الآية ٣ من سورة المسد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 111 المسد > الآية ٣ من سورة المسد

سَيَصْلَىٰ نَارًۭا ذَاتَ لَهَبٍۢ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة المسد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة المسد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي ذات شرر ولهب وإحراق شديد.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ) يقول: سيصلى أبو لهب نارا ذات لهب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سيصلى نارا ذات لهبأي ذات اشتعال وتلهب .

وقد مضى في سورة ( المرسلات ) القول فيه .

وقراءة العامة : سيصلى بفتح الياء .

وقرأ أبو رجاء والأعمش : بضم الياء .

ورواها محبوب عن إسماعيل عن ابن كثير ، وحسين عن أبي بكر عن عاصم ، ورويت عن الحسن .

وقرأ أشهب العقيلي وأبو سمال العدوي ومحمد بن السميقع سيصلى بضم الياء ، وفتح الصاد ، وتشديد اللام ؛ ومعناها سيصليه الله ؛ من قوله : وتصلية جحيم .

والثانية من الإصلاء ؛ أي يصليه الله ؛ من قوله : فسوف نصليه نارا .

والأولى هي الاختيار ؛ لإجماع الناس عليها ؛ وهي من قوله : إلا من هو صال الجحيم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } أي: ستحيط به النار من كل جانب،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم أوعده بالنار فقال : ( سيصلى نارا ذات لهب ) أي نارا تلتهب عليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سيصلى ناراً ذات لهب» أي تلهب وتوقد فهي مآل تكنيته لتلهب وجهه إشراقاً وحمرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سيدخل نارًا متأججة، هو وامرأته التي كانت تحمل الشوك، فتطرحه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأذيَّته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ) بيان للعاقبة السيئة التى تنتظره ، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد .

أى : سيلقى بأبى لهب فى نار شديدة الحرارة ، تشوى الوجوه والأبدان ، ووصف - سبحانه - النار بأنها " ذات لهب " لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره ، إذ هو معروف بأبى لهب ، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل.

المسألة الأولى: لما أخبر تعالى عن حال أبي لهب في الماضي بالتباب وبأنه ما أغنى عنه ماله وكسبه، أخبر عن حاله في المستقبل بأنه سيصلى ناراً.

المسألة الثانية: ﴿ سيصلى ﴾ قرئ بفتح الياء وبضمها مخففاً ومشدداً.

المسألة الثالثة: هذه الآيات تضمنت الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه: أحدها: الإخبار عنه بالتباب والخسار، وقد كان كذلك.

وثانيها: الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان كذلك.

روى أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام دخل بيتنا، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت أنا، وكان العباس يهاب القوم ويكتم إسلامه، وكان أبو لهب تخلف عن بدر، فبعث مكانه العاص بن هشام، ولم يتخلف رجل منهم إلا بعث مكانه رجلاً آخر، فلما جاء الخبر عن واقعة أهل بدر وجدنا في أنفسنا قوة، وكنت رجلاً ضعيفاً وكنت أعمل القداح ألحيها في حجرة زمزم، فكنت جالساً هناك وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذا أقبل أبو لهب يجر رجليه، فجلس على طنب الحجرة وكان ظهري إلى ظهره، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، فقال له أبو لهب: كيف الخبر يا ابن أخي؟

فقال: لقينا القوم ومنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف أرادوا، وأيم الله مع ذلك تأملت الناس، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة، ثم قلت: أولئك والله الملائكة، فأخذني وضربني على الأرض، ثم برك علي فضربني وكنت رجلاً ضعيفاً، فقامت أم الفضل إلى عمود فضربته على رأسه وشجته، وقالت: تستضعفه إن غاب سيده، والله نحن مؤمنون منذ أيام كثيرة، وقد صدق فيما قال: فانصرف ذليلاً، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته، ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثاً ما يدفناه حتى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون، وقالوا نخشى هذه القرحة، ثم دفنوه وتركوه، فهذا معنى قوله: ﴿ مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ .

وثالثها: الإخبار بأنه من أهل النار، وقد كان كذلك لأنه مات على الكفر.

المسألة الرابعة: احتج أهل السنة على وقوع تكليف مالا يطاق بأن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأنه يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين وهو محال.

وأجاب الكعبي وأبو الحسين البصري بأنه لو آمن أبو لهب لكان لهذا الخبر خبراً بأنه آمن، لا بأنه ما آمن، وأجاب القاضي عنه فقال: متى قيل: لو فعل الله ما أخبر أنه لا يفعله فكيف يكون؟

فجوابنا: أنه لا يصح الجواب عن ذلك بلا أو نعم.

واعلم أن هذين الجوابين في غاية السقوط، أما الأول: فلأن هذه الآية دالة على أن خبر الله عن عدم إيمانه واقع، والخبر الصدق عن عدم إيمانه ينافيه وجود الإيمان منافاة ذاتية ممتنعة الزوال فإذا كان كلفه أن يأتي بالإيمان مع وجود هذا الخبر فقد كلفه بالجمع بين المتنافيين.

وأما الجواب الثاني: فأرك من الأول لأنا لسنا في طلب أن يذكروا بلسانهم لا أو نعم، بل صريح العقل شاهد بأن بين كون الخبر عن عدم الإيمان صدقاً، وبين وجود الإيمان منافاة ذاتية، فكان التكليف بتحصيل أحد المتضادين حال حصول الآخر تكليفاً بالجمع بين الضدين، وهذا الإشكال قائم سواء ذكر الخصم بلسانه شيئاً أم بقي ساكتاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

التباب: الهلاك.

ومنه قولهم: أشابة أم تابة؟

أي: هالكة من الهرم والتعجيز.

والمعنى: هلكت يداه، لأنه فيما يروى: أخذ حجراً ليرمي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَبَّ ﴾ وهلك كله.

أو جعلت يداه هالكتين.

والمراد: هلاك جملته، كقوله تعالى: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ [الحج: 10] ومعنى: ﴿ وَتَبَّ ﴾ : وكان ذلك وحصل، كقوله: جَزَانِي جَزَاهُ اللَّهُ شَرَّ جَزَائِه ** جَزَاءَ الْكلاَبِ الْعَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَلْ ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود: ﴿ وقد تب ﴾ وروي: أنه لما نزل ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ [الشعراء: 214] رقى الصفا وقال: يا صباحاه، فاستجمع إليه الناس من كل أوب.

فقال: «يا بني عبد المطلب، با بني فهر، إن أخبرتكم أنّ بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقيَّ» ؟

قالوا: نعم؛ قال: «فإني نذير لكم بين يدي الساعة» ؛ فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا دعوتنا؟

فنزلت.

فإن قلت: لم كناه، والتكنية تكرمة؟

قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مشتهراً بالكنية دون الاسم، فقد يكون الرجل معروفاً بأحدهما، ولذلك تجري الكنية على الاسم، أو الاسم على الكنية عطف بيان، فلما أريد تشهيره بدعوة السوء، وأن تبقى سمة له، ذكر الأشهر من علميه ويؤيد ذلك قراءة من قرأ ﴿ يدا أبو لهب ﴾ ، كما قيل: علي بن أبو طالب.

ومعاوية بن أبو سفيان؛ لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع، ولفليتة بن قاسم أمير مكة ابنان، أحدهما: عبد الله- بالجرّ، والآخر عبد الله بالنصب.

كان بمكة رجل يقال له: عبد الله- بجرّة الدال، لا يعرف إلاّ هكذا.

والثاني: أنه كان اسمه عبد العزّى، فعدّل عنه إلى كنيته.

والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب، وافقت حاله كنيته؛ فكان جديراً بأن يذكر بها.

ويقال: أبو لهب، كما يقال: أبو الشر للشرير.

وأبو الخير للخير، وكما كنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا المهلب: أبا صفرة، بصفرة في وجهه.

وقيل: كنى بذلك لتهلب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يذكر بذلك تهكماً به، وبافتخاره بذلك.

وقرئ: ﴿ أبي لهب ﴾ بالسكون.

وهو من تغيير الأعلام، كقولهم: شمس بن مالك بالضم ﴿ مَا أغنى ﴾ استفهام في معنى الإنكار، ومحله النصب أو نفي ﴿ وَمَا كَسَبَ ﴾ مرفوع.

وما موصولة أو مصدرية بمعنى: ومكسوبه.

أو: وكسبه.

والمعنى: لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعني: رأس المال والأرباح.

أو ماشيته وما كسب من نسلها ومنافعها، وكان ذا سابياء.

أو ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه.

أو ماله التالد والطارف.

وعن ابن عباس: ما كسب ولده.

وحكي أن بني أبي لهب احتكموا إليه، فاقتتلوا، فقام يحجز بينهم، فدفعه بعضهم فوقع فغضب، فقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» وعن الضحاك: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث، يعني كيده في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن قتادة: عمله الذي ظنّ أنه منه على شيء، كقوله: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ [الفرقان: 23] وروي أنه كان يقول: إن كان ما يقول ابن أخي حقاً فأنا أفتدي منه نفسي بمالي وولدي ﴿ سيصلى ﴾ قرئ: بفتح الياء وبضمها مخففاً ومشدداً، والسين للوعيد، أي: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته ﴿ وامرأته ﴾ هي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: كانت تمشى بالنميمة ويقال: للمشاء بالنمائم المفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي: يوقد بينهم النائرة ويورث الشرّ.

قال: مِنَ الْبِيضِ لَمْ تَصْطَدْ عَلَى ظَهْرِ لَأْمَةٍ ** وَلَمْ تَمْشِ بَيْنَ الْحَيِّ بالْحَطَبِ الرَّطْبِ جعله رطباً ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشرّ، ورفعت عطفاً على الضمير في ﴿ سيصلى ﴾ أي: سيصلى هو وامرأته.

و ﴿ فِى جِيدِهَا ﴾ في موضع الحال، أو على الابتداء، وفي جيدها: الخبر.

وقرئ: ﴿ حمالة الحطب ﴾ بالنصب على الشتم؛ وأنا أستحب هذه القراءة وقد توسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميل: من أحب شتم أم جميل.

وقرئ: ﴿ حمالة الحطب ﴾ و ﴿ حمالة للحطب ﴾ : بالتنوين، بالرفع والنصب.

وقرئ: ﴿ ومريته ﴾ بالتصغير.

المسد: الذي فتل من الحبال فتلاً شديداً، من ليف كان أو جلد، أو غيرهما.

قال: وَمَسَدٍ أُمِرَّ مِنْ أَيَانِقِ ورجل ممسود الخلق مجدوله.

والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون: تخسيساً لحالها، وتحقيراً لها، وتصويراً لها بصورة بعض الحطابات من المواهن، لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ وهما في بيت العزّ والشرف.

وفي منصب الثروة والجدة.

ولقد عيّر بعض الناس الفضل بن العباس ابن عتبة ابن أبي لهب بحمالة الحطب، فقال: مَاذَا أَرَدْتَ إلَى شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي ** أَمْ مَا تَعَيَّرُ مِنْ حَمَّالَةِ الْحَطَب غَرَّاءَ شَادِخَةٍ فِي الْمَجْدِ غُرَّتُهَا ** كَانَتْ سَلِيلَةَ شَيْخٍ نَاقِبِ الحَسَبِ ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك؛ فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم أو من الضريع وفي جيدها حبل من ما مسد من سلاسل النار؛ كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ ﴾ نَفْيٌ لِإغْناءِ المالِ عَنْهُ حِينَ نَزَلَ بِهِ التَّبابُ أوِ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لَهُ ومَحَلُّها النَّصْبُ.

﴿ وَما كَسَبَ ﴾ وكَسْبُهُ أوْ مَكْسُوبُهُ بِمالِهِ مِنَ النَّتائِجِ والأرْباحِ والوَجاهَةِ والإتْباعِ، أوْ عَمَلُهُ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ يَنْفَعُهُ أوْ ولَدُهُ عُتْبَةُ، وقَدِ افْتَرَسَهُ أسَدٌ في طَرِيقِ الشّامِ وقَدْ أحْدَقَ بِهِ العِيرُ وماتَ أبُو لَهَبٍ بِالعَدَسَةِ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ بِأيّامٍ مَعْدُودَةٍ، وتُرِكَ ثَلاثًا حَتّى أنْتَنَ ثُمَّ اسْتَأْجَرُوا بَعْضَ السُّودانِ حَتّى دَفَنُوهُ، فَهو إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ طابَقَهُ وُقُوعُهُ.

﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ اشْتِعالٍ يُرِيدُ نارَ جَهَنَّمَ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ صِلِيُّها لِلْفِسْقِ، وقُرِئَ «سَيُصْلى» بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا و «سَيُصَلّى» مُشَدَّدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سيصلى نَاراً} سيدخل سيصلى البرجمي عن أبي بكر والسين للوعيد أي هو كائن لامحالة وإن تراخى وقته {ذَاتَ لَهَبٍ} توقد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَيَصْلى نارًا ﴾ سَيَدْخُلُها لا مَحالَةَ في الآخِرَةِ ويُقاسِي حَرَّها، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نارًا عَظِيمَةً.

﴿ ذاتَ لَهَبٍ ﴾ ذاتَ اشْتِعالٍ وتَوَقُّدٍ عَظِيمٍ؛ وهي نارُ جَهَنَّمَ، وجُمْلَةُ: ﴿ ما أغْنى ﴾ إلَخْ قالَ في الكَشْفِ: اسْتِئْنافٌ جَوابًا عَمّا كانَ يَقُولُ: أنا أفْتَدِي بِمالِي، ويَتَوَهَّمُ مِن صِدْقِهِ.

وفِيهِ تَحْسِيرٌ لَهُ وتَهَكُّمٌ بِما كانَ يَفْتَخِرُ بِهِ مِنَ المالِ والبَنِينَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَصْوِيرٌ لِلْهَلاكِ بِما يَظْهَرُ مَعَهُ عَدَمُ إغْناءِ المالِ والوَلَدِ وهو ظاهِرٌ عَلى تَفْسِيرِ ما كَسَبَ بِالوَلَدِ، وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: الأُولى إشارَةٌ لِهَلاكِ عَمَلِهِ وهَذِهِ إشارَةٌ لِهَلاكِ نَفْسِهِ، وهو أيْضًا عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي خمس آيات مكية قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني: خسر أبو لهب وذلك أن النبيّ  حين نزل قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: 214] صعد على الصفا ونادى فاجتمعوا فقال النبيّ  : «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ وَأَدْعُوهُمْ إِلَى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، فَقُولُوا أَشْهَدْ لَكُمْ بِهَا عِنْدَ رَبِّي» فأنكروا ذلك فقال أبو لهب: تبا لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا، وروي في خبر آخر أنه اتخذ طعاماً ودعاهم ثم قال: «أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَأَطِيعُوا تَهْتَدُوا» فقال أبو لهب: تبا لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني: خسرت يدا أبي لهب عن التوحيد وَتَبَّ يعني: وقد خسر ويقال: إنما ذكر اليد وأراد به هو وقال مقاتل: تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وتب يعني: خسر نفسه وكان أبو لهب عن النبيّ  واسمه «عبد العزى» ولهذا ذكره بالكنية ولم يذكر اسمه لأن اسمه كان منسوباً إلى صنم وقال بعضهم: كنيته كان اسمه ثم قال عز وجل: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ يعني: ما نفعه ماله في الآخرة إذ كفر في الدنيا وَما كَسَبَ يعني: ما ينفعه ولده في الآخرة إذا كفر في الدنيا والكسب أراد به الولد لأن ولد الرجل من كسبه ثم قال عز وجل: سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ يعني: يدخل في النار ذات لهب يعني: ذات شعل ثم قال عز وجل: وَامْرَأَتُهُ يعني: امرأته تدخل النار معه حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قرأ عاصم حمالة الحطب بنصب الهاء ويكون على معنى الذم والشين ومعناه أعني حمالة الحطب والباقون بالضم على معنى الابتداء وحمالة الحطب جعل نعتاً لها فقال: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني: حمالة الخطايا والذنوب.

ويقال: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني: تمشي بالنميمة فسمى النميمة حطباً لأنه يلقي بني القوم العداوة والبغضاء وكانت تمشي بالنميمة في عداوة النبيّ  وأصحابه ويقال: كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق النبيّ  وأصحابه بالليل من بغضها لهم حتى بلغ النبي -  - شدة وعناء فحملت ذات ليلة حزمة شوك لكي تطرحها في طريقهم فوضعتها على جدار وشدتها بحبل من ليف على صدرها فأتاها جبريل-  - ومده خلف الجدار وخنقها حتى ماتت فذلك قوله: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي من ليف وقال أكثر أهل التفسير فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ يعني: في الآخرة في عنقها سلسلة من حديد وتحتها نار وفوقها نار، وروى سعيد بن جبير  عن أبي بكر الصديق  قال: لما نزلت تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ جاءت امرأة أبي لهب فقال أبو بكر  لو تنحَّيْتَ يا رسول الله فإنها امرأة بذية فقال النبيّ  : «سَيُحَال بَيْنِي وَبَيْنَهَا» فدخلت فلم تره فقالت لأبي بكر  هجاناً صاحبك فقال والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله قالت إنك لمصدق فاندفعت راجعة فقال أبو بكر  يا رسول الله ما رأتك فقال: «لَمْ يَزَلْ بَيْنِي وَبَيْنَها مَلَكٌ يَسْتُرُنِي عَنْهَا حَتَّى رَجِعَتْ» .

وروى إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي يزيد بن زيد قال لما نزلت هذه السورة قيل لامرأة أبي لهب أن النبي  قد هجاك فأتت رسول الله  وهو جالس في الخلاء وقالت يا محمد  على ماذا تهجوني فقال: «أَمَا وَلله مَا أَنَا هَجَوْتُكِ مَا هَجَاكِ إلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ» قالت هل رأيتني أحمل الحطب أو رأيت في جيدي حبل من مسد؟

وقال مجاهد: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ مثل حديد البكرة، وقال غيره يعني عروة سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعاً والله أعلم.

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تفسير سورة «المسد»

وهي مكّيّة بإجماع

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

في «صحيح البخاري» وغيرِه عن ابن عباس: «لَمَّا نَزَلَتْ: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه، فقالوا: من هذا؟

فاجتمعوا/ إليه، فقال: أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبّاً لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إلاَّ لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ إلى آخرها» «١» ، وتَبَّتْ معناه: خَسِرَتْ والتَّبابُ الخُسْرَانُ، والدَّمَارُ، وأسْنَدَ ذلك إلى اليدينِ من حيثُ إنَّ اليَدَ مَوضِعُ الكَسْبِ والرِّبْحِ، وضَمِّ مَا يُمْلَكُ، ثم أوْجَبَ عليه أنه قَدْ تَبَّ، أي: حُتِّمَ ذَلِكَ عَلَيْه، وفي قراءة ابن مسعود «٢» : «وقَدْ تَبَّ» ، وأبو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزَّى بْنُ عَبْدِ المطّلب، وهو عمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولكن سَبَقَتْ له الشقاوةُ، قال السهيليّ: كَنَّاهُ اللَّه بأبي لهبٍ لَمَّا خَلَقَهُ سبحانَه لِلَّهَبِ وإليه مصيرُه ألا تَرَاهُ تعالى قال: سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ فَكَانَتْ كُنْيَتُه بأبي لَهَبٍ تَقَدَّمَتْ لِمَا يصيرُ إليه من اللهبِ، انتهى.

وقوله سبحانه: مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ يحتملُ أن تَكُونَ «ما» نافيةً عَلَى معنى الخبرِ، ويحتملُ أنْ تكون «ما» استفهاميةً عَلَى وَجْهِ التقريرِ أي: أينَ الغَنَاءُ الذي لِمَالِه وَكَسْبهِ،

وَما كَسَبَ يُرَادُ به عَرَضُ الدنيا، من عَقَارٍ، ونحوه، وقيل: كَسْبُه بَنُوه.

وقوله سبحانه: سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ حَتْمٌ عَلَيْهِ بِالنارِ وإعْلاَمٌ بأنه يَتَوَفَّى على كفرِه، نعوذُ باللَّهِ من سوءِ القَضَاءِ ودَرْكِ الشقاءِ.

وقوله تعالى: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ هي أمَّ جميلٍ أخْتُ أبي سفيانَ بن حرب، وكانت مؤْذِيةً/ للنبي صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنينَ بلسانِها وغايةِ قُدْرَتِها، وكانَتْ تَطْرَحُ الشّوْكَ في طريق النبي صلّى الله عليه وسلّم وطريق أصحابه لِيَعْقِرَهم فلذلكَ سُمِّيتْ حَمَّالَةَ الحَطَبِ قاله ابن عباس «١» ، وقيل هو استعارةٌ لذنوبِها، قال عياض: وذكر عَبْدُ بن حُمَيْدٍ قال: كَانَتْ حمالَة الحطبِ تَضَعُ العِضَاهَ، وَهِي جَمْرٌ على طريق النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكأنَّما يَطَؤُهَا كَثِيباً أَهْيَلَ، انتهى، - ص-: وقُرِىءَ شاذًّا: «وَمُرَيْئَتُهُ» بالتصغيرِ «٢» ، والجيدُ هُو العُنُقُ، انتهى.

وقوله تعالى: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قال ابنُ عباس وجماعة: الإشَارَةُ إلى الحبلِ حَقِيقَةٌ، الذي رَبَطَتْ به الشوكَ «٣» ، والمَسَدُ: الليفُ، وقِيلَ ليفُ المُقْلِ، وفي «صحيحِ البخاري» : يُقَالُ مِنْ مسد لِيف المُقْلِ وهي السلسلةُ الَّتِي في النارِ، انتهى، ورُوِي في الحديثِ أنَّ هذهِ السورةَ لما نزلتْ وقُرِئَتْ بَلَغَتْ أُمَّ جميلٍ فَجَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ جَالسٌ معَ النبي صلّى الله عليه وسلّم في المسجدِ وَبِيَدِهَا فِهْرُ حَجَرٍ، فأخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا وقَالَتْ: يا أبا بكرٍ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، وَلَوْ وَجَدْتُه لَضَرَبْتُه بِهَذَا الفِهْرِ، وإنّي لَشَاعِرَة وَقْد قلت فيه: [منهوك الرجز]

مُذَمَّماً قَلَيْنَا ...

وَدِينَهُ أَبَيْنَا «٤»

فَسَكَتَ أبو بكرٍ، ومضت هي، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْهَا مَلاَئِكَةٌ فَمَا رَأَتْنِي وَكَفَانِيَ الله شرّها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ تَبَّتْ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ وَسَبَبُ نُزُولِها ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ  ﴾ صَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى الصَّفا فَقالَ: " يا صَباحاهُ " .

فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَقالُوا: ما لَكَ؟

فَقالَ: أرَأيْتَكم إنْ أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُمْ، أوْ مُمَسِّيكُمْ، أما كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟، قالُوا: بَلى.

قالَ: " فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ " .

قالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألِهَذا دَعَوْتَنا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ » وَمَعْنى: تَبَّتْ: خَسِرَتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴿ وَتَبَّ ﴾ أيْ: وخَسِرَ هو.

قالَ الفَرّاءُ: الأوَّلُ: دُعاءٌ، والثّانِي: خَبَرٌ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أهْلَكَكَ اللَّهُ وقَدْ أهْلَكَكَ، وجَعَلَكَ اللَّهُ صالِحًا وقَدْ جَعَلَكَ.

وقِيلَ: ذَكَرَ يَدَيْهِ، والمُرادُ نَفْسُهُ، ولَكِنْ هَذا عادَةُ العَرَبِ يُعَبِّرُونَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ جَمِيعِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ  ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ﴾ ولَدُ أبِي لَهَبٍ.

فَأمّا أبُو لَهَبٍ فَهو عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقِيلَ: إنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ " أبِي لَهْبٍ " بِإسْكانِ الهاءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ لُغَةً كالشَّمْعِ، والشَّمَعِ والنَّهْرِ، والنَّهَرِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كَنّاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وفي الكُنْيَةِ نَوْعُ تَعْظِيمٍ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إنْ صَحَّ أنَّ اسْمَهُ عَبْدُ العُزّى، فَكَيْفَ يَذْكُرُهُ اللَّهُ بِهَذا الِاسْمِ وفِيهِ مَعْنى الشِّرْكِ؟!

والثّانِي: أنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ اشْتَهَرُوا بِكُناهُمْ، ولَمْ يُعْرَفْ لَهم أسْماءٌ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: خَبَّرَنِي غَيْرُ واحِدٍ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ، وأبا سُفْيانَ ابْنَ العَلاءِ أسْماؤُهُما كُناهُما، فَإنْ كانَ اسْمُ أبِي لَهَبٍ كُنْيَتُهُ، فَإنَّما ذَكَرَهُ بِما لا يُعْرَفُ إلّا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ  أقْرَبِيهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قالَ أبُو لَهَبٍ: إنْ كانَ ما يَقُولُ ابْنُ أخِي حَقًّا، فَإنِّي أفْتَدِي بِمالِي، ووَلَدِي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ » قالَ الزَّجّاجُ: و " ما " في مَوْضِعِ رَفْعٍ.

المَعْنى: ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وكَسْبُهُ أيْ: ولَدُهُ.

وكَذَلِكَ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِكَسْبِهِ هاهُنا: ولَدُهُ.

و ﴿ أغْنى ﴾ بِمَعْنى يُغْنِي ﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ أيْ: تَلْتَهِبُ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ دُخانٍ ﴿ وامْرَأتُهُ ﴾ أيْ: سَتَصْلى امْرَأتُهُ، وهي أمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ.

وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأنَّهُ أخْبَرَ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ وزَوْجَتَهُ يَمُوتانِ عَلى الكُفْرِ، فَكانَ كَذَلِكَ.

إذْ لَوْ قالا بِألْسِنَتِهِما: قَدْ أسْلَمْنا، لَوَجَدَ الكُفّارُ مُتَعَلَّقًا في الرَّدِّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّهُما لا يُسْلِمانِ باطِنًا ولا ظاهِرًا، فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، والفَرّاءُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَشَبَّهُوا النَّمِيمَةَ بِالحَطَبِ، والعَداوَةَ والشَّحْناءَ بِالنّارِ، لِأنَّهُما يَقَعانِ بِالنَّمِيمَةِ، كَما تَلْتَهِبُ النّارُ بِالحَطَبِ.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ، فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ  لَيْلًا، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِالحَطَبِ: الخَطايا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ  بِالفَقْرِ، وكانَتْ تَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَهُ بِالمالِ.

وَقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ " حَمّالَةَ الحَطَبِ " بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ " حَمّالَةَ " فَعَلى الذَّمِّ.

والمَعْنى: أعْنِي: حَمّالَةَ الحَطَبِ.

والجِيدُ: العُنُقُ.

والمَسَدُ في لُغَةِ العَرَبِ: الحَبْلُ إذا كانَ مِن لِيفِ المُقْلِ.

وقَدْ يُقالُ لِما كانَ مِن أوْبارِ الإبِلِ مِنَ الحِبالِ: " المَسَدُ " قالَ الشّاعِرُ: ومَسَدٍ أُمِرَّ مِن أيانُقِ [صُهْبٍ عِتاقٍ ذاتِ مُخٍّ زاهِقِ] وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَسَدُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ: اللِّيفُ دُونَ غَيْرِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، إنَّما المَسَدُ: كُلُّ ما ضُفِرَ وفُتِلَ مِنَ اللِّيفِ وغَيْرِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذا الحَبْلِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها حِبالٌ كانَتْ تَكُونُ بِمَكَّةَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: حَبَلٌ مِن شَجَرٍ كانَتْ تَحْتَطِبُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ قِلادَةٌ مَن ودَعٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذا الحَبْلِ: السِّلْسِلَةُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في النّارِ، طُولُها سَبْعُونَ ذِراعًا.

والمَعْنى: أنَّ تِلْكَ السِّلْسِلَةَ قَدْ فُتِلَتْ فَتْلًا مُحْكَمًا، [فَهِيَ] في عُنُقِها تُعَذَّبُ بِها في النّارِ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المَسَدِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ ﴾ ﴿ ما أغْنى عنهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ ﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ ﴿ وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ ﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ رُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ  ﴾ قالَ: يا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبَدِ المُطَّلِبِ، ويا فاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لا أمْلِكُ لَكُما مِنَ اللهِ شَيْئًا، سَلانِي مِن مالِي ما شِئْتُما، ثُمَّ صَعِدَ الصَفا فَنادى بُطُونَ قُرَيْشٍ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، ورُوِيَ أنَّهُ صاحَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا صَباحاهُ، فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِن كُلِّ وجْهٍ، فَقالَ لَهُمْ: أرَأيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكم إنِّي أُنْذِرُكم خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟

قالُوا: نَعْمْ، قالَ: إنِّي نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٌ شَدِيدٌ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ اليَوْمَ: ألِهَذا، جَمَعْتَنا ؟

فافْتَرَقُوا عنهُ ونَزَلَتِ السُورَةُ.» و"تَبَّتْ" مَعْناهُ: خَسِرَتْ، والتَبابُ: الخَسارُ والدَمارُ، وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى اليَدَيْنِ مِن حَيْثُ اليَدُ مَوْضِعُ الكَسْبِ والرِبْحِ وضَمِّ ما يَمْلِكُ، ثُمَّ أوجَبَ تَعالى عَلَيْهِ أنَّهُ قَدْ تَبَّ، أيْ حَتَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ.

وقَدْ تَبَّ".

وأبُو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو عَمُّ النَبِيِّ  ، ولَكِنْ سَبَقَتْ لَهُ الشَقاوَةُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أبِي لَهْبٍ" بِسُكُونِ الهاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِ الهاءِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في فَتْحِها في "ذاتِ لَهَبٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أغْنى عنهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَكُونُ الكَلامُ خَبَرًا عن أنَّ جَمِيعَ أحْوالِهِ الدُنْياوِيَّةِ لَمْ تُغْنِ عنهُ شَيْئًا حِينَ حَتَّمَ عَذابَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى وجْهِ التَقْرِيرِ، أيْ: أيْنَ الغِناءُ الَّذِي لِمالِهِ ولِكَسْبِهِ؟

و"ما كَسَبَ" يُرادُ بِهِ عَرْضُ الدُنْيا مِن عَقارٍ ونَحْوِهِ، أو لِيَكُونَ الكَلامُ دالًّا عَلى أنَّهُ تَعِبَ في تَكَسُّبِهِ، لَمْ يَجِئْهُ عَفْوًا لا بِمِيراثٍ وهِبَةٍ ونَحْوِهِ.

وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِـ"ما كَسَبَ" بَنُوهُ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ما أغْنى عنهُ مالُهُ ووَلَدُهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "خَيْرُ ما كَسَبَ الرَجُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ ولَدَ الرَجُلِ مِن كَسْبِهِ".» ورُوِيَ أنَّ أولادَ أبِي لَهَبٍ اخْتَصَمُوا عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فَتَنازَعُوا وتَدافَعُوا، فَقامَ ابْنُ عَبّاسٍ لِيَحْجِزَ بَيْنَهم فَدَفَعَهُ أحَدُهم فَوَقَعَ عَلى فِراشِهِ، وكانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَغَضِبَ وصاحَ: أخْرِجُوا عَنِّي الكَسْبَ الخَبِيثَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "وَما اكْتَسَبَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ حَتْمَ عَلَيْهِ بِالنارِ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ يُوافِي عَلى كُفْرِهِ، وانْتَزَعَ أهْلُ العِلْمِ بِالأُصُولِ مِن هَذِهِ الآيَةِ جَوازَ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وأنَّهُ مَوْجُودٌ في قِصَّةِ أبِي لَهَبٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مُخاطَبٌ مُكَلَّفٌ أنْ يُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ  ، ومُكَلَّفٌ أنْ يُؤْمِنَ بِهَذِهِ السُورَةِ وصِحَّتِها، فَكَأنَّهُ قَدْ كُلِّفَ أنْ يُؤْمِنَ، وأنْ يُؤْمِنَ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، قالَ الأُصُولِيُّونَ: ومَتى ورَدَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ فَهي أمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَتَمَ عَذابَهُ، أيْ عَذابُ ذَلِكَ المُكَلَّفِ، لِقِصَّةِ أبِي لَهَبٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَيَصْلى" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والحَسَنُ، وابْنُ مَسْعُودٍ بِضَمِّها.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ هي أُمُّ جَمِيلٍ، أُخْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ، عَمَّةُ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ.

وعَطَفَ قَوْلَهُ تَعالى: "وامْرَأتُهُ" عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ دُونَ أنْ يُؤَكِّدَ الضَمِيرَ بِسَبَبِ الحائِلِ الَّذِي نابَ مَنابَ التَأْكِيدِ، وكانَتْ أُمُّ جَمِيلٍ هَذِهِ مُؤْذِيَةٌ لِرَسُولِ اللهِ  ولِلْمُؤْمِنِينَ بِلِسانِها وغايَةُ قُدْرَتِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ تَجِيءُ بِالشَوْكِ فَتَطْرَحُهُ في طَرِيقِ النَبِيِّ  وطَرِيقِ أصْحابِهِ لِيَعْقِرَهُمْ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ حَمّالَةَ الحَطَبِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَـ "حَمّالَةَ" مَعْرِفَةٌ يُرادُ بِهِ الماضِي.

وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِذُنُوبِها الَّتِي تَحْطِبُها عَلى نَفْسِها لِآخِرَتِها، فَـ "حَمّالَةَ" -عَلى هَذا- نَكِرَةٌ يُرادُ بِهِ الِاسْتِقْبالَ، وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ لِسَعْيِها عَلى الدِينِ والمُؤْمِنِينَ، كَما تَقُولُ: "فُلانٌ يَحْطِبُ عَلى فُلانٍ"، فَكانَتْ هي تَحْطِبُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي حَبْلِ المُشْرِكِينَ، وقالَ الشاعِرُ: إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُوا الحَطَبِ هُمُ الوُشاةُ في الرِضا وفي الغَضَبِ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَمُرَيْئَتُهُ".

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَمّالَةُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عاصِمٌ: "حَمّالَةَ" بِالنَصْبِ عَلى الذَمِّ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ والأعْرَجِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "حَمّالَةٌ لِلْحَطَبِ" بِالرَفْعِ ولامِ الجَرِّ وقَرَأ أبُو قُلابَةَ: "حامِلَةً" بِكَسْرِ المِيمِ بَعْدَ الألِفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ إلى الحَبْلِ حَقِيقَةٌ، وهو الَّذِي رُبِطَتْ بِهِ الشَوْكُ وحَطَبُهُ، قالَ السُدِّيُّ: والمَسَدُ اللِيفُ، وقِيلَ: لِيفُ المُقِلِّ ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو شَجَرٌ بِاليَمَنِ يُسَمّى المَسَدُ، تُصْنَعُ مِنهُ الحِبالُ، وقالَ النابِغَةُ: مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النَحْضِ بازِلُها لَهُ ∗∗∗ صَرِيفٌ صَرِيفَ القَعْوِ بِالمَسَدِ القَعْوُ: البَكْرَةُ، والمَسَدُ: الحَبْلُ.

وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هَذا الكَلامُ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ: سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ في جَهَنَّمَ، ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا، ونَحْوُ هَذا مِنَ العِباراتِ، وقالَ قَتادَةُ: "حَبْلٌ مِن مَسَدٍ": قِلادَةٌ مَن ودِعٍ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَتْ لَها قِلادَةً فاخِرَةً فَقالَتْ: لَأُنْفِقَنَّها عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإنَّما عَبَّرَ عن قِلادَتِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَها، وذَكَرَ تَبَرُّجَها في هَذا السَعْيِ الخَبِيثِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ لَمّا نَزَلَتْ وقُرِئَتْ بَلَغَتْ أُمَّ جَمِيلٍ، فَجاءَتْ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وهو مَعَ النَبِيِّ  في المَسْجِدِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي ولَأفْعَلَنَّ وأفْعَلَنَّ، وإنِّي لَشاعِرَةٌ، وقَدْ قُلْتُ فِيهِ: مُذَمَّمًا قَلَيْنا ودِينُهُ أبَيْنا فَسَكَتَ أبُو بَكْرٍ، ومَضَتْ هِيَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ  : لَقَدْ حَجَبَنِي عنها مَلائِكَةٌ فَما رَأتْنِي، وكَفى اللهُ شَرَّهًا» كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المَسَدِ]والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

بيان لجملة: ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ أي لا يغني عنه شيء من عذاب جهنم.

ونزل هذا القرآن في حياة أبي لهب.

وقد مات بعد ذلك كافراً، فكانت هذه الآية إعلاماً بأنه لا يُسلم وكانت من دلائل النبوءة.

والسين للتحقيق مثل قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ [يوسف: 98].

و«يصلى ناراً» يُشوَى بها ويحس بإحراقها.

وأصل الفعل: صلاهُ بالنار، إذا شواه، ثم جاء منه صَلي كأفعال الإِحساس مثل فرِح ومرِض.

ونُصب ﴿ ناراً ﴾ على نزع الخافض.

ووصف النار ب ﴿ ذات لهب ﴾ لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وبين كفره إذ هو أبو لهب والنار ذات لهب.

وهو ما تقدم الإِيماء إليه بذكر كنيته كما قدمناه آنفاً، وفي وصف النار بذلك زيادة كشف لحقيقة النار وهو مِثل التأكيد.

وبين لَفضي ﴿ لهب ﴾ الأول و ﴿ لهب ﴾ الثاني الجناس التام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المَسَدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها في أبِي لَهَبٍ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ «أنَّ أبا لَهَبٍ أتى النَّبِيَّ  فَقالَ: ماذا أُعْطى إنْ آمَنتُ بِكَ يا مُحَمَّدُ؟

قالَ: ما يُعْطى المُسْلِمُونَ، قالَ: ما عَلَيْهِمْ فَضْلٌ؟

قالَ: وأيُّ شَيْءٍ تَبْتَغِي؟

قالَ: تَبًّا لِهَذا مِن دِينٍ أنْ أكُونَ أنا وهَؤُلاءِ سَواءً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ » الثّانِي: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ أتى رَسُولُ اللَّهِ  الصَّفا فَصَعِدَ عَلَيْها، ثُمَّ نادى يا صَباحاهُ!

فاجْتَمَعَ النّاسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أنْ تُغِيرَ عَلَيْكم، صَدَّقْتُمُونِي؟

قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ أما دَعَوْتَنا إلّا لِهَذا؟

!

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ السُّورَةَ» .

الثّالِثُ: ما حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ «كانَ إذا وفَدَ عَلى النَّبِيِّ  وفْدٌ انْطَلَقَ إلَيْهِمْ أبُو لَهَبٍ، فَيَسْألُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ويَقُولُونَ: أنْتَ أعْلَمُ بِهِ، فَيَقُولُ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنَّهُ كَذّابٌ ساحِرٌ، فَيَرْجِعُونَ عَنْهُ ولا يَلْقَوْنَهُ، فَأتاهُ وفْدٌ، فَفَعَلَ مَعَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: لا نَنْصَرِفُ حَتّى نَراهُ ونَسْمَعَ كَلامَهُ، فَقالَ لَهم أبُو لَهَبٍ: إنّا لَمْ نَزَلْ نُعالِجُهُ مِنَ الجُنُونِ فَتَبًّا لَهُ وتَعْسًا، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ  فاكْتَأبَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ تَبَّتْ ﴾ السُّورَةَ»، وفي ﴿ تَبَّتْ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: خابَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: ضَلَّتْ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

الثّالِثُ: هَلَكَتْ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: صَفُرَتْ مِن كُلِّ خَيْرٍ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رِئابٍ.

حَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ لَمّا قُتِلَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ سَمِعَ النّاسُ هاتِفًا يَقُولُ لَقَدْ خَلَّوْكَ وانْصَدَعُوا فَما آبُوا ولا رَجَعُوا ∗∗∗ ولَمْ يُوفُوا بِنَذْرِهِمُ ∗∗∗ فَيا تَبًّا لِما صَنَعُوا والخامِسُ: خَسِرَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَواعَدَنِي قَوْمِي لِيَسْعَوْا بِمُهْجَتِي ∗∗∗ بِجارِيَةٍ لَهم تَبًّا لَهم تَبًّا وَفِي قَوْلِهِ ﴿ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَفْسَ أبِي لَهَبٍ، وقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ النَّفْسِ بِاليَدِ كَما قالَ تَعالى ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ﴾ أيْ نَفْسُكَ.

الثّانِي: أيْ عَمَلُ أبِي لَهَبٍ، وإنَّما نُسِبُ العَمَلُ إلى اليَدِ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَكُونُ بِها.

وَقِيلَ إنَّهُ كُنِّيَ أبا لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وتَلَهُّبِ وجْنَتِهُ، وفي ذِكْرِ اللَّهِ لَهُ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِكُنْيَتِهِ أشْهَرَ مِنهُ بِاسْمِهِ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَ مُسَمًّى بِعَبْدِ هُشْمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عَبْدُ العُزّى فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ.

الثّالِثُ: لِأنَّ الِاسْمَ أشْرَفُ مِنَ الكُنْيَةِ، لِأنَّ الكُنْيَةَ إشارَةٌ إلَيْهِ بِاسْمِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ دَعا اللَّهُ أنْبِياءَهُ بِأسْمائِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَتَبَّ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْأوَّلِ مِن قَوْلِهِ ﴿ تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ ﴾ فَقالَ بَعْدَهُ ﴿ وَتَبَّ ﴾ تَأْكِيدًا.

الثّانِي: يَعْنِي تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ بِما مَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أذًى لِرَسُولِهِ، وتَبَّ بِما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن ألِيمِ عِقابِهِ.

الثّالِثُ: يَعْنِي قَدْ تَبَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: يَعْنِي وتَبَّ ولَدُ أبِي لَهَبٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وقَدْ تَبَّ، جَعَلَهُ خَبَرًا، وهي عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ تَكُونُ دُعاءً كالأوَّلِ.

وَفِيما تَبَّتْ عَنْهُ يَدا أبِي لَهَبٍ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ التَّوْحِيدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَنِ الخَيْراتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ ما أغْنى عَنْهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما دَفَعَ عَنْهُ.

الثّانِي: ما نَفَعَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي ﴿ مالُهُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ أغْنامَهُ، لِأنَّهُ كانَ صاحِبَ سائِمَةٍ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ تَلِيدَهُ وطارِفَهُ، والتَّلِيدُ: المَوْرُوثُ، والطّارِفُ: المُكْتَسَبُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَما كَسَبَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَمَلُهُ الخَبِيثُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (أوْلادُكم مِن كَسْبِكُمْ)» وكانَ ولَدُهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي لَهَبٍ مُبالِغًا في عَداوَةِ النَّبِيِّ  كَأبِيهِ، فَقالَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿ والنَّجْمِ إذا هَوى ﴾ كَفَرْتُ بِالنَّجْمِ إذا هَوى، وبِاَلَّذِي دَنا فَتَدَلّى، وتَفَلَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ  إلى الشّامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (اَللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ فَأكَلَهُ الأسَدُ)» .

وفِيما لَمْ يُغْنِ عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ وجْهانِ: أحَدُهُما: في عَداوَتِهِ النَّبِيَّ  .

الثّانِي: في دَفْعِ النّارِ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ في سِينِ سَيَصْلى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سِينُ سَوْفَ.

الثّانِي: سِينُ الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ﴾ و ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا ﴾ وفي يَصْلًى وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلِيَ النّارَ، أيْ حَطَبًا ووَقُودًا، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

الثّانِي: يَعْنِي تُصْلِيهِ النّارُ، أيْ تُنْضِجُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ صِفَةً لَهُ في النّارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صِفَةً لِلنّارِ.

وَفي ﴿ نارًا ذاتَ لَهَبٍ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاتُ ارْتِفاعٍ وقُوَّةٍ واشْتِعالٍ، فَوَصَفَ نارَهُ ذاتَ اللَّهَبِ بِقُوَّتِها، لِأنَّ قُوَّةَ النّارِ تَكُونُ مَعَ بَقاءِ لَهَبِها.

الثّانِي: ما في هَذِهِ الصِّفَةِ مِن مُضارَعَةِ كُنْيَتِهِ الَّتِي كانَتْ مِن نَذْرِهِ ووَعِيدِهِ.

وَهَذِهِ الآيَةُ تَشْتَمِلُ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ حَقَّ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ.

الثّانِي: إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّهُ سَيَمُوتُ عَلى كُفْرِهِ، وكانَ خَبَرُهُ صِدْقًا، ووَعِيدُهُ حَقًّا.

﴿ وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أبِي سُفْيانَ.

وَفي ﴿ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الشَّوْكَ فَتُلْقِيهِ في طَرِيقِ النَّبِيِّ  لَيْلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها كانَتْ تُعَيِّرُ رَسُولَ اللَّهِ  بِالفَقْرِ، فَكانَ يَحْتَطِبُ فَعُيِّرَتْ بِأنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها كانَتْ تَحْتَطِبُ الكَلامَ وتَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ فَسُمِّيَ الماشِي بِالنَّمِيمَةِ حَمّالَ الحَطَبِ لِأنَّهُ يُشْعِلُ العَداوَةَ كَما تُشْعِلُ النّارُ الحَطَبَ، قالَ الشّاعِرُ إنَّ بَنِي الأدْرَمِ حَمّالُو الحَطَبْ ∗∗∗ هُمُ الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ.

عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ تَتْرى والحَرَبْ.

وَقالَ آخَرُ مِنَ البِيضِ لَمْ تُصْطَدْ عَلى ظَهْرٍ لَأمَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَمْشِ بَيْنَ الحَيِّ بِالحَطَبِ والرَّطْبِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ ما حَمَلَتْهُ مِنَ الآثامِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ  لِأنَّهُ كالحَطَبِ في مَصِيرِهِ إلى النّارِ.

﴿ فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ ﴿ جِيدِها ﴾ : عُنُقُها.

وَفي ﴿ حَبْلٌ مِن مَسَدٍ ﴾ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سِلْسِلَةٌ مِن حَدِيدٍ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى فِيها: ﴿ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا ﴾ قالَ الحَسَنُ: سُمِّيَتِ السِّلْسِلَةُ مَسَدًا لِأنَّها مَمْسُودَةٌ، أيْ مَفْتُولَةٌ.

الثّانِي: أنَّهُ حَبْلٌ مِن لِيفِ النَّخْلِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومِن قَوْلِ الشّاعِرِ أعُوذُ بِاَللَّهِ مِن لَيْلٍ يُقَرِّبُنِي ∗∗∗ إلى مُضاجَعَةٍ كالدَّلْكِ بِالمَسَدِ.

الثّالِثُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن ودَعٍ، عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ لَها، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ حَبْلٌ ذُو ألْوانٍ مِن أحْمَرَ وأصْفَرَ تَتَزَيَّنُ بِهِ في جِيدِها، قالَهُ الحَسَنُ، ذُكِّرَتْ بِهِ عَلى وجْهِ التَّعْيِيرِ أيْضًا.

الخامِسُ: أنَّها قِلادَةٌ مِن جَوْهَرٍ فاخِرٍ، قالَتْ لَأُنْفِقَنَّها في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَذابًا في جِيدِها يَوْمَ القِيامَةِ.

السّادِسُ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى الخِذْلانِ، يَعْنِي أنَّها مَرْبُوطَةٌ عَنِ الإيمانِ بِما سَبَقَ لَها مِنَ الشَّقاءِ كالمَرْبُوطَةِ في جِيدِها بِحَبْلٍ مِن مَسَدٍ.

السّابِعُ: أنَّهُ لَمّا حَمَلَتْ أوْزارَ كُفْرِها صارَتْ كالحامِلَةِ لِحَطَبِ نارِها الَّتِي تُصْلى بِها.

رَوى الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ تَبَّتْ يَدا ﴾ في أبِي لَهَبٍ واِمْرَأتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ أقْبَلَتْ ولَها ولْوَلَةٌ وفي يَدِها قَهَرٌ وهي تَقُولُ مُذَمَّمًا عَصَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا.

وَرَسُولُ اللَّهِ  في المَسْجِدِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، فَلَمّا رَآها أبُو بَكْرٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أقْبَلَتْ وإنِّي أخافُ أنْ تَراكَ، فَقالَ: إنَّها لَنْ تَرانِي، وقَرَأ قُرْآنًا اعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا ﴾ فَأقْبَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، ولَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ إنِّي أُخْبِرْتُ أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي، فَقالَ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ، فَوَلَّتْ فَعَثَرَتْ في مَرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مُذَمَّمٌ، وانْصَرَفَتْ» .

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ بمكة.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير وعائشة مثله.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال: ما كان أبو لهب إلا من كفار قريش، ما هو حتى خرج من الشعب حين تمالأت قريش حتى حصرونا في الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب وظاهرهم، فلما خرج أبو لهب من الشعب لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة حين فارق قومه، فقال: يا ابنت عتبة هل نصرت اللات والعزى؟

قالت: نعم فجزاك الله خيراً يا أبا عتبة.

قال: إن محمداً يعدنا أشياء لا نراها كائنة، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فما ذاك وصنع في يدي، ثم نفخ في يديه ثم قال: تباً لكما ما أرى فيكما شيئاً مما يقول محمد، فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال ابن عباس: فحصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج منا بالنفقة فما يبايع حتى يرجع حتى هلك فينا من هلك.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: «لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين ﴾ [ الشعراء: 214] خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف: يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟

قالوا: ما جربنا عليك كذبا.

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

فقال أبو لهب: تبًّا لك إنما جمعتنا لهذا؟

ثم قام فنزلت هذه السورة ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال: خسرت.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال: خسرت ﴿ وتب ﴾ قال: خسر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ قال: خسرت يدا أبي لهب وخسر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: إنما سمي أبا لهب من حسنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان ابنه من كسبه، ثم قرأ ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ قالت: وما كسب ولده.

وأخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: كان يقال: ما أإنى عنه ماله وما كسب وولده كسبه ومجاهد وعائشة قالاه.

وأخرج الطبراني عن قتادة قال: كانت رقيه بنت النبي صلى الله عليه وسلم عند عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ سأل النبي صلى الله عليه وسلم طلاق رقية فطلقها فتزوّجها عثمان.

وأخرج الطبراني عن قتادة قال: تزوّج أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عتيبة بن أبي لهب، وكانت رقية عند أخيه عتبة بن أبي لهب، فلما أنزل الله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال أبو لهب لابنيه عتيبة وعتبة: رأسي من رأسكما حرام إن لم تطلقا بنتي محمد، وقالت أمهما بنت حرب بن أميه، وهي حمالة الحطب: طلقاهما فإنهما قد صبتا، فطلقاهما.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أن امرأة أبي لهب كانت تلقي في طريق النبي صلى الله عليه وسلم الشوك، فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب، وامرأته حمالة الحطب ﴾ فلما نزلت بلغ امرأة أبي لهب أن النبي يهجوك، قالت: علام يهجوني؟

هل رأيتموني كما قال محمد أحمل حطباً في جيدي حبل من مسد؟

فمكثت ثم أتته فقالت: إن ربك قلاك وودعك، فأنزل الله: ﴿ والضحى ﴾ [ الضحى: 1] إلى ﴿ وما قلى ﴾ [ الضحى: 3] .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تأتي بأغصان الشوك تطرحها بالليل في طريق رسول الله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تمشي بالنميمة ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ من نار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ﴿ في جيدها حبل ﴾ قال: عنقها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تحمل النميمة فتأتي بها بطون قريش.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عروة بن الزبير ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ قال: سلسلة من حديد من نار ذرعها سبعون ذراعاً.

وأخرج ابن الأنباري عن قتادة رضي الله عنه ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ قال: من الودع.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ قال: كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، ويقال: ﴿ حمالة الحطب ﴾ نقالة الحديث ﴿ حبل من مسد ﴾ قال: هي حبال تكون بمكة، ويقال المسد العصا التي تكون في البكرة، ويقال: المسد قلادة لها من ودع.

وأخرج ابن عساكر بسند فيه الكديمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت ولي أربع عمومة، فأما العباس فيكنى بأبي الفضل، ولولده الفضل إلى يوم القيامة، وأما حمزة فيكنى بأبي يعلى، فأعلى الله قدره في الدنيا والآخرة، وأما عبد العزى فيكنى بأبي لهب، فأدخله الله النار وألهبها عليه، وأما عبد مناف فيكنى بأبي طالب فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنه قال: مرت درة ابنة أبي لهب برجل فقال: هذه ابنة عدو الله أبي لهب، فأقبلت عليه فقالت ذكر الله أبي لنسابته وشرفه وترك أباك لجهالته، ثم ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم، فخطب الناس فقال: «لا يؤذين مسلم بكافر» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر وأبي هريرة وعمار بن ياسر رضي الله عنهم قالوا: قدمت درة بنت أبي لهب مهاجرة فقال لها نسوة: أنت درة بنت أبي لهب الذي يقول الله: ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فخطب فقال: «يا أيها الناس مالي أوذى في أهلي فوالله إن شفاعتي لتنال بقرابتي حتى إن حكما وحاء وصدا وسلهبا تنالها يوم القيامة بقرابتي» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

(قوله) (١) ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ قال مقاتل: يعني نارًا تلتهب (٢) (٣) ﴿ وَامْرَأَتُهُ ﴾ وهي أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان (٤) ﴿ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ كانت تحمل العصاة، والشوك فتطرحه على طريق النبي (٥)  - ليعقره (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال الكلبي (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) والمعنى على هذا أنها: كانت تحرش (٢٠) (٢١) من البِيضِ لمْ تُصْطَدْ على ظَهْرِ سوةٍ ...

ولمْ تمشِ بين الحيِّ بالحطبِ الرَّطبِ (٢٢) قال ابن قتيبة: الحطب: النميمة، ويقال: فلان يحطب على فلان إذا كان يغرى (٢٣) (٢٤) قوله (٢٥) ﴿ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ قراءة العامة: بالرفع (٢٦) (٢٧) وهذا قول أبي علي (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) ومن نصب: (حمالةَ الحطب) فعلى معنى: أعني حمالة الحطب.

قاله الفراء (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقال أبو علي: النصب في (حمالة الحطب) على الذم، وكأنها كانت اشتهرت بذلك، فجرت الصفة عليها [للذم؛ لا] (٣٧) (٣٨) (١) ساقط من (أ).

(٢) في (أ): (لهب).

(٣) بمعناه في تفسيره: 255 ب.

(٤) قال به الزجاج "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 376، وانظر: "الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 543.

(٥) في (أ): (رسول الله).

(٦) العقر: الجرح، أو ما يشبه الجرح من الهزم في الشيء.

"مقاييس اللغة" 4/ 90 (عقر).

وقال الفيروزبادي: العقر: الجرح وأثر كالحز في قوائم الفرس والإبل، عقره يعقره وعقره والعقير المعقور.

"القاموس المحيط" 2/ 93 (عقر).

(٧) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٨) "جامع البيان" 30/ 339، و"الكشف والبيان" 13/ 184 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 327، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 240، و"فتح القدير" 5/ 512.

(٩) "جامع البيان" 30/ 339، و"الجامع لأحكام القرآن" 2/ 240، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 512.

(١٠) "جامع البيان" 30/ 338، و"الكشف والبيان" 13/ 184 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"المحرر الوجيز" 5/ 535 من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، و"زاد المسير" 8/ 327، و"البحر المحيط" 8/ 526 من غير ذكر الطريق إلى ابن عباس، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى البيهقي في الدلائل، وابن عساكر.

(١١) لم أعثر على مصدر ذكر طريقه إلى ابن عباس عدا "المحرر الوجيز"، و"البحر المحيط" فقد ذكرت الرواية من غير بيان الطريق إلى ابن عباس راجع الهامش السابق.

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(١٤) "تفسير الإمام مجاهد" ص 759، و"جامع البيان" 30/ 339، و"الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 327، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"الدر المنثور" 8/ 667 وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 512.

(١٥) المراجع السابقة عدا "تفسير مجاهد"، و"زاد المسير"، وانظر أيضًا: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 406.

(١٦) "الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"النكت والعيون" 6/ 367، و"معالم التنزيل" 4/ 543، و"زاد المسير" 8/ 327 "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"فتح القدير" 5/ 512.

(١٧) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٨) "الكشف والبيان" 13/ 183 ب من غير ذكر طريق أبي صالح، وكذلك "زاد المسير" 8/ 327، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526.

(١٩) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٠) تحرش: التحريش: الإغراء بين القوم وكذلك بين الكلام.

"الصحاح" 3/ 1001 (حرش)، وانظر: "لسان العرب" 6/ 279 (حرش).

(٢١) "تهذيب اللغة" 4/ 394 (حطب).

(٢٢) ورد البيت أيضًا غير منسوب في: "لسان العرب" 1/ 322 (حطب)، و"تاج العروس" 1/ 217، و"الكشف والبيان" 13/ 183 ب، و"الكشاف" 4/ 241، و"النكت والعيون" 6/ 367 "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 239، و"البحر المحيط" 8/ 526، و"فتح القدير" 5/ 512 "روح المعاني" 30/ 263 وجميعها برواية على (ظهر لأمة) بدلاً (على ظهر سوة) و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 376 برواية (لأمة)، و (لم تمس بين الحي بالحطب الجزل) "معجم مقاييس اللغة" 2/ 79: حطب، برواية: (حبل لأمة)، و"تأويل مشكل القرآن" ابن قتيبة: 160 برواية (على حبل سوأة) و (بالحظر الرطب)، و"الحجة" 6/ 452 برواية (لم تسع) بدلًا (لم تمش).

(٢٣) أغرى به: هكذا وردت في "تأويل مشكل القرآن".

(٢٤) "تأويل مشكل القرآن" 160 بيسير من التصرف، وانظر "تفسير غريب القرآن" 542.

(٢٥) في (أ): وقوله.

(٢٦) وقرأ عاصم وحده: (وامرأته حمالةَ الحطب) بالنصب.

انظر: "كتاب السبعة في القراءات" 700، و"المبسوط" ص240، و"حجة القراءات" ص 776، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" ص 202.

(٢٧) في (أ): (ما).

(٢٨) "الحجة" 6/ 451 - 452.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 375.

(٣٠) في (ع): (الزجاج وأبي علي).

(٣١) "معاني القرآن" 3/ 218.

(٣٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٣) "معاني القرآن" 3/ 218.

(٣٤) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 375.

(٣٥) "الحجة" 6/ 451 - 452.

(٣٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣٧) ساقطة من النسختين، وأثبت ما جاء في مصدر القول لسلامته وانتظام الكلام به.

(٣٨) "الحجة" 6/ 452 بيسير من التصرف.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ معنى تبت خسرت والتباب هو: الخسران، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم وهو عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الناس عداوة له.

فإن قيل: لم ذكره الله بكنيته دون اسمه؟

فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها: أن كنيته كانت أغلب عليه من اسمه كأبي بكر وغيره ويقال: أنه كُني بأبي لهب لتلهب وجهه جمالاً.

الثاني: أنه لما كان اسمه عبد العزى عدل عنه إلى الكنية.

الثالث: أنه لما كان من أهل النار واللهب، كنَّها أبا لهب وليناسب ذلك قوله: سيصلى ناراً ذات لهب.

﴿ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ يحتمل أن تكون ما نافية أو استفهامية يراد بها النفي، وماله: وهو رأس ماله وما كسب: الربح أو ماله: ما ورث، وما كسب: هو ما اكتسبه لنفسه، وقيل: جميع ماله وما كسب ﴿ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ هذا حتم عليه بدخول النار ومات بعد ذلك كافراً ﴿ وامرأته حَمَّالَةَ الحطب ﴾ اسم امرأته أم جميل بنت حرب بن أمية وهي أخت أبي سفيان، وفي وصفها بحمالة الحطب أربعة أقوال.

أحدها: أنها تحمل حطباً وشوكاً فتلقيه في طريق النبي صلى الله عليه وسلم.

الثاني: أن ذلك عبارة عن مشيها بالنميمة يقال: فلان يحمل الحطب بين الناس أي: يوقد بينهم نار العداوة بالنمائم.

الثالث: أنه عبارة عن سعيها بالمضرة على المسلمين يقال: فلان يحطِب على فلان إذا قصد الإضرار به.

الرابع: أنه عبارة عن ذنوبها وسوء أعمالها ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ الجِيد: العنق والمسَد الليف، وقيل: الحبل المفتول، وفي المراد به ثلاثة أقوال: الأول: أنه إخبار عن حملها الحطب في الدنيا على القول الأول، وفي ذلك تحقير لها وإظهار لخساسة حالها.

والآخر: أنه حالها في جنهم يكون كذلك أي يكون في عنقها حبل.

الثالث: أنها كانت قلادة فاخرة، فقالت لأنفقنها على عداوة محمد، فأخبر عن قلادتها بحبل المسد على جهة التفاؤل والذم لها بتبرجها، ويحتمل قوله: وامرأته وما بعده وجوها من الإعراب يختلف الوقف باختلافها وهي: أن يكون امرأته وحمالة الحطب خبره، أو يكون حمالةَ الحطب نعت والخبر: في جيدها حبل من مسد أو يكون امرأته معطوفاً على الضمير في يصلى وحمالة الحطب نعت، أو خبر ابتداء مضمر.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات ﴿ أبي لهب ﴾ بسكون الهاء: ابن كثير ﴿ سيصلى ﴾ بضم الياء: البرجمي ﴿ حمالة ﴾ بالنصب: عاصم ﴿ جيدها ﴾ ممالة: نصير.

الوقوف: ﴿ وتب ﴾ ه ﴿ كسب ﴾ ه ﴿ لهب ﴾ ج ه لاحتمال كون ﴿ وامرأته ﴾ مبتدأ خبره ﴿ حمالة الحطب ﴾ أو ﴿ في جيدها ﴾ إلى آخره واحتمال كونه عطفاً على ضمير ﴿ سيصلى ﴾ والأوجه الوصل ﴿ وامرأته ﴾ ه لمن قرأ ﴿ حمالة ﴾ بالنصب على الذم، ويجوز الوقف لمن قرأ بالرفع أيضاً على تقدير هي حمالة الحطب.

ومن قرأ ﴿ حمالة ﴾ بالنصب فله أن يصل ﴿ ذات لهب ﴾ بما بعده ويقف على ﴿ مسد ﴾ ﴿ مسد ﴾ ه.

التفسير: لما أخبر عن فتح الولي وهو النبي  نبه على مآل حال العدو في الدارين.

قال ابن عباس: "كان رسول الله  يكتم أمره في أول المبعث ويصلي في شعاب مكة ثلاث سنين إلى أن نزل قوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين  ﴾ فصعد الصفا ونادى: يا آل غالب فخرجت إليه من المسجد.

فقال أبو لهب: هذه غالب قد أتتك فما عندك؟

ثم نادى يا آل لؤي فرجع من لم يكن من لؤي فقال: هذه لؤي قد أتتك فما عندك؟

فقال يا آل - كلاب ثم قال بعده: يا آل قصي فقال أبو لهب: هذه قصي قد أتتك فما عندك، ثم قال: إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين وأنتم الأقربون، إني لا أملك لكم من الدنيا حظاً ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا الله فأشهد لكم بها عند ربكم.

فقال أبو لهب عليه اللعنة: تباً لك ألهذا دعوتنا؟

فنزلت السورة" .

وقيل: "إن رسول الله  جمع أعمامه وقدم إليهم طعاماً في صحفة فاستحقروه وقالوا: إن أحدنا يأكل الشاة فقال: كلوا فأكلوا فشبعوا ولم ينتقص من الطعام إلا قليل.

ثم قالوا فما عندك؟

فدعاهم إلى الإسلام.

فقال أبو لهب ما قال" .

وروي أنه قال أبو لهب: "فما لي إن أسلمت؟

فقال: ما للمسلمين.

فقال: أفلا أفضل عليهم؟

فقال النبي  : وبماذا تفضل؟

فقال: تباً لهذا الدين الذي يستوي فيه أنا وغيري فنزلت ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ " التباب الهلاك كقوله ﴿ وما كيد فرعون إلا في تباب  ﴾ وقيل: الخسران المفضي إلى الهلاك.

وقيل: الخيبة.

وقال ابن عباس: لأنه كان يدفع قائلاً إنه ساحر فينصرفون عنه قبل لقائه لأنه كان شيخ القبيلة وكان له كالأب فكان لا يتهم، فلما نزلت السورة وسمع بها غضب وأظهر العداوى الشديدة فصار متهماً فلم يقبل قوله في الرسول  بعد ذلك فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه.

قالوا: ولعله إنما ذكر اليد لأنه كان يضرب بيده على كتف الوافد عليه فيقول: انصرف راشداً فإنه مجنون.

ويروى أنه أخذ حجراً ليرمي به رسول الله  .

وعن طارق المحاربي أنه قال: رأيت رسول الله  في السوق يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل خلفه يرميه بالحجارة وقد ادمى عقيبة وقال: لا تطيعوه إنه كذاب.

فقلت: من هذا؟

فقالوا: محمد وعمه أبو لهب.

وقال أهل المعاني: أراد باليدين الجملة كقوله ﴿ ذلك بما قدّمت يداك  ﴾ لأن أكثر الأعمال إنما تعمل باليد، فاليمين كالسلاح واليسار كالجنة، بالأولى يجر المنفعة وبالأخرى يدفع المضرة، وروي أنه  لما دعاه نهاراً فأبى ذهب إلى داره ليلاً مستناً بسنة نوح ليدعوه ليلاً كما دعاه نهاراً، فلما دخل عليه قال له: جئتني معتذراً.

فجلس النبي  أمامه كالمحتاج وجعل يدعوه إلى الإسلام وقال: ن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت.

فقال: لا أومن بك أو يؤمن هذا الجدي.

فقال النبي  للجدي.

من أنا؟

فقال: أنت رسول الله  وأطلق لسانه يثني عليه فاستولى الحسد على أبي لهب وأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تباً لك أثر فيك السحر.

فقال الجدي: بل تبت يدالك فنزلت السورة على وفق ذلك لتمزيقه يدي الحيوان الشاهد بالحق الناطق بالصدق.

وفي ذكر أبي لهب بالكنية الدالة على التعظيم المنبئة عن شبهة الكذب إذ لم يكن له ولد مسمى بلهب وجوه منها: أن الكنية قد تصير اسماً بالغلبة فلا تدل على التعظيم، وإيهام الكذب منتف لأنهم يريدون بها التفاؤل فلا يلزم منه أن يحصل له ولد يسمى بلهب.

ومناه أن اسمه كان عبد العزي فكان الاحتراز عن ذكره أولى.

ومنها أنه إشارة إلى أنه من أهل النار كما يقال " أبو الخير " لمن يلازمه.

وكما قال النبي  لعلي  " يا أبا تراب " لتراب لصق بظهره.

وقيل: سمي بذلك لتلهب وجنتيه فسماه الله  بذلك تهكماً ورمزاً إلى مآل حاله وفي قوله ﴿ سيصلى ناراً ذات لهب ﴾ قال أهل الخطابة: إنام لم يقل في أوّل هذه السورة " قل تبت " كما قال ﴿ قل يا أيها الكافرون  ﴾ لئلا يشافه عمه بما يشتد غضبه رعاية للحرمة وتحقيقاً لقوله ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم  ﴾ وأيضاً إن الكفار في تلك السورة طعنوا في الله فقال الله: يا محمد أجبهم عني ﴿ قل يا أيها الكافرون  ﴾ وفي هذ السورة طعنوا في حق محمد  فقال الله  اسكت أنت فإنيّ أشتمهم ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ وفيه تنبيه على أن الذي لا يشافه السفيه كان الله ذاباً عنه وناصراً له.

يروى أن أبا بكر كان يؤذيه واحد فبقي ساكتاً فجعل الرسول يذبه عنه ويزجر ذلك المؤذي فشرع أبو بكر في الجواب فسكت الرسول فقال أبو بكر: ما السبب في ذلك؟

فقال: لإنك حين كنت ساكتاً كان الملك يجيب عنك، فلما شرعت في الجواب انصرف الملك وجاء الشيطان.

قال أبو الليث: اللهب واللهب لغتان كالنهر والنهر ولكن الفتح أوجه، ولهذا قرأ به أكثر القراء.

وأجمعوا في قوله ﴿ ذات لهب ﴾ على الفتح رعاية للفاصلة.

وفي دفع التكرار عن قوله ﴿ وتب ﴾ وجوه منها: أن الأول دعاء والثاني إخبار ويؤيده قراءة ابن مسعود و " قد تب "، ومنها أن الأول إخبار عن هلاك عمله لأن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه باليد، والثاني إخبار عن هلاك نفسه وهو قول أبي مسلم.

وقيل: الأول إهلاك ما له فقد يقال للمال ذات اليد، والآخر هلاك نفسه وهو قول أبي مسلم.

وقيل: الأول نفسه والثاني ولده عتبة على ما روي أن عتبة ابن أبي لهب خرج إلى الشام مع ناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم عتبة: بلغوا عني محمداً أني كفرت بالنجم إذا هوى.

وروى أنهقال ذلك في وجه رسول الله  وتفل في جهه وكان مبالغاً في عداوته فقال: الله سلط عليه كلباً من كلابك.

فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز دائماً فسار ليلة من الليالي إلى قريب من الصبح فقال له أصحابه: هلكت الركاب.

فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب فأناح الإبل حوله كالسرادق فسلط الله الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه.

فقوله ﴿ تبت ﴾ قبل هذه الواقعة على عادة إخبار الله  في جعل المستقبل كالماضي المحقق.

والفرق بين المال والكسب من وجوه أحدها: أن المال عني به رأس المال والمكسوب هو الربح.

وثانيها أراد الماشية والذي كسبه من نسلها وكان صاحب النعم والنتاج.

وثالثها أريد ماله الموروث والذي كسبه بنفسه.

وعن ابن عباس: المكسوب الولد لقوله  " إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" روي أنه لما مات تركه أبناؤه ليلتين أو ثلاثاً حتى أنتن في بيته لعلة كانت به خافوا عدواها.

وقال الضحاك وقتادة: ما ينفعه ماله وعمله الخبيث يعني كيده في عداوة الرسول وسائر أعماله التي ظن أنه منها على شيء كقوله ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل  ﴾ وفي قوله ﴿ أغنى ﴾ بلفظ الماضي تأكيد وتحقيق على عادة إخبار الله  وقد زاده تأكيداً بقوله ﴿ سيصلى ناراً ذات لهب ﴾ وطالما استدل به أهل السنة في وقوع تكليف ما لا يطاق قائلين إنه  كلف أبا لهب بالإيمان، ومن جملة الإيمان تصديق الله في كل ما أخبر عنه، ومما خبر عنه أنه لا يؤمن وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن وبأن لا يؤمن وهو تكليف بالجمع بين النقيضين.

وأجيب بأنه كلف بتصديق الرسول  فقط لا بتصديقه وعدم تصديقه حتى يجتمع النقيضان، وغاية ذلك أنهم كلفوا بالإيمان بعد علمهم بأنهم لا يؤمنون وليس فيه إلا انتفاء فائدة التكليف، لأن فائدة التكليف بما علم الله لا يكون هو الابتلاء وإلزام الحجة وهذا لا يتصور بعد أن يعلم المكلف حاله من امتناع صدور الفعل عنه، والتكليف من غير فائدة جائز عندكم لأن أفعاله  غير معللة بغرض وفائدة على معتقدكم.

ثم إن امرأة أبي لهب أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب عمة معاوية كانت في غاية العداوة لرسول الله  ، فمن المفسرين من قال: كانت تحمل الشوك والحطب وتلقيهما بالليل في طريق النبي  ، فلعلها مع كونها من بيت العز كانت خسيسة أو كانت لشدة عداوتها تحمل بنفسها الشوك والحطب لتلقيه في طريق الرسول  .

ثم من هؤلاء من زعم أن الحبل اشتد في جيدها فماتت بسبب الاختناق، فقوله ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ يحتمل على هذا أن يكون دعاء عليها وقد وقع كما أريد وكان معجزاً.

ومنهم من قال: عيرها بذلك تشبيهاً لها بالحطابات وإيذاء لها ولزوجها.

وعن قتادة أنها كانت تعير رسول الله  بالفقر فعيرها بأنها كانت تحتطب.

والأكثرون على أن المراد بقوله ﴿ حمالة الحطب ﴾ أنها كانت تمشي بالنميمة يقال للنمام المفسد بين الناس إنه يحمل الحطب بينهم أي يوقد بينهم النائرة.

ويقال للمكثار هو كحاطب ليل.

وقال أبو مسلم وسعيد بن جبير: أراد ما حملت من الآثام في عداوة الرسول  لأنه كان كالحطب في مصيره إلى النار نظيره ﴿ فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً  ﴾ ﴿ وليحملن أثقالهم  ﴾ "يروى عن أسماء أنه لما نزلت السورة جاءت أم جميل ولها ولولة وبيدها حجر فدخلت المسجد ورسول الله  جالس ومعه أبو بكر وهي تقول: مذمماً قلينا.

ودينه أبينا.

وحكمه عصينا فقال أبو بكر: يا رسولالله قد أقبلت إليك فأنا أخاف أن تراك.

فقال  : إنها لا تراني وقرأ ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً  ﴾ فقالت لأبي بكر: قد ذكر لي أن صاحبك هجاني فقال أبو بكر: لا ورب الكعبة ما هجاك" .

قالت العلماء: لعل أبا بكر عني بذلك أن الله  قد هجاها ولم يهجها الرسول، أو اعتقد أن القرآن لا يسمى هجواً.

ثم إن أم جميل ولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها.

قال الواحدي: المسد في كلام العرب الفتل.

يقال: مسد الحبل مسداً إذا أجاد فتله.

ورجل ممسود إذا كان مجدول الخلق.

والمسد بالتحريك ما مسد أي فتل من أي شيء كان كالليف والخوص وجلود الإبل والحديد.

وقد عرفت معنى قوله ﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ على رأي بعض أهل التفسير.

وقال الآخرون: المعنى أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها في المعنى عند النميمة، أو في الظاهر حين كانت تحمل الحزمة من الشوك فلا تزال على ظهرها حزمة من حطب النار من شجرة الزقوم وفي جيده حبل من سلاسل النار.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ : أي: خسرت، وخابت، كذلك قال أبو عوسجة، يقال: تب يتب وتبايا.

ثم ما ذكر من قوله: ﴿ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ يحتمل حقيقة اليد.

ويحتمل أن يكون ذكر اليد على الصلة.

فإن كان على إرادة حقيقة اليد، فهو يخرج على وجوه: أحدها: ما ذكر: أنه [كان] كثير الإحسان إلى رسول الله  ، والإنفاق عليه، والصنائع إليه، وكان يقول: إن كان الأمر لمحمد يومئذ؛ فيكون لي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد؛ فأخبر - والله أعلم - أنه خسر فيما طمع ورجا من اليدن التي له عنده والإحسان الذي أحسن إليه؛ إذ لم يصدقه، ولم يؤمن به، وخسر - أيضا - ما ادعى من اليد له عند قريش.

والثاني: يحتمل أن يكون من أبي لهب تخويف لرسول الله  بالبطش والأخذ باليد؛ فأمن الله -  - رسوله عما خوفه [به]، حيث قال: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ ﴾ ، أي: خسرت يداه، ولا يقدر على البطش.

والثالث: يحتمل أن يكون اليد كناية عن القوة في نفسه وماله في دفع العذاب عن نفسه، وكذلك كانوا يدعون دفع العذاب عن أنفسهم؛ بقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ .

وذرك بعض أهل التأويل: أنه لما نزل قوله -  - ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ  ﴾ ، جمع عشائره الأقرب فالأقرب منهم، وقال: إني لا أملك لكم من الله نفعا في الدنيا والآخرة إلا بعد أن تقولوا شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" فقال أبو لهب عند ذلك: "تبا لك يا محمد، ألهذا دعوتنا؟!" فنزل عند ذلك: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ مجازاة له.

فهذا وإن لم يكن في فعله ف يالقصة استعمال اليدين، فيجوز أنه كان يصرف الناس عن رسول الله  بيده، أو حين دعى إلى الإيمان بالله -  - مد يديه على التعجب من ذلك، وقال: "ألهذا دعوتنا؟" فرد الله -  - عليه ذلك، وعيره به.

وقد يجوز أن يظهر في الجواب مقدمة السؤال وإن لم يذكر ذلك في السؤال؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ  ﴾ ؛ فعلم بذلك أن السؤال إنما كان عن قربانهن في المحيض؛ فكذلك الأول.

وإن كان ذكر اليد على الصلة، فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر اليد كناية عن العمل والفعل، إلا أنه ذكر اليد؛ لما باليد يقوم ويعمل؛ كقوله  : ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، و ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، وذلك على الكناية عما كان منه من الصنيع، أي: خسرت أعماله وبطلت.

والثاني: يذكر اليد على إرادة: قدام وأمام؛ كقوله -  -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ ، اي: أمامه وخلفه؛ فيكون معناه: ما قدم من الأعمال، والله أعلم.

ثم تخصيص أبي لهمب بالذكر من بين سائر الكفرة يحتمل وجوها: أحدها: خصه بالاسم؛ لأنه كان من الفراعنة والأكابر، وهو المقصود به، والفراعنة قد يذكرون بأسمائهم؛ لما هم المقصودون به، وإن كان من دونهم يشاركونهم في ذلك؛ كذكر فرعون، وعاد، وثمود، وغيره.

والثاني: كان شديد الهيبة والخوف؛ فذكره باسمه، وخصه به؛ ليعلم أن محمدا  لا يهابه، ولا يخافه، والله أعلم.

والثالث: أنه كثير الأيادي والصنائع بحق رسول الله  ، فلو كان الخطاب بهذا يعم الكفرة، لكان يظن بما سبق منه من الأيادي أنه غير داخل تحت الخطاب؛ فخصه بالذكر؛ ليعلم أنه لا يغنيه من الله شيء.

ثم ذكره بالكنية يخرج على وجوه: أحدها: يحتمل أن يكون بالكنية عرف عند الناس، وبها كان معروفا دون اسمه؛ فذكره بالذي كان معروفا به.

والثاني: ما ذكر أن اسمه كان عبد العزى؛ فلم يرد أن ينسبه إلى غيره، وهو العزى؛ فذكره بالكنية لهذا.

والثالث: أنه عيره بأشياء، وخوفه بمواعيد؛ فلو ذكره باسمه، فلعله يصرف ذلك الخطاب والوعيد الذي كان له إلى غيره؛ لما شرك غيره في الاسم؛ إذ كانوا يسمون أولادهم وينسبونهم إلى أصنامنهم، ولم يكن أحد شركه في كنيته؛ فلا يمكنه التحويل إلى غيره.

وقيل: ذكره بالكنية يخرج مخرج الوعيد له، أي: تصير النار له كالابن، وهو كالأب لها؛ وذلك لأن هذه الكنى إنما تذكر في المتعارف على وجه التفاؤل، كما يقال: أبو منصور؛ على رجاء أن يولد له ابن يسمى: منصورا.

ثم إن الله -  - سمى النار في بعض الآيات: أما للكافر، كقوله: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  ﴾ ، وفي بعضها: مولى؛ حيث قال: ﴿ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ؛ فجاز - أيضا - أن تكون النار إذا قربت منه، وانضمت إلى حجره أن تصير في التمثيل كالولد، ويصير ه و أبا لها؛ فقال: ﴿ أَبِي لَهَبٍ ﴾ ؛ على هذا الوجه من التأويل.

ووجه آخر: وهو أن ذكر الكنية وإن كان يراد بها التعظيم، فعند ذكر المواعيد والعقوبات يراد بها الاستخفاف والإهانة؛ وهو على ما ذكرنا في البشارة: أنها وإن كانت تذكر عندما يسر ويبهج في الأغلب، فعند ذكر العقوبة نذارة، كقوله -  - ﴿ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ؛ فعلى ذلك الكنية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ ، هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: لم يغن ماله وقوته وما كسب من عذا بالله شيئا، على ما يقولون: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ .

والثاني: أي شيء أغنى عنه ماله وما كسب؟!.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَسَبَ ﴾ يحتمل الولد، أي: ما أغنى عنه ما جمع من ماله وما كسب من الولد؛ على ما ذكر في الخبر، روى أبو الأسود عن عائشة -  ا - عن النبي  : "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وولده من كسبه" وسئل ابن عباس -  ما -: أيأخذ الرجل من مال ولده؟

فتلا ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً...

 ﴾ ، فهو مما وهب الله لنا؛ فهم وأموالهم لنا، والله أعلم.

ويحتمل أن ما أغنى عنه ما جمع من المال، وما كسب من العمل والإنفاق الذي أنفق على الطمع الذي فعل، أي: لم يغنه شيئا.

أو [لم يغنه] ما كسب عن صد الناس عن رسول الله  والدخول في دينه والاتباع له، وسوء المقال الذي قال فيه.

وفي حرف ابن مسعود -  -: (تبت يدا أبي لهب وقد تب ما أعنى عنه ماله وما اكتسب).

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ : أي: ذات التهاب.

وفيه دلالة إثبات رسالته؛ حيث أخبر أن سيصلى نارا، ولا يصلى النار إلا بعد ما يختم بالكفر، ثم كان كما أخبر؛ دل أنه علم ذلك بالله  .

وفي هذه السورة دلالتان أخريان يدلان على نبوته: إحداهما: أن رسول الله  إنما قرأ هذه السورة عليهم بمكة حين لم يكن له ناصر في الدين، وكانت المنعة والقوة للكفرة، وكانوا جميعا أولياء أبي لهب وأنصارا له عن آخرهم، ولا يحتمل أن يكون محمد  يقرأ هذه السورة عليه، وفيها سب له وتعيير إلى يوم القيامة، مع قلة أوليائه وكثرة أعدائه؛ إذ فيه خوف هلاكه - إلا برب العالمين.

ومعنى آخر: أنه -  - كان موصوفا بحسن العشرة وإجمال الصحبة مع الأجانب؛ فما ظنك بالعشيرة والأقارب مع ما أنه كان متنزها عن الفواحش في جميع أوقاته؛ فما جاز له هذا إلا بالأمر من الله  ؛ فدل ذلك على نبوته ورسالته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ ﴾ : قال بعضهم: أي: كانت حمالة النميمة والحديث بين الناس، فأوعدها الله -  - لذلك في الآخر ما ذكر: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ وهي السلسلة، ومنه يقال: فلان يحطب؛ إذا أغرى.

وقال بعضهم: كانت حمالة الحطب حقيقة، كانت تحمل الحطب الذي فيه الشوك، وتطرحه في طريق رسول الله  والمسلمين؛ فأوعدها الله -  - بما ذكر من حبل من مسد في الآخرة.

ومنهم من قال: إنها ك انت كذلك في الدنيا، كانت تحمل الحطب إلى منزلها، وكان في جيدها حبل من ليف؛ فيعرها بذلك؛ لأنها كانت تعير رسول الله  بالفقر والحاجة.

وذكر أنها كانت تمسك في عنقها حبلا من ليف سرا من وزوجها، وذلك مما لا يتحلى به النساء، وليس هو من أسباب الزينة؛ فأخبر الله -  - عن سفهها وجهلها؛ ليكون ذلك سبا وتعييراً مجازاة لما كانت تقوله في رسول الله  ؛ ولذلك قالت لأبي بكر [الصديق] -  -: "أما رضي محمد أن يهجو عمه حتى هجاني؟!" أو قالت: "حتى هجاني رب محمد؟!"  ، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيدخل يوم القيامة نارًا ذات لهب، يقاسي حرّها.

<div class="verse-tafsir" id="91.oAyJ1"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(أبو لهب): هو عبد العزى بن عبد المطلب عم رسول الله  .

كان من أشد الناس عداوة له.

وصح في الخبر أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ  ﴾ صعد النبي  على الصفا ونادى بطون قريش، فاجتمع من جميع القبائل خلق كثير، حتى جعل الرجل إذا لم يذهب يرسل رسولًا لينظر ما الخبر.

وكان في المجتمعين أبو لهب - فقال رسول الله  : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟

قالوا: نعم، وما جربنا عليك إلا صدقًا.

قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.

فقال أبو لهب: "تبًا لك سائر الأيام!

ألهذا جمعتنا؟".

وكان أبو لهب يتبع النبي  في بعض غدواته إلى القبائل يدعوها إلى الله، فإذا قال رسو الله: "إني رسول الله إليكم" يكذبه عمه وينهي الناس عن تصديقه، وكانت امرأته -أم جميل بنت حرب أُخت أبي سفيان، وعمة معاوية  - تسعى عند القوم بالنميمة على رسول الله  لتفسد عليه قلوب القوم والعشيرة.

والساعي بالنميمة يلقب بحامل الحطب، كما قال الراجز: إن بني الأردم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضاء والغضب وفي كلامهم كثير من الشواهد على ذلك.

ولقب عبد العزى بأبي لهب لتلهب وجنتيه وإشراقهما، كما زعموا.

وقد أنزل الله فيه وفي زوجته هذه السورة ليكون مثلًا يعتبر به من يعادي ما أنزل الله على نبيه مطاوعة لهواه، وإيثارًا لما ألفه من العقائد والعوائد والأعمال، واغترارًا بما عنده من الأموال وبما له من الصولة أو من المنزلة في قلوب الرجال.

قال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  ﴾ .

تبت يدا فلان أي خسر أو هلك والجملة الأولى (تبت يد أبي لهب) دعاء عليه بأن يخسر أو يهلك.

ولما كانت اليد هي آلة العمل والبطش، فإذا هلكت وانقطعت أو خسرت، كان الشخص كأنه معدوم هالك -عد العرب خسرانها كناية عن خسران الشخص نفسه، وهلاكها كناية عن هلاكه- فإذا دعي عليه بخسران يديه فقد دعي عليه بخسرانه.

ولذلك قال بعد الجملة الدعائية: (وتب) أي وهلك أو خسر هو أي أبو لهب، أي أن ما دعي به عليه لم يكن لمجرد نكايته وإظهار مقته وشدة الغضب عليه -كما جرت به سنة العرب في كلامهم- بل هذا دعاء فيه ما تعرفه العرب، وفيه -مع ذلك- أنه بأمر واقع، فإن أبا لهب قد هلك أو خسر بالفعل.

والواو في قوله: ﴿ وَتَبَّ  ﴾ للاستئناف أي وهو قد تب.

ثم استأنف الكلام بغير حرف لبيان أن ما كان يتعزز به من المال والجاه لم يكن مما يفديه ويخلصه من الخسران ..

فقال: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ  ﴾ : أي لم يفده ماله ولا عمله الذي كان يأتيه في معاداة النبي  طلبًا للعلو والظهور.

﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ  ﴾ : لهب النار: هو ما يسطع منها عند اشتعالها وتوقدها.

أراد بوصفها هذا أنها نار شديدة الحرارة.

والمراد من هذه النار نار الآخرة التي لا يعلم حقيقتها إلا الله، وسيعذب فيها أبو لهب جزاء ما كان يأتيه من العناد والمجاحدة، وسيصلاها معه امرأته أم جميل، كما قال الله ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَب  ﴾ .

فامرأته معطوفة على ضمير أبي لهب.

﴿ حَمَّالَةَ الْحَطَب  ﴾ : نصب على فعل محذوف قصد به التخصيص بالذم: أي وامرأته -تلك النمامة الواشية التي تؤجج النار بين الناس بنميمتها- كأنها تحمل الحطب لتحرق ما بينهم من الصلات.

ولزيادة التبشيع في التصوير قال: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ  ﴾ : أي في عنقها حبل من الليف، أي إنها -في تكليف نفسها المشقة الفادحة للإفساد بين الناس، وتأريث نيران العداوة بينهم- بمنزلة حامل الحطب الذي في عنقه حبل خشن يشد به ما حمله إلى عنقه حتى يستقل به.

وهذه أشنع صورة تظهر بها امرأة تحمل الحطب، وفي عنقها حبل من الليف تشد به الحطب إلى كاهلها حتى تكاد تختنق به.

وقد علمت مما أشرنا إليه سابقًا أن الله لم يعن بسب أبي لهب بلقبه المعروف به عند قومه لمجرد عداوته للنبي  .

ولو كان كذلك لذكر الكتاب مثل عقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل وغيرهم من أكبار أعدائه -ممن كنى عنهم أحيانًا بأوصافهم، ولم يذكرهم- وإنما خص أبا لهب بالذكر لأنه قد اشتهر بالتكذيب وتأثر النبي في حركاته ليحبط مساعيه، ويصد الناس عن الإقبال عليه.

فكأنه بذلك صار ممثلًا للصاد عن الحق، المنفر للناس من فهم ما أنزل الله على نبيه، المحول لهم عن الإصغاء إلى الكلم الطيب وتناول ما ضمنته من الهدى والدلالة على نهج النجاة.

فما تضمنه الدعاء من النكاية، وما جاء به الوعيد من سوء العاقبة، يلاقي كل محول للناس عن تدبر كتاب الله وفهم ما جاء فيه من عبر وأحكام.

فجميع أولئك الذين يقولون لك إنك مهما بلغت من العلم لا يمكنك أن تعرف عن الله من كتابه ولا من كلام نبيه شيئًا من الأحكام والعقائد، ولا يجوز لك أن تستند في تقرير حكم إلى آيات الكتاب ولا إلى الصحيح من السنة والعقائد، وإنما الواجب عليك أن ترجع إلى قول فلان ورأي فلان.

وإن وصلت من معرفة لغة الكتاب والسنة إلى أعلى غاية ..

أولئك هم آباء لهب لا تغني عنهم أموالهم ولا أعمالهم شيئًا، وسيصلون ما يصلى، وكل امرأة تنم بين الناس لتفرق كلمتهم، وتذهب بهم مذاهب السوء ممثلة في هذا المثال نازل بها ذلك النكال.

نسأل الله العافية، ونحمده على هدايته الواقية.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.1 / 29.5
الإضاءة 99%
البدر بعد 1 يوم
اللهم صل على محمد