الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢١ من سورة إبراهيم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢١ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول : ( وبرزوا [ لله ] ) أي : برزت الخلائق كلها ، برها وفاجرها لله وحده الواحد القهار ، أي : اجتمعوا له في براز من الأرض ، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا .
( فقال الضعفاء ) وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم الذين استكبروا عن عبادة الله وحده لا شريك له ، وعن موافقة الرسل ، فقالوا لهم : ( إنا كنا لكم تبعا ) أي : مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا ، ( فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ) أي : فهل تدفعون عنا شيئا من عذاب الله ، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا ؟
فقالت القادة لهم : ( لو هدانا الله لهديناكم ) ولكن حق علينا قول ربنا ، وسبق فينا وفيكم قدر الله ، وحقت كلمة العذاب على الكافرين ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) أي : ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله - عز وجل - تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك ، فعند ذلك قالوا ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) قلت : والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها ، كما قال تعالى : ( وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) [ غافر : 47 ، 48 ] وقال تعالى : ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) [ الأعراف : 38 ، 39 ] ، وقال تعالى : ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) [ الأحزاب : 66 - 68 ] .
وأما تخاصمهم في المحشر ، فقال تعالى : ( ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) [ سبأ : 31 - 33 ] .
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله: ( وبرزوا لله جميعًا ) ، وظهر هؤلاء الذين كفروا به يوم القيامة من قبورهم ، فصاروا بالبَراز من الأرض (4) (جميعًا) ، يعني كلهم (5) ( فقال الضعفاء للذين استكبروا ) ، يقول: فقال التُّبَّاع منهم للمتبوعين ، وهم الذين كانوا يستكبرون في الدنيا عن إخلاص العبادة لله واتباع الرسل الذين أرسلوا إليهم (6) ( إنَّا كنا لكم تَبَعًا ) ، في الدنيا .
* * * و " التبع " جمع " تابع " ، كما الغَيَب جمع " غائب ".
* * * وإنما عنوا بقولهم: ( إنا كنا لكم تبعًا ) ، أنهم كانوا أتباعهم في الدنيا يأتمرون لما يأمرونهم به من عبادة الأوثان والكفر بالله ، وينتهون عما نهوهم عنه من اتّباع رسل الله ( فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ) ، يعنون: فهل أنتم دافعون عنَّا اليوم من عذاب الله من شيء.
(7) * * * وكان ابن جريج يقول نحو ذلك: 20638 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله: ( وقال الضعفاء ) ، قال: الأتباع ( للذين استكبروا ) ، قال: للقادة.
* * * قوله: ( لو هدانا الله لهديناكم ) ، يقول عز ذكره: قالت القادةُ على الكفر بالله لتُبَّاعها: ( لو هدانا الله ) ، يعنون: لو بَيَّن الله لنا شيئًا ندفع به عَذَابَه عنا اليوم ( لهديناكم ) ، لبيَّنا ذلك لكم حتى تدفعوا العذابَ عن أنفسكم ، ولكنا قد جزعنا مِن العذاب ، فلم ينفعنا جزعُنا منه وصَبْرُنا عليه (8) ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ، يعنون: ما لهم من مَراغٍ يرُوغون عنه .
(9) * * * يقال منه: " حاص عن كذا " ، إذا راغ عنه ، " يَحِيصُ حَيْصًا ، وحُيُوصًا وحَيَصَانًا ".
(10) * * * 20639 - وحدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عُمَر بن أبي ليلى ، أحد بني عامر ، قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يقول: بلغني ، أو ذُكِر لي أن أهل النار قال بعضهم لبعضٍ: يا هؤلاء ، إنه قد نـزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون ، فهلمَّ فلنصبر ، فلعل الصَّبر ينفعنا ، كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا .
قال: فيُجْمعون رأيهم على الصَّبر .
قال ، فصبروا ، فطال صبرهم ، ثم جزعوا فنادوا: ( سواءٌ علينا أجزِعْنَا أم صبرنَا ما لنا من محيص ) ، أي من منجًى.
(11) 20640 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) ، قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا ، فإنما أدركَ أهل الجنة الجنَّةَ ببكائهم وتضرُّعهم إلى الله ، فتعالوا نبكي ونتضرع إلى الله !
قال: فبكوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا ، فإنَّما أدرك أهل الجنة الجنّةَ بالصبر ، (12) تعالوا نصبر !
فصبروا صبرًا لم يُرَ مثله ، فلم ينفعهم ذلك ، فعند ذلك قالوا: ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) .
---------------------------- الهوامش : (4) انظر تفسير " برز " فيما سلف 5 : 354 / 7 : 324 / 8 : 562 .
(5) انظر تفسير " الجميع " فيما سلف 15 : 212 .
(6) انظر تفسير " الضعفاء " فيما سلف 14 : 419 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
وتفسير " الاستكبار " فيما سلف 15 : 155 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
(7) انظر تفسير " الإغناء " فيما سلف 166 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(8) انظر تفسير " الهدى " فيما سلف من فهارس اللغة ( هدي ) .
(9) في المطبوعة : " مزاغ " ، و " يزوغون " ، و " زاغ " ، كل ذلك بالزاي ، والذي في المخطوطة صواب محض .
(10) انظر تفسير " الحيص " فيما سلف 9 : 226 .
(11) الأثر : 20639 - " الحكم " ، هو " الحكم المكي " ، شيخ لعبد الله بن المبارك توقف الإمام البخاري في أمره .
وقال ابن أبي حاتم : هو مجهول .
قال البخاري : " الحكم المكي ، عن عمر بن أبي ليلى ، سمع منه ابن المبارك ومحمد بن مقاتل .
وروى مروان ، يعني ابن معاوية ، عن الحكم بن أبي خالد ، مولى بني فزارة ، عن عمر بن أبي ليلى .
قال الحسن بن علي ، وعن الحكم بن أبي خالد ، عن الحسن ، عن جابر ، في الجنة ، فلا أدري هذا من ذاك " .
وكأن هذا إشارة إلى هذا الخبر نفسه .
وذكر في ترجمة " الحكم بن ظهير الفزاري " : " حدثنا محمد بن عبد العزيز ، قال حدثنا مروان ، عن الحكم بن أبي خالد ، مولى بني فزارة ، عن عمر بن أبي ليلى النميري ...
" ، وقال مثل ما قال في ترجمة " الحكم المكي " .
ثم ترجم " الحكم بن أبي خالد " ، ولم يذكر فيه شيئًا من هذا .
وأما ابن أبي حاتم فاقتصر على ترجمة " الحكم المكي " ، ولم يذكر فيه " الحكم بن أبي خالد " .
وقال ابن حجر في التهذيب : " قال ابن أبي خيثمة : سمعت يحيى بن معين يقول : كان مروان بن معاوية يغير الأسماء ، يعمي على الناس ، يقول : حدثنا الحكم بن أبي خالد ، وإنما هو الحكم بن ظهير " .
وانظر هذا الذي ذكرت في الكبير للبخاري 1/2/336 ، 339 ، 342 ، وابن أبي حاتم 1/2/131 ، وميزان الاعتدال 1 : 273 ، ولسان الميزان 2 : 341 ، وتهذيب التهذيب .
و " عمر بن أبي ليلي " ، قال البخاري في الكبير 3/2/190 : " روى عنه الحكم المكي ، وقال بعضهم : " عمر بن أبي ليلى ، أخو بني عامر ، سمع محمد بن كعب ، قوله " .
وزاد البخارى في ترجمة " الحكم بن ظهير " في نسبته " النميري " ، كما سلف قريبًا .
وقال مثل ذلك ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 3/1/131 ، وزاد عن أبيه فقال : " سمعته يقول : هو مجهول " ، وفي ميزان الاعتدال 2 : 268 قال : " قلت حدث عنه ابن أبي فديك والواقدي " ، وزاد ابن حجر في لسان الميزان 4 : 224 قال : " وذكره ابن حبان في الثقات " .
وكان في المطبوعة : " عمرو بن أبي ليلى " ، غير ما هو ثابت في المخطوطة على الصواب .
و " محمد بن كعب القرظي " ، تابعي ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا كثيرة لا تعد .
وهذا الخبر تالف ، لما علمت من أمر " الحكم المكي " وجهالته ، فإن كان هو " الحكم بن ظهير الفزاري " ، فهو متروك كما سلف مرارًا كثيرة .
(12) تلعب الناشر بالكلام فجعله : " فما أدرك أهل الجنة الجنة إلا بالصبر " ، فجعل " فإنما " " فما " ثم زاد " إلا " !
فاعجب لما فعل .
قوله : وبرزوا لله جميعا أي برزوا من قبورهم ، يعني يوم القيامة .
والبروز الظهور .
والبراز المكان الواسع لظهوره ; ومنه امرأة برزة أي تظهر للناس ; فمعنى ، برزوا ظهروا من قبورهم .
وجاء بلفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، واتصل هذا بقوله : وخاب كل جبار عنيد أي وقاربوا لما استفتحوا فأهلكوا ، ثم بعثوا للحساب فبرزوا لله جميعا لا يسترهم عنه ساتر .
" لله " لأجل أمر الله إياهم بالبروز .فقال الضعفاء يعني الأتباعللذين استكبروا وهم القادة .إنا كنا لكم تبعا يجوز أن يكون " تبع " مصدرا ; التقدير : ذوي تبع .
ويجوز أن يكون جمع تابع ; مثل حارس وحرس ، وخادم وخدم ، وراصد ورصد ، وباقر وبقر .فهل أنتم مغنون أي دافعون عنا من عذاب الله من شيء أي شيئا ، و " من " صلة ; يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع .قالوا لو هدانا الله لهديناكم أي لو هدانا الله إلى الإيمان لهديناكم إليه .
وقيل : لو هدانا الله إلى طريق الجنة لهديناكم إليها .
وقيل ; لو نجانا الله من العذاب لنجيناكم منه ." سواء علينا " هذا ابتداء خبره " أجزعنا " أي : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص أي من مهرب وملجأ .
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر ، وبمعنى الاسم ; يقال : حاص فلان عن كذا أي فر وزاغ يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا ; والمعنى : ما لنا وجه نتباعد به عن النار .
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة [ ص: 311 ] عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا هلم فلنجزع فيجزعون ويصيحون خمسمائة عام فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص .
وقال محمد بن كعب القرظي : ذكر لنا أن أهل النار يقول بعضهم لبعض : يا هؤلاء !
قد نزل بكم من البلاء والعذاب ما قد ترون ، فهلم فلنصبر ; فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الطاعة على طاعة الله فنفعهم الصبر إذ صبروا ; فأجمعوا رأيهم على الصبر فصبروا ; فطال صبرهم فجزعوا ، فنادوا : سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص أي منجى ، فقام إبليس عند ذلك فقال : إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكميقول : لست بمغن عنكم شيئا وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل الحديث بطوله ، وقد كتبناه في كتاب التذكرة بكماله .
{ وَبَرَزُوا } أي: الخلائق { لِلَّهِ جَمِيعًا } حين ينفخ في الصور فيخرجون من الأجداث إلى ربهم فيقفون في أرض مستوية قاع صفصف، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ويبرزون له لا يخفى [عليه] منهم خافية، فإذا برزوا صاروا يتحاجون، وكل يدفع عن نفسه، ويدافع ما يقدر عليه، ولكن أني لهم ذلك؟
فيقول { الضُّعَفَاءُ } أي: التابعون والمقلدون { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } وهم: المتبوعون الذين هم قادة في الضلال: { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أي: في الدنيا، أمرتمونا بالضلال، وزينتموه لنا فأغويتمونا، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } أي: ولو مثقال ذرة، { قَالُوا } أي: المتبوعون والرؤساء { أغويناكم كما غوينا } و { لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } فلا يغني أحد أحدا، { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا } من العذاب { أَمْ صَبَرْنَا } عليه، { مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } أي: من ملجأ نلجأ إليه، ولا مهرب لنا من عذاب الله.
قوله عز وجل : ( وبرزوا لله جميعا ) [ أي : خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا ] ( فقال الضعفاء ) يعني : الأتباع ( للذين استكبروا ) أي : تكبروا على الناس وهم القادة والرؤساء : ( إنا كنا لكم تبعا ) جمع تابع ، مثل : حرس وحارس ( فهل أنتم مغنون ) دافعون ( عنا من عذاب الله من شيء ) .
( قالوا ) يعني القادة المتبوعين : ( لو هدانا الله لهديناكم ) أي : لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى ، فلما أضلنا دعوناكم إلى الضلالة ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) مهرب ولا منجاة .
قال مقاتل : يقولون في النار : تعالوا نجزع ، فيجزعون خمسمائة عام ، فلا ينفعهم الجزع ، ثم يقولون : تعالوا نصبر ، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فحينئذ يقولون : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) .
قال محمد بن كعب القرظي بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة .
فقال الله تعالى : ( وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ) ( غافر - 49 ) ، فردت الخزنة عليهم : " أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى " ، فردت الخزنة عليهم : ( فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) ( غافر - 50 ) فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا : ( يا مالك ليقض علينا ربك ) ( الزخرف - 77 ) سألوا الموت ، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوما ، واليوم كألف سنة مما تعدون ، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين إنكم ماكثون ، فلما يئسوا مما قبله قال بعضهم لبعض : إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر ، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم ، فأجمعوا على الصبر ، فطال صبرهم ، ثم جزعوا فنادوا : " سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص " ، أي : من منجى .
قال : فقام إبليس عند ذلك فخطبهم ، فقال : " إن الله وعدكم وعد الحق " الآية ، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا : ( لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ) ( غافر - 10 ) قالوا فنادوا الثانية : " فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " ، فرد عليهم : ( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ) الآيات ( السجدة - 12 ، 13 ) فنادوا الثالثة : ( ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ) ( إبراهيم 44 ) ، فرد عليهم : ( أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ) الآيات ( إبراهيم - 44 ) ، ثم نادوا الرابعة : ( ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) فرد عليهم : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) ، الآية ( فاطر - 37 ) قال : فمكث عليهم ما شاء الله ، ثم ناداهم : " ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون " ، فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا ، فقالوا عند ذلك : " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون " ، قال عند ذلك : ( اخسئوا فيها ولا تكلمون ) ( المؤمنون 105 - 108 ) فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم ، فأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه بعض ، وأطبقت عليهم النار .
«وبرزوا» أي الخلائق والتعبير فيه وفيما بعده بالماضي لتحقيق وقوعه «لله جميعا فقال الضعفاء» الأتباع «للذين استكبروا» المتبوعين «إنا كنا لكم تبعا» جمع تابع «فهل أنتم مغنون» دافعون «عنا من عذاب الله من شيء» من الأولى للتبيين والثانية للتبعيض «قالوا» المتبوعون «لو هدانا الله لهديناكم» لدعوناكم إلى الهدى «سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من» زائدة «محيص» ملجأ.
وخرجت الخلائق من قبورهم، وظهروا كلهم يوم القيامة لله الواحد القهار؛ ليحكم بينهم، فيقول الأتباع لقادتهم: إنَّا كنَّا لكم في الدنيا أتباعًا، نأتمر بأمركم، فهل أنتم -اليوم- دافعون عنا من عذاب الله شيئًا كما كنتم تَعِدوننا؟
فيقول الرؤساء: لو هدانا الله إلى الإيمان لأرشدناكم إليه، ولكنه لم يوفقنا، فضللنا وأضللناكم، يستوي علينا وعليكم الـجَزَع والصبر عليه، فليس لنا مهرب من العذاب ولا منجى.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانباً من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين ، بين الأتباع والمتبوعين .
.
فقال - تعالى - : ( وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ .
.
.
)وقوله ( وبرزوا ) من البروز بمعنى الظهور ، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع ، الذى يظهر فيه الناس بدون استتار .
أى : وخرج الكافرون جميعاً من قبورهم يوم القيامة وظهوراً ظهوراً لا خفاء معه ، لكى يحاسبهم - سبحانه - على أعمالهم فى الدنيا .وقال - سبحانه - ( وبرزوا ) بلفظ الفعل الماضى مع أن الحديث عن يوم القيامة ، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج ، وأنه كائن لا محالة .وعبر - سبحانه - بهذا التعبير ، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم يبرزوا ، لأنهم كانوا فى الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ويظنون أن ذلك يخفى على الله - عز وجل - .ثم بين - سبحانه - ما سيقوله الضعفاء للمستكبرين فى هذا الموقف العصيب فقال :( فَقَالَ الضعفاء ) وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير ، ونعمة حرية الإِرادة ، فهانوا وذلوا .
.قال هؤلاء الضعفاء ( لِلَّذِينَ استكبروا ) وهم السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغى والضلال .( إِنَّا كُنَّا لَكُمْ ) - أيها السادة - ( تبعا ) جمع تابع كخادم وخدم .أى : إنا كنا فى الدنيا تابعين لكم ، ومنقادين لأمركم ، فى تكذيب الرسل ، وفى كل ما تريدونه منا .والاستفهام فى قوله - سبحانه - ( فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ ) للتقريع والتفجع .ومغنون من الإِغناء بمعنى الدفاع والنصرة .قال الشوكانى : " يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع " .أى : فهل أنتم - أيها المستكبرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل لنا ، حتى ولو كان هذا الشئ المدفوع قليلا؟
إن كان فى إمكانكم ذلك فاظهروه لنا ، فقد كنتم فى الدنيا سادتنا وكبراءنا ، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : أى فرق بين " من " فى ( مِنْ عَذَابِ الله ) وبينه فى ( مِن شَيْءٍ ) ؟قلت : الأولى للتنبيه ، والثانية للتبعيض ، كأنه قيل : هل أنتم مغنون عنا بعض الشئ الذى هو عذاب الله؟
ويجوز أن يكون للتبعيض معا بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شئ ، هو بعض عذاب الله؟
أى : بعض بعض عذاب الله " .ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال : ( قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ .
.
.
)أى : قال المستكبرون - بضيق وتحسر - فى ردهم على المستضعفين : لو هدانا الله - تعالى - إلى الإِيمن الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم ( لهديناكم ) إليه ، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا .ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : ( سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ) .والجزع : حزن يصرف الإِنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله .يقال : جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا ، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا .والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب .
يقال : حاص فلان عن الشئ يحيص حيصا ومحيصا ، إذا عدل عنه على وجه الهرب والفرار .أى : مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب ، أو الصبر على ذلك ، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم .فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة ، وهى أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم فى الدنيا ، كما تحكى رد المستكبرين عليهم ، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء ، والتسليم بالواقع الأليم الذى لا محيص لهم عنه .قال الإِمام ابن كثير : " قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما إدراك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله - تعالى - ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا حتى نصبر ، فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك .
فعند ذلك قالوا : ( سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ) .
اعلم أنه تعالى لما ذكر أصناف عذاب هؤلاء الكفار ثم ذكر عقيبه أن أعمالهم تصير محبطة باطلة، ذكر في هذه الآية كيفية خجالتهم عند تمسك أتباعهم وكيفية افتضاحهم عندهم.
وهذا إشارة إلى العذاب الروحاني الحاصل بسبب الفضيحة والخجالة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: برز معناه في اللغة ظهر بعد الخفاء.
ومنه يقال للمكان الواسع: البراز لظهوره، وقيل في قوله: ﴿ وَتَرَى الأرض بَارِزَةً ﴾ أي ظاهرة لا يسترها شيء، وامرأة برزة إذا كانت تظهر للناس.
ويقال: برز فلان على أقرانه إذا فاقهم وسبقهم، وأصله في الخيل إذا سبق أحدها.
قيل: برز عليها كأنه خرج من غمارها فظهر.
إذا عرفت هذا فنقول: هاهنا أبحاث: البحث الأول: قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ ﴾ ورد بلفظ الماضي وإن كان معناه الاستقبال، لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدق وحق، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره قوله: ﴿ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة ﴾ .
البحث الثاني: قد ذكرنا أن البروز في اللغة عبارة عن الظهور بعد الاستتار وهذا في حق الله تعالى محال، فلابد فيه من التأويل وهو من وجوه: الأول: أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية.
الثاني: أنهم خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه.
الثالث: وهو تأويل الحكماء أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء والوطاء وبقيت متجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها وذلك هو البروز لله.
البحث الثالث: قال أبو بكر الأصم قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ ﴾ هو المراد من قوله في الآية السابقة: ﴿ وَمِن وَرآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ .
واعلم أن قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ ﴾ قريب من قوله: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ﴾ وذلك لأن البواطن تظهر في ذلك اليوم والأحوال الكامنة تنكشف فإن كانوا من السعداء برزوا للحاكم الحكيم بصفاتهم القدسية، وأحوالهم العلوية، ووجوههم المشرقة، وأرواحهم الصافية المستنيرة فيتجلى لها نور الجلال؛ ويعظم فيها إشراق عالم القدس، فما أجل تلك الأحوال وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف العظمة، ومنازل الكبرياء ذليلين مهينين خاضعين خاشعين واقعين في خزي الخجالة، ومذلة الفضيحة، وموقف المهانة والفزع، نعوذ بالله منها.
ثم حكى الله تعالى أن الضعفاء يقولون للرؤساء: هل تقدرون على دفع عذاب الله عنا؟
والمعنى: أنه إنما اتبعناكم لهذا اليوم، ثم إن الرؤساء يعترفون بالخزي والعجز والذل.
قالوا: ﴿ سَوآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ ومن المعلوم أن اعتراف الرؤساء والسادة والمتبوعين بمثل هذا العجز والخزي والنكال يوجب الخجالة العظيمة والخزي الكامل التام، فكان المقصود من ذكر هذه الآية: استيلاء عذاب الفضيحة والخجالة والخزي عليهم مع ما تقدم ذكره من سائر وجوه أنواع العذاب والعقاب نعوذ بالله منها، والله أعلم.
المسألة الثانية: كتبوا الضعفاء بواو قبل الهمزة في بعض المصاحف، والسبب فيه أنه كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو، ونظيره علماء بني إسرائيل.
المسألة الثالثة: الضعفاء الأتباع والعوام، والذين استكبروا هم السادة والكبراء.
قال ابن عباس: المراد أكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله تعالى: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا ﴾ أي في الدنيا.
قال الفراء وأكثر أهل اللغة: التبع تابع مثل خادم وخدم وباقر وبقر وحارس وحرس وراصد ورصد قال الزجاج: وجائز أن يكون مصدراً سمي به، أي كنا ذوي تبع.
واعلم أن هذه التبعية يحتمل أن يقال: المراد منها التبعية في الكفر، ويحتمل أن يكون المراد منها التبعية في أحوال الدنيا: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيء ﴾ أي هل يمكنكم دفع عذاب الله عنا.
فإن قيل: فما الفرق بين من في قوله: ﴿ مّنْ عَذَابِ الله ﴾ وبينه في قوله: ﴿ مِن شَيء ﴾ .
قلنا: كلاهما للتبعيض بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو عذاب الله أي بعض عذاب الله وعند هذا حكى الله تعالى عن الذين استكبروا أنهم قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس: معناه لو أرشدنا الله لأرشدناكم، قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال، لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم فدعوا أتباعهم إلى الضلال ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى قال صاحب الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنهم كذبوا فيه ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ﴾ .
واعلم أن المعتزلة لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فكان هذا القول منه مخالفاً لأصول مشايخه فلا يقبل منه.
الثاني: قال صاحب الكشاف: يجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وذكر القاضي هذا الوجه وزيفه بأن قال: لا يجوز حمل هذا على اللطف، لأن ذلك قد فعله الله تعالى.
والثالث: أن يكون المعنى لو خلصنا الله من العقاب وهدانا إلى طريق الجنة لهديناكم، والدليل على أن المراد من الهدى هذا الذي ذكرناه أن هذا هو الذي التمسوه وطلبوه فوجب أن يكون المراد من الهداية هذا المعنى.
ثم قال: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنآ أَمْ صَبَرْنَا ﴾ أي مستو علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية ونظيره: ﴿ اصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَاء عَلَيْكُمْ ﴾ ثم قالوا: ما لنا من محيص، أي منجي ومهرب، والمحيص قد يكون مصدراً كالمغيب والمشيب، ومكاناً كالمبيت والمضيق، ويقال حاص عنه وحاض بمعنى واحد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ ﴾ ويبرزون يوم القيامة.
وإنما جيء به بلفظ الماضي، لأنّ ما أخبر به عزّ وعلا لصدقه كأنه قد كان ووجد، ونحوه: ﴿ وَنَادَى أصحاب الجنة ﴾ [الأعراف: 44] ، ﴿ ونادى أصحاب النار ﴾ [الأعراف: 50] ونظائر له.
ومعنى بروزهم لله- والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له- أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش، ويظنون أن ذلك خاف على الله، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أنّ الله لا يخفى عليه خافية.
أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه.
فإن قلت: لما كتب ﴿ الضعفؤا ﴾ بواو قبل الهمزة؟
قلت: كتب على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو.
ونظيره ﴿ علمؤا بَنِى إسراءيل ﴾ [الشعراء: 197] والضعفاء: الأتباع والعوام والذين استكبروا: ساداتهم وكبراؤهم، الذين استتبعوهم واستغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم ﴿ تَبَعًا ﴾ تابعين: جمع تابع على تبع، كقولهم: خادم وخدم وغائب وغيب أو ذوي تبع.
والتبع: الأتباع، يقال: تبعه تبعاً.
فإن قلت: أي فرق بين من في ﴿ مّنْ عَذَابِ الله ﴾ وبينه في ﴿ مِن شَيْء ﴾ ؟
قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله.
ويجوز أن تكونا للتبعيض معاً، بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله، أي: بعض بعض عذاب الله فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ ؟
قلت: الذي قال لهم الضعفاء كان توبيخا لهم وعتاباً على استتباعهم واستغوائهم.
وقولهم: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا ﴾ من باب التبكيت؛ لأنهم قد علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم، فأجابوهم معتذرين عما كان منهم إليهم: بأن الله لو هداهم إلى الإيمان لهدوهم ولم يضلوهم، إما موركين الذنب في ضلالهم وإضلالهم على الله، كما حكى الله عنهم وقالوا ﴿ لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا ﴾ [الأنعام: 148] ، ﴿ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء ﴾ [النحل: 35] يقولون ذلك في الآخرة كما كانوا يقولونه في الدنيا.
ويدل عليه قوله حكاية عن المنافقين ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْء ﴾ [المجادلة: 18] .
وإما أن يكون المعنى: لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وقيل: معناه لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم، أي: لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة ﴿ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا ﴾ مستويان علينا الجزع والصبر.
والهمزة وأم للتسوية.
ونحوه: ﴿ فاصبروا أو لا تصبروا سواءٌ عليكم ﴾ [الطور: 16] وروي أنهم يقولون: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فيقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون كذلك ثم يقولون: سواء علينا.
فإن قلت: كيف اتصل قوله سواء علينا بما قبله؟
اتصاله من حيث أنّ عتابهم لهم كان جزعاً مما هم فيه، فقالوا: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، يريدون أنفسهم وإياهم، لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها، يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ، ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر والأمر من ذلك أطمّ.
أو لما قالوا لو هدانا الله طريق النجاة لأغنينا عنكم وأنجيناكم، أتبعوه الإقناط من النجاة فقالوا: ﴿ مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي منجى ومهرب، جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً، كأنه قيل: قالوا جميعاً سواء علينا، كقوله: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أخنه ﴾ [يوسف: 52] والمحيص يكون مصدراً كالمغيب والمشيب.
ومكاناً كالمبيت والمصيف.
ويقال: حاص عنه وجاض، بمعنى واحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيْ يَبْرُزُونَ مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومُحاسَبَتِهِ، أوْ لِلَّهِ عَلى ظَنِّهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُخْفُونَ ارْتِكابَ الفَواحِشِ ويَظُنُّونَ أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ الماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ.
﴿ فَقالَ الضُّعَفاءُ ﴾ الأتْباعُ جَمْعُ ضَعِيفٍ يُرِيدُ بِهِ ضِعافَ الرَّأْيِ، وإنَّما كُتِبَتْ بِالواوِ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ.
﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهم واسْتَغْوُوهم.
﴿ إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا ﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ، وهو جَمْعٌ تابِعٌ كَغائِبٍ وغُيَّبٍ، أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ أوْ عَلى إضْمارِ مُضافٍ.
﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ دافِعُونَ عَنّا.
﴿ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ مِنِ الأُولى لِلْبَيانِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ، والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ أيْ بَعْضَ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونا لِلتَّبْعِيضِ أيْ بَعْضَ شَيْءٍ هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، والإعْرابُ ما سَبَقَ ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الأوْلى مَفْعُولًا والثّانِيَةُ مَصْدَرًا، أيْ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ بَعْضَ العَذابِ بَعْضَ الإغْناءِ.
﴿ قالُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا جَوابًا عَنْ مُعاتَبَةِ الأتْباعِ واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ.
﴿ لَوْ هَدانا اللَّهُ ﴾ لِلْإيمانِ ووَفَّقَنا لَهُ.
﴿ لَهَدَيْناكُمْ ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَأضْلَلْناكم أيِ اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْناهُ لِأنْفُسِنا، أوْ لَوْ هَدانا اللَّهُ طَرِيقَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ لَهَدَيْناكم وأغْنَيْناهُ عَنْكم كَما عَرَّضْناكم لَهُ، لَكِنْ سُدَّ دُونَنا طَرِيقُ الخَلاصِ.
﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ﴾ مُسْتَوَيانِ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ.
﴿ ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ مَنجى ومَهْرَبٍ مِنَ العَذابِ، مِنَ الحَيْصِ وهو العَدْلُ عَلى جِهَةِ الفِرارِ، وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا كالمَبِيتِ ومَصْدَرًا كالمَغِيبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا ﴾ مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّهم يَقُولُونَ: تَعالَوْا نَجْزَعُ فَيَجْزَعُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلا يَنْفَعُهم، فَيَقُولُونَ تَعالَوْا نَصْبِرُ فَيَصْبِرُونَ كَذَلِكَ ثُمَّ يَقُولُونَ ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا} ويبرزون يوم القيامة وإنما جيء به بلفظ الماضي لأن ما أخبر به عز وجل لصدقه كأنه قد كان ووجد ونحوه وَنَادَى أصحاب الجنة ونادى أصحاب النار وغير ذلك ومعنى بروزهم لله والله تعالى لا يتوارى عنه شيء حتى يبرز له أنهم كانوا يستترون من العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خاف على الله فإذا كان يوم القيامة انكشفوا الله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا تخفى عليه خافية أو خرجوا من قبورهم فبرزوا لحساب الله وحكمه {فَقَالَ
الضعفاء} في الرأي وهم السفلة والا تباع وكتب
إبراهيم (٢١ _ ٢٢)
الضعفاء بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو {لِلَّذِينَ استكبروا} وهم السادة والرؤساء الذين استغووهم وصدوهم عن الاستماع إلى الأنبياء وأتباعهم {إِنَّا كنا لكم تبعا} تابعبن جمع تابع على تبع كخادم وخدم وغائب وغيب أو ذوى تبع والتبع والاتباع يقال تبعه تبعاً {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ} فهل تقدرون على دفع شيء مما نحن فيه ومن الأولى للتبين والثانية للتبعيض كأنه قيل فهل أنتم مغنون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو هما للتبعيض أي فهل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ولما كان قول الضعفاء توبيخاً لهم وعتاباً على استغوائهم لأنهم علموا أنهم لا يقدرون على الإغناء عنهم {قَالُواْ} لهم مجيبين معتذرين {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ} أي لو هدانا الله إلى الإيمان في الدنيا لهديناكم إليه أي لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم أي لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة كما سلكنا بكم طريق الهلكة {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا} مستويان علينا الجزع والصبر والهمزة وأم للتسوية روى أنهم يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر ثم يقولون سواء علينا أجزعنا أم صبرنا واتصاله بما قبله من حيث إن عتابهم لهم كان جزعا مم هم فيه فقالوا لهم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في اعقاب الصلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون ما هذا الجزع والتوبيخ ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا ويجوز أن يكون هذا من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعا
﴿ وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيْ يَبْرُزُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وإيثارُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ أوْ لِأنَّهُ لا مُضِيَّ ولا اسْتِقْبالَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والمُرادُ بِبُرُوزِهِمْ لِلَّهِ ظُهُورُهم مِن قُبُورِهِمْ لِلرّائِينَ لِأجْلِ حِسابِ اللَّهِ تَعالى فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ اللّامُ صِلَةَ البُرُوزِ ولَيْسَ هُناكَ حَذْفُ مُضافٍ ولا يُرادُ لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلى زَعْمِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عِنْدَ ارْتِكابِهِمُ الفَواحِشَ سِرًّا أنَّها تَخْفى عَلى اللَّهِ تَعالى فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لَهُ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلِمُوا أنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ خافِيَةٌ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى بَرَزُوا صارُوا بِالبِرازِ وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِمَجْمَعِ يَوْمِ القِيامَةِ وهَذا مَيْلٌ إلى التَّعْلِيلِ والحَذْفِ ونَقَلَ الإمامُ عَنِ الحُكَماءِ في تَأْوِيلِ البُرُوزِ أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ وبَقِيَتْ مُجَرَّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ تَعالى وهو كَلامٌ تَعُدُّهُ العَرَبُ مِنَ الأحاجِي ولِذا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ المُحَدِّثُونَ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( وبُرِّزُوا ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وبِتَشْدِيدِ الرّاءِ والمُرادُ أظْهَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى وأخْرَجَهم مِن قُبُورِهِمْ لِمُحاسَبَتِهِ ﴿ فَقالَ الضُّعَفاءُ ﴾ جَمْعُ ضَعِيفٍ والمُرادُ بِهِمْ ضِعافُ الرَّأْيِ وهُمُ الأتْباعُ وكُتِبَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ بِواوٍ قَبْلَ الهَمْزَةِ ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ ونَظِيرُهُ ﴿ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ورَدَّ ذَلِكَ الجَعْبَرِيُّ قائِلًا: إنَّهُ لَيْسَ مِن لُغَةِ العَرَبِ ولا حاجَةَ لِلتَّوْجِيهِ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّسْمَ سُنَّةٌ مُتْبَعَةٌ وزَعَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أنَّهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ ولَوْ وُجِّهَ بِأنَّهُ إتْباعٌ لِلَفْظِهِ في الوَقْتِ فَإنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن يَقِفُ في مِثْلِ ذَلِكَ بِالواوِ كانَ حَسَنًا صَحِيحًا كَذا ذُكِرَ فَلْيُراجَعْ ولَعَلَّ مَن أنْصَفَ لا يَرى أحْسَنَ مِن تَرْكِ التَّوْجِيهِ.
﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ أيْ لِرُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَتْبَعُوهم واسْتَغْوُوهم ﴿ إنّا كُنّا ﴾ في الدُّنْيا ﴿ لَكم تَبَعًا ﴾ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والإعْراضِ عَنْ نَصائِحِهِمْ وهو جَمْعُ تابِعٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ وغايَبٍ وغَيَبٍ أوِ اسْمُ جَمْعٍ لِذَلِكَ ولَمْ يُذْكَرْ كَوْنُهُ جَمْعًا في البَحْرِ أوْ هو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً أوْ بِتَأْوِيلٍ أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ تابِعِينَ أوْ ذَوِي تَبَعٍ وبِهِ عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ يَتَعَلَّقُ الجارُّ والمَجْرُورُ والتَّقْدِيمُ لِلْحَصْرِ أيْ تَبَعًا لَكم لا لِغَيْرِكم.
وقِيلَ: المَعْنى إنّا تَبَعٌ لَكم لا لِرَأْيِنا ولِذا سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى ضُعَفاءَ ولا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُ الرُّؤَساءِ أقْوِياءَ الرَّأْيِ حَيْثُ ضَلُّوا وأضَلُّوا ولَوْ حُمِلَ الضَّعْفُ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ أيْدِيهِمْ وتابِعِينَ لَهم كانَ أحْسَنَ ولَيْسَ بِذاكَ.
﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ الِاتِّباعِ لِلْإغْناءِ وهو مِنَ الغَناءِ بِمَعْنى الفائِدَةِ وضُمِّنَ مَعْنى الدَّفْعِ ولِذا عُدِّيَ بِعْنَ أيْ إنّا اتَّبَعْناكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلالِ فَهَلْ أنْتُمُ اليَوْمَ دافِعُونَ عَنّا ﴿ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ بَعْضِ الشَّيْءِ الَّذِي هو عَذابُ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى ما قِيلَ: إنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةِ لِلتَّبْعِيضِ واقِعَةٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ لِلْوَصْفِ السّابِقِ والأُولى لِلْبَيانِ وهي واقِعَةُ مَوْقِعَ الحالِ مِن مَجْرُورِ الثّانِيَةِ لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ كانَتْ صِفَةً لَهُ وصِفَةُ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَتْ أُعْرِبَتْ حالًا واعْتُرِضَ هَذا الوَجْهُ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمُ ( مِنَ ) البَيانِيَّةِ عَلى ما تُبَيِّنُهُ وهو لا يَجُوزُ وكَذا تَقْدِيمُ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ في كُلٍّ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ اخْتِلافًا وقَدْ أجازَ جَماعَةٌ تَقْدِيمَ ( مِنَ ) البَيانِيَّةِ وصُحِّحَ ذَلِكَ لِأنَّهُ إنَّما يَفُوتُ بِالتَّقْدِيمِ الوَصْفِيَّةُ لا البَيانِيَّةُ وكَذا أجازَ كَثِيرٌ كابْنِ كَيْسانَ وغَيْرِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ فَلَعَلَّ الذّاهِبَ إلى هَذا الوَجْهِ في الآيَةِ يَرى رَأْيَ المُجَوِّزِينَ لِكُلٍّ مَنِ التَّقْدِيمَيْنِ.
وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: جازَ تَقْدِيمُ هَذِهِ الحالِ لِأنَّها في الحَقِيقَةِ عَمّا سَدَّ مَسَدَّهُ مِن شَيْءٍ أعْنِي بَعْضَ لا عَنِ المَجْرُورِ وحْدَهُ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُولى والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والمَعْنى هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ شَيْءٍ هو بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ تَعالى والإعْرابُ كَما سَبَقَ واخْتارَ بَعْضُهم عَلى هَذا كَوْنَ الحالِ عَمّا سَدَّ مَسَدَّهُ مِن شَيْءٍ إذْ لَوْ جُعِلَ حالًا عَنِ المَجْرُورِ لَآلَ الكَلامُ إلى هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ بَعْضِ عَذابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَعْنى لَهُ وفِيهِ أنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في عَدَمِ الغَناءِ كَقَوْلِهِمْ: أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ فَنَفْيُ المَعْنى لا مَعْنى لَهُ ولا يَصِحُّ الإلْغاءُ إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ ظَرْفانِ مِن جِنْسٍ دُونَ مُلابَسَةٍ بَيْنَهُما تُصَحِّحُ التَّبَعِيَّةَ وجَعْلُ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ يَأْباهُ كَما في الكَشْفِ اللَّفْظُ والمَعْنى وقَدْ تَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ تَوْجِيهَ التَّبْعِيضِ في المَكانَيْنِ كَما سَمِعْتَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي البِدايَةَ فَيَكُونُ بَدَلَ عامٍّ مِن خاصٍّ لِأنَّ ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ أعَمُّ مِن قَوْلِهِ: ﴿ مِن عَذابِ ﴾ وهَذا لا يُقالُ: لِأنَّ بَعْضِيَّةَ الشَّيْءِ مُطْلَقَةٌ فَلا يَكُونُ لَها بَعْضٌ ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما فِيهِ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأُولى مَفْعُولًا والثّانِيَةُ صِفَةَ مَصْدَرٍ سادَّةً مَسَدَّهُ والشَّيْءُ عِبارَةٌ عَنِ إغْناءِ ما أيْ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ عَذابِ اللَّهِ بَعْضَ الإغْناءِ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَتَعَلَّقَ بِعامِلٍ ظَرْفانِ إلى آخِرِ ما سَمِعْتَ آنِفًا وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّهُ لَكَوْنِ أحَدِهِما في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ بِهِ والآخَرِ في تَأْوِيلِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ صَحَّ التَّعَلُّقُ ولَمْ يَكُونا مِن جِنْسٍ واحِدٍ وقَدْ يُقالُ: إنَّ تَقْيِيدَ الفِعْلِ الثّانِي بَعْدَ اعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالأوَّلِ فَلَيْسَ العامِلُ واحِدًا.
ونَصَّ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ عَلى أنَّ ( مِنَ ) الثّانِيَةَ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ وسَوَّغَ زِيادَتَها تَقَدُّمُ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو هُنا في مَعْنى النَّفْيِ و ﴿ مِن عَذابِ اللَّهِ ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِمُغْنُونَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿ شَيْءٍ ﴾ أيْ شَيْئًا كائِنًا مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ مُغْنُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى غَناءً ما ﴿ قالُوا ﴾ أيِ المُتَكَبِّرُونَ جَوابًا عَنْ تَوْبِيخِ الضُّعَفاءِ وتَقْرِيعِهِمْ واعْتِذارًا عَمّا فَعَلُوا بِهِمْ: ﴿ لَوْ هَدانا اللَّهُ ﴾ إلى الإيمانِ ووَفَّقَنا لَهُ ﴿ لَهَدَيْناكُمْ ﴾ ولَكِنْ ضَلَلْنا فَضَلَّلْناكم أيِ اخْتَرْنا لَكم ما اخْتَرْنا لِأنْفُسِنا وحاصِلُهُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ ما كانَ مِنّا في حَقِّكم هو النُّصْحُ لَكِنْ قَصَّرْنا في رَأْيِنا وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّهم ورِكُوا الذَّنْبَ في ضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى وكَذَبُوا في ذَلِكَ ويَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الكَذِبِ مِن أمْثالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ﴾ وقَدْ خالَفَ في ذَلِكَ أُصُولَ مَشايِخِهِ لِأنَّهم لا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الكَذِبِ عَنْ أهْلِ القِيامَةِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ كُنّا مِن أهْلِ اللُّطْفِ فَلَطَفَ بِنا رَبُّنا واهْتَدَيْنا لَهَدَيْناكم إلى الإيمانِ ونَقَلَ ذَلِكَ القاضِي وزَيَّفَهُ كَما ذَكَرَهُ الإمامُ وقِيلَ: المَعْنى لَوْ هَدانا اللَّهُ تَعالى إلى الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا فَنُصْلِحُ ما أفْسَدْناهُ لَهَدَيْناكم وهو كَما تَرى وقالَ الجَيّانِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ: المُرادُ لَوْ هَدانا اللَّهُ تَعالى إلى طَرِيقِ الخَلاصِ مِنَ العِقابِ والوُصُولِ إلى النَّعِيمِ والثَّوابِ لَهَدَيْناكم إلى ذَلِكَ وحاصِلُهُ لَوْ خَلَصْنا لَخَلَّصْناكم أيْضًا لَكِنْ لا مَطْمَعَ فِيهِ لَنا ولَكم قالَ الإمامُ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الهُدى هو هَذا أنَّهُ الَّذِي طَلَبُوهُ والتَمَسُوهُ.
﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا ﴾ مِمّا لَقِينا ﴿ أمْ صَبَرْنا ﴾ عَلى ذَلِكَ و ﴿ سَواءٌ ﴾ اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ مَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ لِأنَّهُ مُجَرَّدٌ عَنِ النِّسْبَةِ والزَّمانِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المَصْدَرِ والهَمْزَةُ و( أمْ ) قَدْ جُرِّدَتا عَنِ الِاسْتِفْهامِ لِمُجَرَّدِ التَّسْوِيَةِ ولِذا صارَتِ الجُمْلَةُ خَبَرِيَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: جَزَعُنا وصَبْرُنا سَواءٌ عَلَيْنا أيْ سِيّانِ وإنَّما أُفْرِدَ الخَبَرُ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ وقالَ الرَّضِيُّ في مِثْلِهِ: إنَّ ﴿ سَواءٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرانِ سَواءٌ ثُمَّ بُيِّنَ الأمْرانِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ﴾ وما قِيلَ: مِن أنَّ ﴿ سَواءٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ جَزاءٌ لِلْجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ بَعْدُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ وإفادَةُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ مَعْنى إنْ لِاشْتِراكِهِما في الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ الجَزْمِ والتَّقْدِيرُ إنْ جَزِعْنا أمْ صَبَرْنا فالأمْرانُ سِيّانِ فَتَكَلُّفٌ كَما لا يَخْفى والجَزَعُ حُزْنٌ يَصْرِفُ عَمّا يُرادُ فَهو حُزْنٌ شَدِيدٌ وفي البَحْرِ هو عَدَمُ احْتِمالِ الشِّدَّةِ فَهو نَقِيضُ الصَّبْرِ وإنَّما أسْنَدُوا كُلًّا مِنَ الجَزَعِ والصَّبْرِ واسْتِوائِهِما إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُنْتَظِمِ لِلْمُخاطَبِينَ أيْضًا مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّوْبِيخِ بِإعْلامِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ لَهم فِيما ابْتُلُوا بِهِ وتَسْلِيَةً لَهم.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هَذا مِن كَلامِ الفَرِيقَيْنِ فَهو مَرْدُودٌ إلى ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ وهُمُ الفَرِيقانِ ونُظِرَ إلى القُرْبِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ وأيَّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ فِيما يَظُنُّ أنَّهُ قالَ: «يَقُولُ أهْلُ النّارِ: هَلُمُّوا فَلْتَصْبِرُوا فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم قالُوا: هَلُمُّوا فَلْنَجْزَعْ فَيَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم قالُوا: ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ﴾ الآيَةَ» وإلى كَوْنِ هَذِهِ المُحاوَرَةِ بَيْنَ الضُّعَفاءِ والمُسْتَكْبِرِينَ في النّارِ ذَهَبَ بَعْضُهم مَيْلًا لِظَواهِرِ الأخْبارِ.
واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّها في مَوْضِعِ العَرْضِ وقْتَ البُرُوزِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى وقَوْلِ الأتْباعِ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ جَزَعٌ مِنهم وكَذا جَوابُ الرُّؤَساءِ بِاعْتِرافِهِمْ بِالضَّلالِ واحْتِمالُ أنَّهُ مِن كَلامِ الأوَّلِينَ فَقَطْ خِلافَ الظّاهِرِ جَدًّا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ .
(21) .
جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِإجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنهُ والمَحِيصُ مِن حاصَ حادَ وفَرَّ وهو إمّا اسَمُ مَكانٍ كالمَبِيتِ والمَصِيفِ أوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كالمَغِيبِ والمَشِيبِ والمَعْنى لَيْسَ لَنا مَحَلٌّ نَنْجُو فِيهِ مِن عَذابِهِ أوْ لا نَجاةَ لَنا مِن ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً يقول: وخرجوا من قبورهم لأمر الله تعالى.
يعني: القادة والأتباع اجتمعوا للحشر والحساب، وهذا كقوله: وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف: 47] فَقالَ الضُّعَفاءُ يعني: الأتباع والسفلة لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا وهم القادة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً في الدنيا نطيعكم فيما أمرتمونا به فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا يقول: هل أنتم حاملون عنا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا يعني: القادة للسفلة لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ يقول: لو أكرمنا الله بالهدي والتوحيد لهديناكم لدينه، وأنا أمرناكم بأعمالنا التي كنا عليها.
ويقال: معناه، لو أدخلنا الله الجنة، لشفعنا لكم.
ثم قالت القادة للسفلة سَواءٌ عَلَيْنا العذاب أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ يعني: من مفر ولا ملجأ من عذاب الله.
وروى أسباط عن السدي أنه قال: يقول أهل النار: تعالوا فلنصبر، لعلّ الله يرحمنا بصبرنا، فيصبرون، فلا يرحمون.
فيقولون: تعالوا فلنجزع، لعل الله يرحمنا بجزعنا فيجزعون، فلا يغني عنهم شيئاً، فيقولون: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ: اسْتَفْتَحُوا: أي: طلبوا الحُكْم، و «الفَتَّاح» الحاكم، والمعنَى: أنَّ الرسل استفتحوا، أيْ: سألوا اللَّه تبارَكَ وتعالَى إِنفاذَ الحُكْمِ بنصرهم.
وقيل: بلِ استفتح الكفَّارُ على نحو قولِ قريشٍ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...
[ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي جَهْل يوم بَدْرٍ: اللَّهم، أقطعنا للرَّحِمِ، وأتيانا بمَا لاَ نَعْرِفُ، فاحنه الغَدَاةَ، وهذا قولُ ابنِ زيدٍ «١» ، وقرأَتْ فرقةٌ: «واستفتحوا» «٢» - بكسر التاء- على معنى الأمر للرسُلِ، وهي قراءَة ابن عبَّاس ومجاهدٍ وابن مُحَيْصِنٍ: وَخابَ: معناه: خسر ولم ينجح، والجبار: المتعظّم في نفسه، والعنيد: الذي يعاند ولا يناقد.
وقوله: مِنْ وَرائِهِ: قال الطبري «٣» وغيره: مِنْ أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ [الكهف: ٧٩] ، وليس الأمر كما ذكروا، بل الوَرَاءُ هنا وهنَاكَ على بابه، أي: هو/ ما يأتي بَعْدُ في الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحَوَادِثِ بالأَمَامِ والوراءِ، إِنما هو بالزَّمَانِ، وما تقدَّم فهو أمام، وهو بَيْن اليد كما نقول في التوراة والإِنجيل: إنهما بيْنَ يدَي القرآن، والقرآنُ وراءهم، وعلَى هذا فما تأخَّر في الزمَانِ فهو وراء المتقدِّم، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ: «الصديد» : القَيْح والدمُ، وهو ما يسيلُ من أجْسَادِ أهْلِ النَّار قاله مجاهد «٤» والضّحّاك.
يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)
وقوله: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ: عبارةٌ عن صعوبة أمره عليهم، وروي أنَّ الكافر يؤتَى بالشَّرْبة من شراب أهْل النَّار، فيتكَّرهها، فإِذا أدنيَتْ منه، شَوَتْ وجهه، وسقَطَتْ فيها فروة رأسِهِ، فإِذا شربها، قَطَّعت أمعاءه، وهذا الخبر مفرَّق في آيات من كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ، أي: مِنْ كل شعرة في بَدَنِهِ قاله إِبراهيمُ التَّيْمِيُّ «١» ، وقيل: مِنْ جميع جهاته السِّتِّ، وَما هُوَ بِمَيِّتٍ: لا يراحُ بالموت، وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ قال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: العذابُ الغليظ: حَبْسُ الأنفاسِ في الأجسادِ، وفي الحديث: «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ تَكَلَّمُ بِلَسَانٍ طَلِقٍ ذَلِقٍ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرُ بِهِمَا، وَلَهَا لِسَانٌ تَكَلَّمُ بِهِ، فَتَقُولُ: إِنِّي أُمِرْتُ بِمَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إلها آخَرَ، وبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وبِمَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَتَنْطَلِقُ بِهِمْ قَبْلَ سَائِرِ النَّاسِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فتنطوي علَيْهم، فتقذفُهُمْ في جهنَّم» ، خرَّجه البزَّار «٢» ، انتهى من «الكوكب الدري» .
وقوله: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعُصُوفِ، وهي من صفات الريحِ بالحقيقة لما كانت في اليوم، كقول الشاعر: [الطويل]
...............
..........
...
وَنِمْت وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ «٣»
وباقي الآية بيّن.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الماضِي، ومَعْناهُ المُسْتَقْبَلُ، والمَعْنى: خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ البَعْثِ، واجْتَمَعَ التّابِعُ والمَتْبُوعُ، ﴿ فَقالَ الضُّعَفاءُ ﴾ وهُمُ الأتْباعُ ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ وهُمُ المَتْبُوعُونَ: ﴿ إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَمْعُ تابِعٍ، يُقالُ: تابِعٌ، وتَبَعٌ، مِثْلُ: غائِبٍ، وغَيَبٍ، والمَعْنى: تَبِعْناكم فِيما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ أيْ: دافِعُونَ عَنّا ﴿ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ قالَ القادَةَ: ﴿ لَوْ هَدانا اللَّهُ ﴾ أيْ: لَوْ أرْشَدَنا في الدُّنْيا لَأرْشَدْناكم، يُرِيدُونَ: أنَّ اللَّهَ أضَلَّنا فَدَعَوْناكم إلى الضَّلالِ، ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ أهْلَ النّارِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: تَعالَوْا نَبْكِي ونَضْرَعُ، فَإنَّما أدْرَكَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ بِبُكائِهِمْ وتَضَرُّعِهِمْ، فَبَكَوْا وتَضَرَّعُوا، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم، قالُوا: تَعالَوْا نَصْبِرُ، فَإنّما أدْرَكَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ بِالصَّبْرِ، فَصَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ، فَعِنْدَها قالُوا: ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ .
ورَوى مالِكُ بْنُ أنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: جَزِعُوا مِائَةَ سَنَةٍ، وصَبَرُوا مِائَةَ سَنَةٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: جَزِعُوا خَمْسَ مِائَةِ عامٍ، وصَبَرُوا خَمْسَ مِائَةِ عامٍ.
وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى المَحِيصِ في سُورَةِ (النِّساءِ:١٢١) <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللهِ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ مَعْناهُ: صارُوا بِالبِرازِ، وهي الأرْضُ المُتَّسِعَةُ كالبَراحِ والعَراءِ والخَبارِ، فاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِجَمْعِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ: "تَبَعًا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا فَيَكُونُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: "يَوْمُ عَدْلٍ ويَوْمُ حَرْبٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "تابِعٌ" عَلى نَحْوِ "غايِبٌ وغَيَبٌ"، وهو تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ.
وفَسَّرَ الناسُ "الضُعَفاءُ" بِالأتْباعِ، و"المُسْتَكْبِرِينَ" بِالقادَةِ وأهْلِ الرَأْيِ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ مُغْنُونَ عَنّا ﴾ مِنَ الغَناءِ، وهي المَنفَعَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الإنْسانِ لِلْآخَرِ في الدِفاعِ وغَيْرِهِ.
والألِفُ في قَوْلِهِ: "أجَزِعْنا" ألِفُ التَسْوِيَةِ ولَيْسَتْ بِألِفِ اسْتِفْهامٍ، بَلْ هي كَقَوْلِهِ: "أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا"، و"المَحِيصُ": المَفَرُّ والمَلْجَأُ، مَأْخُوذٌ مِن "حاصَ يَحِيصُ" إذا نَفَرَ وفَرَّ، ومِنهُ في حَدِيثِ هِرَقْلَ: (فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، وعن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ أهْلَ النارِ يَقُولُونَ: إنَّما نالَ أهْلُ الجَنَّةِ الرَحْمَةَ بِالصَبْرِ عَلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلا يَنْتَفِعُونَ، فَيَقُولُونَ: فَلْنَجْزَعْ، فَيَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ ويَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ أُخْرى، فَلا يَنْتَفِعُونَ، فَيَقُولُونَ هَذا القَوْلَ الَّذِي في الآيَةِ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهم يَقُولُونَها في مَوْقِفِ العَرْضِ وقْتَ البُرُوزِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ [إبراهيم: 20] باعتبار جواب الشرط وهو الإذهاب، وفي الكلام محذوف، إذ التقدير: فأذْهَبهم وبرزوا لله جميعاً، أي يوم القيامة.
وكان مقتضى الظاهر أن يقول: ويبرزون لله، فعدل عن المضارع إلى الماضي للتنبيه على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع، مثل قوله تعالى: ﴿ أتى أمر الله ﴾ [سورة النحل: 1].
والبروز: الخروج من مكان حاجب من بيت أو قرية.
والمعنى: حشروا من القبور.
وجميعاً} تأكيد ليشمل جميعهم من سادة ولفيففٍ.
وقد جيء في هذه الآية بوصف حَال الفرق يوم القيامة، ومجادلة أهل الضلالة مع قادتهم، ومجادلة الجميع للشيطان، وكون المؤمنين في شغل عن ذلك بنُزل الكرامة.
والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات.
فالمقصود: التحذير مما يفضي إلى سوء المصير.
واللام الجارة لاسم الجلالة معدية فعل ﴿ برزوا ﴾ إلى المجرور.
يقال: برز لفلان، إذا ظهر له، أي حضر بين يديه، كما يقال: ظهر له.
والضعفاء: عوامّ الناس والأتباع.
والذين استكبروا: السادة، لأنهم يتكبرون على العموم وكان التكبر شعار السادة.
والسين والتاء للمبالغة في الكبر.
والتَبع: اسم جمع التابع مثل الخَدَم والخَوَل، والفاء لتفريع الاستكبار على التبعية لأنها سبب يقتضي الشفاعة لهم.
وموجب تقديم المسند إليه على المسند في ﴿ فهل أنتم مغنون عنا ﴾ أن المستفهم عنه كون المستكبرين يغنون عنهم لا أصل الغَناء عنهم، لأنهم آيسون منه لما رأوا آثار الغضب الإلهي عليهم وعلى سادتهم.
كما تدلّ عليه حكاية قول المستكبرين ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ﴾ ، فعلموا أنهم قد غروهم في الدنيا، فتعيّن أن الاستفهام مستعمل في التورّك والتوبيخ والتبكيت، أي فأظهروا مكانتكم عند الله التي كنتم تدعونها وتغروننا بها في الدنيا.
فإيلاء المسند إليه حرف الاستفهام قرينة على أنه استفهام غير حقيقي، وبينه ما في نظيره من سورة غافر (47، 48) ﴿ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد.
﴾ ومِنْ } في قوله: ﴿ من عذاب الله ﴾ بدلية، أي غناء بدلاً عن عذاب الله..
و ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ من شيء ﴾ مزيدة لوقوع مدخولها في سياق الاستفهام بحرف هل.
و ﴿ شيء ﴾ في معنى المصدر، وحقه النصب على أنه مفعول مطلق فوقع جرّه بحرف الجر الزائد.
والمعنى: هل تغنون عنا شيئاً.
وجواب المستكبرين اعتذار عن تغريرهم بأنهم ما قصدوا به توريط أتباعهم كيف وقد ورّطوا أنفسهم أيضاً، أي لو كنا نافعين لنفعنا أنفسنا.
وهذا الجواب جار على معنى الاستفهام التوبيخي العتابي إذ لم يجيبوهم بأنا لا نملك لكم غناء ولكن ابتدأوا بالاعتذار عما صدر منهم نحوهم في الدنيا علماً بأن الضعفاء عالمون بأنهم لا يملكون لهم غناء من العذاب.
وجملة ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ من كلام الذين استكبروا.
وهي مستأنفة تبيين عن سؤال من الضعفاء يستفتون المستكبرين أيصبرون أم يجزعون تطلباً للخلاص من العذاب، فأرادوا تأييسهم من ذلك يقولون: لا يفيدنا جزع ولا صبر، فلا نجاة من العذاب.
فضمير المتكلم المشارك شامل للمتكلمين والمجابين، جمعوا أنفسهم إتماماً للاعتذار عن توريطهم.
والجزع: حزن مشوب باضطراب، والصبر تقدم.
وجملة ﴿ ما لنا من محيص ﴾ واقعة موقع التعليل لمعنى الاستواء، أي حيث لا محيص ولا نجاة فسواء الجَزع والصبر.
والمحيص: مصدر ميمي كالمغيب والمشيب وهو النجاة.
يقال: حاص عنه، أي نجا منه.
ويجوز أن يكون اسمَ مكان من حاص أيضاً، أي ما لنا ملجأ ومكان نَنْجو فيه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيْ ظَهَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ تَعالى في القِيامَةِ.
﴿ فَقالَ الضُّعَفاءُ ﴾ وهُمُ الأتْباعُ.
﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ وهْمُ القادَةُ المَتْبُوعُونَ.
﴿ إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا ﴾ يَعْنِي في الكُفْرِ بِالإجابَةِ لَكم.
﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ دافِعُونَ عَنّا، يُقالُ أغْنى عَنْهُ إذا دَفَعَ عَنْهُ الأذى، وأغْناهُ إذا أوْصَلَ إلَيْهِ النَّفْعَ.
﴿ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ أحَدُها: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى الإيمانِ لَهَدَيْناكم إلَيْهِ.
الثّانِي: لَوْ هَدانا اللَّهُ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم إلَيْها.
الثّالِثُ: لَوْ نَجّانا اللَّهُ مِنَ العَذابِ لَنَجَّيْناكم مِنهُ.
﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ أيْ مِن مَنجى أوْ مَلْجَأٍ، قِيلَ إنَّ أهْلَ النّارِ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا جَزِعُوا في الدُّنْيا وبَكَوْا فَفازُوا، فَيَجْزَعُونَ ويَبْكُونَ.
ثُمَّ يَقُولُونَ: يا أهْلَ النّارِ إنَّ قَوْمًا صَبَرُوا في الدُّنْيا فَفازُوا، فَيَصْبِرُونَ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ ﴿ سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فقال الضعفاء ﴾ قال: الأتباع ﴿ للذين استكبروا ﴾ قال: للقادة.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن زيد بن أسلم رضي الله عنه في قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صيرنا ﴾ قال: جزعوا مائة سنة، وصبروا مائة سنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في الآية قال: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا نبك ونتضرع إلى الله تعالى، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله...
فبكوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر...
فصبروا صبراً لم ير مثله، فلما ينفعهم ذلك.
فعند ذلك قالوا ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ برز معناه في اللغة: ظهر بعد الخفاء، ومنه يقال للمكان الواسع البَرازُ؛ لظهوره (١) ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً ﴾ أي: ظاهرة بلا جبل ولا تل يستر ما وراءه (٢) (٣) النّاطِقُ المَبْروزُ والمختُومُ (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) قال ابن عباس في قوله: ﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ يريد: في البعث يوم القيامة (٩) قال المفسرون: خرجوا من قبورهم (١٠) (١١) ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ ، ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ ؛ لأنه أصدَق وقوعَه؛ كأنه قد وقع وأتى، ومعنى ﴿ اللَّهُ ﴾ اللام هاهنا لام أجل، وتأويله: لأجل أمر الله إيّاهم بالبروز (١٢) وقال أبو إسحاق: أي جمعهم الله في حشرهم فاجتمع التابع والمتبوع (١٣) ﴿ فَقَالَ الضُّعَفَاءُ ﴾ وهم الأتباع، ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد الأتباع لأكابرهم الذين استكبروا عن عبادة الله (١٤) ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ ﴾ أي: في الدنيا ﴿ لَكُمْ تَبَعًا ﴾ ، قال الفراء وأبو عبيدة وجميع أهل العربية: التَّبَعُ جمع تابع مثل: خادم وخَدَم، وغائب وغَيَب، ونافر ونفَر، وحارس وحَرَس، وراصد ورَصَد (١٥) قال الزجاج: وجائز أن يكون مَصْدرًا سُمَّي به، أي: كنا ذوي تبع (١٦) ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله) (١٧) ﴿ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ يريدون أنهم إنما دعوهم إلى الضلال؛ لأن الله تعالى أضلهم ولم يهدهم، فدعوا أتباعهم إلى ما كانوا عليه من الضلال، ولو هداهم الله لدعوهم إلى الهدى، هذا قال ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم (١٨) وقوله تعالى: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْنَا ﴾ إلى آخره، قال الزجاج: ﴿ سَوَاءٌ ﴾ ابتداء، و ﴿ أَجَزِعْنَا ﴾ في موضع الخبر (١٩) ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ﴾ ، وذكرنا معنى المحيص في قوله: ﴿ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴾ .
(١) انظر: (برز) في "العين" 7/ 364، و"تهذيب اللغة" 1/ 310، و"مقاييس اللغة" 1/ 218، و"اللسان" 1/ 255، و"التاج" 8/ 9.
(٢) انظر: "برز" في "التهذيب" 1/ 310، و"اللسان" 1/ 255، و"التاج" 8/ 9.
(٣) المصادر السابقة نفسها.
(٤) وصدره: أو مُذْهَبٌ جَدَدٌ على ألواحهن "شرح ديوان لبيد" ص 119، وورد في (برز) في "العين" 7/ 364، و "تهذيب اللغة" 1/ 310، و"مقاييس اللغة" 1/ 218، و"اللسان" 1/ 255، و"التاج" 8/ 9، ورواية غير الديوان: (ألوحة)، (مُذْهب) اللوح عليه ذهب، (الجدد) جمع جُدَّة، وهي الطرائق، (الناطق) الكتاب، (المبرز) الظاهر، وقيل: المكتوب والمنشور، (المختوم) غير الظاهر، وقيل: الذي لم ينشر.
قال أبو الحسن: هو لوح ضمت إليه ألواح من جوانبه، كانوا يضعون عليه الكتب تعظيماً للملك، لا تمسه إلا يد الملك، يأخذ ما شاء ويترك ما شاء.
(٥) عبد الله بن محمد بن هانىء، أبو عبد الرحمن النحويّ النيسابوري، صاحب الأخفش، كان عارفاً بعلم الأدب، بصيراً بالنحوّ، له كتاب كبير في نوادر العرب وغرائب ألفاظها، وفي المعاني والأمثال، توفي سنة 236 هـ.
انظر: مقدمة "تهذيب اللغة" 1/ 44، و"إنباه الرواة" 2/ 131، و"البغية" 2/ 61.
(٦) في (أ)، (د): (برز المعنى)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو الإنسب للسياق.
(٧) ورد في "تهذيب اللغة" (برز) 1/ 310 وعبارته، قال ابن هانئ: أبرزتُ الكتاب: أخرجته، فهو مَبْروز.
(٨) ورد في "تهذيب اللغة" (برز) 1/ 310 بنحوه.
(٩) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 316 بنحوه.
(١٠) ورد في "تفسيرالطبري" 13/ 199 بنحوه، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 182 بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 204، بنصه، و"الثعلبي" 7/ 149 ب، بنصه، وانظر: "تفسير البغوي" 2/ 343، و"ابن الجوزي" 4/ 356، و"الفخر الرازي" 19/ 107، و"تفسير القرطبي" 9/ 355، و"الخازن" 3/ 75.
(١١) انظر: "الزمخشري" 2/ 298، و"الرازي" 19/ 107، و"الفريد في الإعراب" 3/ 156.
(١٢) انظر: "تفسير القرطبي" 9/ 355.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158 بنصه.
(١٤) ورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 316.
(١٥) "مجاز القرآن" 1/ 339، مختصراً، ولم أجده في معاني القرآن للفراء،، وورد بنحوه في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158، و"تفسير الثعلبي" 7/ 149 ب.
وانظر: "المحكم" (تبع) 2/ 42، و"تفسير الزمخشري" 2/ 298، وابن الجوزي" 4/ 356، والفخر الرازي 19/ 108، و"الفريد في الإعراب" 3/ 157، و"اللسان" (تبع) 1/ 416، و"الدر المصون" 7/ 85، و"التاج" (تبع) 11/ 37.
(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158 بنصه، وانظرت "الفريد في الإعراب" 3/ 157.
(١٧) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 316 بنصه غير منسوب، وما بين القوسين ساقط من (د).
(١٨) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 109 بنصه، وورد بنصه غير منسوب في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 316، وتفسيره "الوجيز" 1/ 581، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 356.
(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 158/ 3 بنصه <div class="verse-tafsir"
﴿ وَبَرَزُواْ للَّهِ ﴾ أي ظهروا، ومعنى الظهور هنا خروجهم من القبور، وقيل: معناه صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة ﴿ تَبَعًا ﴾ جمع تابع أو مصدر وصف به بالغة، أو على حذف مضاف ﴿ مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ ﴾ من الأولى للبيان، والثانية للتبعيض، ويجوز أن يكونا للتبعيض معاً قاله الزمخشري، والأظهر أن الأولى للبيان، والثانية زائدة، والمعنى: هل أنتم دافعون أو متحملون عنا شيئاً من عذاب الله ﴿ مَّحِيصٍ ﴾ أي مهرب حيث وقع، ويحتمل أن مصدراً أو اسم مكان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.
الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بلفظ الفعل.
﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.
﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.
الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بضمها.
﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.
الباقون بالفتح.
﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.
الباقون بالإضافة.
الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.
فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.
وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.
وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.
وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.
وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.
والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.
قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".
قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.
وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.
ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.
ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.
وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.
ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟
فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.
ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.
﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.
فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟
قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.
وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.
والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.
وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.
ومعنى بروزهم لله وهو لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.
فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.
قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.
وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.
كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته فضلوا وأضلوا.
قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.
وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.
والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .
عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.
وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.
وزيف بأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله.
وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.
وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.
ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.
ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.
والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.
وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.
يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .
ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.
وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.
الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.
ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.
ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.
﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله عليه حجة.
هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.
قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.
وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟
جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.
وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.
هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.
وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.
ثم حكى الله عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.
قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.
صرخ فلان إذا استغاث.
وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.
وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.
وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.
قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.
ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.
أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.
ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.
وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.
قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.
وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.
ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.
قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.
ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.
وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.
عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.
وعن ابن عمر: هي النخلة.
وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.
والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.
وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.
أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.
ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.
والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.
ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.
قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.
الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.
وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.
وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.
وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.
والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.
قال المحققون: معرفة الله والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.
أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.
ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.
وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.
وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.
وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.
وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .
وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.
و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.
وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله ﴾ .
وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.
فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.
ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.
وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟
فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.
قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.
والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.
وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.
ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.
هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.
عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.
وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.
والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.
وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.
فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.
وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.
ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.
﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.
ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.
ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.
وذلك أنه أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.
وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.
قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.
وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.
﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.
قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.
والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.
ومن الذين نزل فيهم؟
روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.
فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.
وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.
ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.
وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.
وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.
والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.
ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.
ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.
وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.
﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.
ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.
ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".
﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.
وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.
والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.
ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.
ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.
ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.
قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.
ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله على عباده.
وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.
وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.
قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.
أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.
وإذا كانت نعم الله في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟
إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.
وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.
واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.
التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.
تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.
﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.
﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.
وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.
ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قوله : <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .
قال مقاتل: خرجوا إلى الله من قبورهم جميعاً، وقال: ﴿ جَمِيعاً ﴾ لأنه لا يغادر أحد إلا بعث.
ويحتمل وجوهاً أخر سوى ذلك: وهو أن قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : أي: لأمر الله؛ أو لوعده الذي وعد أنهم يبعثون.
أو يريد الحكم، الله يحكم في بعثهم.
﴿ وَبَرَزُواْ ﴾ : أي: ظهروا به ووجدوا؛ فيكونون [به] موجودين ظاهرين بعد أن كانوا فائتين ذاهبين غائبين؛ أي: عندهم في الدنيا أنهم [كانوا] فائتين غائبين عن الله؛ فيومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأحوالهم؛ وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ ﴾ وقوله ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ وأمثاله، أي: يعلمهم مجاهدين صابرين كما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين؛ وكقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ يعلمهم شهوداً كما علمهم غيباً.
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: يكونون له موجودين ظاهرين والله أعلم.
وإضافة البروز إليه في الآخرة وإن كان بروزهم له في الدارين جميعاً، [وكذلك المصير] إليه والمرجع إليه والمآب ونحوه؛ فهو - والله أعلم - لما لا ينازع أحد في البروز في ذلك اليوم؛ وقد ينازعونه في الدنيا.
أو خُصّ ذلك البروز بالإضافة [إليه]؛ لما هو المقصود من إنشائه إياهم وخلقهم؛ ليس المقصود في خلقهم وإنشائهم الأول؛ ولكن الآخر؛ فخص ذلك بالإضافة إليه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء؛ وكأنهم لم يكونوا يعلمون؛ قبل ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .
قال قائلون: قوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا ﴾ : أي: دافعون عنا من عذاب الله؛ إذ كنّا لكم أتباعاً وأنتم متبوعين؛ فادفعوا عنا ذلك.
لكن هذا بعيد؛ أن يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب؛ فلو قدروا على دفع [ذلك] عنهم؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى؛ كما كان في الدنيا، فللحيرة ما قالوا؛ كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ...
﴾ .
والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم، وتحمل بعض لأن مؤنة الأتباع في العرف يتحملها المتبوع؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل بهم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ طلبوا منهم تحمل بعض ما حلَّ بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ .
قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعاً - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية الله من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ علموا أن الله - عز وجل - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى الله جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أن يهدي أحدا لم يملك، والكفرة - حيث قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ رأوا وعلموا أن الله لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم ﴿ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ ، [وكذلك] قال إبليس: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ﴾ أضاف الإغواء إليه؛ وهم يقولون: لا يُغوي الله أحداً، فإبليس [أعلم بهذا] من المعتزلة.
وقولهم: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا.
وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ : لو كان الذي كنا عليه هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع [أن] الأتباع؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ .
قال أهل التأويل: إنهم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نجزع لعل الله يرحمنا؛ فجزعوا حيناً؛ فلم يرحموا، ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا؛ فلم يرحموا؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار، لكن كأنهم قالوا ذلك بالذي سمعوا؛ وهو قوله: ﴿ فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي: مَنْجىً ومَخْلَص، لا يحتمل أن يقولوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ في أول أحوالهم وأمورهم، ولكن يحتمل ما ذكر أهل التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : أي: أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ؛ وأهل النارِ النار؛ يقوم إبليس خطيباً في النار؛ فخطب كما ذكر.
وقال قائلون: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: مُيّز وبُيّن أهل الجنة من أهل النار؛ قبل أن يدخل أهل النار النار؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيباً فخطب لأتباعه كما ذكر.
ويحتمل قوله: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: لما فرغ من الحساب ومن أمرهم؛ عند ذلك يخطب؛ ما ذكر؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ ﴾ أي: لما فرغ من السماع؛ فعلى ذلك هذا.
وقال بعضهم: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: لما نزل بهم العذاب.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ هو أن الله كان وعد أن يقوم إبليس خطيباً لهم؛ فقضى الأمر؛ أي: أنجز ما وعد؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ...
﴾ الآية [المجادلة: 18] يكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، أو يحتجون فيقولون: إن إبليس هو كان غلبنا وقهرنا؛ لأنه كان يرانا ونحن لم نكن نراه؛ فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك، يحتجون بمثل هذه الخرافات واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيباً بينهم وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ حتى أقهركم وأغلبكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طائعين؛ غير مقهورين ولا مضطرين والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
يشبه أن يكون وعده ما وعد على ألسن الرسل: أن البعث، والجنة، والنار، والحساب، والعذاب - كائن لا محالة.
أو جميع ما أوعد من مواعيده - فذلك كله حقّ أي: كائن لا محالة.
﴿ وَوَعَدتُّكُمْ ﴾ .
يحتمل ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ﴾ وأمثاله من عِدَاته؛ كانت كلها أماني وغروراً وكذباً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ يحتمل السلطان وجهين: أحدهما: أي ما كان لي عليكم من ملك وقهر وغلبة أقهركم وأغلب عليكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طوعاً.
ويحتمل قوله: ﴿ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ : من حجة وبرهان؛ أي: لم يكن لي حجة وبرهان على ما دعوتكم إليه؛ إنما كان لي دعاء ووساوس، وكان مع الرسل حجج وبراهين، فتركتم إجابتهم؛ واستجبتم لي بلا حجة وبرهان؛ أي: لم أقهركم، ولم أغلب عليكم؛ لكن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان له عليهم سلطان القهر والغلبة لكانوا معذورين غير معذبين؛ لأن المقهور والمغلوب مضطر؛ فالمضطر معذور؛ ولكن السلطان هو الحجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
ليس مراده - لعنه الله - أنه لا يلام؛ ولكن مراده: أن ارجعوا إلى لائمة أنفسكم واشتغلوا بها؛ فإن ذلك كان منكم لم يكن مني إلا الدعاء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ .
قيل: ما أنا بناصركم وما أنتم بناصري، وقيل: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين لي، وقيل: ما أنا بمانعكم وما أنتم بمانعي، ما نزل بي هذا كله واحد.
وقوله: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ أي: ما أنا بمالك إغاثتكم وإنقاذكم، وما أنتم بمالكي إغاثتي، وإلا لو كان لهم ملك ذلك لفعلوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ .
أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته؛ أي: كنت بذلك كافراً.
ويحتمل: [ ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته، أي: كنت بذلك كافراً، ويحتمل ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ ﴾ ] أي: تبرّأت اليوم؛ مما أشركتموني مع الله في الطاعة والعبادة من قبل.
أحد التأويلين يرجع إلى أنه يتبرأ في ذلك اليوم؛ وقتما قام خطيباً.
والثاني: إني كنت تبرأت من ذلك في الدنيا، وقتما أشركوه ﴿ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: أذن لهم بالدخول في الجنة.
قوله: ﴿ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ .
الإذن هاهنا كأنه الرحمة؛ أي: خالدين فيها برحمة ربهم.
﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .
[يحتمل السلام الثناء] أي: يثنون على ربهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...
﴾ الآية [فاطر: 34].
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ قال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض، ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام.
وقال بعضهم: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة؛ كما قال: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً...
﴾ الآية [مريم: 62] والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
وخرج الخلائق من قبورهم إلى الله يوم الميعاد.
فقال الأتباع الضعفاء للسادة الرؤساء: إنا كنا لكم -أيها السادة- أتباعًا، نأتمر بأمركم، وننتهي بنهيكم، فهل أنتم دافعون عنا من عذاب الله شيئًا؟
قال السادة الرؤساء: لو وَفَّقنا الله للهداية لأرشدناكم إليها، فنجونا جميعًا من عذابه، ولكن ضللنا فأضللناكم، يستوي علينا وعليكم أنْ نضعُفَ عن تحمل العذاب أو أن نصبرَ، ليس لنا مهرب من العذاب.
<div class="verse-tafsir" id="91.n5jBM"