الآية ٢٢ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢٢ من سورة إبراهيم

وَقَالَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَمَّا قُضِىَ ٱلْأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى ۖ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُوٓا۟ أَنفُسَكُم ۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُم بِمُصْرِخِىَّ ۖ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٢٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 147 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما خطب به إبليس [ لعنه الله ] أتباعه ، بعدما قضى الله بين عباده ، فأدخل المؤمنين الجنات ، وأسكن الكافرين الدركات ، فقام فيهم إبليس - لعنه الله - حينئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغبنا إلى غبنهم ، وحسرة إلى حسرتهم ، فقال : ( إن الله وعدكم وعد الحق ) أي : على ألسنة رسله ، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة ، وكان وعدا حقا ، وخبرا صدقا ، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم ، كما قال الله تعالى : ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) [ النساء : 120 ] .

ثم قال : ( وما كان لي عليكم من سلطان ) أي : ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به ، ( إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) بمجرد ذلك ، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به ، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ، ( فلا تلوموني ) اليوم ، ( ولوموا أنفسكم ) فإن الذنب لكم ، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ، ( ما أنا بمصرخكم ) أي : بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه ، ( وما أنتم بمصرخي ) أي : بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال ، ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) قال قتادة : أي بسبب ما أشركتمون من قبل .

وقال ابن جرير : يقول : إني جحدت أن أكون شريكا لله ، عز وجل .

وهذا الذي قاله هو الراجح كما قال تعالى : ( ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ) [ الأحقاف : 5 ، 6 ] ، وقال : ( كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) [ مريم : 82 ] .

وقوله : ( إن الظالمين ) أي : في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل ) لهم عذاب أليم ) والظاهر من سياق الآية : أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار ، كما قدمنا .

ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم - وهذا لفظه - وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد : حدثني دخين الحجري ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا جمع الله الأولين والآخرين ، فقضى بينهم ، ففرغ من القضاء ، قال المؤمنون : قد قضى بيننا ربنا ، فمن يشفع لنا ؟

فيقولون : انطلقوا بنا إلى آدم - وذكر نوحا ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى - فيقول عيسى : أدلكم على النبي الأمي .

فيأتوني ، فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور [ من ] مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط ، حتى آتي ربي فيشفعني ، ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكافرون هذا : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فمن يشفع لنا ؟

ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا ، فيأتون إبليس فيقولون : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فقم أنت فاشفع لنا ، فإنك أنت أضللتنا .

فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ، ثم يعظم نحيبهم ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) .

وهذا سياق ابن أبي حاتم ، ورواه ابن المبارك عن رشدين بن سعد ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن دخين عن عقبة ، به مرفوعا .

وقال محمد بن كعب القرظي ، رحمه الله : لما قال أهل النار : ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ) قال لهم إبليس : ( إن الله وعدكم وعد الحق ) الآية ، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم ، فنودوا : ( لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون ) [ غافر : 10 ] .

وقال عامر الشعبي : يقوم خطيبان يوم القيامة على رءوس الناس ، يقول الله لعيسى ابن مريم : ( أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) إلى قوله : ( قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ) [ المائدة : 116 ، 119 ] ، قال : ويقوم إبليس - لعنه الله - فيقول : ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وقال إبليس ، (13) ( لما قُضِي الأمر ) ، يعني لما أدخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهل النار النارَ ، واستقرّ بكل فريق منهم قرارهم ، (14) إن الله وعدكم ، أيها الأتباعُ ، النارَ ، ووعدتكم النُّصْرة ، فأخلفتكم وعدي ، ووفى الله لكم بوعده ( وما كان لي عليكم من سلطان ) ، يقول: وما كان لي عليكم ، فيما وعدتكم من النصرة ، من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي (15) ( إلا أنْ دعوتكم ) .

وهذا من الاستثناء المنقطع عن الأول ، كما تقول: " ما ضربْتُه إلا أنه أحمق " ، ومعناه: ولكن (دعوتكم فاستجبتم لي ) .

يقول: إلا أن دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله ، فاستجبتم لدعائي (16) ( فلا تلوموني ) ، على إجابتكم إياي ( ولوموا أنفسكم ) ، عليها ( ما أنا بمُصْرِخِكم ) ، يقول: ما أنا بمُغِيثكم ( وما أنتم بمصرخِيَّ ) ، ولا أنتم بمُغيثيَّ من عذاب الله فمُنْجِيَّ منه ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ، يقول: إني جَحدْت أن أكون شريكًا لله فيما أشركتمون فيه من عبادتكم (من قبل) في الدنيا ( إن الظالمين لهم عذاب أليم ) ، يقول: إن الكافرين بالله لهم عذاب " أليم " ، من الله موجِع .

(17) * * * يقال: " أصْرَختُ الرجلَ" ، إذا أغثته " إصراخًا " ، و " قد صَرَخ الصَّارخ ، يصرُخ ، ويَصْرَخ ، قليلة ، وهو الصَّرِيخ والصُّراخ ".

(18) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 20641 - حدثني محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا داود ، عن عامر في هذه الآية: ( ما أنا بمُصْرخكم وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ، قال: خطيبان يقومان يومَ القيامة ، إبليسُ وعيسى ابن مريم .

فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول هذا القول .

وأما عيسى عليه السلام فيقول: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ،[سورة المائدة : 117 ].

20642 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبي قال : يقوم خطيبان يوم القيامة ، أحدهما عيسى ، والآخر إبليس .

فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول: ( إن الله وعدكم وعد الحق ) ، فتلا داود حتى بلغ: ( بما أشركتموني من قبل ) ، فلا أدري أتمَّ الآية أم لا؟

وأما عيسى عليه السلام فيقال له: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فتلا حتى بلغ: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [سورة المائدة : 116 - 118 ] .

20643 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا علي بن عاصم ، عن داود بن أبي هند ، عن عامر قال ، يقوم خطيبان يوم القيامة على رءوس الناس ، يقول الله عز وجل: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ، [سورة المائدة : 116 - 119 ] .

قال: ويقوم إبليس فيقول: ( وما كان لِيَ عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ ) ، ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمُغيثيَّ.

20644 - حدثنا الحسين قال ، حدثنا سعيد بن منصور قال ، حدثني خالد ، عن داود ، عن الشعبي ، في قوله: ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) ، قال: خطيبان يقومان يوم القيامة ، فأما إبليس فيقول هذا ، وأما عيسى فيقول: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ .

20645 - حدثنا المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن رشدين بن سعد قال ، أخبرني عبد الرحمن بن زياد ، عن دخين الحجري ، عن عقبة بن عامر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر الحديث ، قال: يقول عيسى: ذلكم النبيُّ الأميّ.

فيأتونني ، فيأذن الله لي أن أقوم ، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شَمَّها أحدٌ ، حتى آتي ربي فيشفعني ، ويجعل لي نُورًا إلى نور ، من شَعَر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكافرون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فقم أنت فاشفع لنا ، فإنكَ أنت أضللتنا .

فيقوم ، فيثورُ من مجلسه أنتنُ ريح شَمَّها أحدٌ ، ثم يعظم لجهنّم ، (19) ويقول عند ذلك: (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) ، الآية.

(20) 20646 - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن الحسن ، في قوله: ( وما كان لي عليكم من سلطانٍ ) ، قال: إذا كان يوم القيامة ، قام إبليس خطيبًا على منبر من نار ، فقال: ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ) ، إلى قوله: ( وما أنتم بمصرخيّ ) ، قال: بناصريَّ ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ، قال: بطاعتكم إياي في الدنيا.

20647 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك عمن ذكره قال ، سمعت محمد بن كعب القرظي ، قال في قوله: ( وقال الشيطان لما قُضِيَ الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ) ، قال: قام إبليس يخطبهُم فقال: ( إن الله وعدكم وعد الحق ) ، إلى قوله: ( ما أنا بمصرخكم ) ، يقول: بمغنٍ عنكم شيئًا ( وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ، قال: فلما سمعوا مقالته مَقَتُوا أنفسهم ، قالا فنودوا: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، الآية[سورة غافر : 10 ] .

20648 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سَعيد ، عن قتادة ، قوله: ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ) ، ما أنا بمغيثكم ، وما أنتم بمغيثي قوله: ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ، يقول: عصيت الله قبلكم.

20649 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ( ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) ، قال: هذا قولُ إبليس يوم القيامة ، يقول: ما أنتم بنافعيّ وما أنا بنافعكم (إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) قال: شركته ، عبادته.

20650 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى وحدثني الحارث قال ، حدثنا الحسين قال: حدثنا ورقاء جميعًا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله: ( بمصرخيّ ) ، قال: بمغيثيّ.

20651 - حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

20652 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

20653 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.

20654 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس قال : ما أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجيَّ.

20655 - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد قال : خطيبُ السَّوْء الصادق إبليس ، (21) أفرأيتم صادقًا لم ينفعه صِدقهُ : ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ) ، أقهركم به ( إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) ، قال: أطعتموني ( فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) ، حين أطعتموني ( ما أنا بمصرخكم ) ، ما أنا بناصركم ولا مغيثكم ( وما أنتم بمصرخيّ ) ، وما أنتم بناصريّ ولا مغيثيّ لما بي ( إني كفرت بما أشركتمون من قبل إنّ الظالمين لهم عذاب أليم ) .

20656 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن الحكم ، عن عُمَر بن أبي ليلى أحدِ بني عامر قال : سمعت محمد بن كعب القرظيّ يقول: ( وقال الشيطان لما قضي الأمر ) ، قال: قام إٍبليس عند ذلك ، يعني حين قال أهل جهنم: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ، فخطبهم ، فقال: ( إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم ) ،إلى قوله: ( ما أنا بمصرخكم ) ، يقول: بمُغْنٍ عنكم شيئًا ( وما أنتم بمصرخيَّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) .

قال: فلما سمعوا مقالته مَقَتُوا أنفسهم ، قال: فنودوا: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ ،الآية [سورة غافر : 10 ] .

(22) --------------------------- الهوامش : (13) انظر تفسير " الشيطان " فيما سلف 1 : 111 ، 112 ، 296/ 12 : 51 .

(14) انظر تفسير " القضا " فيما سلف : 107 ، ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(15) انظر تفسير " السلطان " فيما سلف : 537 ، تعليق : 7 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير الاستجابة " فيما سلف : 416 .

تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(17) انظر تفسير " الإشراك " و " أليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( شرك ) ( ألم ) .

(18) " يَصْرَخُ " بفتح الراء ، وكذلك هي مضبوطة في المخطوطة ، ومضارع " صرخ " بفتح الراء لم أجد من نص عليه في المعاجم ، فهذا موضع زيادة .

(19) في المطبوعة " يعظم نحيبهم " ، غير ما اتفقت عليه المخطوطة ، والدر المنثور ، وابن كثير .

وهو ما أثبت ، وأنا في شك من الكلمة ، وظني أنها " يُقَطِّمُ لجهنَّم " ، من قولهم " قَطَّم الشارب " إذا ذاق الشراب فكرهه ، وزوى وجهه ، وقطب .

(20) الأثر : 20645 - " رشدين بن سعد المصري " ، رجل صالح ، أدركته غفلة الصالحين ، فخلط في الحديث ، فليس يبالي عمن روى ، وهو ضعيف متروك ، عنده معاضيل ومناكير ، مضى مرارًا آخرها رقم : 17729 .

و " عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الشعباني الإفريقي " ، رجل صالح ، ولكنه منكر الحديث ، وإن وثقه بعضهم ، قال أبو الحسن بن القطان .

كان من أهل العلم والزهد بلا خلاف بين الناس ، ومن الناس من يوثقه ، ويربأ به عن حضيض رد الرواية ، والحق فيه أنه ضعيف ، لكثرة روايته المنكرات ، وهو أمر يعتري الصالحين " ، مضى أيضًا مرارًا آخرها رقم : 14337 .

و " دخين الحجري " ، هو " دخين بن عامر الحجري " ، " أبو ليلي المصري " ، روى عن عقبة بن عامر ، وعنه عبد الرحمن بن زياد ، ذكره ابن حبان في الثقات .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/234 ، وابن أبي حاتم 1/2/442 .

وهذا خبر ضعيف الإسناد ، لا يقوم .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 74 ، وزاد نسبته إلى ابن المبارك في الزهد ، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن مردويه ، وابن عساكر وقال : أخرجوه بسند ضعيف ، ونقله عن ابن أبي حاتم ، ابن كثير في تفسيره 4 : 557 .

(21) في المطبوعة : " إبليس الصادق " ، أخر وقدم بلا داع مفهوم.

(22) الأثر : 20656 - " الحكم المكي " ، و " عمر بن أبي ليلى " ، انظر ما سلف تعليقًا على الرقم : 20639 ، وهو تتمة ذاك الخبر .

وكان في المطبوعة هنا أيضًا " عمرو بن أبي ليلي " .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّقوله تعالى وقال الشيطان لما قضي الأمر قال الحسن : يقف إبليس يوم القيامة خطيبا في جهنم على منبر من نار يسمعه الخلائق جميعا .

ومعنى : لما قضي الأمر أي حصل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ، على ما يأتي بيانه في " مريم " عليها السلام .

إن الله وعدكم وعد الحق يعني البعث والجنة والنار وثواب المطيع وعقاب العاصي فصدقكم وعده ، ووعدتكم أن لا بعث ولا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فأخلفتكم .

وروى ابن المبارك من حديث عقبة بن عامر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الشفاعة قال : فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي ، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول الكافرون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا فيقولون ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا ، فيأتونه فيقولون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فاشفع لنا فإنك أضللتنا فيثور مجلسه من أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم ويقول عند ذلك : إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم الآية .

" وعد الحق " هو إضافة الشيء إلى نعته كقولهم : مسجد الجامع ; قال الفراء قال البصريون : وعدكم وعد اليوم الحق أو وعدكم وعد الوعد الحق فصدقكم ; فحذف المصدر لدلالة الحال .

وما كان لي عليكم من سلطان أي من حجة وبيان ; أي ما أظهرت لكم حجة على ما وعدتكم وزينته لكم في الدنيا ، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي أي أغويتكم فتابعتموني .

وقيل : لم أقهركم على ما دعوتكم إليه .

إلا أن دعوتكم هو استثناء منقطع ; [ ص: 312 ] أي لكن دعوتكم بالوسواس فاستجبتم لي باختياركم ، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم وقيل : وما كان لي عليكم من سلطان أي على قلوبكم وموضع إيمانكم لكن دعوتكم فاستجبتم لي ; وهذا على أنه خطب العاصي المؤمن والكافر الجاحد ; وفيه نظر ; لقوله : لما قضي الأمر فإنه يدل على أنه خطب الكفار دون العاصين الموحدين ; والله أعلم .

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم إذا جئتموني من غير حجة .

ما أنا بمصرخكم أي بمغيثكم .

وما أنتم بمصرخي أي بمغيثي .

والصارخ والمستصرخ هو الذي يطلب النصرة والمعاونة ، والمصرخ هو المغيث .

قال سلامة بن جندل :كنا إذا ما أتانا صارخ فزع وكان الصراخ له قرع الظنابيبوقال أمية بن أبي الصلت :ولا تجزعوا إني لكم غير مصرخ وليس لكم عندي غناء ولا نصر.

يقال : صرخ فلان أي استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة .

واصطرخ بمعنى صرخ .

والتصرخ تكلف الصراخ .

والمصرخ المغيث ، والمستصرخ المستغيث ; تقول منه : استصرخني فأصرخته .

والصريخ صوت المستصرخ .

والصريخ أيضا الصارخ ، وهو المغيث والمستغيث ، وهو من الأضداد ; قاله الجوهري .

وقراءة العامة بمصرخي بفتح الياء .

وقرأ الأعمش وحمزة بمصرخي بكسر الياء .

والأصل فيها بمصرخيين فذهبت النون للإضافة ، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة ، فمن نصب فلأجل التضعيف ، ولأن ياء الإضافة إذا سكن ما قبلها تعين فيها الفتح مثل : هواي وعصاي ، فإن تحرك ما قبلها جاز الفتح والإسكان ، مثل : غلامي وغلامتي ، ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر ; لأن الياء أخت الكسرة .

وقال الفراء : قراءة حمزة وهم منه ، وقل من سلم منهم عن خطأ .

وقال الزجاج : هذه قراءة رديئة ولا وجه لها إلا وجه ضعيف .

وقال قطرب : هذه لغة بني يربوع يزيدون على ياء الإضافة ياء .

القشيري : والذي يغني عن هذا أن ما يثبت بالتواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز أن يقال فيه هو خطأ أو قبيح أو رديء ، بل هو في القرآن فصيح ، وفيه ما هو أفصح منه ، فلعل هؤلاء أرادوا أن غير هذا الذي قرأ به حمزة أفصح .إني كفرت بما أشركتموني من قبل أي كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة ; ف " ما " بمعنى المصدر .

