الآية ٧٠ من سورة الزمر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 39 الزمر > الآية ٧٠ من سورة الزمر

وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍۢ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٠ من سورة الزمر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٠ من سورة الزمر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي من خير أو شر "وهو أعلم بما يفعلون".

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) يقول تعالى ذكره: ووفى الله حينئذ كل نفس جزاء عملها من خير وشرّ, وهو أعلم بما يفعلون في الدنيا من طاعة أو معصية, ولا يعزب عنه علم شيء من ذلك, وهو مجازيهم عليه يوم القيامة, فمثيب المحسن بإحسانه, والمسيء بما أساء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ووفيت كل نفس ما عملت من خير أو شر .

وهو أعلم بما يفعلون في الدنيا ولا حاجة به - عز وجل - إلى كتاب ولا إلى شاهد ، ومع ذلك فتشهد الكتب والشهود إلزاما للحجة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فيحصل حكم يقر به الخلق، ويعترفون للّه بالحمد والعدل، ويعرفون به من عظمته وعلمه وحكمته ورحمته ما لم يخطر بقلوبهم، ولا تعبر عنه ألسنتهم، ولهذا قال: { وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ووفيت كل نفس ما عملت ) أي : ثواب ما عملت ، ( وهو أعلم بما يفعلون ) قال عطاء : يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ووفّيَتْ كلُّ نفس ما عملت» أي جزاءه «وهو أعلم» عالم «بما يفعلون» فلا يحتاج إلى شاهد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ووفَّى الله كلَّ نفس جزاء عملها من خير وشر، وهو سبحانه وتعالى أعلم بما يفعلون في الدنيا من طاعة أو معصية.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ) من خير أو شر ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ) أى : وهو سبحانه - عليم بما يفعلونه من طاعة أو معصية ، لا يخفى عليه شئ من أحوال خلقه ، بل هو - تعالى - يعلم السر وأخفى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئاً آخر سواه، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية، فقال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله، قالوا لأن قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك، فسقط هذا الكلام.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عظموه حق تعظيمه، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث، في سورة الأنعام، وفي سورة الحج، وفي هذه السورة.

واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيماً لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته ونهاية جلالته، فقال: ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ قال القفال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ﴾ كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت، فوجب أن لا تحطني عن قدري ومنزلتي، ونظيره قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم  ﴾ أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا هاهنا، والمعنى ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسموات في قبضته وقدرته، قال صاحب الكشاف الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك ما روي أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم إن الله يمسك السموات يوم القيامة على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً مما قال، قال صاحب الكشاف وإنما ضحك أفصح العرب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا إصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول كل شيء وآخره على الزبدة والخلاصة، التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام ولا تكتنهها الأذهان هينة عليه، قال ولا نرى باباً في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، فيقال له هل تسلم أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وأنه إنما يعدل عن الحقيقة إلى المجاز عند قيام الدلالة على أن حمله على حقيقته ممتنع، فحينئذ يجب حمله على المجاز، فإن أنكر هذا الأصل فحينئذ يخرج القرآن بالكلية عن أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يقول المقصود من الآية الفلانية كذا وكذا فأنا أحمل الآية على ذلك المقصود، ولا ألتفت إلى الظواهر، مثاله من تمسك بالآيات الواردة في ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار، قال المقصود بيان سعادات المطيعين وشقاوة المذنبين، وأنا أحمل هذه الآيات على هذا المقصود ولا أثبت الأكل والشرب ولا سائر الأحوال الجسمانية، ومن تمسك بالآيات الواردة في إثبات وجوب الصلاة فقال المقصود منه إيجاب تنوير القلب بذكر الله، فأنا أكتفي بهذا القدر ولا أوجب هذه الأعمال المخصوصة، وإذا عرفت الكلام في هذين المثالين فقس عليه سائر المسائل الأصولية والفروعية، وحينئذ يخرج القرآن عن أن يكون حجة في المسائل الأصولية والفروعية، وذلك باطل قطعاً، وأما إن سلم أن الأصل في علم القرآن أن يعتقد أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته، فإن قام دليل منفصل على أنه يتعذر حمله على حقيقته، فحينئذ يتعين صرفه إلى مجازه، فإن حصلت هناك مجازات لم يتعين صرفه إلى مجاز معين إلا إذا كان الدليل يوجب ذلك التعيين، فنقول هاهنا لفظ اليمين حقيقة في الجارحة المخصوصة، ولا يمكنك أن تصرف ظاهر الكلام عن هذا المعنى إلا إذا أقمت الدلالة على أن حمل هذه الألفاظ على ظواهرها ممتنع فحينئذ يجب حملها على المجازات، ثم تبين بالدليل أن المعنى الفلاني يصح جعله مجازاً عن تلك الحقيقة، ثم تبين بالدليل أن هذا المجاز أولى من غيره، وإذا ثبتت هذه المقدمات وترتيبها على هذا الوجه فهذا هو الطريق الصحيح الذي عليه تعويل أهل التحقيق فأنت ما أتيت في هذا الباب بطريقة جديدة وكلام غريب، بل هو عين ما ذكره أهل التحقيق، فثبت أن الفرح الذي أظهره من أنه اهتدى إلى الطريق الذي لم يعرفه غيره طريق فاسد، دال على قلة وقوفه على المعاني، ولنرجع إلى الطريق الحقيقي فنقول لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الأعضاء والجوارح، إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع ثبوت الأعضاء والجوارح لله تعالى، فوجب حمل هذه الأعضاء على وجوه المجاز، فنقول إنه يقال فلان في قبضة فلان إذا كان تحت تدبيره وتسخيره.

قال تعالى: ﴿ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم  ﴾ والمراد منه كونه مملوكاً له، ويقال هذه الدار في يد فلان، وفلان صاحب اليد، والمراد من الكل القدرة، والفقهاء يقولون في الشروط وقبض فلان كذا وصار في قبضته، ولا يريدون إلا خلوص ملكه، وإذا ثبت تعذر حمل هذه الألفاظ على حقائقها وجب حملها على مجازاتها صوناً لهذه النصوص عن التعطيل، فهذا هو الكلام الحقيقي في هذا الباب، ولنا كتاب مفرد في إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان، سميناه بتأسيس التقديس، من أراد الإطناب في هذا الباب فليرجع إليه.

المسألة الثالثة: في تفسير ألفاظ الآية قوله: ﴿ والأرض ﴾ المراد منه الأرضون السبع، ويدل عليه وجوه: الأول: قوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع ونظيره قوله: ﴿ كُلُّ الطعام  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ والنخل باسقات  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ  ﴾ فإن هذه الألفاظ الملحة باللفظ المفرد تدل على أن المراد منه الجمع فكذا هاهنا والثاني: أنه قال بعده ﴿ والسماوات مطويات ﴾ فوجب أن يكون المراد بالأرض الأرضون الثالث: أن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهذا مقتضى المبالغة، وأما القبضة فهي المرة الواحدة من القبض، قال تعالى: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول  ﴾ والقبضة بالضم المقدار المقبوض بالكف، ويقال أيضاً أعطني قبضة من كذا، يريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة من قبضاته، يعني أن الأرضين مع ما لها من العظمة والبسطة لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته، أما إذا أُريد معنى القبضة، فظاهر لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة فإن قيل ما وجه قراءة من قرأ قبضته بالنصب، قلنا جعل القبضة ظرفاً وقوله: ﴿ مطويات ﴾ من الطي الذي هو ضد النشر كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل  ﴾ وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، ثم قال صاحب الكشاف: وقيل قبضته ملكه ويمينه قدرته، وقيل مطويات بيمينه أي مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يقبضها، ولما ذكر هذه الوجوه عاد إلى القول الأول بأنها وجوه ركيكة، وأن حمل هذا الكلام على محض التمثيل أولى، وبالغ في تقرير هذا الكلام فأطنب، وأقول إن حال هذا الرجل في إقدامه على تحسين طريقته، وتقبيح طريقة القدماء عجيب جداً، فإنه إن كان مذهبه أنه يجوز ترك الظاهر اللفظ، والمصير إلى المجاز من غير دليل فهذا طعن في القرآن وإخراج له عن أن يكون حجة في شيء، وإن كان مذهبه أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأنه لا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفل، فهذا هو الطريقة التي أطبق عليها جمهور المتقدمين، فأين الكلام الذي يزعم أنه علمه؟

وأين العلم الذي لم يعرفه غيره؟

مع أنه وقع في التأويلات العسر والكلمات الركيكة، فإن قالوا المراد أنه لما دل الدليل على أنه ليس المراد من لفظ القبضة واليمين هذه الأعضاء، وجب علينا أن نكتفي بهذا القدر ولا نشتغل بتعيين المراد، بل نفوض علمه إلى الله تعالى، فنقول هذا هو طريق الموحدين الذين يقولون إنا نعلم ليس مراد الله من هذه الألفاظ هذه الأعضاء، فأما تعيين المراد، فإنا نفوض ذلك العلم إلى الله تعالى، وهذا هو طريقة السلف المعرضين عن التأويلات، فثبت أن هذه التأويلات التي أتى بها هذا الرجل ليس تحتها شيء من الفائدة أصلاً، والله أعلم.

واعلم أنه تعالى لما بين عظمته من الوجه الذي تقدم قال: ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يعني أن هذا القادر القاهر العظيم الذي حارت العقول والألباب في وصف عظمته تنزّه وتقدس عن أن تجعل الأصنام شركاء له في المعبودية، فإن قيل السؤال على هذا الكلام من وجوه: الأول: أن العرش أعظم من السموات السبع والأرضين السبع، ثم إنه قال في صفة العرش ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية  ﴾ وإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين العرش العظيم، فكيف يجوز تقدير عظمة الله بكونه حاملاً للسموات والأرض؟

السؤال الثاني: أن قوله: ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ شرح حالة لا تحصل إلا في يوم القيامة، والقوم ما شاهدوا ذلك، فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم يكونون معترفين بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء الله تعالى، فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم، وإن كان هذا الخطاب مع المكذبين بالنبوّة وهم ينكرون قوله: ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ﴾ فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟

السؤال الثالث: حاصل القول في القبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة، وكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدرة الله فكذلك الآن، فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟

الجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة، ثم بعد تقرير عظمته بكونه قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش.

الجواب عن الثاني: أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السموات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت، وهو المتولي بتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام، وتنبيه أيضاً على كونه غنياً على الإطلاق، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها، وذلك يدل على كمال الاستغناء.

الجواب عن الثالث: أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا، والله أعلم.

واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضاً على كمال قدرته وعظمته، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ واختلفوا في الصعقة، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام ﴿ وَخَرَّ موسى صَعِقًا  ﴾ مع أنه لم يمت، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد، وهو المذكور في سورة النمل في قوله: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض  ﴾ وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين.

والقول الثاني: أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها: نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية: نفخة الصعق والثالثة: نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة.

وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ ففيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: عند نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت الله ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل.

والقول الثاني: أنهم هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ  ﴾ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش».

القول الثالث: قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانياً.

القول الرابع: أنهم الحور العين وسكان العرش والكرسي.

والقول الخامس: قال قتادة الله أعلم بأنهم من هم، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم.

ثم قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ وفيه أبحاث: الأول: لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى، لأن لفظ ﴿ ثُمَّ ﴾ يفيد التراخي، قال الحسن رحمه الله القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن بينهما أربعين ولا أدري أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة.

الثاني: قوله: ﴿ أخرى ﴾ تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حسن الحذف لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة.

الثالث: قوله: ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ﴾ يعني قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: ﴿ فَإِذَا هُم ﴾ تدل على التعقيب.

الرابع: قوله: ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ وفيه وجهان: الأول: ينظرون يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم.

والثاني: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحيرة والدهشة عليهم.

ولما بين الله تعالى هاتين النفختين قال: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض التي يقعد عليها الآن بدليل قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض  ﴾ وبدليل قوله تعالى: ﴿ وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة  ﴾ بل هي أرض أخرى يخلقها الله تعالى لمحفل يوم القيامة.

المسألة الثانية: قالت المجسمة: إن الله تعالى نور محض، فإذا حضر الله في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور الله، وأكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض  ﴾ .

واعلم أن الجواب عن هذه الشبهة من وجوه: الأول: أنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ الله نُورُ السموات والأرض ﴾ أنه لا يجوز أن يكون الله سبحانه وتعالى نوراً بمعنى كونه من جنس هذه الأنوار المشاهدة، وبينا أنه لما تعذر حمل الكلام على الحقيقة وجب حمل لفظ النور هاهنا على العدل، فنحتاج هاهنا إلى بيان أن لفظ النور قد يستعمل في هذا المعنى، ثم إلى بيان أن المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلا هذا المعنى، أما بيان الاستعمال فهو أن الناس يقولون للملك العادل أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما يقولون أظلمت البلاد بجورك، وقال صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة».

وأما بيان أن المراد من النور هاهنا العدل فقط أنه قال: ﴿ وَجِئ بالنبيين والشهداء ﴾ ومعلوم أن المجيء بالشهداء ليس إلا لإظهار العدل، وأيضاً قال في آخر الآية بإثبات العدل وختمها بنفي الظلم والوجه الثاني: في الجواب عن الشبهة المذكورة أن قوله تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ يدل على أنه يحصل هناك نور مضاف إلى الله تعالى، ولا يلزم كون ذلك صفة ذات الله تعالى، لأنه يكفي في صدق الإضافة أدنى سبب، فلما كان ذلك النور من خلق الله وشرفه بأن أضافه إلى نفسه كان ذلك النور نور الله، كقوله: بيت الله، وناقة الله وهذا الجواب أقوى من الأول، لأن في هذا الجواب لا يحتاج إلى ترك الحقيقة والذهاب إلى المجاز.

والوجه الثالث: أنه قد قال فلان رب هذه الأرض ورب هذه الدار ورب هذه الجارية، ولا يبعد أن يكون رب هذه الأرض ملكاً من الملوك، وعلى هذا التقدير فلا يمتنع كونه نوراً.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر في هذه الآية من أحوال ذلك اليوم أشياء: أولها: قوله: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ وقد سبق الكلام فيه.

وثانيها: قوله: ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ وفي المراد بالكتاب وجوه: الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي يحصل فيه شرح أحوال عالم الدنيا إلى وقت قيام القيامة الثاني: المراد كتب الأعمال كما قال تعالى في سورة سبحان: ﴿ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا يلقاه مَنْشُوراً  ﴾ وقال أيضاً في آية أخرى ﴿ مَا لهذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَجِئ بالنبيين ﴾ والمراد أن يكونوا شهداء على الناس، قال تعالى: ﴿ فكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ  ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ والشهداء ﴾ والمراد ما قاله في ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس  ﴾ أو أراد بالشهداء المؤمنين، وقال مقاتل: يعني الحفظة، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ وقيل أراد بالشهداء المستشهدين في سبيل الله، ولما بين الله تعالى أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الحكومات وقطع الخصومات، بيّن تعالى أنه يوصل إلى كل أحد حقه، وعبّر تعالى عن هذا المعنى بأربع عبارات أولها: قوله تعالى: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ﴾ أي وفيت كل نفس جزاء ما عملت.

ورابعها: قوله: ﴿ وَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ يعني أنه تعالى إذا لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي بالحق لأجل عدم العلم، أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ في ذلك الحكم، فثبت أنه تعالى عبّر عن هذا المقصود بهذه العبارات المختلفة، والمقصود المبالغة في تقرير أن كل مكلف فإنه يصل إلى حقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قد استعار الله عزّ وجلّ النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع من التنزيل، وهذا من ذاك.

والمعنى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض ﴾ بما يقيمه فيها من الحق والعدل، ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، وينادي عليه بأنه مستعار إضافته إلى اسمه؛ لأنه هو الحق العدل.

وإضافة اسمه إلى الأرض؛ لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه.

وفي هذه الإضافة أن ربها وخالقها هو الذي يعدل فيها، وإنما يجوز فيها غير ربها، ثم ما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق وهو النور المذكور.

وترى الناس يقولون للملك العادل: أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك، كما تقول: أظلمت البلاد بجور فلان.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة» وكما فتح الآية بإثبات العدل، ختمها بنفي الظلم.

وقرئ: ﴿ واشرقت ﴾ على البناء للمفعول، من شرقت بالضوء تشرق: إذا امتلأت به واغتصت.

وأشرقها الله، كما تقول: ملأ الأرض عدلاً وطبقها عدلاً و ﴿ الكتاب ﴾ صحائف الأعمال، ولكنها اكتفى باسم الجنس، وقيل: اللوح المحفوظ ﴿ والشهدآء ﴾ الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار.

وقيل: المستشهدون في سبيل الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ﴾ بِما أقامَ فِيها مِنَ العَدْلِ، سَمّاهُ «نُورِ» لِأنَّهُ يُزَيِّنُ البِقاعَ ويُظْهِرُ الحُقُوقُ كَما سَمّى الظُّلْمَ ظُلَمَةً.

وَفِي الحَدِيثِ: «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ».» وَلِذَلِكَ أضافَ اسْمَهُ إلى ( الأرْضُ ) أوْ بِنُورٍ خُلِقَ فِيها بِلا واسِطَةِ أجْسامٍ مُضِيئَةٍ ولِذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ.

﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ لِلْحِسابِ والجَزاءِ مِن وضْعِ المُحاسِبِ كِتابَ المُحاسَبَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ صَحائِفَ الأعْمالِ في أيْدِي العُمّالِ، واكْتَفى بِاسْمِ الجِنْسِ عَنِ الجَمْعِ.

وَقِيلَ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ يُقابَلُ بِهِ الصَّحائِفُ ﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ ﴾ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ وعَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُسْتَشْهَدُونَ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ العِبادِ.

﴿ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عِقابٍ عَلى ما جَرى بِهِ الوَعْدُ.

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ جَزاءَهُ.

﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ فَلا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِن أفْعالِهِمْ، ثُمَّ فَصَّلَ التَّوْفِيَةَ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} أي جزاءه {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} من غير كتاب ولا شاهد وقيل هذه الآية تفسير قوله وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي ووفيت كل نفس ما عملت من خير وشر لا يزاد في شر ولا ينقص من خير

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ أيْ أُعْطِيَتْ جَزاءَ ذَلِكَ كامِلًا ﴿ وهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ فَلا يَفُوتُهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي: حفيظ.

ويقال: كفيل بأرزاقهم، لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: بيده مفاتيح السموات والأرض.

ويقال: خزائن السموات والأرض، وهو المطر، والنبات.

وقال القتبي: المقاليد: المفاتيح.

يعني: مفاتيحها، وخزائنها، وواحدها إقليد.

ويقال: إنها فارسية، معربة، إكليد.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ يعني: بمحمد  ، وبالقرآن، أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يعني: اختاروا العقوبة على الثواب، قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي قرأ ابن عامر: تأمرونني بنونين، وقرأ نافع: تَأْمُرُونِّي بنون واحدة، والتخفيف.

وقرأ الباقون: بنون واحدة، والتشديد، والأصل: تأمرونني بنونين، كما روي عن ابن عامر، إلا أنه أدغم إحدى النونين في الأخرى، وشدد، وتركها نافع على التخفيف.

أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ يعني: أيها المشركون تأمروني أن أعبد غير الله وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ يعني: الأنبياء بالتوحيد، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ أي: ثوابك، وإن كنت كريماً عليَّ.

فلو أشركت بالله، ليحبطنّ عملك وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ في الآخرة.

فكيف لو شرك غيرك، فالله تعالى علم أن النبيّ  لا يشرك بالله، ولكنه أراد تنبيهاً لأمته، أنَّ من أشرك بالله، حبط عمله، وإن كان كريماً على الله.

بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ أي: استقم على عبادة الله، وتوحيده.

وقال مقاتل: بل الله فاعبد، أي: فوحد الله تعالى.

وقال الكلبي: يعني: أطع الله تعالى، وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ على ما أنعم الله عليك من النبوة، والإسلام، والرسالة.

ويقال: هذا الخطاب لجميع المؤمنين.

أمرهم بأن يشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم، وأكرمهم بمعرفته، ووفقهم لدينه، وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي: ما عظموا الله حق عظمته، ولا وصفوه حق صفته، ولا عرفوا الله حق معرفته.

وذلك أن اليهود والمشركين، وصفوا الله تعالى بما لا يليق بصفاته، فنزل: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وفيه تنبيه للمؤمنين، لكيلا يقولوا مثل مقالتهم، ويعظموا الله حق عظمته، ويصفوه حق صفته، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: 11] .

ثم قال: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي: في قدرته، وملكه، وسلطانه، لا سلطان لأحد عليها، وهذا كقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) [الفاتحة: 4] .

وقال القتبي: فِى قَبْضَتُهُ أي: في ملكه، نحو قولك للرجل: هذا في يدك، وقبضتك.

أي: في ملكك.

وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ أي: بقدرته.

ويقال: في الآية تقديم.

معناه: وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يوم القيامة.

أي: في يوم القيامة.

ويقال: بِيَمِينِهِ يعني: عن يمين العرش.

وقال القتبي: بِيَمِينِهِ أي: بقدرته نحو قوله: ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [الأحزاب: 50] يعني: ما كانت لهم عليه قدرة.

وليس الملك لليمين دون الشمال.

ويقال: اليمين هاهنا الحلف، لأنه حلف بعزته، وجلاله، ليطوينّ السموات والأرض.

ثم نزّه نفسه، فقال تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ أي: تنزيهاً لله تعالى.

يعني: ارتفع، وتعظم عَمَّا يُشْرِكُونَ.

يعني: عما يصفون له من الشريك، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ روي عن النبيّ  أَنَّه سُئِلَ عَنِ الصُّورِ فَقَالَ: «هُوَ الْقَرْنُ وَإِنَّ عِظَمَ دَائِرَتِهِ مِثْلُ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةً، فَيُفْزِعُ الخَلْقَ، ثُمَّ يَنْفُخُ نَفْخَةً أُخْرَى، فَيَمُوتُ أهْلُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ، فَإذَا كَانَ وَقْتُ النَّفْخَةِ الثَّالِثَةِ، تَجَمَّعَتِ الأَرْوَاحُ كُلّهَا في الصُّور، ثُمَّ يَنْفُخُ النَّفْخةَ الثَّالِثَةَ، فَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ كُلُّها كَالنَّحلِ وَكَالزَّنَابِيرِ، وَتَأْتِي كُلُّ رُوح إلَى جَسَدِهَا» ، فذلك قوله تعالى: فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: يموت مَن فِى السموات، وَمَن فى الارض، إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يعني: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت.

ويقال: أرواح الشهداء.

وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: استثنى الله تعالى الشهداء حول العرش متقلدين بسيوفهم» .

وقال بعضهم: النفخة نفختان.

وروى أبو هريرة عن النبيّ  أنه قال: «يُنْفَخُ فِي الصُّور ثَلاَثُ نَفَخَاتٍ: الأُوْلَى نَفْخَةُ الفَزَعِ والثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعقِ، والثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ العَالَمِينِ» ، وهو قوله: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ أي: ينظرون ماذا يأمرهم.

ويقال: ينظرون إلى السماء كيف غيرت، وينظرون إلى الأرض كيف بدلت، وينظرون إلى الداعي كيف يدعوهم إلى الحساب، وينظرون فيما عملوا في الدنيا، وينظرون إلى الآباء والأمهات كيف ذهبت شفقتهم عنهم، واشتغلوا بأنفسهم، وينظرون إلى خصمائهم ماذا يفعلون بهم.

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ يعني: أضاءت بِنُورِ رَبِّها أي: بعدل ربها.

ويقال: وأشرقت وجوه من على الأرض بمعرفة ربها، وأظلم وجوه من على الأرض بنكرة ربها.

وقال بعضهم: هذا من المكتوم الذي لا يفسر.

وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني: ووضع الحساب.

ويقال: ووضع الكتاب في أيدي الخلق، في أيمانهم، وشمائلهم وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي: بين الخلق بالعدل، بين الظالم والمظلوم، وبين الرسل، وقومهم، وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أي: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وَوُفِّيَتْ أي: وفرت، كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ أي: جزاء ما عملت من خير، أو شر، وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ، لأنه قد سبق ذكر قوله: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ ثم أخبر أنه لم يدع الشهداء ليشهدوا بما يعلموا بل هو أعلم بما يفعلون، وإنما يدعو الشهداء لتأكيد الحجة عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ابن عباس «١» ، «واحدها «مِقْلاَدُ» ك «مِفْتَاحٍ» ، وقال عثمان بن عفّان: سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال: «هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ بالله العلي العظيم هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «٢» .

وقوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ قالت فرقة: المعنى: ولقد أوحِي إَلى كُلِّ نبيٍّ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، ت: قد تقدَّمَ غيرُ مَا مَرَّةٍ، بأنَّ ما وَرَدَ مِن مِثْلِ هذا، فهو محمولٌ على إرادةِ الأمّة لعصمة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب هو صلّى الله عليه وسلّم تعظيماً للأمْرِ، قال- ص-: لَيَحْبَطَنَّ جوابُ القَسَمِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، انتهى.

وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)

وقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ معناهُ وما عَظَّمُوا اللَّه حقَّ عظَمتهِ، ولا وَصَفُوهُ بصفاتِهِ، ولا نَفَوْا عَنْهُ مَا لاَ يليقُ به، قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآيةُ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ الذينَ كَانَتْ هذهِ الآياتُ كلُّها محاورةً لهم، وردًّا عليهم «٣» ، وقالت فرقة: نزلت في

قومٍ من اليهودِ تَكَلَّمُوا في صفاتِ اللَّه تعالى، فَأَلْحَدُوا وَجَسَّمُوا وَأَتَوْا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ.

وقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ معناه: في قَبْضَتِهِ، واليمينُ هنا، والقبضةُ عِبارةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اختلج في الصُّدُورِ من غَيْرِ ذَلِكَ باطل، وفَصَعِقَ في هذه الآية، معناه: خَرَّ مَيِّتاً، والصُّورِ: القَرنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هنا غَيْرُ هذا، ومَنْ يَقُولُ:

الصُّورِ جمع صُورَةٍ، فإنما يَتَوجَّهُ قولهُ فِي نَفْخَةِ البَعْثِ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِ هذه/ الآيةِ في غَيْرِ هذا المَوْضِعِ.

وقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى هي نفخةُ البَعْثِ، وفي الحديث: «أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أربعين» لاَ يَدْرِي أبو هريرةَ سَنَةً أو شَهْراً أَوْ يَوْماً أَوْ سَاعَةً ت: ولفظُ مُسْلِمٌ:

عن أبي هريرةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم ومَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟

قَالَ: أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟

قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ يَوماً؟

قالَ: أَبَيْتُ الحَدِيثَ، قال صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ» «١» : فقيل: معنى قوله: «أَبَيْتُ» أي: امتنعت من بَيَانِ ذلك إذْ ليس هو مِمَّا تَدْعُو إليه حاجةٌ، وعلى هذا كانَ عِنده عِلْمُ ذلك، وقيل: المعنى:

أبيت أن أسأل «٢» النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ ذلك، وعلى هذا: فلاَ عِلْمَ عِنْدَهُ، والأَوَّلُ أظْهَرُ، وقد جاء أَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً، انتهى، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ في المستثنى في الآيةِ أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ قَال الشيخُ أبو محمَّدِ بْنُ بُزَيزَةَ في «شرح الأحكام الصغرى» لعبد الحَقِّ: الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العَوالِمَ التي لاَ تفنى سَبْعَةٌ: العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، واللَّوْحُ، والقلم، والجَنَّةُ، والنَّارُ، والأَرْوَاحُ.

انتهى.

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها معناه: أضاءت وعظم نورها، والْأَرْضُ في هذه الآية: الأرض المُبَدَّلَةُ من الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.

وقوله: بِنُورِ رَبِّها إضَافَةُ مُخلوق «٣» إلى خالق، والْكِتابُ كتاب حساب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فَصَعِقَ" بِضَمِّ الصّادِ ﴿ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ: ماتُوا مِنَ الفَزَعِ وشِدَّةِ الصَّوْتِ.

وقَدْ بَيَّنّا هَذِهِ الآَيَةَ والخِلافَ في الَّذِينَ اسْتُثْنُوا في سُورَةِ [النَّمْلِ: ٨٧] .

﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ وهي نَفْخَةُ البَعْثِ ﴿ فَإذا هُمْ ﴾ يَعْنِي الخَلائِقَ ﴿ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ﴾ أيْ: أضاءَتْ.

والمُرادُ بِالأرْضِ: عَرَصاتُ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وفي الشُّهَداءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

ثُمَّ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُرْسَلُونَ مِنَ الأنْبِياءِ.

والثّانِي: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ وتَكْذِيبِ الأُمَمِ إيّاهُمْ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: الحَفَظَةُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: النَّبِيُّونَ والمَلائِكَةُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ  والجَوارِحُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ والأوَّلُ أصَحُّ.

﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ أيْ: جَزاءَ عَمَلِها ﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ أيْ: لا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَبِيِّينَ والشُهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ ﴾ ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ ﴾ "أشْرَقَتْ مَعْناهُ: أضاءَتْ وعَظُمَ نُورُها، يُقالُ: شَرَقَتِ الشَمْسُ إذا طَلَعَتْ، وأشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "وَأُشْرِقَتِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الراءِ، وهَذا إنَّما يَتَرَتَّبُ مِن فِعْلٍ يَتَعَدّى، فَهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أشْرَقَ البَيْتُ، وأشْرَقَهُ السِراجُ، فَيَكُونُ الفِعْلُ مُتَجاوِزًا أو غَيْرَ مُتَجاوِزٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، كَرَجَعَ ورَجَعْتُهُ، ووَقَفَ ووَقَفْتُهُ، ومِنَ المُتَعَدِّي مِن ذَلِكَ يُقالُ: أُشْرِقَتِ الأرْضُ، و"الأرْضُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الأرْضُ المُبْدَلَةُ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ بِنُورِ رَبِّها ﴾ إضافَةُ خُلُقٍ إلى خالِقٍ، أيْ: بِنُورِ اللهِ تَعالى.

و"الكِتابُ": كِتابُ حِسابِ الخَلائِقِ، ووَحَّدَهُ عَلى اسْمِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ كِتابٌ عَلى حِدَةٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: وُضِعَ اللَوْحُ المَحْفُوظُ.

وهَذا شاذٌّ، ولَيْسَ فِيهِ مَعْنى التَوَعُّدِ وهو مَقْصِدُ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَجِيءَ بِالنَبِيِّينَ ﴾ أيِ: اسْتُشْهِدُوا عَلى أُمَمِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والشُهَداءِ" ﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ شاهِدٍ، والمُرادُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللهُ شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقالَ السُدِّيُّ: الشُهَداءُ: جَمْعُ شَهِيدٍ في سَبِيلِ اللهِ، وهَذا أيْضًا يَزُولُ عنهُ مَعْنى التَوَعُّدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: والشُهَداءِ الأنْبِياءَ أنْفُسَهُمْ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِفَةِ عَلى الصِفَةِ بِالواوِ، كَما تَقُولُ: جاءَ زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الشُهَداءُ: الحَفَظَةُ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بَيْنَهُمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى العالَمِ بِأجْمَعِهِ إذْ الآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ مَعْناهُ: لا يُوضَعُ شَيْءٌ مِن أُمُورِهِمْ غَيْرَ مَوْضِعِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ﴾ مَعْناهُ: جُوزِيَتْهُ مُكَمَّلًا، وفي هَذا وعِيدٌ صَرَّحَ عنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَسِيقَ"، "وَجِيءَ" بِكَسْرِ أوَّلِهِ، وقَرَأها ونَظائِرِها بِإشْمامِ الضَمِّ الحَسَنُ، وابْنُ وثّابٍ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ.

و"زُمَرًا" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ، واحِدَتُها زُمْرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فُتِحَتْ" جَوابُ "إذا"، والكَلامُ هُنا يَقْضِي أنَّ فَتْحَها إنَّما يَكُونُ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ، وفي وُقُوفِهِمْ قَبْلَ فَتْحِها مَذَلَّةٌ لَهُمْ، وهَكَذا هي حالُ السُجُونِ ومَواضِعِ الثِقافِ.

والعَذابِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ: في أهْلِ الجَنَّةِ: "وَفُتِحَتْ"، بِالواوِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهم يَجِدُونَها مَفْتُوحَةً كَمَنازِلِ الأفْراحِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "[فُتِّحَتْ]" بِشَدِّ التاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والأعْمَشِ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَوْقِيفَ الخَزَنَةِ لَهم عَلى مَجِيءِ الرُسُلِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ [يَأْتِكُمْ]﴾ بِالياءِ مِن تَحْتُ، وقَرَأ الأعْرَجُ: [تَأْتِكُمْ] بِتاءٍ مِن فَوْقُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنكُمْ" ﴾ أعْظَمُ في الحُجَّةِ، أيْ: رُسُلٌ مِن جِنْسِكم لا يَصْعُبُ عَلَيْكم مَرامِيهِمْ ولا فَهْمُ أقْوالِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى:: ﴿ قالُوا بَلى ﴾ جَوابٌ عَلى التَقْرِيرِ عَلى نَفْيِ الأمْرِ، ولا يَجُوزُ هُنا الجَوابُ بِـ"نَعَمْ" لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَعَمْ لَمْ يَأْتِنا، وهَكَذا كانَ يَتَرَتَّبُ المَعْنى: ثُمَّ لا يَجِدُوا حُجَّةً، إلّا أنَّ كَلِمَةَ العَذابِ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ، أيِ الكَلِمَةُ المُقْتَضِيَةُ مِنَ اللهِ تَعالى تَخْلِيدَهَمْ في النارِ، وهي عِبارَةٌ عن قَضائِهِ السابِقِ لَهم بِذَلِكَ، وهي الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى لِإبْلِيسَ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ  ﴾ .

و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

صوَّرت هذه الآيات جلال ذلك الموقف وجمالَه أبدع تصوير والتعريف في ﴿ الأرض ﴾ تعريف العهد الذكري الضمني فقد تضمن قوله: ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ [الزمر: 68] أنهم قيام على قَرار فإن القيام يستدعي مكاناً تقوم فيه تلك الخلائق وهو أرض الحشر وهي الساهرة في قوله تعالى في سورة [النازعات: 13، 14]: ﴿ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ﴾ وفُسرت بأنها الأرض البيضاء النقية وليس المراد الأرض التي كانوا عليها في الدنيا فإنها قد اضمحلت قال تعالى: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض ﴾ [إبراهيم: 48].

وإشراق الأرض انتشار الضوء عليها، يقال: أشرقت الأرض، ولا يقال: أشرقت الشمسُ، كما تقدم عند قوله: ﴿ بالعشي والإشراق ﴾ في سورة [ص: 18].

(وإضافة النور إلى الرب إضافة تعظيم لأنه منبعث من جانب القدس وهو الذي في قوله تعالى: ﴿ اللَّه نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ﴾ الآية من سورة [النور: 35].

فإضافة نور إلى الرب إضافة تشريف للمضاف كقوله تعالى: ﴿ هذه ناقة اللَّه لكم آية ﴾ [الأعراف: 73] كما أن إضافة (رب) إلى ضمير الأرض لتشريف المضاف إليه، أي بنور خاص خلقه الله فيها لا بسطوع مصباح ولا بنور كوكب شمس أو غيرها، وإذ قد كان النور نوراً ذاتياً لتلك الأرض كان إشارة إلى خلوصها من ظلمات الأعمال فدل على أن ما يجري على تلك الأرض من الأعمال والأحداث حق وكمال في بابه لأن عالم الأنوار لا يشوبه شيء من ظلمات الأعمال، ألا ترى أن العالم الأرضي لمّا لم يكن نَيِّراً بذاته بل كان نوره مقتبساً من شروق الشمس والكواكب ليلاً كان ما على وجه الأرض من الأعمال والمخلوقات خليطاً من الخير والشر.

وهذا يغني عن جعل النور مستعاراً للعدل فإن ذلك المعنى حاصل بدلالة الالتزام كناية، ولو حُمل النور على معنى العدل لكان أقل شمولاً لأحوال الحق والكمال وهو يغني عنه قوله: ﴿ وقُضِي بينهم بالحق وهم لا يُظلمون ﴾ .

هذا هو الوجه في تفسير الآية وقد ذهب فيها المفسرون من السلف والخلف طرائق شتى.

و ﴿ الكِتَاب ﴾ تعريفُه تعريف الجنس، أي وضعت الكُتب وهي صحائف أعمال العباد أحضرت للحساب بما فيها من صالح وسيّئ.

والوضع: الحطّ، والمراد به هنا الإِحضار.

ومجيء النبيئين للشهادة على أممهم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ﴾ في سورة [النساء: 41].

(والشهداء: جمع شهيد وهو الشاهد، قال تعالى: ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ في سورة [ق: 21].

والمراد الشهداء من الملائكة الحفظة الموكلين بإحصاء أعمال العباد.

وضمير ﴿ بينَهُم ﴾ عائد إلى ﴿ مَن في السَّموات ومن في الأرض ﴾ [الزمر: 68] أي قضي بين الناس بالحق.

ويجوز أن يكون المراد بالكتاب كتب الشرائع التي شرعها الله للعباد على ألْسنة الرسل ويكون إحضارها شاهدة على الأمم بتفاصيل ما بلَّغه الرسل إليهم لئلا يزعموا أنهم لم تبلغهم الأحكام.

وقد صوَّرت الآية صورة المَحْكمة الكاملة التي أشرقت بنور العدل، وصدر الحكم على ما يستحقه المحكوم فيهم من كرامة ونذالة، ولذلك قال: ﴿ وقضي بينهم بالحق ﴾ أي صدر القضاء فيهم بما يستحقون وهو مسمى الحَق، فمِن القضاء ما هو فصل بين الناس في معاملات بعضهم مع بعض من كل ظالم ومظلوم ومعتدٍ ومعتدىً عليه في اختلاف المعتقدات واختلاف المعاملات قال تعالى: ﴿ إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ [النحل: 124].

ومن القضاء القضاء على كل نفس بما هي به حقيقة من مرتبة الثواب أو العقاب وهو قوله: ﴿ ووفيت كل نفس ما عملت ﴾ .

فقضاء الله هو القضاء العام الذي لا يقتصر على إنصاف المتداعين كقضاء القاضي، ولا على سلوك الداعرين كقضاء والي الشرطة، ولا على مراقبة المُغَيِّرين كقضاء والي الحِسبة، ولكنه قضاء على كل نفس فيما اعتدت وفيما سلكت وفيما بدلت، ويزيد على ذلك بأنه قضاء على كل نفس بما اختَلَتْ به من عمل وبما أضمرته من ضمائر إنْ خيراً فخيرٌ وإن شرًّا فشرٌّ.

وإلى ذلك تشير المراتب الثلاث في الآية: مرتبةُ ﴿ وقُضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ﴾ ، ومرتبة ﴿ ووفّيت كُلُّ نَفْسسٍ ما عَمِلت ﴾ ، ومرتبة ﴿ وهو أعلم بما يفعلون ﴾ .

والتوفية: إعطاء الشيء وافياً لا نقص فيه عن الحق في إعطائه ولا عن عطاء أمثاله.

وفي قوله: ﴿ مَا عَمِلت ﴾ مضاف محذوف، أي جزاء ما عملت لظهور أن ما عمله المرء لا يوفاه بعد أن عمله وإنما يوفى جزاءه.

والقول في الأفعال الماضوية في قوله: ﴿ وأشرقت ﴾ ، ﴿ ووضع ﴾ ، ﴿ وجاء ﴾ ، ﴿ ووفيت ﴾ كالقول في قوله: ﴿ ونُفِخَ في الصور ﴾ [الزمر: 68].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّعْقَ الغَشْيُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّهُ المَوْتُ وهَذا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى.

﴿ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وَمَلَكُ المَوْتِ يَقْبِضُ أرْواحَهم بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ السُّدِّيُّ ورَواهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: الشُّهَداءُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ﴾ وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِلْبَعْثِ.

﴿ فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ ﴾ قِيلَ قِيامٌ عَلى أرْجُلِهِمْ يَنْظُرُونَ إلى البَعْثِ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ يَنْظُرُونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأشْرَقَتِ الأرْضُ ﴾ إشْراقُها إضاءَتُها، يُقالُ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ إذا أضاءَتْ، وشَرَقَتْ إذا طَلَعَتْ.

وَفِي قَوْلِهِ ﴿ بِنُورِ رَبِّها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِعَدْلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: بِنُورِهِ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نُورُ قُدْرَتِهِ.

الثّانِي: نُورُ خَلْقِهِ لِإشْراقِ أرْضِهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ بَيْنَ خَلْقِهِ لِأنَّهُ نَهارٌ لا لَيْلَ مَعَهُ.

﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحِسابُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: كِتابُ أعْمالِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الشُّهَداءُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى الأُمَمِ لِلْأنْبِياءِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا، وأنَّ الأُمَمَ قَدْ كَذَّبُوا، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ اسْتُشْهِدُوا في طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ بِالعَدْلِ ﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِهِمْ ولا يُزادُ عَلى سَيِّئاتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه ﴿ وأشرقت الأرض ﴾ قال: أضاءت ﴿ ووضع الكتاب ﴾ قال: الحساب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ قال: فما يتضارون في نوره إلا كما يتضارون في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء ﴾ قال: الذين استشهدوا.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء ﴾ قال: النبيون الرسل ﴿ والشهداء ﴾ الذين يشهدون بالبلاغ، ليس فيهم طعان ولا لعان.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء ﴾ قال: يشهدون بتبليغ الرسالة، وتكذيب الأمم إياهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ يعني صحائف الأعمال وإنما وحّدها لأنه أراد الجنس وقيل: هو اللوح المحفوظ ﴿ وَجِيءَ بالنبيين ﴾ ليشهدوا على قومهم ﴿ والشهدآء ﴾ يحتمل أن يكون جمع شاهد أو جمع شهيد في سبيل الله، والأول أرجح لأن فيه معنى الوعيد، ولأنه أليق بذكر الأنبياء الشاهدين، والمراد على هذا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم يشهدون على الناس وقيل: يعني الملائكة الحفظة ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم ﴾ الضمير لجميع الخلق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عباده ﴾ على الجمع: يزيد وحمزة وعلي وخلف.

﴿ أرادني الله ﴾ بسكون الياء: حمزة.

﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين ﴿ ضره ﴾ بالنصب وهكذا ﴿ ممسكات رحمته ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون: بالإضافة فيهما ﴿ قضى عليها ﴾ مجهولاً ﴿ الموت ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ بسكون الياء: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وسهل ويعقوب، والوقف للجميع بالياء لا غير.

﴿ يا حسرتاي ﴾ بياء بعد الف: يزيد.

الآخرون: بالألف وحدها ﴿ وينجي الله ﴾ بالتخفيف: روح ﴿ بمفازاتهم ﴾ على الجمع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ تأمروني ﴾ بتشديد النون وفتح الياء: ابن كثير ﴿ تأمرونني ﴾ بنونين وسكون الياء: ابن عامر ﴿ تأمروني ﴾ بنون واحدة وفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

الباقون: بتشديد النون وسكون الياء.

﴿ لنحبطن ﴾ بالنون من الإحباط ﴿ عملك ﴾ بالنصب: يزيد.

الآخرون: على الغيبة وفتح العين ﴿ عملك ﴾ بالرفع ﴿ وسيق ﴾ بضم السين وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس ﴿ فتحت ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل في الحرفين.

الوقوف: ﴿ إذ جاءه ﴾ ط ﴿ للكافرين ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ج لاحتمال تعلق اللام بمحذوف كما يجيء.

﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ عبده ﴾ ط ﴿ من دونه ﴾ ط ﴿ من هاد ﴾ ه ج ﴿ مضل ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ ليقولن الله ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ حسبي الله ﴾ ط ﴿ المتوكلون ﴾ ه ﴿ عامل ﴾ ج لابتداء التهديد مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه لا ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ فلنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للابتداء بالنفي مع العطف ﴿ بوكيل ﴾ ه ج ﴿ في منامها ﴾ ج ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ شفعاء ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ والأرض ﴾ ط بناء على أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ بالآخرة ﴾ ط ج فصلاً بين الجملتين مع اتفاقهما نظماً ﴿ يستبشرون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ يحتسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ دعانا ﴾ ز فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ منا ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ على علم ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ ما كسبوا ﴾ الأولى ط ﴿ ما كسبوا ﴾ الثانية لا لأن الواو للحال ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ رحمة الله ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ لا تنصرون ﴾ ه ﴿ لا تشعرون ﴾ ه لا ﴿ الساخرين ﴾ ه لا ﴿ المتقين ﴾ ه لا ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ مسودّة ﴾ ط ﴿ للمتكبرين ﴾ ه ﴿ بمفازتهم ﴾ ز لاحتمال الاستئناف والحال أوجه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ كل شيء ﴾ ز للفصل بين الوصفين تعظيماً مع اتفاق الجملتين ﴿ وكيل ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ الجاهلون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لحق القسم المحذوف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بيمينه ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ من شاء الله ﴾ ج بياناً لتراخي النفخة الثانية عن الأولى مع اتفاق الجملتين ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ هذا ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ زمراً ﴾ ط ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ نشاء ﴾ ج ﴿ العاملين ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج لأن الماضي لا ينعطف على المستقبل ولاحتمال جعله حالاً وقد قضى بين الزمرين ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: لما ضرب لعبدة الأصنام مثلاً أشار إلى نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو أنهم يضمون على كذبهم على الله بإضافة الشريك والولد إليه تكذيبهم بالصدق يعني الأمر الذي هو الصدق بعينه أي القرآن.

ومعنى ﴿ إذ جاءه ﴾ أنه لم يراع طريقة أهل الإنصاف والتدبر لكنه لما سمع به فاجأه بالتكذيب.

واللام في قوله ﴿ للكافرين ﴾ لهؤلاء المعهودين الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق.

قال جار الله: ويحتمل أن يكون للعموم فيشملهم وغيرهم من الكفرة.

وحين بين وعيدهم عقبه بوعد الصادقين المصدّقين وهم الرسول  وأصحابه.

وقيل: الرسول وأبو بكر والتعميم أولى لقوله ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ قوله ﴿ ليكفر ﴾ ظاهره تعلقه بـ ﴿ يشاؤن ﴾ فتكون لام العاقبة.

ويحتمل تعلقه بمحذوف أي جزاؤهم وإكرامهم لأجل ذلك.

قال جار الله: الأسوأ ههنا ليس للتفضيل وإنما هو كقولهم: الأشج أعدل بني مروان.

وفائدة صيغة التفضيل استعظامهم المعصية حتى إن الصغائر عندهم أسوأ أعمالهم.

وقال بعض المفسرين: أراد به الكفر السابق الذي يمحوه الإيمان.

واستدل مقاتل ـ وكان شيخ المرجئة ـ بهذه الآية فإنها تدل على أن من صدّق الأنبياء فإنه  يكفر عنه أسوأ الأعمال التي أتى بها بعد الإيمان والوصف بالتقوى وفيه نظر.

ثم إنهم كانوا يخوّفون المؤمنين والنبي  برفض آلهتهم وتحقيرها.

ويروى أنه بعث خالداً إلى العزى ليكسرها فقال له سادنها: أحذركها يا خالد، إن لها شدّة.

فعمد خالد إليها فهشم أنفها فأنزل الله  ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي نبيه بدليل قوله ﴿ ويخوّفونك ﴾ ومن قرأ على الجمع فهي للعموم.

والآيات إلى قوله ﴿ بوكيل ﴾ ظاهرة مع أنها تعلم مما سبق ذكرها مراراً.

والعذاب الخزي عذاب يوم بدر، والعذاب المقيم العذاب الدائم في الآخرة، ومدار هذه الآي على تسلية النبي  ، ثم أكد كون الهداية والضلال من الله  بقوله ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ وذلك أن الحياة واليقظة تشبه الهداية، والموت والنوم يضاهي الضلال.

فكما أن الحياة والموت واليقظة والنوم لا يحصلان إلا بتخليق الله وتكوينه فكذلك الهداية والضلال، والعارف بهذه الدقيقة عارف بسر الله في القدر، ومن عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، ففيه تسلية أخرى للنبي  .

وقيل في وجه النظم: إنه تعالى أراد أن يذكر حجة أخرى على إثبات الإله العليم القدير ليعلم أنه أحق بالعبادة من كل ما سواه فضلاً عن الأصنام.

ومعنى الآية أن الله  يتوفى الأنفس حين موتها.

قال جار الله: أراد بالأنفس الجملة كما هي لأنها هي التي تنام وتموت ﴿ و ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ التي لم تمت في منامها ﴾ أي يتوفاها حيت تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى كقوله ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل  ﴾ والحاصل أنه يتوفى الأنفس مرتين، مرة عند موتها ومرة عند نومها فتكون "في" متعلقة بـ ﴿ يتوفى ﴾ والتوفي مستعمل في الأول حقيقة وفي الثاني مجازاً، ولم يجوّزه كثير من أئمة الأصول.

وقال الفراء: "في" متعلقة بالموت وتقديره: ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها عند انقضاء حياتها.

ثم بين الفرق بين الحالين بقوله ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الآخرى إلى أجل مسمى ﴾ من غير غلط.

وقال حكماء الإسلام: النفس الإنسانية جوهر مشرق نوراني إذا تعلق بالبدن حصل ضوءه في جميع الأعضاء ظاهرها وباطنها وهو الحياة واليقظة.

وأما في وقت النوم فإن ضوءه لا يقع إلا على باطن البدن وينقطع عن ظاهره، فتبقى نفس الحياة التي بها النفس وعمل القوى البدنية في الباطن ويفنى ما به التمييز والعقل، وإذا انقطع هذا الضوء بالكلية عن البدن فهو الموت، ومثل هذا التدبير العجيب لا يمكن صدوره إلا من القدير الخبير الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير، ولهذا ختم الآية بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ ثم كان لمشرك أن يقول: إنما نعبد الأصنام لأنها تماثيل أشخاص كانوا عند الله مقربين فنحن نرجو شفاعتهم فأنكر الله عليهم بقوله ﴿ أم اتخذوا من دون الله ﴾ أي من دون إذنه ﴿ شفعاء ﴾ و "أم" بمعنى "بل"، والهمزة الإنكارية وتقرير الإنكار أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا في شفاعة تلك التماثيل وإما في شفاعة من هذه التماثيل تماثيلهم.

والأول باطل لأن هذه الأصنام جمادات لا تملك شيئاً ولا تعقل وأشار إلى هذا المعنى بقوله ﴿ قل أولو كانوا ﴾ يعني أيشفعون ولو كانوا بحيث ﴿ لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ﴾ والثاني أيضاً مستحيل لأن يوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذن الله وهو المراد بقوله ﴿ قل لله الشفاعة ﴾ وانتصب ﴿ جميعاً ﴾ على الحال.

ولو كان تأكيداً للشفاعة لقيل جمعاء.

وحين قرر أن لا شفاعة لأحد إلا بإذن الله برهن على ذلك بقوله ﴿ له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾ يوم القيامة ولا ملك في ذلك اليوم إلا له.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبائح أفعال المشركين فقال ﴿ وإذا ذكر الله وحده ﴾ أي منفرداً ذكره عن ذكر آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت منه ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دون ﴾ سواء ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ أي فاجأ وقت ذكر آلهتهم وقت استبشارهم.

وفي الآية طباق ومقابلة لأن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى يظهر أثره في بشرته.

والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه وذلك لاحتباس الروح الحيواني في القلب.

وقيل: معنى الآية أنه إذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم.

وفي بعض التفاسير أن هذا إشارة إلى ما روي "أنه  لما قرأ سورة النجم وسوس الشيطان إليه بقوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى فاستبشر المشركون وسجدوا" .

ولما حكى عنهم هذا الجهل الغليظ والحمق الشديد وهو الاشمئزاز عن ذكره من ذكره رأس السعادات وعنوان الخيرات والاستبشار بذكر أخس الأشياء وهي الجمادات، أمر رسوله بهذا الدعاء ﴿ اللهم فاطر السموات والأرض ﴾ وهو وصفه بالقدرة التامة ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ وهو نعته بالعلم الكامل.

وإنما قدم وصفه بالقدرة على وصفه بالعلم لأن العلم بكونه قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً كما بين في أصول الدين وقد أشرنا إلى ذلك فيما سلف ﴿ أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ يعني أن نفرتهم عن التوحيد وفرحهم بالشرك أمر معلوم الفساد ببديهة العقل فلا حيلة في إزالته إلا باستعانة القدير العليم.

عن عائشة أن رسول الله  كان يفتتح صلاته بالليل فيقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما أختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم.

وعن الربيع بن خثيم.

وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين  وقالوا: الآن يتكلم، فما زاد على أن قال آه أوقد فعلوا وقرأه هذه الآية.

وروي أنه قال على أثره: قتل من كان النبي  يجلسه في حجره ويضع فاه في فيه.

ثم ذكر وعيدهم على ذلك المذهب الباطل بقوله ﴿ ولو أن للذين ظلموا ﴾ أي بالشرك وقد مر نظير الآية مراراً أوّلها في آل عمران وفيه قوله ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ نظير قوله في أهل الوعد ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ وقيل: عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات.

يروى أن محمد بن المنكدر جزع عند موته فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم يكن في حسباني.

وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء.

ثم صرح بما أبهم قائلاً ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ و "ما" موصولة أو مصدرية أي ظهرت لهم سيئات أعمالهم التي اكتسبوها، أو سيئات كسبهم وذلك عند عرض الصحائف أو غير ذلك من المواقف.

وجوّز أهل البيان أن يراد بالسيئات جزاء أفعالهم كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ وإنما قال في الجاثية ﴿ سيئات ما عملوا  ﴾ لمناسبة ألفاظ العمل، وههنا قد وقع من ألفاظ الكسب.

ثم حكى نوعاً آخر من قبيح أعمالهم قائلاً ﴿ فإذا مسّ الإنسان ﴾ وقد مر مثله في مواضع أقر بها أول السورة إلا أنه ذكر ههنا بفاء التعقيب لأن هذا مناقض لما حكى عنهم عن قريب وهو أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده فكيف التجأوا إليه وحده عند ضر يصيبهم.

ومعنى ﴿ أوتيته على علم ﴾ أوتيته على علم لله بكوني مستحقاً لذلك أو على علم عندي صار سبباً لهذه المزية ككسب وصنعة ونحو ذلك.

ولا شك أن هذا نوع من الغرور فلهذا قال  ﴿ بل هي فتنة ﴾ بلاء واختبار يتميز بها الشاكر عن الكافر.

ذكر الضمير أوّلاً بتأويل المخوّل وأنثه ثانياً بتأويل النقمة.

ثم أشار بقوله ﴿ قد قالها ﴾ أي مجموع الكلمة التي صدرت عنهم و ﴿ الذين من قبلهم ﴾ هم قارون وقومه حيث ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي  ﴾ وقومه راضون بها فكأنهم قالوها.

ويجوز أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ من الأموال أو من المعاصي وأشار بقوله ﴿ هؤلاء ﴾ إلى أهل مكة أصابهم قتل في يوم بدر وغيره وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم: أولم يعلموا أن الباسط والقابض هو الله وحده؟

وذلك أن انتهاء الحوادث المتسلسلة يجب أن يكون إلى إرادته ومشيئته، ولا ينافي هذا توسيط عالم الأسباب وأن يكون للكواكب كلها تأثيرات في عالمنا هذا بإذن مبدعها وفاطرها.

وقول الشاعر: فلا السعد يقضي به المشتري *** ولا النحس يقضي علينا زحل ولكنه حكم رب السماء *** وقاضي القضاة  وجل كلام من غير تبين واستبصار بسر القدر.

والذي يشكك به الإمام فخر الدين الرازي من أنه قد يولد إنسانان في طالع واحد ثم يصير أحدهما في غاية السعادة والآخر في غاية الشقاوة كلام غير محقق، لأنا لو سلمنا وقوع ذلك فلاختلاف القابل، وليس تأثير العامل السماوي في طالع ولد السلطان مثله في طالع ولد الحمامي، وكذا اختلافات أخر لا نهاية لها.

نعم لو ادعى عسر إدراك جميع الجزئيات فلا نزاع في ذلك إلا المنتفع بما ينتفع به عليه أن يقنع بما يصل إليه فهمه فلكل شيء حد وفوق كل ذي علم عليم.

وحين أطنب في الوعيد أردفه ببيان كمال رحمته ومغفرته فقال ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ عن ابن عباس أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبدالأوثان وقتل النفس التي حرم الله لن يغفر له ونحن قد عبدنا الأوثان وقتلنا الأنفس فأنزل الله هذه الآية.

وعن ابن عمر: نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم عذبوا فارتدوا فنزلت فيهم، وكان عمر كاتباً فكتبها إلى عياش والوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.

وقيل: نزلت بالمدينة في وحشيّ وقد سبق.

ثم إن قلنا: العباد عام فالإسراف على النفس يعم الشرك، ولا نزاع أن عدم اليأس من الرحمة يكون مشروطاً بالتوبة والإيمان.

وإن قلنا: العباد المضاف في عرف القرآن مختص بالمؤمنين فالإسراف إما بالصغائر ولا خلاف في أنها مكفرة ما اجتنبت الكبائر، وأما بالكبائر وحينئذ يبقى النزاع بين الفريقين.

فالمعتزلة شرطوا التوبة، والأشاعرة العفو وقد مر مراراً.

عن رسول الله  : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية فقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟

فسكت ساعة ثم قال: ألا ومن أشرك ثلاث مرات" رواه في الكشاف.

وعلى هذا يكون مخصوصاً بشرط الإيمان.

ولا يخفى ما في الآية من مؤكدات الرحمة: أوّلها تسمية المذنب عبداً والعبودية تشعر بالاختصاص مع الحاجة، واللائق بالكريم الرحيم إفاضة الجود والرحمة على المساكين.

وثانيها من جهة الإضافة الموجبة للتشريف.

وثالثها من جهة وصفهم بقوله ﴿ الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ كأنه قال يكفيهم من تلك الذنوب عود مضرتها عليهم لا عليّ.

ورابعها نهاهم عن القنوط، والكريم إذا أمر بالرجاء فلا يليق به إلا الكرم.

وخامسها قوله ﴿ من رحمة الله ﴾ مع إمكان الاقتصار على الضمير بأن يقول "من رحمتي" فإيراد أشرف الأسماء في هذا المقام يدل على أعظم أنواع الكرم واللطف.

وسادسها تكرير اسم الله  في قوله ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ مع تصدير الجملة بـ "إن"، ومع إيراد صيغة المضارع المنبئة عن الاستمرار، ومع تأكيد الذنوب بقوله ﴿ جميعاً ﴾ أي حال كونها مجموعة.

وسابعها إرداف الجملة بقوله ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ومع ما فيه من أنواع المؤكدات ومع جميع ذلك لم يخل الترغيب عن الترهيب ليكون رجاء المؤمن مقروناً بخوفه فقال ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ وذلك أن الأشاعرة أيضاً يجوّزون أن يدخل صاحب الكبيرة النار مدة ثم يخرج منها.

ومع احتمال هذا العذاب يجب الميل إلى الإنابة والإخلاص لله في العمل على أن الخوف للتقصير في الطاعة يكفي عن الخوف للتصريح بالمعصية، وللصديقين في الأول مندوحة عن الثاني.

وقال بعضهم: إن الكلام قد تم على الآية الأولى، ثم خاطب الكفار بهذه الآيات من قوله ﴿ وأنيبوا ﴾ والمراد بالعذاب إما عذاب الدنيا كما للأمم السابقة، وإما الموت لأنه أول أهوال الآخرة.

وقوله ﴿ أحسن ما أنزل إليكم ﴾ كقوله ﴿ يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وقد مر الأقوال فيه.

وحين خوّفهم بالعذاب حكى عنهم أنهم بتقدير نزول العذاب ماذا يقولون؟

فذكر ثلاثة أنواع من الكلمات: الأوّل أن تقول والتقدير أنذرناكم العذاب المذكور كراهة أن تقول أو لئلا.

تقول.

قال جار الله: إنما نكرت نفس لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، أو نوع من الأنفس متميزة بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم.

وجوز أن يكون التنكير لأجل التكثير كقوله "رب وفد أكرمته".

﴿ يا حسرتا على ما فرّطت ﴾ أي قصرت.

والتفريط إهمال ما ينبغي أن يقدّم ﴿ في جنب الله ﴾ واعلم أن بعض أهل التجسيم يحكمون بورود هذا اللفظ على إثبات هذا العضو لله  ولا يدري أنه بعد التسليم لا معنى للتفريط فيه ما لم يصر إلى التأويل.

والصحيح ما ذهب إليه علماء البيان أن هذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الشيء في مكان الرجل وحيزه وجانبه وناحيته فقد أثبته كقوله: إن السماحة والمروءة والندى *** في قبة ضربت على ابن الحشرج وتقول: لمكانك فعلت كذا.

أي لأجلك.

وفي الحديث "من الشرك الخفي أن يصلى الرجل لمكان الرجل" ولا بد من تقدير مضاف سواء ذكر الجنب أو لم يذكر، وللمفسرين فيه عبارات.

قال ابن عباس: أي ضيعت من ثواب الله.

وقال مقاتل: ضيعت من ذكر الله.

وقال مجاهد: في أمر الله.

وقال الحسن: في طاعة الله.

وعن سعيد بن جبير: في حق الله.

وقيل: في قرب الله من الجنة من قوله ﴿ والصاحب بالجنب  ﴾ وقال ابن جبير: في جانب هدى الله لأن الطريق متشعب إلى الهدى والضلال فكل واحد جانب وجنب.

والتحقيق في المسألة أن الشيء الذي يكون من لوازم الشيء ومن توابعه كأنه حدّ من حدوده وجانب من جوانبه، فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له، لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب في الآية على أحد هذه المضافات.

قال الشاعر وهو سابق البربري: أما لتقين الله في جنب عاشق.

*** له كبد حرّى عليك تقطع؟

ثم زاد في التحسر بقوله ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ أي المستهزئين بالقرآن والنبي والمؤمنين.

"إن" مخففة، واللام فارقة، والواو تحتمل العطف والحال.

قال قتادة.

لم يكفه ما ضيع من أمر الله حتى سخر من المصدّقين.

النوع الثاني من كلمات النفس المعذبة ﴿ لو أن الله هداني ﴾ يجوز أن يقول مرة هذا ومرة ذلك، أو يكون قائل كل من الكلمتين بعد أخرى والمعنى لو أرشدني إلى دينه.

﴿ لكنت من المتقين ﴾ النوع الثالث قوله عند رؤية العذاب ﴿ لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ﴾ قال جار الله: لما حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب وهو الثاني، صح أن تقع "بلى" جواباً له مع أنه غير منفي، لأن قوله ﴿ لو أن الله هداني ﴾ في معنى ما هديت.

قلت: هذا يصلح جواباً للقولين الثاني والثالث أي بلى قد هديت بالوحي فكذبت واستكبرت عن قبوله فلا فائدة في الرجعة، فإن عدم القابلية وكونه واقعاً في جانب القهر لن يزول عنه.

ثم صرح ببعض أنواع العذاب قائلاً ﴿ ويوم القيامة نرى الذين كذبوا على الله ﴾ وقوله ﴿ وجوههم مسودّة ﴾ مفعول ثان إن كانت الرؤية القلبية وإلا فموضعه نصب على الحال.

والظاهر أن الكذب على الله هو المشار إليه في قوله ﴿ فكذبت بها ﴾ ويشمل الكذب عليه باتخاذ الشريك والولد، ونسبته إلى العجز عن الإعادة، ونسبة القرآن إلى كونه مختلفاً ونحو ذلك.

وأما المسائل الاجتهادية التي يختلف فيها كل فريق إسلامي ولا سيما الفروعية، فالظاهر أنها لا تدخل فيها والله أعلم.

وأما سواد الوجه فإن كان في الصورة فظاهر ويكون كسائر أوصاف أهل النار من زرقة العيون وغيره، وإن كان المراد به الخجل وشدّة الحياء ونحو ذلك فالله  أعلم بمراده.

ولا ريب أن الجهل والإخبار على خلاف ما عليه الأمر ونحو ذلك من الأخلاق الذميمة كلها ظلمات كما أن العلم والصدق ونحوهما أنوار كلها وفي ذلك العالم تظهر حقيقة كل شيء على المكلف ﴿ هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت  ﴾ .

ثم حكى حال المتقين يومئذ قائلاً ﴿ وينجي الله الذين اتقوا ﴾ الشرك أو المعاصي كبائر وصغائر ﴿ بمفازتهم ﴾ هي "مفعلة" من الفوز.

فمن وحد فلأنه مصدر، ومن جمع فلاختلاف أجناسها فلكل متق مفازة وهي الفلاح.

ولا شك أن الباء هي التي في نحو قولك "كتبتُ بالقلم".

فقال جار الله: تارة تفسير المفازة هي قوله ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ فلا محل للجملة لأنه كأنه قيل: وما مفازتهم؟

فقيل: ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ أي في أبدانهم.

﴿ ولا هم يحزنون ﴾ يتألمون قلباً على ما فات.

وقال: أخرى يجوز أن يراد بسبب فلاحهم أو منجاتهم وهو العمل الصالح، وذلك أن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة.

ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها.

وعلى هذه الوجوه يكون قوله ﴿ لا يمسهم ﴾ منصوباً على الحال.

وعن الماوردي أن المفازة ههنا البرية أي بما سلكوا مفازة الطاعات الشاقة وهو غريب.

وحين تمم الوعد والوعيد أتبعه شيئاً من دلائل المالكية قائلاً ﴿ الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ وقد مر في "الأنعام".

ثم أكده بقوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ وهو كقوله في "الأنعام" ﴿ وعنده مفاتح الغيب  ﴾ والمقاليد المفاتيح أيضاً فقيل: لا واحد لها من لفظها.

وقيل: مقليد أو مقلد أو إقليد.

والظاهر أنه في الأصل فارسي والتعريب جعله من قبيل العربي.

ويروى أنه سأل عثمان رسول الله  عن تفسير الآية فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسير المقاليد لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

وقال العلماء: يعني أن هذه الكلمات مفاتيح خيرات السموات والأرض وقد يوحد الله بها ويمجد.

قال أهل العرفان: بيده مفاتيح خزائن اللطف والقهر، فيفتح على من يشاء أبواب خزائن لطفه في قلبه فتخرج ينابيع الحكمة وجواهر الأخلاق الحسنة وللآخر بالضد.

قال في الكشاف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ متصل بقوله ﴿ وينجي ﴾ وما بينهما اعتراض دل على أنه خالق الأشياء كلها مهيمن عليها، لا يخفى عليه أعمال المكلفين وجزاؤها فإن كل شيء في السموات والأرض فإن مفتاحه بيده.

هذا والظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التقدير البعيد حتى يعطف جملة اسمية على جملة فعلية.

والأقرب أنه لما وصف نفسه بصفات المالكية والقدرة ذكر بعده ﴿ والذين كفروا ﴾ بدلائل ملكه وملكه مع كونها ظاهرة باهرة فلا أخسر منهم لأنهم عمي في الدارين فاقدون لأشرف المطالب ولذلك وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أفغير الله ﴾ أي قل لهم بعد هذا البيان أفغير الله وهو منصوب ﴿ بأعبد ﴾ و ﴿ تأمروني ﴾ اعتراض والمعنى أفغير الله ﴿ أعبد ﴾ بأمركم.

وذلك أن المشركين دعوه إلى دين آبائه.

وجوز جار الله: أن ينصب بما يدل عليه جملة قوله ﴿ تأمروني أعبد ﴾ لأنه في معنى تعبدونني غير الله وتقولون لي اعبد.

والأصل تأمرونني أن أعبد فحذف أن ورفع الفعل.

ويمكن أن يعترض عليه بأن صلة "أن" كيف تتقدّم عليه.

ويحتمل أن يجاب بأن العامل هو ما دل عليه الجملة كما قلنا لا قوله ﴿ أن أعبد ﴾ وقيل: التقدير أفبعبادة غير الله تأمروني؟

وقوله ﴿ أيها الجاهلون ﴾ لا يكون أليق بالمقام منه لأنه لا جهل أشدّ من جهل من نهى عن عبادة أشرف الأشياء وأمر بعبادة أخس الأشياء.

ثم هددّ الأمة على الشرك مخاطباً نبيه بقوله ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ من الأنبياء مثله ﴿ لئن أشركت ﴾ فاقتصر على الأول ويجوز أن يراد ولقد أوحى إليك وإلى كل واحد ممن قبلك لئن أشركت كما تقول: كسانا حلة أي كل واحد منا وقد مر نظير هذه الآية بقوله ﴿ ولئن أتبعت أهواءهم  ﴾ وبينا أن ذلك على سبيل الفرض والشرطية لا حاجة في صدقها إلى صدق جزأيها، أو المراد الأمة كما قلنا.

وفي قوله ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ إشارة إلى أن منصب النبوة الذي هو أشرف مراتب الإنسانية وأقربها من الله إذا بدل بضدّه الذي هو البعد عن الحضرة الإلهية لم يكن خسران وراء ذلك.

ثم ردّه  إلى ما هو الحق الثابت في نفس الأمر وهو تخصيص الله بالعبادة فقال ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ على ذلك لأن توفيق العبادة منه وحده ولذا جعله مظهر اللطف حتى صار سيد ولد آدم.

ثم بين أنهم لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة في العبادة ما عرفوا الله حق معرفته وقد مر في "الأنعام" و "الحج".

ثم أردفه بما يدل على كمال عظمته قائلاً ﴿ والأرض جميعاً قبضته ﴾ قال جار الله: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو إلى جهة مجاز.

وكذلك حكم ما يروى عن عبد الله بن مسعود أن رجلاً من أهل الكتاب جاء إلى النبي  فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السموات يوم القيامة على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك.

فضحك رسول الله  تعجباً مما قال وأنزل الله الآية تصديقاً له.

وقال جار الله: وإنما ضحك أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا أصبع ولا هز ولا شيء من غير ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأن الأفعال العظام التي لا تكتنهها الأوهام هينة عليه، ثم ذكر كلاماً آخر طويلاً.

واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي بأن هذا الكلام الطويل لا طائل تحته لأنه هل يسلم أن الأصل في الكلام حمله على حقيقته أم لا.

وعلى الثاني يلزم خروج القرآن بكليته عن كونه حجة فإن لكل أحد حينئذ أن يؤوّل الآية بما شاء.

وعلى الأول وهو الذي عليه الجمهور يلزمه بيان أنه لا يمكن حمل اللفظ الفلاني على معناه الحقيقي لتعين المصير إلى التأويل.

ثم إن كان هناك مجازان وجب إقامة الدليل على تعيين أحدهما، ففي هذه الصورة لا شك أن لفظ القبضة واليمين مشعر بهذه الجوارح إلا أن الدلائل العقلية قامت على امتناع الأعضاء والجوارح لله  فوجب المصير إلى التأويل صوناً للنص عن التعطيل.

ولا تأويل إلا أن يقال: المراد كونها تحت تدبيره وتسخيره كما يقال: فلان في قبضة فلان.

وقال  ﴿ وما ملكت أيمانهم  ﴾ ويقال: هذه الدار في يد فلان ويمينه، وفلان صاحب اليد.

وأنا أقول: هذا الذي ذكره الإمام طريق أصولي، والذي ذكره جار الله طريق بياني، وأنهم يحيلون كثيراً من المسائل إلى الذوق فلا منافاة بينهما.

ولا يرد اعتراض الإمام وتشنيعه وقد مر لنا في هذا الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر.

ولنرجع إلى الآية.

قوله ﴿ والأرض ﴾ قالوا: المراد بها الأرضون لوجهين: أحدهما قوله ﴿ جميعا ﴾ فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله ﴿ كل الطعام  ﴾ وقوله ﴿ والنخل باسقات  ﴾ والثاني قوله ﴿ والسموات ﴾ ولقائل أن يقول: كل ما هو ذو أجزاء حساً أو حكماً فإنه يصح تأكيده بالجميع.

وعطف السموات على الأرض في القرآن كثير.

نعم قيل: إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد.

والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعاً مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته.

وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ ﴿ والسموات مطويات بيمينه ﴾ كقوله ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب  ﴾ وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك.

وقيل: معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه  حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة.

وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسموات وتبديلها.

وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله {  وتعالى عما يشركون} ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله ﴿ ونفخ في الصور فصعق ﴾ الظاهر أن نفخ الصور مرتان، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في "النمل"، والثانية للموت وهو معنى الصعق، والثالثة للإعادة.

والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين، وقد مر في "النمل" تفسير باقي الآية.

قال جار الله: تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ﴿ ثم نفخ فيه أخرى ﴾ وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان.

ومعنى ﴿ ينظرون ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب، أو ينظرون ماذا يفعل بهم.

ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيراً.

ثم وصف أرض القيامة بقوله ﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ﴾ الظاهر أن هذا نور تجليه  .

وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله ﴿ الله نور السموات والأرض  ﴾ وفي غيره من المواضع.

وقال علماء البيان: افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم.

ويقال للملك العادل: أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره.

وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق الله في ذلك اليوم للأرض نوراً مخصوصاً.

وقيل: أراد أرض الجنة.

ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله ﴿ ووضع الكتاب ﴾ إلى آخره.

وكل ذلك من الأمور الدالة على غاية العدل.

والمراد بالكتاب إما اللوح المحفوظ يقابل به صحف الأعمال أو الصحف نفسها ولكنه اكتفى باسم الجنس.

﴿ وجيء بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة ويجيب قومهم بما يجيبون.

والمراد بالشهداء الذين يشهدون للأمم وعليهم من الحفظة والأخيار ومن الجوارح والمكان والزمان أيضاً.

وقيل: هم الذين قتلوا في سبيل الله ولعله ليس في تخصيصهم بالذكر فائدة.

وحين بين أنه يحضر في محفل القيامة جميع ما يحتاج إليه في فصل الخصومات ذكر أنه يوصل أهل النار، وختم السورة بذكر أهل الجنة فقال: ﴿ وسيق ﴾ وهو على عادة إخبار الله  .

والزمر الأفواج المتفرقة واحدها زمرة وكذلك في صفة أهل الجنة، وذلك أنه يحشر أمة بعد أمة مع إمامها إلى الجنة أو النار، أو بعضهم قبل الحساب وبعضهم بعد الحساب على اختلاف المراتب والطبقات، فلا ريب أن الناس محقين أو مبطلين فرق ذاهبون في طرق شتى جماعة جماعة.

والخزنة جمع خازن، والمراد بكلمة العذاب قوله ﴿ لأملأن جهنم  ﴾ أو علم الله السابق وكان القياس التكلم إلا أنه عدل إلى الظاهر فقيل على الكافرين ليعلم سبب العذاب.

سؤال السوق في الكفار له وجه لأنهم أهل الطرد والعنف فما وجهه في أهل الجنة؟

الجواب من وجوه: قال جار الله: المضاف هنا محذوف أي وسيق مراكب الذين اتقوا لأنهم لا يذهبون إلا راكبين كالوافدين على ملوك الدنيا، وحثها إسراع لهم إلى دار الكرامة والرضوان: وقيل: طباق.

وقيل: أكثر أهل الجنة البله فيحتاجون إلى السوق لأنهم لا يعرفون ما فيه صلاحهم.

وقيل: إنهم يقولون لا أدخلها حتى يدخلها أحبائي فيتأخرون لهذا السبب وحينئذ يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنة.

وقال أهل العرفان: المتقون قد عبدوا الله لله لا للجنة فيصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة، فلا جرم يفتقرون إلى السوق.

وقال الحكيم: كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختياره شاء أم أبى إلى ما يضاهيه حاله فذاك معنى السوق.

سؤال آخر: لم قيل في صفة أهل النار ﴿ فتحت أبوابها ﴾ من غير واو وفي صفة أهل الجنة ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ بالواو؟

والجواب البحث عن مثل هذه الواو قد يقال له واو الثمانية قد مر في قوله ﴿ التائبون العابدون  ﴾ وفي سورة الكهف إلا أن الذي اختص بالمقام هو أن بعضهم قالوا: إن أبواب جهنم مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله ﴿ جنات عدن مفتحة لهم الأبواب  ﴾ فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاؤها وقد فتحت أبوابها، وعلى هذا فجواب ﴿ حتى إذا ﴾ محذوف وحق موقعه ما بعد ﴿ خالدين ﴾ أي كان ما كان من أصناف الكرامات والسعادات.

وقيل: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها أي مع فتح أبوابها.

وقيل: لأهل التأويل أن يقولوا: إن أبواب الجنة وهي أسباب حصول الكمالات مفتوحة بمعنى أنها غير ممنوع عنها بل مندوب إليها مرغب فيها، وأبواب جهنم مغلقة بمعنى أن أسبابها ممنوع عنها على لسان الشرع والعقل جميعاً.

ومعنى تسليم الخزنة الإكرام والتهنئة بأنهم سلموا من أحوال الدنيا وأهوال القيامة.

ومعنى ﴿ طبتم ﴾ قيل: إخبارهم عن كونهم طيبين في الدنيا بالأفعال الصالحة والأخلاق الفاضلة، أو طبتم نفساً بما نلتم من الجنة ونعيمها.

وقيل: إن أهل الجنة إذا انتهوا إلى بابها وجدوا عنده عينين تجريان من ساق شجرة فيتطهرون من إحداهما فتجري عليهم نضرة النعيم فلن تتغير أبشارهم بعدها أبداً، ويشربون من الأخرى فيذهب ما في بطونهم من أذى وقذى فيقول لهم الخزنة: طبتم.

وقال جار الله: أرادوا طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا، ولهذا عقبه بقوله ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ ليعلم أن الطهارة عن المعاصي هي السبب في دخول الجنة والخلود فيها لأنها دار طهرها الله من دنس فلا يدخلها إلا من هو موصوف بصفتها رزقنا الله  بعميم فضله وحسن توفيقه نسبة توجب ذلك.

ثم حكى قول المتقين في الجنة فقال ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ﴾ أي الوعد بدخول الجنة ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ أرض الجنة عبر عن التمليك بالإيراث وقد مرّ مراراً ﴿ نتبوّأ منها حيث نشاء ﴾ لأن لكل متق جنة توصف سعة فيتبوّأ من جنته كما يريد من غير منازع.

وقال حكماء الإسلام: الجنات الجسمانية كذلك، أما الروحانية فلا مانع فيها من المشاركة وأن يحصل لغيره ما يحصل لبعض الأشخاص.

ثم وصف مآب الملائكة المقربين بعد بعثهم فقال ﴿ وترى ﴾ أيها الرائي أو النبي ﴿ الملائكة حافين ﴾ محدّقين وهو نصب على الحال.

قال الفراء: لا واحد له لأنه لا بد فيه من الجمعية.

وأقول: لعله عني من حيث الاستعمال.

وقيل: الحاف بالشيء الملازم له.

وقوله ﴿ من حول العرش ﴾ "من" زائدة أو ابتدائية أي مبتدأ خوفهم من هناك إلى حيث شاء الله أو متصل بالرؤية ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ تلذذاً لا تعبداً.

وكان جوانب العرش دار ثواب الملائكة وإنها ملاصقة لجوانب الجنة.

والضمير في قوله ﴿ وقضي بينهم ﴾ للعباد كلهم لقرائن ذكر القيامة فإن إدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة لا يكون الإقضاء بينهم بالحق والعدل.

وقيل: بين الأنبياء وأممهم.

وقيل: تكرار لقوله ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ﴾ وقيل: هو حال وقد مقدرة معه أي يسبحون بحمد ربهم وقد قضى بينهم يعني بين الملائكة على أن ثوابهم ليس على سنن واحد.

ويحتمل عندي أن يعود الضمير إلى البشر والملائكة جميعاً، والقضاء بينهم هو إنزال البشر مقامهم من الجنة أو النار، وإنزال الملائكة حول العرش.

ثم ختم السورة بقوله ﴿ وقيل الحمد لله ﴾ والقائل المقضي بينهم وهم جميع العباد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله  ﴾ جميع الملائكة حمدوا الله على إنزال كلّ منزلته.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ ﴾ أهو على حقيقة النفخ أم لا؟

قال بعضهم: ليس هنالك نفخ ولا شيء، وإنما ذكر النفخ عبارة عن خفة الأمر على الله - عز وجل - [كقوله]: ﴿ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ  ﴾ ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ  ﴾ .

وقال بعضهم: ليس نفخاً، إنما هو عبارة عن قدر نفخة: أنه يحيي ويميت على قدر النفخة؛ لأن أسرع شيء في الدنيا هي النفخة.

وقال بعضهم: هو على حقيقة النفخة من غير أن كانت النفخة سبباً للإحياء والإماتة، ولكن على جعل النفخة علماً وآية للإحياء أو الإماتة، امتحن بذلك الملك الذي كان موكلا به، على ما امتحن ملك الموت بقبض الأرواح في أوقات جعلت له؛ فعلى ذلك ما ذكر من النفخة، والله أعلم.

ثم اختلف في الصور أيضاً: قال بعضهم: هو صور الخلق فيها ينفخ، وإلى ذلك [ذهب] جميع أهل الكلام.

وقال [بعضهم]: ليس هو صور الخلق، ولكن إنما هو قرن؛ لأنه قال: الصور، ولم يقل: صُوَر بالتثقيل، وإنما ذكره بالتخفيف، وهو القرن، وذكر صور الخلق بالتثقيل صُوَر؛ حيث قال: ﴿ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ  ﴾ فلسنا ندري أيهما يقال جميعاً أم لا الصُّور والصُّوَر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال عامة أهل التفسير والتأويل: الصعق: هو الموت.

وقال بعضهم: الصعق: هو الغشيان؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً  ﴾ أي: مغشيّاً عليه؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَفَاقَ  ﴾ يفاق من الغشيان، ولا يفاق من الموت، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ اختلف فيه؛ قال بعضهم: إنما استنثى الشهادة الذين استشهدوا في الدنيا، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ﴾ هو جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ ﴾ : قال بعضهم: تكون ثلاث نفخات: نفخة تحملهم على الفزع: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [النمل: 87]، ثم الأخرى يموتون بها، والثالثة يحيون بها، وعلى هذا يروى حديث عن رسول الله  أنه قال: "ينفخ ثلاث..." ذكر كما ذكرنا، والله أعلم.

وقال بعضهم: نفختان؛ على ما ذكر في هذه الآية: إحداهما: يموتون، والثانية: يحيون بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ يحتمل ﴿ بِنُورِ ﴾ : الذي أنشأه الله - عز وجل - لها وجعله فيها، ليس أن يكون لذاته نور أو شيء يضيء، ويكون قوله - عز وجل -: ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ كقوله - عز وجل -: ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ  ﴾ : بإحسان ربك، وآلاء ربك، لا يفهم منه سوى النعمة والنشأة والآلاء المجعولة؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ لا يفهم منه نور الذات ولا شيء من ذلك.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ أي: أضاءت، جائز أن يكون الله - عز وجل - ينشئ أرض الآخرة أرضاً مضيئة مشرقة؛ لما أخبر أنه يبدل أرضاً غير هذه؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ...

﴾ الآية [إبراهيم: 48]، كانت هذه مظلمة، وتلك مضيئة، على ما ذكرنا، والله أعلم.

أو أن يكون إشراقها: ارتفاع سواترها، وظهور الحق لهم، وزوال الاشتباه والالتباس، وكانت أمورهم في الدنيا مشبهة ملتبسة، ويقرون يومئذ جميعاً بالتوحيد له والألوهية والربوبية، وهو على ما ذكر من قوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ  ﴾ ، ونحو ذلك، ذكر البروز له والرجوع إليه والمصير، وإن كانوا في الأحوال كلها بارزون له، راجعون إليه، صائرون، والملك له في الدارين جميعاً، خصّ البروز والرجوع إليه والملك له؛ لما يومئذ يظهر المحق لهم من المبطل، ويومئذ أقروا جميعاً بالتوحيد له والملك؛ فعلى ذلك يحتمل إشراق الأرض وإضاءتها لما ترتفع السواتر يومئذ [و]تزول الشبه، وتظهر الحقائق، والله أعلم.

أو أن يكون إشراقها بإظهار لكل ما عمل في الدنيا من خير أو شرّ، وعرفه يومئذ، وإن كان في الدنيا لم يظهر ولم يعرف مما عمل من خير وشر؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً...

﴾ الآية [آل عمران: 30]، والله أعلم.

أو أن تكون أرض الآخرة مضيئة مشرقة لما لا يُعْصى عليها الرب -  عز وجل - وأرض الدنيا مظلمة بعصيان أهلها عليها الربَّ - عز وجل - وذلك كما روي في الخبر أن الحجر الأسود [أُنزل] من الجنة ككذا، صار أسود لما مسته أيدي الخاطئين العاصين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ قال بعضهم: بعدل ربها؛ أي: رضي بعدل ربها، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ  ﴾ ، أي: بالعدل، والله أعلم.

وجائز ما ذكر بنور أنشأه وجعله فيها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ، وقال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ  ﴾ ، فجائز أن يكون الكتاب الذي ذكر أنه وصفه هو ذلك الميزان، فيكونان واحداً.

وجائز أن يكون الكتاب غير الميزان.

وقال بعضهم: الكتاب هو الحساب بما قد حفظ عليهم ولهم من خير أو شر محذور فيه.

وقال بعضهم: هو الكتاب الذي يوضع في أيديهم يومئذ، فيه ما عملوا يقرءونه، وهو مثل الأول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجِـيءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ ﴾ اختلف في الشهداء: قال بعضهم: الشهداء هم المرسلون، يؤتى بالنبيين والمرسلين يشهدون عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [المزمل: 15].

وقال بعضهم: الشهداء - هاهنا - هم الملائكة والحفظة الذين يشهدون عليهم؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...

﴾ الآية [النور: 24].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالعدل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ أي: لا يحمل على أحد ما لم يعمل، ولكن يحمل عليه ما عمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ كافرة ﴿ مَّا عَمِلَتْ ﴾ من سوء، فأما ما عملت من خير فلا، [و]توفى كل نفس مسلمة ما عملت من خير لا ينقص منها شيء، وما عملت من سوء جائز أن يتجاوز الله عنها ويبدله حسنات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ ، أي: عالم بما يفعلون من خير أو شر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ قيل: أمة أمة، وجماعة جماعة؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 38]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ  ﴾ ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ جائز أن يكون لها أبواب يدخلون فيها.

وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات والسبل التي كانوا فيها؛ أي: في الدنيا، وعملوا بها يدخلون النار بتلك الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا وعملوا بها، كما يقال: فتح على فلان باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب، ولكن سبل بابه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ أي: التوحيد وحججه.

ويحتمل آيات البعث الذي أنكروه.

وقال بعض أهل التأويل: آيات القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ ﴾ بالآيات ﴿ لِقَـآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ قد فعلوا ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ وَلَـٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ﴾ أي: عدة العذاب، وهو ما قال - عز وجل - ووعد أنه يملأ جهنم منهم، وهو قوله: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ أي: حق وعد ذلك عليهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون ما ذكر من ﴿ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ﴾ : هو كلمة الشرك والكفر؛ أي: حقت كلمة الكفر والشرك الذي علمنا سموا ﴿ كَلِمَةُ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، لما عذبوا وعوقبوا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قِيلَ ٱدْخُلُوۤاْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ٱلْمُتَكَـبِّرِينَ ﴾ تأويله ظاهر.

"والمتكبرين" يحتمل المتكبرين على آياته وحججه، ويحتمل المتكبرين على رسله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والله أعلم.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ وَأَشْرَقَتِ ﴾ ، أي: أضاءت وأنارت، و ﴿ زُمَراً ﴾ أي: جماعات، والواحد: زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا، زمرتهم، أي: جمعتهم، وأصله: أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة جماعة وأمة أمة، وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا: أهل الخير على أهل الخير، وأهل الشر على أهل الشر، وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى النار على ما [كانوا] يجتمعون في هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ ﴾ ؟

يحتمل: اتقوا الشرك بربهم، أو اتقوا سخط ربهم ونقمته، أو اتقوا المهالك، وقد ذكرناه فيما تقدم والله أعلم.

﴿ وَسِيقَ ﴾ ، وإن كان في الظاهر خبرا عما مضى لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة استعمال حرف الماضي على إرادة الاستقبال، كأنه قال: يساقون.

والثاني: كأنه خبر أمر قد كان مضى، فقال - عز وجل -: ﴿ وَسِيقَ ﴾ ؛ ولذلك ذكره بحرف ﴿ وَسِيقَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زُمَراً ﴾ قد ذكرناه، أي: جماعة جماعة، وأمة أمة، على ما كانوا في هذه الدنيا، ويجتمعون على ذلك؛ فعلى ذلك يساقون في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ .

فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسبل التي يأتونها في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ ﴾ .

بدأ الخزنة بالسلام عليهم، فجائز أن يكون الله - عز وجل -: امتحن الخزنة بالسلام على المؤمنين كما امتحن رسوله ببدئه السلام على من آمن، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية [الأنعام: 54].

ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم: السلام والبراءة عن جميع العيوب والآفات التي في الدنيا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ .

فقوله: ﴿ طِبْتُمْ ﴾ أي: صرتم طيبين لا تخبثون أبداً، وقد برئتم من الآفات والعيوب كلها، والله أعلم.

أو يقول: طاب العيش أبداً من حيثما يأتيكم بلا عناء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ .

ولا شك أن الله - عز وجل - إذا وعد صدق وعده، لكن معنى قولهم: ﴿ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ ، أي: الحمد لله الذي جعلنا مستحقين وعده؛ إذ وعده لا شك أنه يصدق، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ ﴾ أي: الجنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ نرغب فيها، وهم لا يرغبون النزول من منازلهم.

أو أن يكون قوله: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ ، أي: جميع مكان الجنة مختار ليس مما يتخير في الدنيا مكاناً دون مكان؛ لأن جميع أمكنتها ليست بمختارة فيقع فيها الاختيار، فأما الجنة فجميع أمكنتها مختارة فلا يقع هنالك اختيار مكان على مكان، والله أعلم.

وإلا ظاهر قوله: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ ما لهم وما لغيرهم، والوجه فيه ما ذكرناه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ ﴾ ظاهر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلْمَلاَئِكَةَ حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ ﴾ .

قيل: محدقين حول العرش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: بأمر ربهم، لكن التسبيح بحمد ربهم هو أن يسبحوا بثناء ربهم وحمده ويبرئونه وينزهونه عن جميع معاني الخلق بحمد وثناء يحمدونه ويثنون عليه على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قيل: بين الأمم والرسل، وقيل: بين الخلائق كلهم.

وجائز أن يكون قوله : ﴿ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قال الحسن: فتح الله نعمه في الدنيا بالحمد له، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

﴾ الآية [الأنعام: 1]، وقوله - عز وجل: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [الكهف: 1]، وغير ذلك من الآيات، وختم نعمه في الآخرة بالحمد له حيث قال: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين أجمعين.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأكمل الله جزاء كل نفس، خيرًا كان عملها أو شرًّا، والله أعلم بما يفعلون، لا يخفى عليه من أفعالهم خيرها وشرها شيء، وسيجازيهم في هذا اليوم على أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.PJVqN"

مزيد من التفاسير لسورة الزمر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 15 ربيع الأول
بدر اليوم 16.3 / 29.5
الإضاءة 98%
الهلال الجديد بعد 13 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل