الآية ٩ من سورة إبراهيم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 14 إبراهيم > الآية ٩ من سورة إبراهيم

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍۢ وَعَادٍۢ وَثَمُودَ ۛ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا ٱللَّهُ ۚ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فِىٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوٓا۟ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّۢ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍۢ ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 148 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة إبراهيم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة إبراهيم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن جرير : هذا من تمام قيل موسى لقومه .

يعني : تذكاره إياهم بأيام الله ، بانتقامه من الأمم المكذبة للرسل .

وفيما قال ابن جرير نظر; والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة ، فإنه قد قيل : إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ذلك فلا شك أن تكون هاتان القصتان في " التوراة " ، والله أعلم .

وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل ، مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل أتتهم رسلهم بالبينات ، أي : بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات .

وقال ابن إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله أنه قال في قوله : ( لا يعلمهم إلا الله ) كذب النسابون .

وقال عروة بن الزبير : ما وجدنا أحدا يعرف ما بعد معد بن عدنان .

وقوله : ( فردوا أيديهم في أفواههم ) اختلف المفسرون في معناه ، فقيل : معناه : أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم ، لما دعوهم إلى الله ، عز وجل .

وقيل : بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم .

وقيل : بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل .

وقال مجاهد ، ومحمد بن كعب ، وقتادة : معناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم .

قال ابن جرير : وتوجيهه أن " في " هاهنا بمعنى " الباء " ، قال : وقد سمع من العرب : " أدخلك الله بالجنة " يعنون : في الجنة ، وقال الشاعر : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه عن سنبس لست أرغب يريد : أرغب بها .

قلت : ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام : ( وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) فكأن هذا [ والله أعلم ] تفسير لمعنى رد أيديهم في أفواههم .

وقال سفيان الثوري ، وإسرائيل ، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قوله : ( فردوا أيديهم في أفواههم ) قال : عضوا عليها غيظا .

وقال شعبة ، عن أبي إسحاق ، أبي هبيرة ابن مريم ، عن عبد الله أنه قال ذلك أيضا .

وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ووجهه ابن جرير مختارا له ، بقوله تعالى عن المنافقين : ( وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) [ آل عمران : 119 ] .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ، ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم .

وقالوا : ( إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) يقولون : لا نصدقكم فيما جئتم به; فإن عندنا فيه شكا قويا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبرًا عن قيل موسى لقومه: يا قوم ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ) ، يقول: خبر الذين من قبلكم من الأمم التي مضت قبلكم (19) ( قومِ نوح وعاد وثمودَ ) ، وقوم نوح مُبيَّنٌ بهم عن " الذين " ، (20) و " عاد " معطوف بها على " قوم نوح " ،( والذين من بعدهم ) ، يعني من بعد قوم نوح وعاد وثمود ( لا يعلمهم إلا الله ) ، يقول: لا يحصي عَدَدهم ولا يعلَمُ مبلغهم إلا الله، كما : - 20590- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون: ( وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ) ، قال: كذَب النسَّابون.

(21) 20591- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود ، بمثل ذلك.

20592- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون قال ، حدثنا ابن مسعود ، أنه كان يقرؤها: " وَعَادًا وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا الله " ، ثم يقول: كذب النسابون.

20593- حدثني ابن المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عيسى بن جعفر ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله ، مثله.

(22) * * * وقوله: ( جاءتهم رسلهم بالبينات ) ، يقول: جاءت هؤلاء الأمم رسلُهم الذين أرسلهم الله إليهم بدعائهم إلى إخلاص العبادة له " بالبينات " ، يعني بحججٍ ودلالاتٍ على حقيقة ما دعوهم إليه من مُعْجِزاتٍ.

(23) * * * وقوله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك .

فقال بعضهم: معنى ذلك: فعضُّوا على أصابعهم ، تغيُّظًا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دَعَوهم إليه.

* ذكر من قال ذلك: 20594- حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا حدثنا عبد الرحمن ، قال حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: عضوا عليها تغيُّظًا.

20595- حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، في قوله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: غيظًا ، هكذا ، وعضَّ يده.

20596- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: عضُّوها.

(24) 20597- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن رجاء البصريّ قال ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله في قول الله عز وجل: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: عضوا على أصابعهم.

(25) 20598- حدثني المثنى قال ، حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: عضوا على أطراف أصابعهم.

(26) 20599- حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة ، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: أن يجعل إصْبعه في فيه.

20600- حدثنا الحسن بن محمد ، قالا حدثنا أبو قطن قال ، حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن هبيرة ، عن عبد الله في قول الله عز وجلّ: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، ووضع شُعبة أطرافَ أنامله اليُسرى على فيه.

20601- حدثنا الحسن قال ، حدثنا يحيى بن عباد قال ، حدثنا شعبة قال ، أخبرنا أبو إسحاق ، عن هبيرة قال ، قال عبد الله ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: هكذا ، (27) وأدخل أصابعه في فيه.

20602- حدثنا الحسن قال ، حدثنا عفان قال ، حدثنا شعبة ، قال أبو إسحاق: أنبأنا عن هبيرة ، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال أبو علي: وأرَانا عفان ، وأدخل أطراف أصابع كفّه مبسوطةً في فيه ، وذكر أن شعبة أراه كذلك.

(28) 20603- حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: عضُّوا على أناملهم.

وقال سفيان: عضُّوا غيظًا.

(29) 20604- حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد ، في قوله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، فقرأ: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [سورة آل عمران : 119 ] ، قال: هذا ، ( ردُّوا أيديهم في أفواههم ).

(30) قال: أدخلوا أصابعهم في أفواههم .

وقال: إذا اغتاظ الإنسان عضَّ يده.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم لما سمعوا كتابَ الله عجبوا منه ، ووضعوا أيديهم على أفواههم.

* ذكر من قال ذلك: 20605- حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: لما سمعوا كتابَ الله عجِبُوا ورَجَعوا بأيديهم إلى أفواههم.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كذبوهم بأفواههم.

* ذكر من قال ذلك: 20606- حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ح وحدثني الحارث قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: ردوا عليهم قولهم وكذَّبوهم.

20607- حدثنا الحسن بن محمد قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله.

20608- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله.

20609- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله: ( جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ) ، يقول: قومُهم كذّبوا رسلهم وردُّوا عليهم ما جاءوا به من البينات ، وردُّوا عليهم بأفواههم ، وقالوا: إنا لفي شك مما تَدعوننا إليه مُرِيب.

20610- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله: ( فردوا أيديهم في أفواههم ) ، قال: ردوا على الرسل ما جاءت به.

* * * قال أبو جعفر : وكأنّ مجاهدًا وجَّه قوله: ( فردُّوا أيديهم في أفواههم ) ، إلى معنى: ردُّوا أيادي الله التي لو قبلوها كانت أياديَ ونعمًا عندهم ، فلم يقبلوها ووجَّه قوله: ( في أفواههم ) ، إلى معنى: بأفواههم ، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم (31) .

* * * وقد ذكر عن بعض العرب سَماعًا: " أدخلك الله بالجنَّة " ، يعنون: في الجنة ، وينشد هذا البيت (32) وَأَرْغَـبُ فِيهَـا عَـنْ لَقِيـطٍ وَرَهْطِـهِ وَلَكِـنَّنِي عَـنْ سِـنْبِسٍ لَسْـتُ أَرْغَبُ (33) يريد: وأرغب بها ، يعنى بابنة له، (34) عن لقيط ، ولا أرغبُ بها عن قبيلتي.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم كانوا يَضَعُون أيديهم على أفواه الرّسل ردًّا عليهم قولَهم ، وتكذيبًا لهم.

* * * وقال آخرون: هذا مَثَلٌ ، وإنما أُرِيد أنهم كفُّوا عَمَّا أُمروا بقَوْله من الحق ، (35) ولم يؤمنوا به ولم يسلموا.

وقال: يقال لِلرَّجل إذا أمسَك عن الجواب فلم يجبْ: " ردّ يده في فمه ".

وذكر بعضهم أن العرب تقول: " كلمت فلانًا في حاجة فرَدّ يدَه في فيه " ، إذا سكت عنه فلم يجب.

(36) * * * قال أبو جعفر : وهذا أيضًا قول لا وَجْه له ، لأن الله عزَّ ذكره ، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: " إنا كفرنا بما أرسلتم به " ، فقد أجابوا بالتكذيب.

* * * قال أبو جعفر:- وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية ، القولُ الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود: أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم ، فعضُّوا عليها ، غيظاً على الرسل ، كما وصف الله جل وعز به إخوانهم من المنافقين ، فقال: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [سورة آل عمران : 119 ].

فهذا هو الكلام المعروف والمعنى المفهوم من " ردِّ اليدِ إلى الفم ".

* * * وقوله: ( وقالوا إنّا كفرنا بمَا أرسلتم به ) ، يقول عز وجل: وقالوا لرسلهم: إنا كفرنا بما أرسلكم به مَنْ أرسلكم ، من الدعاء إلى ترك عبادة الأوثان والأصنام (وإنا لفي شك) من حقيقة ما تدعوننا إليه من توحيد الله ( مُريب ) ، يقول: يريبنا ذلك الشك ، أي يوجب لنا الريبَة والتُّهمَةَ فيه .

* * * يقال منه: " أرابَ الرجل " ، إذا أتى بريبة ، " يُريبُ إرابةً".

(37) ------------------------ الهوامش : (19) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف 15 : 147 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(20) في المطبوعة والمخطوطة : " وقوم عاد فبين بهم عن الذين " ، وهذا كلام لا معنى له ، وإنما سها الناسخ ، ومراده أن " قوم نوح " ، بدل من " الذين " ، و " التبيين " ، هو البدل ، ذكر ذلك الأخفش ( همع الهوامع 2 : 125 ) .

ويقال له أيضًا " التفسير " ، كما أسلفت في الجزء 12 : 7 ، تعليق : 1 ، ويقال له أيضًا : " التكرير " ، ( همع الهوامع 2 : 125 ) .

(21) الآثار : 20590 - 20593 - خرجها السيوطي في الدر المنثور 4 : 71 ، وزاد نسبته إلى عبيد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم .

وإسناد هذا الخبر صحيح .

(22) الأثر : 20593 - " ابن المثنى " ، هو " محمد بن المثنى العنزي " ، الحافظ ، المعروف بالزمن ، شيخ الطبري ، روي عنه ما لا يحصى كثرة ، مضى مرارًا ، انظر : 2734 ، 2740 ، 5440 ، 10314 .

و " عيسى بن جعفر " ، هذا خطأ لا شك فيه ، وإنما الصواب " محمد بن جعفر الهذلي " ، وهو " غندر " ، روي عند " ابن المثنى " في مواضع من التفسير لا تعد كثرة ، انظر ما سلف من الأسانيد مثلا : 35 ، 101 ، 194 ، 208 ، 419 ، في الجزء الأول من التفسير ، وفي الجزء الثامن : 8761 ، 8810 ، 8863 ، 8973 ، وفيه " المثنى " ، وصوابه " ابن المثنى " .

وغير هذه كثير .

(23) انظر تفسير " البينات " فيما سلف 13 : 14 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

هذا ، وكان في المطبوعة : " يعني بالحجج الواضحات ، والدلالات البينات الظاهرات على حقيقة ما دعوهم إليه معجزات " ، زاد في الكلام غثاء كثيرًا ، كأنه غمض عليه نص أبي جعفر ، فأراد أن يوضحه بما ساء وناء .

(24) الآثار : 20594 - 20596 - خبر " سفيان الثوري ، عن أبي إسحق " ، أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 351 ، من طريق عبد الرزاق ، وهو هنا رقم : 20595 ، ولفظه في المستدرك : " قال عبد الله كذا ، وردَّ يده في فيه ، وعضَّ يده ، وقال : عضُّوا على أصابعهم غيظًا " .

قال الحاكم : " هذا حديث صحيح بالزيادة على شرطهما " ، ووافقه الذهبي .

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 4 : 72 ، وزاد نسبته إلى عبد الرزاق ، والفريابي ، وأبي عبيد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني .

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 43 ، وقال : رواه الطبراني عن شيخه ، عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ، وهو ضعيف " .

ولم يذكر هو ولا السيوطي الحديث بزيادة الحاكم .

وسيأتي الخبر عن " سفيان الثوري " و " إسرائيل " برقم : 20603 .

(25) الأثر : 20597 - " إسرائيل " ، هو " إسرائيل بن يونس بن أبي إسحق السبيعي " ، روى عن جده ، ومضى مرارًا كثيرة لا تعد .

و " عبد الله بن رجاء بن عمرو الغداني البصري " ، ثقة ، كان حسن الحديث عن " إسرائيل " سلفت ترجمته برقم : 2814 ، 2939 ، 16973 .

وهذا الخبر ، رواه الحاكم في المستدرك ، من طريق : " عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل " ، وقال : " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه " ، ووافقه الذهبي ، وسيأتي من طريق أبي أحمد الزبيري ، عن إسرائيل ، وسفيان جميعًا برقم : 20603 .

وانظر تخريج الآثار السالفة .

(26) الأثر : 20598 - هذه طريق ثالثة لخبر أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود : " شريك ، عن أبي إسحق : عن أبي الأحوص ، عن عبد الله " ، .

وانظر الآثار السالفة .

(27) " قال هكذا " ، أي أشار .

وقد سلف مرارًا تفسير " قال " بهذا المعنى .

(28) الآثار : 20599 - 20602 - هذه الثلاثة ، طريق أخرى لخبر عبد الله بن مسعود ، من حديث هبيرة عنه .

و " أبو قطن " ، هو " عمرو بن الهثيم بن قطن الزبيري " ، " أبو قطن البصري " ، ثقة ، في الطبقة الرابعة من أصحاب شعبة .

مضى برقم : 18674 ، 20091 ، 20420 .

و " يحيى بن عباد الضبعي " ، " أبو عباد " ، من شيوخ أحمد ، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ، ثقة ، ولكنه ضعيف .

مضى برقم : 20010 ، 20091 و " هبيرة بن مريم الشبامي " ، تابعي ثقة ، لم يرو عنه غير أبي إسحق السبيعي ، مضى برقم : 3001 ، 5468 .

(29) الأثر : 20603 - انظر التعليق على الآثار السالفة.

(30) في المطبوعة : " وقال : معنى : ردوا أيديهم في أفواههم " ، عبث باللفظ وأساء غاية الإساءة .

(31) انظر ما سلف : 515 ، تعليق : 6 .

(32) لم أعرف قائله .

ومنشده هو الفراء ، كما في اللسان ( فيا ) .

(33) اللسان ( فيا ) ، وسيأتي في التفسير 17 : 105 ( بولاق ) وأنشده في اللسان عن الفراء : وأَرغـبُ فيهـا عـن عُبَيْـدٍ ورَهْطِهِ ولكـنْ بِهَـا عـن سِنْبسٍ لستُ أَرغَبُ (34) كان في المطبوعة : " يريد : وأرغب فيها ، يعني أرغب بها عن لقيط " ، لم يحسن قراءة المخطوطة لأن فيها " وأرغب فيها " مكان " وأرغب بها " ، ولأنه كتبت " بابنت " بتاء مفتوحة ، وغير منقوطة فضل ، فتصرف ، فأضل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

(35) في مجاز القرآن لأبي عبيدة " بقوله " ، مكان " بقبوله " فأثبته ، ولم أثبت ما في المخطوطة والمطبوعة ، وما وافقهما في فتح الباري ( 8 : 285 ) ، لأن قول أبي جعفر بعد : " لأن الله عز وجل قد أخبر عنهم أنهم قالوا ...

" ، دليل على صوابه .

(36) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 336 ، ولكنه في المطبوع من مجاز القرآن مختصر جدًا ، وكأن هذا الموضع من " مجاز القرآن " مضطرب وفيه خروم ، كما أسلفت بيان ذلك في ص : 519 تعليق رقم : 2 .

(37) انظر تفسير " الريب " فيما سلف من فهارس اللغة ( ريب) ، وتفسير " الإرابة فيما سلف 15 : 370 ، 493 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود النبأ الخبر ، والجمع الأنباء ; قال :ألم يأتيك والأنباء تنميثم قيل : هو من قول موسى .

وقيل : من قول الله ; أي واذكر يا محمد إذ قال ربك كذا .

[ ص: 301 ] وقيل : هو ابتداء خطاب من الله تعالى .

وخبر قوم نوح وعاد وثمود مشهور قصه الله في كتابه .وقوله : والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله أي لا يحصي عددهم إلا الله ، ولا يعرف نسبهم إلا الله ، والنسابون وإن نسبوا إلى آدم فلا يدعون إحصاء جميع الأمم ، وإنما ينسبون البعض ; ويمسكون عن نسب البعض ; وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع النسابين ينسبون إلى معد بن عدنان ثم زادوا فقال : كذب النسابون إن الله يقول : لا يعلمهم إلا الله .

وقد روي عن عروة بن الزبير أنه قال : ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان وإسماعيل .

وقال ابن عباس : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون .

وكان ابن مسعود يقول حين يقرأ : لا يعلمهم إلا الله .

كذب النسابون .جاءتهم رسلهم بالبينات أي بالحجج والدلالات .فردوا أيديهم في أفواههم أي جعل أولئك القوم أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا مما جاء به الرسل ; إذ كان فيه تسفيه أحلامهم ، وشتم أصنامهم ; قاله ابن مسعود ، ومثله قاله عبد الرحمن بن زيد ; وقرأ : عضوا عليكم الأنامل من الغيظ .

وقال ابن عباس : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم .

وقال أبو صالح : كانوا إذا قال لهم نبيهم أنا رسول الله إليكم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم : أن اسكت ، تكذيبا له ، وردا لقوله ; وهذه الأقوال الثلاثة متقاربة المعنى .

والضميران للكفار ; والقول الأول أصحها إسنادا ; قال أبو عبيد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله تعالى : فردوا أيديهم في أفواههم قال : عضوا عليها غيظا ; وقال الشاعر :لو أن سلمى أبصرت تخددي ودقة في عظم ساقي ويديوبعد أهلي وجفاء عودي عضت من الوجد بأطراف اليدوقد مضى هذا المعنى في " آل عمران " مجودا ، والحمد لله .

وقال مجاهد وقتادة : ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم ; فالضمير الأول للرسل ، والثاني للكفار .

وقال الحسن وغيره : جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم ; فالضمير الأول على هذا للكفار ، والثاني للرسل .

وقيل معناه : أومئوا للرسل أن يسكتوا .

وقال مقاتل : أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم .

وقيل : رد الرسل أيدي القوم في أفواههم .

وقيل : إن الأيدي هنا النعم ; أي ردوا نعم الرسل بأفواههم ، أي بالنطق والتكذيب ، ومجيء الرسل بالشرائع نعم ; والمعنى : كذبوا بأفواههم ما جاءت به الرسل .

و " في " بمعنى الباء ; [ ص: 302 ] يقال : جلست في البيت وبالبيت ; وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض .

وقال أبو عبيدة : هو ضرب مثل ; أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا ; والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده في فيه .

وقاله الأخفش أيضا .

وقال القتبي : لم نسمع أحدا من العرب يقول : رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به ; وإنما المعنى : عضوا على الأيدي حنقا وغيظا ; لقول الشاعر :تردون في فيه غش الحسو د حتى يعض علي الأكفايعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه .

وقال آخر :قد أفنى أنامله أزمة فأضحى يعض علي الوظيفاوقالوا : - يعني الأمم للرسل :وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أي بالإرسال على زعمكم ، لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا .وإنا لفي شك أي في ريب ومرية .مما تدعوننا إليه من التوحيد ." مريب " أي موجب للريبة ; يقال : أربته إذ فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا ; أي نظن أنكم تطلبون الملك والدنيا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى مخوفا عباده ما أحله بالأمم المكذبة حين جاءتهم الرسل، فكذبوهم، فعاقبهم بالعقاب العاجل الذي رآه الناس وسمعوه فقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} وقد ذكر الله قصصهم في كتابه وبسطها، {وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ} من كثرتهم وكون أخبارهم اندرست.

فهؤلاء كلهم {جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} أي: بالأدلة الدالة على صدق ما جاءوا به، فلم يرسل الله رسولا إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، فحين أتتهم رسلهم بالبينات لم ينقادوا لها بل استكبروا عنها، {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} أي: لم يؤمنوا بما جاءوا به ولم يتفوهوا بشيء مما يدل على الإيمان كقوله {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} {وَقَالُوا} صريحا لرسلهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} أي: موقع في الريبة

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ألم يأتكم نبأ الذين ) خبر الذين ( من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ) يعني : من كان بعد قوم نوح ، وعاد ، وثمود .

وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم قال : كذب النسابون .

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا الله تعالى .

وكان مالك بن أنس يكره أن ينسب الإنسان نفسه أبا إلى آدم ، وكذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الآباء أحد إلا الله عز وجل .

( جاءتهم رسلهم بالبينات ) بالدلالات الواضحات ( فردوا أيديهم في أفواههم ) قال ابن مسعود : عضوا على أيديهم غيظا كما قال ( عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ) ( آل عمران - 119 ) .

قال ابن عباس : لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم .

قال مجاهد ، وقتادة : كذبوا الرسل وردوا ما جاءوا به ، يقال : رددت قول فلان في فيه أي كذبته .

وقال الكلبي : يعني أن الأمم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم ، أي : وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا .

وقال مقاتل : فردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك .

وقيل : الأيدي بمعنى النعم .

معناه : ردوا ما لو قبلوا كانت أيادي ونعما في أفواههم ، أي : بأفواههم ، يعني بألسنتهم .

( وقالوا ) يعني الأمم للرسل ( إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ) موجب للريبة موقع للتهمة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم يأتكم» استفهام تقرير «نبأ» خبر «الذين من قبلكم قوم نوح وعاد» قوم هود «وثمود» قوم صالح «والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله» لكثرتهم «جاءتهم رسلهم بالبينات» بالحجج الواضحة على صدقهم «فردوا» أي الأمم «أيديهم في أفواههم» أي إليها ليعضوا عليها من شدة الغيظ «وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به» في زعمكم «وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب» موقع في الريبة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم يأتكم -يا أمَّة محمد- خبر الأمم التي سبقتكم، قوم نوح وقوم هود وقوم صالح، والأمم التي بعدهم، لا يحصي عددهم إلا الله، جاءتهم رسلهم بالبراهين الواضحات، فعضُّوا أيديهم غيظًا واستنكافًا عن قَبول الإيمان، وقالوا لرسلهم: إنا لا نصدِّق بما جئتمونا به، وإنا لفي شكٍّ مما تدعوننا إليه من الإيمان والتوحيد موجب للريبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - جانبا من أحوال بعض الرسل مع أقوامهم ، ومن المحاورات التى دارت بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم فقال - تعالى - :( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ .

.

.

)قوله - سبحانه - : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ .

.

.

) يرى بعض المفسرين أنه من تتمة كلام موسى - عليه السلام - فيكون المعنى : أن موسى - عليه السلام - بعد أن ذكر بأيام الله - تعالى - ، وبنعمه عليهم ، وبسننه - سبحانه - فى خلقه .

.

.بعد كل ذلك شرع فى تذكيرهم وتخويفهم عن طريق ما حل بالمكذبين من قبلهم ، فقال لهم - كما حكى القرآن عنه - : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ .

.

)ومنهم من يرى أن الآية الكريمة كلام مستأنف ، والخطاب فيه لأمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيكون المعنى : أن الله - تعالى - بعد أن ين للناس أنه قد أنزل كتابه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لإِخراجهم من الظلمات إلى النور ، وبين - سبحانه - أن له ما فى السموات وما فى الأرض وهدد الكافرين بالعذاب الشديد ، وحكى ما قاله موسى لقومه .بعد كل ذلك وجه - سبحانه - الخطاب إلى مشركى مكة وإلى كل من كان على شاكلتهم فقال : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ .

.

.

) .قال الفخر الرازى ما ملخصه : " يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه ، والمقصود منه أنه - عليه السلام - كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم .ويجوز أن يكون مخاطبة من الله - تعالى - على لسان موسى لقومه ، يذكرهم أمر القرون الأولى .

والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين ، وهذا المقصود حاصل على التقديرين ، إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - .ومع أننا نؤيد الإِمام الرازى فى أن المقصود إنما حصول العبرة بأحوال المتقدمين إلا أننا نميل مع الأكثرين إلى الرأى الثانى ، لأن قوم رسول - صلى الله عليه وسلم - هم المقصودون قصدا أوليا بالخطاب القرآنى ، ولأن الإِمام ابن كثير - يرى أنه لم يرد ذكر فى التوراة لقوم عاد وثمود ، فقد قال :قال ابن جرير : " هذا من تمام قول موسى لقومه .

.

.

وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله - تعالى - لهذه الأمة ، فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست فى التوراة ، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصه عليهم ، فلا شك حينئذ أن تكون هاتان القصتان فى التوراة .والاستفهام فى قوله ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ .

.

.

) للتقرير لأنهم قد بلغتهم أخبارهم ، فقوم نوح بلغتهم أخبارهم بسبب خبر الطوفان الذى كان مشهورا بينهم ، وقوم عاد وثمود بلغتهم أخبارهم لأنهم من العرب ، ومساكنهم فى بلادهم ، وهم يمرون على ديار قوم صالح فى أسفارهم إلى بلاد الشام للتجارة .والمراد بالذين من بعدهم : أولئك الأقوام الذين جاءوا من بعد قوم نوح وعاد وثمود ، كقوم إبراهيم وقوم لوط وغيرهم .وقوله : ( لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ) أى : لا يعلم عدد الأقوام الذين جاءوا بعد قوم نوح وعاد وثمود ولا يعلم ذواتهم وأحوالهم إلا الله تعالى .وقوله ( والذين مِن بَعْدِهِمْ ) مبتدأ ، وقوله ( لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ) خبره ، والجملة اعتراض بن المفسر - بفتح السين - وهو ( نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ ) وتفسيره وهو ( جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات ) .والمعنى : لقد علمتم يا أهل مكة ما حل بقوم نوحو عاد وثمود ، كما علمتم ما حل بالمكذبين من بعدهم كقوم لوط وقوم شعيب ، وكغيرهم ممن لا يعلم أحوالهم وعددهم إلا الله - تعالى - وما دام الأمر كذلك فاعتبروا واتعظوا واتبعوا هذا الرسول الكريم الذى جاء لسعادتكم ، لكى تنجوا من العذاب الأليم الذى حل بالمظالمين من قبلكم .وجملة ( جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات ) مستأنفة فى جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل ما قصة هؤلاء الأقوام وما خبرهم؟فكان الجواب : جاء كل رسول إلى قومه بالحجج الواضحات ، وبالمعجزات الظاهرات ، الدالة على صدقه فيما يبلغه عن ربه .وقوله ( فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ .

.

.

) .بيان لموقف الأقوام المكذبين من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم .والضمائر فى " ردوا " و " أيديهم " و " أفواههم " تعود على الأقوام الذين جاءتهم رسلهم بالبينات ، وهذه الجملة الكريمة ذكر المفسرون فى معناها وجوها متعددة أوصلها بعضهم إلى عشرة أقوال :منها : أن الكفار وضعوا أنامهم فى أفواههم فعضوها غيضا وبغضا مما جاء به الرسل ، وقالوا لهم بغضب وضجر : إنا كفرنا بما أرسلتم به وبما جئتمونا به من معجزات ، فاغربوا عن وجوهنا ، واتركونا وشأننا .ومن المفسرين الذين رجحوا هذا الوجه الإِمام ابن جرير ، فقد قال : " وقوله : ( فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ .

.

.

) اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك ، فعضوا على أصابعهم تغيظا عليهم فى دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه .

.

روى ذلك عن ابن مسعود وغيره .ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال الأخرى : وأشبه هذه الأقوال عندى الصواب فى تأويل هذه الآية ، القول الذى ذكرناه عن عبد الله بن مسعود أنهم ردوا أيديهم فى أفواههم ، فعضوا عليها غيظا على الرسل ، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين فقال : ( وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ ) فهذا هو الكلام المعروف ، والمعنى المفهوم من رد الأيدى إلى الأفواه .ومنها : أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواههم إشارة منهم إلى أنفسهم وإلى ما يصدر عنها ، وقالوا للرسل على سبيل التحدى والتكذيب .

( إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أى : لا جواب لكم عندنا سوى ما قلناه لكم بألسنتنا هذه .ومن المفسرين الذين رجحوا هذا القول الإِمام الآلوسى ، فقد صدر الأقوال التى ذكرها به ، فقال ما ملخصه : قوله ( فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ ) أى : أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به ، وقالوا لهم ( إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أى : على زعمكم ، وهى البينات التى أظهرها حجة على صحة رسالتهم ، ومرادهم بالكفر بها : الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم .

.

.ثم قال بعد أن ساق عددا من الأقوال : والذى يطابق المقام ، وتشهد له البلاغة : هو الوجه الأول ، ونص غير واحد على أنه الوجه القوى ، لأنهم حالوا الإِنكار على الرسل كل الإِنكار ، حيث جمعوا على الإِنكارين : الفعل والقول ، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يتمهلوا ، بل عقدوا دعوتهم بالتكذيب .

.

.

" .ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا .وقد رجح هذا الوجه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور فقال : " وهذا التركيب لا أعهد مثله فى كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن : ومعنى ( فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ ) .يحتمل عد وجو أنها فى الكشاف إلى سبعة ، وفى بعضها بعد ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى : أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل ، كراهية أن تظهر دواخل أفواههم ، وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل .ومنها : أن الكفار لما سمعوا أقوال الرسل لهم ، لم يردوا عليهم ، بل تركوهم إهمالا لشأنهم .وقد رجح الشوكانى هذا الاتجاه فقال ما ملخصه : " وقال أبو عبيدة - ونعم ما قال - هو ضرب مثل .

أى : لم يؤمنوا ولم يجيبوا .

والعرب تقول الرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده فى فيه .

وهذكا قال الأخفش ، واعترض على ذلك القتيبى فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول : رد يده فى فيه ، إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنفا وغيظا .

.فإن صح ما ذكره أبو عبيدة والأخفش فتفسير الآية به أقرب .

.

.وهذه الأقوال جميعها وإن كانت تتفق فى أن الآية الكريمة ، قد أخبرت بأبلغ عبارة عما قابل به الأقوام المكذبين رسلهم من سوء أدب .إلا أننا نميل إلى ما ذهب إليه الإِمام ابن جرير ، لأنه أظهر الأقوال فى معناها ، وقد استشهد له بعضهم بأشعار العرب ، ومنها قول الشاعر :ترون فى فيه غش الحسو ...

د حتى يعض على الأكفاوقوله - سبحانه - ( وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) معطوف على قوله ( إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) .ومريب : اسم فاعل من أراب .

تقول : أربت فلانا فأنا أريبه ، إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة ، فمعنى مريب : موقع فى الريبة أى : فى القلق والاضطراب .أى : قال المكذبون لرسلهم إنا كفرنا بما جئتم به من المعجزات والبينات .وإنا لفى شك كبير موقع فى الريبة مما تدعوننا إليه من الإِيمان بوحدانية الله ، وبإخلاص العبادة له ..قال الجمل ما ملخصه : " فإن قيل : إنهم أكدوا كفرهم بما أرسل به الرسل .ثم ذكروا بعد ذلك أنهم شاكون مرتابون فى صحة قولهم فكيف ذلك .فالجواب : كأنهم قالوا أنا كفرنا بما أرسلتم به أيها الرسل فإنه لم نكن كذلك ، فال أقل من أن نكون شاكين مرتابين فى صحة نبوتكم .أو يقال : المراد بقولهم ( إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) أى بالمعجزات والبينات ، وبقولهم : ( وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) وهو الإِيمان والتوحيد .أو يقال : إنهم كانوا فرقتين إحداهما جزمت بالكفر ، والأخرى شكت .

.

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن موسى عليه السلام لما بين أن الاشتغال بالشكر يوجب تزايد الخيرات في الدنيا وفي الآخرة، والاشتغال بكفران النعم يوجب العذاب الشديد، وحصول الآفات في الدنيا والآخرة، بين بعده أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحب الشكر وصاحب الكفران أما المعبود والمشكور فإنه متعال عن أن ينتفع بالشكر أو يستضر بالكفران، فلا جرم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ والغرض منه بيان أنه تعالى إنما أمر بهذه الطاعات لمنافع عائدة إلى العابد لا لمنافع عائدة إلى المعبود، والذي يدل على أن الأمر كذلك ما ذكره الله في قوله: ﴿ إِنَّ الله لَغَنِىٌّ ﴾ وتفسيره أنه واجب الوجود لذاته واجب الوجود بحسب جميع صفاته واعتباراته، فإنه لو لم يكن واجب الوجود لذاته، لافتقر رجحان وجوده على عدمه إلى مرجح فلم يكن غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن كونه غنياً يوجب كونه واجب الوجود في ذاته، وإذا ثبت أنه واجب الوجود لذاته، كان أيضاً واجب الوجود بحسب جميع كمالاته، إذ لو لم تكن ذاته كافية في حصول ذلك الكمال، لافتقر في حصول ذلك الكمال إلى سبب منفصل، فحينئذ لا يكون غنياً، وقد فرضناه غنياً هذا خلف، فثبت أن ذاته كافية في حصول جميع كمالاته، وإذا كان الأمر كذلك كان حميداً لذاته، لأنه لا معنى للحميد إلا الذي استحق الحمد، فثبت بهذا التقرير الذي ذكرناه أن كونه غنياً حميداً يقتضي أن لا يزداد بشكر الشاكرين، ولا ينتقص بكفران الكافرين، فلهذا المعنى قال: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ وهذه المعاني من لطائف الأسرار.

واعلم أن قولنا: ﴿ إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعًا ﴾ سواء حمل على الكفر الذي يقابل الإيمان أو على الكفران الذي يقابل الشكر، فالمعنى لا يتفاوت ألبتة، فإنه تعالى غني عن العالمين في كمالاته وفي جميع نعوت كبريائه وجلاله.

ثم إنه تعالى قال: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ﴾ وذكر أبو مسلم الأصفهاني أنه يحتمل أن يكون ذلك خطاباً من موسى عليه السلام لقومه والمقصود منه أنه عليه السلام كان يخوفهم بمثل هلاك من تقدم، ويجوز أن يكون مخاطبة من الله تعالى على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى، والمقصود إنما هو حصول العبرة بأحوال المتقدمين، وهذا المقصود حاصل على التقديرين إلا أن الأكثرين ذهبوا إلى أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول صلى الله عليه وسلم.

واعلم أنه تعالى ذكر أقواماً ثلاثة، وهم: قوم نوح وعاد وثمود.

ثم قال تعالى: ﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ وذكر صاحب الكشاف فيه احتمالين: الأول: أن يكون قوله: ﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً.

والثاني: أن يقال قوله: ﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ ﴾ معطوف على قوم نوح وعاد وثمود وقوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ فيه قولان: القول الأول: أن يكون المراد لا يعلم كنه مقاديرهم إلا الله، لأن المذكور في القرآن جملة فأما ذكر العدد والعمر والكيفية والكمية فغير حاصل.

والقول الثاني: أن المراد ذكر أقوام ما بلغنا أخبارهم أصلاً كذبوا رسلاً لم نعرفهم أصلاً، ولا يعلمهم إلا الله والقائلون بهذا القول الثاني طعنوا في قول من يصل الأنساب إلى آدم عليه السلام كان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية يقول كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد، وعن ابن عباس: بين عدنان وبين إسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان في انتسابه لا يجاوز معد بن عدنان بن أدد.

وقال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وتعلموا من النجوم ما تستدلون به على الطريق» قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع على مقدار السنين من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الوقت، لأنه إن أمكن ذلك لم يبعد أيضاً تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

فإن قيل: أي القولين أولى؟

قلنا: القول الثاني عندي أقرب، لأن قوله تعالى: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ نفى العلم بهم، وذلك يقتضي نفي العلم بذواتهم إذ لو كانت ذواتهم معلومة، وكان المجهول هو مدد أعمارهم وكيفية صفاتهم لما صح نفي العلم بذواتهم، ولما كان ظاهر الآية دليلاً على نفي العلم بذواتهم لا جرم كان الأقرب هو القول الثاني، ثم إنه تعالى حكى عن هؤلاء الأقوام الذين تقدم ذكرهم أنه لما جاءتهم رسلهم بالبينات والمعجزات أتوا بأمور: أولها: قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ وفي معناه قولان: الأول: أن المراد باليد والفم الجارحتان المعلومتان، والثاني: أن المراد بهما شيء غير هاتين الجارحتين وإنما ذكرهما مجازاً وتوسعاً.

أما من قال بالقول الأول ففيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يكون الضمير في ﴿ أَيْدِيَهُمْ ﴾ و ﴿ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ عائداً إلى الكفار، وعلى هذا ففيه احتمالات: الأول: أن الكفار ردوا أيديهم في أفواههم فعضوها من الغيظ والضجر من شدة نفرتهم عن رؤية الرسل واستماع كلامهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ  ﴾ وهذا القول مروي عن ابن عباس وابن مسعود رحمهما الله تعالى، وهو اختيار القاضي.

والثاني: أنهم لما سمعوا كلام الأنبياء عجبوا منه وضحكوا على سبيل السخرية، فعند ذلك ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل ذلك من غلبه الضحك فوضع يده على فيه، والثالث: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن كفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث، وهذا مروي عن الكلبي.

والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم إنا كفرنا بما أرسلتم به، أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه، وليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ .

الوجه الثاني: أن يكون الضميران راجعين إلى الرسل عليهم السلام وفيه وجهان: الأول: أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم.

الثاني: أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم فإن من ذكر كلاماً عند قوم وأنكروه وخافهم، فذلك المتكلم ربما وضع يد نفسه على فم نفسه وغرضه أن يعرفهم أنه لا يعود إلى ذلك الكرم ألبتة.

الوجه الثالث: أن يكون الضمير في أيديهم يرجع إلى الكفار وفي الأفواه إلى الرسل وفيه وجهان: الأول: أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء عليهم السلام ونصائحهم وكلامهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم ورداً عليهم.

والثاني: أن الكفار وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء عليهم السلام منعاً لهم من الكلام، ومن بالغ في منع غيره من الكلام فقد يفعل به ذلك.

أما على القول الثاني: وهو أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز ففيه وجوه: الوجه الأول: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد باليد ما نطقت به الرسل من الحجج وذلك لأن أسماع الحجة انعام عظيم والإنعام يسمى يداً.

يقال لفلان عندي يد إذا أولاه معروفاً، وقد يذكر اليد.

المراد منها صفقة البيع والعقد كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ فالبينات التي كان الأنبياء عليهم السلام يذكرونها ويقررونها نعم وأياد، وأيضاً العهود التي كانوا يأتون بها مع القوم أيادي وجمع اليد في العدد القليل هو الأيدي وفي العدد الكثير هو الأيادي، فثبت أن بيانات الأنبياء عليهم السلام وعهودهم صح تسميتها بالأيدي، وإذا كانت النصائح والعهود إنما تظهر من الفم فإذا لم تقبل صارت مردودة إلى حيث جاءت، ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ  ﴾ فلما كان القبول تلقياً بالأفواه عن الأفواه كان الدفع رداً في الأفواه، فهذا تمام كلام أبي مسلم في تقرير هذا الوجه.

الوجه الثاني: نقل محمد بن جرير عن بعضهم أن معنى قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أنهم سكتوا عن الجواب يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب، رد يده في فيه وتقول العرب كلمت فلاناً في حاجة فرد يده في فيه إذا سكت عنه فلم يجب، ثم إنه زيف هذا الوجه وقال: إنهم أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ .

الوجه الثالث: المراد من الأيدي نعم الله تعالى على ظاهرهم وباطنهم ولما كذبوا الأنبياء فقد عرضوا تلك النعم للإزالة والإبطال فقوله: ﴿ رَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي ردوا نعم الله تعالى عن أنفسهم بالكلمات التي صدرت عن أفواههم ولا يبعد حمل في على معنى الباء لأن حروف الجر لا يمتنع إقامة بعضها مقام بعض.

النوع الثاني: من الأشياء التي حكاها الله تعالى عن الكفار قولهم: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ والمعنى: إنا كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم فيه لأنهم ما أقروا بأنهم أرسلوا.

واعلم أن المرتبة الأولى هو أنهم سكتوا عن قبول قول الأنبياء عليهم السلام وحاولوا إسكات الأنبياء عن تلك الدعوى، وهذه المرتبة الثانية أنهم صرحوا بكونهم كافرين بتلك البعثة.

والنوع الثالث: قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ تَدْعُونَا ﴾ بادغام النون ﴿ مُرِيبٍ ﴾ موقع في الريبة أو ذي ريبة من أرابه، والريبة قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر.

فإن قيل: لما ذكروا في المرتبة الثانية أنهم كافرون برسالتهم كيف ذكروا بعد ذلك كونهم شاكين مرتابين في صحة قولهم؟

قلنا: كأنهم قالوا إما أن نكون كافرين برسالتكم أو أن ندع هذا الجزم واليقين فلا أقل من أن نكون شاكين مرتابين في صحة نبوتكم، وعلى التقديرين فلا سبيل إلى الاعتراف بنبوتكم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ جملة من مبتدأ وخبر، وقعت اعتراضاً: أو عطف الذين من بعدهم على قوم نوح.

و ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ اعتراض.

والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون، يعني أنهم يدّعون علم الأنساب، وقد نفي الله علمها عن العباد ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل، كقوله: ﴿ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الانامل مِنَ الغيظ ﴾ [آل عمران: 119] أو ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه.

أو وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره، إقناطاً لهم من التصديق.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ وهذا قول قوي.

أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم واسكتوا.

أو ردّوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت.

أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون.

وقيل: الأيدي، جمع يد وهي النعمة بمعنى الأيادي، أي: ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم، لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها، فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيثُ جاءت منه على طريق المثل ﴿ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ ﴾ من الإيمان بالله.

وقرئ: ﴿ تدعونا ﴾ بإدغام النون ﴿ مُرِيبٍ ﴾ موقع في الريبة أو ذي ريبة، من أرابه، وأراب الرجل، وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ ﴾ مِن كَلامِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مِنَ اللَّهِ.

﴿ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتِ اعْتِراضًا، أوِ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ ولا يَعْلَمُهُمُ اعْتِراضٌ، والمَعْنى أنَّهم لِكَثْرَتِهِمْ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبَ النَّسّابُونَ.

﴿ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ فَعَضُّوها غَيْظًا مِمّا جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ ﴾ .

أوْ وضَعُوها عَلَيْها تَعَجُّبًا مِنهُ أوِ اسْتِهْزاءً عَلَيْهِ كَمَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ، أوْ إسْكاتًا لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمْرًا لَهم بِإطْباقِ الأفْواهِ، أوْ أشارُوا بِها إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا كَفَرْنا ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنْ لا جَوابَ لَهم سِواهُ أوْ رَدُّوها في أفْواهِ الأنْبِياءِ يَمْنَعُونَهم مِنَ التَّكَلُّمِ، وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا.

وقِيلَ الأيْدِي بِمَعْنى الأيادِي أيْ رَدُّوا أيادِيَ الأنْبِياءِ الَّتِي هي مَواعِظُهم وما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الحِكَمِ والشَّرائِعِ في أفْواهِهِمْ، لِأنَّهم إذا كَذَّبُوها ولَمْ يَقْبَلُوها فَكَأنَّهم رَدُّوها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ.

﴿ وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ عَلى زَعْمِكم.

﴿ وَإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ ﴾ مِنَ الإيمانِ وقُرِئَ « تَدْعُونا» بِالإدْغامِ.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ أوْ ذِي رِيبَةٍ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وأنْ لا تَطْمَئِنَّ إلى الشَّيْءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} من كلام موسى لقومه أو ابتداء خطاب لأهل عصر محمد عليه السلام {والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله} جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضاً أو عطف الذين من بعدهم على قوم نوح ولا

إبراهيم (٩ _ ١١)

يعلمهم إلا الله اعتراض والمعنى أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله وعن ابن عباس رضي الله عنهما بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون ورُوى أنه عليه السلام قال عند نزول هذه الآية كذب النسابون {جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات} بالمعجزات {فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ} الضميران يعودان إلى الكفرة أي أخذوا أناملهم بأسنانهم تعجباً أو عضوا عليها تغيظاً أو الثاني يعود إلى الأنبياء أي رد القوم أيديهم في أفواه الرسل كيلا يتكلموا بما أرسلوا به {وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ} من الإيمان بالله والتوحيد {مُرِيبٍ} موقع في الريبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

لِما رَأى مِنهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ شَرَعَ في التَّرْهِيبِ بِتَذْكِيرِ ما جَرى عَلى الأُمَمِ الدّارِجَةِ فَقالَ: ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ لِيَتَدَبَّرُوا ما أصابَ كُلَّ واحِدٍ مِن حِزْبَيِ المُؤْمِنِ والكافِرِ فَيَتِمُّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقْصُودُهُ مِنهم وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ إنْ تَكْفُرُوا ﴾ ..

إلَخْ عَلى أنَّهُ كالبَيانِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ في الجَوابِ مِن عَوْدِ ضَرَرِ الكُفْرانِ عَلى الكافِرِ دُونَهُ عَزَّ وجَلَّ وقِيلَ: هو مِن كَلامِهِ تَعالى جِيءَ تَتِمَّةً لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ ﴾ ..

إلَخْ وبَيانًا لِشِدَّةِ عَذابِهِ ونُقِلَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْتَرِضٌ في البَيْنِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ مِنهُ تَعالى مُخاطِبًا بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ ما ذَكَرَ إرْسالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقُرْآنِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ مِن قَصَصِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أُمَّتِهِ ولَعَلَّ تَخْصِيصَ تَذْكِيرِهِمْ بِما أصابَ أُولَئِكَ المَعْدُودِينَ مَعَ قُرْبِ غَيْرِهِمُ إلَيْهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إهْلاكَهُ تَعالى لِلظّالِمِينَ ونَصْرَهُ المُؤْمِنِينَ عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ.

﴿ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ عَطْفُ بَيانٍ ﴿ وعادٍ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ ﴿ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ عُطِفَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ وما عُطِفَ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ اعْتِراضٌ أوِ المَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُهُ وجُمْلَةُ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ اعْتِراضٌ والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ إنَّهم مِنَ الكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى ومَعْنى الِاعْتِراضِ عَلى الأوَّلِ ألَمْ يَأْتِكم أنْباءُ الجَمِّ الغَفِيرِ الَّذِي لا يُحْصى كَثْرَةً فَتَعْتَبِرُوا بِها إنَّ في ذَلِكَ لَمُعْتَبِرًا وعَلى الثّانِي هو تَرِقٍّ ومَعْناهُ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ هَؤُلاءِ ومَن لا يُحْصى عَدَدُهم كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعِ التَّفْصِيلَ فَإنَّهُ لا مَطْمَعَ في الحَصْرِ وفِيهِ لُطْفٌ لِإيهامِ الجَمْعِ بَيْنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ ولِذا جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوَّلَ الوَجْهَيْنِ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كَذِبَ النَّسّابُونَ يَعْنِي أنَّهم يَدَّعُونَ عِلْمَ الأنْسابِ وقَدْ نَفى اللَّهُ تَعالى عِلْمَها عَنِ العِبادِ أظْهَرَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ تَرْجِيحَ الطَّيِّبِيُّ الوَجْهَ الأوَّلَ بِما رَجَّحَهُ بِهِ لَيْسَ في مَحَلِّهِ: واعْتَرَضَ أبُو حَيّانَ القَوْلَ بِالِاعْتِراضِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ جُزْأيْنِ يَطْلُبُ أحَدُهُما الآخَرُ وما ذُكِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ومَنَعَ بِأنَّ بَيْنَ المُعْتَرِضِ بَيْنَهُما ارْتِباطًا يَطْلُبُ بِهِ أحَدُهُما الآخَرَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ حالًا بِتَقْدِيرِ قَدَّرُوا الِاعْتِراضَ يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وصاحِبِها فَلَيْسَ ما ذُكِرَ مُخالِفًا لِكَلامِ النُّحاةِ ولَوْ سُلِّمَ أنَّها لَيْسَتْ بِحالِيَّةٍ فَما ذَكَرُوهُ هُنا عَلى مُصْطَلَحِ أهْلِ المَعانِي وهم لا يَشْتَرِطُونُ الشَّرْطَ المَذْكُورَ حَتّى جَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الِاعْتِراضُ في آخِرِ الكَلامِ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي مَعَ أنَّ الجُمْلَةَ الآتِيَةَ مُفَسِّرَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الأُولى فَهي مُرْتَبِطَةٌ بِها مَعْنًى واشْتِراطُ الِارْتِباطِ الأعْرابِيِّ عِنْدَ النُّحاةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أيْضًا فَتَأمَّلْ وجَعَلَ أبُو البَقاءِ جُمْلَةَ ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ عَطْفِ المَوْصُولِ عَلى ما قَبْلُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ وجُوِّزَ الِاسْتِئْنافُ ولَعَلَّهُ أرادَ بِذَلِكَ الضَّمِيرَ المُسْتَقِرَّ في الجارِّ والمَجْرُورِ لا الضَّمِيرَ المَجْرُورَ بِالإضافَةِ لِفَقْدِ شَرْطِ مَجِيءِ الحالِ مِنهُ وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولِ مُبْتَدَأً كَوْنُ تِلْكَ الجُمْلَةِ خَبَرًا وكَوْنُها حالًا والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ والكَثِيرُ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ ﴿ بِالبَيِّناتِ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ فَبَيَّنَ كُلُّ رَسُولٍ مِنهم لِأُمَّتِهِ طَرِيقَ الحَقِّ وهَداهم إلَيْهِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ أيْ أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى ألْسِنَتِهِمْ وما نَطَقَتْ بِهِ ﴿ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكم وهي البَيِّناتُ الَّتِي أظْهَرُوها حُجَّةً عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِمْ.

ومُرادُهم بِالكُفْرِ بِها الكُفْرُ بِدَلالَتِها عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِمْ أوِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ وحاصِلُهُ أنَّهم أشارُوا إلى جَوابِهِمْ هَذا كَأنَّهم قالُوا: هَذا جَوابُنا لَكم لَيْسَ عِنْدَنا غَيْرُهُ إقْناطًا لَهم مِنَ التَّصْدِيقِ وهَذا كَما يَقَعُ في كَلامِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّ هَذا هو الجَوابُ ثُمَّ يُقَرِّرُونَهُ أوْ يُقَرِّرُونَهُ ثُمَّ يُشِيرُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى أنَّ هَذا هو الجَوابُ فَضَمِيرُ ( أيْدِيَهم، وأفْواهِهِمْ ) إلى الكُفّارِ والأيْدِي عَلى حَقِيقَتِها والرَّدُّ مَجازٌ عَنِ الإشارَةِ وهي تَحْتَمِلُ المُقارَنَةَ والتَّقَدُّمَ والتَّأخُّرَ وقالَ أبُو صالِحٍ: المُرادُ أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ مُشِيرِينَ بِذَلِكَ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنْ يَكُفُّوا ويَسْكُتُوا عَنْ كَلامِهِمْ كَأنَّهم قالُوا: اسْكُتُوا فَلا يَنْفَعُكُمُ الإكْثارُ ونَحْنُ مُصِرُّونَ عَنِ الكُفْرِ لا نُقْلِعَ عَنْهُ.

فَكَمْ أنا لا أُصْغِي وأنْتَ تُطِيلُ.

فالضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ أيْضًا وسائِرُ ما في النَّظْمِ عَلى حَقِيقَتِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ أنَّهم عَضُّوا أيْدِيَهم غَيْظًا مِن شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ مِن رُؤْيَةِ الرُّسُلِ وسَماعِ كَلامِهِمْ فالضَّمِيرانِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ واليَدُ والفَمُ عَلى حَقِيقَتِهِما والرَّدُّ كِنايَةً عَنِ العَضِّ ولا يُنافِي الحَقِيقَةَ كَوْنُ المَعْضُوضِ الأنامِلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ ﴾ فَإنَّ مَن عَضَّ مَوْضِعًا مِنَ اليَدِ يُقالُ حَقِيقَةً إنَّهُ عَضَّ اليَدَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُرادَ أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ تَعَجُّبًا مِمّا جاءَ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وهَذا كَما يَضَعُ مَن غَلَبَهُ الضَّحِكُ يَدَهُ عَلى فِيهِ فالضَّمِيرانِ وسائِرُ ما في النَّظْمِ كَما في القَوْلِ الثّانِي وجُوِّزَ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ في ﴿ أيْدِيَهُمْ ﴾ إلى الكُفّارِ وفي ﴿ أفْواهِهِمْ ﴾ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وفِيهِ احْتِمالانِ الأوَّلُ أنَّهم أشارُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنِ اسْكُتُوا والآخَرُ أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَنعًا لَهم مِنَ الكَلامِ ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والكَلامُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً بِأنْ يُرادَ بِرَدِّ أيْدِي القَوْمِ إلى أفْواهِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَدَمُ قَبُولِ كَلامِهِمْ واسْتِماعِهِ مُشَبَّهًا بِوَضْعِ اليَدِ عَلى فَمِ المُتَكَلِّمِ لِإسْكاتِهِ وظاهِرُ ما في البَحْرِ يَقْتَضِي أنَّهُ حَقِيقَةٌ حَيْثُ قالَ: إنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الرَّدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والنَّيْلِ مِنهم وأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿ أيْدِيَهُمْ ﴾ لِلْكُفّارِ وضَمِيرُ ﴿ أفْواهِهِمْ ﴾ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

والأيْدِي جَمْعُ يَدٍ بِمَعْنى النِّعْمَةِ أيْ رَدُّوا نِعَمَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّتِي هي أجَلُّ النِّعَمِ مِن مَواعِظِهِمْ ونَصائِحِهِمْ وما أُوِحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ في أفْواهِهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مَثَلًا لِرَدِّها وتَكْذِيبِها بِأنْ يُشَبَّهَ رَدُّ الكُفّارِ ذَلِكَ بِرَدِّ الكَلامِ الخارِجِ مِنَ الفَمِ فَقِيلَ: رَدُّوا أيْدِيَهم أيْ مَواعِظَهم في أفْواهِهِمْ والمُرادُ عَدَمُ قَبُولِها وقِيلَ: المُرادُ بِالأيْدِي النِّعَمُ والضَّمِيرُ الأوَّلُ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا لَكِنَّ الضَّمِيرَ الثّانِيَ لِلْكُفّارِ عَلى مَعْنى كَذَّبُوا ما جاءُوا بِأفْواهِهِمْ أيْ تَكْذِيبًا لا مُسْتَنَدَ لَهُ وفي بِمَعْنى الباءِ وقَدْ أثْبَتَ الفَرّاءُ مَجِيئَها بِمَعْناها وأنْشَدَ: .

وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سُنْبُسَ لَسْتُ أرْغَبُ وضُعِّفَ حَمْلُ الأيْدِي عَلى النِّعَمِ بِأنَّ مَجِيئَها بِمَعْنى ذَلِكَ قَلِيلٌ في الِاسْتِعْمالِ حَتّى أنْكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ وإنْ كانَ الصَّحِيحُ خِلافَهُ والمَعْرُوفُ في ذَلِكَ الأيادِي كَما في قَوْلِهِ: .

سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتْ وبِأنَّ الرَّدَّ والأفْواهَ يُناسِبُ إرادَةَ الجارِحَةِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ والكَلامُ ضَرْبُ مَثَلٍ أيْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يُجِيبُوا والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا سَكَتَ عَنِ الجَوابِ وأمْسَكَ رَدَّ يَدَهُ في فِيهِ ومِثْلُهُ عَنِ الأخْفَشِ.

وتَعَقَّبَهُ القُتْبِيُّ بِأنّا لَمْ نَسْمَعْ أحَدًا مِنَ العَرَبِ يَقُولُ رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ في فِيهِ إذا سَكَتَ وتَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ وفِيهِ أنَّهُما سَمِعا ذَلِكَ ومَن سَمِعَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَسْمَعْ قالَ أبُو حَيّانَ: وعَلى ما ذَكَراهُ يَكُونُ ذَلِكَ مِن مَجازِ التَّمْثِيلِ كَأنَّ المُمْسِكَ عَنِ الجَوابِ السّاكِتِ عَنْهُ وضَعَ يَدَهُ عَلى فِيهِ ورَدَّهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهم قَدْ أجابُوا بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهم قالُوا: ﴿ إنّا كَفَرْنا ﴾ إلى آخِرِهِ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادُ القائِلِ أنَّهم أمْسَكُوا وسَكَتُوا عَنِ الجَوابِ المَرْضِيِّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَجِيءُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إلَيْهِمْ بِالبَيِّناتِ وهو الِاعْتِرافُ والتَّصْدِيقُ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الضَّمِيرانِ لِلْكُفّارِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُتَجَوَّزَ في الأيْدِي ويُرادُ مِنها ما يَشْمَلُ أنْواعَ المُدافَعَةِ والمَعْنى رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ أيْ إلى ما قالُوا بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَّكْذِيبِ وحاصِلُهُ أنَّهم لَمْ يَجِدُوا ما يَدْفَعُونَ بِهِ كَلامَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِوى التَّكْذِيبِ المَحْضِ وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي إذْ هي مَوْضِعُ أشَدِّ المُدافَعَةِ والمُرادَّةِ.

وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم جَعَلُوا أيْدِيَهم في مَحَلِّ ألْسِنَتِهِمْ عَلى مَعْنى أنَّهم آذَوُا الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِألْسِنَتِهِمْ نَحْوَ الإيذاءِ بِالأيْدِي والَّذِي يُطابِقُ المَقامَ وتَشْهَدُ لَهُ بَلاغَةُ التَّنْزِيلِ هو الوَجْهُ الأوَّلُ ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ الوَجْهُ القَوِيُّ لِأنَّهم لَمّا حاوَلُوا الإنْكارَ عَلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُلَّ الإنْكارِ جَمَعُوا في الإنْكارِ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ ولِذا أتى بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم لَمْ يُمْهِلُوا بَلْ عَقَّبُوا دَعْوَتَهم بِالتَّكْذِيبِ وصَدَّرُوا الجُمْلَةَ بِإنَّ ويَلِي ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ الوَجْهُ الثّانِي ولا يَخْفى ما في أكْثَرِ الوُجُوهِ الباقِيَةِ فَتَأمَّلْ ﴿ وإنّا لَفي شَكٍّ ﴾ عَظِيمٍ ﴿ مِمّا تَدْعُونَنا ﴾ إلَيْهِ مَنِ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ وبِهَذا وتَفْسِيرِ ( ما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) بِما ذُكِرَ أوَّلًا يَنْدَفِعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ المُنافاةِ بَيْنَ جَزْمِهِمْ بِالكُفْرِ وشَكِّهِمْ هَذا وقِيلَ في دَفْعِ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ مُتَعَلِّقِي الكُفْرِ والشَّكِّ واحِدًا: إنَّ الواوَ بِمَعْنى أوْ أيْ أحَدُ الأمْرَيْنِ لازِمٌ وهو إنّا كَفَرْنا جَزْمًا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ فَإنْ لَمْ نَجْزِمْ فَلا أقَلَّ مِن أنْ نَكُونَ شاكِّينَ فِيهِ وأيًّا ما كانَ فَلا سَبِيلَ إلى الإقْرارِ والتَّصْدِيقِ وقِيلَ: إنَّ الكُفْرَ عَدَمُ الإيمانِ عَمَّنْ هو مِن شَأْنِهِ فَكَفَرْنا بِمَعْنى لَمْ نُصَدِّقْ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وذَلِكَ لا يُنافِي الشَّكَّ وفي البَحْرِ أنَّهم بادَرُوا أوَّلًا إلى الكُفْرِ وهو التَّكْذِيبُ المَحْضُ ثُمَّ أخْبَرُوا أنَّهم في شَكٍّ وهو التَّرَدُّدُ كَأنَّهم نَظَرُوا بَعْضَ نَظَرٍ اقْتَضى أنِ انْتَقَلُوا مِنَ التَّكْذِيبِ المَحْضِ إلى التَّرَدُّدِ أوْ هُما قَوْلانِ مِن طائِفَتَيْنِ طائِفَةٌ بادَرَتْ بِالتَّكْذِيبِ والكُفْرِ وأُخْرى شَكَّتْ والشَّكُّ في مِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كُفْرٌ وهَذا أوْلى مِن قَرِينِهِ وقَرَأ طَلْحَةُ ( مِمّا تَدْعُونا ) بِإدْغامِ نُونِ الرَّفْعِ في نُونِ الضَّمِيرِ كَما تُدْغَمُ في نُونِ الوِقايَةِ في نَحْوِ أتُحاجُّونِّي.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ .

(9) .

أيْ مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ مِن أرابَنِي بِمَعْنى أوْقَعَنِي في رِيبَةٍ أوْ ذِي رِيبَةٍ مِن أرابَ صارَ ذا رِيبَةٍ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وعَدَمُ اطْمِئْنانِها بِالشَّيْءِ وهو صِفَةٌ تَوْكِيدِيَّةٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يقول: ألم يأتكم في القرآن خبر الذين من قبلكم من الأمم الماضية، كيف عذّبهم الله تعالى عند تكذيب رسلهم قَوْمِ نُوحٍ كيف أهلكهم الله بالغرق، وَعادٍ كيف أهلكهم الله بالريح، وَثَمُودَ كيف أهلكهم بالصيحة، فهذا تهديد لأهل مكة ليعتبروا بهم.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ كيف عذبوا لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ يعني: لا يعلم عددهم إلا الله.

قال ابن مسعود: «كذب النسابون وقرأ هذه الآية: وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: الأمم الخالية جاءتهم رسلهم بالأمر والنهي» فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ قال مقاتل: وضع الكفار أيديهم على أفواههم، فقالوا للرسل: اسكتوا فإنكم كذبة، وإن العذاب غير نازل بنا.

وروى هبيرة بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في قوله فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ قال: «جعلوا أصابعهم في فيهم» .

وقال القتبي: أي: عضوا عليها حنقا وغيظاً.

قال مجاهد وقتادة: يعني: ردّوا عليهم قولهم وكذبوهم، ويقال: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ يعني: نِعَم رسلهم، لأن مجيئهم بالبينات نعم.

يعني قوله: فِي أَفْواهِهِمْ أي: بأفواههم.

أي: ردوا تلك النعمة بالنطق بالتكذيب وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا فهذا هو ردهم بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ يعني: بما تدعونا إليه وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ وهو المبالغة في الشك يعني: ظاهر الشك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ...

الآية، هذه الآيةُ طعن وردّ على المستغربين أمر محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وباقي الآية بيِّن.

وقوله سبحانه لموسَى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: أي: عظْهم بالتهديدِ بِنِقَمِ اللَّهِ التي/ أحلَّها بالأمم الكَافرة قَبْلهم، وبالتَّعْديدِ لنعمه علَيْهم، وعَبَّرَ عن النعم وَالنِّقَمِ ب «الأَيَّامِ» إِذ هي في أيامٍ، وفي هذه العبارةِ تعظيمُ هذه الكوائنِ المذكَّر بها، وفي الحديثِ الصحيحِ:

«بَيْنَمَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ يُذَكِّرُهُمْ أيَّامَ اللَّهِ ...

» الحديث، في قصة موسَى مع الخَضِرِ.

قال عياضٌ في «الإِكمال» : «أَيَّامِ الله» : نَعْمَاؤه وبلاؤه، انتهى.

وقال الداوديّ: وعن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ: قال: بِنِعَمِ اللَّهِ» وعن قتادة: لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ: قال: نعْمَ، واللَّهِ، العبدُ إِذا ابتلي صَبَرَ، وإِذا أُعْطِيَ شَكَرَ.

انتهى «١» .

وقال ابنُ العربيِّ في «أَحكامه» : وفي بِأَيَّامِ اللَّهِ قولان: أحدهما: نعمه.

والثاني:

نقمه.

انتهى.

وقوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ...

الآية: «تأَذَّن» : بمعنى آذَنَ، أي: أعلم.

قال بعضُ العلماء: الزيادةُ على الشُّكر ليستْ في الدنيا، وإِنما هي مِنْ نعم الآخرةِ، والدنيا أهْوَنُ من ذلك.

قال ع «٢» : وجائزٌ أن يزيدَ اللَّه المؤمِنَ علَى شُكْره من نعمِ الدنيا والآخرةِ، «والكُفْرِ» هنا: يحتمل أن يكون على بابه، ويحتملُ أنْ يكون كفرَ النِّعَمِ، لا كفر الجحد،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ مَذْكُورٌ في (الأعْرافِ:١٦٧) .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَئِنْ شَكَرْتُمْ نِعَمِي لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إنْعامِي لَأزِيدَنَّكم مِن فَضْلِي، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والثّالِثُ: لَئِنْ وحَّدْتُمُونِي لَأزِيدَنَّكم خَيْرًا في الدُّنْيا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُفْرٌ بِالتَّوْحِيدِ.

والثّانِي: كُفْرانُ النِّعَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ أيْ: غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ، مَحْمُودٌ في أفْعالِهِ، لِأنَّهُ إمّا مُتَفَضِّلٌ بِفِعْلِهِ، أوْ عادِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أيْ: لا يُحْصِي عَدَدَهم إلّا هو، عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ أُمَمًا مِنَ العَرَبِ وغَيْرِها، فانْقَطَعَتْ أخْبارُهم، وعَفَتْ آثارُهم، فَلَيْسَ يَعْلَمُهم أحَدٌ إلّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا أصابِعَهم غَيْظًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " في " هاهُنا بِمَعْنى: " إلى "، ومَعْنى الكَلامِ: عَضُّوا عَلَيْها حَنَقًا وغَيْظًا، كَما قالَ الشّاعِرُ: يَرُدُّونَ في فِيهِ عَشْرَ الحَسُودِ يَعْنِي: أنَّهم يَغِيظُونَ الحَسُودَ حَتّى يَعَضَّ عَلى أصابِعِهِ العَشْرِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمُهُ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا يَقُولُ: قَدْ أكَلَ أصابِعَهُ حَتّى أفْناها بِالعَضِّ، فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ وظِيفَ الذِّراعِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنِّي رَسُولٌ، قالُوا لَهُ: اسْكُتْ، وأشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِ أنْفُسِهِمْ، رَدًّا عَلَيْهِ وتَكْذِيبًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ، عَجُّوا ورَجَعُوا بِأيْدِيهِمْ إلى أفْواهِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ.

رَدّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، ورَدُّوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ مَثَلٌ، ومَعْناهُ: أنَّهم كَفُّوا عَمّا أُمِرُوا بِقَبُولِهِ مِنَ الحَقِّ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.

يُقالُ: رَدَّ فُلانٌ يَدَهُ إلى فَمِهِ، أيْ: أمْسَكَ فَلَمْ يُجِبْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والسّابِعُ: رَدُّوا ما لَوْ قَبِلُوهُ لَكانَ نِعَمًا وأيادِيَ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ الأيْدِي بِمَعْنى: الأيادِي، و " في " بِمَعْنى: الباءِ، والمَعْنى: رَدُّوا الأيادِيَ بِأفْواهِهِمْ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، وقالَ: قَدْ وجَدْنا مِنَ العَرَبِ مَن يَجْعَلُ " في " مَوْضِعَ الباءِ، فَيَقُولُ: أدْخَلَكَ اللَّهُ بِالجَنَّةِ، يُرِيدُ: في الجَنَّةِ، وأنْشَدَنِي بَعْضُهم: وأرْغَبُ فِيها عَنْ لَقِيطٍ ورَهْطِهِ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ سَنْبَسٍ لَسْتُ أرْغَبُ فَقالَ: أرْغَبُ فِيها، يَعْنِي: بِنْتًا لَهُ، يُرِيدُ: أرْغَبُ بِها، وسَنْبَسٌ: قَبِيلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أيْ: عَلى زَعْمِكم أنَّكم أُرْسِلْتُمْ، لا أنَّهم أقَرُّوا بِإرْسالِهِمْ.

وباقِي الآيَةِ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [هُودٍ:٦٢] .

﴿ قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، والمَعْنى: لا شَكَّ في اللَّهِ، أيْ: في تَوْحِيدِهِ ﴿ يَدْعُوكُمْ ﴾ بِالرُّسُلِ والكُتُبِ ﴿ لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ  ﴾ ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: جَزَيْتُكِ ضِعْفَ الحُبِّ لَمّا شَكَوْتِهِ ∗∗∗ وما إنْ جَزاكِ الضِّعْفَ مِن أحَدٍ قَبَلِي أيْ: أحَدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَيُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو المَوْتُ، والمَعْنى: لا يُعاجِلُكم بِالعَذابِ.

﴿ قالُوا ﴾ لِلرُّسُلِ ﴿ إنْ أنْتُمْ ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ ﴿ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا فَضْلٌ، والسُّلْطانُ: الحُجَّةُ، قالَتِ الرُّسُلُ: " إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم " فاعْتَرَفُوا لَهم بِذَلِكَ، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنُونَ: بِالنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ﴿ وَما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ مِن قِبَلِ أنْفُسِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَيَّنَ لَنا رُشْدَنا.

والثّانِي: عَرَّفَنا طَرِيقَ التَّوَكُّلِ.

وإنَّما قَصَّ هَذا وأمْثالَهُ عَلى نَبِيِّنا  لِيَقْتَدِيَ بِمَن قَبْلَهُ في الصَّبْرِ، ولِيَعْلَمَ ما جَرى لَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي: الكافِرِينَ بِالرُّسُلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِهِمْ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الإسْكانُ ﴿ لِمَن خافَ مَقامِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خافَ مُقامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ قَدْ تُضِيفُ أفْعالَها إلى أنْفُسِها، وإلى ما أُوقِعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ نَدِمْتُ عَلى ضَرْبِي إيّاكَ، ونَدِمْتُ عَلى ضَرْبِكَ، فَهَذا مِن ذاكَ، ومِثْلُهُ ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ  ﴾ أيْ: رِزْقِي إيّاكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخافَ وعِيدِ ﴾ أثْبَتَ ياءَ " وعِيدِي " في الحالَيْنِ يَعْقُوبُ، وتابَعَهُ ورْشٌ في الوَصْلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ﴿ ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِعَمِ، وكانَ يَوْمُ الإنْجاءِ عَظِيمًا لِعِظَمِ الكائِنِ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وقَصَصُها بِما يُغْنِي عن إعادَتِهِ، غَيْرَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ الواوِ في قَوْلِهِ: "وَيُذَبِّحُونَ" وفي البَقَرَةِ: "يُذَبِّحُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، فَهُناكَ فُسِّرَ (سُوءُ العَذابِ) بِأنَّهُ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ، وهُنا دَلَّ بِـ (سُوءِ العَذابِ) عَلى أنْواعٍ غَيْرِ التَذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، وعُطِفَ التَذْبِيحُ والِاسْتِحْياءُ عَلَيْها.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَيَذْبَحُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والباءُ مُخَفَّفَةٌ.

و"البَلاءُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المِحْنَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الِاخْتِبارَ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

و(تَأذَّنَ) بِمَعْنى: أذَّنَ، أيْ: أعْلَمَ، وهو مِثْلُ: أكْرَمَ وتَكَرَّمَ، وأوعَدَ وتَوَعَّدَ، وهَذا الإعْلامُ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وقَضاءٍ قَدْ سَبَقَهُ، وما في "تَفَعَّلَ" هَذِهِ مِنَ المُحاوَلَةِ والشُرُوعِ إذا أُسْنِدَتْ إلى البَشَرِ مَنفِيٌّ في جِهَةِ اللهِ تَعالى، وأمّا قَوْلُ العَرَبِ: تَعَلَّمَ بِمَعْنى: أعْلَمَ، فَمَرْفُوضُ الماضِي عَلى ما ذَكَرَ يَعْقُوبُ، كَقَوْلِ الشاعِرِ: تَعَلَّمْ - أبَيْتَ اللَعْنَ..........................

ونَحْوِهِ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الزِيادَةُ عَلى الشُكْرِ لَيْسَتْ في الدُنْيا، وإنَّما هي مِن نِعَمِ الآخِرَةِ، والدُنْيا أهْوَنُ مِن ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وصَحِيحٌ جائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وأنْ يَزِيدَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ عَلى شُكْرِهِ مِن نِعَمِ الدُنْيا، وأنْ يَزِيدَهُ أيْضًا مِنهُما جَمِيعًا، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَرْجِيَةٌ وتَخْوِيفٌ، ومِمّا يَقْضِي بِأنَّ الشُكْرَ مُتَضَمِّنَ الإيمانِ أنَّهُ عادَلَهُ بِالكُفْرِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكُفْرُ كُفْرَ النِعَمِ لا كُفْرَ الجَحْدِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن سُفْيانَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُما قالا: مَعْنى الآيَةِ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم مِن طاعَتِي وضَعَّفَهُ الطَبَرِيُّ، ولَيْسَ كَما قالَ، بَلْ هو قَوِيٌّ حَسَنٌ فَتَأمَّلْهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ.

في هَذِهِ الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِلْمُخاطَبِينَ بِشَرْطِ كُفْرِهِمْ وتَوْبِيخٌ، وذَلِكَ بَيِّنٌ في الصِفَتَيْنِ اللَتَيْنِ وصَفَ بِهِما نَفْسَهُ تَبارَكَ وتَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: "لَغَنِيٌّ" يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَهم وعَظَمَتَهُ.

وقَوْلُهُ: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهُ بِصِفَةٍ تُوجِبُ المَحامِدَ كُلَّها دائِمًا كَذَلِكَ في ذاتِهِ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ، فَكُفْرُكم أنْتُمْ بِإلَهٍ هَذِهِ حالُهُ غايَةُ التَخَلُّفِ والخِذْلانِ، وفي قَوْلِهِ أيْضًا: "حَمِيدٌ" يَتَضَمَّنُ أنَّهُ ذُو آلاءٍ عَلَيْكم أيُّها الكافِرُونَ بِهِ كانَ يَسْتَوْجِبُ بِها حَمْدَكُمْ، فَكُفْرُكم بِهِ مَعَ ذَلِكَ أذْهَبُ في الضَلالِ، وهَذا تَوْبِيخٌ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ الآيَةُ.

هَذا مِنَ التَذْكِيرِ بِأيّامِ اللهِ في النِقَمِ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَعْلَمُهم إلا اللهُ ﴾ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا  ﴾ ، وفي مِثْلِ هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "كَذَبَ النَسّابُونَ مِن فَوْقِ عَدْنانَ"،» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ زَمَنِ مُوسى وبَيْنَ زَمَنِ نُوحٍ قُرُونٌ ثَلاثُونَ لا يَعْلَمُهم إلّا اللهُ"، وحَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ أنَّهُ قالَ: "كانَ بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الوُقُوفُ عَلى عِدَّتِهِمْ بِعِيدٌ، ونَفْيُ العِلْمِ بِها جُمْلَةً أصَحُّ، وهو لَفْظُ القُرْآنِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ بِحَسَبِ احْتِمالِ اللَفْظِ، و"الأيْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى الجَوارِحِ، وقَدْ تُتَأوَّلُ بِمَعْنى أيْدِي النِعَمِ فِيما ذُكِرَ، عَلى أنَّ "الأيْدِي" هي الجَوارِحُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: رَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ عَضًّا عَلَيْها مِنَ الغَيْظِ عَلى الرُسُلِ، ومُبالَغَةً في التَكْذِيبِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وقالَ ابْنٍ عَبّاسٍ: عَجِبُوا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، والعَضُّ مِنَ الغَيْظِ مَشْهُورٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ  ﴾ ، وقالَ الشاعِرُ: قَدْ أفْنى أنامِلَهُ أزْمَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فَأضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا وقالَ الآخَرُ: لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ ودِقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عَوَّدِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ ومِمّا ذُكِرَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ورَدُّوا أيْدِيَ أنْفُسِهِمْ في أفْواهِ الرُسُلِ تَسْكِينًا لَهُمْ، ودَفْعًا في صَدْرِ قَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أشْنَعُ في الرَدِّ وأذْهَبُ في الِاسْتِطالَةِ عَلى الرُسُلِ والنَيْلِ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الألْفاظُ مَعْنًى رابِعًا، وهو أنْ يُتَجَوَّزَ في لَفْظِ الأيْدِي، أيْ إنَّهم رَدُّوا أقْوالَهم ومُكافَحَتَهم ومُدافَعَتَهم فِيما قالُوهُ بِأفْواهِهِمْ مِنَ التَكْذِيبِ، فَكَأنَّ المَعْنى: رَدُّوا جَمِيعَ مُدافَعَتِهِمْ في أفْواهِهِمْ، أيْ في أقْوالِهِمْ، وعَبَّرَ عن جَمِيعِ المُدافَعَةِ بِالأيْدِي إذِ الأيْدِي مَوْضِعٍ لِشَدِّ المُدافَعَةِ والمُرادَّةِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ قَوْلًا ضَعِيفًا، وهو أنَّ المَعْنى: أخَذُوا أيْدِيَ الرُسُلِ فَجَعَلُوها في أفْواهِ الرُسُلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي لا وجْهَ لَهُ.

ومِمّا ذُكِرَ عَلى أنَّ "الأيْدِي" أيادِي النِعَمِ ما ذَكَرَهُ الزَجّاجُ، وذَلِكَ أنَّهم رَدُّوا مِنَ الرُسُلِ في الإنْذارِ والتَبْلِيغِ بِأفْواهِهِمْ، أيْ بِأقْوالِهِمْ، فَوَصَلَ الفِعْلُ بِـ "فِي" عِوَضَ وُصُولِهِ بِـ "الباءِ"، ورَوِيَ نَحْوُهُ عن مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والمَشْهُورُ جَمْعُ "يَدِ" النِعْمَةِ عَلى "أيادٍ"، ولا يُجْمَعُ عَلى "أيْدٍ"، إلّا أنَّ جَمْعَهُ عَلى "أيْدٍ" لا يَكْسِرُ بابًا ولا يَنْقُضُ أصْلًا وبِحَسْبِنا أنَّ الزَجّاجَ قَدَّرَهُ وتَأوَّلَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ -عَلى هَذا- مَعْنًى ثانِيًا، أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ: رَدُّوا إنْعامَ الرُسُلِ في أفْواهِ الرُسُلِ، أيْ لَمْ يَقْبَلُوهُ، كَما تَقُولُ لِمَن لا يُعْجِبُكَ كَلامُهُ: أمْسِكْ يا فُلانُ كَلامَكَ في فِيكَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ أيْدِي الرُسُلِ أقْوالًا ساغَ هَذا فِيها، كَما تَقُولُ: كَسَرْتُ كَلامَ فَلانٍ في فَمِهِ، أيْ: رَدَدْتُهُ عَلَيْهِ وقَطَعْتُهُ بِقِلَّةِ القَبُولِ وبِالرَدِّ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: رَدُّوا نِعَمَ الرُسُلِ في أفْواهِ أنْفُسِهِمْ بِالتَكْذِيبِ والنَجْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم شَكُّوا في صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ وأقْوالِهِمْ أو كَذَّبُوها، وتَوَقَّفُوا في إمْضاءِ أحَدِ المُعْتَقَدَيْنِ، ثُمَّ ارْتابُوا بِالمُعْتَقَدِ الواحِدِ في صِدْقِ نُبُوَّتِهِ، فَجاءَهم شَكٌّ مُؤَكَّدٌ بِارْتِيابٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرَّفٍ: " مِمّا تَدْعُوَنّا " بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا الكلام استئناف ابتدائيّ رجع به الخطاب إلى المشركين من العرب على طريقة الالتفات في قوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ ، لأن الموجّه إليه الخطاب هنا هم الكافرون المعنيون بقوله: ﴿ وويل للكافرين من عذاب شديد ﴾ [سورة إبراهيم: 2]، وهم معظم المعنيّ من الناس في قوله: ﴿ لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ﴾ [سورة إبراهيم: 1]، فإنهم بعد أن أُجمل لهم الكلام في قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ﴾ [سورة إبراهيم: 4] الآية، ثم فُصّل بأن ضُرب المثل للإِرسال إليهم لغرض الإخراج من الظلمات إلى النور بإرسال موسى عليه السلام لإخراج قومه، وقُضي حق ذلك عقبه بكلام جامع لأحوال الأمم ورسلهم، فكان بمنزلة الحوصلة والتذييل مع تمثيل حالهم بحال الأمم السالفة وتشابه عقلياتهم في حججهم الباطلة وردّ الرسل عليهم بمثل ما رَدّ به القرآن على المشركين في مواضع، ثم ختم بالوعيد.

والاستفام إنكاري لأنهم قد بلغتهم أخبارهم، فأما قوم نوح فقد تواتر خبرهم بين الأمم بسبب خبر الطوفان، وأما عاد وثمود فهم من العرب ومساكنهم في بلادهم وهم يمرون عليها ويخبر بعضهم بعضاً بها، قال تعالى: ﴿ وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ﴾ [سورة إبراهيم: 45] وقال: ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون ﴾ [سورة الصافات: 137].

والذين من بعدهم } يشمل أهل مدين وأصحابَ الرس وقومَ تُبّع وغيرَهم من أمم انقرضوا وذهبت أخبارهم فلا يعلمهم إلا الله.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ﴾ [سورة الفرقان: 38].

وجملة لا يعلمهم إلا الله } معترضة بين ﴿ والذين من بعدهم ﴾ وبين جملة ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ الواقعة حالاً من ﴿ والذين من بعدهم ﴾ ، وهو كناية عن الكثرة التي يستلزمها انتفاء علم الناس بهم.

ومعنى ﴿ جاءتهم رسلهم ﴾ جاءَ كلّ أمة رسولُها.

وضمائر ﴿ ردّوا ﴾ و ﴿ أيديهم ﴾ و ﴿ أفواههم ﴾ عائدٌ جميعها إلى قوم نوح والمعطوفات عليه.

وهذا التركيب لا أعهد سبق مثله في كلام العرب فلعله من مبتكرات القرآن.

ومعنى ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ يحتمل عدة وجوه أنهاهَا في «الكشاف» إلى سبعة وفي بعضها بُعدٌ، وأولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل كراهية أن تظهر دواخل أفواههم.

وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل.

والردّ: مستعمل في معنى تكرير جعل الأيدي في الأفواه كما أشار إليه «الراغب».

أي وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها ثم أعادوا وضعها فتلك الإعادة رَدّ.

وحرف ﴿ في ﴾ للظرفية المجازية المراد بها التمكين، فهي بمعنى ﴿ على ﴾ كقوله: ﴿ أولئك في ضلال مبين ﴾ [سورة الزمر: 22].

فمعنى ردّوا أيديهم في أفواههم } جعلوا أيديهم على أفواههم.

وعطفه بفاء التعقيب مشير إلى أنهم بادروا بردّ أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة رسلهم، فيقتضي أن يكون ردّ الأيدي في الأفواه تمثيلاً لحال المتعجب المستهزئ، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة وليس المراد حقيقته، لأن وقوعه خبراً عن الأمم مع اختلاف عوائدهم وإشاراتهم واختلاف الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريد به إلاّ بيان عَربي.

ونظير هذا قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صَدَقنا وعده وأورثنا الأرض ﴾ [سورة الزمر: 74]، فميراث الأرض كناية عن حسن العاقبة جرياً على بيان العرب عند تنافس قبائلهم أن حسن العاقبة يكون لمن أخذ أرض عدوّه.

وأكّدوا كفرهم بما جاءت به الرسل بما دلّت عليه إنّ } وفعل المضيّ في قوله: ﴿ إنا كفرنا ﴾ .

وسموا ما كفروا به مُرسلاً به تهكماً بالرسل، كقوله تعالى: ﴿ وقالوا يا أيها الذي نُزّل عليه الذكر إنك لمجنون ﴾ [سورة الحجر: 6]، فمعنى ذلك: أنهم كفروا بأن ما جاءوا به مرسل به من الله، أي كفروا بأن الله أرسلهم.

فهذا مما أيقنوا بتكذيبهم فيه.

وأما قولهم: وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه} فذلك شك في صحة ما يدعونهم إليه وسداده، فهو عندهم معرض للنظر وتمييز صحيحه من سقيمه، فمورد الشك مَا يدعونهم إليه، ومورد التكذيب نسبة دعوتهم إلى الله.

فمرادهم: أنهم وإن كانوا كاذبين في دعوى الرسالة فقد يكون في بعض ما يدعون إليه ما هو صدق وحقّ فإن الكاذب قد يقول حقّاً.

وجعلوا الشك قوياً فلذلك عبر عنه بأنهم مَظروفون فيه، أي هو محيط بهم ومتمكن كمال التمكن.

و ﴿ مريب ﴾ تأكيد لمعنى ﴿ في شك ﴾ ، والمريب: المُتوقع في الريب، وهو مرادف الشك، فوصف الشك بالمريب من تأكيد ماهيته، كقولهم: لَيل ألْيَل، وشِعر شَاعر.

وحذفت إحدى النونين من قوله: ﴿ إنا ﴾ تخفيفاً تجنباً للثقل الناشئ من وقوع نونين آخرين بعد في قوله: ﴿ تدعوننا ﴾ اللازم ذكرهما، بخلاف آية سورة هود (62) ﴿ وإننا لفي شك مما تدعونا ﴾ إذ لم يكن موجب للتخفيف لأن المخاطب فيها بقوله: تدعونا } واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بَعْدَ مَن قَصَّ ذِكْرَهُ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ قُرُونٌ وأُمَمٌ لَمْ يَقُصَّها عَلى رَسُولِ اللَّهِ  لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ عالِمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ.

الثّانِي: ما بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ مِنَ الآباءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنَ عَدْنانَ وإسْماعِيلَ ثَلاثُونَ أبًا لا يُعْرَفُونَ.

وَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ كَذَبَ النَّسّابُونَ.

﴿ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ ﴾ أيْ بِالحُجَجِ.

﴿ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم عَضُّوا عَلى أصابِعِهِمْ تَغَيُّظًا عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ واسْتَشْهَدَ أبُو عُبَيْدَةَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: لَوْ أنَّ سَلْمى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي ودِقَّةً في عَظْمِ ساقِي ويَدِي ∗∗∗ وبُعْدَ أهْلِي وجَفاءَ عُوَّدِي ∗∗∗ عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بِأطْرافِ اليَدِ الثّانِي: أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كِتابَ اللَّهِ عَجِبُوا مِنهُ ووَضَعُوا أيْدِيَهم عَلى أفْواهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهم كانُوا إذا قالَ لَهم نَبِيُّهم إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، أشارُوا بِأصابِعِهِمْ إلى أفْواهِهِمْ بِأنِ اسْكُتْ تَكْذِيبًا لَهُ ورَدًّا لِقَوْلِهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّهم كَذَّبُوهم بِأفْواهِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: أنَّهم كانُوا يَضَعُونَ أيْدِيَهم عَلى أفْواهِ الرُّسُلِ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: أنَّ الأيْدِيَ هي النِّعَمُ، ومَعْناهُ أنَّهم رَدُّوا نِعَمَهم بِأفْواهِهِمْ جُحُودًا لَها.

السّابِعُ: أنَّ هَذا مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ أنَّهم كَفُّوا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرُّسُلِ، كَما يُقالُ لِمَن أمْسَكَ عَنِ الجَوابِ رَدَّ في فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقرؤها ﴿ وعاداً وثموداً والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ قال: كذب النسابون.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن عمرو بن ميمون رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن الضريس، عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: قال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أنسب الناس.

قال: إنك لا تنسب الناس.

قال: بلى.

فقال له علي رضي الله عنه أرأيت قوله تعالى ﴿ وعاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ [ الفرقان: 38] اقل: أنا أنسب ذلك الكثير.

قال: أرأيت قوله: ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ فسكت.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: ما وجدنا أحداً يعرف ما وراء معد بن عدنان.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: بين عدنان وإسماعيل، ثلاثون أبا لا يعرفون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: لما سمعوا كتاب الله، عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم، ﴿ وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ﴾ يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به، فإن عندنا فيه شكاً قوياً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ قال: كذبوا رسلهم بما جاؤوهم من البينات، فردوه عليهم بأفواههم وقالوا ﴿ إنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب ﴾ وكذبوا ما في الله عز وجل شك، أفي من فطر السموات والأرض؟

وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم، وأظهر لكم من النعم والآلاء الظاهرة ما لا يشك في الله عز وجل.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ قال: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ قال: عضوا عليها.

وفي لفظ: عضوا على أناملهم غيظاً على رسلهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ قال أدخلوا أصابعهم في أفواههم.

قال: وإذا غضب الإنسان عض على يده.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في قوله: ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ قال: هو التكذيب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ يعني: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم من أهلكهم الله بتكذيبهم رسلهم، ﴿ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾ فيه وجهان (١) ﴿ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾ : لكثرتهم (٢) (٣) (٤)  في "طبقات ابن سعد" 1/ 56، ولفظه: عن ابن عباس -  - أن النبي  كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبه معد بن عدنان بن أُدد، ثم يمسك ويقول: "كذب النسَّابون" قال الله -عز وجل- ﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا  ﴾ ، وأورده ابن عطية في "تفسيره" (8/ 206) وقال: وفي مثل ورد قال رسول  : (كذب النسَّابون من فوق عدنان،== وأورده القرطبي في "تفسيره" 9/ 344 بصيغة التمريض، قال: وقد روي عن النبي -  - لمّا سمع النسَّابين ينسبون إلى معد بن عدنان ثم زادوا فقال: (كذب النسَّابون) إن الله يقول: ﴿ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾ ، وكذلك أورده النسفي في تفسيره [هامش الخازن] (3/ 71) بصيغة التمريض أيضاً، وأورده السيوطي في الجامع الصغير وزاد نسبته إلى ابن عساكر، ورمز له بالصحة، وأورده مرة أخرى ورمز له بالضعف.

[كما في فيض القدير 4/ 550، و (5/ 109)] وهذا الحديث ضعيف؛ لأنه ورد عن طريق الكلبي، وهي أوهى الطرق إلى ابن عباس، والأصح أنه موقوف على ابن مسعود، كما قال السهيلي في "الروض الأنف" 1/ 11، وقد أورده الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" 1/ 144 وحكم عليه بالوضع.]]، وقال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء عدنان (٥) (٦) قال ابن الأنباري: فمن بني على هذه الآثار، قال مَنْ فوق عدنان منقطعة معرفتهم عن قلوب الناس، إلا من كان من الأنبياء الذين نوه الله بأسمائهم، وعلى قول هؤلاء: لا يعرف النسابون أحدًا ممن قال الله تعالى: ﴿ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (لأن الله تعالى) (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ اختلفوا في تأويل هذه؛ فقال ابن مسعود: عضُّوا عليها غيظًا (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ  ﴾ وقد مرَّ، وقال الكلبي: أي وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا (١٣) ورُوي عن ابن عباس أنه قال: كان إذا جاءهم الرسول سكَّتوه وأشاروا بأيديهم إلى أفواه أنفسهم كما تُسَكِّت (١٤) (١٥) (١٦) قال الفراء: أي ردوا ما لو قبلوه لكان نعمًا من الله -عز وجل- عندهم (١٧) وقال الزجاج: ردوا أيدي (١٨) (١٩) (وقال أبو بكر: ويجوز أن يكون المعنى: ردوا نعم أنفسهم؛ لأنها نعم) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) أراد: أرغب بهذه المرأة عن هؤلاء.

وقال أبو إسحاق: ومعنى في أفواههم: بأفواههم، أي ردوا تلك النِعَم بالنطق بالتكذيب بما جاءت به الرسل كما يقول: جلست في البيت وبالبيت (٢٥) (٢٦) وقال أبو عبيدة: مجاز هذا مجاز المَثَل، ومعناه: كفوا عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به، قال: ويقال: ردّ يده في فمه، أي: أمسك ولم يجب [["مجاز القرآن" 1/ 336، بتصرف يسير، وقد نُسب هذا القول إلى الأخفش كذلك لم أجده في معانيه.

انظر: "تفسير القرطبي" 9/ 346، وأبي حيان 5/ 409، و"الدر المصون" 7/ 73، و"تفسير الألوسي" 13/ 194، وقد اعترض ابن قتيبة على هذا القول، وقال لم يُسمع أحد من العرب يقول: ردَّ يده في فِيه، إذا أمسك عن == الشيء.

انظر: "الغريب" لابن قتيبة 1/ 235، وردّ أبو حيان على اعتراضه قائلاً: ومن سمع حجة على من لم يسمع، هذا أبو عبيدة والأخفش نقلا عن العرب.

انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 409، وقد أيّد هذا الرد السمين، وأورده بألفاظ أخرى، أما ابن جرير، فقد أورد قول أبي عبيدة غير منسوب إليه، وضعَّفه من جهة أخرى، فقال: وهذا قول لا وجه له؛ لأن الله عزّ ذِكْره قد أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ فقد أجابوا بالتكذيب.

"تفسيرالطبري" 13/ 189 وقد اعترض أبوحيان على ابن جرير كذلك، فقال: ولا يرد ما قاله الطبري؛ لأن أبا عبيدة يريد أنهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضي؛ الذي يقتضيه مجيىء الرسل بالبينات؛ وهو الاعتراف بالإيمان والتصديق للرسل، والحق إن اعتراض أبي حيان -على ابن جرير- ليس في محله، فطالما أمكن حمل الكلام على ظاهره وعلى الحقيقة، فلا حاجة إلى هذه التأويلات، ففي كتاب "القواعد" للمقّري (2/ 497) يقول في القاعدة (256): كل ما له ظاهر فهو مصروف إلى ظاهره، إلا لمعارض راجح، وكل مالا ظاهر له فلا يترجح إلا بمرجح.

ويقول الشنقيطي في تفسيره 3/ 100، والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي: حمل نصوص الوحي على ظواهرها، إلا بدليل من كتاب أو سنّة، لذلك فالأرجح من هذه الأقوال في معنى الآية: هو القول الأول؛ وهو قول ابن مسعود  ؛ لكونه على ظاهره ولا يحتاج إلى تأويل، وتؤيده آية آل عمران [119]، وقد رجَّح هذا القول كل من: الطبري 13/ 189، والنحاس في معانيه 3/ 519، وابن قتيبة في "غربيه" 1/ 235 وأيَّد اختياره بقول الشاعر: (يرُدّون في فِيه عَشْر الحسُود) يقول: يعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض أصابعه العشر.]]، ويكون المعنى على هذا: لم يجيبوا الرسل إلى ما دعوهم إليه، فعبَّر عن ترك إجابتهم بوضع اليد في الفم؛ وذلك أن الواضع يده في فمه لا يقدر على الكلام.

وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أي: على زعمكم بالإرسال؛ لأنهم لم (٢٧) (١) ذكر أن في تفسيرها وجهين، ولم يذكر إلا وجهاً واحداً.

(٢) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 308، بلفظه، وورد بمعناه بلا نسبة في "تفسير الطبري" 13/ 187، والسمرقندي 2/ 201.

(٣) في (د): (هيبتهم).

(٤) ولذلك جاءت الأقوال مضطربة في ذكر الأسماء والأعداد والسنوات فيما بين عدنان وإبراهيم -  -.

انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 515 - 517، و"دلائل النبوة" للبيهقي 1/ 178 - 180، و"الروض الأنف" 1/ 11 - 12، و"نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" ص 320.

(٥) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 518 بنحوه، وانظر: "تفسير القرطبي" 19/ 344، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 135، وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، و"تفسير الشوكاني" 3/ 99، و"صديق حسن خان" 7/ 89.

(٦) ورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 518، و"تفسير الماوردي" 3/ 124، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 337، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 135، وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر.

وهذه أوهى الطرق إلى ابن عباس.

(٧) ما بين القوسين ساقط من (د).

(٨) ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 308، مختصراً، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 348، مختصراً.

(٩) أخرجه عبد الرزاق 2/ 341 بنحوه، والطبري في "تفسيره" 13/ 188 بنصه ونحوه من طرق، وورد بنصه في "تفسيرالثعلبي" 7/ 146 ب، و"الماوردي" 3/ 124، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 338، و"ابن الجوزي" 4/ 348، و"الفخر الرازي" 19/ 89، و"تفسير القرطبي" 9/ 345، و"الخازن" 3/ 72.

(١٠) في (ش)، (ع): (شتموا).

(١١) أخرجه الطبري 13/ 188 - 189 عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن ابن زيد، وورد في "تفسيرالثعلبي" 7/ 146 ب، عن ابن عباس، انظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 207، عنهما، القرطبي 9/ 345، عنهما، و"الدر المنثور" 4/ 135، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(١٢) "الغريب" لابن قتيبة ص 235.

(١٣) ورد بنصه في "تفسيرالثعلبي" 7/ 146ب، وتفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 1/ 308، وانظر: "تفسير البغوي" 4/ 338، و"الفخر الرازي" 19/ 89، و"الخازن" 3/ 72.

(١٤) في (د): (سكت).

(١٥) ورد في "معاني القرآن" اللفراء 2/ 69 بنحوه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 348 بنحوه عن أبي صالح عن ابن عباس، وورد منسوباً إلى أبي صالح في: "تفسير == الماوردي" 3/ 124، و"تفسير القرطبي" 9/ 345، وعلى هذا القول يكون الضميران في (أيديهم) و (أفواههم) عائدين على المكذبين.

(١٦) "تفسير مقاتل" 1/ 191ب بنحوه، وعلى هذا القول يكون الضميران في (أيديهم) و (أفواههم) عائدين إلى الرسل.

انظر: "تفسير أبي حيان" 5/ 408، وقد ضعَّف ابن عطية هذا القول، وقال: وهذا عندي لا وجه له 8/ 208.

(١٧) "معاني القرآن" للفراء 2/ 70 بنصه.

(١٨) في (أ)، (د)، (ش): (الذي)، والمثبت من (ع)، وهو الموافق لسياق والمصدر.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156 بنصه.

(٢٠) ما بين القوسين ساقط من (ع).

(٢١) في (د): (عليما).

(٢٢) انظر: "الأزهية" ص 271، و"رصف المباني" ص 452، و"الجنى الداني في حروف المعاني" ص 251.

(٢٣) قبيلة طيِّىء مشهورة، تنسب إلى طيَّئ بن أُدَد، واسمه جُلْهُمة، سُمِّي طيِّئاً لأنه أول من طوى المناهل منازل الطريق من قبائلهم: بنو جَديلة، وبنو رُومان، وبنو == جَدْعاء، والثعالب، وبنو تَيْم.

انظر: "الاشتقاق" ص 380، و"جمهرة أنساب العرب" ص 398.

(٢٤) نُسب للفراء في "تهذيب اللغة" "ذرأ" 2/ 1273، وورد غير منسوب في "معاني القرآن" للفراء 2/ 70، و"تفسيرالطبري" 13/ 189، وأبي حيان 5/ 409، و"الدر المصون" 7/ 73، (سِنْبس): حَيُّ من قبيلة طيئ.

"الاشتقاق" ص 390.

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 156، بتصرف يسير.

(٢٦) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 278 بنصه، وورد عنه تفسيرها بقوله: ردوا عليهم قولهم وكذبوهم، كما في تفسيره ص 410، وأخرجه الطبري 13/ 189 من طرق، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 3/ 518، و"تفسير السمرقندي" 2/ 201، و"الماوردي" 3/ 125.

(٢٧) في (أ)، (د): لو، والمثبت من (ش)، (ع).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله ﴾ عبارة عن كثرتهم كقوله: ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً ﴾ [الفرقان: 38] ﴿ فردوا أَيْدِيَهُمْ في أفواههم ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم غيظاً من الرسل كقوله: عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، أو استهزاء وضحكا: كمن غلبه الضحك فوضع يده على فمه، والثاني: أن الضمائر لهم، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، والثالث: أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتاً لهم، وردا لقولهم ﴿ أَفِي الله شَكٌّ ﴾ المعنى أفي وجود الله شك أو في إلهيته شك، وقيل: وحدانيته، والهمزة للتقرير والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة، ولذلك وصفه بعد بقوله: ﴿ فَاطِرِ السماوات والأرض ﴾ ﴿ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ قيل: إن من زائدة، ومنع سيبويه زيادتها في الواجب وهي عنده للتبعيض، ومعناه أن يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدم من ذنبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة في البعض ولم يأت في القرآن غفران بعض الذنوب إلا للكافر كهذا الموضع، والذي في الأحقاف وسورة نوح وجاء للمؤمنين بغير من كالذي في الصف ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم.

﴿ قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ يحتمل أن يكون قولهم استبعاداً لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان في قولهم: فأتونا بسلطان مبين ولقول الرسل: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده أي: بالتفضيل بالنبوة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الله الذي ﴾ بالرفع على الابتداء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل، وقرأ يعقوب والخزاعي عن ابن فليح بالرفع إذا ابتدأ وبالخفض إذا وصل.

الباقون بالجر مطلقاً ﴿ وعيدي ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل.

الوقوف: ﴿ الر ﴾ قف كوفي ﴿ الحميد ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ الله ﴾ بالرفع.

﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ صفة الكافرين ﴿ عوجاً ﴾ ط بناء على ما قلنا أو على أن ﴿ الذين ﴾ منصوب أو مرفوع على الذم أي أعني الذين أوهم الذين، وإن جعل ﴿ الذين ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك في ضلال ﴾ فلا وقف على ﴿ عوجاً ﴾ ولك أن تقف على ﴿ شديد ﴾ للآية ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ ليبين لهم ﴾ ط لأن قوله: ﴿ فيضل ﴾ حكم مبتدأ خارج عن تعليل الإرسال ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ بأيام الله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ط ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لشديد ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ وثمود ﴾ ط لمن لم يعطف وجعله مستأنفاً ومن عطف فوقه على ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط فصلاً بين الاستخبار والإخبار ﴿ مسمى ﴾ ط لتقدير همزة الاستفهام في ﴿ تريدون ﴾ .

﴿ مبين ﴾ ه ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ وبإذن الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ سبلنا ﴾ ط ﴿ آذيتمونا ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ في ملتنا ﴾ ط ﴿ من بعدهم ﴾ ط ﴿ وعيد ﴾ ه ﴿ عنيد ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف ﴿ صديد ﴾ ه لا لذلك ﴿ يميت ﴾ ط ﴿ غليظ ﴾ ه.

التفسير: كون السورة مكية أو مدنية إنما يفيد في الأحكام لتعرف المنسوخ من الناسخ وفي غير ذلك المكية والمدنية سيان.

قوله: ﴿ ألر كتاب ﴾ أي السورة المسماة بـ ﴿ ألر ﴾ كتاب ﴿ أنزلناه إليك ﴾ لغرض كذا وإن كان ﴿ الر ﴾ مذكوراً على جهة التعديد فقوله: ﴿ كتاب ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هذا القرآن أو هذه السورة كتاب.

والظلمات استعارة لطرق الضلال ومظانه والنور مستعار للحق.

واللام في ﴿ لتخرج ﴾ للغرض عند المعتزلة، وللغاية عند الحكيم، وإن شئت فقل: للعاقبة.

واللام في ﴿ الناس ﴾ للجنس المتسغرق ظاهراً ففيه دليل على أن دعوته  عامة.

ومعنى إخراج النبي  ﴿ من الظلمات إلى النور ﴾ أنه  جعل إنزال الكتاب عليه ودعوته  إياهم به إلى الحق واسطة لهدايتهم لا مطلقاً ولكن ﴿ بإذن ربهم ﴾ أي بتسهيله وتيسيره وكل ميسر لما خلق له.

والحاصل أن المراد من الإذن معنى يقتضي ترجيح جانب الوجود على جانب العدم ومتى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب عند المحققين، ولك أن تعبر عن ذلك المعنى بداعية الإيمان.

احتج بالآية من قال: إن معرفة الله  لا تمكن إلا بالتعليم الذي عبر عنه بالإخراج من الظلمة إلى النور: وأجيب بأن معنى الإخراج التنبيه، وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل وقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد ﴾ بدل من قوله: ﴿ إلى النور ﴾ بتكرير العامل الجار.

وجوز في الكشاف أن يكون على جهة الاستئناف كأنه قيل: إلى أي نور؟

فقيل: إلى صراط العزيز الحميد.

وفي ذكر الوصفين تأكيد لحقية الصراط واستنارته لأن العزيز هو القادر الغالب، والحميد هو الكامل في خصائص الحمد من العلم والغنى وغير ذلك.

ولا ريب أن من هذه صفته كان سبيله الذي نهج لعباده مفضياً إلى صلاح حالهم ديناً ودنيا، إذ لا حاجة له إلى ارتكاب عبث أو قبيح.

قال بعض العلماء: إنما قدم ذكر العزيز لأن الصحيح أن أول العلم بالله العلم بكونه قادراً غالباً وهو معنى العزيز، ثم بعد ذلك العلم بكونه عالماً والعلم بكونه غنياً عن الحاجات والنقائص وهذا معنى الحميد، ثم أثنى على نفسه تحقيقاً لحقية صراطه وبياناً لتنزهه عن العبث فقال: ﴿ الله الذي ﴾ مبتدأ وخبر والمبتدأ محذوف تقديره هو الله.

ومن قرأ بالجر فعلى أنه عطف بيان للوصفين بناء على أن لفظ ﴿ الله ﴾ جار مجرى اسم العلم، وقد سبق هذا البحث مشبعاً في تفسير البسملة من سورة الفاتحة.

ثم ختم الآية بوعيد من لا يعترف بربوبيته ولا يقر بوحدانيته ذلك قوله: ﴿ وويل للكافرين ﴾ وهو دعاء عليهم بالهلاك والثبور وكل سوء.

قال في الكشاف: وجه اتصال قوله: ﴿ من عذاب شديد ﴾ بالويل أنهم يولولون من العذاب ويقولون يا ويلاه.

﴿ الذين يستحبون ﴾ أي يؤثرون ويختارون لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون ذلك الشيء عنده أحب من الآخر وذلك أن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه يكره كونه محباً له، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محباً له وأحب تلك المحبة فتلك نهاية المحبة وهذا شأن محبة أهل الدنيا للدنيا ولكنها أدنى مراتب الضلال.

وقوله: ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ إشارة إلى الضلال.

وقوله: ﴿ ويبغونها عوجاً ﴾ أراد به الإضلال بإلقاء الشكوك والشبهات، واجتماع هذه الخصال نهاية الضلال فلهذا وصف ضلالهم بالبعد عن الحق لأنه وقع عنه في الطرف الآخر فبينهما غاية الخلاف ويمكن أن يكون إسناداً مجازياً باعتبار أن صاحبه بعيد عن طريق الحق.

ثم لما مَنَّ على المكلفين بإنزال الكتاب وإرسال الرسول ذكر أن من كمال تلك النعمة أن يكون ذلك الكتاب بلسان المرسل إليهم.

احتج أصحاب أبي هاشم بالآية على أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد وجماعة وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال.

قالوا: إن كانت توقيفية والتوقيف إنما يكون بالوحي والوحي موقوف على لغة سابقة لقوله: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ أي بلغتهم لزم الدور.

أجيب بأن الآية تختص برسول له قوم ولا قوم لآدم فينتهي التوقيف إليه فيندفع الدور.

وتمسك طائفة من اليهود - يقال لهم العيسوية - بهذه الآية في أن محمداً رسول الله ولكن إلى العرب لأنهم قومه وهم الذين عرفوا فصاحة القرآن وإعجازه، فيكون القرآن حجة عليهم لا على غيرهم.

والجواب سلمنا أن قومه هم العرب ولكن قوم النبي أخص من أهل دعوته فقد يكون أهل دعوته الناس كافة بل الثقلين كما في حق نبينا  لأن التحديث وقع بالفريقين في قوله: ﴿ قل لئن اجتمع الإنس والجن  ﴾ وإنما يكون أولى الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم أقرب إليه فيرسل الرسول أوّلاً إليهم ليبين لهم فيفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، ثم ينوب التراجم في كل أمة من أمم دعوته مقام الأصل ويكفي التطول ويؤمن اللبس والتخليط ويوجب للمفسرين الثواب الجزيل في التعلم والتعليم والإرشاد والاجتهاد.

وقالت المعتزلة: إن مقدمة هذه الآيات وهي قوله: ﴿ لتخرج الناس ﴾ ووسطها وهو قوله: ﴿ ليبين لهم ﴾ فإن فائدة النبيين إنما تظهر إذا كان للمكلف قدرة واختيار، وآخرها وهو قوله ﴿ الحكيم ﴾ فإن الحكمة تنافي خلق الكفر، والقبائح تدل على صحة مذهب الاعتزال.

وقالت الأشاعرة.

قوله: ﴿ بإذن ربهم ﴾ وقوله: ﴿ فيضل الله من يشاء ﴾ وقوله: ﴿ العزيز ﴾ فإن العزة لا تجامع أن يكون لغيره قدرة وتصرف يؤيد مذهبنا.

أقول: نحن قد حققنا مسألة الجبر مراراً فتذكر.

ومما يخص هذا الموضع قول الفراء إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لميكن النسق مشاكلاً للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه كقوله: { ﴿ لنبين لكم ونقر  ﴾ بالرفع نظيره في الآية قوله: ﴿ فيضل ﴾ بالرفع على الاستئناف كأنه قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلغة ألفوها واعتادوها.

ومع ذلك فإن المضل والهادي هو الله والبيان لا يوجب حصول الهداية إلا إذا جعله الله واسطة وسبباً لما بين أن المقصود من بعثة نبينا  هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، أرد أن يبين أن الغرض من إرسال جميع الأنبياء لم يكن إلا ذلك وذكر لذلك مثالاً.

وخص موسى بالذكر لأنه أمته أكثر الأمم سوى أمة محمد كما جاء في الحديث ولكثرة معجزاته الباهرة.

ومعنى ﴿ أن أخرج ﴾ أي أخرج لأن الإرسال فيه معنى القول: ويجوز أن تكون أن ناصبة والتقدير بأن أخرج.

ومعنى التذكير بأيام الله الإنذار بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم.

ويقال: أيام العرب لحروبها وملاحمها.

وعن ابن عباس: أيام الله نعماؤه من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وبلاؤه إهلاك القرون، أو الأيام التي كانوا فيها تحت تسخير فرعون، أو المراد عظهم بالترغيب والترهيب ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير والتنبيه دلائل ﴿ لكل صبار ﴾ على الضراء ﴿ شكور ﴾ على السراء.

وذلك أن فائدة الآيات إنما تعود عليهم حيث ينتفعون بها.

ولما أمر الله موسى بالتذكير حكى عنه أنه ذكرهم ولم يقل ههنا "يا قوم" كما ذكر في المائدة اقتصاراً على ما ذكره هناك.

وقوله: ﴿ عليكم ﴾ إن كان صلة للنعمة بمعنى الإنعام فقوله: ﴿ إذ أنجاكم ﴾ ظرف للإنعام أيضاً، وإن كان مستقراً بمعنى اذكروا نعمة الله مستقرة عليكم جاز أن ينتصب ﴿ إذ أنجاكم ﴾ بـ ﴿ عليكم ﴾ وفي الوجهين جاز أن يكون "إذ" بدلاً من النعمة أي اذكروا وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال، وباقي الآية قد مر في أول البقرة.

ومن جملة النعم قوله: ﴿ وإذ تأذن ﴾ أي واذكروا حين آذن ﴿ ربكم ﴾ إيذاناً بليغاً ينتفي عنده الشكوك وتنزاح معه الشبهات.

وقد تقدم في أواخر "الأعراف" أن فيه معنى القسم ولذلك دخلت اللام الموطئة في الشرط والنون المؤكدة في الجزاء، وقد سلف منا في هذا الكتاب أن الشكر بالحقيقة عبارة عن صرف العبد جميع أقسام ما أنعم الله  به عليه فيما أعطاه لأجله.

ولا شك أن المكلف إذا سلك هذا الطريق كان دائماً في مطالعة أقسام نعم الله وفي ملاحظة دقائق لطفه وصنعه وفي إعمال الجوارح في الأعمال الصالحة الكاسبة لأنوار الملكات الحميدة، وشغل النفس بمطالعة النعم يوجب مزيد محبة المنعم، وقد يترقى العبد من هذه الحالة إلى أن يصير حبه للمنعم شاغلاً له عن رؤية النعم، ويصدر منه الأعمال الصالحة بطريق الاعتياد حتى يصير التطبع طباعاً والتكلف خلقاً، وهذا معنى اقتضاء الشكر مزيد الإنعام وقد يفيض عليه بحكم وعد الله الذي هو الحق والصدق سجال مواهبه الدينية والدنيوية لأنه مهما صار مطيعاً منقاداً لواجب الوجود  تجلى فيه نور الوجود، فلا غرو - أي لا عجب - أن ينقاد لذلك النور كثير من الممكنات وينفتح عليه باب التصرف في الخلق بالحق للحق، وإن كان حال المكلف بضد ما قلنا ظهر عليه أضداد تلك الآثار لا محالة وذلك قوله: ﴿ ولئن كفرتم ﴾ يعني كفران النعم ﴿ إن عذابي لشديد ﴾ ثم بين أن منافع الشكر ومضار الكفران لا تعود إلا إلى صاحبه أو عليه والله  غني عن ذلك كله فقال: ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ الآية.

وذلك أن واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في جميع صفاته ولن يكون كذلك إلا إذا كان غنياً عن الحاجات متصفاً بكل الكمالات أهلاً للحمد وإن لم يكن حامداً.

وقوله: ﴿ ألم يأتكم ﴾ يحتمل أن يكون خطاباً من موسى لقومه والغرض تخويفهم بمثل هلاك من تقدم من القرون فيكون داخلاً تحت التذكير بأيام الله، واحتمل أن يكون مخاطبة من الله على لسان موسى لقومه يذكرهم أمر القرون الأولى قاله أبو مسلم.

والأكثرون على أنه ابتداء مخاطبة لقوم الرسول  تحذيراً لهم عن مخالفته.

وقوله: ﴿ والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ إن كان جملة من مبتدأ وخبره فالمجموع اعتراض وإن كان قوله: ﴿ والذين من بعدهم ﴾ معطوفاً على قوم نوح فقوله: ﴿ لا يعلمهم إلا الله ﴾ وحده اعتراض.

ثم إن عدم العلم إما أن يكون راجعاً إلى صفاتهم بأن تكون أحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم غير معلومة، وإما أن يكون عائداً إلى ذواتهم بأن يكون فيما بين القرون أقوام ما بلغنا أخبارهم كما روي عن ابن عباس: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون.

وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد.

ونظير الآية قوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً  ﴾ { ﴿ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك  ﴾ قال القاضي: وعلى هذا الوجه لا يمكن القطع بمقدار السنين من لدن آدم  إلى هذا الوقت لأنه لو أمكن ذلك لم يبعد تحصيل العلم بالأنساب الموصولة.

ثم إنه  حكى عن هؤلاء الأقوام أنهم لما ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أتوا بأمور أحدها ﴿ فردوا أيديهم في أفواههم ﴾ وفيه قولان: أحدهما أن المراد باليد والفم الجارحتان، وعلى هذا فيه احتمالان: الأول أن الكفار ردّوا أيديهم في أفواههم فعضوها غيظاً وضجراً مما جاءت به الرسل كقوله: ﴿ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ  ﴾ .

قاله ابن عباس وابن مسعود وهو الأظهر، أو وضعوا الأيدي على الأفواه ضحكاً واستهزاء كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك إلى الأنبياء أن قفوا عن هذا الكلام واسكتوا عن ذكر هذا الحديث قاله الكلبي، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وإلى ما تكلموا به من قولهم ﴿ إنا كفرنا بما أرسلتم به ﴾ أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطاً لهم من التصديق، وهذا قول قويّ لعطف قوله: ﴿ وقالوا ﴾ على قوله: ﴿ فردّوا ﴾ الاحتمال الثاني: أن تكون الضمائر راجعة إلى الرسل والمراد أن الرسل لما أيسوا منهم سكتوا ووضعوا أيدي أنفسهم على أفواه أنفسهم أرادوا أنهم لا يعودون إلى ذلك الكلام ألبتة.

أو يكون الضميران الأخيران راجعين إلى الرسل، والمعنى أن الكفار أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواههم ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، أو يكون الضمير الأخير فقد عائداً على الرسل والمراد أن الكفار لما سمعوا وعظ الأنبياء ونصائحهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تكذيباً لهم وردّاً عليهم، أو وضعوا أيديهم على أفواه الأنبياء منعاً لهم من الكلام فهذه جملة الاحتمالات على القول الأول.

القول الثاني: أن ذكر اليد والفم توسع ومجاز.

عن أبي مسلم: أن المراد باليد ما نطقت به الرسل بأفواههم من الحجج لأن دلائل الوحي من أجل النعم لأنهم إذا كذبوا الآيات ولم يقبلوها فكأنهم ردّوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل.

ونقل محمد بن جرير عن بعضهم أنه يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب ردّ يده في فيه.

فمعنى الآية أنهم سكتوا عن الجواب، وزيف بأنهم قد أجابوا بالتكذيب وقالوا: إنا كفرنا بما أرسلتم به.

والمراد بما زعمتهم أن الله أرسلكم به وكأنهم في أوّل الأمر حاولوا إسكات الأنبياء، وفي المرتبة الثانية صرحوا بتكذيبهم، وفي الثالثة قالوا: ﴿ وإنا لفي شك ﴾ وقد مر مثله في سورة هود.

فإن قلت: كيف صرحوا بالكفر ثم بنوا أمرهم على الشك؟

قلنا: أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم، ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم.

ثم إنه  حكى جواب الرسل وذلك قولهم: ﴿ أفي الله شك فاطر السموات والأرض ﴾ أدخل همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام ليس في الشك إنما هو في المشكوك فيه وأن وجود الله لا يحتمل الشك.

قال الضعيف المذنب المفتقر إلى عفو ربه الكريم مؤلف الكتاب الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم الله أحواله في الدارين.

إنه كان من عقيدتي أن العلم بوجود الواجب في الخارج من جملة البديهيات وكان يستبعد ذلك كثير من أقراني وأصحابي لما رأوا أن الأقدمين ما زالوا يبرهنون على ذلك في الكتب الكلامية والحكمية، فكنت قد كتبت لأجلهم رسالة في الإلهيات مشتملة على دلائل تجري مجرى المنبهات على ذلك المعنى، فإن الضروريات قد ينبه عليها وإن لم تحتج في الاقتناص إلى البراهين.

والآن أرى أن أذكر بعض تلك المنهبات في هذا المقام لأنها مقررة لقوله  : ﴿ أفي الله شك ﴾ فأقول وبالله التوفيق: المفهوم بالنظر إلى ذاته وإلى الخارج إما أن يكون واجب الوجود فقط، أو واجب العدم فقط، أو ممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب العدم وممكن الوجود والعدم معاً، أو واجب الوجود وواجب العدم وممكن الوجود والعدم جميعاً.

فهذه أقسام سبعة والعقل الصريح لا يشك في استحالة خمسة أقسام منها في الخارج: الأول واجب العدم لذاته فقط، الثاني واجب الوجود لذاته وواجب العدم في ذاته معاً، الثالث واجب الوجود لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته، والرابع واجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم لذاته.

الخامس واجب الوجود لذاته وواجب العدم لذاته وممكن الوجود والعدم في ذاته.

ثم نقول: إن العقل كما لا يشك في استحالة الوجود الخارجي لهذه الأقسام الخمسة ينبغي أن لا يشك في وجود الواجب لذاته فقط في الخارج، لأنه لو لم يكن موجوداً في الخارج كان معدوماً في الخارج.

فإن كان عدمه لذاته كان من القسم الثاني من الممتنعات، وإن كان لغيره كان من القسم الثالث منها وكلاهما محال إذ المفروض خلاف ذلك فثبت كونه موجوداً في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، فهذه طريقة عذراء تيسرت لنا من غير احتياج إلى دور وتسلسل يرد عليها المنوع المشهورة.

وجه ثانٍ: الموجود في الخارج إما واجب أو ممكن، وهذه قضية اتفقوا على ضروريتها لأنها إن كان مستغنياً عن المؤثر في وجوده الخارجي فواجب وإلا فممكن فنقول: إن كانت القمسة قسمة تنويع حتى يكون المعنى أن الموجود في الخارج هذان النوعان فقد ثبت وجود الواجب في الخارج بالضرورة وهو المطلوب، وإن كانت القسمة قسمة انفصال ولا محالة تكون مانعة الخلو فقط.

أما كونها مانعة الخلو فلاستحالة العقل رفعهما معاً في الخارج ضرورة ثبوت موجود ما في الخارج بالضرورة، وأما أنها ليست بمانعة الجمع فلأن الممكن موجود بالضرورة ولا منافاة بين وجود الواجب ووجود الممكن بالضرورة وإلا لم يستدل العقلاء من وجود الممكن على إثبات الواجب، بل يستدلون منه على نفيه.

وإذا كان الجمع بين الواجب والممكن ممكناً في الوجود والممكن موجود بالضرورة مع أنه مفتقر في وجوده إلى مؤثر موجود، فلأن يكون الواجب موجوداً يكون أولى بالضرورة لاستغنائه عن المؤثر وكون ذاته كافية في إيجاب الوجو له وهذه مقدمة جلية مكشوفة لمن تأمل في مفهوم واجب الوجود إذا لا معنى لوجوب الوجود إلا أنه وجود يوجد ألبته من تلقاء نفسه ومع قطع النظر عما سواه ولهذا قال المحققون: إن الوجود يقع على الواجب وعلى الممكن بالتشكيك بمعنى أنه في الواجب أولى وأولى منه في الممكن.

وجه ثالث: طبيعة الواجب وطبيعة الممكن من حيث ذاتاهما يشتركان في صحة وجودهما الخارجي بالضرورة، ويفترقان في أن الواجب ذاته كافية في إيجاب الوجود له، والممكن لا يكفي فيه ذلك بل يحتاج في إيجاب وجوده الخارجي إلى الغير، ولا ريب أن الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجوداً والثاني واقع بالضرورة فالأولى أولى بكونه ضروري الوقوع.

وجه رابع: نسبة كل محمول إلى موضعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع.

فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فو واجب الوجود.

ومن شك في وجود ماوجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفاً بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلاً لأن يهجر الحكمة.

وجه خامس: نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة.

فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفاً بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققاً، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه.

وجه سادس: مقتضى ذات الشيء أقرب إيجاباً له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير، فالوجود ثابت بالطريقة الأولى.

وجه سابع: الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجوداً واجباً لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا.

فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتاً في نفسه لم يتصور منه إفادة مثله، فإذا حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفاً بكونه مفيداً لوجود مثله.

فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح.

وجه ثامن: كون الشيء موجوداً في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجداً لغيره، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجداً لغيره، وكل موجد لغيره موجود في نفسه.

وإذا كان اتصاف الوجود الممكن مع ضعفه بأبعد الأمرين عن القبول واقعاً، فكيف لا يكون اتصاف الوجود الواجب مع قوّته بأقربهما من القبول واقعاً؟

وجه تاسع: انجذاب النفوس السليمة وغير السليمة من الأنبياء والأولياء والحكماء وسائر العقلاء من إخوان الصفاء وأخدان الوفاء وأرباب البدع والأهواء إلى وجود واجب متى رجعوا إلى أنفسهم وطالعوا ملكوت السموات والأرض وتأملوا في الأحوال الواردة عليهم من كشف كرب أو هجوم نعمة، أجلى دليل على وجود رب جليل منزه عن سمات النقص والأفول في حيز الإمكان، مفيض للخيرات مدبر للممكنات ولهذا قال رب السموات والأرضين عن الظلمة والمعاندين ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله  ﴾ ثم أخبر أنهم يعتذرون عن أصنامهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، إذ لم يكن جحدهم وعنادهم عن تحقيق وصدق وإنما كانوا مكابرين في الظاهر ابتلاء من الله وشقاء منهم, فالحاصل أن المؤمن والمشرك والمقر والجاحد سيان في أنه تشهد فطرته بوجود صانع للعالم واجب في ذاته وصفاته، ولا أدل من ذلك على أنه ضروري الوجود.

وجه عاشر: وهو الاستدلال بالآفاق كل موجود سوى الواجب فله ظهور في الخارج، لكنه إذا اعتبر في نفسه لم يكن له ذلك من تلقاء نفسه فكان فقيراً في نفسه وذلك أفول له في أفق الإمكان، وإذا كان ما مقتضى ذاته الأفوال طالعاً فما مقتضى ذاته الطلوع أولى بأن يكون طالعاً.

وجه حادي عشر: وهو الاستدلال بالأنفس.

من تأمل في ذاته وفرض شخصه في هواء طلق لا يحس فيه بمتضاد وأغفل الحواس عن أفعالها وجد شيئاً هو به هو، وبذلك يصح أنيته وهو نفسه الناطقة التي نسبتها إلى بدنه نسبة الملك إلى المدينة يتصرف فيها كيف يشاء.

ومهما انقطعت علاقته عن البدن مات صاحبه وانخرط في سلك الجمادات، فكما أن البدن لضعفه وخسته مفتقر في قوامه وقيامه إلى مدبر يديمه ويقيمه، فجميع العالم الجسماني بل الممكنات بأسرها لخستها وفقرها تستند لا محالة إلى ما هو أشرف منها وذلك ما وجوده من تلقاء نفسه وهو الواجب الحق  شأنه، ولولاه لتبدد نظام العالم ولم يكن من الوجود عين ولا أثر.

وجه ثاني عشر: وهو أنور الوجوه وأظهرها وهو الاستدلال بالنور على النور.

لا شك أنه نور ونعني به ما هو ظاهر في نفسه مظهر لغيره فنقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره، وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهراً في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهوراً لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول: إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلاً.

فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض، ولا تنتهض العودة اليومية نقضاً علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا.

وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة، قلنا: لو سلمنا ذلك لكنه لا يتسحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته.

ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزلياً أن يكون الفيض المخصوص أزلياً، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار  شأنه وبهر برهانه، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد، فهو قديم أزلي، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم.

هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء الله على وجه الدهر، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر والله المستعان.

قال بعض العقلاء: من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار، وعلى حصول التكليف، وعلى ثبوت دار الجزاء، وعلى ضرورة بعثه النبي.

أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول: من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي؟!

وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول: لم ضربي ذلك الضارب؟

وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى.

وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه.

وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال؟!

وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو قرأ بهما ثم بانأن الأمر على خلافه فلا ضرر فيه ألبته، أما إذا أنكر الصانع والتكليف والجزاء وكانت هذه الأمور في الخارج ثابتة حقة ففي إنكارها أعظم المضار، فيلزم على العاقل أن يعترف بهذه الأمور أخذاً بالأحوط.

ثم إن الرسل بعد التنبيه على وجود الصانع ذكروا فائدة الدعوة وغايتها وذلك ثنتان: الأولى قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان ﴿ ليغفر لكم من ذنوبكم ﴾ استدل بالآية من جوّز زيادة "من" في الإثبات وذلك لقوله  في موضع آخر: ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ {الزمر: 53].

وأجيب بأنه لا يلزم من غفران جميع الذنوب لأمة محمد  غفران جميع الذنوب لغيرهم، فالوجه أن تكون "من" للتبعيض تمييزاً بين الفريقين، ويؤيد ما ذكرنا استقراء الآيات فإنها ما جاءت في خطاب الكافرين إلا مقرونة بـ "من" كما في هذه الآية، وفي سورة نوح وسورة الأحقاف.

وقال في خطاب المؤمنين في سورة الصف ﴿ يغفر لكم ذنوبكم  ﴾ بغير "من".

وقيل: أراد أن يغفر لهم ما بينهم وبين الله بخلاف ما بينهم وبين العباد من المظالم.

وقيل: "من" للبدل أي لتكون المغفرة بدلاً من الذنوب.

وضعف بأنه لم يوجد له في اللغة نظير.

وعن الأصم: أنه أراد إذا تبتم يغفر لكم بعض الذنوب التي هي الكبائر.

فأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في أنفسها مغفورة.

وزيفه القاضي بأن الصغيرة إنما تكون مغفورة من الموحدين حيث يزيد ثوابهم على عقابهم، فأما من لا ثواب له أصلاً فلا يكون شيء من ذنوبه صغيراً ولا كبيراً مغفوراً.

وقيل: المراد أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور منها إلا ما ذكره وتاب منه.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: في الآية دلالة على أنه  قد يغفر ذنب أهل الإيمان من غير توبة لأنه وعد بغفران بعض الذنوب مطلقاً من غير اشتراط التوبة، وذلك البعض ليس هو الكفر لانعقاد الإجماع على أنه  لا يغفر الكفر إلا بالتوبة عنه والدخول في الإيمان، فوجب أن يكون ذلك البعض هو ما عدا الكفر من الذنوب.

ولقائل أن يقول: لانسلم أنه لم يشترط التوبة في الآية، لأن قوله: ﴿ يدعوكم ﴾ أي إلى الإيمان معناه آمنوا ليغفر لكم فكأنه قيل: إن الإيمان شرط غفران بعض الذنب فلم لا يجوز أن يكون ذلك البعض هو الكفر؟.

الغاية الثانية قوله: ﴿ ويؤخركم إلى أجل مسمى ﴾ عن ابن عباس: أي يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت الطبيعي وإلا عاجلكم بعذاب الاستئصال.

وقد مر تحقيق الأجل في أوّل "الأنعام".

ثم شرع في حكاية شبه الكفار وأنها ثلاث: الأولى قولهم: ﴿ إن أنتم إلا بشر مثلنا ﴾ وذلك لاعتقادهم أن الأشخاص الإنسانية متساوية في تمام الماهية، فيمتنع أن يبلغ التفاوت بينهم إلى هذا الحد مع اشتراك الكل في الضروريات البشرية من الحاجة إلى الأكل والشرب والوقاع وغير ذلك.

الثانية التمسك بطريقة التقليد وذلك قوله: ﴿ تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا ﴾ الثالثة إنكارهم دلالة المعجزة على الصدق.

وعلى تقدير التسليم زعموا أنهم ما أتوا بحجة أصلاً لاعتقادهم أن معجزاتهم من جنس الأمور المعتادة، فاقترحوا سلطاناً مبيناً أي برهاناً باهراً وحجة قاهرة.

ثم إن الأنبياء سلموا أنهم بشر مثلهم ولكنهم وصفوا أنفسهم بمزية من عند الله بطريق المنة والعطية، وبهذا استدل من جعل النبوّة محض العطاء من الله.

أجاب المخالف بأنهم لم يذكروا فضائلهم النفسانية والجسمانية تواضعاً منهم، ولأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم أهل لها لخصائص فيها.

وأما الشبهة الثانية فإنما لم يذكروا الجواب عنها لأن صحة النبوّة تهدم قاعدة التقليد، وأما الشبهة الثالثة فجوابها ﴿ وما كان لنا ﴾ أي ما صح منا ﴿ أن نأتي بآية ﴾ اقترحتموها من تلقاء أنفسنا وإنما ذلك أمر يتعلق بمشيئة الله.

والظاهر أن الأنبياء لما أجابوا عن شبهاتهم بما أجابوا فالقوم أخذوا في السفاهة والتخويف وعند ذلك قالت الأنبياء ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ قال علماء المعاني: الأول لاستحداث التوكل، والثاني للسعي في إبقائه وإدامته.

وقيل: معنى الأول أن الذين يطلبون المعجزات يجب عليهم أن يتوكلوا في حصولها على الله لا علينا، فإن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها.

ومعنى الثاني إبداء التوكل على الله في دفع شر الكفار وسفاهتهم.

وفي قولهم: ﴿ وقد هدانا سبلنا ﴾ إشارة إلى ما سهل الله عليهم من طريقة التكميل والإرشاد وتحمل أعباء الرسالة والصبر على متاعبها، فإن تأثير نفوسهم في عالم الأرواح كتأثير الشمس في عالم الشمس في عالم الأجسام بالإضاءة والإنارة، وقد عرفوا بالنفوس المشرقة والأنوار الإلهية أو بالوحي الصريح أنه  يعصمهم من كيد الأعداء ومكر الحساد.

وفي قولهم.

﴿ ولنصبرن على ما آذيتمونا ﴾ دليل على أن الصبر مفتاح الفرج ومطلع الخيرات ومثمر السعادات.

أما قول الكفار للرسل: ﴿ أو لتعودن في ملتنا ﴾ فقد مر البحث عليه في سورة الأعراف في قصة شعيب.

وقال صاحب الكشاف: العود ههنا بمعنى الصيرورة، حلفوا أن يخرجوهم ألبتة إلا أن يصيروا كافرين مثلهم ﴿ فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ﴾ أجرى الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه أو أضمر القول.

عن النبي  : "من آذى جاره ورّثه الله داره" ﴿ ذلك ﴾ الذي قضى الله به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم حق ﴿ لمن خاف مقامي ﴾ يريد موقف الله الذي يقف به عباده يوم القيامة وهو موقف الحساب، أو المقام مصدر أي خاف قيامي عليه بالحفظ والمراقبة كقوله: ﴿ أفمن هو قائم على كل نفس  ﴾ أو قيامي بالعدل والصواب مثل ﴿ قائماً بالقسط  ﴾ أو المقام مقحم أي خافني مثل سلام الله على المجلس العالي: ﴿ وخاف وعيد ﴾ قال الواحدي: هو اسم من الإيعاد وهو التهديد.

قال المحققون: إن الخوف من الله مغاير للخوف من وعيد كما أن حب الله مغاير لحب ثواب الله، وهذه فائدة عطف أحد الخوفين على الآخر.

قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ الضمير إما للرسل والمعنى استنصروا الله على أعدائهم أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة، وإما للكفرة بناء على ظنهم أنهم على الحق والرسل على الباطل.

وعلى الأول يكون في الكلام إضمار التقدير: فنصروا وفازوا بالمقصود.

﴿ وخاب كل جبار عنيد ﴾ معاند.

وأصل العنود الميل من العند الناحية والجانب كأن كلاً من المتعاندين في جانب آخر.

قيل: الجبار وهو المتكبر إشارة إلى أن فيه خلق الاستكبار، والعنيد إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانباً للحق منحرفاً عنه وأصل الكلام على الأول: واستفتح الرسل وخاب الكفرة، وعلى الثاني: استفتحوا وخابوا.

فوضع الأعم موضع الأخص.

والظاهر مقام الضمير تنصيصاً على الكفرة بأن سبب خيبتهم عن السعادة الحقيقية تجبرهم وعنادهم ﴿ من ورائه ﴾ أي من بين يديه.

يقال: الموت وراء كل أحد.

وذلك أن قدام وخلف كلاهما متوارٍ عن الشخص فصح إطلاق لفظ وراء على كل واحد منهما.

وقال أبو عبيدة: هو من الأضداد لأن أحدهما ينقلب إلى الآخر.

وهذا وصف حاله في الدنيا أو في الآخرة حين يبعث ويوقف.

قال جار الله: قوله: ﴿ ويسقى ﴾ معطوف على محذوف تقديره يلقى في جهنم ما يلقى ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ أي من ماء بيانه أو صفته هذا.

والصديد ما يسيل من جلود أهل النار واشتقاقه من الصد لأنه يصد الناظر عن رؤيته أو تناوله.

وقيل: يخلق الله في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة.

﴿ يتجرعه ﴾ يتكلف جرعه ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ أي لم يقارب الإساغة فضلاً عن الإساغة قيل: ليس المراد بالإساغة مجرد حصول المشروب في الجوف لأن هذا المعنى حاصل لأهل النار بدليل قوله: ﴿ يصهر به ما في بطونهم  ﴾ وإنما المراد جريان المشروب في الحلق في الاستطابة وقبول النفس لا بالكراهية والتأذي.

قلت: يحتمل أن يراد بالإساغة مجرد الحصول، والآية - أعني قوله: ﴿ ويصهر ﴾ - لا تدل على الحصول لقوله قبله: ﴿ يصب من فوق رؤوسهم الحميم  ﴾ .

﴿ ويأتيه الموت من كل مكان ﴾ من جسده حتى من إبهام رجله.

وقيل: من أصل كل شعرة.

وقيل: المراد أن موجبات الموت أحاطت به من جميع الجهات ومع ذلك فإنه لا يموت فيها ولا يحيا.

ثم أخبر - والعياذ بالله- أن العذاب في كل وقت يفرض من الأوقات المستقبلة يكون أشد وأنكى مما قبله فقال: ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ عن الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد.

قال في الكشاف: يحتمل أن يكون أهل مكة استفتحوا أي استمطروا.

والفتح المطر في سني القحط التي سلطت عليهم بدعوة رسول الله  فلم يسقوا فذكر  ذلك، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء أحرّ وهو صديد أهل النار.

وعلى هذا التفسير يكون قوله: ﴿ واستفتحوا ﴾ كلاماً مستأنفاً منقطعاً عن حديث الرسل وأممهم.

التأويل: بسم الله أي باسم الذات وهو الاسم الأعظم ابتدأت بخلق عالم الدنيا.

إظهار الصفات الرحمانية التي هي للمبالغة لاشتراك الحيوان والجماد والمؤمن والكافر في الرحمة، وبخلق عالم الآخرة إظهار الصفة الرحيمية لاختصاصها بالمؤمنين خاصة.

قوله: ﴿ الر ﴾ أي بآلائي وبلطفي إن القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس بدلالة نوره من ظلمات عالم الطبيعة والكثرة إلى نور عالم الروح والوحدة.

﴿ بإذن ربهم ﴾ الذي يربيهم هو لا أنت.

وفي قوله: ﴿ إلى صراط ﴾ إشارة إلى أن القرآن هو طريق الوصول إلى من احتجب بحجب العزة والمحمدة واستتر بأستار مظاهر القهر واللطف.

وفي الاختتام بقوله: ﴿ الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ﴾ إشارة إلى أن من بقي في أفعاله وهي المكونات لم يصل إلى صفاته، ومن بقي في صفاته لم يصل إلى ذاته، ومن وصل إلى ذاته بالخروج عن أنانيته إلى هويته انتفع بصفاته وأفعاله.

﴿ وويل للكافرين ﴾ من شدة ألم الانقطاع عن الله.

ثم أخبر أن الكافر الحقيقي هو الذي قنع بالإيمان التقليدي فأقبل على الدنيا وأعرض عن المولى فضل وأضل.

﴿ إلا بلسان قومه ﴾ أي يتكلم معهم بلسان عقولهم.

﴿ ولقد أرسلنا ﴾ بواسطة جبريل الجذبة ﴿ موسى ﴾ القلب بآيات عصا الذكر واليد البيضاء من الصدق والإخلاص.

﴿ أن أخرج قومك ﴾ وهم الروح والسر والخفي من ظلمات الوجود المجازي إلى نور الوجود الحقيقي ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ التي كان الله ولم يكن معه شيء وهو بحبهم بلاهم ﴿ إن في ذلك ﴾ التذكير ﴿ لآيات ﴾ في نفي الوجود ﴿ لكل صبار ﴾ بالله مع الله من غير الله ﴿ شكور ﴾ لنعمة الوجود الحقيق ببذل الوجود المجازي ﴿ ولئن شكرتم ﴾ بالطاعة ﴿ لأزيدنكم ﴾ في تقربي إليكم، لأزيدنكم في محبتي لكم، ولئن شكرتم في محبتي لكم لأزيدنكم في الخدمة، ولئن شكرتم في الخدمة لأزيدنكم في الوصول، ولئن شكرتم في الوصول لأزيدنكم في التجلي، ولئن شكرتم في التجلي لأزيدنكم في الفناء عنكم، ولئن شكرتم في الفناء لأزيدنكم في البقاء، ولئن شكرتم في البقاء لأزيدنكم في الوحدة، ﴿ ولئن كفرتم ﴾ نعمتي في المعاملات كلها ﴿ إن عذابي ﴾ قطيعتي ﴿ لشديد ﴾ ﴿ وقال موسى ﴾ القلب ﴿ إن تكفروا أنتم ﴾ أيها الروح والسر والخفى بالإعراض عن الحق والإقبال على الدنيا بتبعية النفس ومن في أرض البشرية من النفس والهوى والطبيعة.

﴿ يدعوكم ﴾ من المكونات إلى الملكوت ﴿ ليغفر لكم ﴾ بصفة الغفارية ﴿ من ذنوبكم ﴾ التي أصابتكم من حجب عالم الخلق ﴿ ويؤخركم ﴾ في التخلق بأخلاقه ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو وقت الفناء في الذات ﴿ وعلى الله فليتوكل المتوكلون ﴾ للتوكل مقامات: فتوكل المبتدىء قطع النظر عن الأسباب في طلب المرام ثقة بالمسبب، وتوكل المتوسط قطع تعلق الأسباب بالمسبب، وتوكل المنتهي قطع تعلق ما سوى الله والاعتصام ببابه.

﴿ لمن خاف مقامي ﴾ وهو مقام الوصول إليّ فإن هذا مقام الأخص، وأما خوف الخواص فعن مقام الجنة، وخوف العوام عن مقام النار ﴿ وخاف وعيد ﴾ القطيعة واستنصر القلب والروح من أمر الله على النفس والهوى.

﴿ من وراثه ﴾ أي قدام النفس في متابعة الهوى ﴿ جهنم ﴾ الصفات الذميمة ﴿ ويسقى من ماء صديد ﴾ هو ما يتولد من الصفات والأخلاق من الأفعال الرذيلة، يسقى منه صاحب النفس الأمارة ﴿ يتجرعه ﴾ بالتكلف ﴿ ولا يكاد يسيغه ﴾ لأنه ليس من شربه ﴿ يأتيه ﴾ أسباب ﴿ الموت من كل مكان ﴾ من كل فعل مذموم ﴿ ومن ورائه عذاب غليظ ﴾ هو عذاب القطيعة والبعد والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ...

﴾ الآية.

يشبه أن يكون الخطاب لأهل الإيمان منهم، والرسل خاطبهم - عز وجل - تصبيراً [منه لهم] وتنبيهاً على تكذيب الكفرة إياهم؛ وأذاهم واستهزائهم بهم؛ فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد أتاكم نبأ الذين من قبلكم ما فيه مزجر لكم عن مثل معاملتهم الرسول، وهو ما ذكره: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ  ﴾ إنه نزل بهم بتكذيبهم الرسل والاستهزاء بأتباعهم، يذكر هذا لهم؛ ليهون ذلك عليهم وليخف؛ لأن من علم أن له شركاً فيما بُلي به وامتحن كان ذلك [عليه أهون] وأخف من أن يكون هو المخصوص به.

ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل الكفر منهم؛ يقول: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد أتاكم خبر الذين من قبلكم؛ [أنه ماذا أنزل بهم بتكذيبهم الرسل واستهزائهم بأتباعهم؛ فينزل بكم] ما نزل بهم؛ لأن الذي أنزل ذلك عليهم حي قادر على إنزال مثله؛ فيخرج ذلك مخرج [التوقيح و] التوبيخ والتعيير والوعيد؛ ليحذروا عن صنيع أولئك.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

فيه دلالة أن تكلف معرفة الأنساب وحفظها إلى آدم شغل وتكلف؛ لأنه أخبر أن فيهم من لا يعلمه إلا الله وروي في الخبر أنه كان ينسب إلى مُضَر، ولا ينسب إلى أكثر من ذلك.

قال أبو بكر الأصم: قوله: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ [يكذب من ادعى معرفة الأنساب المتقدمة؛ لأنه قال: ﴿ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ ] وقد أخبر أيضاً أنه لم يقصّ عليه خبر الكل بقوله: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ  ﴾ فمن البعيد أن يتكلف تعرف ما لم يقصّ على رسوله والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ﴾ .

قيل: البينات: بينات على وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل الحجج التي أتوا بها الرسل على إثبات الرسالة والنبوة.

وقال بعضهم: البينات: ما يتّقون، وما يأتون، وما يحل عليهم وما يحرم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا على التمثيل والكناية عن التكذيب وترك الإجابة؛ لأن رد الأيدي في أفواههم يمنعهم عن التصديق؛ كقوله: ﴿ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ...

﴾ الآية [الرعد: 14] إذا ترك إجابته، وقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ  ﴾ وأمثاله.

ويشبه أن يكون على تحقيق جعل الأيدي في أفواههم، ثم يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ : في أفواه الرسل: فيقولون إنكم كذبة.

ويحتمل: ردّ الأيدي في أفواه أنفسهم يصوتون ويستهزئون بهم وبأتباعهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ...

﴾ الآية [الأنفال: 35] وقد ذكرنا معناه في موضعه؛ فعلى ذلك [هذا يحتمل ذلك،] والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ...

﴾ الآية.

[وقد ذكرنا معناه]؛ يحتمل قوله: ﴿ بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ التوحيد؛ لأنهم أرسلوا بالدعاء إلى توحيد الله والعبادة له، يدل على ذلك قولهم: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ وقول الرسل ﴿ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ...

﴾ الآية.

ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ من إثبات الرسالة، وإقامة الحجة عليها، ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ من التصديق بالرسالة والنبوة.

﴿ مُرِيبٍ ﴾ : هذا يدل أنهم كانوا على شكّ مما يعبدون من الأوثان والأصنام؛ لأنهم لو كان لهم بيان في ذلك وحجة ودعاء إليه؛ لكانوا لا يقولون: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ ولكن كانوا يقطعون فيه القول؛ فدل أنهم كانوا [على شك وريب]؛ في عبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها.

ثم الشك والريب؛ قال بعضهم: هما سواء، وقال بعضهم: الشك: هو الشك المعروف، والريب: هو النهاية في الشك.

وقال بعض أهل التأويل في قوله -  -: ﴿ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ﴾ : أي: عضوا على أصابعهم غيظاً على ما دعوا.

وقال بعضهم: ردوا عليهم قولهم أو كذبوهم، وهو ما ذكرنا بدءاً؛ وقال: ردوا عليهم بأفواههم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أفي ألوهية الله شك؛ أو في عبادة الله شك؟

أي: ليس في ألوهيته ولا في عبادته شك [إذ تقرون أنتم أنه إله وأنه معبود، وكذلك أقر آباؤكم أنه إله وأنه معبود، فليس في ألوهيته ولا في عبادته شك]؛ إنما كان الشك في عبادة من تعبدون دونه، من الأوثان والأصنام وألوهيتها؛ لأن آباءكم أقروا بألوهية الله وأنه معبود، حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وأقروا أنه خالق السماوات الأرض، وفاطر جميع ما فيهما بقولهم: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ وإن الأصنام التي عبدوها لم تخلق شيئاً؛ فليس في الله شك عندكم إنما الشك فيما تعبدون دونه؛ أو في وحدانية الله.

أو يقول: أفي الله شك أنه معبود؛ أي: ليس في الله شك أنه لم يزل معبوداً إنما الشك في الأصنام التي قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأما في الله فلا شك أنه لم يزل معبوداً فاطر السماوات والأرض.

يشبه أن يكون على الإضمار؛ أي: أفي الله شك وقد تقرون أنه فاطر السماوات والأرض؛ وتعلمون أنه خالقهما.

ويحتمل أن يكون على الاحتجاج؛ أي: أفي الله شك وهو فاطر السماوات والأرض؟!

أي: تعلمون أنه فاطر السماوات والأرض وتقرون أنه خالقهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ .

هذا يحتمل [وجهين: يحتمل]: ليغفر لكم ذنوبكم التي كانت لكم في حال الفترة إذا أسلمتم.

وفيه دلالة - والله أعلم -: أن المآثم التي كانت لهم في وقت الفترة - مأخوذة عليهم؛ ثم وعد لهم المغفرة إذا أسلموا.

والثاني: وعد المغفرة والتجاوز؛ لما كان منهم من الافتراء على الله؛ والقول فيه بما لا يليق به؛ إذا أسلموا وتابوا عن ذلك؛ أي: إنكم، وإن افتريتم على الله وقلتم فيه ما قلتم؛ وكذبتم رسله، فإذا أسلمتم وتبتم وصدقتم رسله - غفر لكم ذلك كله وفيه ذكر لطفه وحسن معاملته خلقه.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى ﴾ جواب ما قالوا: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ .

[ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ ﴾ ] يقول إذا أسلمتم وتبتم لا تتخطفون؛ ولكن تبلغون إلى آجالكم المسماة ويؤخركم إلى أجل مسمّى.

يتعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية أن لكل إنسان أجلين: أجل في حال إذا كان فعل فعل كذا، وأجل في حال إذا فعل كذا؛ لكن جعل الأجلين إنما يكون بجهل في العواقب ممن يجهل العواقب، فأمّا الله  وتعالى فهو عالم بما كان ويكون؛ فلا يحتمل أن يجعل له أجلين؛ وهو عالم بما يكون؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون منه؛ في الوقت الذي جعله، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا ﴾ .

في قولهم تناقض من وجهين: أحدهما: أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم؛ لأنهم بشر مثلهم؛ [ثم أطاعوا آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام، وهم بشر مثلهم] حيث قالوا: ﴿ تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا ﴾ فذلك تناقض في القول.

والثاني: أنهم لم يروا الرسل متبوعين؛ [لأنهم] بشر ثم لا يخلو هم بأنفسهم من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم، أو كانوا أتباعاً لغيرهم؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ فذلك تناقض في القول.

﴿ فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ .

سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية الله  وربوبيته، أو على ما ادعوا من الرسالة من الله، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية الله وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل فقالوا: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بهم هلاككم؛ إنما ذلك إلى الله: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل.

وقوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .

أي: ما نحن إلا بشر مثلكم؛ [ولكن الله يمن على من يشاء، في دلالة] رد قول الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات الله عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ لم يذكروا شيئاً سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ .

﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يختص أحداً بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات الله عليهم؛ لم يذكروا سوى منة الله عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء [من الاستحقاق و] يكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو ما ذكرنا: الإذن موضوعه الإباحة، هو مقابل الحجر؛ لكن الإذن المذكور في القرآن ليس كله على وجه واحد؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق به، قال الله  : ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: بنصر الله؛ لأن الهزيمة هي موضع النصر؛ تحمل عليه، وقال: ﴿ وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ  ﴾ أي: بإنشاء الله؛ [فعلى ذلك الإذن هاهنا؛ حيث قال: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بإنشاء الله] السلطان وإجرائه على أيدينا.

ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره.

ويحتمل الإذن هاهنا الأمر؛ أي: بأمر الله نأتي أي: إن أمرنا الله بذلك نأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم؛ فقالوا: على الله يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم.

وقوله: ﴿ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الأمر؛ أي: على الله توكلوا أيّها المؤمنون؛ في جميع ما يتوعدكم أهل الكفر؛ وفي جميع أموركم.

ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على الله، [وبه يعتمدون] في جميع أمورهم؛ ومنه يرون كل خير وبرّ، لا بالأسباب التي لهم ولا يرون منها.

وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب؛ ومنها يرون كل سعة وخير.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ .

كأن هذا يخرج على إثر جواب منهم؛ لما قال الرسل: ﴿ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ فأجابوهم بحرف؛ فعند ذلك قال الرسل: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ لكنه لم يذكر ما كان منهم؛ ولكن ذكر جواب الرسل لهم: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ قال بعضهم: وقد بين لنا سلوك سبلنا.

وعندنا قوله: ﴿ وَقَدْ هَدَانَا ﴾ أي: وفق لنا السلوك في السبل التي علينا أن نسلكها؛ وأكرم لنا ذلك؛ أي: ما لنا ألا نتوكل عليه في النصر والظفر عليكم؛ وقد وفقنا وأكرمنا السلوك في السبل التي علينا سلوكها، وذلك أعسر من القيام للأعداء والنصر بهم؛ وقد أكرمنا ما هو أعسر وأعظم؛ فإن ينصرنا أولى.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمروا بالقيام لهم والاستنصار منهم؛ أمروا بالصبر على أذاهم؛ فقالوا: ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أنهم قالوا ذلك؛ لما كان أهل الكفر في كثرة؛ وكان أهل الإسلام وأتباع الرسل في قلة؛ يستقلون أهل الإسلام ويعاتبون على ذلك؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ بالنصر على أعدائنا؛ والغلبة عليهم، وقد أكرمنا بما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ كأنه يخرج على الأمر؛ أي: على الله فتوكلوا؛ لا تتوكلوا [على] غيره.

ويشبه أن يكون على الخبر؛ أي: لا يتوكل المؤمن إلا على الله؛ لا يتوكل على غيره؛ كقول الرسول حيث قال: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ...

﴾ الآية [هود: 56] وهو قول هود، وقول المؤمنين: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 89] ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ ﴾ .

الإخراج يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين.

ويحتمل الإخراج: الحبس ﴿ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ ﴾ ؛ أي: لنحبسنكم عن [الانتفاع بالبلد] وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 30] ونحوه.

ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوهاً ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج: أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أولئك؛ قاهرين عليهم؛ وكانوا أهل كبر وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر.

والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم؛ فهمُّوا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهمّ بقتله ويقصد إهلاكه.

والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ .

الملة: الدين؛ كقوله [  ]: "لا يتوارث أهل الملتين" وقوله [تعالى]: ﴿ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  ﴾ أي: دين إبراهيم.

وقوله: ﴿ لَتَعُودُنَّ ﴾ ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وعد لهم النصر؛ والظفر عليهم؛ والتمكين في أرضهم مع قلة [عدد] أتباع الرسل وضعف أبدانهم؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي من الله؛ ووعده إياهم؛ لا من حيث أنفسهم، والله أعلم.

فكان على ما أخبروا؛ فكان ذلك من آيات رسالتهم، وما ينبغي لهم أن يطلبوا [لهم] من الرسل الآيات والحجج على ما ادعوا؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها؛ إنما دعوهم إلى وحدانية الله  وألوهيته، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام، وذلك في شهادة خلقتهم؛ وشهادة كل خلقة؛ وإن لطف وصغر؛ فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه؛ لكنهم كانوا قوماً معاندين مكابرين لا يقبلون قولهم ولا يصدقونهم؛ تعنتاً منهم وتكبُّراً، لم ينظروا في خلق الله ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات؛ لئلا يكون لهم مقال واحتجاج، وإن لم يكن لهم الاحتجاج.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي...

﴾ الآية.

قوله -  - ذلك يحتمل وجوهاً؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث؛ ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك.

أحدها: قوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فيحتمل قوله ذلك: المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

وسبق أيضاً قوله: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها؛ أي: ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد.

وسبق أيضاً: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ...

﴾ الآية أي: ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف [مقامي وخاف] وعيد.

ثم قوله: ﴿ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ قال بعضهم: خاف مقامي في الدنيا والآخرة، وتأويله - والله أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.

وقال بعضهم: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار.

ثم قوله: ﴿ مَقَامِي ﴾ حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ؛ وأقل من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [البقرة: 210] وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على [أهل] التشبيه؛ ولم يشتبه قوله: ﴿ مَقَامِي ﴾ ؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: ﴿ إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ  ﴾ ﴿ وَإِلَيْهِ مَآبِ  ﴾ و ﴿ مَتَابِ  ﴾ ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق جميعاً في الدارين جميعاً - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛ إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وبالله النجاة.

ذكر الله - عز وجل - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم؛ وأنباء أعدائهم؛ وما عامل بعضهم بعضاً، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على أعدائهم؛ والظفر بهم، والتمكين في الأرض، وجعل ذلك كله كتاباً بالحكمة؛ يتلى ليعلم؛ [أن كيف] يعامل الأعداء والأولياء؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء؛ وليعلموا أن كيف عامل الله رسله وأولياءه، وكيف عامل الرسل ربَّهم، أضاف الرسل جميع ما نالوا من الخيرات والكرامات إلى الله؛ كأن لا صنع لهم في ذلك؛ حيث قالوا: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، ذكر قوله: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر؛ ولكن بفضل من الله  وبرحمته، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ وأمثاله، أضافوا ذلك إليه؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك.

وذكر الله - عز وجل - ما أكرم أولياءه ورسله؛ من النصر والتمكين والإنزال في الديار، كأنهم استوجبوا ذلك بفعلٍ كان منهم؛ وهو قوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ أي: ذلك النصر والتمكين، وما ذكرنا من الوجوه ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ ذكر أنهم استوجبوا ذلك، لا أن كان، ﴿ ذٰلِكَ ﴾ من الله بحق إفضاله وامتنانه؛ ليعلموا معاملة الله رسله وأولياءه، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: الاستنصار؛ استنصروا الله على أعدائهم؛ كقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ أي: يستنصرون.

والثاني: ﴿ وَٱسْتَفْتَحُواْ ﴾ أي: تحاكموا إلى الله في النصر للأحق منهم؛ والأقرب إلى الحق؛ كقوله: ﴿ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 89] وهو التحاكم إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ .

هو ما ذكرنا: تحاكموا إلى الله؛ فنصر أولياءه، وأهلك أعداءه، على ما ذكر أن أبا جهل قال: اللهم دينك القويم وأياديك الحسنة، أيّنا كان أحبّ إليك وأقرب إلى الحق - فانصره؛ فنصر المؤمنين وأهلك الأعداء.

وقوله: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ أي: تجبر على رسله وأوليائه، والعنيد: قيل: المعرض المجانب عن الحق والطاعة.

وقال بعضهم: الجبار: القاتل على الغضب والضارب على الغضب؛ وهو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أي: من وراء عذاب الدنيا لهم عذاب جهنم.

[و] قوله: ﴿ مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ﴾ : الوراء: قد يستعمل في أمام وخلف؛ أي: من أمام ما حلّ بهم جهنم، ويحتمل: وراء ما أصابهم؛ ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ .

أى: يسقى في جهنم صديداً مكان ما يسقون في الدنيا؛ وهو الذي يسيل من القروح [والجروح]، جعل الله للكافرين في الآخرة مكاناً بما كان لهم في الدنيا؛ لباساً وشراباً وطعاماً؛ ما كانت تكرهه أنفسهم، جعل مكان ما يسقون في الدنيا من الماء - في النار: الصديد والغسلين والحميم، ومكان الطعام في الدنيا - في النار: الزقوم والضريع، ومكان اللباس: القطران ونحوه، ومكان القرين والصديق في الدنيا: يجعل قرينه الشيطان، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ إذ ذلك كله يمنعهم عن دين الله؛ ويصدهم عن ذكره، ليكون جزاؤهم من نوع ما كان يمنعهم في الدنيا عن طاعته.

ثم قال بعضهم: إن الصديد الذي يسقون: هو أن النار تجرحهم وتقرحهم؛ فيسيل - من ذلك - الصديدُ؛ فيسقون من ذلك.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديداً؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم من غير أصل.

وقوله: ﴿ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ ﴾ ويحتمل: يسقى من ماء في ظنهم ماء؛ وهو في الحقيقة صديد.

ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديداً؛ لكن يشربون؛ رجاء أن يدفع عطشهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ .

قال أبو عوسجة: التجرع: ما يشربه مكرهاً عليه.

﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ .

يقال: أسغته: أي: أدخلته في الحلْق؛ يقال: أسغته [فساغ، أي: دخل سهلاً من غير أن يؤذيه، وكذلك قيل في قوله: ﴿ سَآئِغٌ شَرَابُهُ  ﴾ أي: سهل في الحلق] وساغ في حلقه؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ .

قال قائلون: يأتيهم الغمّ والهم من كل مكان، وكذلك المتعارف في الخلق: إذا اشتد بهم الغم والهم والشدة، يقال: كأنك ميت؛ أو تموت غمّاً.

وقال بعضهم: ﴿ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ ﴾ أي: أسباب الموت؛ ما لو كان من قضائه الموت فيها - لماتوا؛ لشدة ما يحل بهم، ولكنْ قضاؤه؛ ألا يموتون فيها.

﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ موت حقيقة يستريح من العذاب.

وقوله: ﴿ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ قال بعضهم: من كل ناحية من فوق؛ ومن تحت؛ [ومن خلف] ومن قدام؛ كقوله: ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ  ﴾ وقال: ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ أخبر أن النار تأتيهم وتأخذهم من كل جانب ومن كل جهة.

ويحتمل ﴿ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ : أي: ومن كل سبب من تلك الأسباب التي تأتيهم؛ ما لو كان قضاؤه الموت - لماتوا بكل سبب من تلك الأسباب.

وقال بعضهم: أي: ليس من موضع من جسده ومن سائر جوارحه - إلا الموت يأتيه منها؛ من شدة ما يحل بهم؛ حتى يجدوا طعم الموت وكربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِ ﴾ أي: ومن وراء ذلك العذاب - عذاب غليظ لا ينقطع ولا يفتر، وصفه بالغلظ والشدة؛ لدوامه والإياس عن انقطاعه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ألم يجئكم -أيها الكفار- خبر إهلاك الأمم المكذبة من قبلكم: قوم نوح، وعاد قوم هود، وثمود قوم صالح، والأمم الذين جاؤوا من بعدهم، وهم كثير لا يحصي عددهم إلا الله؟

أتتهم رسلهم بالدلائل الواضحة، ووضعوا أيديهم في أفواههم عاضِّين على أصابعهم من الغيظ على الرسل، وقالوا لرسلهم: إنا كفرنا بما أرسلتم به، وإنا لفي شك باعث على الريبة مما تدعوننا إليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.8jJ2A"

مزيد من التفاسير لسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد