الآية ٢٣ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٢٣ من سورة إبراهيم

وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ۖ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَـٰمٌ ٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 64 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال .

وأن خطيبهم إبليس ، عطف بحال السعداء وأنهم يدخلون يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا ) خالدين فيها ) ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون ، ( بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ) كما قال تعالى : ( حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم ) [ الزمر : 73 ] ، وقال تعالى : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ) [ الرعد : 23 ، 24 ] وقال تعالى : ( ويلقون فيها تحية وسلاما ) [ الفرقان : 75 ] ، وقال : ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) [ يونس : 10 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يقول عز ذكره: وأدخل الذين صدقوا الله ورسوله ، فأقرُّوا بوحدانية الله وبرسالة رُسله.

وأنّ ما جاءت به من عند الله حق ( وعملوا الصالحات ) ، يقول: وعملوا بطاعة الله .

فانتهوا إلى أمر الله ونهيه (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ، بساتين تجري من تحتها الأنهار (خَالِدِينَ فِيهَا) ، يقول ماكثين فيها أبدًا (23) (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) ، يقول: أُدخلوها بأمر الله لهم بالدخول(تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) ، (24) وذلك إن شاء الله كما:- 20657 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال ، قوله: (تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ) ، قال: الملائكة يسلِّمون عليهم في الجنة.

* * * وقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) ، يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تر ، يا محمد ، بعين قلبك ، (25) فتعلم كيف مثَّل الله مثَلا وشبَّه شبَهًا (26) (كَلِمَةً طَيِّبَةً) ، ويعني بالطيبة: الإيمانَ به جل ثناؤه ، (27) كشجرة طَيّبة الثمرة ، وترك ذكر " الثمرة " استغناء بمعرفة السَّامعين عن ذكرها بذكر " الشَّجرة ".

وقوله: ( أصلها ثابت وفرعها في السماء) ، يقول عز ذكره: أصلُ هذه الشجرة ثابتٌ في الأرض " وفرعها " ، وهو أعلاها في " السماء " ، يقول: مرتفع علُوًّا نحوَ السماء.

وقوله: ( تؤتي أكُلَهَا كل حين بإذن ربّها ) ، يقول: تطعم ما يؤكل منها من ثمرها كلّ حين بأمرِ ربها (28) (ويضرب الله الأمثال للناس ) ، يقول: ويمثِّل الله الأمثال للناس ، ويشبّه لهم الأشباهَ (29) ( لعلهم يتذكرون ) ، يقول: ليتذكروا حُجَّة الله عليهم ، فيعتبروا بها ويتعظوا ، فينـزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان.

(30) * * * وقد اختلف أهل التأويل في المعنى بالكلمة الطيبة .

فقال بعضهم: عُني بها إيمانُ المؤمن.

* ذكر من قال ذلك: ------------------------ الهوامش : (23) قوله : " يقول : ماكثين فيها أبدًا " ، ساقط من المطبوعة .

(24) انظر تفسير ألفاظ الآية فيما سلف من فهارس اللغة ( أمن ) ، ( صلح ) ، ( جنن ) ، ( نهر ) ، ( خلد ) ، ( أذن ) .

وانظر تفسير " التحية " فيما سلف 8 : 586 .

(25) انظر تفسير " الرؤية " فيما سلف : 556 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(26) انظر تفسير " ضرب مثلا " فيما سلف 1 : 403 .

(27) انظر تفسير " الطيب " فيما سلف 13 : 165 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(28) انظر تفسير " الأكل " فيما سلف : 472 ، تعليق 3 ، والمراجع هناك .

وتفسير " الإذن " فيما سلف من فهارس اللغة ( أذن ) .

(29) انظر تفسير "ضرب مثلا" فيما سلف 1:403.

(30) انظر تفسير " التذكر " فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر ) .

وانظر القول في " لعل " في مباحث العربية .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلامقوله تعالى : وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات أي في جنات لأن دخلت لا يتعدى ; كما لا يتعدى نقيضه وهو خرجت ، ولا يقاس عليه ; قاله المهدوي .

ولما أخبر تعالى بحال أهل النار أخبر بحال أهل الجنة أيضا .

وقراءة الجماعة أدخل على أنه فعل مبني للمفعول .

وقرأ الحسن وأدخل على الاستقبال والاستئناف .بإذن ربهم أي بأمره .

وقيل : بمشيئته وتيسيره .

وقال : " بإذن ربهم " ولم يقل : بإذني تعظيما وتفخيما .تحيتهم فيها سلام تقدم في يونس والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر عقاب الظالمين ذكر ثواب الطائعين فقال: { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: قاموا بالدين، قولا، وعملا، واعتقادا { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } فيها من اللذات والشهوات ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، { خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } أي: لا بحولهم وقوتهم بل بحول الله وقوته { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ } أي: يحيي بعضهم بعضا بالسلام والتحية والكلام الطيب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ) يسلم بعضهم على بعض ، وتسلم الملائكة عليهم .

وقيل : المحيي بالسلام هو الله عز وجل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين» حال مقدرة «فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها» من الله ومن الملائكة وفيما بينهم «سلام».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وأُدخل الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، لا يخرجون منها أبدًا -بإذن ربهم وحوله وقوته- يُحَيَّوْن فيها بسلام من الله وملائكته والمؤمنين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث عن سوء عاقبة الكافرين .

.

بين - سبحانه ما أعده للمؤمنين من ثواب جزيل ، وأجر عظيم فقال - تعالى - :( وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) .أى : وأدخل الله - تعالى - فى هذا اليوم ، وهو يوم القيامة ، الذين آمنوا بكل ما يجب الإِيمان به ، وعملوا الأعمال الصالحة ، أدخلهم - سبحانه - جنات تجرى تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار ، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا لاموت معه ولا تعب .وجاء التعبير بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع ، وتعجيل البشارة ، وقوله ، ( بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ) أى : بإرادته - سبحانه - وتوفيقه وهدايته لهم .وقوله ( تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ) أى : تحيتهم فى الجنة سلام لهم من خالقهم - عز وجل - ومن الملائكة ، ومن بعضم لبعض .كما قال - تعالى - : ( تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ ) وكما قال - تعالى - : ( وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ .

سَلاَمٌ عَلَيْكُم .

.

.

) وكما قال - سبحانه - : ( وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ) وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت بأبلغ أسلوب بوار أعمال الذين كفروا ، وسوء أحوالهم يوم القيامة ، كما بينت حسن عاقبة المؤمنين ، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما بالغ في شرح أحوال الأشقياء من الوجوه الكثيرة، شرح أحوال السعداء، وقد عرفت أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم، فالمنفعة الخالصة إليها الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وكونها دائمة أشير إليه بقوله: ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ والتعظيم حصل من وجهين: أحدهما: أن تلك المنافع إنما حصلت بإذن الله تعالى وأمره.

والثاني: قوله: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام ﴾ لأن بعضهم يحيي بعضاً بهذه الكلمة، والملائكة يحيونهم بها كما قال: ﴿ جَنَّٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّٰتِهِمْ وَٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ  سَلَٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ  ﴾ والرب الرحيم يحييهم أيضاً بهذه الكلمة كما قال: ﴿ سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ  ﴾ .

واعلم أن السلام مشتق من السلامة وإلا ظهر أن المراد أنهم سلموا من آفات الدنيا وحسراتها أو فنون آلامها وأسقامها، وأنواع غمومها وهمومها، وما أصدق ما قالوا، فإن السلامة من محن عالم الأجسام الكائنة الفاسدة من أعظم النعم، لا سيما إذا حصل بعد الخلاص منها الفوز بالبهجة الروحانية والسعادة الملكية.

المسألة الثانية: قرأ الحسن: ﴿ وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ ﴾ على معنى وأدخلهم أنا، وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ متعلق بما بعده، أي تحيتهم فيها سلام بإذن ربهم.

يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد: ﴿ وأدخل الذين آمنوا ﴾ على فعل المتكلم، بمعنى: وأدخل أنا وهذا دليل على أنه من قول الله، لا من قول إبليس ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ متعلق بأدخل، أي: أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

فإن قلت: فبم يتعلق في القراءة الأخرى، وقولك: وأدخلهم أنا بإذن ربهم، كلام غير ملتئم؟

قلت: الوجه في هذه القراءة أن يتعلق قوله: ﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ بما بعده، أي ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام ﴾ بإذن ربهم، يعني: أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى وأمْرُهُ والمُدْخَلُونَ هُمُ المَلائِكَةُ.

وقُرِئَ « وأدْخَلَ» عَلى التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ فِيها بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وأدخل الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا} عطف على برزوا {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} متعلق بأدخل أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام} هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة أو تسليم الملائكة عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

( أدْخَلُ ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ﴾ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُسْنَدِ إلى المُتَكَلِّمِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إذا اعْتُبِرَتْ هَذِهِ القِراءَةُ مُؤَيِّدَةً لِهَذا القَوْلِ فَلْتُعْتَبَرْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ ( أُدْخِلَ ) بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ مُؤَيِّدَةً لِما قَبْلَهُ فَإنَّ المُدْخَلِينَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَتَأمَّلْ وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا جَمَعَ الفَرِيقَيْنِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ وذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ الكُفّارِ ذَكَرَ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ المُؤْمِنِينَ مِنَ إدْخالِهِمُ الجَنَّةَ ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ أوْ بِتَوْفِيقِهِ وهِدايَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِأُدْخِلَ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارَ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِمْ وعَلَّقَهُ جَماعَةٌ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ .

(23) .

أيْ يُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ بِالسَّلامِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ مَعْمُولِ المَصْدَرِ المُنْحَلِّ بِحَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ وفِعْلٍ عَلَيْهِ وهو غَيْرُ جائِزٍ لِما أنَّ ذَلِكَ في حُكْمِ تَقْدِيمِ جُزْءٍ مِنَ الشَّيْءِ المُرَتَّبِ الأجْزاءِ عَلَيْهِ ورُدَّ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ هُنا غَيْرُ مُنْحَلٍّ إلَيْهِما لِأنَّهُ لَيْسَ المَعْنى المَقْصُودُ مِنهُ أنْ يُحَيَّوْا فِيها بِسَلامٍ ولَوْ سُلِّمَ فَمُرادُ القائِلِ بِالتَّعَلُّقِ التَّعَلُّقُ المَعْنَوِيُّ فالعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ تَحِيَّتُهُمْ ﴾ أيْ يُحَيَّوْنَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ التَّقْدِيمَ جائِزٌ إذا كانَ المَعْمُولُ ظَرْفًا أوْ شِبْهَهُ وهو في الكَلامِ كَثِيرٌ والتَّقْدِيرُ تَكَلَّفٌ ولَيْسَ كُلُّ مُؤَوَّلٍ بِشَيْءٍ حُكْمُهُ حُكْمُ ما أُوِّلَ بِهِ مَعَ أنَّ الظَّرْفَ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةٌ مِنَ الفِعْلِ لِأنَّ لَهُ شَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهِ لِتَنَزُّلِهِ مِنَ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ نَفْسِهِ لِوُقُوعِهِ فِيهِ وعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْهُ ولِهَذا اتَّسَعَ في الظُّرُوفِ ما لَمْ يَتَّسِعْ في غَيْرِها.

اهَـ.

وبِالجَوازِ أقُولُ وإنَّما لَمْ يَجْعَلْهُ المُحَقِّقُونَ مُتَعَلِّقًا بِأُدْخِلَ عَلى تِلْكَ القِراءَةِ مَعَ أنَّهُ سالِمٌ مِنَ الِاعْتِراضِ ومُشْتَمِلٌ عَلى الِالتِفاتِ أوِ التَّجْرِيدِ وهو مِنَ المُحَسِّناتِ لِأنَّ قَوْلَكَ: أدْخَلْتُهُ بِإذْنِي رَكِيكٌ لا يُناسِبُ بَلاغَةَ التَّنْزِيلِ والِالتِفاتُ أوِ التَّجْرِيدُ حاصِلٌ إذا عُلِّقَ بِما بَعْدَهُ أيْضًا.

وفِي الِانْتِصافِ الصّارِفِ عَنْ هَذا الوَجْهِ هو أنَّ ظاهِرَ ( أُدْخِلَ ) بِلَفْظِ المُتَكَلِّمِ يُشْعِرُ بِأنَّ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ لَمْ يَكُنْ بِواسِطَةٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُباشَرَةً وظاهِرُ الإذْنِ يُشْعِرُ بِإضافَةِ الدُّخُولِ إلى الواسِطَةِ فَبَيْنَهُما تَنافُرٌ واسْتُحْسِنَ أنْ يُعَلَّقَ بِخالِدِينَ والخُلُودُ غَيْرُ الدُّخُولِ فَلا تَنافُرَ وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَدْفَعُ الرَّكاكَةَ وكَأنَّهُ لَمّا أنَّ الإذْنَ لِلدُّخُولِ لا لِلِاسْتِمْرارِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وكَوْنُ المُرادِ بِمَشِيئَتِي وتَيْسِيرِي لا يَدْفَعُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأمُّلِ الصّادِقِ فَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ جِنِّيٍّ واسْتَطْيَبَهُ الشَّيْخُ الطَّيِّبِيُّ وارْتَضاهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَن سَلِمَ لَهُ ذَوْقُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: وحدوا الله، وأدّوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهي الأنهار التي ذكر في قوله فِيهَآ: أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: 15] الآية خالِدِينَ فِيها مقيمين في الجنة لا يموتون فيها، ولا يخرجون منها أبدا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ يعني: يسلم بعضهم على بعض.

ويقال: لهم التحية من الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً: معناه: صاروا في البِرَازِ، وهي الأرضُ المتَّسِعَة، فَقالَ الضُّعَفاءُ، وهم الأتْبَاعُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وهم القادة وأهْلُ الرأْي، وقولهم: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ: «المحيصُ» : المفرُّ وَالمَلْجَأَ مأخوذٌ منِ حَاصَ يَحيصُ إِذا نفر وفر ومنه في حديث هِرَقْلَ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلى الأَبْوَابِ» وروي عن ابن زيدٍ، وعن محمد بن كَعْب أن أهْلَ النار يقولُونَ: إِنما نال أَهْلُ الجَنَّةِ الرحْمَةَ بالصبر على طاعة اللَّه، فتعالَوْا فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، فلا ينتفعونَ، فيقولُون: هلمَّ فَلْنَجْزَعْ، فَيَضِجُّونَ ويَصِيحُونَ ويَبْكُونَ خَمْسَمِائَةِ سنة أُخرَى، فحينئذٍ يقولُونَ هذه المقَالَةَ سَواءٌ عَلَيْنا ...

الآية، وظاهر الآية أنهم إِنما يقولونها في مَوْقِفِ العرْض وقْتَ البروز بين يدي الله عزّ وجلّ «١» .

وقوله عزَّ وجلَّ: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ: المراد هنا ب «الشَّيْطَان» إِبليسُ الأَقْدَمُ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من طريق عُقْبَة بنِ عَامِرٍ، أَنه قال: يقوم يومَ القيَامَةِ خَطيبَان أَحدهما: إِبليسْ يقوم في الكَفَرة بهذه الأَلْفَاظِ، والثاني: عيسَى ابنُ مَرْيَمَ يقومُ بقوله: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ...

الآية [المائدة: ١١٧] ، وروي في حديث أنَّ إِبليس إِنما يقوم بهذه الألفاظ في النَّار علَى أهلها عند قولهم: مَا لَنا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم: ٢١] في الآية المتقدِّمة فعلى هذه الرواية، يكون معنى قوله: قُضِيَ الْأَمْرُ، أي: حصل أهْلُ/ النار في النَّار، وأهْلُ الجنة في الجنة، وهو تأويلُ الطبريِّ «٢» .

وقوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ: أي: من حجة بيّنة، وإِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ استثناء منقطعٌ، ويحتملُ أنْ يريد ب «السُّلْطان» في هذه الآية: الغلبة والقُدْرة والمُلْك، أي: ما اضطررتكم، ولا خوَّفتكم بقُوَّة منِّي، بلْ عرضْتُ عليكم شيئاً فأَتَى رأْيُكُمْ عليه.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ أيْ: بِأمْرِ رَبِّهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في (يُونُسَ:١٠) .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ الشَيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ المُرادُ ها هُنا "بِالشَيْطانِ" إبْلِيسُ الأقْدَمُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ في حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ قالَ: « "يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ خَطِيبانِ: أحَدُهُما إبْلِيسُ، يَقُومُ في الكَفَرَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ، والثانِي عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، يَقُومُ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ » وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَقُومُ إبْلِيسُ خَطِيبُ السُوءِ، الصادِقُ بِهَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى مَعْنى هَذِهِ الرِواياتِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ أيْ: تَعَيَّنَ قَوْمٌ لِدُخُولٍ النارِ، وقَوْمٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في المَوْقِفِ.

ورُوِيَ في حَدِيثٍ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَقُومُ بِهَذِهِ الألْفاظِ في النارِ عَلى أهْلِها عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ ما لَنا مِن مَحِيصٍ  ﴾ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ ﴾ ، أيْ: حَصَلَ أهْلُ النارِ في النارِ، وأهْلُ الجَنَّةِ، وهو تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ.

و"قُضِيَ" قَدْ يُعَبَّرُ بِها في الأُمُورِ عن فِعْلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ  ﴾ ، وقَدْ يُعَبَّرُ بِها عن عَزْمٍ عَلى أنْ يَفْعَلَ كَقَوْلُهُ: ﴿ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ  ﴾ .

و"الوَعْدُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الخَيْرِ، أيْ إنَّ اللهَ وعَدَهُمُ النَعِيمَ إنْ آمَنُوا، ووَعَدَهم إبْلِيسُ الظَفَرَ والأمَلَ إنْ كَذَّبُوا، ومَعْلُومٌ اقْتِرانُ وعْدِ اللهِ بِوَعِيدِهِ، واتَّفَقَ أنْ لَمْ يَتَّبِعُوا طَلَبَ وعْدِ اللهِ فَوَقَعُوا في وعِيدِهِ، وجاءَ مِن ذَلِكَ كَأنَّ إبْلِيسَ أخْلَفَهم.

والسُلْطانُ: الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى: إلّا أنَّ النائِبَ عَنِ السُلْطانِ أنْ دَعْوَتُكُمْ، فَيَكُونُ هَذا في المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ: .....................

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ أيْ: رَأيْتُمْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ بِبَصِيرَتِكُمْ، واعْتَقَدْتُمُوهُ الرَأْيَ، وأتى نَظَرُكم عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا المَكانَ يَبْطُلُ مِنهُ التَقْلِيدُ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ ضَعْفٌ عَلى احْتِمالِها، والتَقْلِيدُ وإنَّ كانَ باطِلًا فَفَسادُهُ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسُلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ الغَلَبَةَ والقُدْرَةَ والمُلْكَ، أيْ: ما اضْطَرَرْتُكم ولا خَوَّفْتُكم بِقُوَّةٍ مِنِّي، بَلْ عَرَضْتُ عَلَيْكم شَيْئًا فَأتى رَأْيُكم عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَلُومُونِي ﴾ يُرِيدُ بِزَعْمِهِ: إذْ لا ذَنْبَ لِي، ﴿ وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ في سُوءِ نَظَرِكم وقِلَّةِ تَثَبُّتِكُمْ، فَإنَّكم إنَّما أتَيْتُمُ اتِّباعِي عن بَصِيرَةٍ مِنكم وتَكَسُّبٍ.

و"المُصْرِخُ": المُغِيثُ، والصارِخُ: المُسْتَغِيثُ.

ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كانَ الصُراخُ لَهُ قَطْعُ الظَنابِيبِ فَيُقالُ: "صَرَخَ الرَجُلُ وأصْرَخَ غَيْرَهُ"، وأمّا "الصَرِيخُ" فَهو مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ البَرِيحِ، وَيُوصَفُ بِهِ كَما يُقالُ: "رَجُلٌ عَدْلٌ" ونَحْوِهِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "بِمُصْرِخِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ تَشْبِيهًا بِياءِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: بِمُصْرِخِيِّهِ، ورَّدَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: هي رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ، وقالَ فِيها القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: إنَّها صَوابٌ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ أبا عَمْرٍو حَسَّنَها، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ عَلى أبِي عَمْرٍو.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِما أشْرَكْتُمُونِ ﴾ أيْ: مَعَ اللهِ تَعالى في الطاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُفْرَدَ اللهُ بِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي الآنَ كافِرٌ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللهِ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا تَبِرٍّ مِنهُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ  ﴾ ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ، فَتَكُونُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، يُرِيدُ "اللهَ" تَعالى، أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم فَلا إصْراخَ عِنْدِي، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُدْخِلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَأُدْخِلُ" عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: يَقُولُها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿ مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ ما عَلا مِنها كالغُرَفِ والمَبانِي والأشْجارِ وغَيْرِهِ، و"الخُلُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الدَوامِ، و"الإذْنُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ والإمْضاءِ.

وقَوْلُهُ: "تَحِيَّتُهُمْ" مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الضَمِيرِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا، و"تَحِيَّتُهُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"سَلامٌ" ابْتِداءٌ ثانٍ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، والجَمِيعُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خالِدِينَ"، أو يَكُونُ صِفَةً لِـ "جَنّاتٍ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وبرزوا لله جميعاً ﴾ ، وهو انتقال لوصف حال المؤمنين يومئذٍ بمناسبة ذكر حال المشركين لأن حال المؤمنين يومئذٍ من جملة الأحوال المقصودة بالوصف إظهاراً لتفاوت الأحوال، فلم يدخل المؤمنون يومئذٍ في المنازعة والمجادلة تنزيهاً لهم عن الخوض في تلك الغمرة، مع التنبيه على أنهم حينئذٍ في سلامة ودعة.

ويجوز جعل الواو للحال، أي برزوا وقال الضعفاء وقال الكبراء وقال الشيطان إلخ وقد أدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات، فيكون إشارة إلى أنهم فازوا بنزل الكرامة من أول وهلة.

وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ إشارة إلى العناية والاهتمام، فهو إذن أخص من أمر القضاء العام.

وقوله: {تحيتهم فيها سلام تقدم نظيره في أول سورة يونس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ ﴾ يَعْنِي إبْلِيسُ.

قالَ الحَسَنُ: يَقِفُ إبْلِيسُ يَوْمَ القِيامَةِ خَطِيبًا في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ يَسْمَعُهُ الخَلائِقُ جَمِيعًا.

﴿ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ﴾ يَعْنِي البَعْثَ والجَنَّةَ والنّارَ وثَوابَ المُطِيعِ وعَذابَ العاصِي.

﴿ وَوَعَدْتُكُمْ ﴾ أنْ لا بَعْثَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ ولا ثَوابَ ولا عِقابَ.

﴿ فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ ما أنا بِمُنْجِيكم وما أنْتُمْ بِمُنْجِيَّ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

الثّانِي: ما أنا بِمُغِيثِكم وما أنْتُمْ بِمُغِيثِيَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والمُصْرِخُ: المُغِيثُ.

والصّارِخُ: المُسْتَغِيثُ.

وَمِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: فَلا تَجْزَعُوا إنِّي لَكم غَيْرُ مُصْرِخٍ فَلَيْسَ لَكم عِنْدِي غَناءٌ ولا صَبْرُ ﴿ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنِّي كَفَرْتُ اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ في الدُّنْيا تَدَّعُونَهُ لِي مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: إنِّي كَفَرْتُ قَبْلَكم بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن بَعْدُ؛ لِأنَّ كُفْرَ إبْلِيسَ قَبْلَ كُفْرِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ تَحِيَّةَ أهْلِ الجَنَّةِ إذا تَلاقَوْا فِيها السَّلامُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

الثّانِي: أنَّ التَّحِيَّةَ ها هُنا المُلْكُ، ومَعْناهُ أنَّ مُلْكَهم فِيها دائِمُ السَّلامِ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ في التَّشَهُّدِ: التَّحِيّاتُ لِلَّهِ، أيِ المُلْكُ لِلَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَفي المُحَيِّي لَهم بِالسَّلامِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحَيِّيهِمْ بِالسَّلامِ.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ يُحَيُّونَهم بِالسَّلامِ.

الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَهم يُحَيِّي بَعْضًا بِالسَّلامِ.

وَتَشْبِيهُ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ بِها لِأنَّها ثابِتَةٌ في القَلْبِ كَثُبُوتِ أصْلِ النَّخْلَةِ في الأرْضِ، فَإذا ظَهَرَتْ عَرَجَتْ إلى السَّماءِ كَما يَعْلُو فَرْعُ النَّخْلَةِ نَحْوَ السَّماءِ، فَكُلَّما ذُكِرَتْ نَفَعَتْ، كَما أنَّ النَّخْلَةَ إذا أثْمَرَتْ نَفَعَتْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ قال: الملائكة يسلمون عليهم في الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ﴾ ذكرنا معنى التحية عند قوله: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ  ﴾ قال ابن عباس: يريد أن الله يُحيِّهم بالسلام من عنده، وبعضهم يُحَيِّ بعضا بالسلام (١) ﴿ تَحِيَّتُهُمْ ﴾ مصدر مضاف، فإن جعلته مضافًا إلى الفاعل فهو تحية بعضهم بعضًا، وإن جعلته مضافًا إلى المفعول فهو تحية الله إيّاهم والملائكة، وقد ذكر ابن عباس الوجهين.

(١) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 11، لكنه جعل التحية من الملائكة لا من الله، وفي "تنوير المقباس" ص 271، قال: يسلم بعضهم على بعض إذا تلاقوا، == وخلاصة القول في التحية أنها ثلاثة أنواع: تحية الله لهم، وتحية الملائكة لهم، وتحية بعضهم لبعض، ومن جعلها نوعين فقد جعل تحية الملائكة ضمن تحية الله؛ أي أن الملائكة ينقلون إليهم تحية الله.

انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 255، و"الثعلبي" 7/ 150ب، و"الماوردي" 3/ 131، و"البغوي" 4/ 346، و"الثعلبي" 4/ 11، و"الخازن" 3/ 76، و"تفسير الشوكاني" 3/ 155، و"صديق خان" 6/ 23.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الشيطان ﴾ الكلام يوم القيامة أو في النار يقوله لأهلها ﴿ لَمَّا قُضِيَ الأمر ﴾ إن كان كلام إبليس في القيامة بمعنى قُضي الأمر؛ تعيَّن قومٌ للنار وقومٌ للجنة وإن كان في النار فمعنى قضي الأمر حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة ﴿ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ﴾ استثناء منقطع ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم مغيثين لي ﴿ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ ﴾ ما مصدريه: أي بإشراككم لي مع الله في الطاعة ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يتعلق بأشركتمون ويحتمل أن يتعلق بكفرتم، والأول أظهر وأرجح ﴿ إِنَّ الظالمين ﴾ استئناف من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ يتعلق بأدخل أو بخالدين، والأول أحسن.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الرياح ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع.

الباقون على التوحيد ﴿ خالق السموات والأرض ﴾ بلفظ اسم الفاعل: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بلفظ الفعل.

﴿ سبلنا ﴾ بإسكان الباء حيث كان: أبو عمرو ﴿ لي عليكم ﴾ بفتح الياء: حفص.

﴿ بمصرخي ﴾ بكسر الياء: حمزة.

الآخرون بالفتح ﴿ أشركتموني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق عمرو ويزيد وقتيبة وإسماعيل في الوصل ﴿ البوار ﴾ ممالة: أبو عمرو وعلي: ﴿ ليضلوا ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بضمها.

﴿ لعبادي الذين ﴾ مرسلة: الياء: ابن عامر وحمزة وعلي ويعقوب والأعشى.

الباقون بالفتح.

﴿ من كل ﴾ بالتنوين: يزيد وعباس.

الباقون بالإضافة.

الوقوف: ﴿ عاصف ﴾ ط بناء أن ما بعده مستأنف كأن سائلاً سأل هل يقدرون من أعمالهم ﴿ على شيء ﴾ ط ﴿ البعيد ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ جديد ﴾ ه لا لأن ما بعده يتم معنى الكلام ﴿ بعزيز ﴾ ه ﴿ من شيء ﴾ ط ﴿ لهديناكم ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ فأخلفتكم ﴾ ط ﴿ فاستجبتم لي ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ أنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي ﴿ بمصرخي ﴾ ط الحق أن من قال إن الابتداء بقوله: ﴿ إني كفرت ﴾ قبيح فجوابه أن الكفر بالإشراك واجب كالإيمان ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بإذن ربهم ﴾ ط ﴿ سلام ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ه لا ﴿ ربها ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ من قرار ﴾ ط ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لتكرار اسم الله  في الفعلين مع أن كليهما مستقل بخلاف قوله: ﴿ ويفعل الله ﴾ لأنه في المعنى بيان قوله: ﴿ ويضل الله ﴾ ﴿ وما يشاء ﴾ ه ﴿ البوار ﴾ لا ﴿ جهنم ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً أو حالاً من فاعل ﴿ أحلوا ﴾ أو مم مفعوله أو من كليهما ﴿ يصلونها ﴾ ط ﴿ القرار ﴾ ه ﴿ عن سبيله ﴾ ط ﴿ إلى النار ﴾ ه ﴿ ولا خلال ﴾ ه ﴿ رزقاً لكم ﴾ ط ﴿ بأمره ﴾ ج ﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ دائبين ﴾ ج ﴿ والنهار ﴾ ج لحسن هذه الوقوف مع العطف لتفصيل النعم تنبيهاً على الشكر ﴿ سألتموه ﴾ ط لابتداء الشرط مع تمام الكلام ﴿ لا تحصوها ﴾ ط ﴿ كفار ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في الآيات المتقدمة أنواع عذاب الكفار أراد أن يبين غيابة حسرتهم ونهاية خيبتهم.

فقال: ﴿ مثل الذين ﴾ وارتفاعه عند سيبويه على الابتداء والخبر محذوف أي فيما يتلى أو يقص عليكم مثلهم.

وقوله: ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ جملة مستأنفة على تقدير سؤال سائل يقول: كيف مثلهم.

وقال الفراء: المضاف محذوف أي مثل أعمال الذين كفروا.

وإنما جاز حذفه استغاء بذكره ثانياً.

وقيل: المثل صفة فيها غرابة فأخبر عنها بالجملة المراد صفة الذين كفروا ﴿ أعمالهم كرماد ﴾ كقولك "صفة زيد عرضه مصون وماله غير مخزون" ويجوز أن يكون ﴿ أعاملهم ﴾ بدلاً والخبر ﴿ كرماد ﴾ وحده.

والمراد بأعمال الكفرة المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وعقر الإبل للأضياف وإغاثة الملهوفين وإعانة المظلومين، شبهها في حبوطها - لبنائها على غير أساس التوحيد والإيمان - برماد طيرته الريح في يوم عاصف.

قال الزجاج: جعل العصف لليوم وهو لما فيه يعني الريح مجازواً كقولك "يوم ماطر".

قال الفراء: وإن شئت قلت في يوم ذي عصوف أو في يوم عاصف الريح فحذف لذكره مرة.

وقيل: المراد من أعمالهم عباداتهم للأصنام.

ووجه حسرتهم أنهم أتعبوا أبدانهم فيها دهراً طويلاً.

ثم لم ينتفعوا بذلك بل استضروا به.

وقوله: ﴿ مما كسبوا على شيء ﴾ القياس عكسه كما في "البقرة" لأن "على" من صلة القدرة ولأن مما كسبوا صفة لشيء ولكنه قدم في هذه السورة لأن الكسب - أعني العمل الذي ضرب له المثل - هو المقصود بالذكر ولهذا أشار إليه بقوله: ﴿ ذلك هو الضلال البعيد ﴾ أي عن الحق والثواب.

ثم كان لسائل أن يسأل: كيف يليق بحكمته إضاعة أفعال المكلفين؟

فقال: ﴿ ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق ﴾ مستتبعة للفوائد والحكم دالة على وجود الصانع القدير، فحبوط الأعمال إنما يلزم من كفر المكلفين وكونها غير مبنية على قاعدة الإيمان والإخلاص لا من أنه  يمكن أن يوجد في أفعاله عبث أو خلل أو سهو.

ثم بين كمال قدرته واستغنائه عن الظلم والقبائح وعن عمل كل عامل فقال: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ وقد مر مثله في سورة النساء.

﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ بمتعذر لأنه قادر الذات لا اختصاص له بمقدور.

فإن قيل: الغرض من الآية إظهار القدرة وزجر المكلفين عن المعصية وذلك إنما يتم بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ فما فائدة قوله: ﴿ ويأت بخلق جديد ﴾ وهل فيه دليل على أن الفياض لا يوجد بدون الفيض؟

قلنا: على تقدير تسليمه لا تنحصر الفائدة فيه بل لعل الفائدة هي تأكيد التخويف فإن التألم من تصور العدم المجرد ليس كالتألم من تصور عدمه مع إقامة غيره مقامه، على أن الإذهاب لا يلزم منه الإعدام فيكون شبيهاً بعزل شخص ونصب غيره مقامه.

وللحكيم أن يستدل بقوله: ﴿ يذهبكم ﴾ على أن مادة الجوهر لا تعدم وإنما تنعدم الصور والأعراض.

والجواب أن الإذهاب ههنا بمعنى الإعدام، ولو سلم فلا يلزم من عدم وقوع الإعدام ههنا امتناعه في جميع الصور.

وفيه أنه الحقيق بأن يخشى عقابه ويرجى ثوابه فلذلك أتبعه أحوال الآخرة فقال: ﴿ وبرزوا ﴾ بلفظ الماضي تحقيقاً للوقوع مثل { ﴿ وسيق  ﴾ ﴿ ونادى  ﴾ والتركيب يدل على الظهور بعد الخفاء ومنه "امرأة برزة" إذا كانت تظهر للناس "وبرز فلان على أقرانه" إذا فاقهم.

ومعنى بروزهم لله وهو  لا يخفى عليه شيء أنهم كانوا يستترون عن العيون عند ارتكاب الفواحش ويظنون أن ذلك خافٍ على الله.

فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله عند أنفسهم وعلموا أن الله لا يخفى عليه خافية، أو المضاف محذوف أي برزوا لحساب الله وحكمه.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ وبرزوا لله ﴾ هو المراد من قوله: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ وعلى قواعد الحكماء: النفس إذا فارقت الجسد زال الغطاء وكشف الوطاء وظهرت عليه آثار الملكات والهيئات التي كان يمنعها عن الشعور بها اشتغالها بعالم الحس فذلك هو البروز لله، فإن كانوا من السعداء برزوا لموقف الجمال بصفاتهم القدسية وهيئاتهم النورية، فما أجل تلك الأحوال ويا طوبى لأهل النوال.

وإن كانوا من الأشقياء برزوا لموقف الجلال بأوصافهم الذميمة وهيئاتهم المظلمة، فما أعظم تلك الفضيحة وما أشنع تلك المهانة.

كتب ﴿ الضعفواء ﴾ بواو قبل الهمزة على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو ومثله: ﴿ علماء بني إسرائيل  ﴾ والضعفاء العوام الأراذل، والذين استكبروا سادتهم وأشرافهم الذين استنكفوا عن عبادته  فضلوا وأضلوا.

قال الفراء: أكثر أهل اللغة على أن التبع جمع تابع كخدم وخادم وحرس وحارس.

وجوز الزجاج أن يكون التبع مصدراً أي ذوي أتباع إما في الكفر أو في الأمور الدنيوية ﴿ فهل أنتم مغنون ﴾ هل يمكنكم دفع عذاب الله ﴿ عنا ﴾ ومن في ﴿ من عذاب الله ﴾ للتبيين وفي ﴿ من شيء ﴾ للتبعيض.

والمعنى هل تدفعون عنا بعض الشيء الذي هو عذاب الله أو كلاهما للتبعيض بمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ .

عن ابن عباس: لو أرشدنا الله لأرشدناكم قال الواحدي: معناه أنهم إنما دعوهم إلى الضلال لأن الله أضلهم ولو هداهم لدعوهم إلى الهدى.

وقال في الكشاف: لعلهم قالوا ذلك مع أنه كذبوا فيه كقوله: ﴿ يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم  ﴾ واعترض عليه بأن هذا خلاف مذهبه لأنهم لا يجوّزون صدور الكذب عن أهل القيامة كما مر في أوائل "الأنعام" في قوله: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ وجوز أيضاً أن يكون المراد لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان.

وزيف بأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله.

وقيل: لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لأغنينا عنكم وسلكنا بكم طريق النجاة، ويؤكد هذا التفسير قوله: ﴿ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ﴾ وإعرابه كقوله: ﴿ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم  ﴾ أرادوا إقناطهم من دفع العذاب بالكلية، أو أرادوا أن عتاب الضعفاء لهم وتوبيخهم إياهم نوع من الجزع ولا فائدة فيه ولا في الصبر.

وجوز في الكشاف أن يكون قوله: ﴿ سواء علينا ﴾ الخ من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعاً نظيره في وصل كلام إنسان بكلام إنسان آخر، قوله: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه ﴾ {يوسف: 52] والمحيص المنجي والمهرب مصدر كالمغيب والمحيص، أو مكان كالمبيت والمضيف.

ولما ذكر مناظرة شياطين الإنس أتبعها مناظرة شيطان الجن.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ قطع وفرغ منه وذلك حين انقضاء المحاسبة.

والأكثرون على أنه بعد الحساب ودخول الأشقياء النار والسعداء الجنة.

وعند أهل السنة هو بعد خروج الفساق من النار فليس بعد ذلك إلا الدوام في الجنة أو في النار.

يروى أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيباً في النار فيقول: ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ وعن النبي  : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم يقول الكافرون قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول" .

ووعد الحق من إضافة الموصوف إلى صفته مثل "مسجد الجامع"، أو تأويله وعد اليوم الحق، أو الأمر الحق وهو البعث والجزاء على الأعمال.

وفي الآية إضماران: الأول وعدكم وعد الحق فوفى لكم بما وعدكم.

الثاني ووعدتكم خلاف ذلك فأخلفتكم الوعد.

ووجه الإضمار الأول دلالة الحال عليه لأنهم كانوا يشاهدون وليس وراء العيان بيان، ولأن ذكر نقيضه وهو إخلاف الوعد من الشيطان يغني عنه، ووجه الثاني أيضاً مثل ذلك.

ثم ذكر طريق وسوسته اعتذاراً منهم فقال: ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ من تسلط وقهر فأقسركم على الكفر والمعاصي ﴿ إلا أن دعوتكم ﴾ قال النحويون: هذا الاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السطان فالمراد لكن دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوسة، ويمكن أن يوجه الاستثناء بالاتصال لأن قدرة الإنسان على حمل الغير على عمل من الأعمال تارة تكون بالقسر وتارة بتقوية الداعية في قلبه بإلقاءه الوساوس إليه فهذا نوع من أنواع التسلط.

﴿ فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ﴾ لأنكم ما سمعتم مني إلا الدعاء والتزيين وكنتم سمعتم دلائل الله وشاهدتم مجيء أنبيائه فكان من الواجب عليكم أن لا تغتروا بقولي ولا تلتفتوا إليّ.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة، وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما يزعم المجبرة لقال: "فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" فإن الله قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وقول الشيطان وإن لم يصلح للحجة إلا عدم إنكار الله  عليه حجة.

هذا مع أن أول كلام اللعين مبني على الإنصاف والصدق فكذا ينبغي أن يكون آخره.

قال المحققون: الشيطان الأصلي هو النفس وذلك أن الإنسان إذا أحس بشيء أو أدركه ترتب عليه شعوره بكونه ملائماً له، أو بكونه منافراً له ويتبع هذا الشعور الميل الجازم إلى الفعل أو إلى الترك، وكل هذه الأشياء من شأن النفس ولا مدخل للشيطان في شيء من هذه المقامات إلا بأن يذكره شيئاً من أن الإنسان كان غافلاً عن صورة امرأة فيلقى الشيطان حديثها في خاطره.

وكيف يعقل تمكن الشيطان من النفوذ في داخل أعضاء الإنسان وإلقاء الوسوسة إليه؟

جوابه أن الشيطان إذا كان جسماً لطيفاً والله  ركبه تركيباً عجيباً لا يقبل التفرق والتمزق مع لطافته فلا يستبعد نفوذه في الأجرام الكثيفة كالنار تسري في الفحم وكالدهن في السمسم وإن كان جوهراً نورانياً مجبولاً على الشر، والنفس الإنسانية أيضاً جوهر علوي مجرد فلا يبعد وصول أثر أحدهما إلى الآخر.

وذهب بعض الحكماء إلى أن كل روح من الأرواح البشرية فإنه ينتسب إلى روح معين من الأرواح السماوية، وأنها تتولى إرشاد الأرواح الإنسانية إلى مصالحها بالإلهامات الحسنة في حالتي النوم واليقظة.

هذا إذا كانت خيرة، وأما إذا كانت شريرة فإنها توسوسها بالخواطر والأعمال القبيحة، والقدماء كانوا يسمون كلاً من تلك الأرواح بالطباع التام.

وذكر بعض العلماء احتمالاً آخر وهو أن النفوس البشرية إذا فارقت أبدانها قويت في تلك الصفات التي اكتسبتها في تلك الأبدان وكملت فيها، فإذا حدثت نفس أخرى مشاكلة لتلك النفس المفارقة في بدن مشاكل لبدن تلك النفس المفارقة حدث بين تلك النفس المفارقة وبين هذا البدن نوع تعلق، فتصير تلك النفس المفارقة معاونة لهذه النفس المتعلقة بهذا البدن وتعضدها على أحوالها وأفعالها، فإذا كان هذا المعنى في أبواب الخير كان إلهاماً، وإن كان في باب الشر كان وسوسة.

ثم حكى الله  عن الشيطان أنه قال: ﴿ ما أنا بمصرخكم ﴾ قال ابن عباس: يريد بمعينكم ولا منقذكم.

قال ابن الأعرابي: الصارخ المستغيث والمصرخ المغيث.

صرخ فلان إذا استغاث.

وقال واغوثاه، وأصرخته أي أغثته.

وعاب النحويون على حمزة أنه قرأ: ﴿ وما أنتم بمصرخيّ ﴾ لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف في نحو "عصاي" فما بالها وقبلها ياء.

وحاصل ما عابوا عليه أنه لم يوجد له نظير في استعمال العرب، لكنك تعلم أن القرآن حجة على غيره.

قوله: ﴿ إني كفرت بما أشركتموني ﴾ إن كانت "ما" مصدرية فالمعنى إني كفرت أي أنا جاحد وما كان لي رضا بإشراككم لي في الدنيا مع الله في الطاعة وفي أن لي تدبيراً وتصرفاً في هذا العالم، وإن كانت موصولة على ما قاله الفراء من أن "ما" في معنى "من" كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" فالمراد إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالله الذي أشركتمونيه.

ووجه نظم الكلام على هذا التفسير أن إبليس كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت بالله قبل أن كفرتم، وما كان كفري بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وهذا التقرير يناسب أصول الأشاعرة.

أما قوله: ﴿ إن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ فالأظهر أنه كلام الله، ويشمل إبليس ومن تابعه من الثقلين وليس ببعيد أن يكون من بقية كلام إبليس قطعاً لأطماع أولئك الكفار عن إغاثته.

ثم شرع في أحوال السعداء وقال: ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ الماضي تحقيقاً للوقوع، وقوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ متعلق بـ ﴿ أدخل ﴾ أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره.

وقرأ الحسن ﴿ وأدخل ﴾ على لفظ المتكلم.

قال في الكشاف: فعلى هذا يتعلق قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ بما بعده يعني أن الملائكة يحيونهم بإذن ربهم.

وقد تقدم معنى قوله: ﴿ تحيتهم فيها سلام ﴾ في أول سورة يونس.

ثم لما بين أحوال السعداء وكان قد ذكر أحوال أضدادهم، أراد أن يذكر لكل من الفريقين مثلاً.

قال في الكشاف ﴿ كلمة طيبة ﴾ نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة ﴿ كشجرة طيبة ﴾ وهو تفسير لقوله: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ أو ضرب بمعنى جعل أي جعل الله كلمة طيبة مثلاً.

ثم قال كشجرة طيبة أي هي كشجرة.

وقال صاحب حل العقد: أظن أن الوجه أن يجعل قوله: ﴿ كلمة ﴾ عطف بيان، وقوله: ﴿ كشجرة ﴾ مفعول ثانٍ.

عن ابن عباس: الكلمة الطيبة هي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

والشجرة الطيبة شجرة في الجنة.

وعن ابن عمر: هي النخلة.

وقيل: الكلمة الطيبة كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار والتوبة والدعوة.

والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك.

وقيل: لا حاجة بنا إلى تعيين تلك الشجرة، والمراد أن الشجرة الموصوفة ينبغي لكل عاقل يسعى في تحصيلها وادّخارها لنفسه سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن.

أما صفات الشجرة فالأولى كونها طيبة ويشمل طيب المنظر والشكل والرائحة وطيب الفاكهة المتولدة منها وطيب منافعها والثانية: ﴿ أصلها ثابت ﴾ راسخ آمن من الانقطاع.

ولا شك أن الشيء الطيب إنما يكمل الفرح بحصوله إذا أمن انقراضه وزواله.

والثالثة ﴿ وفرعها في السماء ﴾ أي في جهة العلو وهذا تأكيد لرسوخ أصله فإن الأصل كلما كان أقوى وأرسخ كان الفرع أعلى وأشمخ.

ومن فوائد ارتفاع الأغصان بعدها عن عفونات الأرض ونقاؤها عن القاذورات.

قال في الكشاف: فرعها أعلاها ورأسها، ويجوز أن يريد وفروعها على الاكتفاء بلفظ الجنس.

الصفة الرابعة ﴿ تؤتي أُكلها كل حين ﴾ أي تعطي ثمرها كل وقت وقَّته الله لأثمارها.

وعن ابن عباس: الحين ستة أشهر لأن من حملها إلى صرامها ستة أشهر.

وقال مجاهد وابن زيد: سنة لأن الشجرة من العام إلى العام تحمل الثمرة ولا سيما النخلة إذا تركوا عليها التمر بقي من السنة إلى السنة.

وقال الزجاج: الحين الوقت طال أم قصر.

والمراد أنه ينتفع بها في وقت يفرض ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً ﴿ بإذن ربها ﴾ بتيسير خالقها وتكوينه.

قال المحققون: معرفة الله  والاستغراق في محبته وطاعته هي الشجرة الطيبة بل لا طيب ولا لذيذ إلا هي، لأن المدركات المحسوسة إنما تصير مدركة لملاقاة شيء من المحسوس شيئاً من الحاس.

أما نور معرفة الله وإشراقها فإنما ينفذ ويسري في جميع جواهر النفس حتى إنه يكاد يتحد به.

ثم إن سائر اللذات منقطعة متناهية، ولذة المعرفة لا تكاد تنتهي إلى حد.

وإن عروق هذه الشجرة ثابتة راسخة في جوهر النفس الناطقة ولها شعب وأغصان صاعدة في هواء العالم الروحاني يجمعها التعظيم لأمر الله، ومنشؤها القوة النظرية، وغايتها الحكمة العملية بأقسامها وأصولها وفروعها، وأغصان نابتة في فضاء العالم الجسماني ومنبتها القوة العملية وفائدتها الحكمة الخلقية التي يجمعها الشفقة على خلق الله عموماً وخصوصاً.

وأثر رسوخ شجرة المعرفة في القلب أن يكون نظره للاعتبار ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ وسمعه للحكمة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ونطقه بالصدق والصواب { ﴿ وقولوا قولاً سديداً  ﴾ وكذا الكلام في سائر القوى والأعضاء.

وهنالك مراتب لا تكاد تنحصر بحسب مراتب الاستعدادات.

وإذا صار جوهر النفس كاملاً بحسب هذه الفضائل فقد يكون مكملاً لغيره وذلك قوله: ﴿ تؤتي أكلها كل حين ﴾ .

وفي قوله: ﴿ بإذن ربها ﴾ إشارة إلى أن النظر في جميع هذه المراتب يجب ان يكون على المفيض لا على الفيض، وعلى المنعم لا على النعمة.

و ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ﴾ المبدأ وعرفانه والمعاد وإتيانه فيختار الكمال على النقصان.

وأثر العرفان للمعروف لا للعرفان فيكون حينئذ جوهر النفي كلمة طيبة كما قال في حق عيسى ﴿ كلمة من الله  ﴾ .

وإذا عرفت الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة سهل عليك معرفة ضديهما.

فالكلمة الخبيثة كلمة الشرك أو كل كلمة قبيحة أو كل نفس شريرة، والشجرة الخبيثة الباطل أو كل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والثوم ونحو ذلك.

ومعنى اجتثت استؤصلت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ﴿ ما لها من قرار ﴾ أي من استقرار مصدر كالثبات والنبات.

وعن قتادة أنه قيل لبعض العلماء ما تقول في كلمة خبيثة؟

فقال: ما أعلم لها في الأرض مستقراً ولا في السماء مصعداً إلا أن تلزم عنق صاحبها حتى يوافى بها القيامة.

قلت: وذلك أن الباطل لا قائل به ولا يوافقه فيه من هو بصدد الاعتبار فهو مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد مضمحل زائل.

والحق نقيض ذلك بل الباطل لا يستقر صاحبه عليه ولا يحصل له منه برد اليقين.

وكذا النفس الخبيثة لا تكون لها طمأنينة ولا وقار، تراها أبداً تسعى في الطرق المضلة والسبل المنحرفة كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران.

ولما شبه حال الفريقين بما شبه بين مآل حالهما فقال: ﴿ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ﴾ أي الذي ثبت بالحجة والبرهان وتمكن في قلب صاحبه بحيث لم يكن للتشكيك فيه مجال.

هذا في الحياة الدنيا فلا جرم إذا فتنوا في دينهم لم يزالوا كأصحاب الأخدود والذين نشروا بالمناشير ومشطت لحومهم بأمشاط الحديد، وتثبيتهم في الآخرة أنهم إذا سئلوا في القبول لم يتلعثموا، وإذا وقفوا بين يدي الجبار لم يبهتوا.

عن ابن عباس: من دوام على الشهادة في الحياة الدنيا يثبته الله عليها في قبره ويلقنه إياها.

وقد ورد في حديث سؤال القبر عن البراء بن عازب مثل ذلك.

والسبب العقلي فيه أن المواظبة على الفعل توجب رسوخ الملكة بحيث لا تزول بتبدل الأحوال وتقلب الأطوار.

وإنما فسرت الآخرة ههنا بالقبر لأن الميت ينقطع بالموت عن أحكام الدنيا ويدخل في أحكام الآخرة.

فمعنى الآية يثبت الله الذين آمنوا بالله وبما يجب الإيمان به على ما آمنوا به في الدارين، أو يثبتهم الله فيهما بسبب القول الثابت على القول الثابت.

وقيل: معنى الآية يثبتهم الله على الثواب والكرامة سببب القول الثابت الذي كان يصدر عنهم حال ما كانوا في الحياة الدنيا، وسيصدر عنهم حال ما يكونون في الآخرة.

ويرد عليه أن الآخرة ليست دار عمل وإن كان قوله: ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ متعلقاً بقوله: ﴿ ويثبت ﴾ أي ثبتهم على الثواب في الدارين بسبب القول، ورد عليه أن الدنيا ليست دار ثواب، ويمكن أن يناقش في هذا الإيراد لقوله  : ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ﴿ ويضل الله الظالمين ﴾ الذين وضعوا الباطل موضع الحق والشرك بدل التوحيد في الدارين، فلا جرم إذا سئلوا في قبورهم قالوا لا ندري.

﴿ ويفعل الله ما يشاء ﴾ من التثبيت والإضلال.

ولا اعتراض لأحد عليه أو من منح الألطاف ومنعها كما تقتضيه الحكمة.

ثم عجب من ظالمي مكة بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله ﴾ أي شكر نعمته ﴿ كفراً ﴾ أي وضعوا مكان الشكر الكفر أو بدلوا نفس النعمة كفراً أي سلبوا النعمة فلم يبق معهم إلا الكفر.

وذلك أنه  أسكنهم حرمه ووسع عليهم معايشهم وأكرمهم بمحمد  فلم يقوموا بشكر تلك النعم فضربهم بالقحط سبع سنين وقتلوا يوم بدر وبقي الكفر طوقاً في أعناقهم وأعناق من تابعهم وذلك قوله: ﴿ وأحلوا قومهم دار البوار ﴾ أي الهلاك.

وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف بيان ﴿ وبئس القرار ﴾ أي المقر مصدر سمى به.

قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ من قرأ بضم الياء فاللام للغرض أو للعاقبة، ومن قرأ بفتحها فاللام للعاقبة لأن العاقل لا يريد ضلال نسه ولكنه قد يريد إضلال الغير لمصلحة دنيوية.

وإنما حسن استعمال اللام لأجل العاقبة من حيث إنها تشبه الغاية والغرض من قبل حصولها في آخر المراتب والمشابهة أحد الأمور المصححة للمجاز.

﴿ قل تمتعوا ﴾ أمر وعيد وتهديد.

قال جار الله: فيه إيذان بأنهم لانغماسهم في التمتع بالحاضر مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع هو آمر الشهوة.

والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لأمر الشهوة ﴿ فإن مصيركم إلى النار ﴾ وإنما سمى عيش الكفار تمتعاً لأن إمهالهم في الدنيا على أيّ وجه يفرض يكون أسهل مما أعد لهم في الآخرة من العقاب.

ومن الذين نزل فيهم؟

روي عن عمر أنه قال: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة وبنو أمية.

فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا حتى حين.

وقيل: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه.

ولما أمر الكافرين بالتمتع بنعيم الدنيا تهديداً أمر نبيه  بحث المؤمنين على خلاف ذلك وهو الإقبال على ما ينفعهم في الآخرة فقال: ﴿ قل لعبادي الذين ﴾ المقول محذوف لأن جواب "قل" يدل عليه التقدير: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا.

وجوز بعضهم أن يكون المذكور هو المقول بناء على أنه أمر غائب محذوف اللام.

وإنما حسن الحذف لأن الأمر الذي هو "قل" عوض منه، ولو قيل: "يقيموا الصلاة وينفقوا" ابتداء بحذف اللام لم يجز.

والخلال المخالة أراد أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في هذا اليوم الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مصادقة، وإنما ينتفع بالإنفاق لوجه الله.

ونفي المخالة في هذه الآية وفي قوله في البقرة: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة  ﴾ لا ينافي إثباتها في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين  ﴾ لأن المنفية هي التي سببها ميل الطبيعة ورغبة النفس، والمثبتة هي التي يوجبها الاشتراك في الإيمان العمل الصالح.

ولما ختم أحوال المعاد عاد الى المبدإ فقال: ﴿ الله ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ وقد مر في أول "البقرة" والمراد من السماء جهة العلو.

وقيل: نفس السماء، وزيف بأن الإنسان ربما كان واقفاً على قلة جبل عال ويرى الغيم أسفل منه، وإذا نزل من ذلك الجبل يرى الغيم ماظراً عليه.

﴿ وسخر لكم الفلك ﴾ كقوله في أواسط البقرة ﴿ والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ﴾ {الآية: 164] وقد مر.

ومعنى ﴿ بأمره ﴾ بتيسيره وتسييره لأنه خلق موادها وألهم صنعتها وجعل الماء بحيث يسهل على وجهه جريها، ولأن الملك العظيم قلما يوصف بأنه فعل وإنما يقال إنه أمر بكذا.

ومنهم من حمل الأمر على الظاهر أي بقوله: "كن".

﴿ وسخر لكم الأنهار ﴾ وجه المنة فيها أن البحر قلما ينتفع به في العمارة والزراعة لعمقه ولملوحته ففجر الله الأنهار والعيون والآبار الصالحة للانتفاع بها كما لا يخفى ﴿ وسخر لكم الشمس والقمر ﴾ أي صيرهما تحت تصرفه وتسخيره بحيث يعود انتفاع ذلك عليكم من التسخين والترطيب والإضاءة والإنارة لأنهما مذللان للإنس.

وقوله: ﴿ دائبين ﴾ نصب على الحال.

والدؤوب مرور الشيء في العمل على عادة مطردة أي يدأبان في مسيرهما وإنارتهما وسائر منافعهما وخواصهما، وهكذا معنى التسخير في قوله: ﴿ وسخر لكم الليل والنهار ﴾ أي قدر هذين العرضين المتعاقبين لراحة الإنسان ولمعاشه.

ولما فصل طرفاً من النعم أجمل الباقية منها بقوله: ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ أي بعض جميع ما سألتموه.

ومن قرأ بالتنوين فـ"ما" إما نافية والجملة نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه،أو موصولة بمعنى وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه وطلبتموه بلسان الحال.

ثم بين أن نعم الله على عبيده غير متناهية فقال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ أي لا تقدرون على تعدادها لكثرتها بل لعدم تناهيها.

قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر كالنفقة بمعنى الإنفاق ولهذا لم تجمع.

ومن تأمل في تشريح الأبدان وفي أعضاء الحيوان وأجزائها من العروق الدقاق والأوردة والشرايين وفي كل واحد من الأعضاء البيسطة والمركبة ووقف على منافعها، عرف بعض دقائق نعم الله  على عباده.

وإذا جاوز النفس إلى الآفاق وسير فكره في أحوال الأجسام السفلية والعلوية، وقف من بديع صنعتها وعظيم منفعتها على ما يقضى منه العجب.

وإذا عبر الملك إلى الملكوت تاه في أودية الحيرة والدهشة وتلاشى عقله عند أدنى سرادقات العزة والهيبة.

قال الحكيم: إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها.

أما الذي قبلها فكالخبز والطحن والزرع وغير ذلك من الآلات المعينة والأسباب الفاعلية والقابلية حتى تنتهي إلى الأفلاك والعناصر، وأما الذي بعده فكالقوى المعينة على الجذب والإمساك والهضم والدفع وكالأعضاء الحاملة لتلك القوى وكسائر الأمور النافعة في ذلك الباب خارجة من البدن أو داخلة فيه، فإنها لا تكاد تنحصر.

وإذا كانت نعم الله  في تناول لقمة واحدة تبلغ هذا المبلغ فكيف فيما جاوز ذلك؟

إذا كنت في عالم الأجساد، فإذا تخطيت إلى عالم الأرواح وأجلت طرف عقلك في ميادين القدس وحظائر الأنس وصادفت بعض ما هنالك من الكرامات واللذات فلعلك تعرف حق النعمة إذ تغرق في لجة المنة أو تغرف من نهر المنحة والنعم هنالك على وفق الاستعداد وإدراك النعم بمقدار الفهم والرشاد، فإن كنت أهلاً لها فذاك وإلا فلا تلم إلا نفسك ﴿ إن الإنسان ﴾ أي هذا الجنس ﴿ لظلوم ﴾ يظلم النعمة بإغفال شكرها ﴿ كفار ﴾ شديد الكفران لها وذلك أنه مجبول على النسيان والملالة فلا بد أن يقع في إغفال شكر النعمة إن نسيها، أو في كفران النعمة إذا ملها.

وقيل: ظلوم في الشدائد بالشكاية والجزع كفار في السعة يجمع ويمنع.

واعلم أنه ختم الآية في هذه السورة بما ختم وختمها في النحل بقوله: ﴿ إن الله لغفور رحيم ﴾ وكأنه قال: إن كنت ظلوماً فأنا غفور، وإن كنت كفاراً فأنا رحيم فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير، ولا أجازي جفاك إلا بالوفاء، تلك صفتك في الأخذ وهذه صفتي في الإعطاء.

التأويل: ﴿ وبرزوا ﴾ من القشور الفانية ﴿ لله جميعاً ﴾ من القويّ والضعيف ﴿ فقال الضعفاء ﴾ وهم المقلدة ﴿ للذين استكبروا ﴾ من المبتدعين ﴿ إني كفرت بما أشكرتموني ﴾ آمن اللعين حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿ وأدخل ﴾ فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا خلى وطباعه لا يدخل الجنة لأنه خلق ظلوماً جهولاً سفلي الطبع، وإنما يدخله الله بفضله وعنايته ﴿ جنات ﴾ القلوب ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار الحكمة ﴿ خالدين فيها بإذن ربهم ﴾ أي بعنايته وإلا لم يبق فيها ساعة كما لم يبق آدم.

تحية أهل القلوب على أهل القلوب لسلامة قلوبهم، وتحيتهم على أهل النفوس لمرض قلوبهم ليسلموا من شر نفوسهم ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  ﴾ ﴿ ألم تر ﴾ أي ألم تشاهد بنور النبوّة ﴿ كيف ضرب الله مثلاً ﴾ للاستعداد الإنساني القابل للفيض الإلهي دون سائر مخلوقاته ﴿ كلمة طيبة ﴾ هي كلمة التوحيد ﴿ كشجرة طيبة ﴾ عن لوث الحدوث مثمر إثمار شواهد أنوار القدم ﴿ أصلها ثابت ﴾ في الحضرة الإلهية فإنها صفة قائمة بذاتها ﴿ وفرعها ﴾ في سماء القلوب ﴿ تؤتي أكلها ﴾ من أنوار المشاهدات والمكاشفات ﴿ كل حين ﴾ يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الرب  إليه ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ لمن نسي العهد الأوّل ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ الحالة الأولى فيسعون في إدراكها ﴿ ومثل كلمة ﴾ تتولد من خباثة النفس ﴿ اجتثت من فوق ﴾ أرض البشرية ﴿ ما لها من قرار ﴾ لأنها من الأعمال الفانيات لا من الباقيات الصالحات.

﴿ يثبت الله الذين آمنوا ﴾ يمكنهم في مقام الإيمان بملازمة كلمة لا إله إلا الله والسير في حقائقها ﴿ في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ لأن سير أصحاب الأعمال ينقطع بالموت وسير أرباب الأحوال لا ينقطع أبداً.

﴿ وأحلوا قومهم ﴾ أرواحهم وقلوبهم ونفوسهم وأبدانهم، أنزلوا أبدانهم جهنم البعد ونفوسهم الدركات وقلوبهم العمى والصمم والجهل، وأرواحهم العلوية أسفل سافلين الطبيعة فبدلوا نعم الأخلاق الحميدة كفراً لأوصاف الذميمة ﴿ الله الذي خلق ﴾ سموات القلوب وأرض النفوس ﴿ وأنزل من ﴾ سماء القلوب ﴿ ماء ﴾ الحكمة ﴿ فأخرج به ﴾ ثمرات الطاعات ﴿ رزقاً ﴾ لأرواحكم ﴿ وسخر لكم ﴾ فلك الشريعة ﴿ لتجري في ﴾ بحر الطريقة بأمر الحق لا بالهوى والطبع.

وكم لأرباب الطلب من سفن انكسرت بنكباء الهوى ﴿ وسخر لكم ﴾ أنهار العلوم الدينية وشمس الكشوف وقمر المشاهدات وليل البشرية ونهار الروحانية.

ومعنى التسخير في الكل جعلها أسباباً لاستكمال النفس الإنسانية ﴿ وآتاكم من كل ما سألتموه ﴾ من سائر الأسباب المعينة على ذلك، فجميع العالم بالحقيقة تبع لوجود الإنسان وسبب لكماليته وهو ثمرة شجرة المكونات فلذلك قال: ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ لأن مخلوقاته غير منحصرة ولكها مخلوق لاستكماله ﴿ إن الإنسان لظلوم ﴾ بإفساد استعداده ﴿ كفار ﴾ لا يعرف قدر نعمة الله في حقه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

قوله  : <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

قال مقاتل: خرجوا إلى الله من قبورهم جميعاً، وقال: ﴿ جَمِيعاً ﴾ لأنه لا يغادر أحد إلا بعث.

ويحتمل وجوهاً أخر سوى ذلك: وهو أن قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ﴾ : أي: لأمر الله؛ أو لوعده الذي وعد أنهم يبعثون.

أو يريد الحكم، الله يحكم في بعثهم.

﴿ وَبَرَزُواْ ﴾ : أي: ظهروا به ووجدوا؛ فيكونون [به] موجودين ظاهرين بعد أن كانوا فائتين ذاهبين غائبين؛ أي: عندهم في الدنيا أنهم [كانوا] فائتين غائبين عن الله؛ فيومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأحوالهم؛ وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ وقوله ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ  ﴾ وأمثاله، أي: يعلمهم مجاهدين صابرين كما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين؛ وكقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ  ﴾ يعلمهم شهوداً كما علمهم غيباً.

فعلى ذلك قوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: يكونون له موجودين ظاهرين والله أعلم.

وإضافة البروز إليه في الآخرة وإن كان بروزهم له في الدارين جميعاً، [وكذلك المصير] إليه والمرجع إليه والمآب ونحوه؛ فهو - والله أعلم - لما لا ينازع أحد في البروز في ذلك اليوم؛ وقد ينازعونه في الدنيا.

أو خُصّ ذلك البروز بالإضافة [إليه]؛ لما هو المقصود من إنشائه إياهم وخلقهم؛ ليس المقصود في خلقهم وإنشائهم الأول؛ ولكن الآخر؛ فخص ذلك بالإضافة إليه.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء؛ وكأنهم لم يكونوا يعلمون؛ قبل ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ﴾ .

قال قائلون: قوله: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا ﴾ : أي: دافعون عنا من عذاب الله؛ إذ كنّا لكم أتباعاً وأنتم متبوعين؛ فادفعوا عنا ذلك.

لكن هذا بعيد؛ أن يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب؛ فلو قدروا على دفع [ذلك] عنهم؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى؛ كما كان في الدنيا، فللحيرة ما قالوا؛ كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ...

 ﴾ .

والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم، وتحمل بعض لأن مؤنة الأتباع في العرف يتحملها المتبوع؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل بهم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ  ﴾ طلبوا منهم تحمل بعض ما حلَّ بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعاً - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية الله من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ علموا أن الله - عز وجل - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى الله جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أن يهدي أحدا لم يملك، والكفرة - حيث قالوا: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ رأوا وعلموا أن الله لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم ﴿ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ ، [وكذلك] قال إبليس: ﴿ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي  ﴾ أضاف الإغواء إليه؛ وهم يقولون: لا يُغوي الله أحداً، فإبليس [أعلم بهذا] من المعتزلة.

وقولهم: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ ﴾ أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا.

وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: ﴿ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ : لو كان الذي كنا عليه هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع [أن] الأتباع؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ .

قال أهل التأويل: إنهم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نجزع لعل الله يرحمنا؛ فجزعوا حيناً؛ فلم يرحموا، ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا؛ فلم يرحموا؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار، لكن كأنهم قالوا ذلك بالذي سمعوا؛ وهو قوله: ﴿ فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ أي: مَنْجىً ومَخْلَص، لا يحتمل أن يقولوا: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ في أول أحوالهم وأمورهم، ولكن يحتمل ما ذكر أهل التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : أي: أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ؛ وأهل النارِ النار؛ يقوم إبليس خطيباً في النار؛ فخطب كما ذكر.

وقال قائلون: ﴿ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: مُيّز وبُيّن أهل الجنة من أهل النار؛ قبل أن يدخل أهل النار النار؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيباً فخطب لأتباعه كما ذكر.

ويحتمل قوله: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: لما فرغ من الحساب ومن أمرهم؛ عند ذلك يخطب؛ ما ذكر؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ  ﴾ أي: لما فرغ من السماع؛ فعلى ذلك هذا.

وقال بعضهم: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ أي: لما نزل بهم العذاب.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ هو أن الله كان وعد أن يقوم إبليس خطيباً لهم؛ فقضى الأمر؛ أي: أنجز ما وعد؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ...

﴾ الآية [المجادلة: 18] يكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، أو يحتجون فيقولون: إن إبليس هو كان غلبنا وقهرنا؛ لأنه كان يرانا ونحن لم نكن نراه؛ فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك، يحتجون بمثل هذه الخرافات واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيباً بينهم وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ حتى أقهركم وأغلبكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طائعين؛ غير مقهورين ولا مضطرين والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ ﴾ .

يشبه أن يكون وعده ما وعد على ألسن الرسل: أن البعث، والجنة، والنار، والحساب، والعذاب - كائن لا محالة.

أو جميع ما أوعد من مواعيده - فذلك كله حقّ أي: كائن لا محالة.

﴿ وَوَعَدتُّكُمْ ﴾ .

يحتمل ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ  ﴾ وأمثاله من عِدَاته؛ كانت كلها أماني وغروراً وكذباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ يحتمل السلطان وجهين: أحدهما: أي ما كان لي عليكم من ملك وقهر وغلبة أقهركم وأغلب عليكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طوعاً.

ويحتمل قوله: ﴿ مِّن سُلْطَانٍ ﴾ : من حجة وبرهان؛ أي: لم يكن لي حجة وبرهان على ما دعوتكم إليه؛ إنما كان لي دعاء ووساوس، وكان مع الرسل حجج وبراهين، فتركتم إجابتهم؛ واستجبتم لي بلا حجة وبرهان؛ أي: لم أقهركم، ولم أغلب عليكم؛ لكن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان له عليهم سلطان القهر والغلبة لكانوا معذورين غير معذبين؛ لأن المقهور والمغلوب مضطر؛ فالمضطر معذور؛ ولكن السلطان هو الحجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .

ليس مراده - لعنه الله - أنه لا يلام؛ ولكن مراده: أن ارجعوا إلى لائمة أنفسكم واشتغلوا بها؛ فإن ذلك كان منكم لم يكن مني إلا الدعاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ﴾ .

قيل: ما أنا بناصركم وما أنتم بناصري، وقيل: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين لي، وقيل: ما أنا بمانعكم وما أنتم بمانعي، ما نزل بي هذا كله واحد.

وقوله: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ أي: ما أنا بمالك إغاثتكم وإنقاذكم، وما أنتم بمالكي إغاثتي، وإلا لو كان لهم ملك ذلك لفعلوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ .

أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته؛ أي: كنت بذلك كافراً.

ويحتمل: [ ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته، أي: كنت بذلك كافراً، ويحتمل ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ ﴾ ] أي: تبرّأت اليوم؛ مما أشركتموني مع الله في الطاعة والعبادة من قبل.

أحد التأويلين يرجع إلى أنه يتبرأ في ذلك اليوم؛ وقتما قام خطيباً.

والثاني: إني كنت تبرأت من ذلك في الدنيا، وقتما أشركوه ﴿ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: أذن لهم بالدخول في الجنة.

قوله: ﴿ وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ .

الإذن هاهنا كأنه الرحمة؛ أي: خالدين فيها برحمة ربهم.

﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ .

[يحتمل السلام الثناء] أي: يثنون على ربهم؛ كقوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...

﴾ الآية [فاطر: 34].

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ قال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض، ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام.

وقال بعضهم: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة؛ كما قال: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً...

﴾ الآية [مريم: 62] والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وبخلاف مصير الظالمين أدخل الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات جنات تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ماكثين فيها أبدًا بإذن ربهم وحوله، يُحيّي بعضهم بعضًا، وتحيّيهم الملائكة، ويحيّيهم ربهم سبحانه بالسلام.

<div class="verse-tafsir" id="91.0WREl"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد