الآية ٥٩ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٩ من سورة يونس

قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍۢ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًۭا وَحَلَـٰلًۭا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 67 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ال ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحرمون ويحلون من البحائر والسوائب والوصايا ، كقوله تعالى : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ) [ الأنعام : 136 ] الآيات .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعت أبا الأحوص - وهو عوف بن [ مالك بن ] نضلة - يحدث عن أبيه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة ، فقال : " هل لك مال ؟

" قال : قلت : نعم .

قال : " من أي المال ؟

" قال : قلت : من كل المال ، من الإبل والرقيق والخيل والغنم .

فقال إذا آتاك مالا فلير عليك " .

وقال : " هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها ، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها ، فتقول : هذه بحر وتشقها ، أو تشق جلودها وتقول : هذه صرم ، وتحرمها عليك وعلى أهلك ؟

" قال : نعم .

قال : " فإن ما آتاك الله لك حل ، وساعد الله أشد من ساعدك ، وموسى الله أحد من موساك " وذكر تمام الحديث .

ثم رواه عن سفيان بن عيينة ، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو ، عن عمه أبي الأحوص وعن بهز بن أسد ، عن حماد بن سلمة ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي الأحوص ، به وهذا حديث جيد قوي الإسناد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد لهؤلاء المشركين: (أرأيتم) أيها الناس ، (ما أنـزل الله لكم من رزق)، يقول: ما خلق الله لكم من الرزق فخَوَّلكموه، وذلك ما تتغذون به من الأطعمة ، (فجعلتم منه حرامًا وحلالا) ، يقول: فحللتم بعضَ ذلك لأنفسكم، وحرمتم بعضه عليها، وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرِّمونه من حُروثهم التي كانوا يجعلونها لأوثانهم، كما وصفهم الله به فقال: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [سورة الأنعام: 136].

ومن الأنعام ما كانوا يحرّمونه بالتبحير والتسيبب ونحو ذلك، مما قدّمناه فيما مضى من كتابنا هذا.

(12) يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد (آلله أذن لكم) بأن تحرِّموا ما حرَّمتم منه (أم على الله تفترون) ، : أي تقولون الباطل وتكذبون؟

(13) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 17689- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها، وهو قول الله: (قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالا) وهو هذا.

فأنـزل الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ الآية [سورة الأعراف: 32].

17690- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبى قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق فجعلتم) إلى قوله: (أم على الله تفترون)، قال: هم أهل الشرك.

17691- حدثني القاسم، قال، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: (فجعلتم منه حرامًا وحلالا) ، قال: الحرث والأنعام ، قال ابن جريج قال ، مجاهد: البحائر والسُّيَّب .

17692- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فجعلتم منه حرامًا وحلالا) قال: في البحيرة والسائبة.

17693- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالا)، الآية، يقول: كل رزق لم أحرِّم حرَّمتموه على أنفسكم من نسائكم وأموالكم وأولادكم ، آلله أذن لكم فيما حرمتم من ذلك ، أم على الله تفترون؟

17694- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالا)، فقرأ حتى بلغ: (أم على الله تفترون)، وقرأ : وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا [سورة الأنعام: 139]، وقرأ: وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حتى بلغ: لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا [سورة الأنعام: 138] فقال: هذا قوله: جعل لهم رزقًا، فجعلوا منه حرامًا وحلالا وحرموا بعضه وأحلوا بعضه.

وقرأ: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنْثَيَيْنِ ، أيّ هذين حرم على هؤلاء الذين يقولون وأحل لهؤلاء، نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا ، إلى آخر الآيات، [سورة الأنعام: 144].

17695- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: (قل أرأيتم ما أنـزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حرامًا وحلالا) ، هو الذي قال الله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا إلى قوله: سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ، [سورة الأنعام: 136].

------------------------- الهوامش : (12) انظر ما سلف 11 : 116 - 134 .

(13) انظر تفسير " الافتراء " فيما سلف من فهارس اللغة ( فرى ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترونقوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى قل أرأيتم يخاطب كفار مكة .

ما أنزل الله لكم من رزق ما في موضع نصب ب أرأيتم .

وقال الزجاج : في موضع نصب ب أنزل .

وأنزل بمعنى خلق ; كما قال : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج .

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد .

فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال ; لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر .فجعلتم منه حراما وحلالا قال مجاهد : هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام .

وقال الضحاك : هو قول الله تعالى : وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا .قل آلله أذن لكم أي في التحليل والتحريم أم على الله أم بمعنى بل تفترون هو قولهم إن الله أمرنا بها .الثانية : استدل بهذه الآية من نفى القياس ، وهذا بعيد ; فإن القياس دليل الله تعالى ، [ ص: 265 ] فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم ، فإن خالف في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى ـ منكرًا على المشركين، الذين ابتدعوا تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرمه ـ ‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ‏}‏ يعني أنواع الحيوانات المحللة، التي جعلها الله رزقا لهم ورحمة في حقهم‏.‏ ‏{‏فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا‏}‏ قل لهم ـ موبخا على هذا القول الفاسد ـ ‏:‏ ‏{‏آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏}‏ ومن المعلوم أن الله لم يأذن لهم، فعلم أنهم مفترون‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قل ) يا محمد لكفار مكة ، ( أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ) عبر عن الخلق بالإنزال ، لأن ما في الأرض من خير ، فمما أنزل الله من رزق ، من زرع وضرع ، ( فجعلتم منه حراما وحلالا ) هو ما حرموا من الحرث ومن الأنعام كالبحيرة ، والسائبة ، والوصيلة والحام .

قال الضحاك : هو قوله تعالى : " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ( الأنعام - 136 ) .

( قل آلله أذن لكم ) في هذا التحريم والتحليل ، ( أم ) بل ، ( على الله تفترون ) وهو قولهم : " والله أمرنا بها " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل أرأيتم» أخبروني «ما أنزل الله» خلق «لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا» كالبحيرة والسائبة والميتة «قل آلله أذن لكم» في ذلك بالتحليل والتحريم لا «أم» بل «على الله تفترون» تكذبون بنسبة ذلك إليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجاحدين للوحي: أخبروني عن هذا الرزق الذي خلقه الله لكم من الحيوان والنبات والخيرات فحلَّلتم بعض ذلك لأنفسكم وحرَّمتم بعضه، قل لهم: آلله أذن لكم بذلك، أم تقولون على الله الباطل وتكذبون؟

وإنهم ليقولون على الله الباطل ويكذبون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أيضا على أولئك الذين أحلوا وحرموا على حسب أهوائهم دون أن يأذن الله لهم بذلك فقال : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ) أي : قل لهم يا محمد - أيضا - أخبروني أيها المبدلون لشرع اله على حسب أهوائكم : إن الله - تعالى - قد أفاض عليكم ألوانا من الرزق الحلال فجئتم أنتم ، وقسمتم هذا الرزق الحلال ، فجعلتم منه حلالا وجعلتم منه حراما .وقد حكى الله - تعالى - فعلهم هذا فى آيات متعددة ، منها قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا )قال الإِمام ابن كثير : " قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم ، نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصائل كقوله - تعالى - : ( وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً .

.

.

) الآيات .وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شبعة عن أبي إسحاق ، سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال : أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا رث الهيئة فقال : هل لك مال؟

قلت : نعم .

قال : من أي المال؟

قال : قلت : من كل المال .

.

من الإِبل والرقيق والخيل والغنم .

فقال : إذا آتاك الله مالا فلير عليك ثم قال : هل تنتج إبلك صحاحا آذانها ، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول : هذه بحر .

وتشق جلودها وتقول؛ هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك .

قال : نعم .

قال : فإن ما آتاك الله لك حل .

ساعد الله أشد من ساعدك .

وموسى الله أحد من موساك " .وقوله : ( قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ) استفهام قصد به التوبيخ والزجر أي : قل لهم يا محمد على سبيل التوبيخ والزجر : إن الله وحده هو الذي يملك التحليل والتحريم ، فهل هو - سبحانه - أذن لكم في ذلك ، أو إنما أنتم الذين حللتم وحرمتم على حسب أهوائكم .

لأنه لو أذن لكم في ذلك لبينه على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - .قال صاحب الكشاف : " وقوله : ( ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ) متعلق بأرأيتم ، وقل .

تكرير للتوكيد .

والمعنى أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم ، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه ، أم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه .

ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار وأم منقطعة ، بمعنى : بل أتفترون على الله ، تقريرا للافتراء .ثم قال : وكفى بهذه الآية زاجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل عنه من الأحكام ، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه ، وأن لا يقول أحد فى شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان ، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوهاً، ولا أستحسن واحداً منها.

والذي يخطر بالبال والعلم عند الله تعالى وجهان: الأول: أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة.

وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم: إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على الله تعالى، أو تعلمون أنه حكم حكم الله به والأول طريق باطل بالاتفاق، فلم يبق إلا الثاني، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة، ولما بطل هذا، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله الله إليكم ونبي بعثه الله إليكم، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول.

الطريق الثاني: في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب.

المسألة الثانية: المراد بالشيء الذي جعلوه حراماً ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضاً قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا  ﴾ وأيضاً قوله تعالى: ﴿ ثمانية أزواج مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين  ﴾ والدليل عليه أن قوله: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا ﴾ إشارة إلى أمر تقدم منهم، ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا، فوجب توجه هذا الكلام إليه، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ قُلِ الله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ وهذه القسمة صحيحة، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى، فهو المراد بقوله: ﴿ الله أَذِنَ لَكُمْ ﴾ وإن كانت ليست من الله.

فهو المراد بقوله: ﴿ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ وهذا وإن كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله.

وقرأ عيسى بن عمر ﴿ وَمَا ظَنُّ ﴾ على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي.

ثم قال: ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ فلا يستعملون العقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله.

المسألة الثالثة: (ما) في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام، فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج، ومعنى أنزل هاهنا خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج  ﴾ وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال، لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع وزرع وغيرهما، فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أخبروني.

و ﴿ مَّاَ أَنزَلَ الله ﴾ (ما) في موضع النصب، بأنزل، أو بأرأيتم، في معنى: أخبرونيه ﴿ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً ﴾ أي أنزله الله رزقاً حلالاً كله فبعضتموه وقلتم: هذا حلال وهذا حرام، كقولهم: ﴿ هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ ، ﴿ مَا فِي بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا ﴾ ﴿ الله أَذِنَ لَكُمْ ﴾ متعلق بأرأيتم.

وقل: تكرير للتوكيد.

والمعنى: أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه، أم تتكذبون على الله في نسبة ذلك إليه.

ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار، وأم منقطعة بمعنى: بل أتفترون على الله، تقريراً للافتراء.

وكفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسئل عنه من الأحكام.

وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلاّ بعد إيقان وإتقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلاّ فهو مفتر على الله ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ منصوب بالظن، وهو ظنّ واقع فيه، يعني: أي شيء ظنّ المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره.

وقرأ عيسى ابن عمر: ﴿ وما ظنّ ﴾ على لفظ الفعل.

ومعناه: وأي ظنّ ظنّوا يوم القيامة.

وجيء به على لفظ الماضي لأنه كائن فكأن قد كان ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ﴾ حيث أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بالوحي وتعليم الحلال والحرام ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ هذه النعمة ولا يتبعون ما هدوا إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ ﴾ جُعِلَ الرِّزْقُ مُنَزَّلًا لِأنَّهُ مُقَدَّرٌ في السَّماءِ مُحَصَّلٌ بِأسْبابٍ مِنها، وما في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ ﴿ أنْزَلَ ﴾ أوْ بِـ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ فَإنَّهُ بِمَعْنى أخْبِرُونِي، ولَكم دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ ما حَلَّ ولِذَلِكَ وبَّخَ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا ﴾ مِثْلَ: ﴿ هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ ﴾ \[وَعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى\] ﴿ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا ﴾ ﴿ قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ ﴾ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ فَتَقُولُونَ ذَلِكَ بِحُكْمِهِ.

﴿ أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ في نِسْبَةِ ذَلِكَ إلَيْهِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُنْفَصِلَةُ مُتَّصِلَةً بِـ ﴿ أرَأيْتُمْ ﴾ وقُلْ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ وأنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، و ﴿ أمْ ﴾ مُنْقَطِعَةٌ ومَعْنى الهَمْزَةِ فِيها تَقْرِيرٌ لِافْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ.

﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ أيُّ شَيْءٍ ظَنُّهم.

﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيَحْسَبُونَ أنْ لا يُجازَوْا عَلَيْهِ، وهو مَنصُوبٌ بِالظَّنِّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ بِلَفْظِ الماضِي لِأنَّهُ كائِنٌ، وفي إبْهامِ الوَعِيدِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ﴿ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ﴾ حَيْثُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ وهَداهم بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ النِّعْمَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قل أرأيتم} أخبروني {مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ} ما منصوب

بانزل أو بأرأيتم اي أخبر ونبه {فجعلتم منه حراما وحلالا} فبغضتموه وقلتم هذا حلال وهذا حرام كقوله مافى بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ازواجنا نعم الأرزاق تخرج من الأرض ولكن لما نيطت أسبابها بالسماء نحو انظر الذي به تنبت الأرض النبات والشمس التي بها النضج وينع الثمار أضيف إنزالها إلى السماء {قل آلله أذن لكم} متعلق بأرأيتم وقل تكرير للتوكيد والمعنى أخبروني الله أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه {أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ} أم أنتم تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه أو الهمزة للانكار وأم منقطعة بمعنى بل أتفترون على الله تقرير للإفتراء والآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيه وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان

يونس (٦٠ _ ٦٤)

وإتقان وإلا فهو مفتر على الديان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ ﴾ أيْ ما قَدَّرَ لِانْتِفاعِكم مِن ذَلِكَ وإلّا فالرِّزْقُ لَيْسَ كُلُّهُ مُنْزَلًا واسْتِعْمالُ أنَزَلَ في ما ذُكِرَ مَجازٌ مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ وجُوِّزَ الإسْنادُ مَجازِيًّا بِأنْ أسَنَدَ الإنْزالَ إلى الرِّزْقِ لِأنَّ سَبَبُهُ كالمَطَرِ مُنْزَلٌ وقِيلَ: إنَّ هُناكَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً تَخَيُّلِيَّةٌ وهو بَعِيدٌ وجُعِلَ الرِّزْقُ مَجازًا عَنْ سَبَبِهِ أوْ تَقْدِيرِ لَفْظِ سَبَبٍ مِمّا لا يَنْبَغِي و(ما) إمّا مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ أوَّلُ - لِأرَأيْتُمْ - والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ أنْزَلَهُ والمَفْعُولُ الثّانِي ما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ﴿ أنْزَلَ ﴾ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِصَدارَتِهِ وهو مُعَلِّقٌ لِما قَبْلَهُ إنْ قُلْنا بِالتَّعْلِيقِ فِيهِ أيْ أيَّ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِن رِزْقٍ ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا ﴾ أيْ فَبَعَضْتُمُوهُ وقَسَّمْتُمُوهُ إلى حَرامٍ وحَلالٍ وقُلْتُمْ هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثُ حَجْرٍ وما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا إلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿ قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ ﴾ في جَعْلِ البَعْضِ مِنهُ حَرامًا والبَعْضِ الآخَرِ حَلالًا ﴿أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ 59﴾ (أمْ) والهَمْزَةُ مُتَعادِلَتانِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي - لِأرَأيْتُمْ - و(قُلْ) مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ فَلا يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ والعائِدُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ مُقَدَّرٌ والمَعْنى أرَأيْتُمُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَكم مِن رِزْقٍ فَفَعَلْتُمْ فِيهِ ما فَعَلْتُمْ أيُّ الأمْرَيْنِ كائِنٌ فِيهِ الإذْنُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِجَعْلِهِ قِسْمَيْنِ أمِ الِافْتِراءُ مِنكم وكانَ أصْلُ ﴿ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ ﴾ إلَخْ آللَّهُ أذِنَ أمْ غَيْرُهُ فَعُدِّلَ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيِّ دَلالَةً عَلى أنَّ الثّابِتَ هو الشِّقُّ الثّانِي وهم نَسَبُوا ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَهم مُفْتَرُونَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ لا عَلى غَيْرِهِ وفِيهِ زَجْرٌ عَظِيمٌ كَما لا يَخْفى ولَعَلَّ هَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلِاسْتِخْبارِ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ حَقِيقَتَهُ لِيُنافِيَ تَحَقُّقَ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الإذْنِ وثُبُوتِ الِافْتِراءِ بَلْ قُصِدَ بِهِ التَّقْرِيرُ والوَعِيدُ وإلْزامُ الحُجَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الإذْنِ وتَكُونُ (أمْ) مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلِ الإضْرابِيَّةِ والمَقْصُودُ الإضْرابُ عَنْ ذَلِكَ لِتَقْرِيرِ افْتِرائِهِمْ والجُمْلَةُ عَلى هَذا مَعْمُولَةٌ لِلْقَوْلِ ولَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِأرَأيْتُمْ وهو قَدِ اكْتَفى بِالجُمْلَةِ الأُولى كَما أشَرْنا إلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مِن جَوَّزَ كَوْنَ (أمْ) مُتَّصِلَةً وكَوْنَها مُنْفَصِلَةً عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الجُمْلَةِ بِفِعْلِ القَوْلِ وأوْجَبَ الِاتِّصالَ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِها بِأرَأيْتُمْ وجَعْلِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مُبْتَدَأً مُخْبِرًا عَنْهُ بِالجُمْلَةِ لِلتَّخْصِيصِ عِنْدَ بَعْضٍ ولِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ عِنْدَ آخَرَ والإظْهارُ بَعْدُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُبْحِ افْتِرائِهِمْ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ مُطْلَقًا في رَأْيٍ ولِمُراعاةِ الفَواصِلِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ولِلْقَصْرِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في آخَرَ واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ ولا دَلِيلَ لَهم فِيها عَلى ما ذَكَرْناهُ لِأنَّ المُقَدَّرَ لِلِانْتِفاعِ هو الحَلالُ فَيَكُونُ المَذْكُورُ هُنا قِسْمًا مِنَ الرِّزْقِ وهو شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والكَفَرَةُ إنَّما أخْطَأُوا في جَعْلِ بَعْضِ الحَلالِ حَرامًا ومَن جَعَلَ أهْلَ السُّنَّةِ نَظِيرًا لَهم في جَعْلِهِمُ الرِّزْقَ مُطْلَقًا مُنْقَسِمًا إلى قِسْمَيْنِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ في الكتاب، ويقال: من السَّماء، ويقال: ما أعطاكم الله من الرِّزق والحرث والأنعام والبحيرة والسّائبة.

وبيّن في كتاب الله تحليلها.

فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا يعني: حراماً على النساء، وحلالاً على الرجال قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ يعني: الله عزّ وجل أمركم بتحريمه وبتحليله؟

أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ يعني: تختلقون على الله كذباً ما لم يقله، ولم يأمر به.

ويقال: قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ؟

أي أمركم بتحريمه فقالوا: بلى، أمرنا بها، فقال الله تعالى: أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ، يعني: على الله تختلقون.

ثم قال تعالى: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يعني: وما ظنُّهم حين ينزل بهم العذاب يَوْمَ الْقِيامَةِ؟

وكيف ينجون منه؟

إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني: لذو مَنَ على النَّاس، بتأخير العذاب عنهم، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ نعمة الله تعالى عليهم، بتأخير العذاب عنهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولا وجْه عندي لشيْءٍ من هذا التخْصيصِ إِلاَّ أن يستند شيءٌ منْه إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما الذي يقتضيه اللفظُ، ويلزم منْه أنَّ الفضْلَ: هو هدايةُ اللَّه تعالى إِلَى دِينِهِ، والتوفيقُ إِلى اتباع شرعه، والرحمةُ هي عفوه وسُكْنَى جنَّته التي جَعَلَها جزاءً على التشرُّع بالإِسلام والإِيمان به، ومعنى/ الآية: قل، يا محمَّد، لجميع النَّاس: بفضلِ اللَّه ورحمته فَلْيَقَعِ الفَرِحُ منكم، لا بأمور الدنيا وما يُجْمَعُ من حُطَامها، فإِن قيل: كيف أمر اللَّه بالفَرَحِ في هذه الآية، وقد وَرَدَ ذمُّه في قوله: لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ١٠] وفي قوله: لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] .

قيل: إِن الفرح إِذا ورد مقيَّداً في خيرٍ، فليس بمذمومٍ، وكذلك هو في هذه الآية، وإِذا ورد مقيَّداً في شرٍّ، أو مطلقاً لَحِقَهُ ذمٌّ، إِذ ليس من أفعال الآخرة، بل ينبغي أنْ يغلب على الإِنسان حُزْنُهُ على دينه، وخوفُه لربِّه.

وقوله: مِمَّا يَجْمَعُونَ: يريد: مالَ الدنيا وحُطَامَها الفانِيَ المردي في الآخرة.

وقوله سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ...

الآية.

قال ص: أَرَأَيْتُمْ: مضمَّن معنى: أَخْبِروني، و «ما» موصولة.

قال ع «٢» : هذه المخاطبة لكفَّار العرب الذين جعلوا البحائِرَ والسَّوائب وغَيْرَ ذلك، وقوله: أَنْزَلَ: لفظةً فيها تجوّز.

وقوله: وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ آية وعيدٍ- لمَّا تحقَّقَ عليهم بتقسيمِ الآية التي قبلها أنهم مفترون على اللَّه- عَظَّمَ في هذه الآية جُرْمَ الافتراء، أي: ظَنُّهم في غايَةِ الرداءة بحسب سُوء أفعالهم، ثم ثَنَّى بذكْرِ الفَضْل على النَّاس في الإِمهال لهم مع الافتراء والعصيان إِذ الإِمهال لهم داعيَةٌ إِلى التوبةِ والإِنابةِ، ثم الآية تعمّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، كانُوا يُحَرِّمُونَ ما شاؤُوا، ويُحِلُّونَ ما شاؤُوا.

و ﴿ أنْزَلَ ﴾ بِمَعْنى خَلَقَ.

وقَدْ شَرَحْنا بَعْضَ مَذاهِبِهِمْ فِيما كانُوا يَفْعَلُونَ مِنَ البَحَيْرَةِ والسّائِبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ في (المائِدَةِ:١٠٣) و(الأنْعامِ:١٣٩) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكُمْ ﴾ أيْ: في هَذا التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللهُ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهِ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُفّارِ العَرَبِ الَّذِينَ جَعَلُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ والنَصِيبَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ، وإنَّما اخْتَلَقُوهُ بِأمْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْزَلَ ﴾ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ أو نُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللهِ في ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُمُ افْتَرَوْهُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ  ﴾ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، لَمّا تَحَقَّقَ عَلَيْهِمْ بِتَقْسِيمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم مُفْتَرُونَ عَلى اللهِ، عَظَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ جُرْمَ الِافْتِراءِ، أيْ: ظَنُّهم في غايَةِ الرَداءَةِ بِحَسَبِ سُوءِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ ثَنّى بِإيجابِ الفَضْلِ عَلى الناسِ في الإمْهالِ لَهم مَعَ الِافْتِراءِ والعِصْيانِ: والإمْهالُ داعِيَةٌ إلى التَوْبَةِ والإنابَةِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذِكْرَ مَن لا يَرى حَقَّ الإمْهالِ ولا يَشْكُرُهُ ولا يُبادِرُ فِيهِ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، والآيَةُ بَعْدَ هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ فَضْلِ اللهِ وجَمِيعَ تَقْصِيرِ الخَلْقِ في شُكْرِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمشركين.

وافتتاحه ب ﴿ قل ﴾ لقصد توجه الأسماع إليه.

ومناسبة وقوعه عقب ما تقدم أن الكلام المتقدم حكى تكذيبهم بالقرآن وادعاءهم أنه مفترى وأنه ليس بحق، ثم إبطال أن يكون القرآن مفترى على الله لأنه اشتمل على تفصيل الشريعة وتصديق الكتب السالفة، ولأنه أعجز مكذبيه عن معارضته.

فلما استوفى ذلك بأوضح حجة، وبانت لِقاصد الاهتداء المَحجة، لا جرم دالت النوبة إلى إظهار خطل عقولهم واختلال تكذيبهم، فإنه بعد أن كان تكذيباً بما لم يحيطوا بعلمه فقد ارتبكوا في دينهم بما يلزمهم منه مماثلة الحالة التي أنكروها، فإنهم قد وضعوا ديناً فجعلوا بعض أرزاقهم حلالاً لهم وبعضها حراماً عليهم فإن كان ذلك حقاً بزعمهم فمن الذي أبلغهم تلك الشرائع عن الله ولماذا تقبلوها عمن شرعها لهم ولم يكذبوه وهم لا يستطيعون أن يلتزموا ذلك، وإن كان ذلك من تلقاء أنفسهم فقد افتَروا على الله فلزمهم ما ألصقوه بالنبي صلى الله عليه وسلم فعلق بهم وبرأ الله منه رسوله، فهذا الاستدلال من الطريق المسمى بالقلب في علم الجدل..

ثم إن اختيار الاستدلال عليهم بشيء من تشريعهم في خصوص أرزاقهم يزيد هذا الاستدلال مناسبة بآخر الكلام الذي قبله ليظهر ما فيه من حسن التخلص إليه وذلك أن آخر الكلام المتقدم جملة ﴿ هو خير مما يجمعون ﴾ [يونس: 58]، أي من أموالهم.

وتلك الأموال هي التي رزقهم الله إياها فجعلوا منها حلالاً ومنها حراماً وكَفروا نعمة الله إذ حرموا على أنفسهم من طيبات ما أعطاهم ربهم، وحسبهم بذلك شناعة بهم ملصقة، وأبواباً من الخير في وجوههم مغلقة.

والاستفهام في ﴿ أرأيتم ﴾ و ﴿ ءَالله أذن لكم أم على الله تفترون ﴾ تقريري باعتبار إلزامهم بأحد الأمرين: إما أن يكون الله أذن لهم، أو أن يكونوا مفترين على الله، وقد شيب التقرير في ذلك بالإنكار على الوجهين.

والرؤية علمية، و ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ هو المفعول الأول ل (رأيتم)، وجملة ﴿ فجعلتم منه ﴾ الخ معطوفة على صلة الموصول بفاء التفريع، أي الذي أنزل الله لكم فجعلتم منه.

والاستفهام في ﴿ آلله أذن لكم أم على الله تفترون ﴾ مفعول ثان ل (رأيتم)، ورابط الجملة بالمفعول محذوف، تقديره: أذنكم بذلك، دل عليه قوله: ﴿ فجعلتم منه حراماً وحلالاً ﴾ .

و ﴿ قل ﴾ الثاني تأكيد ل ﴿ قل ﴾ الأول معترض بين جملة الاستفهام الأولى وجملة الاستفهام الثانية لزيادة إشراف الأسماع عليه.

وهي معادلة بهمزة الاستفهام لأنها بين الجملتين المعمولتين لفعل ﴿ أرأيتم ﴾ .

وفعل الرؤية معلق عن العمل في المفعول الثاني؛ لأن الأصح جواز التعليق عن المفعول الثاني.

وزعم الرضي أن الرؤية بصرية.

وقد بسطت القول في ذلك عند قوله: ﴿ أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه ﴾ الآية في سورة [الواقعة: 58، 59].

و ﴿ أم ﴾ متصلة وهي معادلة لهمزة الاستفهام لأن الاستفهام عن أحد الأمرين.

والرزق: ما ينتفع به.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ في سورة [البقرة: 3] وفي قوله: ﴿ أو مما رزقكم الله ﴾ في [الأعراف: 50].

وعبر عن إعطاء الرزق بالإنزال؛ لأن معظم أموالهم كانت الثمار والأعناب والحبوب، وكلها من آثار المطر الذي هو نازل من السحاب بتكوين الله، فأسند إنزاله إلى الله بهذا الاعتبار، ومعظم أموالهم الأنعام، وحياتها من العشب والكلأ وهي من أثر المطر، قال تعالى: ﴿ فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فأنبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم ﴾ [عبس: 24، 32].

وقال: ﴿ وفي السماء رزقكم ﴾ [الذاريات: 22] أي سبب رزقكم وهو المطر.

وقد عُرف العرب بأنهم بنو ماء السماء.

وهو على المجاز في كلمة (بني) لأن الابن يطلق مجازاً على الملازم للشيء.

وقد عبر عن إعطاء الأنعام بالإنزال في قوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6] بهذا الاعتبار.

والمجعول حراماً هو ما حكى الله بعضه عنهم في قوله: ﴿ وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومُحرَّم على أزواجنا ﴾ في سورة [الأنعام: 138، 139].

ومحل الإنكار ابتداءً هو جعلهم بعض ما رزقهم الله حراماً عليهم.

وأما عطف حلالاً } على ﴿ حراماً ﴾ فهو إنكار بالتبع لأنهم لما عمدوا إلى بعض ما أحل الله لهم فجعلوه حراماً ومَيَّزوه من جملة الرزق فقد جعلوا الحلال أيضاً حلالاً، أي بجعل جديد إذ قالوا هو حلال فجعلوا أنفسهم مهيمنين على أحكام الله إذ عمدوا إلى الحلال منها فقلبوه حراماً وأبقَوا بعض الحلال على الحل، فلولا أنهم أبقوه على الحل لما بقي عندهم حلالاً ولتعطل الانتفاع به فلذلك أنكر عليهم جعل بعض الرزق حراماً وبعضه حلالاً، وإلا فإنهم لم يجعلوا ما كان حراماً حلالاً إذ لم يكن تحريم في الجاهلية.

وقوله: ﴿ حلالاً ﴾ عطف على ﴿ حراماً ﴾ والتقدير: ومنه حلالاً، لأن جميع ما رزقهم الله لا يعدو بينهم هذين القسمين، وليس المعنى فجعلتم بعضه حراماً وحلالاً، وبعضه ليس بحرام ولا حلال لأن ذلك لا يستقيم.

وتقديم اسم الجلالة وهو مسند إليه على خبره الفعلي في قوله: ﴿ آلله أذن لكم ﴾ لتقوية الحكم مع الاهتمام.

وتقديم المجرور على عامله في قوله: ﴿ أم على الله تفترون ﴾ للاهتمام بهذا المتعلق تشنيعاً لتعليق الافتراء به.

وأظهر اسم الجلالة لتهويل الافتراء عليه.

وحذف متعلق ﴿ أذن ﴾ لظهوره.

والتقدير: آلله أذن لكم بذلك الجعل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ بِفَضْل اللَّه وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مَعْرِفَتُهُ، ورَحْمَتَهُ تَوْفِيقُهُ.

الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ القُرْآنُ، ورَحْمَتَهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ يَعْنِي بِالمَغْفِرَةِ والتَّوْفِيقِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وبِالإسْلامِ والقُرْآنِ عَلى الوَجْهَيْنِ الآخَرَيْنِ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: فَلْتَفْرَحْ قُرَيْشٌ بِأنَّ مُحَمَّدًا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

رَوى أبانُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ وعَلَّمَهُ القُرْآنَ ثُمَّ شَكا الفاقَةَ كَتَبَ اللَّهُ الفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ إلى يَوْمِ يَلْقاهُ ثُمَّ تَلا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ الآية.

قال: هم أهل الشرك كانوا يحلون من الحرث والأنعام ما شاؤوا، ويحرمون ما شاؤوا.

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه وابن عساكر عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري قال: أتى وفد أهل مصر عثمان بن عفان رضي الله عنه فقالوا له: ادع بالمصحف وافتتح السابعة- وكانوا يسمون سورة يونس السابعة- فقرأها حتى أتى على هذه الآية ﴿ قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً ﴾ فقالوا له: قف، أرأيت ما حميت من الحم أَأَلله أذن لك أم على الله تفتري؟

فقال: امضه إنما نزلت في كذا وكذا، فاما الحمى فإن عمر رضي الله عنه حمى الحمى لإِبل الصدقة، فلما وليت وزادت إبل الصدقة زدت في الحمى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ﴾ قال المفسرون: الخطاب في هذه الآية لكفار مكة (١) (٢) ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ وقد مرّ، وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن كل ما في الأرض من رزق فمما أنزل من السماء (٣) تعلّى الندى في متنه وتحدرا (٤) يعني الشحم، سماه ندى؛ لأنه بالندى يكون النبات، وبالنبات يكون الشحم، وقوله تعالى: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ﴾ ، قال ابن عباس والحسن ومجاهد: يعني ما حرموا من الحرث والأنعام لآلهتهم من البحائر والسوائب (٥) ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ  ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ أي: في هذا التحريم والتحليل؛ وذلك أنهم كانوا يقولون: الله (٦) ﴿ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ بمعنى: بل على الله تفترون، تقولون على الله الكذب.

قال أبو علي: (قل) في قوله: ﴿ قُلْ آللَّهُ ﴾ توكيد؛ لأن ﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ بمعنى (٧) (٨) (٩) ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ (١٠) (١١) (١) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 271، والثعلبي 7/ 17 ب، والبغوي 4/ 138.

(٢) اهـ.

كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.

(٣) يعني أمر الله تعالى وتقديره، كما في قوله: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، وهو ظاهر سياق كلام المؤلف، ويجوز أن يكون المراد المطر، قال القرطبي 8/ 355: فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر.

وانظر نحوه في: "تفسير الرازي" 17/ 119، "الدر المصون" 6/ 227.

(٤) عجز بيت وصدره: كثور العداب الفرد يضربه الندى والبيت لعمرو بن أحمر الباهلي كما في "ديوانه" ص 84، "أدب الكاتب" ص 76، "الاقتضاب" ص 319، "لسان العرب" (ندى) 5/ 4387، والبيت بلا نسبة في: "الصحاح" (ندى)، "تهذيب اللغة" (ندى)، "المخصص" 15/ 131.

والعداب: منقطع الرمل ومسترقه، والفرد: منتمطع النظير الذي لا مثيل له في جودته أو عظمته، والندى الأولى: المطر، والثانية: الشحم.

والشاعر يصف ناقته القصواء التي أعدها للهرب عند الخوف، ويقول بأنها صارت كثور وحشي في موقع مخصب بعيد عن الناس.

انظر: "الاقتضاب في شرح أدب الكتاب" ص319، "لسان العرب" (عدب) و (فرد) و (ندي).

(٥) البحائر والسوائب: جمع بحيرة وسائبة، وهما مما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من أنعامهم، أما كيفية ذلك فقد اختلف فيه اختلافا كثيراً، فقال الزجاج: أثبت ما روينا في تفسير هذه الأسماء عن أهل اللغة، البحيرة: ناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرًا بحروا أذنها -أي شقوها- وامتنعوا من ركوبها وذبحها، ولا تطرد عن ماء، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المعيي لم يركبها.

والسائبة: كان الرجل إذا نذر لقدوم من سفر أو برء من علة أو ما أشبه ذلك، قال: ناقتي هذه سائبة، فكانت كالبحيرة في أن لا يتفع بها، وأن لا تجلى عن ماء، ولا تمنع من مرعى.

"معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

وقيل السائبة: أم البحيرة، كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا الضيف وشقت أذن بنتها الأخيرة وسميت البحيرة، وهي بمنزلة أمها في أنها سائبة، وثمة أقوال أخرى، انظر: "الصحاح"، "لسان العرب" (سيب) و (بحر).

قال الطبري: أما كيفية عمل القوم في ذلك، فما لا علم لنا به، وقد وردت الأخبار بوصف عملهم ذلك على ما قد حكينا، وغير ضائر الجهل بذلك إذا كان المراد من علمه المحتاج إليه، موصولاً إلى حقيقته، وهو أن القوم كانوا يحرمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله.

"الطبري" 11/ 127.

(٦) لفظ الجلاله لم يكتب في (ى).

(٧) ساقط من (ح) و (ز).

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).

(٩) ساقط من (م).

(١٠) اهـ.

كلام أبي علي، انظر: "المسائل الحلبيات" ص 76 بتصرف واختصار.

(١١) أحال في هذا الموضع إلى سورة فاطر وقال هناك 4/ 177 أ: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: معناه: أخبروني عن شركائكم، ﴿ مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ قال أبو علي: قوله: ﴿ مَاذَا خَلَقُوا ﴾ في موضع نصب، وقال مقاتل: ﴿ مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ﴾ كما خلق الله آدم إن كانوا آلهة، قال الفراء: أي أنهم لم يخلقوا شيئًا، فعلى هذا (من) بمعنى (في).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ الآية: مخاطبة لكفار العرب الذي حرّموا البَحيرة والسائبة وغير ذلك ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ متعلق بأرأيتم، وكرر قل للتأكيد، ولما قسم الأمر إلى إذن الله لهم وافترائهم ثبت افتراؤهم، لأنهم معترفون أن الله لم يأذن لهم في ذلك ﴿ وَمَا ظَنُّ ﴾ وعيد للذين يفترون ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ ظرف منصوب بالظن، والمعنى: أي شيء يظنون أن يفعل بهم في ذلك اليوم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: إن ما في السماوات والأرض كلهم عبيده [وإماؤه وملكه]، لا لمن [تعبدون دونه] من الأصنام والأوثان، فمن عند من يملك الدنيا والآخرة اطلبوا ذلك منه؛ لا من عند من لا يملك يبين سفههم في طلبهم الدنيا من عند من يعلمون أنه لا يملك ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ : في كل وعد ووعيد أنه كائن لا محالة عذابا أو رحمة.

﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لا ينتفعون بعلمهم، فنفى عنهم العلم وإن علموا؛ لما لم ينتفعوا به.

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي: لم يكتسبوا سبب العلم، [وهو التأويل والنظر في آياته وحججه.

ويحتمل نفي العلم عنهم لما أعطوا أسباب العلم] فلم يعلموا، فإن كان على هذا فيكونون معذورين، وإن كان على الوجهين الأولين فلا عذر لهم في ذلك.

وفي قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ دلالة إثبات البعث من وجهين: أحدهما: فيما يذكر من قدرته من خلق السماوات والأرض وما بينهما [بغلظهما وكثافتهما وشدتهما وعظم خلقتهما]، وأن تلك القدرة خارجة عن وسع البشر وتوهمهم، فمن قدر على ذلك فهو قادر على إحياء الخلق بعد فنائهم.

والثاني: يخبر عن حكمته من تعليق منافع الأرض بالسماء على بعد ما بينهما، والإفضال على الخلق بأنواع النعم التي تكبر الإحصاء، وأن كل شيء منها قد وضع مواضعها، فلا يحتمل من هذا وصفه في الحكمة يخلق شيئاً عبثاً باطلا ولو كانوا للفناء لا حياة بعده كان يكون خارجاً عن الحكمة، فظهر أنه خلقهم لأمر أراد بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تعلمون أنه هو أحيا الأحياء، وهو الأموات أيضاً وهو كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ ، فإذا عرفتم أنه هو يحيي الأحياء وهو يميت الأموات لا غير، فاعلموا أنه هو يبعثكم وإليه ترجعون؛ ألزمهم الحجة أولاً بالكائن، ثم أخبرهم عما يكون بالحجة التي ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ : وهو هذا القرآن قال بعضهم: الموعظة: النهي كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً  ﴾ قيل: ينهاكم أن تعودوا لمثله أبدا.

وقال آخرون: الموعظة هي التي تدعوا إلى كل مرغوب وتزجر عن كل مرهوب وقال بعضهم [العظة] هي [التي] تلين كل قلب قاس وتجلي كل قلب مظلم وفي القرآن جميع ما ذكرنا فيه النهي، وفيه الدعاء إلى كل مرغوب، والزجر عن كل مرهوب، وهو يلين القلوب القاسية ويجلي القلوب المظلمة إذا تأملوا فيه، ونظروا، وتفكروا تفكر المستشهد وطالب الحق.

وقيل: الموعظة هي التي تلين القلوب القاسية وتدمع العيون اليابسة، وتجلي الصدور المظلمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ : إن للدين آفات وداء تضر به وتتلفه كما لهذه الأبدان آفات وأمراض تعمل في إتلافها وإهلاكها، ثم جعلت لآفات الأبدان وأمراضها أدوية يشفى بها الأبدان [المؤرقة] المريضة؛ فعلى ذلك جعل هذا القرآن شفاء لهذا الدين ودواء يداوى به، فيذهب بآفات الدين وأمراضه؛ كما تعمل الأدوية في دفع آفات الأبدان وأمراضها؛ لذلك سماه موعظة وشفاء لما في الصدور، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ قيل: هدى من الضلالة، ورحمة من عذابه.

أو يقول: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ هدى أي: يدعوا إلى كل خير ويهدي [إليه]، ورحمة: لمن اتبعه، هو هدى ورحمة لمن اتبعه وتمسك به، وعمى وضلال لمن خالفه وترك اتباعه وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  ﴾ ، وقال: ﴿ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً  ﴾ أي: زاد للمؤمنين إيماناً إلى إيمانهم، و ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً  ﴾ أي: زاد للكافرين رجساً إلى رجسهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : قال بعضهم: فضل الله ورحمته القرآن.

وقال قائلون: فضل الله القرآن، ورحمته الإيمان، وفيه أنه بإنزال القرآن متفضل إذ له ألا ينزل، وفيه أن أهل الفترة يؤاخذون في حال فترتهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ أي: فرحكم بما ذكر [هو] خير مما تجمعون من الدنيا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ : إنما خاطب المؤمنين بقول: قل للمؤمنين بفضل الله: الإسلام، وبرحمته: يعني القرآن فبذلك يعني فبهذا الفضل والرحمة فليفرحوا يعني المؤمنين، هو خير مما يجمعون يعني مما يجمع الكفار من الأموال من الذهب والفضة وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ .

[يحتمل ﴿ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ ] أضاف إنزاله إلى السماء، وإن كانت الأرزاق إنما تخرج من الأرض لما كانت أسبابها متعلقة بالسماء، يكون نضج الأنزال وينع الأعناب وإصلاح الأشياء كلها أعني أسباب الأرزاق من نحو المطر الذي به تنبت الأرض النبات وبه يخرج جميع أنواع الخارج مما يكون فيه غذاء البشر والدواب، ومن نحو الشمس التي [ينضج بها] الأنزال وبها تينع الأعناب وجميع الفواكه ونحوه أضاف ذلك إلى السماء لما ذكرنا.

وكذلك قوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ أي: أسباب ذلك في السماء؛ لا أن عين ذلك في السماء.

ويحتمل قوله: ﴿ قُمَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ ﴾ أي: ما خلق الله لكم؛ وكذلك جميع ما يضاف إلى الله إنما يضاف إليه بحق الخلق أي خلقه منزلا؛ كقوله: ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ  ﴾ ونحو ذلك، أي: خلق لكم مما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ : قال بعضهم: ما حرموا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما ذكر في سورة الأنعام والمائدة.

وقال بعضهم: ما حرموا الآلهة التي كانوا عبدوها، أي: جعلوها للأصنام وهو ما ذكر في الأنعام، وهو قوله: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً...

﴾ الآية [الأنعام: 136] نحو ما ذكرنا في الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ أي: آلله أذن لكم في تحريم ما حرمتم وتحليل ما أحللتم أم على الله تفترون: [بل على الله تفترون] وذلك أن هذه السورة نزلت في محاجة أهل مكة وهم لم يكونوا مؤمنين بالرسل والكتب، وإنما يوصل إلى معرفة [المحرم والمحلل] بالرسل والكتب والخبر عن الله، وهم لم يكونوا مؤمنين بواحد مما ذكرنا، فكيف جعلتم منه حراماً وحلالا وأنتم لا تؤمنون بما به يعرف الحلال من الحرام، فكيف حرمتم ما أحل لكم أو أحللتم ما حرم عليكم؟!

يخبر عن سفههم وعنادهم وافترائهم على الله، فإذا اجترءوا أن يفتروا على الله فعلى غيره أجرأ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : فإن قيل كيف أوعدوا بيوم القيامة وهم كانوا لا يؤمنون بالبعث؟!

قيل: قد ألزمهم الحجة بكون البعث بما أظهر من كذبهم وافترائهم على الله في التحريم والتحليل، فذلك يظهر كذبهم بتكذيبهم البعث.

وبعد فإنه قد يوعد المرء بما لا يتيقن به ويتخوف عليه ويحذر وإن لم يحط علمه به، فكذلك هذا.

وبعد فإنه قد جعل في عقولهم ما يلزمهم الإيمان بالبعث والجزاء للأعمال؛ إذ ليس من الحكمة خلق الخلق للفناء خاصة.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يقول: وما ظن الذين يفترون على الله الكذب لو خرج الأمر حقّاً، وكان صدقاً على ما أخبر رسول الله  وقاله من البعث والجزاء لما اكتسبوا؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : هو ذو فضل على جميع الناس من [جهة ما ساق] إلى الكل من الرزق كافرهم ومؤمنهم وأنواع النعم، وما أخر عنهم العذاب إلى وقت، أو لما بعث إليهم الرسل والكتب من غير أن كان منهم إلى الله سابقة صنع يستوجبون به ذلك ومنه خصوص فضل على المؤمنين ليس ذلك على الكافرين، ولكن أكثرهم لا يشكرون لفضله وما أنعم عليهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: أخبروني عما مَنَّ الله به عليكم من إنزال الرزق، فعملتم فيه بأهوائكم، فحرَّمتم بعضه، وأحللتم بعضه، قل لهم: هل الله أباح لكم في تحليل ما أحللتم، وتحريم ما حرَّمتم، أم أنكم تختلقون عليه الكذب؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.NPeV1"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله