفي كل ذلك امتنان عليهم بالنعمة وتسجيل لكفرانها ولتوارد الآيات عليهم ولكيلا يغتروا بالإمهال فيحسبوه رضى بكفرهم أو عجزاً عن أخذهم، وهذا موقع رشيق جد الرشاقة لهذه الآية القرآنية.

وإسناد التسْيير إلى الله تعالى باعتبار أنه سببه لأنه خالق إلهام التفكير وقوى الحركة العقلية والجسدية، فالإسناد مجاز عقلي، فالقصر المفاد من جملة: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ قصر ادعائي.

والكلام مستعمل في الامتنان والتعريض بإخلالهم بواجب الشكر.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية، وهي غاية للتسيير في البحار خاصة.

وإنما كانت غاية باعتبار ما عطف على مدخولها من قوله: ﴿ دَعَوا الله ﴾ إلى قوله ﴿ بغير الحق ﴾ ، والمغيَّا هو ما في قوله ﴿ يسيركم ﴾ من المنة المؤذنة بأنه تسيير رفق ملائم للناس، فكان ما بعد (حتى) ومعطوفاتها نهايةَ ذلك الرفق، لأن تلك الحالة التي بعد (حتى) ينتهي عندها السير المنعَم به ويدخلون في حالة البأساء والضراء، وهذا النظم نسج بديع في أفانين الكلام.

ومن بديع الأسلوب في الآية أنها لما كانت بصدد ذكر النعمة جاءت بضمائر الخطاب الصالحة لجميع السامعين، فلما تهيأت للانتقال إلى ذكر الضراء وقع الانتقال من ضمائر الخطاب إلى ضمير الغيبة لتلوين الأسلوب بما يخلصه إلى الإفضاء إلى ما يخص المشركين فقال: ﴿ وجَرين بهم ﴾ على طريقة الالتفات، أي وجرين بكم.

وهكذا أجريت الضمائر جامعة للفريقين إلى أن قال: ﴿ فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ فإن هذا ليس من شيم المؤمنين فتمحض ضمير الغيبة هذا للمشركين، فقد أخرج من الخبر مَن عدا الذين يبغون في الأرض بغير الحق تعويلاً على القرينة لأن الذين يبغون في الأرض بغير الحق لا يشمل المسلمين.

وهذا ضرب من الالتفات لم ينبه عليه أهل المعاني وهو كالتخصيص بطريق الرمز.

وقد عدت هذه الآية من أمثلة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في ضمائر الغيبة كلها تبعاً «للكشاف» بناء على جعل ضمائر الخطاب للمشركين وجعل ضمائر الغيبة لهم أيضاً، وما نحوتُه أنا أليق.

وابتدئ الإتيان بضمير الغيبة من آخر ذكر النعمة عند قوله: ﴿ وجرين بهم بريح طيبة ﴾ للتصريح بأن النعمة شملتهم، وللإشارة إلى أن مجيء العاصفة فجأة في حال الفرح مراد منه ابتلاؤهم وتخويفهم.

فهو تمهيد لقوله: ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ .

والسير في البر معروف للعرب.

وكذلك السير في البحر.

كانوا يركبون البحر إلى اليمن وإلى بلاد الحبشة.

وكانت لقريش رحلة الشتاء إلى اليمن وقد يركبون البحر لذلك.

وقد وصف طرفة بن العبد السفن وسيرها، وذكرها عمرو بن كلثوم في معلقته، والنابغة في داليته.

وقرأ الجمهور ﴿ يُسيّركم ﴾ بتحتية في أوله مضمومة فسين مهملة بعدها تحتية بعدها راء من السير، أي يجعلكم تسيرون.

وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ﴿ ينشركم ﴾ بتحتية مفتوحة في أوله بعدها نون ثم شين معجمة ثم راء من النّشر، وهو التفريق على نحو قوله تعالى: ﴿ إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ [الروم: 20] وقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض ﴾ [الجمعة: 10].

قال ابن عطية عن عوف بن أبي جميلة وأبي الزغل: كانوا (أي أهل الكوفة) يقرأون ﴿ ينشركم ﴾ فنظروا في مصحف عثمان بن عفان فوجدوها ﴿ يسيركم ﴾ (أي بتحتية فسين مهملة فتحتية) فأوَّل من كتبها كذلك الحجاج بن يوسف، أي أمر بكتبها في مصاحب أهل الكوفة.

و ﴿ حتى ﴾ غاية للتسيير.

وهي هنا ابتدائية أعقبت بحرف المفاجأة وجوابِه، والجملة والغايةُ هي مفاد جواب ﴿ إذا ﴾ وهو قوله: ﴿ جاءتها ريح عاصف ﴾ ، فمجيء الريح العاصف هو غاية التسيير الهنيء المنعم به، إذ حينئذٍ ينقلب التسيير كارثة ومصيبة.

والفلك: اسم لمَركَب البحر، واسم جمع له بصيغة واحدة.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ في سورة [البقرة: 164].

وهو هنا مراد به الجمع.

والجري: السير السريع في الأرض أو في البحر، قال تعالى: ﴿ باسم الله مجراها ﴾ [هود: 41] والظاهر أنه حقيقة فيهما.

والريح مؤنثة في كلام العرب.

وتقدم في قوله: ﴿ وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يَدي رحمته ﴾ في سورة [الأعراف: 57].

والطيبة: الملائمة الرفيقة بالراكبين.

والطيب: الموصوف بالطِيب الشديد.

وأصل معنى الطيب الملاءمة فيما يراد من الشيء، كقوله تعالى: ﴿ فلنحيينه حياةً طيبة ﴾ [النحل: 97]، ويقال: طاب له المقام في مكان كذا.

ومنه سمي الشيء الذي له ريح وعرف طِيباً.

وجملة: ﴿ جاءتها ريح عاصف ﴾ جواب ﴿ إذَا ﴾ .

وفي ذكر جَريهن بريح طيبة وفرحهم بها إيماء إلى أن مجيء العاصفة حدث فجأة دون توقع من دلالة علامات النوتية كما هو الغالب.

وفيه إيماء إلى أن ذلك بتقديرٍ مرادٍ لله تعالى ليخوفهم ويذكرهم بوحدانيته.

وضمير ﴿ جاءتها ﴾ عائد إلى ﴿ الفُلك ﴾ لأن جمع غير العاقل يعامل معاملة المفرد المؤنث.

والعاصف: وصف خاص بالريح، أي شديدة السرعة.

وإنما لم تلحقه علامة التأنيث لأنه مختص بوصف الريح فاستغنى عن التأنيث، مثل: نافس وحائض ومرضع، فشاع استعماله كذلك، وذكر وصفاً للريح فبقي لا تلحقه التاء.

وقالوا: إنما لم تلحقه التاء لأنه في معنى النسب، مثل: لابن، وتامر.

وفيه نظر.

ومعنى ﴿ من كل مكان ﴾ من كل جهة من جهات الفُلك، فالابتداء الذي تفيده (من) ابتداء الأمكنة المتجهة إلى الفلك.

ومعنى ﴿ أحيط بهم ﴾ أخذوا وأهلكوا، فالعرب يقولون: أحاط العَدو بالقبيلة إذا تمكن منها وغلبها، لأن الإحاطة بها تدل على الإحداق بها وتطويقها.

ولما كان ذلك هزيمة وامتلاكاً لها صار ترتيب ﴿ أحيط بهم ﴾ استعارة تمثيلية للهلاك كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ والله محيط بالكافرين ﴾ [البقرة: 19] وقوله تعالى: ﴿ لتأتنني به إلا أن يُحاط بكم ﴾ [يوسف: 66] وقوله: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ [الكهف: 42] أي هلكت.

فمعنى ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ ظنوا الهلاك.

وجملة: ﴿ دعَوا الله مخلصين ﴾ جواب ﴿ إذا ﴾ .

ومعنى مخلصين له الدين ممحضين له العبادة في دعائهم، أي دعوه ولم يدعوا معه أصنامهم.

وليس المراد أنهم أقلعوا عن الإشراك في جميع أحوالهم بل تلك حالتهم في الدعاء عند الشدائد.

وهذا إقامة حجة عليهم ببعض أحوالهم، مثل قوله تعالى: ﴿ أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون ﴾ [الأنعام: 40، 41].

وجملة: ﴿ لئن أنجيتنا ﴾ بيان لجملة ﴿ دَعوا ﴾ لأن مضمونها هو الدعاء.

والإشارة ب ﴿ هذه ﴾ إلى حالة حاضرة لهم، وهي حالة إشرافهم على الغرق، فالمشار إليه هو الحالة المشاهدة لهم.

وقد أكد وعدهم بالشكر بثلاث مؤكدات: لاممِ توطئة القسم، ونوننِ التوكيد، والتعبير بصيغة ﴿ من الشاكرين ﴾ دون لنكونن شاكرين، لما يفيده من كونهم من هذه الزمرة التي ديدنها الشكر، كما تقدم بيان خصوصية مثل هذا التركيب عند قوله تعالى: ﴿ قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة [الأنعام: 56].

وأتى بحرف (إذا) الفجائية في جواب (لما) للدلالة على تعجيلهم بالبغي في الأرض عقب النجاة.

والبغي: الاعتداء.

وتقدم في قوله: ﴿ والإثم والبغي بغير الحق ﴾ في سورة [الأعراف: 33].

والمراد به هنا الإشراك كما صُرح به في نظيرها ﴿ فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ [العنكبوت: 65].

وسمي الشرك بغياً لأنه اعتداء على حق الخالق وهو أعظم اعتداء، كما يسمى ظلماً في آيات كثيرة منها قوله: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

ولا يحسن تفسير البغي هنا بالظلم والفساد في الأرض، إذ ليس ذلك شأن جميعهم فإن منهم حلماء قومهم، ولأنه لا يناسب قولَه بعد ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ .

ولمعنى هذه الآية في القرآن نظائر، كقوله: ﴿ وإذا مس الإنسان ضر دعا ربّه منيباً إليه ثم إذا خَوَّله نعمة منه نسي ما كَان يدعُو إليه من قبل وجَعل لله أنداداً ليضل عن سبيله ﴾ [الزمر: 8] الآية.

وزيادة ﴿ في الأرض ﴾ لمجرد تأكيد تمكنهم من النجاة.

وهو كقوله تعالى: ﴿ فلما نجّاهم إلى البر فمنهم مقتصد ﴾ [لقمان: 32] أي جعلوا مكان أثر النعمة بالنجاة مكاناً للبغي.

وكذلك قوله: ﴿ بغير الحق ﴾ هو قيد كاشف لمعنى البغي، إذ البغي لا يكون بحق، فهو كالتقييد في قوله تعالى: ﴿ ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله ﴾ [القصص: 50].

استئناف خطاب للمشركين وهم الذين يبغون في الأرض بغير الحق.

وافتُتح الخطاب ب {يأيها الناس لاستصغاء أسماعهم.

والمقصود من هذا تحذير المشركين ثم تهديدهم.

وصيغة قصر البغي على الكون مُضراً بهم كما هو مفاد حرف الاستعلاء تنبيه على حقيقة واقعية وموعظة لهم ليعلموا أن التحذير من الشرك والتهديد عليه لرعي صلاحهم لا لأنهم يضرونه كقوله: ﴿ ولا تضروه شيئاً ﴾ [التوبة: 39].

فمعنى (على) الاستعلاء المجازي المكنَّى به عن الإضرار لأن المستعلي الغالب يضر بالمغلوب المستعلَى عليه، ولذلك يكثر أن يقولوا: هذا الشيء عليك، وفي ضده: هذا الشيء لك، كقوله: ﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ [فصلت: 46].

ويقول المقر: لك عليّ كذا.

وقال توبة بن الحمير: وقد زعمت ليلى بأني فاجر *** لنفسي تُقاها أو عليها فجورها وقال السموأل اليهودي: أليَ الفضل أمْ عليّ إذا حُو *** سِبْتُ أني على الحساب مُقيت وذلك أن (على) تدل على الإلزام والإيجاب، واللام تدل على الاستحقاق.

وفي الحديث: " القرآنُ حجة لك أو عليك ".

فالمراد بالأنفس أنفس الباغين باعتبار التوْزيع بين أفراد معاد ضمير الجماعة المخاطبين في قوله: ﴿ بغيكُم ﴾ وبين أفراد الأنفس، كما في قولهم: «ركب القوم دوابَّهم» أي، ركب كل واحد دابته.

فالمعنى إنما بغي كل أحد على نفسه، لأن الشرك لا يُضر إلا بنفس المشرك باختلال تفكيره وعمله ثم بوقوعه في العذاب.

و ﴿ متاع ﴾ مرفوع في قراءة الجمهور على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو متاعُ الحياة الدنيا.

وقَرأه حفص عن عاصم بالنصب على الحال من (بغيكم).

ويجوز أن يكون انتصابه على الظرفية للبغي، لأن البغي مصدر مشتق فهو كالفعل فناب المصدر عن الظرف بإضافته إلى ما فيه معنى المدة.

وتوقيت البغي بهذه المدة باعتبار أنه ذكر في معرض الغضب عليهم، فالمعنى أنه أمهلكم إمهالاً طويلاً فهلاّ تتذكرون؟

فلا تحسبون الإمهال رضى بفعلكم ولا عجزاً وسيُؤاخدكم به في الآخرة.

وفي كلتا القراءتين وجوهٌ غير ما ذكرنا.

والمتاع: ما ينتفع به انتفاعاً غير دائم.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ في سورة [الأعراف: 24].

والمعنى على كلتا القراءتين واحد، أي أمهلناكم على إشراككم مدة الحياة لا غير ثم نؤاخذكم على بغيكم عند مرجعكم إلينا.

وجملة: ثم إلينا مرجعكم } عطفت ب (ثم) لإفادة التراخي الرتبي لأن مضمون هذه الجملة أصرح تهديداً من مضمون جملة ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ .

وتقديم المجرور في قوله: ﴿ إلينا مرجعكم ﴾ لإفادة الاختصاص، أي ترجعون إلينا لا إلى غيرنا تنزيلاً للمخاطبين منزلة من يظن أنه يرجع إلى غير الله لأن حالهم في التكذيب بآياته والإعراض عن عبادته إلى عبادة الأصنام كحال من يظن أنه يحشر إلى الأصنام وإن كان المشركون ينكرون البعث من أصله.

وتفريع ﴿ فننبئكم ﴾ على جملة: ﴿ إلينا مرجعكم ﴾ تفريع وعيد على تهديد.

واستعمل الإنباء كناية عن الجزاء لأن الإنباء يستلزم العلم بأعمالهم السيئة، والقادر إذا علم بسوء صنيع عبده لا يمنعه من عقابه مانع.

وفي ذكر ﴿ كنتم ﴾ والفعل المضارع دلالة على تكرر عملهم وتمكنه منهم.

والوعيد الذي جاءت به هذه الآية وإن كان في شأن أعظم البغي فكان لكل آت من البغي بنصيب حظاً من هذا الوعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَخاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ.

الثّانِي: عافِيَةٌ بَعْدَ سَقَمٍ.

الثّالِثُ: خِصْبًا بَعْدَ جَدْبٍ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: إسْلامًا بَعْدَ كُفْرٍ وهو المُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَكْرَ ها هُنا الكُفْرُ والجُحُودُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ المَكْرُ ها هُنا النِّفاقَ لِأنَّهُ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ.

﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ يَعْنِي أسْرَعَ جَزاءً عَلى المَكْرِ.

وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِالجَدْبِ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، أتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ دَعَوْتَ بِالجَدْبِ فَأجْدَبْنا فادْعُ اللَّهَ لَنا بِالخِصْبِ فَإنْ أجابَكَ وأخْصَبْنا صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ، فَدَعا لَهم واسْتَسْقى فَسُقُوا وأُخْصِبُوا، فَنَقَضُوا ما قالُوهُ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ»، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البيهقي في سننه عن ابن عمر.

أن تميماً الداري سأل عمر بن الخطاب عن ركوب البحر فأمره بتقصير الصلاة قال: يقول الله: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ قال: ذكر هذا ثم عد الحديث في حديث آخر عنه لغيرهم قال: ﴿ وجرين بهم ﴾ قال: فعزا الحديث عنهم فأوّل شيء كنتم في الفلك وجرين بهؤلاء لا يستطيع يقول: جرين بكم وهو يحدث قوماً آخرين، ثم ذكر هذا ليجمعهم وغيرهم ﴿ وجرين بهم ﴾ هؤلاء وغيرهم من الخلق.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ قال: أهلكوا.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: فر عكرمة بن أبي جهل يوم الفتح، فركب البحر فأخذته الريح، فنادى باللات والعزى.

فقال أصحاب السفينة: لا يجوز هاهنا أحد أن يدعو شيئاً إلا الله وحده مخلصاً.

فقال عكرمة: والله لئن كان في البحر وحده إنه لفي البر وحده.

فأسلم.

وأخرج ابن سعد عن ابن أبي مليكة قال: لما كان يوم الفتح ركب عكرمة بن أبي جهل البحر هارباً، فخب بهم البحر فجعلت الصراري أي الملاح يدعون الله ويوحدونه.

فقال: ما هذا؟

قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله، قال: فهذا إله محمد الذي يدعونا إليه فارجعوا بنا، فرجع فاسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن ضبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار، فسبق سعيد عماراً وكان أشب الرجلين فقتله، وأما مقيس بن ضبابه فأدركه الناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فاصابتهم عاصفة فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً.

فقال عكرمة: لئن لم ينجني في البحر إلا الاخلاص ما ينجني في البر غيره، اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه إن آتى محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوّاً كريماً.

قال: فجاء فأسلم، وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان رضي الله عنه، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بايع عبد الله.

قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى فبايعه بعد الثلاث.

ثم أقبل على أصحابه فقال: اما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله.

قالوا: وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟

قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والخطيب في تاريخه والديلمي في مسند الفردوس عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث هن رواجع على أهلها، المكر، والنكث، والبغي، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ ﴿ ولا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله ﴾ [ فاطر: 43] ﴿ ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾ [ الفتح: 10] » .

وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن نفيل الكناني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث «قد فرغ الله من القضاء فيهن لا يبغين أحدكم، فإن الله تعالى يقول ﴿ يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ ولا يمكرن أحد فإن الله تعالى يقول ﴿ ولا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله ﴾ [ فاطر: 43] ولا ينكث أحد فإن الله يقول ﴿ ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾ [ الفتح: 10] » .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تبغ ولا تكن باغياً، فإن الله يقول ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبغ ولا تكن باغياً فإن الله يقول ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤخر الله عقوبة البغي فإن الله قال: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ » .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنب أجدر من أن يعجل الله لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم» .

وأخرج أبو داود والبيهقي في الشعب عن عياض بن جابر.

أن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد.

وأخرج البيهقي في الشعب من طريق بلال بن أبي بردة عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبغي على الناس إلا ولد بغي أو فيه عرق منه» .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن رجاء بن حيوة.

أنه سمع قاصاً في مسجد مِنى يقول: ثلاث خلال هن على من عمل بهن البغي، والمكر، والنكث، قال الله: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ [ فاطر: 43] ﴿ ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ﴾ [ الفتح: 10] ثم قال: ثلاث خلال لا يعذبكم الله ما عملتم بهن: الشكر، والدعاء، والاستغفار، ثم قرأ ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ [ فاطر: 43] ﴿ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ [ الفتح: 10] و ﴿ ما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ﴾ [ الأنفال: 33] .

وأخرج أبو الشيخ عن مكحول قال: ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر والبغي والنكث.

قال الله: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو بغى جبل على جبل لدك الباغي منهما» .

وأخرج ابن مردويه من حديث ابن عمر رضي الله عنه.

مثله.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي جعفر محمد بن علي رضي الله عنه قال: «ما من عبادة أفضل من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء، وإن أسرع الخير ثواباً البر، واسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيباً أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحوّل عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ ، قال الزجاج: المعنى: فلما أنجاهم بغوا (١) (٢) ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ (٣) (٤) ﴿ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، أي: يعملون بالفساد والمعاصي بغير الحق، قال ابن عباس: يريد بالفساد (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ يريد: أهل مكة، ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي: بغي بعضكم على بعض متاع في الدنيا، وليس مما يقرب إلى الله، وإنما تأتونه لحبكم العاجلة.

قال أبو إسحاق: ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ تقرأ بالرفع وبالنصب (٨) ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ خبرًا لقوله: ﴿ بَغْيُكُمْ ﴾ ، ويجوز أن يكون خبر الابتداء ﴿ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ ويكون ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ رفعا على إضمار (هو) ومعنى الكلام: إن ما تنالونه بهذا الفساد والبغي إنما تتمتعون به في الحياة الدنيا ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ ، ومن نصب فعلى المصدر، المعنى: [تمتعون متاع الحياة] (٩) ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ ﴾ يدل على أنهم يتمتعون (١٠) وزاد أبو علي الفارسي بيانًا فقال: قوله: ﴿ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ يحتمل تاويلين؛ أحدهما: أن يكون متعلقًا بالمصدر؛ لأن فعله متعد بهذا الحرف يدل على ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا جعلت الجار من صلة المصدر كان الخبر ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ \[والمعنى: ما ذكرنا أن بغي بعضكم على بعض متاع\] (١١) (١٢) ويجوز أن تجعل (١٣) ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ﴾ (١٤) (١٥) ﴿ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ  ﴾ ، فإذا رفعت ﴿ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ على هذا التأويل كان خبر (١٦) (١٧) ﴿ متاعَ ﴾ جعل (على) من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر الذي هو البغي، ويكون خبر المبتدأ محذوفًا، وحسن حذفه لطول الكلام، وهذا المحذوف لو أظهرته لكان يكون: مذموم (١٨) (١٩) (٢٠) (١) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 14.

(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ى) و (ز) و (ص).

(٣) يعني آية سورة الروم السابقة.

(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٥) في (ى): (بالمعاصي والفساد ...

إلخ)، ولم أثبت الكلمة لعدم وجودها في المصدر ولا في سائر النسخ.

(٦) "تفسير الرازي" 17/ 71.

(٧) في "تهذيب اللغة" (بغى) 1/ 367: يقال: ابغني كذا وكذا: أي اطلبه لي، ومعنى ابغني وابغ لي سواء، فإذا قال: ابغني كذا وكذا فمعناه أعني على بُغائه واطلبه معي.

(٨) قرأ بنصب (متاع) حفص وحده، وقرأ الباقون بالرفع، انظر: "الغاية في القراءات العشر" ص170، "تقريب النشر" ص 122، وقد وافق حفصًا جمع من القراء غير العشرة، انظر: "زاد المسير" 4/ 20، "البحر المحيط" 5/ 140.

(٩) ما بين المعقوفين هكذا نصه في (ح) تمتعون به في الحياة، وهو خطأ سببه الجملة السابقة المشابهة لهذه الجملة في لفظها.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 14.

(١١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٢) ما بين العلامتين من كلام المؤلف، وهو بمعناه في "الحجة"، وفيها زيادة.

(١٣) في (م): (تحمل).

(١٤) ما بين العلامتين من كلام المصنف، وليس موجودًا في "الحجة".

(١٥) ساقط من (ى).

(١٦) في (ى): (خبره)، وهو خطأ يجعل الجملة لا معنى لها.

(١٧) ساقط من (ى).

(١٨) في (م): (مذمومًا أو مكروهًا أو منهيًا عنه)، وفي بقية النسخ و"الحجة" بالرفع، والتقدير: إنما بغيكم على أنفسكم مذموم أو مكروه.

(١٩) في (م): (فظهر)، وهو خطأ.

(٢٠) اهـ.

كلام أبي علي.

انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 266 - 268 بتصرف واختصار.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ الضمير المؤنث في جرين للفلك، والضمير في بهم للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات، وجواب إذا كنتم قوله: جاءتها ريح عاصف، وقوله: دعوا الله.

قال الزمخشري: هو بدل من ظنوا، ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه ﴿ مَّتَاعَ الحياوة الدنيا ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياوة الدنيا كَمَآءٍ أنزلناه مِنَ السمآء ﴾ معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ الناس ﴾ كالزرع والفواكه ﴿ والأنعام ﴾ يعني: المرعى التي ترعاها من العشب وغيره ﴿ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا ﴾ تمثل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب ﴿ قادرون عَلَيْهَآ ﴾ أي متمكنون من الانتفاع بها ﴿ أَتَاهَآ أَمْرُنَا ﴾ أي بعض الجوائح كالريح، والصر، وغير ذلك ﴿ فجعلناها حَصِيداً ﴾ أي جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ ﴾ كأن لم تنعم.

أي لم توجد.

انظر الطبري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.

الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.

الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.

والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.

﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.

﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.

﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.

﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه  سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.

وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.

وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.

قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.

و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون  ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال  ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة  ﴾ .

واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر  ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.

ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض  ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله  وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.

والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله  ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر  ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.

وثالثها فرحهم بها.

والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.

وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.

وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.

وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.

قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد  ﴾ دليل الرضا والتقريب.

قلت: هذا وجه حسن.

أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق  : ما الدليل على إثبات الصانع؟

فقال: أخبرني عن حرفتك.

فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.

قال جعفر الصادق  : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟

فقال: نعم.

قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله  ببني قريظة.

قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال  : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .

وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.

قال  : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.

ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.

﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.

﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.

وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.

﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.

﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.

﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.

يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.

والأمس مثل في الوقت القريب.

هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.

قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.

وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.

وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.

ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي  أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد  " وعنه  : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.

فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه  لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله  لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.

وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله  وإرادته.

وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.

وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.

وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.

وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله  لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.

وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله  بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.

أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.

لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.

والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.

وعن علي  : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.

وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.

وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.

هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.

ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.

ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي  : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.

والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.

ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.

واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة  ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .

ثم إنه وصفهم بالشرك.

وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.

ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.

وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.

قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.

وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.

و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".

﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.

﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.

قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.

وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.

وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.

ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.

وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.

وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.

وكيف تنطق هذه الأصنام؟

وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.

ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟

الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.

وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟

قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.

وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.

أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.

ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.

وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.

وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.

وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.

و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.

﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.

ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.

ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.

﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.

والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.

التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.

﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.

﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.

﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ : قال أهل التأويل: ﴿ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: أهل مكة إذا أصابهم سعة وفرح ونجاة مما يخافون عادوا إلى ما كانوا من التكذيب وعبادة الأصنام، ولكن أهل مكة وغيرهم أنهم إذا أيسوا عما يعبدون من الأصنام والأوثان، فزعوا إلى الله ويخلصون له الدين؛ كقوله: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ الآية [العنكبوت: 65]، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً...

﴾ الآية [يونس: 12]، وقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ...

﴾ الآية [الروم: 33]، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها، كانت عادتهم الفزع إلى الله عند إصابتهم الشدائد والبلايا؛ لعلمهم أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لا يدفعون عنهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ : المكر في الآيات تكذيبها وردها، فيشبه أن تكون الآية هاهنا محمدا، كان هو من أول أمره إلى آخره آية، فمكروا به لما هموا بقتله غير مرة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30]، ويحتمل سائر الآيات والحجج مكروا فيها، أي: كذبوها وردوها.

﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾ : المكر الأخذ من غير أن يعلم هو به، يقول: الله أسرع أخذاً يأخذكم وأنتم لا تعلمون به، ولا تقدرون أن تأخذوا رسول الله وتمكروا به إلا وهو يعلم بذلك، فهو أسرع أخذا منكم.

﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ : فهم الحفظة.

ويحتمل قوله: ﴿ قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾ أي: أسرع لجزاء المكر منكم، أو أسرع أخذاً من حيث لا تعلمون أنتم.

وقال بعض أهل اللغة: المكر بالآيات هو الرد والجحود لها.

وقال بعضهم: استهزاء بها؛ فهو واحد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ﴾ أي: هو الذي سخر لكم ما به تسيرون في البر والبحر، وهو الدواب والسفن التي يقطع بها البراري والبحار، وهو كقوله: ﴿ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ  ﴾ .

وقيل: قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ أي: سخر لكم البر والبحر وهما مكانا الخوف والهلاك، أي: حفظكم فيهما حتى قضيتم فيهما حوائجكم، وليس في وسع الخلق حفظ البراري والبحار عما فيهما من الأهوال، فتولى الله بفضله حفظ السائرين فيهما، حتى قضوا فيهما حوائجهم؛ وهو كقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر من أنواع المنافع، فلولا أن الله سخر لهم ذلك وحفظهم فيه، وإلا لم يكن في وسعهم القيام بذلك وحفظ أنفسهم فيه من الأهوال التي فيه، يذكرهم نعمه ومننه التي أنعمها عليهم ليوجهوا شكر نعمه إليه.

ثم قوله: ﴿ يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ يحتمل يخلق وينشئ سيركم في البر والبحر؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ...

﴾ الآية [سبأ: 18]، والتقدير هو التخليق والمقدر المخلوق، ففيه دلالة خلق أفعال الخلق؛ لأن السير هو فعل الخلق أضافه إلى نفسه؛ دل أنه منشئ فعلهم، والله أعلم.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ﴾ لم [يرد] به البر والبحر نفسه، ولكنه أراد تذكير نعمه عليهم في كل حال وكل وقت ليشكروا له في كل حال؛ وهو كقوله: ﴿ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ لم يرد به البر والبحر أنفسهما، ولكن أراد المكان الذي فيه المياه والمكان الذي لا مياه فيه، أي: ظهر الفساد في الأماكن كلها؛ فعلى ذلك الأول يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم في الأماكن كلها والأحوال جميعاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: ركبتم الفلك، ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ أي: تجري بهم السفن بريح طيبة.

يخبر أن السفن ليست تجري في البحار بجريان الماء؛ لأن ماءها [راكد] في الظاهر، ولكن الريح هي التي تجريها وتسيرها؛ وكذلك الأمواج التي تكون فيها ليست لشدة جريان الماء، ولكن الريح هي التي تهيج [الأمواج وتزعجها لا بنفس الماء ﴿ وَفَرِحُواْ بِهَا ﴾ قيل: فرحوا بها: سروا بها.

ويحتمل فرحوا بها، أي: بطروا بها وأشروا.

وقوله: ﴿ جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ ]، أخبر أن من الريح ما هي طيبة تجرى بها السفن، ومنها ما هي عاصفة قاصفة تكسر وتفرق السفن وتهلك أهلها؛ ليعلم أن الأشياء تصلح تارة وتفسد تارة لا لأنفسها، ولكن لحفظ الحدود فيها، وكذلك النار تحرق مرة وتفسد ومرة تصلح وذلك لحفظ الحدود فيها، وكذلك الماء مرة يصلح ومرة يفسد، وذلك إذا حفظ فيه الحد أصلح، وإن لم يحفظ أفسده، وإلا لا يحتمل الشيء الواحد لنفسه يصلح مرة ويفسد تارة، ولكن لحفظ الحدود فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ قيل: أيقنوا أنهم مهلكون، ولكن الإيقان بالشيء الذي يصيب به في حادث الأوقات إنما يكون بالخبر لأنه لا يدري لعل الله يصرف ذلك عنهم، فلا يقع به الإيقان، ولكن جعل غالب الظن فيه في كثير من الأشياء كالإيقان به ألا ترى أن الله أباح الميتة في حال الضرورة لغالب الظن؛ إذ قد يجوز ألا يهلك بذلك، وكذلك ما أبيح للمكره بالقتل أن يجري كلمة الكفر على لسانه لغالب الظن، وإلا ليس يعلم بالإحاطة أنه يقتله لا محالة، لكن جعل لغالب الظن في بعض المواضع حكم اليقين والإحاطة فعلى ذلك قولهم أيقنوا أنهم أحيط بهم لغالب الظن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ : أنهم لما أيسوا عن الأصنام التي عبدوها في دفع ما حل بهم عنهم، فزعوا إلى الله، وأخلصوا الدعاء له، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، ثم أخبر عن سفههم بعودهم إلى ما كانوا من قبل، ﴿ فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ ، وهكذا كانت عادتهم كانوا يفزعون إلى الله عند خوف الهلاك والإياس عن آلهتهم التي عبدوها، ويخلصون الدعاء له، فإذا كشف ذلك الكرب عنهم ودفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل.

والبغي في الأرض هو الفساد فيها.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ يحتمل قوله: ﴿ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: بعضكم على بعض.

ويحتمل: ﴿ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: حاصل بغيكم يرجع على أنفسكم.

والبغي هو الظلم؛ فإن كان التأويل: من أنفسكم بعضكم على بعض؛ فيكون الوعيد في قوله: ﴿ ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ما قد ذكرنا، وهو حرف وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما استجاب دعاءهم، وأنقذهم من تلك المحنة، إذا هم يفسدون في الأرض بارتكاب الكفر والمعاصي والآثام.

أفيقوا -أيها الناس- إنما عاقبة بَغْيكم السيئة على أنفسكم، فالله لا يضره بَغْيُكُم، تتمتعون به في الحياة الدنيا وهي فانية، ثم إلينا رجوعكم يوم القيامة، فنخبركم بما كنتم تعملون من المعاصي، ونجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.VA2vw"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
لا إله إلا الله