وقال ابن جريج : إني كفرت اليوم بما كنتم تدعونه في الدنيا من الشرك بالله تعالى .

قتادة : إني عصيت الله .

الثوري : كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا .إن الظالمين لهم عذاب أليم .

وفي هذه الآيات رد على القدرية والمعتزلة والإمامية ومن كان على طريقهم ; انظر إلى قول المتبوعين : لو هدانا الله لهديناكم [ ص: 313 ] وقول إبليس : إن الله وعدكم وعد الحق كيف اعترفوا بالحق في صفات الله تعالى وهم في دركات النار ; كما قال في موضع آخر : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها إلى قول : فاعترفوا بذنبهم واعترافهم في دركات لظى بالحق ليس بنافع ، وإنما ينفع الاعتراف صاحبه في الدنيا ; قال الله - عز وجل - : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم و " عسى " من الله واجبة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ } الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، مخاطبا لأهل النار ومتبرئا منهم { لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ } ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

{ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ } على ألسنة رسله فلم تطيعوه، فلو أطعتموه لأدركتم الفوز العظيم، { وَوَعَدْتُكُمْ } الخير { فَأَخْلَفْتُكُمْ } أي: لم يحصل ولن يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة.

{ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } أي: من حجة على تأييد قولي، { إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي } أي: هذا نهاية ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعا لأهوائكم وشهواتكم، فإذا كانت الحال بهذه الصورة { فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ } فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، { مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ } أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها { وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } كل له قسط من العذاب.

{ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } أي: تبرأت من جعلكم لي شريكا مع الله فلست شريكا لله ولا تجب طاعتي، { إِنَّ الظَّالِمِينَ } لأنفسهم بطاعة الشيطان { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } خالدين فيه أبدا.

وهذا من لطف الله بعباده ،أن حذرهم من طاعة الشيطان وأخبر بمداخله التي يدخل منها على الإنسان ومقاصده فيه، وأنه يقصد أن يدخله النيران، وهنا بين لنا أنه إذا دخل النار وحزبه أنه يتبرأ منهم هذه البراءة، ويكفر بشركهم { ولا ينبئك مثل خبير } واعلم أن الله ذكر في هذه الآية أنه ليس له سلطان، وقال في آية أخرى { إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } فالسلطان الذي نفاه عنه هو سلطان الحجة والدليل، فليس له حجة أصلا على ما يدعو إليه، وإنما نهاية ذلك أن يقيم لهم من الشبه والتزيينات ما به يتجرؤون على المعاصي.

وأما السلطان الذي أثبته فهو التسلط بالإغراء على المعاصي لأوليائه يُؤزّهم إلى المعاصي أزّا، وهم الذين سلطوه على أنفسهم بموالاته والالتحاق بحزبه، ولهذا ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وقال الشيطان ) يعني : إبليس ( لما قضي الأمر ) أي : فرغ منه فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار .

وقال مقاتل : يوضع له منبر في النار ، فيرقاه فيجتمع عليه الكفار باللائمة فيقول لهم : ( إن الله وعدكم وعد الحق ) فوفى لكم به ( ووعدتكم فأخلفتكم ) وقيل : يقول لهم : قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار .

( وما كان لي عليكم من سلطان ) ولاية .

وقيل : لم آتكم بحجة فيما دعوتكم إليه ( إلا أن دعوتكم ) هذا استثناء منقطع معناه : لكن ( دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ) بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان ولا برهان ( ما أنا بمصرخكم ) بمغيثكم ( وما أنتم بمصرخي ) بمغيثي .

قرأ الأعمش ، وحمزة " بمصرخي " بكسر الياء ، والآخرون بالنصب لأجل التضعيف ، ومن كسر فلالتقاء الساكنين ، حركت إلى الكسر ، لأن الياء أخت الكسرة ، وأهل النحو لم يرضوه ، وقيل : إنه لغة بني يربوع .

والأصل ( بمصرخيني ) فذهبت النون لأجل الإضافة ، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة .

( إني كفرت بما أشركتمون من قبل ) أي : كفرت بجعلكم إياي شريكا في عبادته وتبرأت من ذلك .

( إن الظالمين ) الكافرين ( لهم عذاب أليم ) .

أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة ، أنبأنا محمد بن أحمد الحارث ، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنبأنا عبد الله بن محمود ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، عن رشدين بن سعد ، أخبرني عبد الرحمن بن زياد ، عن دخين الحجري ، عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة ذكر الحديث ثم قال : " يقول عيسى عليه السلام : ذلكم النبي الأمي ، فيأتوني ، فيأذن الله لي أن أقوم ، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد ، حتى آتي ربي عز وجل فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكفار : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ؟

فيقولون : ما هو غير إبليس ، هو الذي أضلنا ، فيأتونه فيقولون له : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا ، فإنك أنت أضللتنا .

فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ، ثم تعظم جهنم ، ويقول عند ذلك : ( إن الله وعدكم وعد الحق ) الآية .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الشيطان» إبليس «لما قضي الأمر» وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار واجتمعوا عليه «إن الله وعدكم وعد الحق» بالبعث والجزاء فصدقكم «ووعدتكم» أنه غير كائن «فأخلفتكم وما كان لي عليكم من» زائدة «سلطان» قوة وقدرة أقهركم على متابعتي «إلا» لكن «أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولموا أنفسكم» على إجابتي «ما أنا بمصرخكم» بمغيثكم «وما أنتم بمصرخيَِّ» بفتح الياء وكسرها «إني كفرت بما أشركتمون» بإشراككم إياي مع الله «من قبل» من الدنيا قال تعالى «إن الظالمين» الكافرين «لهم عذاب أليم» مؤلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الشيطان -بعد أن قضى الله الأمر وحاسب خَلْقه، ودخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ-: إن الله وعدكم وعدًا حقًا بالبعث والجزاء، ووعدتكم وعدًا باطلا أنه لا بَعْثَ ولا جزاء، فأخلفتكم وعدي، وما كان لي عليكم من قوة أقهركم بها على اتباعي، ولا كانت معي حجة، ولكن دعوتكم إلى الكفر والضلال فاتبعتموني، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، فالذنب ذنبكم، ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله، إني تبرَّأت مِن جَعْلِكم لي شريكًا مع الله في طاعته في الدنيا.

إن الظالمين -في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل- لهم عذاب مؤلم موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة ، فقال - تعالى - : ( وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ .

.

) والمراد بالشيطان هنا : إبليس - لعنه الله - .قال الفخر الرازى : " وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان مفرد فيتناول الواحد ، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم ، فحمل اللفظ عليه أولى .

ولا سيما وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم ، يقول الكافر : قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ، ما هو إلا إبليس ، فهو الذى أضلنا ، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول .

.

.

" .والمراد بقوله - سبحانه - ( قُضِيَ الأمر ) أى : حين تم الحساب ، وعرف أهل الجنة ثوابهم ، وعرف أهل النار مصيرهم ، كل فريق فى المكان الذى أعده الله تعالى له .والمقصود من حكاية ما يقوله الشيطان للكافرين فى هذا اليوم .

تحذير المؤمنين من وسوسته وإغوائه ، حتى ينجوا من العذاب الذى سيحل بأتباعه يوم القيامة .والمراد بالحق فى قوله ( إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق ) : الصدق والوفاء بما وعدكم به على ألسنه رسله .والمراد بالإخلاف فى قوله ( وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) الكذب والغدر وعدم الوفاء بما مناهم به ، من أمانى باطلة .قال - تعالى - : ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ) وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى إن الله - تعالى - وعدكم الوعد الحق الذى لا نقض له ، وهو أن الجزاء حق ، والبعث حق ، والنار حق ، ووعدتكم وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب .

.

فأخلفتكم ما وعدتكم به ، وظهر كذبى فيما قلته لكم .

ثم أضاف إلى ذلك قوله - كما حكى القرآن عنه - : ( وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي ) .

.

.والسلطان : اسم مصدر بمعنى التسلط والقهر والغلبة .أى : وما كان لى فيما وعدتكم به من تسلط عليكم ، أو إجبار لكم ، لكنى دعوتكم إلى ما دعوتكم إليه من باطل وغواية ، فانقدتم لدعوتى واستجبتم لوسوستى عن طواعية واختيار .فالاستثناء فى قوله ( إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ) استثناء منقطع ، لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما قبله ، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل .قال الجمل : " وفى هذا الاستثناء وجهان : أظهرهما : أنه استثناء منقطع ، لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة ، والثانى : أنه متصل لأن القدرة على حمل الإِنسان على الشئ تارة تكون بالقهر ، وتارة تكون بتقوية الداعية فى قلبه بإلقاء الوساوس إليه .

فهو نوع من التسليط "وقوله ( فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ ) زيادة فى تأننيبهم وفى حسراتهم على انقيادهم له .أى : فلا تلومونى بسبب وعودى إياكم .

ولوموا أنفسكم ، لأنكم تقبلتم هذه الوعود الكاذبة بدون تفكر أو تأمل ، وأعرضتم عن الحق الواضح الذى جاءكم من عند ربكم ، ومالك أمركم .ثم ينفض يده منهم ، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السئ فيقول : ( مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ) أى : ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من عذاب ، وما أنتم بمغيثى مما أنا فيه من عذاب - أيضا - فقد انقطعت بيننا الأواصر والصلات .

.

.قال القرطى ما ملخصه : " والصارخ والمستصرخ هو الذى يطلب النصرة والمعاونة ، والمصرخ هو المغيث لغيره .

.

قال أمية بن أبى الصلت :ولا تجزعا إنى لكم غير مصرخ ...

وليس لكم عندى غناء ولا نصرويقال : صرخ فلان أى استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة .

.ومنه : استصرخنى فلان فأصرخته ، أى استغاث بى فأغثته .

.وجملة ( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ .

.

) مستأنفة ، لإِظهار المزيد من التنصل والتبرى من كل علاقة بينه وبينهم .و " ما " فى قوله ( بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ ) الظاهر أنها مصدرية .

.قال الآلوسى ما ملخصه : " وأراد بقوله ( إِنِّي كَفَرْتُ ) أى : ِإنى كفرت اليوم ( بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ) .أى : من قبل هذا اليوم ، يعنى فى الدنيا و " ما " مصدرية و " من قبل " متعلق بأشركتمون .والمعنى : إنى كفرت بإشراككم إياى الله - تعالى - فى الطاعة ، لأنهم كانوا يطيعون الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله - تعالى - ، ومن أفعال الشر .

.ومراد اللعين : أنه إن كان إشراككم لى فى الله - تعالى - ، هو الذى أطعمكم فى نصرتى لكم .

.

فإنى متبرئ من هذا الشرك ، لم يبق بينى وبينكم علاقة .

.

فالكلام محمول على إنشاء التبرى منهم يوم القيامة .ثم قال : وجوز غير واحد أن تكون " ما " موصولة بمعنى من ، والعائد محذوف ، و " من قبل " متعلق بكفرت .

أى : إنى كفرت من قبل - حين أبيت السجود لآدم - بالذى أشركتمونيه .

أى : جعلتمونى شريكا له فى الطاعة وهو الله - عز وجل - .والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره ، وبسبق خطيئته فلا يمكنه لهم عونا أو نصرا .

.

.وجملة ( إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فى موقع التعليل لما تقدم ، والظاهر أنها ابتداء كلام من جهته - تعالى - : لبيان سوء عاقبة الظالمين .ويجوز أن تكون من تتمة كلام إبليس - الذى حكاه القرآن عنه - ، ويكون الغرض منها قطع أطماعهم فى الإِغاثة أو النصر ، وتنبيه المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى عداوة الشيطان لهم وتحذيرهم من اتباع خطواته .قال الشيخ الشوكانى - رحمه الله - ما ملخصه : " لقد قام الشيطان للكافرين فى هذا اليوم مقاما يقصهم ظهورهم ، ويقطع قلوبهم ، فأوضح لهم أولا : أن مواعيده التى كان يعدهم بها فى الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله - تعالى - وأنه أخلفهم ما وعدهم به ..ثم أوضح لهم ثانيا : بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل ، لعدم الحجة الى لا بد للعاقل منها فى قبول قول غيره .ثم أوضح لهم ثانيا : بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل ، لعدم الحاجة التى لا بد للعاقل منها فى قبول قول غيره .ثم أوضح لهم ثالثا : بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان ، الخالية عن أيسر شئ مما يتمسك به العقلاء .ثم نعى عليهم رابعا : ما وقعوا فيه ، ودفع لومهم له ، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم ، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذى لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل .ثم أوضح لهم خامسا : بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة .

.

بل هو مثلهم فى الوقوع فى البلية .

.ثم صرح لهم سادسا : بأنه قد كفر بما عتقدوه فيه وأثبتوه له ، وهو إشراكه مع الله - تعالى - تضاعفت عليهم الحسرات ، وتوالت عليهم المصائب .وإذا كانت جملة ( إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) من تتمة كلامه - كما ذهب إليه البعض - فهو نوع سابع من كلامه الذى خاطبهم به ، فيكون قد أثبت لهم الظلم ، وذكر لهم جزاءه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس، أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس فقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر ﴾ وفي المراد بقوله: ﴿ لَمَّا قُضِىَ الأمر ﴾ وجوه: القول الأول: قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، أخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم في النار فيما بينهم خطيباً ويقول ما أخبر الله عنه بقوله: ﴿ وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر ﴾ .

القول الثاني: أن المراد من قوله: ﴿ قُضِىَ الأمر ﴾ لما انقضت المحاسبة، والقول الأول أولى، لأن آخر أمر أهل القيامة استقرار المطيعين في الجنة واستقرار الكافرين في النار، ثم يدوم الأمر بعد ذلك.

والقول الثالث: وهو أن مذهبنا أن الفساق من أهل الصلاة يخرجون من النار ويدخلون الجنة فلا يبعد أن يكون المراد من قوله: ﴿ لَمَّا قُضِىَ الأمر ﴾ ذلك الوقت، لأن في ذلك الوقت تنقطع الأحوال المعتبرة، ولا يحصل بعده إلا دوام ما حصل قبل ذلك، وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان لفظ مفرد فيتناول الواحد وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى، لا سيما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافر قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول».

أما قوله: ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ ففيه مباحث: البحث الأول: المراد أن الله تعالى وعدكم وعد الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم، وتقرير الكلام أن النفس تدعو إلى هذه الأحوال الدنيوية ولا تتصور كيفية السعادات الأخروية والكمالات النفسانية والله يدعو إليها ويرغب فيها كما قال: ﴿ والأخرة خَيْرٌ وأبقى  ﴾ .

البحث الثاني: قوله: ﴿ وَعْدَ الحق ﴾ من باب إضافة الشيء إلى نفسه كقوله: ﴿ حبَّ الحصيد  ﴾ ومسجد الجامع على قول الكوفيين، والمعنى: وعدكم الوعد الحق، وعلى مذهب البصريين يكون التقدير وعد اليوم الحق أو الأمر الحق أو يكون التقدير وعدكم الحق.

ثم ذكر المصدر تأكيداً.

البحث الثالث: في الآية إضمار من وجهين: الأول: أن التقدير إن الله وعدكم وعد الحق فصدقكم ووعدتكم فأخلفتكم وحذف ذلك لدلالة تلك الحالة على صدق ذلك الوعد، لأنهم كانوا يشاهدونها وليس وراء العيان بيان ولأنه ذكر في وعد الشيطان الإخلاف فدل ذلك على الصدق في وعد الله تعالى.

الثاني: أن في قوله: ﴿ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ الوعد يقتضي مفعولاً ثانياً وحذف هاهنا للعلم به، والتقدير: ووعدتكم أن لا جنة ولا نار ولا حشر ولا حساب.

أما قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان ﴾ أي قدرة ومكنة وتسلط وقهر فاقهركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها، إلا أن دعوتكم أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني قال النحويون: ليس الدعاء من جنس السلطان فقوله: ﴿ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ﴾ من جنس قولهم ما تحيتهم إلا الضرب، وقال الواحدي: إنه استثناء منقطع، أي لكن دعوتكم وعندي أنه يمكن أن يقال كلمة إلا هاهنا استثناء حقيقي، لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة يكون بالقهر والقسر، وتارة يكون بتقوية الداعية في قلبه بإلقاء الوساوس إليه، فهذا نوع من أنواع التسلط، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وجوارحه، وعلى إزالة العقل عنه كما يقوله العوام والحشوية، ثم قال: ﴿ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ يعني ما كان مني إلا الدعاء والوسوسة، وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبياء الله تعالى فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إلي فلما رجحتم قولي على الدلائل الظاهرة كان اللوم عليكم لا علي في هذا الباب.

وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أشياء: الأول: أنه لو كان الكفر والمعصية من الله لوجب أن يقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.

الثاني: ظاهر هذه الآية يدل على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان وعلى تعويج أعضائه وعلى إزالة العقل عنه كما تقول الحشوية والعوام.

الثالث: أن هذه الآية تدل على أن الإنسان لا يجوز ذمه ولومه وعقابه بسبب فعل الغير، وعند هذا يظهر أنه لا يجوز عقاب أولاد الكفار بسبب كفر آبائهم.

أجاب بعض الأصحاب عن هذه الوجوه بأن هذا قول الشيطان فلا يجوز التمسك به.

وأجاب الخصم عنه: بأنه لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، وأيضاً فلا فائدة في ذلك اليوم في ذكر هذا الكلام الباطل والقول الفاسد.

ألا ترى أن قوله: ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ كلام حق وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان ﴾ قول حق بدليل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين  ﴾ .

المسألة الثانية: هذه الآية تدل على أن الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة والغضب والوهم والخيال لم يكن لوسوسته تأثير ألبتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس.

فإن قال قائل: بينوا لنا حقيقة الوسوسة.

قلنا: الفعل إنما يصدر عن الإنسان عند حصول أمور أربعة يترتب بعضها على البعض ترتيباً لازماً طبيعياً وبيانه أن أعضاء الإنسان بحكم السلامة الأصلية والصلاحية الطبيعية صالحة للفعل والترك، والإقدام والإحجام، فما لم يحصل في القلب ميل إلى ترجيح الفعل على الترك أو بالعكس فإنه يمتنع صدور الفعل، وذلك الميل هو الإرادة الجازمة، والقصد الجازم.

ثم إن تلك الإرادة الجازمة لا تحصل إلا عند حصول علم أو اعتقاد أو ظن بأن ذلك الفعل سبب للنفع أو سبب للضرر فإن لم يحصل فيه هذا الإعتقاد لم يحصل الميل لا إلى الفعل ولا إلى الترك، فالحاصل أن الإنسان إذا أحس بشيء ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له أو بكونه منافراً له أو بكونه غير ملائم ولا منافر، فإن حصل الشعور بكونه ملائماً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الفعل وإن حصل الشعور بكونه منافراً له ترتب عليه الميل الجازم إلى الترك، وإن لم يحصل لا هذا ولا ذاك لم يحصل الميل لا إلى ذلك الشيء ولا إلى ضده، بل بقي الإنسان كما كان، وعند حصول ذلك الميل الجازم تصير القدرة مع ذلك الميل موجبة للفعل.

إذا عرفت هذا فنقول: صدور الفعل عن مجموع القدرة والداعي الحاصل أمر واجب فلا يكون للشيطان مدخل فيه وصدور الميل عن تصور كونه خيراً أو تصور كونه شراً أمر واجب فلا يكون للشيطان فيه مدخل وحصول كونه خيراً أو تصوراً كونه شراً عن مطلق الشعور بذاته أمر لازم فلا مدخل للشيطان فيه، فلم يبق للشيطان مدخل في شيء من هذه المقامات إلا في أن يذكره شيئاً بأن يلقي إليه حديثه مثل أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقي الشيطان حديثها في خاطره فالشيطان لا قدرة له إلا في هذا المقام، وهو عين ما حكى الله تعالى عنه أنه قال: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلآَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تَلُومُونِى ﴾ يعني ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة فأما بقية المراتب فما صدرت مني وما كان لي فيها أثر ألبتة.

بقي في هذا المقام سؤالان: السؤال الأول: كيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه.

والجواب: للناس في الملائكة والشياطين قولان: القول الأول: أن ما سوى الله بحسب القسمة العقلية على أقسام ثلاثة: المتحيز، والحال في المتحيز، والذي لا يكون متحيزاً ولا حالاً فيه، وهذا القسم الثالث لم يقم الدليل ألبتة على فساد القول به بل الدلائل الكثيرة قامت على صحة القول به، وهذا هو المسمى بالأرواح فهذه الأرواح إن كانت طاهرة مقدسة من عالم الروحانيات القدسية فهم الملائكة وإن كانت خبيثة داعية إلى الشرور وعالم الأجساد ومنازل الظلمات فهم الشياطين.

إذا عرفت هذا فنقول: فعلى هذا التقدير الشيطان لا يكون جسماً يحتاج إلى الولوج في داخل البدن بل هو جوهر روحاني خبيث الفعل مجبول على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً كذلك فلا يبعد على هذا التقدير في أن يلقى شيء من تلك الأرواح أنواعاً من الوساوس والأباطيل إلى جوهر النفس الإنسانية، وذكر بعض العلماء في هذا الباب احتمالاً ثانياً، وهو أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة بالنوع، فهي طوائف، وكل طائفة منها في تدبير روح من الأرواح السماوية بعينها، فنوع من النفوس البشرية تكون حسنة الأخلاق كريمة الأفعال موصوفة بالفرح والبشر وسهولة الأمر، وهي تكون منتسبة إلى روح معين من الأرواح السماوية، وطائفة أخرى منها تكون موصوفة بالحدة والقوة والغلظة، وعدم المبالاة بأمر من الأمور، وهي تكون منتسبة إلى روح آخر من الأرواح السماوية وهذه الأرواح البشرية كالأولاد لذلك الروح السماوي وكالنتائج الحاصلة، وكالفروع المتفرعة عليها، وذلك الروح السماوي هو الذي يتولى إرشادها إلى مصالحها، وهو الذي يخصها بالإلهامات حالتي النوم واليقظة.

والقدماء كانوا يسمون ذلك الروح السماوي بالطباع التام ولا شك أن لذلك الروح السماوي الذي هو الأصل والينبوع شعباً كثيرة ونتائج كثيرة وهي بأسرها تكون من جنس روح هذا الإنسان وهي لأجل مشاكلتها ومجانستها يعين بعضها بعضاً على الأعمال اللائقة بها والأفعال المناسبة لطبائعها، ثم إنها إن كانت خيرة طاهرة طيبة كانت ملائكة وكانت تلك الإعانة مسماة بالإلهام.

وإن كانت شريرة خبيثة قبيحة الأعمال كانت شياطين وكانت تلك الإعانة مسماة بالوسوسة، وذكر بعض العلماء أيضاً فيه احتمالاً ثالثاً، وهو أن النفوس البشرية والأرواح الإنسانية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق بسبب المشاكلة الحاصلة بين هذا البدن وبين ما كان بدناً لتلك النفس المفارقة، فيصير لتلك النفس المفارقة تعلق شديد بهذا البدن وتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن، ومعاضدة لها على أفعالها وأحوالها بسبب هذه المشاكلة ثم إن كان هذا المعنى في أبواب الخير والبركات كان ذلك إلهاماً وإن كان في باب الشر كان وسوسة فهذه وجوه محتملة تفريعاً على القول بإثبات جواهر قدسية مبرأة عن الجسمية والتحيز، والقول بالأرواح الطاهرة والخبيثة كلام مشهور عند قدماء الفلاسفة فليس لهم أن ينكروا إثباتها على صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وأما القول الثاني: وهو أن الملائكة والشياطين لابد وأن تكون أجساماً فنقول: إن على هذا التقدير يمتنع أن يقال إنها أجسام كثيفة، بل لابد من القول بأنها أجسام لطيفة والله سبحانه ركبها تركيباً عجيباً وهي أن تكون مع لطافتها لا تقبل التفرق والتمزق والفساد والبطلان ونفوذ الأجرام اللطيفة في عمق الأجرام الكثيفة غير مستبعد ألا ترى أن الروح الإنسانية جسم لطيف، ثم إنه نفذ في داخل عمق البدن فإذا عقل ذلك فكيف يستبعد نفوذ أنواع كثيرة من الأجسام اللطيفة في داخل هذا البدن، أليس أن جرم النار يسري في جرم الفحم، وماء الورد يسري في ورق الورد، ودهن السمسم يجري في جسم السمسم فكذا هاهنا، فظهر بما قررنا أن القول بإثبات الجن والشياطين أمر لا تحيله العقول ولا تبطله الدلائل، وأن الإصرار على الإنكار ليس إلا من نتيجة الجهل وقلة الفطنة، ولما ثبت أن القول بالشياطين ممكن في الجملة فنقول: الأحق والأولى أن يقال: الملائكة على هذا القول مخلوقون من النور، والشياطين مخلوقون من الدخان واللهب، كما قال الله تعالى: ﴿ والجآن خلقناه مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم  ﴾ وهذا الكلام من المشهورات عند قدماء الفلاسفة، فكيف يليق بالعاقل أن يستبعده من صاحب شريعتنا محمد صلى الله عليه وسلم.

السؤال الثاني: لم قال الشيطان: ﴿ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ وهو أيضاً ملوم بسبب اقدامه على تلك الوسوسة الباطلة.

والجواب: أراد بذلك فلا تلوموني على ما فعلتم ولوموا أنفسكم عليه، لأنكم عدلتم عما توجبه هداية الله تعالى لكم.

ثم قال الله تعالى حكاية عن الشيطان أنه قال: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: بمغيثكم ولا منقذكم، قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

يقال: صرخ فلان إذا استغاث وقال: واغوثاه وأصرحته أغثته.

المسألة الثانية: قرأ حمزة: بمصرخي بكسر الياء.

قال الواحدي: وهي قراءة الأعمش ويحيى بن وثاب.

قال الفراء: ولعلها من وهم القراء فإنه قل من سلم منهم عن الوهم ولعله ظن أن الباء في قوله: ﴿ بِمُصْرِخِىَّ ﴾ خافضة لجملة هذه الكلمة وهذا خطأ لأن الياء من المتكلم خارجة من ذلك قال، ومما نرى أنهم وهموا فيه قوله: ﴿ نُوَلّهِ مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  ﴾ بجزم الهاء ظنوا والله أعلم أن الجزم في الهاء وهو خطأ، لأن الهاء في موضع نصب وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه، ومن النحويين من تكلف في ذكر وجه لصحته إلا أن الأكثرين قالوا إنه لحن، والله أعلم.

ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿ إِنِّى كَفَرْتُ بِمآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ما في قوله: ﴿ إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ فيه قولان: الأول: إنها مصدرية والمعنى: كفرت بإشراككم إياي مع الله تعالى في الطاعة، والمعنى: أنه جحد ما كان يعتقده أولئك الأتباع من كون إبليس شريكاً لله تعالى في تدبير هذا العالم وكفر به، أو يكون المعنى أنهم كانوا يطيعون الشيطان في أعمال الشر كما كانوا قد يطيعون الله في أعمال الخير وهذا هو المراد بالإشراك.

والثاني: وهو قول الفراء أن المعنى أن إبليس قال: إني كفرت بالله الذي أشركتموني به من قبل كفركم، والمعنى: أنه كان كفره قبل كفر أولئك الأتباع ويكون المراد بقوله: (ما) في هذا الموضع من والقول هو الأول، لأن الكلام إنما ينتظم بالتفسير الأول، ويمكن أن يقال أيضاً الكلام منتظم على التفسير الثاني، والتقدير كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وعلى هذا التقدير ينتظم الكلام.

أما قوله: ﴿ إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فالأظهر أنه كلام الله عز وجل وأن كلام إبليس تم قبل هذا الكلام، ولا يبعد أيضاً أن يكون ذلك من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن الإعانة والإغاثة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لَمَّا قُضِىَ الأمر ﴾ لما قطع الأمر وفرغ منه، وهو الحساب، وتصادر الفريقين ودخول أحدهما الجنة ودخول الآخر النار.

وروي أنّ الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في الأشقياء من الجنّ والإنس فيقول ذلك ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق ﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم ﴿ وَوَعَدتُّكُمْ ﴾ خلاف ذلك ﴿ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي وألجئكم إليها ﴿ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ﴾ إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقولك: ما تحيتهم إلا الضرب.

﴿ فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم، ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم، وهذا دليل على أنّ الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه، وليس من الله إلا التمكين، ولا من الشيطان إلا التزيين.

ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم، فإنّ الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه.

فإن قلت: قول الشيطان باطل لا يصح التعلق به.

قلت: لو كان هذا القول منه باطلاً لبين الله بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل له في النطق بالباطل في ذلك المقام: ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ كيف أتى فيه بالحق والصدق، وفي قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان ﴾ وهو مثل قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين ﴾ [الحجر: 42] ، ﴿ مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ ﴾ لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه.

والإصراخ: الإغاثة.

وقرئ: ﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء وهي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول: قَالَ لَهَا هَلْ لَكِ يَاتَا في ** قَالَتْ لَهُ مَا أنْتَ بِالمَرْضِي وكأنه قدّر ياء الإضافة ساكنة وقبلها ياء ساكنة، فحرّكها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح، لأنَّ ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة، حيث قبلها ألف في نحو عصاي، فما بالها وقبلها ياء؟

فإن قلت: جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام، فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن، فحرّكت بالكسر على الأصل.

قلت: هذا قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات.

(ما) في ﴿ بِمَا أشركتموني ﴾ مصدرية، و ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ متعلقة بأشركتموني، يعني: كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم، أي في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ [فاطر: 14] ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا بُرَءاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ ﴾ [الممتحنة: 4] وقيل: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يتعلق بكفرت.

وما موصولة، أي: كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل، تقول: شركت زيداً، فإذا نقلت بالهمزة قلت: أشركنيه فلان، أي: جعلني له شريكاً.

ونحو (ما) هذه (ما) في قولهم: سبحان ما سخركنّ لنا.

ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وغيرها، وهذا آخر قول إبليس، وقوله: ﴿ إِنَّ الظالمين ﴾ قول الله عزّ وجلّ، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس، وإنما حكى الله عز وعلا ما سيقوله في ذلك الوقت، ليكون لطفاً للسامعين في النظر لعاقبتهم والاستعداد لما لابد لهم من الوصول إليه، وأن يتصوّروا في أنفسهم ذلك المقام الذي يقول الشيطان فيه ما يقول، فيخافوا ويعملوا ما يخلصهم منه وينجهم.

وقرئ: ﴿ فلا يلوموني ﴾ ، بالياء على طريقة الالتفات، كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ [يونس: 22] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ ﴾ أُحْكِمَ وفُرِغَ مِنهُ ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ خَطِيبًا في الأشْقِياءِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ﴾ وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ أوْ وعْدًا أنْجَزَهُ وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ.

﴿ وَوَعَدْتُكُمْ ﴾ وعْدَ الباطِلِ وهو أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ وإنْ كانا فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَكم.

﴿ فَأخْلَفْتُكُمْ ﴾ جَعَلَ تَبَيُّنَ خُلْفِ وعْدِهِ كالإخْلافِ مِنهُ.

﴿ وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ تَسَلُّطٍ فَأُلْجِئُكم إلى الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ إلّا دُعائِي إيّاكم إلَيْها بِتَسْوِيلِي وهو لَيْسَ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ ولَكِنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا.

﴿ فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ أسْرَعْتُمْ إجابَتِي.

﴿ فَلا تَلُومُونِي ﴾ بِوَسْوَسَتِي فَإنَّ مَن صَرَّحَ العَداوَةَ لا يُلامُ بِأمْثالِ ذَلِكَ.

﴿ وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ حَيْثُ أطَعْتُمُونِي إذْ دَعَوْتُكم ولَمْ تُطِيعُوا رَبَّكم لِما دَعاكم، واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِأمْثالِ ذَلِكَ عَلى اسْتِقْلالِ العَبْدِ بِأفْعالِهِ ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، إذْ يَكْفِي لِصِحَّتِها أنْ يَكُونَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ مَدْخَلٌ ما في فِعْلِهِ وهو الكَسْبُ الَّذِي يَقُولُهُ أصْحابُنا.

﴿ ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ بِمُغِيثِكم مِنَ العَذابِ.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ بِمُغِيثِيَّ وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الياءِ عَلى الأصْلِ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهو أصْلٌ مَرْفُوضٌ في مِثْلِهِ لِما فِيهِ مِنَ اجْتِماعِ ياءَيْنِ وثَلاثِ كَسَراتٍ مَعَ أنَّ حَرَكَةَ ياءِ الإضافَةِ الفَتْحُ، فَإذا لَمْ تُكْسَرْ وقَبْلَها ألِفٌ فَبِالحَرِيِّ أنْ لا تُكْسَرُ وقَبْلَها ياءٌ، أوْ عَلى لُغَةِ مَن يُزِيدُ ياءً عَلى ياءِ الإضافَةِ إجْراءً لَها مَجْرى الهاءِ والكافِ في: ضَرَبْتُهُ، وأعْطَيْتُكَهُ، وحَذْفُ الياءِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ.

﴿ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ « ما» إمّا مَصْدَرِيَّةٌ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِأشْرَكْتُمُونِي أيْ كَفَرْتُ اليَوْمَ بِإشْراكِكم إيّايَ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ أيْ في الدُّنْيا بِمَعْنى تَبَرَّأْتُ مِنهُ واسْتَنْكَرْتُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ .

أوْ مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى مِن نَحْوِ ما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا، و ﴿ مِن ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ﴿ كَفَرْتُ ﴾ أيْ كَفَرْتُ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ وهو اللَّهُ تَعالى بِطاعَتِكم إيّايَ فِيما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِن عِبادَةِ الأصْنامِ وغَيْرِها مِن قَبْلِ إشْراكِكم، حِينَ رَدَدْتُ أمْرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأشْرَكَ مَنقُولٌ مَن شَرَكْتُ زَيْدًا لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ.

﴿ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ تَتِمَّةُ كَلامِهِ أوِ ابْتِداءُ كَلامٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفي حِكايَةِ أمْثالِ ذَلِكَ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ وَإيقاظٌ لَهم حَتّى يُحاسِبُوا أنْفُسَهم ويَتَدَبَّرُوا عَواقِبَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر} حكم بالجنة والنار لأهليهما وفرغ

من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ورُوي أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً على منبر من نار فيقول لأهل النار {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {وَوَعَدتُّكُمْ} بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء {فَأَخْلَفْتُكُمْ} كذبتكم {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان} من تسلط واقتدار {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} لكني إلى الضلالة بوسوستي وتزييني والاستثناء منقطع لأن دعاء لبس من جنس السلطان {فاستجبتم لي} فأسرعتم إجابتي {فَلاَ تَلُومُونِي} لأن من تجرد للعداوة الا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح مع أن الرحمن قد قال لكم لا يفتنكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة

إبراهيم (٢٢ _ ٢٤)

{وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان وقول المعتزلة هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين باطل لقوله لو هدانا الله اي إلى الايمان لهدينا كم كما مر {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} لا ينجي بعضنا بعضاً من عذاب الله ولا يغيثه والا صراخ الإغاثة بمصرخيِّ حمزة اتباعاً للخاء غيره بفتح الياء لئلا تجتمع الكسرة واليآن بعد كسرتين وهو جمع مصرخ فالياء الأولى ياء الجمع والثانية ضمير المتكلم {إِنّي كَفَرْتُ بِمَا أشركتمون} وبالياء بصرى وما مصدرية {من قبل} متعلق بأشركتمونى أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا كقوله ويوم القيامة يكفرون بشرككم ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له كقوله أَنَاْ بَرَاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ أو من قبل متعلق بكفرت وما موصولة أي كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي اشركتمونيه وهو الله عز وجل تقول أشركني فلان أي جعلني له شريكاً ومعنى إشراكهم الشيطان يالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وهذا

آخر قول الشيطان وقوله {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قول الله عز وجل وقيل هو من تمام كلام ابليس وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفاً للسامعين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الشَّيْطانُ ﴾ الَّذِي أضَلَّ كِلا الفَرِيقَيْنِ واسْتَتْبَعَهُما عِنْدَما عَتَباهُ وقَرَّعاهُ عَلى نَمَطِ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ ﴿ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ أُحْكِمَ وفُرِغَ مِنهُ وهو الحِسابُ ودَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ خَطِيبًا في مَحْفِلِ الأشْقِياءِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ إبْلِيسُ خَطِيبًا عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ فَقالَ: ﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ﴾ إلى آخِرِهِ وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ الكُفّارَ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ في النّارِ بِاللّائِمَةِ فَيَرْقى مِنبَرًا مِن نارٍ فَيَقُولُ ذَلِكَ وفي بَعْضِ الآثارِ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ هَذا في المَوْقِفِ فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَساكِرَ لَكِنْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ يَرْفَعُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  «أنَّ الكُفّارَ حِينَ يَرَوْا شَفاعَةَ النَّبِيِّ  لِلْمُؤْمِنِينَ يَأْتُونَ إبْلِيسَ فَيَقُولُونَ لَهُ قَدْ وجَدَ المُؤْمِنُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم فَقُمْ أنْتَ فاشْفَعْ لَنا فَإنَّكَ أنْتَ أضْلَلْتَنا فَيَقُومُ فَيَثُورُ مِن مَجْلِسِهِ أنْتَنَ رِيحٍ شَمَّها أحَدٌ فَيَقُولُ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى».

ومَعْنى ﴿ وعْدَ الحَقِّ ﴾ وعْدًا مِن حَقِّهِ أنْ يُنْجَزَ أوْ وعْدًا نُجِزَ وهو الوَعْدُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ وقِيلَ: أرادَ بِالحَقِّ ما هو صِفَتُهُ تَعالى أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكم وعْدَهُ الَّذِي لا يُخْلَفُ والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةُ الوَعْدِ وفي الآيَةِ عَلى الأوَّلِ إيجازٌ أيْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ فَوَفّاكم وأنْجَزَكم ذَلِكَ ﴿ ووَعَدْتُكُمْ ﴾ وعْدَ الباطِلِ وهو أنْ لا بَعْثَ ولا حِسابَ ولَئِنْ كانا فالأصْنامُ تَشْفَعُ لَكم ﴿ فَأخْلَفْتُكُمْ ﴾ مَوْعِدِيَ أيْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ما أخْبَرْتُكم بِهِ وظَهَرَ كَذِبُهُ وقَدِ اسْتُعِيرَ الإخْلافُ لِذَلِكَ ولَوْ جُعِلَ مُشاكَلَةً لَصَحَّ ﴿ وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ أوْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِي ﴿ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ أيْ إلّا دُعائِي إيّاكم إلى الضَّلالَةِ وهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ أبْرَزَهُ في مَبْرَزِهِ وجَعَلَهُ مِنهُ ادِّعاءً فَلِذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ كَقَوْلِهِ: .

وخَيْلٌ قَدْ دَلَفْتُ لَها بَخِيلٍ تَحِيَّةً بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وهُوَ مِنَ التَّهَكُّمِ لا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ أوِ التَّشْبِيهِ أوْ غَيْرِهِما عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ فَإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ التَّهَكُّمَ والِادِّعاءُ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: .

وبَلْدَةٌ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ وإلى الِانْقِطاعِ ذَهَبَ أبُو حَيّانَ وقالَ: إنَّهُ الظّاهِرُ وجَوَّزَ الإمامُ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الِادِّعاءِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ القُدْرَةَ عَلى حَمْلِ الإنْسانِ عَلى الشَّيْءِ تارَةً تَكُونُ بِالقَهْرِ مِنَ الحامِلِ وتارَةً تَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ بِإلْقاءِ الوَسْواسِ إلَيْهِ وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّسَلُّطِ فَكَأنَّهُ قالَ: ما كانَ لِي تَسَلُّطٌ عَلَيْكم إلّا بِالوَسْوَسَةِ لا بِالضَّرْبِ ونَحْوِهِ ﴿ فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ أيْ أسْرَعْتُمُ إجابَتِي كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاءُ وقِيلَ: يُسْتَفادُ الإسْراعُ مِنَ السِّينِ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الإجابَةِ لَكِنَّ عَدا ذَلِكَ مِنَ التَّجْرِيدِ وأنَّهم كَأنَّهم طَلَبُوا ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِمْ فَيَقْتَضِي السُّرْعَةَ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ فَلا تَلُومُونِي ﴾ بِوَعْدِي إيّاكم حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى طَرِيقِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الفاءُ وقِيلَ: بِوَسْوَسَتِي فَإنَّ مَن صَرَّحَ بِالعَداوَةِ وقالَ: ﴿ لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ ﴾ لا يُلامُ بِأمْثالِ ذَلِكَ وقُرِئَ ( فَلا يَلُومُونِي ) بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ ﴿ ولُومُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ حَيْثُ اسْتَجَبْتُمْ لِي بِاخْتِيارِكُمُ النّاشِئِ عَنْ سُوءِ اسْتِعْدادِكم حِينَ دَعَوْتُكم بِلا حُجَّةٍ ولا دَلِيلٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ تَزْيِينٍ وتَسْوِيلٍ ولَمْ تَسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم إذْ دَعاكم دَعْوَةَ الحَقِّ المَقْرُونَةِ بِالبَيِّناتِ والحُجَجِ ولَيْسَ مُرادُ اللَّعِينِ التَّنَصُّلَ عَنْ تَوَجُّهِ اللّائِمَةِ إلَيْهِ بِالمَرَّةِ بَلْ بَيانُ أنَّهم أحَقُّ بِها مِنهُ وفي الكَشّافِ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الإنْسانَ هو الَّذِي يَخْتارُ الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ ويُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ ولَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلّا التَّمْكِينُ ولا مِنَ الشَّيْطانِ إلّا التَّزْيِينُ ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُ المُجَبِّرَةُ لَقالَ: فَلا تَلُومُونِي ولا أنْفُسَكم فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ قَضى عَلَيْكُمُ الكُفْرَ وأجْبَرَكم عَلَيْهِ ولَيْسَ قَوْلُهُ المَحْكِيُّ باطِلًا لا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ وإلّا لَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بُطْلانَهُ وأظْهَرَ إنْكارَهُ عَلى أنَّهُ لا طائِلَ في النُّطْقِ بِالباطِلِ في ذَلِكَ المَقامِ ألا تَرى كَيْفَ أُتِيَ بِالصِّدْقِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ وقَوْلِهِ: ﴿ وما كانَ لِي عَلَيْكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ.

اهَـ.

واعْتُرِضَ قَوْلُهُ: وإلّا لَبَيَّنَ سُبْحانَهُ بُطْلانَهُ بِأنَّهُ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِ في قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ ﴿ لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ ﴾ إذْ لَمْ يُعَقَّبُ بِالبُطْلانِ عَلى وجْهِ التَّوْرِيكِ الَّذِي ادَّعاهُ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: عَلى أنَّهُ لا طائِلَ إلى آخِرِهِ.

والجَوابُ أنَّ الأوَّلَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذَلِكَ الوَجْهِ كَما سَمِعْتَ ومَعَ ذَلِكَ قَدْ عُقِّبَ بِالبُطْلانِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ ويَكْفِي حِكايَةُ الكَذِبِ عَنْهم في ذَلِكَ المَوْطِنِ وذَلِكَ في المَوْطِنِ عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ نافِعٌ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم أمّا بَعْدَ قَضاءِ الأمْرِ ودُخُولِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ والنّارِ النّارَ فَلا يُتَوَهَّمُ لِذَلِكَ طائِلٌ البَتَّةَ لا سِيَّما والشَّيْطانُ لا غَرَضَ لَهُ في ذَلِكَ فافْتَرَقا قائِلًا ومُوَطِّنًا وحُكْمًا بَلِ الجَوابُ أنَّ أهْلَ الحَقِّ لا يُنْكِرُونَ تَوَجُّهَ اللّائِمَةِ عَلَيْهِمْ وأنَّ اللَّهَ تَعالى مُقَدَّسٌ عَنْ ذَلِكَ وحِجَّتُهُ البالِغَةُ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ الحَقُّ حَيْثُ أثْبَتُوا لِلْعَبْدِ القُدْرَةَ الكاسِبَةَ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ التَّكْلِيفِ وجَعَلُوا لَها مَدْخَلًا في ذَلِكَ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَخْلُقُ أفْعالَهُ حَسْبَما يَخْتارُهُ وسَلْبُهُمُ التَّأْثِيرَ الذّاتِيَّ عَنْ قُدْرَتِهِ لا يَنْفِي اللَّوْمَ عَنْهم كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ إلى آخِرِهِ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ مَذْهَبِ أهْلِ الحَقِّ المُلَقَّبِينَ عِنْدَهُ بِالمُجَبِّرَةِ وبَيْنَ مَسْلَكِ المُجَبِّرَةِ في الحَقِيقَةِ والفَرْقُ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ هَذا واسْتُدِلَّ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَصْرِيعِ الإنْسانِ أوْ تَعْوِيجِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ أوْ عَلى إزالَةِ عَقْلِهِ لِأنَّهُ نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ تَسَلُّطٌ بِالوَسْوَسَةِ.

وأجابَ مَن زَعَمَ القُدْرَةَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ بِأنَّ المَقْصُودَ في الآيَةِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لَهُ تَسَلَّطٌ في أمْرِ الإضْلالِ إلّا بِمَحْضِ الوَسْوَسَةِ لا نَفْيَ أنْ يَكُونَ لَهُ تَسَلُّطٌ أصْلًا والسِّياقُ أدَلُّ قَرِينَةً عَلى ذَلِكَ وانْتَزَعَ بَعْضُهم مِنَ الآيَةِ إبْطالَ التَّقْلِيدِ في الِاعْتِقادِ قالَ ابْنُ الفُرْسِ: وهو انْتِزاعٌ حَسَنٌ لِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّيْطانَ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ ولَمْ يُبْطِلُوا مِنهُ بُرْهانًا فَحَكى ذَلِكَ عَنْهم مُتَضَمَّنًا لِذَمِّهِمْ ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الدَّعْوَةَ مِنَ الشَّيْطانِ أعْنِي إبْلِيسَ بِلا واسِطَةٍ وهي إنْ كانَتْ في وقْتٍ واحِدٍ لِمُتَعَدِّدِينَ مِمّا يَعْسُرُ تَصَوُّرُهُ ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَهُ أعْوانًا يَفْعَلُونَ كَما يَفْعَلُ لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ تَصَدّى وحْدَهُ لِما تَصَدّى ونُسِبَتِ الدَّعْوَةُ إلَيْهِ ولِلْإمامِ الرّازِيِّ في الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلٌ ساقَهُ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ وإلْقاءِ الشَّيْطانِ الوَسْوَسَةَ في قَلْبِ الإنْسانِ وأكْثَرُهُ عِنْدَ المُحَدِّثِينَ والسَّلَفِ الصّالِحِينَ أشْبَهُ شَيْءٍ بِوَساوِسِ الشَّياطِينِ ولَعَلَّ التَّوْبَةَ تُفْضِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إلى تَحْقِيقِ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعالى القادِرِ المالِكِ ﴿ ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ أيْ بِمُغِيثِكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ يُقالُ: اسْتَصْرَخَنِي فَأصْرَخْتُهُ أيِ اسْتَغاثَنِي فَأغَثْتُهُ وأصْلُهُ مِنَ الصُّراخِ وهو مَدُّ الصَّوْتِ والهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ كَأنَّ المُغِيثَ يُزِيلُ صُراخَ المُسْتَغِيثِ.

﴿ وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ مِمّا أنا فِيهِ وفي تَعَرُّضِهِ لِذَلِكَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ مُبالَغَةٌ في بَيانِ عَدَمِ إصْراخِهِ إيّاهم وإيذانٌ بِأنَّهُ أيْضًا مُبْتَلًى بِمِثْلِ ما ابْتُلُوا بِهِ ومُحْتاجٌ إلى الإصْراخِ فَكَيْفَ لَهُ بِإصْراخِ الغَيْرِ ولِذَلِكَ آثَرَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ وكَذا يُقالُ في التَّأْكِيدِ فَكانَ ما مَضى جَوابًا مِنهُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ وهَذا جَوابُ اسْتِغاثَتِهِمْ بِهِ في دَفْعِ ما دَهَمَهم مِنَ العَذابِ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ( بِمُصْرِخِي ) بِكَسْرِ الياءِ عَلى الأصْلِ في التَّخَلُّصِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وذَلِكَ أنَّ الأصْلَ بِمُصْرَخِينَ لِي فَأُضِيفَ وحُذِفَتْ نُونُ الجَمْعِ لِلْإضافَةِ فالتَقَتْ ياءُ الجَمْعِ السّاكِنَةُ وياءُ المُتَكَلِّمِ والأصْلُ فِيها السُّكُونُ فَكُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ وأُدْغِمَتْ وطَعَنَ في هَذِهِ القِراءَةِ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ قالَ الفَرّاءُ: لَعَلَّها مِن زَعْمِ القُرّاءِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن سَلِمَ مِنهم مَنِ الوَهْمِ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ نَراهم غَلِطُوا وقالَ الأخْفَشُ: ما سَمِعْتُ هَذا الكَسْرَ مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ ولا مِن أحَدٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها عِنْدَ الجَمِيعِ رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ ولا وجْهَ لَها إلّا وُجَيْهٌ ضَعِيفٌ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي ضَعِيفَةٌ واسْتَشْهَدُوا لَها بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ: .

قالَ لَها هَلْ لَكِ يا تافِي ∗∗∗ قالَتْ لَهُ ما أنْتَ بِالمَرْضِي وكَأنَّهم قَدَّرُوا ياءَ الإضافَةِ ساكِنَةً فَحَرَّكُوها بِالكَسْرِ لِما عَلَيْهِ أصْلُ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ ولَكِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ لا تَكُونُ إلّا مَفْتُوحَةً حَيْثُ قَبْلَها ألِفٌ نَحْوَ عَصايَ فَما بالُها وقَبْلَها ياءٌ والقَوْلُ بِأنَّهُ جَرَتِ الياءُ الأُولى مَجْرى الحَرْفِ الصَّحِيحِ لِأجْلِ الإدْغامِ فَكَأنَّها ياءٌ وقَعَتْ ساكِنَةً بَعْدَ حَرْفٍ صَحِيحٍ ساكِنٍ فَحُرِّكَتْ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ ذَهابٌ إلى القِياسِ وهو قِياسٌ حَسَنٌ ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ الخَبَرِ المُتَواتِرِ تَتَضاءَلُ إلَيْهِ القِياساتُ.

وقَدْ قَلَّدَ هَؤُلاءِ الطّاغِينَ جَماعَةٌ وقَدْ وهِمُوا طَعْنًا وتَقْلِيدًا فَإنَّ القِراءَةَ مُتَواتِرَةٌ عَنِ السَّلَفِ والخَلَفِ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ فِيها: إنَّها خَطَأٌ أوْ قَبِيحَةٌ ورَدِيئَةٌ وقَدْ نَقَلَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّها لُغَةٌ لَكِنَّهُ قَلَّ اسْتِعْمالُها.

ونَصَّ قُطْرُبٌ عَلى أنَّها لُغَةٌ في بَنِي يَرْبُوعٍ فَإنَّهم يَكْسِرُونَ ياءَ المُتَكَلِّمِ إذا كانَ قَبْلَها ياءٌ أُخْرى ويَصِلُونَها بِها كَعَلَيْهِ ولَدَيْهِ وقَدْ يَكْتَفُونَ بِالكَسْرَةِ وذَلِكَ لُغَةُ أهْلِ المَوْصِلِ وكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ اليَوْمَ وقَدْ حَسَّنَها أبُو عَمْرٍو وهو إمامُ لُغَةٍ وإمامُ نَحْوٍ وإمامُ قِراءَةٍ وعَرَبِيٌّ صَحِيحٌ ورَوَوْا بَيْتَ النّابِغَةِ: .

عَلَيِّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ ∗∗∗ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبَ بِكَسْرِ ياءِ عَلَيِّ فِيهِ وأنْشَدُوا لِذَلِكَ أيْضًا البَيْتَ السّابِقَ وهو لِلْأغْلَبِ العِجْلِيِّ وجَهْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِهِ كالزَّجّاجِ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وقَوْلُهُ: إنَّ ياءَ الإضافَةِ لا تَكُونُ إلّا مَفْتُوحَةً إلى آخِرِهِ مَرْدُودٌ بِأنَّهُ رُوِيَ سُكُونُ الياءِ بَعْدَ الألِفِ وقَرَأ بِهِ القُرّاءُ في ( مَحْيايَ ) وما ذَكَرَهُ أيْضًا قِياسٌ مَعَ الفارِقِ فَإنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَسْرِها مَعَ الياءِ المُجانِسَةِ لِلْكَسْرَةِ كَسْرُها مَعَ الألِفِ الغَيْرِ المُجانِسَةِ لَها ولِذا فُتِحَتْ بَعْدَها لِلْمُجانَسَةِ وكَوْنُ الأصْلِ في هَذِهِ الياءِ الفَتْحَ في كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرُ مُسَلَّمٍ كَيْفَ وهي مِنَ المَبْنِيّاتِ والأصْلُ في المَبْنِيِّ أنْ يُبْنى عَلى السُّكُونِ ومِنَ النّاسِ مَن وجَّهَ القِراءَةَ بِأنَّها عَلى لُغَةِ مَن يَزِيدُ ياءً عَلى ياءِ الإضافَةِ إجْراءً لَها مَجْرى هاءِ الضَّمِيرِ وكافِهِ فَإنَّ الهاءَ قَدْ تُوصَلُ بِالواوِ إذا كانَتْ مَضْمُومَةً كَهَذا لَهُو وضَرَبَهُو وبِالياءِ إذا كانَتْ مَكْسُورَةً نَحْوَ بِهِي والكافُ قَدْ تَلْحَقُها الزِّيادَةُ فَيُقالُ أعْطَيْتُكاهُ وأعْطَيْتُكِيهِ إلّا أنَّهُ حُذِفَتِ الياءُ هُنا اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ وقالَ البَصِيرُ: كَسْرُ الياءِ لِيَكُونَ طِبْقًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنِّي كَفَرْتُ ﴾ لِأنَّهُ أرادَ الوَصْلَ دُونَ الوَقْفِ والِابْتِداءِ بِذَلِكَ والكَسْرُ أدَلُّ عَلى الوَصْلِ مِنَ الفَتْحِ وفِيهِ نَظَرٌ وبِالجُمْلَةِ لا رَيْبَ في صِحَّةِ تِلْكَ القِراءَةِ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ تَكَلَّمَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ وشَرْحِ حالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنْكارُها مَحْضُ جَهالَةٍ وأرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي كَفَرْتُ ﴾ إنِّي كَفَرْتُ اليَوْمَ ﴿ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا اليَوْمِ يَعْنِي في الدُّنْيا و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأشْرَكْتُمُونِي أيْ كَفَرْتُ بِإشْراكِكم إيّايَ اللَّهَ تَعالى في الطّاعَةِ لِأنَّهم كانُوا يُطِيعُونَهُ في أعْمالِ الشَّرِّ كَما يُطاعُ اللَّهُ تَعالى في أعْمالِ الخَيْرِ فالإشْراكُ اسْتِعارَةٌ بِتَشْبِيهِ الطّاعَةِ بِهِ وتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهُ أوْ لِأنَّهم لَمّا أشْرَكُوا الأصْنامَ ونَحْوَها بِإيقاعِهِ لَهم في ذَلِكَ فَكَأنَّهم أشْرَكُوهُ والكُفْرُ مَجازٌ عَنِ التَّبَرِّي كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ ومُرادُ اللَّعِينِ أنَّهُ إنْ كانَ إشْراكُكم لِي بِاللَّهِ تَعالى هو الَّذِي أطْمَعَكم في نُصْرَتِي لَكم وخَيَّلَ إلَيْكم أنَّ لَكم حَقًّا عَلَيَّ فَإنِّي تَبَرَّأْتُ مِن ذَلِكَ ولَمْ أحْمَدْهُ فَلَمْ يَبْقَ بَيْنِي وبَيْنَكم عَلاقَةٌ وإرادَةُ اليَوْمِ حَسْبَما ذَكَرْنا هو الظّاهِرُ فَيَكُونُ الكَلامُ مَحْمُولًا عَلى إنْشاءِ التَّبَرِّي مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ وجَوَّزَ النَّسَفِيُّ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَنْ أنَّهُ تَبَرَّأ مِنهم في الدُّنْيا فَيَكُونُ ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِكَفَرْتُ أوْ مُتَنازَعًا فِيهِ.

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ تَكُونَ ( ما ) مَوْصُولَةً بِمَعْنى مَن كَما قِيلَ في قَوْلِهِمْ سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ لَنا والعائِدُ مَحْذُوفٌ و ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكَفَرْتُ أيْ إنِّي كَفَرْتُ مِن قَبْلُ حِينَ أبَيْتُ السُّجُودَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ أيْ جَعَلْتُمُونِي شَرِيكًا لَهُ بِالطّاعَةِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَأشْرَكَ مَنقُولٌ مِن شَرَكْتُ زَيْدًا لِلتَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ والكَلامُ عَلى هَذا إقْرارٌ مِنَ اللَّعِينِ بِقِدَمِ كُفْرِهِ وبَيانٌ لِأنَّ خَطِيئَتَهُ سابِقَةٌ عَلَيْهِمْ فَلا إغاثَةَ لَهم مِنهُ فَهو في المَعْنى تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ إصْراخِهِ إيّاهم وزَعَمَ الإمامُ أنَّهُ لِنَفْيِ تَأْثِيرِ الوَسْوَسَةِ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا تَأْثِيرَ لِوَسْوَسَتِي في كُفْرِكم بِدَلِيلِ أنِّي كَفَرْتُ قَبْلَ أنْ وقَعْتُمْ في الكُفْرِ بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ أُخْرى وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ سَبَبَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى الوَسْوَسَةِ وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا تَقْدِيمَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ إلى آخِرِهِ ولا يَظْهَرُ لِتَأْخِيرِهِ نُكْتَةٌ يَهُشُّ لَها الخاطِرُ ومِنهم مَن جَعَلَهُ تَعْلِيلًا لِعَدَمِ إصْراخِهِمْ إيّاهُ وهو مِمّا لا وجْهَ لَهُ إذْ لا احْتِمالَ لِذَلِكَ حَتّى يَحْتاجَ إلى التَّعْلِيلِ وقِيلَ: لِأنَّ تَعْلِيلَ عَدَمِ إصْراخِهِمْ بِكُفْرِهِ يُوهِمُ أنَّهم بِسَبِيلٍ مِن ذَلِكَ لَوْلا المانِعُ مِن جِهَتِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ نَحْوَ هَذا الإبْهامِ جارٍ في الوَجْهِ الأوَّلِ وهُمُ الكَفَرَةُ الَّذِينَ لا تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ وتُعُقِّبَ في البَحْرِ القَوْلُ بِالمَوْصُولِيَّةِ بِأنَّ فِيهِ إطْلاقَ ( ما ) عَلى اللَّهِ تَعالى والأصَحُّ فِيها أنَّها لا تُطْلَقُ عَلى آحادِ مَن يُعْلَمُ و( ما ) في سُبْحانَ ما سَخَّرَكُنَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ سُبْحانَ مُوجِدِ أوْ مُيَسَّرِ تَسْخِيرِكُنَّ لَنا.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: إنَّ ( ما ) لا تُسْتَعْمَلُ في ذِي العِلْمِ إلّا بِاعْتِبارِ الوَصْفِيَّةِ فِيهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ والمِثالُ عَلى ذَلِكَ أيْ سُبْحانَ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي سَخَّرَكُنَّ لِلرِّجالِ مَعَ مَكْرِكُنَّ وكَيْدِكُنَّ وكَوْنُ ( ما ) مَوْصُولَةً عِبارَةٌ عَنِ الصَّنَمِ أيْ إنِّي كَفَرْتُ بِالصَّنَمِ الَّذِي أشْرَكْتُمُونِيهِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ ﴿ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .

(22) .

الظّاهِرُ أنَّهُ مِن تَمامِ كَلامِ إبْلِيسَ قَطْعًا لِإطْماعِ الكُفّارِ مِنَ الإغاثَةِ والإعانَةِ وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما سَيَقُولُهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَكُونَ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ وحَثًّا لَهم عَلى النَّظَرِ في عاقِبَتِهِمْ والِاسْتِعْدادِ لِما لا بُدَّ مِنهُ وأنْ يَتَصَوَّرُوا ذَلِكَ المَقامَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّيْطانُ ما يَقُولُ فَيَخافُوا ويَعْمَلُوا ما يَنْفَعُهم هُناكَ وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ يَوْمَ ذاكَ وقِيلَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى وأُيِّدَ بِأنَّهُ قَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ روى سفيان، عن رجل، عن الحسن أنه قال: إذا كان يوم القيامة، ودخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، قام إبليس خطيباً على منبر من نار، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ.

ويقال: إنهم لما دخلوا النار، أقبلوا على إبليس، وجعلوا يتهمونه ويلومونه ويقولون: أنت الذي أضللتنا، فيرد عليهم إبليس عليه اللعنة، فبيّن الله تعالى ردّه عليهم لكيلا يغتروا به في الدنيا، فذلك قوله: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ يعني: لما فرغ من الأمر حين دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فقال إبليس لأهل النار: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ يعني: البعث بعد الموت والجنة والنار وَوَعَدْتُكُمْ بأنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث، ولا حساب فَأَخْلَفْتُكُمْ فكذبتكم الوعد وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ يعني: لم يكن لي قدرة على الإكراه والقهر.

ويقال: لم أكن ملكاً فقهرتكم على عبادتي.

ويقال: لم يكن لي حجة على ما قلت لكم إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ يعني: سوى أن دعوتكم إلى طاعتي فَاسْتَجَبْتُمْ لِي يعني: أجبتم لي طوعا واختيارا فَلا تَلُومُونِي بدعوتي إياكم وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ بالإجابة مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي: بمغيثكم فأخرجكم من النار وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ يقول: ولا أنتم بمغيثيّ، فتخرجونني من النار.

إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ قال الكلبي: فيه تقديم وتأخير.

يقول: إني كفرت من قبل ما عبدتموني به وكنت كافراً قبل ذلك، فليس لكم عندي صراخ، ولا إجابة.

وقال مقاتل: معناه إني تبرأت اليوم بما أشركتموني مع الله في طاعتي مِن قَبْلُ في الدنيا.

وقال القتبي: في قوله: إِنِّي كَفَرْتُ، أي تبرأت كقوله في سورة الممتحنة: كَفَرْنا بِكُمْ [الممتحنة: 4] أي: تبرأنا منكم.

وكذلك في العنكبوت: ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ [العنكبوت: 25] يعني: يتبرأ بعضكم من بعض.

وهذا موافق لقوله تعالى: يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: 14] .

ثم قال: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: الكافرين لهم عذاب دائم.

قرأ حمزة ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ بكسر الياء، وهي قراءة الأعمش.

وقرأ الباقون: بنصب الياء.

قال أبو عبيدة: النصب أحسن.

والأول ما نراه إلا غلطاً.

وهكذا قال الزجاج.

ويقال: هي لغة لبعض العرب.

والنصب هي اللغة الظاهرة.

وهو موافق للعربية قرأ أبو عمرو أَشْرَكْتُمُونِي بالياء عند الوصل، وقرأ الباقون بغير الياء وقرأ نافع اشتدت بِهِ الرياح بالألف، والباقون بغير ألف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً: معناه: صاروا في البِرَازِ، وهي الأرضُ المتَّسِعَة، فَقالَ الضُّعَفاءُ، وهم الأتْبَاعُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وهم القادة وأهْلُ الرأْي، وقولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ: «المحيصُ» : المفرُّ وَالمَلْجَأَ مأخوذٌ منِ حَاصَ يَحيصُ إِذا نفر وفر ومنه في حديث هِرَقْلَ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلى الأَبْوَابِ» وروي عن ابن زيدٍ، وعن محمد بن كَعْب أن أهْلَ النار يقولُونَ: إِنما نال أَهْلُ الجَنَّةِ الرحْمَةَ بالصبر على طاعة اللَّه، فتعالَوْا فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فلا ينتفعونَ، فيقولُون: هلمَّ فَلْنَجْزَعْ، فَيَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ ويَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ سنة أُخرَى، فحينئذٍ يقولُونَ هذه المقَالَةَ سَواءٌ عَلَيْنا ...

الآية، وظاهر الآية أنهم إِنما يقولونها في مَوْقِفِ العرْض وقْتَ البروز بين يدي الله عزّ وجلّ «١» .

وقوله عزَّ وجلَّ: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ: المراد هنا ب «الشَّيْطَان» إِبليسُ الأَقْدَمُ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق عُقْبَة بنِ عَامِرٍ، أَنه قال: يقوم يومَ القيَامَةِ خَطيبَان أَحدهما: إِبليسْ يقوم في الكَفَرة بهذه الأَلْفَاظِ، والثاني: عيسَى ابنُ مَرْيَمَ يقومُ بقوله: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ...

الآية [المائدة: ١١٧] ، وروي في حديث أنَّ إِبليس إِنما يقوم بهذه الألفاظ في النَّار علَى أهلها عند قولهم: مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] في الآية المتقدِّمة فعلى هذه الرواية، يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ، أي: حصل أهْلُ/ النار في النَّار، وأهْلُ الجنة في الجنة، وهو تأويلُ الطبريِّ «٢» .

وقوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ: أي: من حجة بيّنة، وإِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ استثناء منقطعٌ، ويحتملُ أنْ يريد ب «السُّلْطان» في هذه الآية: الغلبة والقُدْرة والمُلْك، أي: ما اضطررتكم، ولا خوَّفتكم بقُوَّة منِّي، بلْ عرضْتُ عليكم شيئاً فأَتَى رأْيُكُمْ عليه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في (يُونُسَ:١٠) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الشَيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ المُرادُ ها هُنا "بِالشَيْطانِ" إبْلِيسُ الأقْدَمُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ في حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ قالَ: « "يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ خَطِيبانِ: أحَدُهُما إبْلِيسُ، يَقُومُ في الكَفَرَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ، والثانِي عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، يَقُومُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ » وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَقُومُ إبْلِيسُ خَطِيبُ السُوءِ، الصادِقُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى مَعْنى هَذِهِ الرِواياتِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ: تَعَيَّنَ قَوْمٌ لِدُخُولٍ النارِ، وقَوْمٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في المَوْقِفِ.

ورُوِيَ في حَدِيثٍ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَقُومُ بِهَذِهِ الألْفاظِ في النارِ عَلى أهْلِها عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ ما لَنا مِن مَحِيصٍ  ﴾ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، أيْ: حَصَلَ أهْلُ النارِ في النارِ، وأهْلُ الجَنَّةِ، وهو تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ.

و"قُضِيَ" قَدْ يُعَبَّرُ بِها في الأُمُورِ عن فِعْلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ  ﴾ ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِها عن عَزْمٍ عَلى أنْ يَفْعَلَ كَقَوْلُهُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ  ﴾ .

و"الوَعْدُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الخَيْرِ، أيْ إنَّ اللهَ وعَدَهُمُ النَعِيمَ إنْ آمَنُوا، ووَعَدَهم إبْلِيسُ الظَفَرَ والأمَلَ إنْ كَذَّبُوا، ومَعْلُومٌ اقْتِرانُ وعْدِ اللهِ بِوَعِيدِهِ، واتَّفَقَ أنْ لَمْ يَتَّبِعُوا طَلَبَ وعْدِ اللهِ فَوَقَعُوا في وعِيدِهِ، وجاءَ مِن ذَلِكَ كَأنَّ إبْلِيسَ أخْلَفَهم.

والسُلْطانُ: الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى: إلّا أنَّ النائِبَ عَنِ السُلْطانِ أنْ دَعْوَتُكُمْ، فَيَكُونُ هَذا في المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ: .....................

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ أيْ: رَأيْتُمْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ بِبَصِيرَتِكُمْ، واعْتَقَدْتُمُوهُ الرَأْيَ، وأتى نَظَرُكم عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا المَكانَ يَبْطُلُ مِنهُ التَقْلِيدُ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ ضَعْفٌ عَلى احْتِمالِها، والتَقْلِيدُ وإنَّ كانَ باطِلًا فَفَسادُهُ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسُلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ الغَلَبَةَ والقُدْرَةَ والمُلْكَ، أيْ: ما اضْطَرَرْتُكم ولا خَوَّفْتُكم بِقُوَّةٍ مِنِّي، بَلْ عَرَضْتُ عَلَيْكم شَيْئًا فَأتى رَأْيُكم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ﴾ يُرِيدُ بِزَعْمِهِ: إذْ لا ذَنْبَ لِي، ﴿ وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ في سُوءِ نَظَرِكم وقِلَّةِ تَثَبُّتِكُمْ، فَإنَّكم إنَّما أتَيْتُمُ اتِّباعِي عن بَصِيرَةٍ مِنكم وتَكَسُّبٍ.

و"المُصْرِخُ": المُغِيثُ، والصارِخُ: المُسْتَغِيثُ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كانَ الصُراخُ لَهُ قَطْعُ الظَنابِيبِ فَيُقالُ: "صَرَخَ الرَجُلُ وأصْرَخَ غَيْرَهُ"، وأمّا "الصَرِيخُ" فَهو مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ البَرِيحِ، وَيُوصَفُ بِهِ كَما يُقالُ: "رَجُلٌ عَدْلٌ" ونَحْوِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "بِمُصْرِخِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ تَشْبِيهًا بِياءِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: بِمُصْرِخِيِّهِ، ورَّدَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: هي رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ، وقالَ فِيها القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: إنَّها صَوابٌ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ أبا عَمْرٍو حَسَّنَها، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ عَلى أبِي عَمْرٍو.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أشْرَكْتُمُونِ ﴾ أيْ: مَعَ اللهِ تَعالى في الطاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُفْرَدَ اللهُ بِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي الآنَ كافِرٌ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللهِ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَبِرٍّ مِنهُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ، فَتَكُونُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، يُرِيدُ "اللهَ" تَعالى، أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم فَلا إصْراخَ عِنْدِي، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُدْخِلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَأُدْخِلُ" عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: يَقُولُها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ ما عَلا مِنها كالغُرَفِ والمَبانِي والأشْجارِ وغَيْرِهِ، و"الخُلُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الدَوامِ، و"الإذْنُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ والإمْضاءِ.

وقَوْلُهُ: "تَحِيَّتُهُمْ" مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الضَمِيرِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا، و"تَحِيَّتُهُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"سَلامٌ" ابْتِداءٌ ثانٍ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، والجَمِيعُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خالِدِينَ"، أو يَكُونُ صِفَةً لِـ "جَنّاتٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أفضت مجادلة الضعفاء وسادتهم في تغريرهم بالضلالة إلى نطق مصدر الضلالة وهو الشيطان؛ إما لأنهم بعد أن اعتذر إليهم كبراؤهم بالحرمان من الهدى علموا أن سبب إضلالهم هو الشيطان لأن نفي الاهتداء يرادفه الضلال، وإما لأن المستكبرين انتقلوا من الاعتذار للضعفاء إلى ملامة الشيطان الموسوس لهم ما أوجب ضلالهم، وكل ذلك بعلم يقع في نفوسهم كالوجدان.

على أن قوله: ﴿ فلا تلوموني ﴾ يظهر منه أنه توجه إليه ملام صريح، ويحتمل أنه توقّعه فدفعه قبل وقوعه وأنه يتوجه إليه بطريقة التعريض، فجملة ﴿ وقال الشيطان ﴾ عطف على جملة والمقصود من وصف هذا الموقف إثارة بغض الشيطان في نفوس أهل الكفر ليأخذوا حذرهم بدفاع وسواسه لأن هذا الخطاب الذي يخاطبهم به الشيطان مليء بإضماره الشر لا لهم فيما وعدهم في الدنيا مما شأنه أن يستفز غضبهم من كيده لهم وسخريته بهم، فيورثهم ذلك كراهية له وسوء ظنهم بما يتوقعون إتيانه إليهم من قِبَله.

وذلك أصل عظيم في الموعظة والتربية.

ومعنى قضى الأمر } تُمّم الشأن، أي إذن الله وحكمه.

ومعنى إتمامه: ظهوره، وهو أمره تعالى بتمييز أهل الضلالة وأهل الهداية، قال تعالى: ﴿ وامتازوا اليوم أيها المجرمون ﴾ [سورة يس: 59]، وذلك بتوجيه كل فريق إلى مقره الذي استحقه بعمله، فيتصدى الشيطان للتخفيف عن الملام عن نفسه بتشريك الذين أضلهم معه في تبعة ضلالهم، وقد أنطقه الله بذلك لإعلان الحق، وشهادة عليهم بأن لهم كسباً في اختيار الانصياع إلى دعوة الضلال دون دعوة الحق.

فهذا شبيه شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون وقولها لهم: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } إظهاراً للحقيقة وتسجيلاً على أهل الضلالة وقمعاً لسفسطتهم.

وأخبر الله بها الناس استقصاء في الإبلاغ ليحيط الناس علماً بكل ما سيحل بهم، وإيقاظاً لهم ليتأملوا الحقائق الخفية فتصبح بينة واضحة.

فقول الشيطان ﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ إبطال لإفراده باللوم أو لابتداء توجيه الملام إليه في حين أنهم أجدر باللوم أو بابتداء توجيهه.

وأما وقع كلام الشيطان من نفوس الذين خاطبهم فهو موقع الحسرة من نفوسهم زيادة في عذاب النفس.

وإضافة ﴿ وعد ﴾ إلى ﴿ الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مبالغة في الاتصاف، أي الوعد الحق الذي لانقض له.

والحق: هنا بمعنى الصدق والوفاء بالموعود به.

وضده: الإخلاف، ولذلك قال: ﴿ ووعدتكم فأخلفتكم ﴾ [سورة إبراهيم: 22]، أي كذبتُ موعدي.

وشمل وعد الحق جميع ما وعدهم الله بالقرآن على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.

وشمل الخُلْف جميعَ ما كان يعدهم الشيطان على لسان أوليائه وما يعدهم إلا غرورا.

والسلطان: اسم مصدر تسلط عليه، أي غلبه وقهره، أي لم أكن مجبراً لكم على اتباعي فيما أمرتكم.

والاستثناء في إلا أن دعوتكم} استثناء منقطع لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما قبله.

فالمعنى: لكني دعوتكم فاستجبتم لي.

وتفرع على ذلك ﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ .

والمقصود: لوموا أنفسكم، أي إذ قبلتم إشارتي ودعوتي.

وقد تقدم بيانه صدْرَ الكلام على الآية.

ومجموع الجملتين يفيد معنى القصر، كأنه قال: فلا تلوموا إلاّ أنفسكم، وهو في معنى قصر قلب بالنسبة إلى إفراده باللوم وحقهم التشريك فقلب اعتقادهم إفراده دون اعتبار الشركة، وهذا من نادر معاني القصر الإضافي، وهو مبني على اعتبار أجدر الطرفين بالرد، وهو طرف اعتقاد العكس بحيث صار التشريك كالملغى لأن الحظ الأوفر لأحد الشريكين.

وجملة ﴿ ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي ﴾ ، بيان لجملة النهي عن لَومه لأن لومه فيه تعريض بأنهم يتطلبون منه حيلة لنجاتهم، فنفي ذلك عن نفسه بعد أن نهاهم عن أن يلوموه.

والإصراخ: الإغاثة، اشتق من الصُراخ لأن المستغيث يصرخ بأعلى صوته، فقيل: أصرخه، إذا أجاب صُراخه، كما قالوا: أعتبه، إذا قبل استعتابه.

وأما عطف ﴿ وما أنتم بمصرخي ﴾ فالمقصود منه استقصاء عدم غناء أحدهما عن الآخر.

وقرأ الجمهور ﴿ بِمُصرِخيَّ ﴾ بفتح التحتية مشددةً.

وأصله بمصرخِييَ بياءين أولاهما ياء جمع المذكر المجرور، وثانيتهما ياء المتكلم، وحقها السكون فلما التقت الياءان ساكنتين وقع التخلص من التقاء الساكنين بالفتحة لخفة الفتحة.

وقرأ حمزة وخلَف «بِمُصرِخيِّ» بكسر الياء تخلصاً من التقاء الساكنين بالكسرة لأن الكسر هو أصل التخلص من التقاء الساكنين.

قال الفراء: تحريك الياء بالكسر لأنه الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، إلا أن كسر ياء المتكلم في مثله نادر.

وأنشد في تنظير هذا التخلص بالكسر قول الأغلب العِجْلي: قال لها هل لككِ يا تَا فيَّ *** قالت له: ما أنتَ بالمرضيِّ أراد هل لككِ فيّ يا هذه.

وقال أبو علي الفارسي: زعم قطرب أنها لغة بني يربوع.

وعن أبي عمرو بن العلاء أنه أجاز الكسر.

واتفق الجميع على أن التخلص بالفتحة في مثله أشهر من التخلص بالكسرة وإن كان التخلص بالكسرة هو القياس، وقد أثبته سند قراءة حمزة.

وقد تحامل عليه الزجاج وتبعه الزمخشري وسبقهما في ذلك أبو عُبيد والأخفش بن سعيد وابن النحاس ولم يطلع الزجاج والزمخشري على نسبة ذلك البيت للأغلب العِجلي.

والذي يظهر لي أن هذه القراءة قرأ بها بنو يَربوع من تميم، وبنو عِجل بن لُجيم من بكر بن وائل، فقرأوا بلهجتهم أخذاً بالرخصة للقبائل أن يقرأوا القرآن بلهجاتهم وهي الرخصة التي أشار إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم " إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه " كما تقدم في المقدمة السادسة من مقدمات هذا التفسير، ثم نسخت تلك الرخصة بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الأعوام الأخيرة من حياته المباركة ولم يثبت مما ينسخها في هذه الآية.

واستقر الأمر على قبول كل قراءة صح سندها ووافقت وجهاً في العربية ولم تخالف رسم المصحف الإمام.

وهذه الشروط متوفرة في قراءة حمزة هذه كما علمت آنفاً فقصارى أمرها أنها تتنزل منزلة ما ينطق به أحد فصحاء العرب على لغة بعض قبائلها بحيث لو قرئ بها في الصلاة لصحت عند مالك وأصحابه.

وجملة ﴿ إنى كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ استئنافُ تَنَصُّل آخر من تبعات عبادتهم إياه قصد منه دفع زيادة العذاب عنه بإظهار الخضوع لله تعالى.

وأراد بقوله: ﴿ كفرتُ ﴾ شدة التبري من إشراكهم إياه في العبادة فإن أراد من مضي ﴿ كفرت ﴾ مضي الأزمنة كلها، أي كنت غير راضضٍ بإشراككم إياي فهو كذب منه أظهر به التذلل؛ وإن كان مراده من المضي إنشاء عدم الرضى بإشراكهم إياه فهو ندامة بمنزلة التوبة حيث لا يقبل متاب.

و ﴿ من قبل ﴾ على التقديرين متعلق ب ﴿ أشركتمون ﴾ .

والإشراك الذي كفر به إشراكهم إياه في العبادة بأن عبدوه مع الله لأن من المشركين من يعبدون الشياطين والجن، فهؤلاء يعبدون جنس الشيطان مباشرة، ومنهم من يعبدون الأصنام فهم يعبدون الشياطين بواسطة عبادة آلهته.

وجملة ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ من الكلام المحكي عن الشيطان.

وهي في موقع التعليل لما تقدم من قوله: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ ، أي لأنه لا يدفع عنكم العذاب دَافع فهو واقع بكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ ﴾ يَعْنِي إبْلِيسُ.

قالَ الحَسَنُ: يَقِفُ إبْلِيسُ يَوْمَ القِيامَةِ خَطِيبًا في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ يَسْمَعُهُ الخَلائِقُ جَمِيعًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ﴾ يَعْنِي البَعْثَ والجَنَّةَ والنّارَ وثَوابَ المُطِيعِ وعَذابَ العاصِي.

﴿ وَوَعَدْتُكُمْ ﴾ أنْ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ ولا ثَوابَ ولا عِقابَ.

﴿ فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ما أنا بِمُنْجِيكم وما أنْتُمْ بِمُنْجِيَّ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: ما أنا بِمُغِيثِكم وما أنْتُمْ بِمُغِيثِيَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والمُصْرِخُ: المُغِيثُ.

والصّارِخُ: المُسْتَغِيثُ.

وَمِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: فَلا تَجْزَعُوا إنِّي لَكم غَيْرُ مُصْرِخٍ فَلَيْسَ لَكم عِنْدِي غَناءٌ ولا صَبْرُ ﴿ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنِّي كَفَرْتُ اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ في الدُّنْيا تَدَّعُونَهُ لِي مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: إنِّي كَفَرْتُ قَبْلَكم بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن بَعْدُ؛ لِأنَّ كُفْرَ إبْلِيسَ قَبْلَ كُفْرِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ إذا تَلاقَوْا فِيها السَّلامُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّ التَّحِيَّةَ ها هُنا المُلْكُ، ومَعْناهُ أنَّ مُلْكَهم فِيها دائِمُ السَّلامِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ في التَّشَهُّدِ: التَّحِيّاتُ لِلَّهِ، أيِ المُلْكُ لِلَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي المُحَيِّي لَهم بِالسَّلامِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَيِّيهِمْ بِالسَّلامِ.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِالسَّلامِ.

الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَهم يُحَيِّي بَعْضًا بِالسَّلامِ.

وَتَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ بِها لِأنَّها ثابِتَةٌ في القَلْبِ كَثُبُوتِ أصْلِ النَّخْلَةِ في الأرْضِ، فَإذا ظَهَرَتْ عَرَجَتْ إلى السَّماءِ كَما يَعْلُو فَرْعُ النَّخْلَةِ نَحْوَ السَّماءِ، فَكُلَّما ذُكِرَتْ نَفَعَتْ، كَما أنَّ النَّخْلَةَ إذا أثْمَرَتْ نَفَعَتْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين وقضى بينهم وفرغ من القضاء، يقول المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا وفرغ من القضاء، فمن يشفع لنا إلى ربنا؟

فيقولون: آدم، خلقه الله بيده وكلمه.

فيأتونه فيقولون: قد قضى ربنا وفرغ من القضاء، قم أنت فاشفع إلى ربنا.

فيقول: ائتوا نوحاً، فيأتون نوحاً عليه السلام فيدلهم على إبراهيم عليه السلام، فيأتون إبراهيم عليه السلام فيدلهم على موسى عليه السلام، فيأتون موسى عليه السلام فيدلهم على عيسى عليه السلام، فيأتون عيسى عليه السلام فيقول: أدلكم على العربي الأمي، فيأتوني، فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط...

حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي.

ويقول الكافرون عند ذلك: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، ما هو إلا إبليس...

فهو الذي أضلنا.

فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، قم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا، فيقوم إبليس فيثور مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم يعظم لجهنم ويقول عند ذلك ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم...

﴾ » الآية.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقال الشيطان لما قضي الأمر...

﴾ الآية.

قال: قام إبليس يخطبهم فقال: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم...

﴾ إلى قوله: ﴿ ما أنا بمصرخكم...

﴾ يقول: بمغن عنكم شيئاً ﴿ وما أنتم بمصرخيّ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ قال: فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم فنودوا ﴿ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ [ غافر: 10] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة، قام إبليس خطيباً على منبر من نار فقال: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق...

﴾ إلى قوله: ﴿ وما أنتم بمصرخي ﴾ قال: بناصري ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ قال: بطاعتكم إياي في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه في هذه الآية، قال: خطيبان يقومان يوم القيامة، إبليس وعيسى ابن مريم، فاما إبليس، فيقوم في حزبه فيقول هذا القول.

وأما عيسى عليه السلام فيقول ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ﴾ [ المائدة: 117] .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن من الناس، من يذلله الشيطان كما يذلل أحدكم قعوده من الإِبل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخيّ ﴾ قال: ما أنا بنافعكم وما أنتم بنافعي ﴿ إني كفرت بما اشركتمون من قبل ﴾ قال: شركة عبادته.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال: ما أنا بمغيثكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ بمصرخيّ ﴾ قال: بمغيثيّ.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتمون من قبل ﴾ يقول: عصيت الله فيكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ الآية.

قال المفسرون: إذا استقر أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار، اجتمع أهل النار باللائمة على إبليس لعنه الله، فيقوم فيما بينهم خطيبًا ويقول ما أخبر الله تعالى بقوله: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ ﴾ الآية.

(١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر ﴾ قال ابن عباس: يريد حين قضى الله بين العباد؛ فصار أهل الجنّة إلى منازلهم وكرامتهم، وأمَرَ بأهل جهنّم إلى العذاب (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ﴾ قال مقاتل: يعني كون هذا اليوم فَصَدَقكم (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَعْدَ الْحَقِّ ﴾ هو من باب إضافة الشيء إلى نَعْته كقوله: ﴿ وَحَبَّ الْحَصِيدِ  ﴾ ومسجد الجامع، على قول الكوفيين، والمعنى: وعدكم الوعدَ الحقَ (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ الوعد يقتضي مفعولًا ثانياً، وحُذف هاهنا للعلم به والتقدير: ووعدتكم أن لا جنّة ولا نار ولا حشر ولا حساب فأخلفتكم.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾ قال ابن عباس: يريد من حجة أحتج بها عليكم، أي: بما أظهرت لكم حجة (١٠) ﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ هذا من الاستثناء المنقطع؛ أي: لكن دعوتكم ﴿ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ (١١) (١٢) ﴿ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ حيث أجبتموني وطاوعتموني من غير سلطان ولا برهان، قال أهل المعاني: ولَوْم النفس يصح على الإساءة كما يصح حمدها على الإحسان (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ قال ابن عباس: يريد بمغيثكم ولا منقذكم (١٦) (١٧) وقال ابن الأعرابي: المصارخ (١٨) (١٩) (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيّ ﴾ القراءة الصحيحة فتح الياء (٢١) (٢٢) قال الزجاج: وذلك أن [ياء] (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ هُدَايَ  ﴾ ، و ﴿ وَمَحْيَاىَ  ﴾ ، و ﴿ عَصَايَ  ﴾ ونحو هذا قال الفراء (٢٩) ﴿ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ بكسر الياء (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) قال الفراء: ولعلها من وهْم القُرَّاء (٣٤) (٣٥) ﴿ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ خافضةٌ للحرف كله، والياء من المتكلم خارجةٌ من ذلك، ومما يرى أنهم أوهموا فيه: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ  ﴾ ظنُّوا والله أعلم أن الجزم في الهاء، والهاءُ في موضع نصب، وقد انجزم الفعل قبلها بسقوط الياء منه، قال: وسمعت بعض العرب (٣٦) قلت (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) قالَ لَهَا هَل لكِ يا تا فيِّ ...

قالَتْ له ما أنْتَ بالمَرْضِي وهذا الشعر مما لا يُلتفت إليه، فليس يُعرف قائل هذا الشعر من العرب (٤٢) (٤٣) (٤٤) قال أبو علي: زعم قطرب أن هذا لغة في بني يربوع (٤٥) (٤٦) ماضٍ إذا ما هَمَّ بالمُضِىّ (٤٧) قال: ووجه ذلك من القياس أن الياء ليست تخْلُو من أن تكون في موضع نصب أو جر، فالياء في النصب والجر كالهاء فيهما، وكالكاف في: أكبر منك (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) رَمَيْتِيهِ فأصمَيْتِ ...

وما أخْطَاتِ الرَّمْيَه (٥٣) كذلك ألحقوا الياء الزيادة من المدّ، فقالوا: (فِيِّي) ثم حذفت الياءُ الزائدة على الياء (٥٤) (٥٥) وما لَهُ من مَجْدٍ تَلِيد (٥٦) وكما حذفت الزيادة من الكاف، في قول من قال: أَعْطيْتُكه وأَعطيتُكِه (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) قوله تعالى: ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾ ما هاهنا بمعنى المصدر؛ أي: كفرت بإشراككم إيَّاي (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ ﴾ هذا من قول إبليس؛ يعني: كفرت بالله الذي أشركتموني به، أي: كفرت به من قبلكم فجعل (ما) في مذهب ما يؤدى عن الاسم (٧٠) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٧١) (٧٢) (١) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 192 ب بنحوه، وأخرجه الطبري 13/ 200 - 201 بنحوه عن الشعبي والحسن والقرظي، وورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158 بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 204 بنحوه عن الحسن، و"الماوردي" 3/ 130، مختصراً عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 150 أ، بنحوه عن مقاتل، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 141، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن، وأخرجه الطبري 13/ 201، مرفوعاً بمعناه عن عقبة بن عامر (ضمن حديث الثمفاعة مختصراً، وأخرجه الطبراني في "الكبير" 17/ 320، من طريق عقبة بن عامر بمعناه وأورده الهيثمي في "المجمع" 10/ 376، وقال: وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 140، وزاد نسبته إلى ابن المبارك في الزهد، ولم أجده وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر بسند ضعيف عن عقبة، وحكم عليه شاكر في تحقيق الطبري بالضعف، وقال: وهذا خبر ضعيف الإسناد لا يقوم.

وعلى هذا فدعوى قيام إبليس خطيباً في أهل النار على منبر من نار لا تصح لكونها موقوفة على الحسن والشعبي والقرظي، ولا يقبل قولهم المجرد في مثل هذه القضية الغيبية، والطريق الموصول الذي فيه إشارة لهذه الدعوى - ضعيفٌ لا تقوم به الحجة، فالله أعلم بكيفية هذا الحوار والنقاش بين إبليس وأهل النار.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158 بنصه.

(٣) انظر: "تنوير المقباس" ص 271 بنحوه، وورد بنحوه غير منسوب في "الغريب" لابن قتيبة 236، و "تفسير الطبري" 13/ 200، والسمرقندي 2/ 204، والثعلبي 7/ 150 أ، وابن عطية 8/ 226، والفخر الرازي 19/ 110.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) في (د): (فصدَّكم).

(٦) "تفسير مقاتل" 1/ 192 ب، بتصرف يسير.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158 بنصه.

(٨) الكوفيون يجوِّزون إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، وحجتهم أن ذلك ورد كثيرًا في كتاب الله وكلام العرب، وقد قرّر هذه المسألة الفراء في عدة أماكن من معانيه، كما في قولى تعالى: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ  ﴾ فأضيفت الدار إلى الآخرة وهي الآخرة، وقوله: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ  ﴾ ، والحق هو اليقين.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 330، 2/ 55، 3/ 76، راجع هذه المسألة في "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 347، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 319، و"الإنصاف" ص 352، و"البيان في غريب الإعراب" 2/ 525، 385، 45، و"البسيط شرح جمل الزجاجي" 2/ 1086، و"الدر المصون" 4/ 600، و"همع الهوامع" 4/ 276.

(٩) ذهب البصريون إلى منع إضافة الموصوف إلى صفته؛ بحجة أن الإضافة إنما يراد بها التعريف والتخصيص، والشيء لا يتعرف بنفسه؛ لأنه لوكان فيه تعريف لكان مستغنياً عن الإضافة، وإن لم يكن فيه تعريف كان بإضافته إلى اسمه أبعد من التعريف، وتأولوا شواهد الكوفيين وأزالوا ما يوهم إضافة الموصوف إلى صفته، بحمله على حذف المضاف إليه وإقامة صفته مقامه، وعليه فتقدير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ ﴾ أي: حق الأمرِ اليقين، وقوله: ﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ﴾ تقديره: ولدارُ الساعةِ الآخرةِ.

انظر الأصول في النحو 2/ 8، و"إعراب القرآن" للنحاس 3/ 347، و"الإيضاح العضدي" (283)، و"الخصائص" 3/ 24، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 319، 355، 490، و"الإنصاف" ص 352، و"البيان في غريب الإعراب" 2/ 525، 385، 45، و"شرح المفصل" 3/ 10، و"تفسير أبي حيان" 5/ 353، و"الدر المصون" 4/ 600، ويترجح في هذه المسألة قول الكوفيين؛ لصراحة أدلتهم التي ذكروها ولم تفتقر إلى التأويل الذي ذهب إليه البصريون؛ وما لا يحتاج إلى تأويل أولى بما يحتاج إلى تأويل.

(١٠) انظر: "تنوير المقباس" ص 271، بمعناه، وورد بمعناه غير مشوب في "تفسير الثعلبي" 7/ 150 أ، والبغوي 4/ 345، وابن الجوزي 4/ 357، و"تفسير القرطبي" 19/ 356، وابن كثير 2/ 581.

(١١) هذا ما ذهب إليه معظم المفسرين؛ أن الاستثناء منقطع؛ لأن الدعاء ليس من جنس السلطان.

انظر: "تفسير الطبري" 13/ 200، والثعلبي 7/ 150 أ، و"البغوي" 4/ 345، وابن عطية 227/ 8، وابن الجوزي 4/ 357، والفخر الرازي 19/ 111، و"الإملاء" 2/ 86، و"الفريد في الإعراب" 3/ 157، و"تفسير القرطبي" 9/ 356، وأبي حيان 5/ 418، و "الدر المصون" 7/ 88.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 158 بنصه.

(١٣) لم أقف على هذا القول في كتب المعاني ولا كتب اللغة، وهي قضية بدهية ظاهرة لا خلاف حولها، ولا أدري ما وجه الغرابة في لوم النفس على الإساءة حتى يستشهد على ذلك بالبيت.

(١٤) القائل هو الحارث بن خالد المخزومي، أحد شعراء قريش المعدودين الغزليين.

"الأغاني" 3/ 308.

(١٥) ورد في "مجاز القرآن" 1/ 31، و"العقد الفريد" 1/ 303، و"الأغاني" 3/ 314، و"تفسير القرطبي" 9/ 191، و"اللسان" (غشا) 6/ 3261، و"الدر المصون" 1/ 115، ورواية المجاز والدر: (تبعْتُك) بدل (صَحِبْتُك).

(١٦) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 19/ 114 بنصه، و"تنوير المقباس" ص 271 بنصه.

(١٧) ورد بلفظه في: "مجاز القرآن" 1/ 339، و"غريب القرآن وتفسيره" لليزيدي 197، و"تفسير الطبري" 13/ 200، و"جهرة اللغة" 1/ 586، و"تهذيب اللغة" (صرخ) 4/ 1999، و"تفسير المشكل" لمكي ص 214، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 345، و"تذكرة الأريب في تفسير الغريب" ص 279، و"تفسير أبي حيان" 5/ 419، و"عمدة الحفاظ" 2/ 382.

(١٨) هكذا في جميع النسخ، ولم أقف على هذا التصريف في المصادر اللغوية التي رجعت إليها والذي ذكره المصدر ومصادر اللغة (الصَّارخ) فلعله من تصحيف النساخ.

انظر (صرخ) في "تهذيب اللغة" 2/ 1999، و"المحيط" 4/ 145، و"مقاييس اللغة" 3/ 348، و"الصحاح" 1/ 426، و"اللسان" 4/ 2426، و"التاج" 4/ 287.

(١٩) ورد في "تهذيب اللغة" (صرخ) 2/ 1999 بنصه ونسبه الأزهري لأبي الهيثم.

(٢٠) لم أقف عليه، والظاهر أنه من كتابه "المصادر" المفقود.

(٢١) هي قراءة الجمهور ماعدا حمزة، ولو وصفها بقراءة الأكثرين لكان أحسن؛ لأن وصفه لها بالصحة يوهم تبنِّيه لدعوى بعض النحويين في تضعيف قراءة حمزة، مع أنه رد عليهم في آخر المسألة.

انظر: "السبعة" ص 362، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 335، و"الحجة في القراءات" ص 203، و"علل القراءات" 1/ 288، و"الحجة للقراء" 5/ 28، و"المبسوط في القراءات" ص 217، و"حجة القراءات" ص 377، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 26، و"تلخيص العبارات" ص 108، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 710، و"الإتحاف" ص 272.

(٢٢) تخصيصه قراءة الجمهور دون حمزة بهذا الوصف غير جيد أيضاً؛ لأنه يشعر بالتقليل من شأن قراءة حمزة وهي قراءة سبعية لا فرق بينها وبين القراءات الأخرى، ولأن الأصل في القراءة الرواية وليس القياس، فهي سنة متبعة وليس قواعد نحوية مقنَّنَه، ويقصد بالأصل: أي عند النحويين كما صرّح بذلك الأزهري في "شرح التصريح على التوضيح" 2/ 60.

(٢٣) ما بين المعقوفين زيادة من المصدر ليستقيم الكلام.

(٢٤) وهي الفتحة.

(٢٥) أي الياء.

(٢٦) في جميع النسخ (لنقل)، والتصويب من المصدر.

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 159، نقله بتصرف يسير.

(٢٨) وهذه حجتهم النحوية في رد قراءة حمزة؛ حيث قالوا إن أصل (مصرخيّ) مصرخين جمع مصرخ، أضيف لياء اليكلم فصارت (بمُصْرِخِيني) وحذفت النون للإضافة == فاجتمعت ياء الجمع -وهي ساكنة- وياء الإضافة، فلو سكناها لاجتمع ساكنان بمصرخِيْيْ فتعين الفتح، فلما اجتمع مِثْلان: الأول ساكن، والثاني متحرك وجب الإدغام، فصارت ياءً مفتوحة مشددةً انظر: "إعراب القراءات وعللها" 1/ 335، و"حجة القراءات" ص 377، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 448، و"الإملاء" 2/ 68و"سراج القارىء" ص 265.

(٢٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 75.

(٣٠) انظر: "السبعة" ص 362، و"إعراب القراءات وعللها" 1/ 335، و"علل القراءات" 1/ 288، و"الحجة للقراء" 5/ 28، و"حجة القراءات" ص 377، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 26، و"تلخيص العبارات" ص 108، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 709، و"الإتحاف" ص 272.

(٣١) هكذا في جميع النسخ، والسياق يقتضي أن تكون (وهي) لأن الضمير يعود على القراءة، وهي مؤنثة.

(٣٢) انظر: "علل القراءات" 1/ 289، و"الحجة للقراء" 5/ 29، و"المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 710، و"إبراز المعاني" 3/ 293، و"سراج القارىء" ص 265، و"النشر" 2/ 299، و"الإتحاف" ص 272.

(٣٣) انظر: "الحجة للقراء" 5/ 29، و"إبراز المعاني" 3/ 293، و"سراج القارىء" 265، و"النشر" 2/ 299، ويحيى بن وثاب هو: الإمام القدوة المقرىء، شيخ القراء بالكوفة في زمانه، تابعي ثقة حدّث عن ابن عباس وأبي هريرة، أخذ القراءة عن علقمة ومسروق، وأخذ عنه الأعمش، كان حسن الصوت بالقراءة، مات (103 هـ).

انظر: "غاية النهاية" 2/ 380، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 380، و"تقريب التهذيب" 598 ص (7664).

(٣٤) هذه اللفظة من أخف الألفاظ انتقاداً لهذه القراءة السبعية!!

وكذلك الأسلوب؛ حيث عزا الخطأ فيما يظن أنه خطأ إلى القُراء لا القراءة، بخلاف بقية المنتقدين للقراءة خاصة البصرييين حيث بالغوا في انتقاد القراءة ووصفوها بأقذع الصفات؛ كالمنكرة، والرديئة، والمرذولة، والضعيفة، والمكروهة، وا الشاذة، وأنها لحن ..

انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 599، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 159، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 183، و"تفسير الزمخشري" 2/ 300، و"الإملاء" 2/ 68، و"إبراز المعاني" 3/ 294، و"حاشية ياسين على شرح التصريح" 2/ 60.

(٣٥) في (ش)، (ع): (الياء) والمثبت موافق للمصدر.

(٣٦) هو الأغلب العجلي، تأتي ترجمته في المفحة التالية، وكلمة (العرب) ساقطة من (د).

(٣٧) في المصدر (قال) وهو الموافق لرواية جميع المصادر التي وقفت عليها ما عدا "علل القراءات" 1/ 288.

(٣٨) في المصدر المنقول عنه (مُذُ).

(٣٩) الأولى (هو) لأنه يعود على مذكر، وكذلك هو في المصدر.

(٤٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 75، نقل طويل تصرف فيه.

(٤١) هكذا وردت مصغرة في جميع النسخ مع أنها في المصدر مكبرة (وجه) فلعل لذلك دلالة إن كان من فعل الواحدي لا النُسَّاخ، وهو المبالغة في تضعيف هذا الوجه الذي يُحتج به للقراءة من جهة النحو.

(٤٢) بلى قد عُرف قائله، هو الأغلب العجلي، ولم يكن نكرة بل هو علَم في عدة ميادين: فقد عدّه ابن الأثير وابن حجر في الصحابة، ومن شهداء الإسلام في نهاوند.

انظر: "أسد الغابة" 1/ 126، و"الإصابة" 1/ 225 وعدّه ابن قتيبة أرجزَ الرُجّاز، لأنه أول من شبّه الرجز بالقصيد وأطاله، وقبله بيتان أو ثلاثة انظر: "الشعر والشعراء" ص 407، بل لقد بلغ من شهرته أن ينتسب إليه السثمهورون، يقول العجاج: إني أنا الأغلب أضْحَى قد نُشر.

المصدر السابق، وأكد أبو شامة نسبة == البيت للعجلي بأنه رأه في كتابه انظر: "إبراز المعاني" 3/ 295، فواعجباً من دعوى الزجاج في استجهال هذا العَلَم.

(٤٣) بلى هو مما يحتج به لتعضيد ثبوت قراءة متواترة تعرضت للإنكار.

(٤٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 159، نقله بتصرف.

(٤٥) هم أبناء يربوع بن حنظلة بن مالك، من العدنانية، وبنوه: رياح، وثعلبة، والحارث، وعمرو، وصُبَير، كانوا يُسمَّون الأحمال وبنوه: كُليب، وغُدَانة، والعَنبر سُمُّوا العقداء؛ لأنهم تعاقدوا على أخيهم رياح، وصار الأحمال مع بني رياح.

انظر: "الاشتقاق" ص 221، و"جمهرة أنساب العرب" ص 228، 467، و"نهاية الأرب" ص 398.

(٤٦) ففي هذه اللغة ينطقون (فيَّ) هكذا (فِيِيّ) "المُوضح في وجوه القراءات" 2/ 710، وما بين القوسين ساقط من (د).

(٤٧) في جميع النسخ (بالمرضي) والتصويب من المصدر.

(٤٨) في (أ)، (د): (أكرمتك)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهو موافق للمصدر.

(٤٩) وهي الواو.

(٥٠) وهي الألف والياء.

(٥١) "الكتاب" 4/ 200، وأمثلته مختلفة؛ فقد مثَل للمؤنث بـ: أُعْطِيكيها وأُعْطيكيه، وللمذكر بـ: أُعْطيكَاهُ وأُعْطيكَاها.

(٥٢) لم أقف على قائله، ونسبه عبد السلام هارون في فهرسته "للخزانة" 12/ 280 للوليد بن يزيد (ت 126 هـ).

(٥٣) ورد في "الحجة للقراء" 4/ 416، 5/ 30، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 449، و"الفريد في الإعراب" 3/ 160، و"إبراز المعاني" 3/ 297، و"الدر المصون" 7/ 93، و"الخزانة" 5/ 268، برواية (فأقصدتِ) بدل (فأصميْت) ولا يختلف المعنى؛ لأن معنى الكلمتين واحد، هو: القتل، والشاهد: زيادة الياء في (رميتيه) والأصل (رميته) دون ياء؛ كما قيل (أقصدت) بدون ياء.

(٥٤) في (ش)، (ع): (التاء)، والمثبت منسجم مع السياق وموافق للمصدر.

(٥٥) القائل هو الأعشى (جاهلي) أدرك الإسلام ولم يسلم، مات سنة (7 هـ).

(٥٦) والبيت بتمامه: وماله من مجد تليد ولا له ...

من الريح حظٌّ لا الجنُوبُ ولا الصَّبَا "ديوانه" ص 175، وروايته: وما عنْده مجدٌ تليدٌ ولا لَهُ ...

من الريح فضلٌ لا الجنُوبُ ولا الصَّبَا وورد في "الكتاب" 1/ 30، و"شرح شواهد الإيضاح" 458، وورد بلا نسبة في "المقتضب" 1/ 38، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 630، و"الإنصاف" ص 407، والشاهد في قوله: (وماله) حيث اختلس ضمة الهاء اختلاساً ولم يشبعها حتى تنشأ عنها واو، لذلك فإن رواية الديوان ليس فيها الشاهد؛ لأن الهاء في (عنده) مشبعة غير مختلسة.

"الانتصاف بهامش الإنصاف" 2/ 516.

(٥٧) في جميع النسخ (أعطيتكيه)، والمثبت مصوب من المصدر وبه يستقيم الكلام.

(٥٨) أي الزيادة في الهاء والكاف في الأمثلة السابقة.

(٥٩) توضيح ذلك: أن اللفظة على لغة بني يربوع (مصرِخِيِّيِ) فحذفت الياءُ الثانية فأصبحت (مصرِخِيِّ).

(٦٠) أي لغة بني يربوع.

(٦١) في (د): (مالم).

(٦٢) هكذا في جميع النسخ، وفي المصدر (لاستفاضة) وهو أصوب لأن الاستفاضة من عوارض الرواية.

(٦٣) الأصل في القراءة الرواية والسماع لا القياس؛ لأن القراءة سنة متَّبعة فإذا ثبتت الرواية، لم تفتقر إلى قياس ولم يردها قياس، يقول أبو عمرو الداني -رحمه الله-: وأئمة القراء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية، إذا ثبت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة؛ لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها.

"النشر" 1/ 10.

(٦٤) "الحجة للقراء" 5/ 29، وهو نقل طويل من قوله: قال أبو علي، تصرّف فيه بالتقديم والتأخير والاختصار.

(٦٥) في (أ)، (د): (آياتي)، والمثبت من (ش)، (ع).

(٦٦) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 357، و"الفخر الرازي" 19/ 115، و"تفسير == القرطبي" 9/ 358، و"الفريد في إعراب القرآن" 3/ 161.

(٦٧) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 160، نقله بنصه.

(٦٨) في جميع النسخ (إن) والصواب ما أثبته، وبه يستقيم الكلام.

(٦٩) لم أقف عليه.

وورد تلخيصه بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 150 أ، و"الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 319، و"الوجيز" 1/ 581.

(٧٠) "معاني القرآن" للفراء2/ 76 بنصه تقريباً.

(٧١) ورد قوله بنصه بلا نسبة في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 319، و"الوجيز" 1/ 581، و"تفسير ابن الجوزي" 4/ 357.

(٧٢) ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 150 ب، بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الشيطان ﴾ الكلام يوم القيامة أو في النار يقوله لأهلها ﴿ لَمَّا قُضِيَ الأمر ﴾ إن كان كلام إبليس في القيامة بمعنى قُضي الأمر؛ تعيَّن قومٌ للنار وقومٌ للجنة وإن كان في النار فمعنى قضي الأمر حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة ﴿ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ﴾ استثناء منقطع ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم مغيثين لي ﴿ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ ﴾ ما مصدريه: أي بإشراككم لي مع الله في الطاعة ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يتعلق بأشركتمون ويحتمل أن يتعلق بكفرتم، والأول أظهر وأرجح ﴿ إِنَّ الظالمين ﴾ استئناف من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ يتعلق بأدخل أو بخالدين، والأول أحسن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

قال مقاتل: خرجوا إلى الله من قبورهم جميعاً، وقال: ﴿ جَمِيعاً ﴾ لأنه لا يغادر أحد إلا بعث.

ويحتمل وجوهاً أخر سوى ذلك: وهو أن قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : أي: لأمر الله؛ أو لوعده الذي وعد أنهم يبعثون.

أو يريد الحكم، الله يحكم في بعثهم.

﴿ وَبَرَزُواْ ﴾ : أي: ظهروا به ووجدوا؛ فيكونون [به] موجودين ظاهرين بعد أن كانوا فائتين ذاهبين غائبين؛ أي: عندهم في الدنيا أنهم [كانوا] فائتين غائبين عن الله؛ فيومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأحوالهم؛ وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ وقوله ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ  ﴾ وأمثاله، أي: يعلمهم مجاهدين صابرين كما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين؛ وكقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ  ﴾ يعلمهم شهوداً كما علمهم غيباً.

فعلى ذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: يكونون له موجودين ظاهرين والله أعلم.

وإضافة البروز إليه في الآخرة وإن كان بروزهم له في الدارين جميعاً، [وكذلك المصير] إليه والمرجع إليه والمآب ونحوه؛ فهو - والله أعلم - لما لا ينازع أحد في البروز في ذلك اليوم؛ وقد ينازعونه في الدنيا.

أو خُصّ ذلك البروز بالإضافة [إليه]؛ لما هو المقصود من إنشائه إياهم وخلقهم؛ ليس المقصود في خلقهم وإنشائهم الأول؛ ولكن الآخر؛ فخص ذلك بالإضافة إليه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء؛ وكأنهم لم يكونوا يعلمون؛ قبل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

قال قائلون: قوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا ﴾ : أي: دافعون عنا من عذاب الله؛ إذ كنّا لكم أتباعاً وأنتم متبوعين؛ فادفعوا عنا ذلك.

لكن هذا بعيد؛ أن يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب؛ فلو قدروا على دفع [ذلك] عنهم؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى؛ كما كان في الدنيا، فللحيرة ما قالوا؛ كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ...

 ﴾ .

والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم، وتحمل بعض لأن مؤنة الأتباع في العرف يتحملها المتبوع؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل بهم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ طلبوا منهم تحمل بعض ما حلَّ بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعاً - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية الله من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ علموا أن الله - عز وجل - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى الله جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أن يهدي أحدا لم يملك، والكفرة - حيث قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ رأوا وعلموا أن الله لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم ﴿ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ ، [وكذلك] قال إبليس: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي  ﴾ أضاف الإغواء إليه؛ وهم يقولون: لا يُغوي الله أحداً، فإبليس [أعلم بهذا] من المعتزلة.

وقولهم: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا.

وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ : لو كان الذي كنا عليه هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع [أن] الأتباع؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنهم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نجزع لعل الله يرحمنا؛ فجزعوا حيناً؛ فلم يرحموا، ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا؛ فلم يرحموا؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار، لكن كأنهم قالوا ذلك بالذي سمعوا؛ وهو قوله: ﴿ فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي: مَنْجىً ومَخْلَص، لا يحتمل أن يقولوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ في أول أحوالهم وأمورهم، ولكن يحتمل ما ذكر أهل التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : أي: أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ؛ وأهل النارِ النار؛ يقوم إبليس خطيباً في النار؛ فخطب كما ذكر.

وقال قائلون: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: مُيّز وبُيّن أهل الجنة من أهل النار؛ قبل أن يدخل أهل النار النار؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيباً فخطب لأتباعه كما ذكر.

ويحتمل قوله: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: لما فرغ من الحساب ومن أمرهم؛ عند ذلك يخطب؛ ما ذكر؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  ﴾ أي: لما فرغ من السماع؛ فعلى ذلك هذا.

وقال بعضهم: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: لما نزل بهم العذاب.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ هو أن الله كان وعد أن يقوم إبليس خطيباً لهم؛ فقضى الأمر؛ أي: أنجز ما وعد؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ...

﴾ الآية [المجادلة: 18] يكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، أو يحتجون فيقولون: إن إبليس هو كان غلبنا وقهرنا؛ لأنه كان يرانا ونحن لم نكن نراه؛ فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك، يحتجون بمثل هذه الخرافات واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيباً بينهم وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ حتى أقهركم وأغلبكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طائعين؛ غير مقهورين ولا مضطرين والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يشبه أن يكون وعده ما وعد على ألسن الرسل: أن البعث، والجنة، والنار، والحساب، والعذاب - كائن لا محالة.

أو جميع ما أوعد من مواعيده - فذلك كله حقّ أي: كائن لا محالة.

﴿ وَوَعَدتُّكُمْ ﴾ .

يحتمل ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ  ﴾ وأمثاله من عِدَاته؛ كانت كلها أماني وغروراً وكذباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ يحتمل السلطان وجهين: أحدهما: أي ما كان لي عليكم من ملك وقهر وغلبة أقهركم وأغلب عليكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طوعاً.

ويحتمل قوله: ﴿ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ : من حجة وبرهان؛ أي: لم يكن لي حجة وبرهان على ما دعوتكم إليه؛ إنما كان لي دعاء ووساوس، وكان مع الرسل حجج وبراهين، فتركتم إجابتهم؛ واستجبتم لي بلا حجة وبرهان؛ أي: لم أقهركم، ولم أغلب عليكم؛ لكن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان له عليهم سلطان القهر والغلبة لكانوا معذورين غير معذبين؛ لأن المقهور والمغلوب مضطر؛ فالمضطر معذور؛ ولكن السلطان هو الحجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

ليس مراده - لعنه الله - أنه لا يلام؛ ولكن مراده: أن ارجعوا إلى لائمة أنفسكم واشتغلوا بها؛ فإن ذلك كان منكم لم يكن مني إلا الدعاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ .

قيل: ما أنا بناصركم وما أنتم بناصري، وقيل: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين لي، وقيل: ما أنا بمانعكم وما أنتم بمانعي، ما نزل بي هذا كله واحد.

وقوله: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ أي: ما أنا بمالك إغاثتكم وإنقاذكم، وما أنتم بمالكي إغاثتي، وإلا لو كان لهم ملك ذلك لفعلوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته؛ أي: كنت بذلك كافراً.

ويحتمل: [ ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته، أي: كنت بذلك كافراً، ويحتمل ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ ﴾ ] أي: تبرّأت اليوم؛ مما أشركتموني مع الله في الطاعة والعبادة من قبل.

أحد التأويلين يرجع إلى أنه يتبرأ في ذلك اليوم؛ وقتما قام خطيباً.

والثاني: إني كنت تبرأت من ذلك في الدنيا، وقتما أشركوه ﴿ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: أذن لهم بالدخول في الجنة.

قوله: ﴿ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ .

الإذن هاهنا كأنه الرحمة؛ أي: خالدين فيها برحمة ربهم.

﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .

[يحتمل السلام الثناء] أي: يثنون على ربهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...

﴾ الآية [فاطر: 34].

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ قال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض، ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام.

وقال بعضهم: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة؛ كما قال: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً...

﴾ الآية [مريم: 62] والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال إبليس حين دخل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهل النارِ النارَ: إن الله وعدكم الوعد الحق، فأنجزكم ما وعدكم، ووعدتكم وعد الباطل فلم أَفِ بما وعدتكم به، وما كان لي من قوة أقهركم بها في الدنيا على الكفر والضلال، لكن دعوتكم إلى الكفر، وزينت لكم المعاصي، فسارعتم إلى اتباعي، فلا تلوموني على ما حصل لكم من الضلال، ولوموا أنفسكم، فهي أولى باللوم، ما أنا بمغيثكم بدفع العذاب عنكم، وما أنتم بمغيثيَّ بدفعه عني، إني كفرت بجعلكم إياي شريكًا لله في العبادة، إن الظالمين -بالشرك بالله في الدنيا والكفر به- لهم عذاب موجع ينتظرهم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.vNn8o"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله