الآية ٨ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٨ من سورة إبراهيم

وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) أي : هو غني عن شكر عباده ، وهو الحميد المحمود ، وإن كفره من كفره ، كما قال : ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ) [ الزمر : 7 ] وقال تعالى : ( فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد ) [ التغابن : 6 ] .

وفي صحيح مسلم ، عن أبي ذر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه ، عز وجل ، أنه قال : " يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا .

يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، ما نقص ذلك في ملكي شيئا .

يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، قاموا في صعيد واحد ، فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا ، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر " .

فسبحانه وتعالى الغني الحميد .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وقال موسى لقومه: إن تكفروا ، أيها القوم ، فتجحدوا نعمةَ الله التي أنعمها عليكم ، أنتم ويفعل في ذلك مثل فعلكم مَنْ في الأرض جميعًا (فإن الله لغني) عنكم وعنهم من جميع خلقه ، لا حاجة به إلى شكركم إياه على نعمه عند جميعكم (16) ( حميد ) ، ذُو حمد إلى خلقه بما أنعم به عليهم، (17) كما : - 20589- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن هاشم قال ، أخبرنا سيف ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي: ( فإن الله لغني ) ، قال: غني عن خلقه ( حميد ) ، قال: مُسْتَحْمِدٌ إليهم.

(18) --------------------------- الهوامش : (16) انظر تفسير " الغني " فيما سلف 15 : 145 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(17) انظر تفسير " الحميد " ، فيما سلف قريبًا : 512 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(18) في أساس البلاغة : " استحمد الله إلى خلقه ، بإحسانه إليهم ، وإنعامه عليهم " ، وقد سلف " استحمد " في خبر آخر رقم : 8349 في الجزء 7 : 470 ، وهو مما ينبغي أن يقيد على كتب اللغة الكبرى ، كاللسان والتاج وأشباههما .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أي لا يلحقه بذلك نقص , بل هو الغني .( الحميد ) أي المحمود .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا} فلن تضروا الله شيئا، {فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} فالطاعات لا تزيد في ملكه والمعاصي لا تنقصه، وهو كامل الغنى حميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ليس له من الصفات إلا كل صفة حمد وكمال، ولا من الأسماء إلا كل اسم حسن، ولا من الأفعال إلا كل فعل جميل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ) أي : غني عن خلقه ، حميد : محمود في أفعاله ، لأنه فيها متفضل وعادل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال موسى» لقومه «إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني» عن خلقه «حميد» محمود في صنعه بهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال لهم: إن تكفروا بالله أنتم وجميع أهل الأرض فلن تضروا الله شيئًا؛ فإن الله لغني عن خلقه، مستحق للحمد والثناء، محمود في كل حال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن موسى قد أخبر قومه أن ضرر كفرهم إنما يعود عليهم ، لأن الله - تعالى - غنى عن العالمين فقال - تعالى - : ( وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ) .أى : وقال موسى - عليه السلام - لقومه : إن تجحدوا نعم الله أنتم ومن فى الأرض جميعا من الخلائق ، فلن تضروا الله شيئا ، وإنما ضرر ذلك يعود على الجاحد لنعمه ، والمنحرف عن طريقه ، فإن الله - تعالى - لغنى عن شكركم وشكرهم ، مستحق للحمد من جميع المخلوقين طوعا وكرها .ويبدو من سياق الآية الكريمة أن موسى - عليه السلام - إنما قال لقومه ذلك ، بعد أن شاهد منهم علامات الإِصرار على الكفر والفساد ، وترجح لديه أنهم قوم لا ينفعهم الترغيب ولا لتعريض بالترهيب ، ولمس منهم أنهم يمنون عليه أو على الله - تعالى - بطاعاتهم فأراد بهذا القول أن يزجرهم عن الإِدلال بإيمانهم ، والمن بطاعتهم .فالغرض الذى سبقت له الآية إنما هو بيان أن منفعة الطاعة والشكر والإِيمان إنما تعود على الطائعين الشاكرين المؤمنين ، وأن مضرة الجحود والكفران إنما تعود على الجاحدين الكافرين .

أما الله - تعالى - فلن تنفعه طاعة المطيع ، ولن تضره معصية العاصى .ففى الحديث القدسى الذى رواه الإِمام مسلم فى صحيحه عن أبى ذر الغفارى ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال : " يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك فى ملكى شيئا .يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئا .يا عبادى لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر " .وبذلك نرى الآيات الكريمة قد زخرت بالتوجيهات القرآنية الحكيمة ، التى ساقها الله - تعالى - على لسان موسى - عليه السلام - وهو يعظ قومه ، ويذكرهم بأيام الله ، وبسننه فى خلقه ، وبغناه عنهم .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا وفي الآخرة، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة، بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران أما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران، فلا جرم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ والغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة إلى المعبود، والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله: ﴿ إِنَّ الله لَغَنِىٌّ ﴾ وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته، لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن كونه غنياً يوجب كونه واجب الوجود في ذاته، وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته، كان أيضاً واجب الوجود بحسب جميع كمالاته، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل، فحينئذ لا يكون غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته، وإذا كان الأمر كذلك كان حميداً لذاته، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنياً حميداً يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين، ولا ينتقص بكفران الكافرين، فلهذا المعنى قال: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ وهذه المعاني من لطائف الأسرار.

واعلم أن قولنا: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا ﴾ سواء حمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ وذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطاباً من موسى عليه السلام لقومه والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى، والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم.

واعلم أنه تعالى ذكر أقواماً ثلاثة، وهم: قوم نوح وعاد وثمود.

ثم قال تعالى: ﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ وذكر صاحب الكشاف فيه احتمالين: الأول: أن يكون قوله: ﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً.

والثاني: أن يقال قوله: ﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ ﴾ معطوف على قوم نوح وعاد وثمود وقوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ فيه قولان: القول الأول: أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله، لأن المذكور في القرآن جملة فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل.

والقول الثاني: أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلاً كذبوا رسلاً لم نعرفهم أصلاً، ولا يعلمهم إلا الله والقائلون بهذا القول الثاني طعنوا في قول من يصل الأنساب إلى آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد، وعن ابن عباس: بين عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن أدد.

وقال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق» قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع على مقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت، لأنه إن أمكن ذلك لم يبعد أيضاً تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

فإن قيل: أي القولين أولى؟

قلنا: القول الثاني عندي أقرب، لأن قوله تعالى: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ نفى العلم بهم، وذلك يقتضي نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة، وكان المجهول هو مدد أعمارهم وكيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم، ولما كان ظاهر الآية دليلاً على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور: أولها: قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ وفي معناه قولان: الأول: أن المراد باليد والفم الجارحتان المعلومتان، والثاني: أن المراد بهما شيء غير هاتين الجارحتين وإنما ذكرهما مجازاً وتوسعاً.

أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون الضمير في ﴿ أَيْدِيَهُمْ ﴾ و ﴿ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ عائداً إلى الكفار، وعلى هذا ففيه احتمالات: الأول: أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ  ﴾ وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى، وهو اختيار القاضي.

والثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك فوضع يده على فيه، والثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث، وهذا مروي عن الكلبي.

والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به، أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه، وليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ .

الوجه الثاني: أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام وفيه وجهان: الأول: أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم.

الثاني: أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاماً عند قوم وأنكروه وخافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكرم ألبتة.

الوجه الثالث: أن يكون الضمير في أيديهم يرجع إلى الكفار وفي الأفواه إلى الرسل وفيه وجهان: الأول: أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام ونصائحهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم ورداً عليهم.

والثاني: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعاً لهم من الكلام، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك.

أما على القول الثاني: وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه: الوجه الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج وذلك لأن أسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يداً.

يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفاً، وقد يذكر اليد.

المراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد، وأيضاً العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي، وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ  ﴾ فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع رداً في الأفواه، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه.

الوجه الثاني: نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب، رد يده في فيه وتقول العرب كلمت فلاناً في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال: إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ .

الوجه الثالث: المراد من الأيدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة والإبطال فقوله: ﴿ رَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي ردوا نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم ولا يبعد حمل في على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع إقامة بعضها مقام بعض.

النوع الثاني: من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ والمعنى: إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا.

واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام وحاولوا إسكات الأنبياء عن تلك الدعوى، وهذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة.

والنوع الثالث: قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ تَدْعُونَا ﴾ بادغام النون ﴿ مُرِيبٍ ﴾ موقع في الريبة أو ذي ريبة من أرابه، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر.

فإن قيل: لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم؟

قلنا: كأنهم قالوا إما أن نكون كافرين برسالتكم أو أن ندع هذا الجزم واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالَ موسى ﴾ إن كفرتم أنتم يا بني إسرائيل والناس كلهم، فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي لابد لكم منه وأنتم إليه محاويج، والله غني عن شكركم ﴿ حَمِيدٌ ﴾ مستوجب للحمد بكثرة أنعمه وأياديه، وإن لم يحمده الحامدون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ أيْضًا مِن كَلامِ مُوسى  ، وتَأذَّنَ بِمَعْنى آذَنَ كَتَوَعَّدَ وأوْعَدَ غَيْرَ أنَّهُ أبْلَغُ لِما في التَّفَعُّلِ مِن مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُبالَغَةِ.

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم مِنَ الإنْجاءِ وغَيْرِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿ لأزِيدَنَّكُمْ ﴾ نِعْمَةً إلى نِعْمَةٍ.

﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ ما أنْعَمْتُ عَلَيْكم.

﴿ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم عَلى الكُفْرانِ عَذابًا شَدِيدًا ومِن عادَةِ أكْرَمِ الأكْرَمِينَ أنْ يُصَرِّحَ بِالوَعْدِ ويُعَرِّضَ بِالوَعِيدِ، والجُمْلَةُ مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ أوْ مَفْعُولُ ﴿ تَأذَّنَ ﴾ عَلى أنَّهُ جارٍ مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ.

﴿ وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ ﴾ عَنْ شُكْرِكم.

﴿ حَمِيدٌ ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ في ذاتِهِ، مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ وتَنْطِقُ بِنِعْمَتِهِ ذَرّاتُ المَخْلُوقاتِ، فَما ضَرَرْتُمْ بِالكَفْرِ إلّا أنْفُسَكم حَيْثُ حَرَمْتُمُوها مَزِيدَ الأنْعامِ وعَرَّضْتُمُوها لِلْعَذابِ الشَّدِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ} يا بني إسرائيل {وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً} والناس كلهم {فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ} عن شكركم {حَمِيدٌ} وإن لم يحمده الحامدون وأنم ضررتم أنفسكم حيث حرمتموها الخير الذي لا بد لكم منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ مُوسى ﴾ لَهم: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ نِعَمَهُ سُبْحانَهُ ولَمْ تَشْكُرُوها ﴿ أنْتُمْ ﴾ يا بَنِي إسْرائِيلَ ومَن في الأرْضِ مِنَ النّاسِ وقِيلَ مِنَ الخَلائِقِ ﴿ جَمِيعًا ﴾ لَمْ يَتَضَرَّرْ هو سُبْحانَهُ وإنَّما يَتَضَرَّرُ مَن يَكْفُرُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ ﴾ عَنْ شُكْرِكم وشُكْرِهِمْ ﴿ حَمِيدٌ ﴾ .

(8) .

مُسْتَوْجِبٌ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ تَعالى لِكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ مِن أيادِيهِ وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ أوْ مَحْمُودٌ تَحْمَدُهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ ناطِقَةٌ بِحَمْدِهِ والحَمْدُ حَيْثُ كانَ بِمُقابَلَةِ النِّعْمَةِ وغَيْرِها مِنَ الفَضائِلِ كانَ أدَلَّ عَلى كَمالِهِ جَلَّ وعَلا وهو تَعْلِيلٌ لِما حُذِفَ مِن جَوابِ ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ كَما أشَرْنا إلَيْهِ ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهم أوَّلًا بِنَعْمائِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ صَرِيحًا وضَمَّنَهُ بِذِكْرِ ما أصابَهم مِنَ الضَّرّاءِ وأمَرَهم ثانِيًا بِذِكْرِ ما جَرى مِنهُ سُبْحانَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالزِّيادَةِ عَلى الشُّكْرِ والوَعِيدِ بِالعَذابِ عَلى الكُفْرِ وحَقَّقَ لَهم مَضْمُونَ ذَلِكَ وحَذَّرَهم مِن عِنْدِ نَفْسِهِ عَنِ الكُفْرانِ ثالِثًا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يعني: من فرعون وآله، كما قال في آية أخرى: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ [الأنفال: 54] يعني: فرعون وآله.

يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يقول: يعذبونكم بأشد العقاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الصغار وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يعني: يستخدمون نساءكم وَفِي ذلِكُمْ يعني: ذبح الأبناء، واستخدام النساء، بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ يعني: بلية عظيمة لكم من خالقكم.

ويقال: في إنجاء الله نعمة عظيمة لكم.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ يعني: قد قال ربكم.

ويقال: أعلم ربكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ نعمتي عليكم لَأَزِيدَنَّكُمْ من النعمة وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ بتوحيد الله وجحدتم نعمتي عليكم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ في الآخرة.

قال الفقيه: حدثنا أبي رحمه الله بإسناده عن أبي هريرة أنه قال: «من رزق ستاً لم يحرم ستاً.

من رزق الشكر لم يحرم الزيادة لقوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ومن رزق الصبر لم يحرم الثواب لقوله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: 10] ومن رزق التوبة لم يحرم القبول لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: 25] ومن رزق الاستغفار لم يحرم المغفرة لقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: 10] ومن رزق الدعاء لم يحرم الإجابة لقوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ومن رزق النفقة لم يحرم الخلف لقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: 39] .

قوله تعالى: وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: إن جحدتم نعمة الله ولم تؤمنوا به فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ يعني: غنيا عن إيمانكم وطاعتكم حَمِيدٌ لمن عبده منكم بالمغفرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...

الآية، هذه الآيةُ طعن وردّ على المستغربين أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه لموسَى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: أي: عظْهم بالتهديدِ بِنِقَمِ اللَّهِ التي/ أحلَّها بالأمم الكَافرة قَبْلهم، وبالتَّعْديدِ لنعمه علَيْهم، وعَبَّرَ عن النعم وَالنِّقَمِ ب «الأَيَّامِ» إِذ هي في أيامٍ، وفي هذه العبارةِ تعظيمُ هذه الكوائنِ المذكَّر بها، وفي الحديثِ الصحيحِ:

«بَيْنَمَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ أيَّامَ اللَّهِ ...

» الحديث، في قصة موسَى مع الخَضِرِ.

قال عياضٌ في «الإِكمال» : «أَيَّامِ الله» : نَعْمَاؤه وبلاؤه، انتهى.

وقال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: قال: بِنِعَمِ اللَّهِ» وعن قتادة: لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: قال: نعْمَ، واللَّهِ، العبدُ إِذا ابتلي صَبَرَ، وإِذا أُعْطِيَ شَكَرَ.

انتهى «١» .

وقال ابنُ العربيِّ في «أَحكامه» : وفي بِأَيَّامِ اللَّهِ قولان: أحدهما: نعمه.

والثاني:

نقمه.

انتهى.

وقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ...

الآية: «تأَذَّن» : بمعنى آذَنَ، أي: أعلم.

قال بعضُ العلماء: الزيادةُ على الشُّكر ليستْ في الدنيا، وإِنما هي مِنْ نعم الآخرةِ، والدنيا أهْوَنُ من ذلك.

قال ع «٢» : وجائزٌ أن يزيدَ اللَّه المؤمِنَ علَى شُكْره من نعمِ الدنيا والآخرةِ، «والكُفْرِ» هنا: يحتمل أن يكون على بابه، ويحتملُ أنْ يكون كفرَ النِّعَمِ، لا كفر الجحد،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ.

والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ.

رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.

يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ.

وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] .

﴿ قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في تَوْحِيدِهِ ﴿ يَدْعُوكُمْ ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ  ﴾ ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ.

﴿ قالُوا ﴾ لِلرُّسُلِ ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿ وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا.

والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ.

وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا  لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الإسْكانُ ﴿ لِمَن خافَ مَقامِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ  ﴾ أيْ: رِزْقِي إيّاكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخافَ وعِيدِ ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِعَمِ، وكانَ يَوْمُ الإنْجاءِ عَظِيمًا لِعِظَمِ الكائِنِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وقَصَصُها بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ، غَيْرَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: "وَيُذَبِّحُونَ" وفي البَقَرَةِ: "يُذَبِّحُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، فَهُناكَ فُسِّرَ (سُوءُ العَذابِ) بِأنَّهُ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ، وهُنا دَلَّ بِـ (سُوءِ العَذابِ) عَلى أنْواعٍ غَيْرِ التَذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، وعُطِفَ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ عَلَيْها.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَذْبَحُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والباءُ مُخَفَّفَةٌ.

و"البَلاءُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المِحْنَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الِاخْتِبارَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

و(تَأذَّنَ) بِمَعْنى: أذَّنَ، أيْ: أعْلَمَ، وهو مِثْلُ: أكْرَمَ وتَكَرَّمَ، وأوعَدَ وتَوَعَّدَ، وهَذا الإعْلامُ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وقَضاءٍ قَدْ سَبَقَهُ، وما في "تَفَعَّلَ" هَذِهِ مِنَ المُحاوَلَةِ والشُرُوعِ إذا أُسْنِدَتْ إلى البَشَرِ مَنفِيٌّ في جِهَةِ اللهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: تَعَلَّمَ بِمَعْنى: أعْلَمَ، فَمَرْفُوضُ الماضِي عَلى ما ذَكَرَ يَعْقُوبُ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَعَلَّمْ - أبَيْتَ اللَعْنَ..........................

ونَحْوِهِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الزِيادَةُ عَلى الشُكْرِ لَيْسَتْ في الدُنْيا، وإنَّما هي مِن نِعَمِ الآخِرَةِ، والدُنْيا أهْوَنُ مِن ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وصَحِيحٌ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وأنْ يَزِيدَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ عَلى شُكْرِهِ مِن نِعَمِ الدُنْيا، وأنْ يَزِيدَهُ أيْضًا مِنهُما جَمِيعًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْجِيَةٌ وتَخْوِيفٌ، ومِمّا يَقْضِي بِأنَّ الشُكْرَ مُتَضَمِّنَ الإيمانِ أنَّهُ عادَلَهُ بِالكُفْرِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ كُفْرَ النِعَمِ لا كُفْرَ الجَحْدِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُما قالا: مَعْنى الآيَةِ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ هو قَوِيٌّ حَسَنٌ فَتَأمَّلْهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ.

في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِشَرْطِ كُفْرِهِمْ وتَوْبِيخٌ، وذَلِكَ بَيِّنٌ في الصِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ وصَفَ بِهِما نَفْسَهُ تَبارَكَ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: "لَغَنِيٌّ" يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم وعَظَمَتَهُ.

وقَوْلُهُ: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ المَحامِدَ كُلَّها دائِمًا كَذَلِكَ في ذاتِهِ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، فَكُفْرُكم أنْتُمْ بِإلَهٍ هَذِهِ حالُهُ غايَةُ التَخَلُّفِ والخِذْلانِ، وفي قَوْلِهِ أيْضًا: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ أنَّهُ ذُو آلاءٍ عَلَيْكم أيُّها الكافِرُونَ بِهِ كانَ يَسْتَوْجِبُ بِها حَمْدَكُمْ، فَكُفْرُكم بِهِ مَعَ ذَلِكَ أذْهَبُ في الضَلالِ، وهَذا تَوْبِيخٌ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِقَمِ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ ﴾ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا  ﴾ ، وفي مِثْلِ هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كَذَبَ النَسّابُونَ مِن فَوْقِ عَدْنانَ"،» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ زَمَنِ مُوسى وبَيْنَ زَمَنِ نُوحٍ قُرُونٌ ثَلاثُونَ لا يَعْلَمُهم إلّا اللهُ"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الوُقُوفُ عَلى عِدَّتِهِمْ بِعِيدٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِها جُمْلَةً أصَحُّ، وهو لَفْظُ القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ بِحَسَبِ احْتِمالِ اللَفْظِ، و"الأيْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى الجَوارِحِ، وقَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى أيْدِي النِعَمِ فِيما ذُكِرَ، عَلى أنَّ "الأيْدِي" هي الجَوارِحُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: رَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ عَضًّا عَلَيْها مِنَ الغَيْظِ عَلى الرُسُلِ، ومُبالَغَةً في التَكْذِيبِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ ابْنٍ عَبّاسٍ: عَجِبُوا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، والعَضُّ مِنَ الغَيْظِ مَشْهُورٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ  ﴾ ، وقالَ الشاعِرُ: قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا وقالَ الآخَرُ: لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ودِقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عَوَّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ ومِمّا ذُكِرَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ورَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُسُلِ تَسْكِينًا لَهُمْ، ودَفْعًا في صَدْرِ قَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أشْنَعُ في الرَدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُسُلِ والنَيْلِ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الألْفاظُ مَعْنًى رابِعًا، وهو أنْ يُتَجَوَّزَ في لَفْظِ الأيْدِي، أيْ إنَّهم رَدُّوا أقْوالَهم ومُكافَحَتَهم ومُدافَعَتَهم فِيما قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَكْذِيبِ، فَكَأنَّ المَعْنى: رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ، أيْ في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عن جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي إذِ الأيْدِي مَوْضِعٍ لِشَدِّ المُدافَعَةِ والمُرادَّةِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ قَوْلًا ضَعِيفًا، وهو أنَّ المَعْنى: أخَذُوا أيْدِيَ الرُسُلِ فَجَعَلُوها في أفْواهِ الرُسُلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي لا وجْهَ لَهُ.

ومِمّا ذُكِرَ عَلى أنَّ "الأيْدِي" أيادِي النِعَمِ ما ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وذَلِكَ أنَّهم رَدُّوا مِنَ الرُسُلِ في الإنْذارِ والتَبْلِيغِ بِأفْواهِهِمْ، أيْ بِأقْوالِهِمْ، فَوَصَلَ الفِعْلُ بِـ "فِي" عِوَضَ وُصُولِهِ بِـ "الباءِ"، ورَوِيَ نَحْوُهُ عن مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والمَشْهُورُ جَمْعُ "يَدِ" النِعْمَةِ عَلى "أيادٍ"، ولا يُجْمَعُ عَلى "أيْدٍ"، إلّا أنَّ جَمْعَهُ عَلى "أيْدٍ" لا يَكْسِرُ بابًا ولا يَنْقُضُ أصْلًا وبِحَسْبِنا أنَّ الزَجّاجَ قَدَّرَهُ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ -عَلى هَذا- مَعْنًى ثانِيًا، أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ: رَدُّوا إنْعامَ الرُسُلِ في أفْواهِ الرُسُلِ، أيْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، كَما تَقُولُ لِمَن لا يُعْجِبُكَ كَلامُهُ: أمْسِكْ يا فُلانُ كَلامَكَ في فِيكَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ أيْدِي الرُسُلِ أقْوالًا ساغَ هَذا فِيها، كَما تَقُولُ: كَسَرْتُ كَلامَ فَلانٍ في فَمِهِ، أيْ: رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ وقَطَعْتُهُ بِقِلَّةِ القَبُولِ وبِالرَدِّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: رَدُّوا نِعَمَ الرُسُلِ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ بِالتَكْذِيبِ والنَجْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم شَكُّوا في صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ وأقْوالِهِمْ أو كَذَّبُوها، وتَوَقَّفُوا في إمْضاءِ أحَدِ المُعْتَقَدَيْنِ، ثُمَّ ارْتابُوا بِالمُعْتَقَدِ الواحِدِ في صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، فَجاءَهم شَكٌّ مُؤَكَّدٌ بِارْتِيابٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرَّفٍ: " مِمّا تَدْعُوَنّا " بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد فعل القول في عطف بعض كلام موسى عليه السلام على بعض لِئَلا يتوهّم أن هذا مما تأذّن به الرب وإنما هو تنبيه على كلام الله.

وفي إعادة فِعل القول اهتمام بهذه الجملة وتنويه بها حتى تبرز مستقلة وحتى يصغي إليها السامعون للقرآن.

ووجه الاهتمام بها أن أكثر الكفار يحسبون أنهم يحسنون إلى الله بإيمانهم، وأن أنبياءهم حين يلحّون عليهم بالإيمان إنما يبتغون بذلك تعزيز جانبهم والحرصَ على مصحلتهم.

فلمّا وعدهم على الشكر بالزيادة وأوعدهم على الكفر بالعقوبة خشي أن يحسبوا ذلك لانتقام المثيب بما أثاب عليه، ولتضرّره مما عاقب عليه، فنبّههم إلى هذا الخاطر الشيطاني حتى لا يسري إلى نفوسهم فيكسبهم إدْلاَلاً بالإيمان والشكر والإقلاع عن الكفر.

و ﴿ أنتم ﴾ فصل بين المعطوف والمعطوف عليه إذ كان هذا المعطوف عليه ضميراً متّصلاً.

و ﴿ جميعاً ﴾ تأكيد لمن في الأرض للتنصيص على العموم.

وتقدم نظيره ونصبه غيرَ بعيد.

والغنيّ: الذي لا حاجة له في شيء، فدخل في عموم غناه أنه غني عن الذين يكفرون به.

والحميد: المحمود.

والمعنى: أنه محمود من غيركم مستغن عن حمدكم؛ على أنهم لو كفروا به لكانوا حامدين بلسان حالهم كرهاً، فإنّ كل نعمة تنالهم فيحمدونها فإنما يحمدون الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ [سورة الرعد: 15].

وهذه الآية تضمنت ما في الفقرات (30 إلى 33) من الإصحاح (32) من سفر الخروج } .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نِعْمَةٌ مِن رَبِّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

الثّانِي: شِدَّةُ البَلِيَّةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّالِثُ: اخْتِبارٌ وامْتِحانٌ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإذْ سَمِعَ رَبُّكم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: وإذا قالَ رَبُّكم، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ وإذْ أعْلَمَكم رَبُّكم، ومِنهُ الأذانُ لِأنَّهُ إعْلامٌ، قالَ الشّاعِرُ: فَلَمْ نَشْعُرْ بِضَوْءِ الصُّبْحِ حَتّى سَمِعْنا في مَجالِسِنا الأذِينا ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ.

الثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعْمَتِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمْ وأطَعْتُمْ لَأزِيدَنَّكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا رابِعًا: لَئِنْ آمَنتُمْ لَأزِيدَنَّكم مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ إلى نَعِيمِ الدُّنْيا.

وَسُئِلَ بَعْضُ الصُّلَحاءِ عَلى شُكْرِ اللَّهِ تَعالى.

فَقالَ: أنْ لا تَتَقَوّى بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ.

وَحُكِيَ أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أيْ رَبِّ كَيْفَ أشْكُرُكَ وشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ مُجَدَّدَةٌ مِنكَ عَلَيَّ؟

قالَ: (يا داوُدُ الآنَ شَكَرْتَنِي) .

﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ﴾ وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِالزِّيادَةِ عَلى الشُّكْرِ، وبِالعَذابِ عَلى الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ قال: أخبرهم موسى عليه السلام عن ربه عز وجل، أنهم إن شكروا النعمة، زادهم من فضله وأوسع لهم في الرزق، وأظهرهم على العالمين.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإن تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ قال: حق على الله أن يعطي من سأله ويزيد من شكره، والله منعم يحب الشاكرين، فاشكروا لله نَعَمَهُ.

وأخرج ابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ قال: من طاعتي.

وأخرج ابن المبارك وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان، عن علي بن صالح رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن سفيان الثوري رضي الله عنه في قوله: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ قال: لا تذهب أنفسكم إلى الدنيا، فإنها أهون على الله من ذلك.

ولكن، يقول ﴿ لئن شكرتم ﴾ هذه النعمة إنها مني ﴿ لأزيدنكم ﴾ من طاعتي.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي زهير يحيى بن عطارد بن مصعب، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أعطي أحد أربعة فمنع أربعة، ما أعطي أحد الشكر فمنع الزيادة، لأن الله تعالى يقول ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وما أعطي أحد الدعاء فمنع الإِجابة، لأن الله يقول ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 29] وما أعطي أحد الاستغفار فمنع المغفرة؛ لأن الله يقول ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ [ نوح: 10] وما أعطي أحد التوبة فمنع التقبل؛ لأن الله يقول ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ [ الشورى: 25] » وأخرج أحمد والبيهقي، عن أنس رضي الله عنه قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم سائل، فأمر له بتمرة فلم يأخذها، وأتاه آخر، فأمر له بتمرة فقبلها وقال: تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال للجارية: اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهماً التي عندها» .

وأخرج البيهقي عن أنس- رضي الله عنه-: «أن سائلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة، فقال الرجل: سبحان الله!...

نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة؟

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن فيها مثاقيل ذر كثيرة؟

فأتاه آخر فسأله فأعطاه، فقال: تمرة من نبي، لا تفارقني هذه التمرة ما بقيت، ولا أزال أرجو بركتها أبداً.

فأمر له النبي صلى الله عليه وسلم بمعروف، وما لبث الرجل أن استغنى» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال- لما قال له سفيان الثوري- رضي الله عنه-: لا أقوم حتى تحدثني- قال جعفر- رضي الله عنه-: أما أني أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان، إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها، فأكثر من الحمد والشكر عليها، فإن الله تعالى قال في كتابه ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ وإذا استبطأت الرزق، فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً.

يمددكم بأموال وبنين ﴾ [ نوح: 10-11-12] يعني في الدنيا والآخرة ﴿ ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ﴾ [ نوح: 12] يا سفيان، إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره، فأكثر من لا حول ولا قوّة إلا بالله، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من أعطيهن لم يمنع من الله أربعاً: من أعطي الدعاء لم يمنع الاجابة، قال الله: ﴿ ادعوني استجب لكم ﴾ ومن أعطي الاستغفار لم يمنع المغفرة، قال الله تعالى ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ ومن أعطي الشكر لم يمنع الزيادة، قال الله: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول، قال الله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ﴾ [ الشورى: 25] » .

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أعطي الشكر لم يحرم الزيادة؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول؛ لأن الله يقول ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ » .

وأخرج البخاري في تاريخ والضياء المقدسي في المختارة، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أُلْهِمَ خمسة لم يحرم خمسة، من ألهم الدعاء لم يحرم الاجابة؛ لأن الله يقول ﴿ ادعوني استجب لكم ﴾ ومن ألهم التوبة لم يحرم القبول؛ لأن الله يقول ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ ومن ألهم الشكر لم يحرم الزيادة؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ﴾ ومن ألهم النفقة لم يحرم الخلف؛ لأن الله تعالى يقول ﴿ وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ﴾ [ سبأ: 29] » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ ﴾ : عن خلقه وعن شكر العباد، و (حَمِيدٌ): مستحق للحمد في أفعاله لأنه مُتفضِّل بفعله أو عادل فيه.

قال ابن عباس: يريد لا يُنْقص كفرُكُم ملكوت الله شيئًا (١) (٢) وقال أهل المعاني: هذا بيان أن (٣) (٤) (١) التصويب من: (ع)، وفي باقي النسخ: (شيء) وهو خطأ ظاهر.

(٢) لم أقف عليه، وقد ورد بهذا المعنى حديث قدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانْسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منْكم ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً ..) أخرجه مسلم: البر والصلة/ تحريم الظلم 4/ 1994.

(٣) ساقطة من (ع).

(٤) في جميع النسخ: (يحل) بالحاء، والأظهر أنها بالجيم، ومعنى (يجلُّ عن كذا: يعظم، ومنه: أي عظم قدره).

انظر (جل) في "تهذيب اللغة" 1/ 640، و"مجمل اللغة" 1/ 173، و"الصحاح" (جلل) 4/ 1658 <div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ عبارة عن كثرتهم كقوله: ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً ﴾ [الفرقان: 38] ﴿ فردوا أَيْدِيَهُمْ في أفواههم ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم غيظاً من الرسل كقوله: عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، أو استهزاء وضحكا: كمن غلبه الضحك فوضع يده على فمه، والثاني: أن الضمائر لهم، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، والثالث: أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتاً لهم، وردا لقولهم ﴿ أَفِي الله شَكٌّ ﴾ المعنى أفي وجود الله شك أو في إلهيته شك، وقيل: وحدانيته، والهمزة للتقرير والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة، ولذلك وصفه بعد بقوله: ﴿ فَاطِرِ السماوات والأرض ﴾ ﴿ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ قيل: إن من زائدة، ومنع سيبويه زيادتها في الواجب وهي عنده للتبعيض، ومعناه أن يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدم من ذنبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة في البعض ولم يأت في القرآن غفران بعض الذنوب إلا للكافر كهذا الموضع، والذي في الأحقاف وسورة نوح وجاء للمؤمنين بغير من كالذي في الصف ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم.

﴿ قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ يحتمل أن يكون قولهم استبعاداً لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان في قولهم: فأتونا بسلطان مبين ولقول الرسل: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده أي: بالتفضيل بالنبوة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الله الذي ﴾ بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.

الباقون بالجر مطلقاً ﴿ وعيدي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ الر ﴾ قف كوفي ﴿ الحميد ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالرفع.

﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ صفة الكافرين ﴿ عوجاً ﴾ ط بناء على ما قلنا أو على أن ﴿ الذين ﴾ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك في ضلال ﴾ فلا وقف على ﴿ عوجاً ﴾ ولك أن تقف على ﴿ شديد ﴾ للآية ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ ليبين لهم ﴾ ط لأن قوله: ﴿ فيضل ﴾ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ بأيام الله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ط ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لشديد ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار ﴿ مسمى ﴾ ط لتقدير همزة الاستفهام في ﴿ تريدون ﴾ .

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ وبإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ آذيتمونا ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ في ملتنا ﴾ ط ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ عنيد ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ صديد ﴾ ه لا لذلك ﴿ يميت ﴾ ط ﴿ غليظ ﴾ ه.

التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان.

قوله: ﴿ ألر كتاب ﴾ أي السورة المسماة بـ ﴿ ألر ﴾ كتاب ﴿ أنزلناه إليك ﴾ لغرض كذا وإن كان ﴿ الر ﴾ مذكوراً على جهة التعديد فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب.

والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق.

واللام في ﴿ لتخرج ﴾ للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة.

واللام في ﴿ الناس ﴾ للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته  عامة.

ومعنى إخراج النبي  ﴿ من الظلمات إلى النور ﴾ أنه  جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته  إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.

والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان.

احتج بالآية من قال: إن معرفة الله  لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله: ﴿ إلى النور ﴾ بتكرير العامل الجار.

وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك.

ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح.

قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: ﴿ الله الذي ﴾ مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله.

ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ ﴿ الله ﴾ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة.

ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: ﴿ وويل للكافرين ﴾ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء.

قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: ﴿ من عذاب شديد ﴾ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.

﴿ الذين يستحبون ﴾ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال.

وقوله: ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.

ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم.

احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال.

قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي بلغتهم لزم الدور.

أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.

وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم.

والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا  لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: ﴿ قل لئن اجتمع الإنس والجن  ﴾ وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.

وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: ﴿ لتخرج الناس ﴾ ووسطها وهو قوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله ﴿ الحكيم ﴾ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال.

وقالت الأشاعرة.

قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ وقوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ﴾ وقوله: ﴿ العزيز ﴾ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا.

أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر.

ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: { ﴿ لنبين لكم ونقر  ﴾ بالرفع نظيره في الآية قوله: ﴿ فيضل ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها.

ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا  هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً.

وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة.

ومعنى ﴿ أن أخرج ﴾ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج.

ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم.

ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.

وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير والتنبيه دلائل ﴿ لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ على السراء.

وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.

ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: ﴿ إذ أنجاكم ﴾ ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب ﴿ إذ أنجاكم ﴾ بـ ﴿ عليكم ﴾ وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.

ومن جملة النعم قوله: ﴿ وإذ تأذن ﴾ أي واذكروا حين آذن ﴿ ربكم ﴾ إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات.

وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله  به عليه فيما أعطاه لأجله.

ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود  تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ﴿ ولئن كفرتم ﴾ يعني كفران النعم ﴿ إن عذابي لشديد ﴾ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله  غني عن ذلك كله فقال: ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ الآية.

وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً.

وقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.

والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول  تحذيراً لهم عن مخالفته.

وقوله: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: ﴿ والذين من بعدهم ﴾ معطوفاً على قوم نوح فقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ وحده اعتراض.

ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.

وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد.

ونظير الآية قوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً  ﴾ { ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم  إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

ثم إنه  حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أتوا بأمور أحدها ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ .

قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: ﴿ وقالوا ﴾ على قوله: ﴿ فردّوا ﴾ الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة.

أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول.

القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز.

عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل.

ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه.

فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به.

والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: ﴿ وإنا لفي شك ﴾ وقد مر مثله في سورة هود.

فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟

قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.

ثم إنه  حكى جواب الرسل وذلك قولهم: ﴿ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ﴾ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.

قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين.

إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين.

والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله  : ﴿ أفي الله شك ﴾ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً.

فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته.

الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته.

ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج.

فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.

وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط.

أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه.

وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.

وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع.

وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع.

فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود.

ومن شك في وجود ماوجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة.

وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة.

فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.

وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى.

وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا.

فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله.

فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.

وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه.

وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟

وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.

وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً.

وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس.

من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء.

ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق  شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.

وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور.

لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً.

فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا.

وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته.

ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار  شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم.

هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان.

قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي.

أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟!

وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟

وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى.

وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه.

وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟!

وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بانأن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط.

ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله  في موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ {الزمر: 53].

وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد  غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف.

وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف ﴿ يغفر لكم ذنوبكم  ﴾ بغير "من".

وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم.

وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب.

وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير.

وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر.

فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.

وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً.

وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه  قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه  لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب.

ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟.

الغاية الثانية قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال.

وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام".

ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك.

الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ﴾ الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق.

وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة.

ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله.

أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها.

وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها ﴿ وما كان لنا ﴾ أي ما صح منا ﴿ أن نأتي بآية ﴾ اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله.

والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته.

وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.

ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

وفي قولهم: ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه  يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد.

وفي قولهم.

﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات.

أما قول الكفار للرسل: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب.

وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.

عن النبي  : "من آذى جاره ورّثه الله داره" ﴿ ذلك ﴾ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق ﴿ لمن خاف مقامي ﴾ يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس  ﴾ أو قيامي بالعدل والصواب مثل ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: ﴿ وخاف وعيد ﴾ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد.

قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر.

قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل.

وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود.

﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ معاند.

وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر.

قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا.

فوضع الأعم موضع الأخص.

والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم ﴿ من ورائه ﴾ أي من بين يديه.

يقال: الموت وراء كل أحد.

وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.

وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر.

وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف.

قال جار الله: قوله: ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ أي من ماء بيانه أو صفته هذا.

والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله.

وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة.

﴿ يتجرعه ﴾ يتكلف جرعه ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم  ﴾ وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي.

قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: ﴿ ويصهر ﴾ - لا تدل على الحصول لقوله قبله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم  ﴾ .

﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.

وقيل: من أصل كل شعرة.

وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.

ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا.

والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله  فلم يسقوا فذكر  ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار.

وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم.

التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.

إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة.

قوله: ﴿ الر ﴾ أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة.

﴿ بإذن ربهم ﴾ الذي يربيهم هو لا أنت.

وفي قوله: ﴿ إلى صراط ﴾ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف.

وفي الاختتام بقوله: ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله.

﴿ وويل للكافرين ﴾ من شدة ألم الانقطاع عن الله.

ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل.

﴿ إلا بلسان قومه ﴾ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.

﴿ ولقد أرسلنا ﴾ بواسطة جبريل الجذبة ﴿ موسى ﴾ القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص.

﴿ أن أخرج قومك ﴾ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير ﴿ لآيات ﴾ في نفي الوجود ﴿ لكل صبار ﴾ بالله مع الله من غير الله ﴿ شكور ﴾ لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي ﴿ ولئن شكرتم ﴾ بالطاعة ﴿ لأزيدنكم ﴾ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ﴿ ولئن كفرتم ﴾ نعمتي في المعاملات كلها ﴿ إن عذابي ﴾ قطيعتي ﴿ لشديد ﴾ ﴿ وقال موسى ﴾ القلب ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة.

﴿ يدعوكم ﴾ من المكونات إلى الملكوت ﴿ ليغفر لكم ﴾ بصفة الغفارية ﴿ من ذنوبكم ﴾ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق ﴿ ويؤخركم ﴾ في التخلق بأخلاقه ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو وقت الفناء في الذات ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه.

﴿ لمن خاف مقامي ﴾ وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار ﴿ وخاف وعيد ﴾ القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى.

﴿ من وراثه ﴾ أي قدام النفس في متابعة الهوى ﴿ جهنم ﴾ الصفات الذميمة ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة ﴿ يتجرعه ﴾ بالتكلف ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ لأنه ليس من شربه ﴿ يأتيه ﴾ أسباب ﴿ الموت من كل مكان ﴾ من كل فعل مذموم ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ .

لو كان غيره من الكتب أرسلت بغير لسان الأمم لكان هذا الكتاب يجب أن يكون مبعوثاً بلسان قومه؛ لأنه جعل هذا الكتاب نفسه حجة وآية لرسالته؛ لأنهم يعجزون عن إتيان مثله؛ وهو كان بلسانهم؛ ليعلموا أنه [جاء من الله]؛ إذ لو كان من اختراع الرسول - لقدروا [هم] على اختراع مثله؛ لأن لسانهم مثل لسانه، فإذا عجزوا عن إتيان مثله - دلَّ أنه منزَّل من الله  لا من عند الخلق.

ثمّ يحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ وجوهاً: قال قائلون: هذا بعد ما اختلفت الألسن؛ أرسل هذا وفيه أنباء أوائلهم الذين كان لسانهم غير لسان هؤلاء، وأخبارهم ليعلموا أنه إنما عرف تلك الأنباء والأخبار التي كانت بغير لسانهم بالله.

وقال بعضهم: أرسل بلسان قومه؛ لئلا يكون لهم مقال كقوله: ﴿ لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ...

﴾ الآية [فصلت: 44].

والثالث: أنه إذا كان بلسانهم يكون آلف وأقرب إلى القبول؛ من إذا كان بغيره؛ إذ كل ذي نوع وجنس يكون بجنسه ونوعه آلف من غير نوعه وجوهره؛ [وهو] كقوله: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً  ﴾ إذ ليس في وسع البشر رؤية الملك والنظر إليه على ما هو عليه، فعلى ذلك: كل ذي لسان يكون بلسانه أفهم وأقرب للقبول وآلف من غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ .

قال قائلون: ليكون أبين لهم وأفهم.

وقال قائلون: ليبين لهم فيفهموا قول رسولهم.

وقوله: ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ .

أي: يضل الله من آثر سبب الضلال، ويهدي من آثر سبب الذي به يهتدي؛ يهديه ذلك.

وقال قائلون: يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء: هذا حكم الله؛ أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءاً [أنه] يضل من آثر سبب الضلال؛ ويهدي من يشاء [هذا حكم الله: أن يضل المكذبين ويهدي المصدقين]؛ أي: من آثر سبب الاهتداء.

﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ \[العزيز\]؛ لأن جميع الخلائق مفتقرون إليه لأنه يعزّ من عزّ.

أو أن يكون العزيز: هو الذي لا يغلب، والحكيم: هو الذي لا يلحقه الخطأ في الحكم والتدبير، أو الحكيم في بعث الرسل وفي جميع فعله، ولم يؤخذ عليه في فعله خطأ قط، مصيبٌ وضع كل شيء موضعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ ﴾ .

يحتمل آياته: حججه وبراهينه التي أرسل بها على وحدانية الله وألوهيته.

ويحتمل آياته: التي بعثها إلى موسى ليقيمها على رسالته.

إن شئت قلت: آياته: حججه وإن شئت سميتها أعلاماً، والآيات والأعلام والحجج - كله واحد؛ فيكون أعلام وحدانية الله وألوهيته أو أعلام رسالته.

وقال قائلون: ﴿ بِآيَاتِنَآ ﴾ : أي: بديننا، أي: أرسلنا موسى بديننا، ليدعوهم إليه.

﴿ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ .

وعلى ذلك بعث جميع الرسل والأنبياء، بعثوا ليخرجوا قومهم من الظلمات إلى النور، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ ﴾ .

التذكير: هو العظة؛ أي: عظهم بأيام الله.

قال قائلون: أيام الله: نعمه.

قال قتادة: أمره أن يذكرهم بنعم الله التي أنعمها عليهم؛ فإن لله عليكم أياماً من النعم؛ كأيام القوم؛ كم من خير قد أعطاه الله  لكم؛ وكم من سوء [قد] صرفه الله  عنكم، [وكم من كرب نفسه الله  عنكم]، وكم من غَمٍّ فرجه الله  عنكم؛ فاللهم ربنا لك الحمد.

وقال قائلون: أيام الله: وقائعه؛ أي: ذكّرهم بوقائع الله في الأمم السالفة؛ كيف أهلكهم لما كذبوا [الرسل].

هذا يحتمل: أن يذكرهم بنعم الله التي كانت على المصدقين بتصديقهم؛ وهو ما أنجى المصدقين من التعذيب والإهلاك؛ إهلاك تعذيب.

أو ذكر المكذبين منهم بالوقائع التي كانت على أولئك بالتكذيب؛ وهو الإهلاك.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ ﴾ : الأيام المعروفة نفسها، أمره أن يذكرهم بها؛ لأن الأيام تأتي بأرزاقهم؛ وتمضي بأعمالهم وأعمارهم؛ إن كان خيراً فخير وإن كان شرّاً فشر، وتفني أعمارهم وآجالهم، وفيما تأتي بأرزاقهم نعمة من الله عليهم، وفي ذهاب أعمارهم وآجالهم إظهار سلطان الله وقدرته، فأمره أن يذكرهم بذلك.

والله أعلم.

هذا يشبه أن يكون أمر موسى أن يذكر بني إسرائيل ما كان عليهم من فرعون؛ من أنواع التعذيب، ثم الإنجاء من بعد، يقول - والله أعلم - ذكّرهم الأيام الماضية وما يتلوها، وهذا أشبه وأقرب.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ قد ذكرنا أن الصبر: هو كف النفس عن معاصي الله وعن جميع مناهيه، والشكر: هو الرغبة في طاعته، أخبر أن فيما ذكر آيات لمن كف نفسه عن المعاصي؛ ورغب في طاعته، لا لمن تطاول على الرسل؛ وتكبر عليهم؛ وترك إجابتهم؛ ولم يرغب فيما دعوه إليه، ليس لأمثال هؤلاء عبرة وآية ولكن لمن ذكرنا.

ويشبه أن يكون الصبار والشكور كناية عن المؤمن لأن كل من آمن بالله ووحَّده - اعتقد الكفّ عن جميع معاصيه، والرغبة في كل طاعته، وإن كان يقع أحياناً في معصيته، فكأنه قال: إن في ذلك لآيات للمؤمنين، على ما ذكر في غيره من الآيات؛ من ذلك قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ و ﴿ لِّلْمُوقِنِينَ  ﴾ و ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ؛ ونحوه.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

يشبه أن يكون [هذا] على الإضمار؛ وهو ما ذكر في آية أخرى؛ أي: اذكروا نعمة الله عليكم ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً...

﴾ الآية [المائدة: 20].

واذكروا أيضاً: ﴿ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ ﴾ قيل يعذبونكم ﴿ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

وقال قائلون: يكلفونكم سوء العذاب ﴿ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .

السوم: الإذاقة والتعريض؛ يقال: سامني كذا: أي: أذاقني وعرضني، ويقال: سمت الدابة على الحوض: أي: عرضتها.

﴿ وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ هذا أيضاً قد ذكرناه؛ فيما تقدم في سورة البقرة والأعراف.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ قال ربكم.

وقيل: إذ أعلم ربكم وأخبر، والعرب ربما قالت: أفعلت في معنى تفعلت؛ فهذا من ذلك، ومثله في الكلام: أوعدني وتوعدني؛ وهو قول الفراء، وحقيقته: وعد ربكم أو كفل ربكم؛ لئن شكرتم لأزيدنكم، لم يقل: لئن شكرتم نعمة كذا، ولا بيّن أي نعمة: النعم كلها، أو نعمة دون نعمة، ولا قال: شكرتم بماذا، وقال لأزيدنكم؛ لم يذكر الزيادة في ماذا؛ ومن أي: شيء هي.

فيشبه أن يكون قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ ﴾ بالتوحيد؛ أي: وحّدتم الله في الدنيا؛ فيما خلقكم خلقاً؛ وركّب فيكم ما تتلذذون وتتنعمون في الدنيا؛ وفيما قومكم من أحسن تقويم.

﴿ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ النعم الدائمة في الآخرة؛ فيصير على هذا التأويل كأنه قال: لئن أتيتم شاكرين في الآخرة لأزيدنكم النعم الدائمة، وإلى هذا يذهب ابن عباس  ؛ أو قريب منه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ أي: ولئن كفرتم ولم توحدوه؛ وأشركتم غيره فيه؛ وصرفتم شكر تلك النعم إلى غيره إن عذابي لشديد.

ويحتمل أن يكون كل نعمة يشكرها يزيد له من نوعها في الدنيا؛ ويدوم ذلك له.

وفي قوله: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ لطف وفضل؛ لأن الشكر هو المجازاة والمكافأة لما سبق، والله  لا يكافئ فيما أنعم؛ لأنهم يستزيدون لأنفسهم الزيادة بالشكر الذي ذكر؛ فهو ليس بشكر في الحقيقة، لكن هذا [منه لطف] ذكره؛ وهو كما قال الله  : ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً...

﴾ الآية [الحديد: 18] وقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111] فهذه الأنفس والأموال في الحقيقة لله؛ ليست لهم؛ فهم فيما يقرضون، [يقرضون] لأنفسهم، وكذلك في الشراء يشترون لأنفسهم من مولاهم، لكنه ذكر شراه [من أنفسهم]؛ لطفاً منه وفضلا؛ فعلى ذلك فيما ذكر من الشكر له يطلبون الزيادة لأنفسهم؛ لطفاً منه، وإن كان الشكر في الظاهر موضوعه المكافأة لما سبق، فهو فيما بين الرب والعباد ليس بمكافأة؛ ولكن سبب الزيادة، ولكن سمي شكراً؛ لطفاً منه وفضلا على ما ذكر التصدق قرضاً؛ والله أعلم، ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي: غني [بذاته، ليس يأمر ما يأمر لحاجة نفسه، ولا لمنفعة له، ولكن ما امتحنكم إنما امتحنكم لحاجة أنفسكم؛ ولمنفعة أبدانكم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِن تَكْفُرُوۤاْ أَنتُمْ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أي: غني] عن عبادة خلقه؛ حميد عند خلقه؛ وهو ما ذكرنا أنه ليس يأمرهم فيما يأمر لمنفعة نفسه أو لحاجة نفسه؛ ولكن لمنافع تحصل للخلق ولحوائج تبدو لهم، وكذلك النهي عما ينهى ليس ينهى لخوف مضرّة تلحقه؛ ولكن للضرر يلحقهم ولآفة تتوجه إليهم.

يخبر - عز وجل - عن غناه؛ عما يأمر خلقه من طاعته وعبادته وتوجيه الشكر إليه.

والحميد: هو الذي لا يلحقه الذمّ في فعله، يقول - والله أعلم -: إنهم؛ [وإن كفروا] وكان علم الله منهم أنهم يكفرون؛ فعلمه بذلك لا يجعله في إنشائهم مذموماً.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال موسى لقومه: يا قوم، إن تكفروا أنتم ويكفر معكم جميع من في الأرض، فضرر كفركم يعود عليكم؛ فإن الله غني بنفسه، مستوجب الحمد بذاته، لا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا يضره كفر الكافرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.LlzL5"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده