الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ١١ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 100 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) قال الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود [ رضي الله عنه ] : هذه الآية كقوله تعالى : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) [ البقرة : 28 ] وكذا قال ابن عباس ، والضحاك ، وقتادة ، وأبو مالك .
وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية .
وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا ، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة .
وقال ابن زيد : أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ، ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم [ ثم أحياهم ] يوم القيامة .
وهذان القولان - من السدي وابن زيد - ضعيفان ; لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات .
والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما .
والمقصود من هذا كله : أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله - عز وجل - في عرصات القيامة ، كما قال : ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون ) [ السجدة : 12 ] ، فلا يجابون .
ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ، ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال ، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة ، فلا يجابون ، قال الله تعالى : ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام : 27 ، 28 ] فإذا دخلوا النار وذاقوا مسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها ، كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم ، ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ) [ فاطر : 37 ] ، ( ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون .
قال اخسئوا فيها ولا تكلمون ) [ المؤمنون : 107 ، 108 ] ، وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال ، وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة ، وهي قولهم : ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) أي : قدرتك عظيمة ، فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتا ، ثم أمتنا ثم أحييتنا ، فأنت قادر على ما تشاء ، وقد اعترفنا بذنوبنا ، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا ، ( فهل إلى خروج من سبيل ) أي فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا ؟
فإنك قادر على ذلك ; لنعمل غير الذي كنا نعمل ، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون .
فأجيبوا ألا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا .
ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تجحده وتنفيه ; ولهذا قال تعالى :
وقوله: ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قد أتينا عليه في سورة البقرة, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع, ولكنا نذكر بعض ما قال بعضهم فيه.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم, فأحياهم الله في الدنيا, ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها, ثم أحياهم للبعث يوم القيامة, فهما حياتان وموتتان.
وحُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) هو قول الله كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: هو كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ...
الآية.
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله, في قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: هي كالتي في البقرة وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس, قال: ثنا عبثر, قال: ثنا حصين, عن أبي مالك في هذه الآية ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: خلقتنا ولم نكن شيئا ثم أمتنا, ثم أحييتنا.
حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, عن حصين, عن أبي مالك, في قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قالوا: كانوا أمواتا فأحياهم الله, ثم أماتهم, ثم أحياهم.
وقال آخرون فيه ما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: أميتوا في الدنيا, ثم أحيوا في قبورهم, فسئلوا أو خوطبوا, ثم أميتوا في قبورهم, ثم أحيوا في الآخرة.
وقال آخرون في ذلك ما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق, وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فقرأ حتى بلغ الْمُبْطِلُونَ قال: فنساهم الفعل, وأخذ عليهم الميثاق, قال: وانتزع ضلعا من أضلاع آدم القصرى, فخلق منه حواء, ذكره عن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, قال: وذلك قول الله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً قال: بث منهما بعد ذلك في الأرحام خلقا كثيرا, وقرأ: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ قال: خلقا بعد ذلك, قال: فلما أخذ عليهم الميثاق, أماتهم ثم خلقهم في الأرحام, ثم أماتهم, ثم أحياهم يوم القيامة, فذلك قول الله: ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ) , وقرأ قول الله: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا قال: يومئذ, وقرأ قول الله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا .
وقوله: ( فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ) يقول: فأقررنا بما عملنا من الذنوب في الدنيا( فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) يقول: فهل إلى خروج من النار لنا سبيل, لنرجع إلى الدنيا, فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها.
كما حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) : فهل إلى كرّة إلى الدنيا.
قوله تعالى : قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين اختلف أهل التأويل في معنى قولهم : أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فقال ابن مسعود وابن عباس وقتادة والضحاك : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم ، ثم أحياهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها في الدنيا ، ثم أحياهم للبعث والقيامة ، فهاتان حياتان وموتتان ، وهو قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحياهم في القبور للمسألة ، ثم أميتوا ثم أحيوا [ ص: 266 ] في الآخرة .
وإنما صار إلى هذا ; لأن لفظ الميت لا ينطلق في العرف على النطفة .
واستدل العلماء من هذا فيإثبات سؤال القبر ، ولو كان الثواب والعقاب للروح دون الجسد فما معنى الإحياء والإماتة ؟
والروح عند من يقصر أحكام الآخرة على الأرواح لا تموت ولا تتغير ولا تفسد ، وهو حي لنفسه لا يتطرق إليه موت ولا غشية ولا فناء .
وقال ابن زيد في قوله : ربنا أمتنا اثنتين .
.
.
الآية قال : خلقهم في ظهر آدم وأخرجهم وأحياهم وأخذ عليهم الميثاق ، ثم أماتهم ثم أحياهم في الدنيا ثم أماتهم .
وقد مضى هذا في [ البقرة ] .فاعترفنا بذنوبنا اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف ، وندموا حيث لا ينفعهم الندم .
فهل إلى خروج من سبيل أي هل نرد إلى الدنيا لنعمل بطاعتك ، نظيره : هل إلى مرد من سبيل وقوله : فارجعنا نعمل صالحا وقوله : يا ليتنا نرد الآية .
فتمنوا الرجوع و { قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ } يريدون الموتة الأولى وما بين النفختين على ما قيل أو العدم المحض قبل إيجادهم، ثم أماتهم بعدما أوجدهم، { وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } الحياة الدنيا والحياة الأخرى، { فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ } أي: تحسروا وقالوا ذلك، فلم يفد ولم ينجع، ووبخوا على عدم فعل أسباب النجاة.
( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - وقتادة والضحاك : كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا ، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها ، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة ، فهما موتتان وحياتان ، وهذا كقوله تعالى : " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ( البقرة - 28 ) ، وقال السدي : أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال ، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة .
( فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل ) أي : من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك ، نظيره : " هل إلى مرد من سبيل " ( الشورى - 44 ) .
«قالوا ربنا أمتَّنا اثنتين» إماتتين «وأحييتنا اثنتين» إحياءتين لأنهم نطفٌ أموات فأحيوا ثم أميتوا ثم أحيوا للبعث «فاعترفنا بذنوبنا» بكفرنا بالبعث «فهل إلى خروج» من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا «من سبيل» طريق وجوابهم: لا.
قال الكافرون: ربنا أمتَّنا مرتين: حين كنا في بطون أمهاتنا نُطَفًا قبل نفخ الروح، وحين انقضى أجلُنا في الحياة الدنيا، وأحييتنا مرتين: في دار الدنيا، يوم وُلِدْنا، ويوم بُعِثنا من قبورنا، فنحن الآن نُقِرُّ بأخطائنا السابقة، فهل لنا من طريق نخرج به من النار، وتعيدنا به إلى الدنيا؛ لنعمل بطاعتك؟
ولكن هيهات أن ينفعهم هذا الاعتراف.
ثم يحكى - سبحانه - ما يقوله الكافرون بعد أن أنزل بهم - سبحانه - عقابه العادل فيقول : ( قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين .
.
.
) .وأرادوا بالموتة الأولى : خلقهم من مادة لا روح فيها وهم فى بطون أمهاتهم .
.
وأرادوا بالثانية : قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم .وأرادوا بالحياة الأولى : نفخ أرواحهم فى أجسادهم وهى فى الأرحام ، وأرادوا بالثانية إعادتهم إلى الحياة يوم البعث ، للحساب والجزاء .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
.
.
) ( فاعترفنا بِذُنُوبِنَا ) أى : أنت يا ربنا الذى - بقدرتك وحدها - أمتنا إماتتين اثنتين ، وأحييتنا إحياءتين اثنتين ، وها نحن قد اعترفنا بذنوبنا التى وقعت منا فى الدنيا ، وندمنا على ما كان منا أشد الندم .
.( فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) أى : فهل بعد هذا الاعتراف ، فى الإِمكان أن تخرجنا من النار ، وأن تعيدنا إلى الحياة الدنيا ، لنؤمن بك حق الإِيمان .
ونعمل غير الذى كنا نعمل .فأنت ترى أن الآية تصور ذلهم وحسرتهم أكمل تصوير ، وأنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم ، ولكن هذا التمنى والتلهف جاء بعد فوات الأوان .قال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية كقوله - تعالى - :( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .
.
.
) وهذا هو الصواب الذى لا شك فيه ولا مرية .وقال السدى : أميتوا فى الدنيا ثم أحيوا فى قبورهم فخوطبوا ، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة .وقال ابن زيد : أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم ، ثم خلقهم فى الأرحام .
ثم أماتهم يوم القيامة .وهذا القولان ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات .والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدى الله ، كما قال - تعالى - ( وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ).
اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ بين أنهم في القيامة يتعرفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف وفيها أيضاً تقديم وتأخير، أما الحذف فتقديره لمقت الله إياكم، وأما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم وفي تفسير مقتهم أنفسهم وجوه: الأول: أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا الثاني: أن الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى الكفر في الدنيا، والرؤساء أيضاً يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضاً بأنهم مقتوا أنفسهم، كما أنه تعالى قال: ﴿ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ والمراد قتل بعضهم بعضاً الثالث: قال محمد بن كعب إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان ﴾ - إلى قوله- ﴿ وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم، واعلم أنه لا نزاع أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل في يوم القيامة، أما مقت الله لهم ففيه وجهان الأول: أنه حاصل في الآخرة، والمعنى لمقت الله لكم في هذا الوقت أشد من مقتكم أنفسكم في هذا الوقت والثاني: وعليه الأكثرون أن التقدير لمقت الله لكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن ففي تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه: الأول: أن الذين ينادونهم ويذكرون لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم الثاني: المقت أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال، فالمراد منه أبلغ الإنكار والزجر الثالث: قال الفراء ﴿ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله ﴾ معناه إنهم ينادون إن مقت الله أكبر يقال ناديت إن زيداً قائم وإن زيداً لقائم الرابع: قوله: ﴿ إذ تدعون إلى الإيمان ﴾ فيه حذف والتقدير لمقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم.
ثم إنه تعالى بيّن أن الكفار إذا خاطبوا بهذا الخطاب ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين ﴾ إلى آخر الآية، والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسداً باطلاً تمنوا الرجوع إلى الدنيا لكي يشتغلوا عند الرجوع إليها بالأعمال الصالحة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أكثر العلماء بهذه الآية في إثبات عذاب القبر، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا: ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين ﴾ فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلابد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتاً ثانياً، وذلك يدل على حصول حياة في القبر، فإن قيل قال كثير من المفسرين الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك، والذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ والمراد من قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين أحدهما: إيجاد الشيء ميتاً والثاني: تصيير الشيء ميتاً بعد أن كان حياً كقولك وسع الخياط ثوبي، يحتمل أنه خاطه واسعاً ويحتمل أنه صيره واسعاً بعد أن كان ضيقاً، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة، ولا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية.
السؤال الثاني: أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
السؤال الثالث: أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر، وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها: في الدنيا.
وثانيها: في القبر.
وثالثها: في القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في القيامة والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا.
السؤال الرابع: أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فهاهنا ما يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول، أما المنقول فمن وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُو رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلاً، ولو كان الأمر كذلك لذكره، ولما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل الثاني: أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ ولا شك أن كلام أهل الجنة حق وصدق ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين، وذلك على خلاف قوله: ﴿ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأولى ﴾ قالوا والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها، لأنه الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة والآية التي تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار.
وأما المعقول فمن وجوه: الأول: وهو أن الذي افترسته السباع وأكلته لو أعيد حياً لكان إما أن يعاد حياً بمجموعة أو بأحاد أجزائه، والأول باطل لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع، والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها، وذلك في غاية الاستبعاد.
الثاني: أن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقياً على موته، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال إنه صار حياً لكان هذا تشكيكاً في المحسوسات، وإنه دخول في السفسطة (والجواب) قوله لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة؟
فنقول هذا لا يجوز، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله أماتهم ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلاً قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال وهذا بخلاف قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتاً وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها، لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق.
أما قوله إن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة، قلنا لما ذكروا ذلك لم يكذبهم الله تعالى إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيبهم، ألا ترى أنهم لما كذبوا في قولهم: ﴿ والله رَبّنَا مَا كُنا مُشْرِكِينَ ﴾ كذبهم الله في ذلك فقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ وأما قوله ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبرة إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لا مرتين، فنقول (الجواب) عنه من وجوه: الأول: هو أن مقصودهم تعديل أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة، فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة فلهذا السبب لم يذكروها الثاني: لعلهم ذكروا الحياتين: وهي الحياة في الدنيا، والحياة في القيامة، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر مدتها الثالث: لعلهم لما صاروا أحياء في القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء، إما في السعادة، وإما في الشقاوة، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم الله بالاستثناء في قوله: ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ الرابع: لو لم تثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذباً وهو على خلاف لفظ القرآن، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات والمذكور في القرآن مرتين، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل اللفظ عليه، فأما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دل عليه اللفظ مع أن اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه فكان هذا أولى، وأما ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول قوله: ﴿ يَحْذَرُ الآخرة ﴾ تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة، وأما المعارضة الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر.
وأما الوجهان العقليان فمدفوعان، لأنا إذا قلنا إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن كانت الإشكالات التي ذكرتموها غير واردة في هذا الباب، والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل في حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة وثلاثة أنواع من الموت، والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم ﴾ فهؤلاء أربعة مراتب في الحياة، حياتان في الدنيا، وحياة في القبر، وحياة رابعة في القيامة.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ اثنتين ﴾ نعت لمصدر محذوف والتقدير إماتتين اثنتين، ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ فاعترفنا بِذُنُوبِنَا ﴾ فإن قيل الفاء في قوله: ﴿ فاعترفنا ﴾ تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سبباً لهذا الاعتراف فبينوا هذه السببية، قلنا لأنهم كانوا منكرين للبعث فلما شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة، ثم قال: ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ ﴾ أي هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء من سبيل، أم اليأس وقع فلا خروج، ولا سبيل إليه؟
وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط، واعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال لا أو نعم وهو تعالى لم يفعل ذلك بل ذكر كلاماً يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج فقال: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ ﴾ أي ذلكم الذي أنتم فيه، وهو أن لا سبيل لكم إلى الخروج قط، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى، وإيمانكم بالإشراك به ﴿ فالحكم للَّهِ ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي، وقوله: ﴿ العلى الكبير ﴾ دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقابه لا يكون إلا كذلك، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى: ﴿ العلي ﴾ على العلو الأعلى في الجهة، وبقوله: ﴿ الكبير ﴾ على كبر الجثة والذات، وكل ذلك باطل، لأنا دللنا على أن الجسمية والمكان محالان في حق الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من ﴿ العلى الكبير ﴾ العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهية.
<div class="verse-tafsir"
أي: ينادون يوم القيامة، فيقال لهم: ﴿ لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ ﴾ والتقدير: لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.
و ﴿ إِذْ تُدْعَوْنَ ﴾ منصوب بالمقت الأوّل.
والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر، حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان، فتأبون قبوله وتختارون عليه الكفر أشدّ مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار إذا أوقعتكم فيها باتباعكم هواهنّ.
وعن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم، فنودوا لمقت الله.
وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، كقوله تعالى: ﴿ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ [العنكبوت: 25] و ﴿ إِذْ تُدْعَوْنَ ﴾ : تعليل، والمقت: أشدّ البغض، فوضع في موضع أبلغ الإنكار وأشدّه ﴿ اثنتين ﴾ إماتتين وإحياءتين.
أو موتتين وحياتين.
وأراد بالإماتتين: خلقهم أمواتاً أوّلاً، وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحيائتين الإحياءة الأولى وإحياءة البعث.
وناهيك تفسيراً لذلك قوله تعالى: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [البقرة: 28] وكذا عن ابن عباس رضي الله عنهما.
فإن قلت: كيف صحّ أن يسمى خلقهم أمواتاً: إماتة؟
قلت: كما صحّ أن تقول: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل!
وقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر، ولا من ضيق إلى سعة، ولا من سعة إلى ضيق، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات، والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معاً على المصنوع الواحد، من غير ترجح لأحدهما، وكذلك الضيق والسعة.
فإذا اختار الصانع أحد الجائزين وهو متمكن منهما على السواء فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر، فجعل صرفه عنه كنقله منه، ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه ثلاث إثبات إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن، إلاّ أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتدّ بها، أو يزعم أن الله تعالى يحييهم في القبور، وتستمرّ بهم تلك الحياة فلا يموتون بعدها، ويعدّهم في المستثنيين من الصعقة في قوله تعالى ﴿ إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ [النمل: 78] .
فإن قلت: كيف تسبب هذا لقوله تعالى: ﴿ فاعترفنا بِذُنُوبِنَا ﴾ ؟
قلت: قد أنكروا البعث فكفروا، وتبع ذلك من الذنوب ما لا يحصى؛ لأن من لم يخش العاقبة تخرق في المعاصي، فلما رأوا الإماتة والإحياء قد تكرّرا عليهم، علموا بأن الله قادر على الإعادة قدرته على الإنشاء، فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ ﴾ أي: إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء ﴿ مّن سَبِيلٍ ﴾ قط، أم اليأس واقع دون ذلك، فلا خروج ولا سبيل إليه.
وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط، وإنما يقولون ذلك تعللاً وتحيراً؛ ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، وهو قوله: ﴿ ذَلِكُم ﴾ أي؛ ذلكم الذي أنتم فيه، وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به ﴿ فالحكم للَّهِ ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد: وقوله: ﴿ العلى الكبير ﴾ دلالة على الكبرياء والعظمة، وعلى أن عقاب مثله لا يكون إلاّ كذلك، وهو الذي يطابق كبرياءه ويناسب جبروته.
وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلاّ لله، من هذا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ.
﴿ إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ ظَرْفٌ لِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَقْتُ الأوَّلُ لا لَهُ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْهُ، ولا لِلثّانِي لِأنَّ مَقْتَهم أنْفُسَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ عايَنُوا جَزاءَ أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِنَحْوِ: بِالصَّيْفِ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ.
أوْ تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ وزَمانُ المَقَتَيْنِ واحِدٌ.
﴿ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ ﴾ إماتَتَيْنِ بِأنْ خَلَقْتَنا أمْواتًا أوَّلًا ثُمَّ صَيَّرْتَنا أمْواتًا عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِنا، فَإنَّ الإماتَةَ جَعْلُ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ ابْتِداءً أوْ بِتَصْيِيرٍ كالتَّصْغِيرِ والتَّكْبِيرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، وإنْ خُصَّ بِالتَّصْيِيرِ فاخْتِيارُ الفاعِلِ المُخْتارِ أحَدَ مَفْعُولَيْهِ تَصْيِيرٌ وصَرْفٌ لَهُ عَنِ الآخَرِ.
﴿ وَأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ الإحْياءَةَ الأُولى وإحْياءَةَ البَعْثِ.
وقِيلَ الإماتَةُ الأُولى عِنْدَ انْخِرامِ الأجَلِ والثّانِيَةُ في القَبْرِ بَعْدَ الإحْياءِ لِلسُّؤالِ والإحْياءانِ ما في القَبْرِ والبَعْثِ، إذِ المَقْصُودُ اعْتِرافُهم بَعْدَ المُعايَنَةِ بِما غَفَلُوا عَنْهُ ولَمْ يَكْتَرِثُوا بِهِ ولِذَلِكَ تَسَبَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ﴾ فَإنَّ اقْتِرافَهم لَها مِنِ اغْتِرارِهِمْ بِالدُّنْيا وإنْكارِهِمُ البَعْثَ.
﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ ﴾ نَوْعِ خُرُوجٍ مِنَ النّارِ.
﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ طَرِيقٍ فَنَسْلُكَهُ وذَلِكَ إنَّما يَقُولُونَهُ مِن فَرْطِ قُنُوطِهِمْ تَعَلُّلًا وتَحَيُّرًا ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين} أي إماتتين وإحياءتين أو موتتين وحياتين وأراد بالإماتتين خلقهم أمواتاً أولاً وإماتتهم عند انقضاء آجالهم وصح أن يسمى خلقهم أمواتاً إماتة كما صح أن يقال سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الغيل وليس ثمة نقل من كبر إلى صغر ولا من صغر إلى كبر والسبب فيه أن الصغر والكبر جائزان على المصنوع الواحد فإذا اختار الصانع أحد الجائزين فقد صرف المصنوع عن الجائز الآخر فجعل صرفه عنه كنقله منه وبالاحياءتين الاحياة الأولى في الدنيا والإحياءة الثانية البعث ويدل عليه قوله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثم يحييكم
غافر (١٦ - ١١)
وقيل الموتة الأولى في الدنيا والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال والإحياء الأول إحياؤه في القبر بعد موته للسؤال والثاني للبعث {فاعترفنا بذنوبنا} لما راوا الاماتة والاحياء تكررا عليهم علموا أن الله قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء فاعترفوا بذنوبهم التي اقترفوها من إنكار البعث وما تبعه من معاصيهم {فَهَلْ إلى خُرُوجٍ} من النار أي إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء لنتخلص {مِّن سَبِيلٍ} قط أم اليأس واقع دون ذلك فلا خروج ولا سبيل إليه وهذا كلام من غلب عليه اليأس وإنما يقولون ذلك تحيراً ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك وهو قوله
﴿ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ صِفَتانِ لِمَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
وجُوِّزَ كَوْنُ المَصْدَرَيْنِ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ وهُما إمّا مَصْدَرانِ لِلْفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْضًا بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أوْ مَصْدَرانِ لِفِعْلَيْنِ آخَرَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما المَذْكُورانِ فَإنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ يُنْبِئانِ عَنِ المَوْتِ والحَياةِ حَتْمًا فَكَأنَّهُ أمَتَّنا فَمُتْنا مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا فَحَيِينا حَياتَيْنِ اثْنَتَيْنِ عَلى طُرُزِ قَوْلِهِ: وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ أيْ لَمْ يَدْعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ..
إلَخْ، واخْتُلِفَ في المُرادِ بِذَلِكَ فَقِيلَ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى خَلْقَهم أمْواتًا وبِالثّانِيَةِ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمْ وهم في الأرْحامِ وبِالثّانِيَةِ إحْياؤُهم بِإعادَةِ أرْواحِهِمْ إلى أبْدانِهِمْ لِلْبَعْثِ.
وأخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وجَعَلُوا ذَلِكَ نَظِيرَ آيَةِ [البَقَرَةَ: 28] ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ والإماتَةُ إنْ كانَتْ حَقِيقَةً في جَعْلِ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ سُبِقَ بِحَياةٍ أمْ لا فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَتْ حَقِيقَةً في تَصْيِيرِ الحَياةِ مَعْدُومَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَما هو ظاهِرُ كَلامِهِمْ حَيْثُ قالُوا: إنَّ صِيغَةَ الأفْعالِ وصِيغَةَ التَّفْعِيلِ مَوْضُوعَتانِ لِلتَّصْيِيرِ أيِ النَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ فَفي إطْلاقِها عَلى ما عُدَّ إماتَةً أُولى خَفاءٌ لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ سَبْقَ الحَياةِ ولا سَبْقَ فِيما ذُكِرَ، ووُجِّهَ بِأنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ كَما قَرَّرُوهُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ ووُسْعِ أسْفَلِها قالُوا: إنَّ الصّانِعَ إذا اخْتارَ أحَدَ الجائِزَيْنِ وهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُما عَلى السَّواءِ فَقَدْ صَرَفَ المَصْنُوعَ الجائِزَ عَنِ الآخَرِ فَجَعَلَ صَرْفَهُ عَنْهُ كَنَقْلِهِ مِنهُ يَعْنِي أنَّهُ تَجُوزُ بِالأفْعالِ أوِ التَّفْعِيلِ الدّالِّ عَلى التَّصْيِيرِ وهو النَّقْلُ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى عَنْ لازِمِهِ وهو الصَّرْفُ عَمّا في حَيِّزِ الإمْكانِ، ويَتْبَعُهُ جَعْلُ المُمْكِنِ الَّذِي تَجُوزُ إرادَتُهُ بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، وكَذا جُعِلَ الأمْرُ في ضِيقِ فَمِ الرَّكِيَّةِ مَثَلًا بِإنْشائِهِ عَلى الحالِ الثّانِيَةِ بِمَنزِلَةِ أمْرِهِ بِنَقْلِهِ عَنْ غَيْرِها، ولِذا جَعَلَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ فَيَكُونُ مَجازًا مُرْسَلًا مُسْتَتْبَعًا لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، فالمُرادُ بِالإماتَةِ هُناكَ الصَّرْفُ لا النَّقْلُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِئَلّا يَلْزَمَ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ في الآيَةِ أوِ اسْتِعْمالِ المُشْتَرَكِ في مَعْنَيَيْهِ بِناءً عَلى زَعْمِ أنَّ الصِّيغَةَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الصَّرْفِ والنَّقْلِ، ومَن أجازَ ما ذُكِرَ لَمْ يَحْتَجْ لِلْقَوْلِ بِذَلِكَ.
وفي الكَشْفِ آثَرَ جارُ اللَّهِ أنَّ إحْدى الإماتَتَيْنِ ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ وإطْلاقُها عَلَيْهِ مِن بابِ المَجازِ وهو مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ، وقَدْ ذُكِرَ وجْهُ التَّجَوُّزِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ يُبَتْنى عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ الإحْياءَ مَعْناهُ جَعْلُ الشَّيْءِ حَيًّا فالمادَّةُ التُّرابِيَّةُ أوِ النُّطْفِيَّةُ إذا أُفِيضَتْ عَلَيْها الحَياةُ صَدَقَ أنَّها صارَتْ ذاتَ حَياةٍ عَلى الحَقِيقَةِ إذْ لا يُحْتاجُ إلى سَبْقِ مَوْتٍ عَلى الحَقِيقَةِ بَلْ إلى سَبْقِ عَدَمِ الحَياةِ فَهُناكَ إحْياءٌ حَقِيقَةً، وأمّا الإماتَةُ فَإنْ جُعِلَ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ التَّقابُلُ المَشْهُورِيُّ اسْتَدْعى المَسْبُوقِيَّةَ بِالحَياةِ فَلا تَصِحُّ الإماتَةُ قَبْلَها حَقِيقَةً، وإنْ جُعِلَ التَّقابُلُ الحَقِيقِيُّ صَحَّتْ، لَكِنَّ الظّاهِرَ في الِاسْتِعْمالِ بِحَسَبِ عُرْفَيِ العَرَبِ والعَجَمِ أنَّهُ مَشْهُورِيٌّ.
انْتَهى.
وأرادَ بِالمَشْهُورِيِّ والحَقِيقِيِّ ما ذَكَرُوهُ في التَّقابُلِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ فَإنَّهم قالُوا: المُتَقابِلانِ بِالعَدَمِ والمَلَكَةِ وهُما أمْرانِ يَكُونُ أحَدُهُما وُجُودِيًّا والآخَرُ عَدَمَ ذَلِكَ الوُجُودِيِّ في مَوْضُوعٍ قابِلٍ لَهُ إنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ بِحَسَبِ شَخْصِهِ في وقْتِ اتِّصافِهِ بِالأمْرِ العَدَمِيِّ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ المَشْهُورانِ كالكَوْسَجِيَّةِ فَإنَّها عَدَمُ اللِّحْيَةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يَكُونَ مُلْتَحِيًا فَإنَّ الصَّبِيَّ لا يُقالُ لَهُ كَوْسَجٌ، وإنِ اعْتُبِرَ قَبُولُهُ أعَمَّ مِن ذَلِكَ بِأنْ لا يُقَيَّدَ بِذَلِكَ الوَقْتِ كَعَدَمِ اللِّحْيَةِ عَنِ الطِّفْلِ أوْ يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ بِحَسَبِ نَوْعِهِ كالعَمى لِلْأكْمَهِ أوْ جِنْسِهِ القَرِيبِ كالعَمى لِلْعَقْرَبِ أوِ البَعِيدِ كَعَدَمِ الحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ عَنِ الجَبَلِ فَإنَّ جِنْسَهُ البَعِيدَ أعْنِي الجِسْمَ الَّذِي هو فَوْقَ الجَمادِ قابِلٌ لِلْحَرَكَةِ الإرادِيَّةِ فَهو العَدَمُ والمَلَكَةُ الحَقِيقِيّانِ لَكِنَّ في بِناءِ اقْتِضاءِ المَسْبُوقِيَّةِ بِالحَياةِ وعَدَمِهِ عَلى ذَلِكَ خَفاءً، وإنَّ ضُمَّ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الماضِي كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ.
ثُمَّ وُجِّهَ تَسَبُّبُ الإماتَةِ مَرَّتَيْنِ والإحْياءِ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ﴾ أنَّهم قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ فَكَفَرُوا وتَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الذُّنُوبِ ما لا يُحْصى لِأنَّ مَن لَمْ يَخْشَ العاقِبَةَ تَخَرَّقَ في المَعاصِي فَلَمّا رَأوُا الإماتَةَ والإحْياءَ قَدْ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمْ عَلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى الإعادَةِ قُدْرَتُهُ عَلى الإنْشاءِ فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها مِن إنْكارِ البَعْثِ وما تَبِعَهُ مِن مَعاصِيهِمْ.
وقالَ السُّدِّيُّ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى إماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ وبِالإحْياءَةِ الأُولى إحْياؤُهم في القَبْرِ لِلسُّؤالِ وبِالإماتَةِ الثّانِيَةِ إماتَتُهم بَعْدَ هَذِهِ الإحْياءَةِ إلى قِيامِ السّاعَةِ وبِالإحْياءَةِ الثّانِيَةِ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ هَذا القائِلَ ثَلاثُ إحْياءاتٍ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُنَزَّلُ أحْيَيْتَنا ثَلاثًا فَإنِ ادَّعى عَدَمَ الِاعْتِدادِ بِالإحْياءَةِ المَعْرُوفَةِ وهي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا لِسُرْعَةِ انْصِرامِها وانْقِطاعِ آثارِها وأحْكامِها لَزِمَهُ أنْ لا يُعْتَدَّ بِالإماتَةِ بَعْدَها.
وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الِانْتِصارِ لَهُ: إنَّ مُرادَ الكُفّارِ مِن هَذا القَوْلِ اعْتِرافُهم بِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا ويُكَذِّبُونَ الأنْبِياءَ حِينَ كانُوا يَدْعُونَهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ لِأنَّ قَوْلَهم هَذا كالجَوابِ عَنِ النِّداءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ ﴾ كَأنَّهم أجابُوا أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعَوْنا وكُنّا نَعْتَقِدُ أنْ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ فالآنَ نَعْتَرِفُ بِالمَوْتَيْنِ والحَياتَيْنِ لِما قاسَيْنا مِن شَدائِدِهِما وأحْوالِهِما فالذَّنْبُ المُعْتَرَفُ بِهِ تَكْذِيبُ البَعْثِ، ولِهَذا جُعِلَ مُرَتَّبًا عَلى القَوْلِ وإنَّما ذَكَرُوا الإماتَتَيْنِ لِيَذْكُرُوا الإحْياءَيْنِ إذْ كِلْتا الحَياتَيْنِ كانَتا مُنْكَرَتَيْنِ عِنْدَهم دُونَ الحَياةِ المَعْرُوفَةِ ومَقامُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرُ مَقامِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ فَإنَّ هَذِهِ كَما سَمِعْتَ لِبَيانِ الإقْرارِ والِاعْتِرافِ مِنهم في الآخِرَةِ بِما أنْكَرُوهُ في الدُّنْيا وتِلْكَ لِبَيانِ الِامْتِنانِ الَّذِي يَسْتَدْعِي شُكْرَ المُنْعِمِ أوْ لِبَيانِ الدَّلائِلِ لِتَصْرِفَهم عَنِ الكُفْرِ.
ويُرَجِّحُ هَذا القَوْلَ أنَّ أمْرَ إطْلاقِ الإماتَةِ عَلى كِلْتا الإماتَتَيْنِ ظاهِرٌ.
وتَعَقَّبَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا قَرِينَةَ في اللَّفْظِ تَدُلُّ عَلى خُرُوجِ الإحْياءِ الأوَّلِ مَعَ أنَّ الإطْلاقَ عَلَيْهِ أظْهَرُ والمُقابَلَةُ تُنادِي عَلى دُخُولِهِ.
ويَكْفِي في الِاعْتِرافِ إثْباتُ إحْياءٍ واحِدٍ مِنهُما غَيْرَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّما قالُوا: ( أحْيَيْتِنا اِثْنَتَيْنِ ) لِأنَّهُما نَوْعانِ إحْياءُ البَعْثِ وإحْياءٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ إحْياءُ البَعْثِ قِسْمانِ إحْياءٌ في القَبْرِ وإحْياءٌ عِنْدَ القِيامِ ولَمْ يَذْكُرْ تَقْسِيمَهُ لِأنَّهم كانُوا مُنْكِرِينَ لِقِسْمَيْهِ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذِكْرَ الإماتَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي في القَبْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّقْسِيمَ مَلْحُوظٌ، والمُرادُ التَّعَدُّدُ الشَّخْصِيُّ لا النَّوْعِيُّ نَعَمْ هَذا يَصْلُحُ تَأْيِيدًا لِما اخْتارَهُ جارُ اللَّهِ، ورُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ مِن أنَّ الإحْياءاتِ وإنْ كانَتْ ثَلاثًا إنَّما سَكَتَ عَنِ الثّانِيَةِ لِأنَّها داخِلَةٌ في إحْياءَةِ البَعْثِ قالَهُ صاحِبُ الكَشْفِ ثُمَّ قالَ: وعَلى هَذا فالإماتَةُ عَلى مُخْتارِ جارِ اللَّهِ إماتَةٌ قَبْلَ الحَياةِ وإماتَةٌ بَعْدَها وطُوِيَتْ إماتَةُ القَبْرِ كَما طُوِيَتْ إحْياءَتُهُ ولَكَ أنْ تَقُولَ إنَّ الإماتَةَ نَوْعٌ واحِدٌ بِخِلافِ الإحْياءِ فَرُوعِيَ التَّعَدُّدُ فِيها شَخْصًا بِخِلافِهِ، وذَكَرَ الإماتَةَ الثّانِيَةَ لِأنَّها مُنْكَرَةٌ عِنْدَهم كالحَياتَيْنِ، ويَجِبُ الِاعْتِرافُ بِها لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّعَدُّدَ في الإحْياءِ شَخْصِيٌّ والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ وجْهٌ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( اِثْنَتَيْنِ ) ظاهِرٌ في المَرَّةِ فَلِذا آثَرَ مَن آثَرَ الوَجْهَ الأوَّلَ وإنْ كانَتِ الإماتَةُ فِيهِ غَيْرَ ظاهِرَةٍ ذَهابًا إلى أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في القُرْآنِ فَتَأمَّلْ.
وقالَ الإمامُ: إنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ عَذابِ القَبْرِ وذَلِكَ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ فَإحْدى المَوْتَتَيْنِ مَشاهَدٌ في الدُّنْيا فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ حَياةٍ أُخْرى في القَبْرِ حَتّى يَصِيرَ المَوْتُ الَّذِي عَقِيبَها مَوْتًا ثانِيًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ حَياةٍ في القَبْرِ، وأطالَ الكَلامَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ والِانْتِصارِ لَهُ، والمُنْصِفُ يَرى أنَّ عَذابَ القَبْرِ ثابِتٌ بِالأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ دُونَ هَذِهِ الآيَةِ لِقِيامِ الوَجْهِ المَرْوِيِّ عَمَّنْ سَمِعْتَ أوَّلًا فِيها، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ الوَجْهُ لَكِنِّي أظُنُّ أنَّ اخْتِيارَ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ لِدَسِيسَةٍ اعْتِزالِيَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في الآيَةِ أُرِيدَ إحْياؤُهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ إماتَتُهم بَعْدُ ثُمَّ إحْياؤُهم في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم ثُمَّ إحْياؤُهم وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ الإحْياءاتِ ثَلاثٌ، وقَدْ أطْلَقَ فِيهِ الإحْياءَ الثّالِثَ والأغْلَبُ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ عَنى بِهِ إحْياءَ البَعْثِ، وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ في كَلامِهِمْ مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ ﴾ مُرادٌ بِها التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ فَكَأنَّهم قالُوا: أمَتَّنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وأحْيَيْتَنا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَعَلِمْنا عَظِيمَ قُدْرَتِكَ وأنَّهُ لا يَتَعاصاها الإعادَةُ كَما لا يَتَعاصاها غَيْرُها فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا الَّتِي اقْتَرَفْناها مِن إنْكارِ ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ فَلا عَلَيْكَ أنْ تَعْتَبِرَ المَوْتَ في صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ الإحْياءَ لِأخْذِ العَهْدِ ثُمَّ الإماتَةَ ثُمَّ الإحْياءَ بِنَفْخِ الرُّوحِ في الأرْحامِ ثُمَّ الإماتَةَ عِنْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ في الدُّنْيا ثُمَّ الإحْياءَ في القَبْرِ لِلسُّؤالِ أوْ لِغَيْرِهِ ثُمَّ الإماتَةَ فِيهِ ثُمَّ الإحْياءَ لِلْبَعْثِ ولا يَخْفى أنَّهُ عَلى ما فِيهِ إنَّما يَتِمُّ لَوْ كانَ المَقُولُ أمَتَّنا إماتَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ وأحْيَيْتَنا إحْياءَتَيْنِ أوْ كَرَّتَيْنِ مَثَلًا دُونَ ما في المُنَزَّلِ، فَإنَّ ( اِثْنَتَيْنِ ) فِيهِ وصْفٌ لِإماتَتَيْنِ ولِإحْياءَتَيْنِ وهو دافِعٌ لِاحْتِمالِ إرادَةِ التَّكْثِيرِ كَما قِيلَ في ﴿ إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ وبِناءُ الأمْرِ عَلى أنَّ العَدَدَ لا مَفْهُومَ لَهُ لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، ومِن غَرائِبِ ما قِيلَ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ الكافِرَ في الدُّنْيا حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ فاعْتُبِرَتِ الحالَتانِ فَهُناكَ إماتَةٌ وإحْياءٌ لِلْقَلْبِ والجَسَدِ في الدُّنْيا ثُمَّ إماتَتُهم عِنْدَ انْقِضاءِ الآجالِ ثُمَّ إحْياؤُهم لِلْبَعْثِ، ومِثْلُ هَذا يُحْكى لِيُطَّلَعَ عَلى حالِهِ ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ ﴾ أيْ إلى نَوْعِ خُرُوجٍ مِنَ النّارِ أيْ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ سَرِيعٍ أوْ بَطِيءٍ أوْ مِن مَكانٍ مِنها إلى آخَرَ أوْ إلى الدُّنْيا أوْ غَيْرِها ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ فَنَسْلُكُهُ ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ اليَأْسِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ الِاسْتِفْهامَ وإنَّما قالُوهُ مِن فَرْطِ قُنُوطِهِمْ تَعَلُّلًا أوْ تَحَيُّرًا ولِذَلِكَ أُجِيبُوا بِذِكْرِ ما أوْقَعَهم في الهَلاكِ وهو <div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ قال مقاتل والكلبي: لما عاين الكفار النار، ودخلوها، مقتوا أنفسهم أي: لاموا أنفسهم، وغضبوا عليها.
فتقول لهم خزنة جهنم: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ يعني: غضب الله عليكم، وسخطه، أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ أي: تجحدون، وتثبتون على الكفر، قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ يعني: كنا نطفاً أمواتاً، وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ يعني: فأحييتنا، ثم أمتنا عند آجالنا، ثم أحييتنا اليوم.
وذكر عن القتبي نحو هذا.
وقال بعضهم: إحدى الإماتتين يوم الميثاق، حين صيروا إلى صلب آدم، والأخرى في الدنيا عند انقضاء الأجل، وإحدى الإحيائين في بطن الأمهات، والأخرى في القبر.
فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا يعني: أقررنا بشركنا، وظهر لنا أن البعث حق، فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ يعني: فهل سبيل إلى الخروج من النار.
ويقال: فهل من حيلة إلى الرجوع ذلِكُمْ يعني: يقال لهم ذلك الخلود بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ يعني: إذا قيل لكم لا إله إلا الله جحدتم، وأقمتم على الكفر، وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا يعني: إذا دعيتم إلى الشرك، وعبادة الأوثان، تصدقوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ يعني: القضاء فيكم لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ أي: الرفيع فوق خلقه، القاهر لخلقه، الْكَبِيرِ بالقدرة، والمنزلة.
<div class="verse-tafsir"
- رحمه الله-: ومِنْ مكائد الشيطان أن يَشْغَلَكَ [في الصلاة بفكر الآخرة وتدبيرِ فِعْلِ الخيرات لتمتنعَ عن فَهْمِ ما تقرأه، واعلم أَنَّ كلَّ ما أشغلك] «١» عن معاني قراءتك فهو وسواس فإنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة بل المقصود معانيها، انتهى من «الإحياء» .
وروي عن مجاهد «٢» : أَنَّ الله تعالى لما خلق الجَنَّةَ، وأتقن حُسْنَها قال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ثم وصف تعالى هؤلاء المفلحين: فقال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ والخشوع التطامُنُ، وسكونُ الأعضاءِ، والوقارُ، وهذا إنَّما يظهر في الأعضاء مِمَّنْ في قلبه خوف واستكانة لأَنَّه إذا خشع قلبُه خشعت جوارِحُه، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أَنَّ المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم يُمْنَةً ويُسْرَةً فنزلت هذه الآيةُ، وأُمِرُوا أن يكون [بصرٍ] «٣» المُصَلِّي حِذَاءَ قِبْلَتِه أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة، واللَّغْوِ: سقط القول، وهذا يَعُمُّ جميع ما لا خيرَ فيه، ويجمع آداب الشرع، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، أي:
يُعْرِضُونَ عن اللغو، وكأنَّ الآية فيها موادعة.
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ذهب الطبريُّ «٤» وغيره إلى: أَنَّها الزكاة المفروضة في الأموال، وهذا بَيِّنٌ، ويحتمل اللفظُ أَن يريد بالزكاة: الفضائلَ، كأنه أراد الأزكى من كل فعل كما قال تعالى: خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف: ٨١] .
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلى قوله: هُمُ العادُونَ يقتضي تحريمَ الزِّنا والاستمناءِ ومواقعةِ البهائم، وكُلُّ ذلك داخل في قوله: وَراءَ ذلِكَ ويريد:
وراءَ هذا الحَدِّ الذي حُدَّ، والعادي: الظالم، والأمانة والعهد يَجْمَعُ كُلَّ ما تحمَّله الإنسان من أمر دينه ودُنياه قولاً وفعلاً.
وهذا يعمُّ معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك، ورعاية ذلك حِفْظُهُ والقيام به، والأمانة أعمُّ من العهد إذ كل عهد فهو أمانة، وقرأ الجمهور:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَأوْا أعْمالَهم وأُدْخِلُوا النّارَ مَقَتُوا أنْفُسَهم لِسُوءِ فِعْلِهِمْ، فَناداهم مُنادٍ: لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا ﴿ إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُونَ في النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ وقَدْ فَسَّرْناهُ هُنالِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ ﴾ أيْ: مِنَ النّارِ إلى الدُّنْيا لِنَعْمَلَ بِالطّاعَةِ ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ ؟
وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأجِيبُوا أنْ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ؛ وقِيلَ لَهُمْ: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ يَعْنِي العَذابَ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ ﴿ بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ ﴾ أيْ: إذا قِيلَ "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ" أنْكَرْتُمْ، وإنْ جُعِلَ لَهُ شَرِيكٌ آَمَنتُمْ، ﴿ فالحُكْمُ لِلَّهِ ﴾ فَهو الَّذِي حَكَمَ عَلى المُشْرِكِينَ بِالنّارِ.
وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ [البَقَرَةِ: ٢٥٥] مَعْنى العَلِيِّ، وُفي [الرَّعْدِ: ٩] مَعْنى الكَبِيرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ ﴾ ﴿ ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِحالِ الكَفَرَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَقِبَ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَبِينَ الفَرْقُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الحالَ تَكُونُ لِلْكُفّارِ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ؛ فَإنَّهم إذا أُدْخِلُوا فِيها مَقَتُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: مَقَتَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَمْقُتَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، فَإنَّ العِبارَةَ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، و"المَقْتُ" هو احْتِقارٌ وبُغْضٌ عن ذَنْبٍ ورِيبَةٍ، هَذا حَدُّهُ، وإذا مَقَتَ الكُفّارُ أنْفُسَهم نادَتْهم مَلائِكَةُ العَذابِ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَقَتُ اللهِ إيّاكم في الدُنْيا - إذْ كُنْتُمْ تَدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ - أكْثَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ، هَذا هو مَعْنى الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
وأضافَ تَعالى المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمَقْتُ اللهِ ﴾ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ القَوْلَ يَقْتَضِيهِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَمَقْتُ]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ أو لامَ القَسَمِ، وهو أصْوَبُ.
و[أكْبَرُ] خَبَرُ الِابْتِداءِ.
والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "مَقَتَكم إذْ"، وقَدَّرَهُ قَوْمٌ: "اذْكُرُوا إذْ"، وذَلِكَ ضَعِيفٌ يَحُلُّ رَبْطَ الكَلامِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ مَقْتَ اللهِ لَهم هو في الآخِرَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، فَيَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ المُضْمَرُ: "اذْكُرُوا"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَقْتُ" لِأنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ قَدْ حالَ بَيْنَ "المَقْتِ" و"إذْ"، إذْ هي في صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: أرادُوا بِمَوْتِهِمْ كَوْنَهم ماءً في الأصْلابِ، ثُمَّ أحْياءَهم في الدُنْيا، ثُمَّ إماتَتَهُمُ المَوْتَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ إحْياءَهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا وهي كالَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وقْتَ أخْذِهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أحْياهم في الدُنْيا، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ الإحْياءَ فِيهِ ثَلاثُ مَرّاتٍ.
وقالَ السُدِّيُّ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم في الدُنْيا ثُمَّ أماتَهُمْ، تَمَّ أحْياهم في القُبُورِ وقْتَ سُؤالِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ ثُمَّ أماتَهم فِيهِ، ثُمَّ أحْياهم في الحَشْرِ.
وهَذا أيْضًا يَدْخُلُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي في القَوْلِ قَبْلَهُ، والأوَّلُ أثْبَتُ الأقْوالِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أرادُوا أنَّ الكافِرَ في الدُنْيا هو حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ، فَكَأنَّ حالَهم في الدُنْيا جَمَعَتْ إحْياءً وإماتَةً، ثُمَّ أماتَهم حَقِيقَةً، ثُمَّ أحْياهم بِالبَعْثِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والخِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ مَقُولٌ كُلُّهُ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ مِنها أنَّ مَعْناها مُنْقَطِعٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الآيَتانِ مُتَّصِلَتا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ كُفْرَهم في الدُنْيا كانَ أيْضًا بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا حَشْرَ ولا عَذابَ، ومَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما عَظَّمَهُ، لِأنَّ هَذا المُعْتَقَدَ كَذِبُهُمْ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَقَتَهم لِأنْفُسِهِمْ ورَأوا خِزْيًا طَوِيلًا عَرِيضًا، رَجَعُوا إلى المَعْنى الَّذِي كانَ كُفْرُهم بِهِ وهو البَعْثُ، وخَرَجَ الوُجُودُ مُقْتَرِنًا بِعَذابِهِمْ، فَأقَرُّوا بِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: كُنّا قَدْ كَفْرَنا بِإنْكارِنا البَعْثَ، ونَحْنُ اليَوْمُ نُقِرُّ أنَّكَ أحْيَيْتِنا اثْنَتَيْنِ وأمَتَّنا اثْنَتَيْنِ، كَأنَّهم قَصَدُوا تَعْظِيمَ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِرْضاءَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا عَقِبَ هَذا الإقْرارِ طَمَعًا مِنهُمْ، فَها نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِنا، فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ؟
وهَذا كَما تُكَلِّفُ إنْسانًا أنْ يُقِرَّ لَكَ بِحَقٍّ وهو يُنْكِرُ، فَإذا رَأى الغَلَبَةَ وصُرِعَ، أقَرَّ بِذَلِكَ الأمْرَ مُتَمَّمًا أوفى مِمّا كُنْتَ تَطْلُبُهُ بِهِ أوَّلًا، وفِيما بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ "فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ" ﴾ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: لا إسْعافَ لِطَلَبَتِكُمْ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ الرَدِّ والزَجْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم بِأنَّهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أو إلى المَنعِ والزَجْرِ والإهانَةِ الَّتِي قُلْنا إنَّها مَقَدَّرَةٌ مَحْذُوفَةُ الذِكْرِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِ اللهِ تَعالى إيّاهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ بِـ"ذَلِكُمْ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ فى الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ عامَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ ﴾ مَعْناهُ: بِحالَةِ تَوْحِيدٍ ونَفْيٍ لِما سِواهُ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾ أيْ: إذا ذُكِرَتِ اللاتُ والعُزّى وغَيْرُهُما صَدَّقْتُمْ واسْتَقَرَّتْ نُفُوسُكُمْ، فالحُكْمُ اليَوْمَ بِعَذابِكم وتَخْلِيدِكم في النارِ لِلَّهِ لا لِتِلْكَ الَّتِي كُنْتُمْ تُشْرِكُونَها مَعَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، و"العَلِيِّ الكَبِيرِ" صِفَتا مَدْحٍ لا في المَكانِ ومُضادَّةِ السُفْلِ والصِغَرِ.
<div class="verse-tafsir"
جواب عن النداء الذي نودوا به من قِبل الله تعالى فحكي مقالهم على طريقة حكاية المحاورات بحذف حرف العطف، طمعوا أن يكون اعترافهم بذنوبهم وسيلة إلى منحهم خروجاً من العذاب خروجاً مَّا ليستريحوا منه ولو بعضَ الزمن، وذلك لأن النداء الموجه إليهم من قبل الله أوهمهم أن فيه إقبالاً عليهم.
والمقصود من الاعتراف هو اعترافهم بالحياة الثانية لأنهم كانوا ينكرونها وأما الموتتان والحياة الأولى فإنما ذُكِرْن إِدماجاً للاسْتدلال في صُلب الاعتراف تزلفاً منهم، أي أيقَنَّا أن الحياة الثانية حق وذلك تعريض بأن إقرارهم صدق لا مواربة فيه ولا تصنع لأنه حاصل عن دليل، ولذلك جعل مسبباً على هذا الكلام بعطفه بفاء السببية في قوله: ﴿ فاعترفنا بذُنُوبنا ﴾ .
والمراد بإحدى الموتتين: الحالةُ التي يكون بها الجنين لَحْماً لا حياة فيه في أول تكوينه قبل أن يُنفخ فيه الروح، وإطلاق الموت على تلك الحالة مجاز وهو مختار الزمخشري والسكاكي بناء على أن حقيقة الموت انعدام الحياة من الحي بعد أن اتصف بالحياة، فإطلاقه على حالة إنعدام الحياة قبلَ حصولها فيه استعارةٌ، إلا أنها شائعة في القرآن حتى ساوت الحقيقة فلا إشكال في استعمال ﴿ أمتنا ﴾ في حقيقته ومجازه، ففي ذلك الفعل جمع بين الحقيقة والاستعارة التبعية تبعاً لِجريان الاستعارة في المصدر، ولا مانع من ذلك لأنه واقع ووارد في الكلام البليغ كاستعمال المشترككِ في معنييه، والذين لا يرون تقييد مدلول الموت بأن يكون حاصلاً بعد الحياة يكون إطلاق الموت على حالة ما قبل الاتصاف بالحياة عندهم واضحاً، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ في سورة [البقرة: 28]، على أن إطلاق الموت على الحالة التي قبل نفخ الروح في هذه الآية أسوغ لأن فيه تغليباً للموتة الثانية.
وأما الموتة الثانية فهي الموتة المتعارفة عند انتهاء حياة الإنسان والحيوان.
والمراد بالاحياءتَيْن: الاحياءة الأولى عند نفخ الروح في الجسد بعد مبدأ تكوينه، والإِحياءة الثانية التي تحصل عند البعث، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ﴾ [البقرة: 28].
وانتصب ﴿ اثنتين ﴾ في الموضعين على الصفة لمفعول مطلق محذوف.
والتقدير: موتتين اثنتين وإحياءتَيْن اثنتين فيجيء في تقدير موتتين تغليب الاسم الحقيقي على الاسم المجازي عند من يُقيِّد معنى الموت.
وقد أورد كثير من المفسرين إشكال أن هنالك حياةً ثالثة لم تذكر هنا وهي الحياةُ في القبر التي أشار إليها حديث سؤال القَبر وهو حديث اشتهر بين المسلمين من عهد السلف، وفي كون سؤال القبر يقتضي حياة الجسم حياة كاملة احتمال، وقد يُتأول بسؤال روح الميت عِند جسده أو بحصول حياة بعض الجسد أو لأنها لما كانت حياة مؤقتة بمقدار السؤال ليس للمتصف بها تصرف الإِحياء في هذا العالم، لم يعتد بها لاسيما والكلام مراد منه التوطئة لسؤال خروجهم من جهنم، وبهذا يعلم أن الآية بمعزل عن أن يستدل بها لثبوت الحياة عند السؤال في القبر.
وتفرع قولهم: ﴿ فاعترفنا بذُنُوبنا ﴾ على قولهم: ﴿ وأحييتنا اثنتين ﴾ اعتبار أن إحدى الإِحياءتين كانت السبب في تحقق ذنوبهم التي من أصولها إنكارهم البعث فلما رأوا البعث رأي العين أيقنوا بأنهم مذنبون إذ أنكروه ومذنبون بما استكثروه من الذنوب لاغترارهم بالأمن من المؤاخذة عليهم بعد الحياة العاجلة.
فجملة ﴿ فاعترفنا بذُنُوبنا ﴾ إنشاء إقرار بالذنوب ولذلك جيء فيه بالفعل الماضي كما هو غالب صيغ الخبر المستعمل في الإِنشاء مثل صيغ العقود نحو: بعتُ.
والمعنى: نعترف بذنوبنا.
وجعلوا هذا الاعتراف ضرباً من التوبة توهماً منهم أن التوبة تنفع يومئذٍ، فلذلك فرعوا عليه: ﴿ فَهَل إلى خُرُوج مِن سبيل ﴾ ، فالاستفهام مستعمل في العَرض والاستعطاف كلياً لرفع العذاب، وقَد تكرر في القرآن حكاية سؤال أهل النار الخروجَ أو التخفيف ولو يوماً.
والاستفهام بحرف ﴿ هَل ﴾ مستعمل في الاستعطاف.
وحرف ﴿ مِن ﴾ زائد لتوكيد العموم الذي في النكرة ليفيد تطلبهم كل سبيل للخروج وشأن زيادة ﴿ مِن ﴾ أن تكُون في النفي وما في معناه دون الاثبات.
وقد عُدّ الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ خاصة من مواقع زيادة ﴿ مِن ﴾ لتوكيد العموم كقوله تعالى: ﴿ وتقول هل من مزيد ﴾ [ق: 30]، وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا ﴾ في سورة [الأعراف: 53]، وأن وجه اختصاص وتنكير خروج للنَّوعية تلطفاً في السؤال، أي إلى شيء من الخروج قليللٍ أو كثير لأن كل خروج يتنفعون به راحةٌ من العذاب كقولهم: ﴿ ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب ﴾ [غافر: 49].
والسبيل: الطريق واستعير إلى الوسيلة التي يحصل بها الأمر المرغوب، وكثُر تصرف الاستعمال في إطلاقات السبيل والطريق والمسلك والبلوغ على الوسيلة وبحصول المقصود.
وتنكير ﴿ سبيل ﴾ كتنكير ﴿ خروج ﴾ أي من وسيلة كيف كانت بحق أو بعفو بتخفيف أو غير ذلك.
قال في «الكشاف» «وهذا كلامُ من غلب عليه اليأس والقنوط» يريد أَنَّ في اقتناعهم بخروج مَّا دلالة على أنهم يستبعدون حُصول الخروج.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يُنادَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يُنادَوْنَ في النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمَقْتُ اللَّهِ بِكم في الدُّنْيا إذا دُعِيتُمْ إلى الإيمانِ فَكَفَرْتُمْ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم لِأنْفُسِكم في الآخِرَةِ حِينَ عايَنْتُمُ العَذابَ وعَلِمْتُمْ أنَّكم مِن أهْلِ النّارِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: مَعْناهُ: إنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَكم إذْ عَصَيْتُمُوهُ أكْبَرُ مِن مَقْتِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ حِينَ عَلِمْتُمْ أنَّهم أضَلُّوكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَمْقَتُوا أنْفُسَهُمْ؟
فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أحَلُّوها بِالذُّنُوبِ مَحِلَّ المَمْقُوتِ.
الثّانِي: أنَّهم لَمّا صارُوا إلى حالٍ زالَ عَنْهُمُ الهَوى وعَلِمُوا أنَّ نُفُوسَهم هي الَّتِي أوْبَقَتْهم في المَعاصِي مَقَتُوها.
وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿ لَمَقْتُ اللَّهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها لامُ الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِمْ لَزَيْدٌ أفْضَلُ مِن عَمْرٍو، قالَهُ البِصْرِيُّونَ.
الثّانِي: أنَّها لامُ اليَمِينِ تَدْخُلُ عَلى الحِكايَةِ وما ضارَعَها، قالَهُ ثَعْلَبٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَهم أمْواتًا في أصْلابِ آبائِهِمْ، ثُمَّ أحْياهم بِإخْراجِهِمْ ثُمَّ أماتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، ثُمَّ أحْياهم لِلْبَعْثِ، فَهُما مَيْتَتانِ إحْداهُما في أصْلابِ الرِّجالِ، الثّانِيَةُ في الدُّنْيا، وحَياتانِ: إحْداهُما في الدُّنْيا والثّانِيَةُ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أحْياهم حِينَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في ظَهْرِ آدَمَ بِقَوْلِهِ ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ الآيَةَ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أماتَهم بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أحْياهم حِينَ أخْرَجَهم، ثُمَّ أماتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، ثُمَّ أحْياهم لِلْبَعْثِ فَتَكُونُ حَياتانِ ومَوْتَتانِ في الدُّنْيا وحَياةٌ في الآخِرَةِ، قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ أحْياهم حِينَ خَلَقَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ أماتَهم فِيها عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ، ثُمَّ أحْياهم في قُبُورِهِمْ لِلْمُساءَلَةِ، ثُمَّ أماتَهم إلى وقْتِ البَعْثِ.
ثُمَّ أحْياهم لِلْعَبْثِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا ﴾ أنْكَرُوا البَعْثَ في الدُّنْيا وأنْ يَحْيَوْا بَعْدَ المَوْتِ، ثُمَّ اعْتَرَفُوا في الآخِرَةِ بِحَياتَيْنِ بَعْدَ مَوْتَتَيْنِ.
﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَهَلْ طَرِيقٌ نَرْجِعُ فِيها إلى الدُّنْيا فَنُقِرُّ بِالبَعْثِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
الثّانِي: فَهَلْ عَمَلٌ نَخْرُجُ بِهِ مِنَ النّارِ، ونَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ العَذابِ؟
قالَهُ الحَسَنُ.
وَفِي الكَلامِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: لا سَبِيلَ إلى الخُرُوجِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللَّهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ ﴾ أيْ كَفَرْتُمْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.
﴿ وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ تُصَدِّقُوا مَن أشْرَكَ بِهِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: تُؤْمِنُوا بِالأوْثانِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
﴿ فالحُكْمُ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي في مُجازاةِ الكُفّارِ وعِقابِ العُصاةِ.
﴿ العَلِيِّ الكَبِيرِ ﴾ إنَّما جازَ وصْفُهُ بِأنَّهُ عَلِيٌّ ولَمْ تَجُزْ صِفَتُهُ بِأنَّهُ رَفِيعٌ لِأنَّها صِفَةٌ قَدْ تُنْقَلُ مِن عُلُوِّ المَكانِ إلى عُلُوِّ الشَّأْنِ والرَّفِيعُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في ارْتِفاعِ المَكانِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ قال: هي مثل التي في البقرة ﴿ كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ﴾ [ البقرة: 28] كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم ثم أخرجهم فأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم بعد الموت.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ قال: كنتم أمواتاً قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة فهما ميتتان وحياتان.
فهو كقوله: ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ﴾ [ البقرة: 28] .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك رضي الله عنه قال: كانوا أمواتاً فأحياهم الله تعالى، فأماتهم، ثم يحييهم الله تعالى يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ قال: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة.
فهما حياتان وموتتان ﴿ فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟
﴾ فهل إلى كرة إلى الدنيا من سبيل.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ هذه الآية كقوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [البقرة: 28] فالموتة الأولى عبارة عن كونهم عدماً، أو كونهم في الأصلاب، أو في الأرحام، والمؤتة الثانية الموت المعروف، والحياة الأولى حياة الدنيا، والحياة الثانية حياة البعث في القيامة.
وقيل: الحياة الأولى حياة الدنيا، والثانية: الحياة في القبر، والموتة الأولى الموت المعروف، والموتة الثانية بعد حياة القبر، وهذا قول فاسد لأنه لابد من الحياة للبعث فتجيء الحياة ثلاثة مرات.
فإن قيل: كيف اتصال قولهم أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين بما قبله؟
فالجواب: أنهم كانوا في الدنيا يكفرون بالبعث، فلما دخلوا النار مقتوا أنفسهم على ذلك، فأقروا به حينئذ ليرضوا الله بإقرارهم، حينئذ فقولهم: ﴿ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ إقرار بالبعث على أكمل الوجوه، طمعاً منه أن يخرجوا عن المقت الذي مقتهم الله؛ إذ كانوا يدعون إلى الإسلام فيكفرون ﴿ فاعترفنا بِذُنُوبِنَا ﴾ الفاء هنا رابطة معناها التسبب، فإن قيل: كيف يكون قولهم: ﴿ أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ سبباً لاعترافهم بالذنوب؟
فالجواب أنهم كانوا كافرين بالبعث، فلمّا رأوا الإماتة والإحياء قد تكرر عليهم، علموا أن الله قادر على البعث فاعترفوا بذنوبهم، وهي إنكار البعث، وما أوجب لهم إنكاره من المعاصي، فإن من لم يؤمن بالآخرة لا يبالي بالوقوع في المعاصي.
﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ﴾ الباء سببية للتعليل، والإشارة بذلكم يحتمل أن تكون للعذاب الذي هم فيه، أو إلى مقت ألله لهم أو مقتهم لأنفسهم، والأحسن أن تكون إشارة إلى ما يقتضيه سياق الكلام وذلك أنهم لما قالوا: ﴿ فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴾ ، كأنهم قيل لهم: لا سبيل إلى الخروج، فالإشارة بقوله: ﴿ ذَلِكُم ﴾ إلى عدم خروجهم من النار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".
﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.
﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.
الباقون ﴿ منهم ﴾ .
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.
التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.
وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.
وروي أن أعرابياً قال للنبي : ما حم؟
فقال: أسماء وفواتح سور.
وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".
ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.
﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".
ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.
وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.
وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.
ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟
فيه بحث أيضاً للفريقين.
فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.
والظاهر أن التوب مصدر.
وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.
وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.
فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.
وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.
وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.
وهذا ما قاله صاحب الكشاف.
وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.
قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.
وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.
ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.
فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.
ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.
ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.
وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.
وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.
وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.
ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.
وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.
روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.
وروي عن النبي "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.
وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.
أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.
وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.
سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟
أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.
وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.
واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.
وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.
وإن شئت فتأمل قوله ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.
على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟
وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.
وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.
قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟
وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟
وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.
قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.
احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.
لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.
وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.
وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.
وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.
قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.
قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.
وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.
قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.
ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.
قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.
ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.
واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.
وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.
وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.
قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.
ثم إنه عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.
وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.
أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.
وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.
وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.
ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.
الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.
الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.
فلعل المعنى.
لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.
وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.
أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.
والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.
قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.
قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.
وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.
أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.
وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.
وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.
وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.
وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.
وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.
فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.
وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.
ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.
وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله أعلم بمراده.
وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.
وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.
قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.
ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.
ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.
ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.
أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.
وأما على الثاني فلا ريب أنه أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.
واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.
أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.
وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.
وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.
وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.
ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.
فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب : لمن الملك اليوم؟
فلا يجيبه أحد.
فهو يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.
وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟
فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.
وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟
فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله وقال: لك الملك لا لي.
فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.
ومما يدل على تفرده قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.
ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.
قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.
وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.
وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.
والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.
وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.
وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.
وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.
والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.
وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.
قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.
قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.
وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.
ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.
قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.
وقيل: الوسوسة.
وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.
أقول: والحاصل أنه أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.
ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.
وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.
ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .
التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.
ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.
﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ .
قد ذكرنا في غير موضع أن التسبيح بحمد ربهم هو الثناء عليه، والحمد له بالتبرئة والتنزيه عن جميع أوصاف الخلق ومعانيهم، [و] عن جميع ما قال الملاحدة فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
هذه أرجى آية للمؤمنين، والآيات التي فيها استغفار الرسل للمؤمنين من نحو قول نوح - - حيث قال: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ ﴾ وقول إبراهيم - -: ﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾ ، وما أمر الله رسوله أن يستغفر لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات إنما هو في الذنوب التي ليس له أن يعذبهم عليها، وهي الصغائر، وليس له أن يغفر الكبائر، ويستدل على ذلك بقوله: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ ، إنما أمره أن يستغفر للذي تاب، فأما من لم يتب، ولم يأمره بالاستغفار، فيجب القول بما قلنا؛ عملا بالآيتين.
لكن نقول نحن: إنه لو كان استغفاره لمن ذكر خاصة لأصحاب الصغائر على ما قالوا، يصير كأنه أمر النبي - - أن يستغفر لهم، ولا يحزن عليهم؛ إذ هم مغفور ذنبهم؛ فيحصل قولهم على ما ذكرنا، وذلك وخش من القول، والله أعلم.
ثم يجيء أن يكون المعتزلة والخوارج في الظاهر أبعد الخلائق من المعاصي وأقربهم إلى الطاعات، ونحن أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم عن الطاعات؛ لأنهم لا يرون النجاة إلا بأعمالهم ولا يرون برحمة الله، ولا بشفاعة أحد، ولكن بأعمالهم؛ فيجب أن يكونوا أبداً متكلين ملازمين على الطاعات في كل وقت وساعة، لا يعصون الله طرفة عين، ونحن لم نر النجاة بالأعمال، ولكن إنما نرى ذلك برحمة الله ، وبشفاعة من ارتضى بشفاعته؛ فيجب أن نكون معتمدين على رحمة الله وفضله غير مشتغلين بشيء من الطاعات.
ثم في الحقيقة يجب أن يكونوا هم أقرب الخلائق إلى المعاصي وأبعدهم من الطاعات، ونحن ألزم الخلائق بالطاعات وأبعدهم من المعاصي؛ لأنا نرى عند الله لطائف وفواضل باقية، لم يعطنا ما لو أعطانا لم يصدر منا إلا الخير والطاعات؛ وسلمنا عن المعاصي وأنواع الشرور، وعصمنا؛ فيجب أن نكون متكلين على الطاعات؛ لنصل إلى تلك اللطائف، وهم لا يرون بقي عنده شيء من اللطائف، بل يقولون: قد أعطانا كل شيء حتى لم يبق عنده شيء من مصالح الدين؛ فيجب أن يكونوا ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم قولنا: إن الله ينجينا برحمته وبشفاعة من جعل له الشفاعة لا بأعمالنا، وعلى ذلك روي في الخبر عن النبي قال: "لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟!
قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، والمعتزلة يقولون: لا، بل ندخل بأعمالنا، وكذلك قول الخوارج.
وأصل قولنا: إن لله - عز وجل - أن يعذب عباده على جميع المعاصي: على الصغائر والكبائر جميعاً، وله أن يغفر جميع المعاصي سوى الشرك والكفر، على ما ذكرنا من دلائل الآيات وغيرها.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ .
قوله: ﴿ وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً ﴾ فرحمة الدنيا يدخل فيها الكافر والمؤمن جميعاً، فأما رحمة الآخرة، فهي للمؤمنين خاصة، هو كما ذكر في قصة موسى - - حيث قال: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ...
﴾ الآية [الأعراف: 156]، وكقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، كأنه يقول: قل هي للذين آمنوا، والذين لم يؤمنوا، ثم هي خالصة للذين آمنوا يوم القيامة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً ﴾ هي رحمة الدنيا: المؤمن والكافر جميعا في تلك، فأما رحمة الآخرة ليست إلا للذين آمنوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَعِلْماً ﴾ أي: علم ما فيها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ من الشرك، ﴿ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ أي: دينك، [و] هو الإسلام.
والثاني: أي: فاغفر للذين تابوا عن الكبائر والفواحش ﴿ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ ﴾ أي: طاعتك.
والثالث: ﴿ فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ عن جميع المعاصي صغائر أو كبائر واتبعوا طاعتك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ظاهر.
ثم قوله: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً ﴾ .
لا يمكن العمل بها على قول المعتزلة؛ لأن رحمة الله عندهم لا تسع لذنب واحد، فإنه ليس له أن يعفو عنه؛ فإن عندهم أن من ارتكب كبيرة، ليس له أن يرحمه، ولكن يعاقبه - على زعمهم - خالدا مخلدا، وإذا كان [هذا] قولهم ومذهبهم، فليست رحمته بواسعة بزعمهم.
ثم يقولون - أيضاً -: إن الله قد هدى كل كافر وأعطاه ما يهتدي به، لكنه لم يهتد به، وأنه لم يبق عنده ما يهديه به؛ فعلى هذا القول رحمته لا تتسع لهداية الكافر، فإذن رحمة الله بزعمهم على خلاف ما ذكر الله ووصفها بالسعة، والله الموفق.
وأما عندنا فهو ما ذكرنا من جمع الكل في ذلك؛ لما ذكرنا أن تلك الرحمة هي الرحمة الدنيوية، أو ما ذكرنا من كون اللطائف عنده من أعطاها اهتدى، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن الوعد كان منه لجملة المؤمنين، فسألوا أن يدخل قوم على الإشارة والتيقين في جملة ذلك الوعد؛ لاحتمال خصوص في الجملة، والله أعلم.
والثاني: سألوه أن يجيبهم على الأسباب والأعمال التي يستوجبون ذلك، والله أعلم.
والثالث: يجوز أن يكون الوعد لهم بشرط الذي سألوه، والله عالم في الأزل: أنه يوجد ذلك الشرط وهو سؤالهم؛ فيكون لهم ذلك الوعد، ومثل ذلك جائز، قال الله : ﴿ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ إنما يعذبهم بسؤال هؤلاء على ذلك كان: إنما تقديره: أنه لا يعذبهم إذا سألوا، وعلم أنهم سألوا؛ وعلى ذلك الحديث الوارد: أن الصدقة تزيد في العمر، جرى تقديره [في] الأزل أنه يوجد منه الصدقة، فيكون عمره زائداً؛ على ما لو علم أنه لا يتصدق، وإنما لا يجوز التعليق بالشرط في حق الله على نحو ما يكون في حق العباد أن يوجد عند وجود الشرط، ولا يوجد عند عدمه، ولا علم لهم بعاقبة ذلك، والله عالم بالعواقب، فمتى علق بشرط كان ذلك منه في الأزل حكما على أن يوجد مع ذلك الشرط لا محالة، لما علم وجود ذلك الشرط مع علمه أنه لو لم يكن ذلك الشرط كيف كان، والله الموفق.
أما ظاهر الآية أنه إذا وعدها لهم، لأدخلها لا محالة فيها؛ فلا معنى للسؤال في ذلك لما يخرج السؤال في مثله مخرج السؤال في تصديق الوعد والامتناع عن الخلف، ولكن الآية تخرج على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَمَن صَـلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ...
﴾ الآية.
سألوه أيضاً إدخال هؤلاء في ذلك الوعد أيضاً على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَقِهِمُ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .
هذا يحتمل أنهم سألوا أن يقيهم في الآخرة أموراً تسوءهم من الأهوال والأفزاع، وغير ذلك من العذاب.
ويحتمل في الدنيا أمر الشرك وغيره؛ يدل عليه قوله: ﴿ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ﴾ أي: ومن تق السيئات في الدنيا، فقد رحمته يومئذ ﴿ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ...
﴾ الآية.
ذكر أن أهل النار إذا دخلوا النار وعاينوا ما أنكروا من البعث والعذاب، فجعل كل إنسان منهم يمقت نفسه، ويلومها، فينادون: لمقت الله إياكم أكبر مما أوجب عليكم من اللعن، والنقمة أكبر مما تمقتون به أنفسكم وأشد؛ هذا وجه، [ووجه] آخر: جائز أن يقال لهم: إن الواجب عليكم أن تروا مقت الله إياكم وقت ارتكابكم العصيان وعند تعاطيكم ما تعاطيتم أكبر وأشد من مقتكم العذاب ودخولكم النار؛ لأنكم إن رأيتم مقت الله إياكم عند ارتكابكم ما ارتكبتم أنه ينزل بكم، لزجركم ومنعكم عن ارتكاب ذلك وتعاطيه، وحملكم على إيثار ما دعيتم إليه.
من التوحيد لله والإيمان به، والله أعلم.
وعلى هذين التأولين يرجع تأويل قوله: ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ .
أحدهما: أن ذكر الله إياكم بالرحمة والمغفرة أكبر وأعظم من ذكركم إياه، وصلواتكم وعبادتكم له.
والثاني: أن ذكر نفس نهي الله إياكم عن المعاصي وقت ارتكابها أكبر - في الرهبة عنها والمنع - من الصلاة نفسها، إن كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ ؛ لما أن الصلاة فيها أعمال تشغل عن ذكر النهي، والله أعلم.
ثم قوله : ﴿ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أي: مقت بعضكم بعضاً كقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ .
ويحتمل ذلك كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ ﴾ أي: يمقت كل إنسان نفسه؛ لما كان من العصيان والكفر، وإنما احتمل هذين الوجهين؛ لأن المنع لهم من طاعة الله واتباع أمره ونهيه، يكون بأنفسهم، ويكون من بعضهم بعضاً؛ فيكون محتملا لكلا الوجهين، وهو كقوله : ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ : ولا تهلكوا بعضكم ببعض؛ إذ الظاهر أن المرء مع قيام عقله لا يهلك نفسه، ولا يلقيها في التهلكة، وكذا لا يسلم على نفسه.
ويحتمل الظاهر أيضاً أن يسلم على نفسه إذا دخل البيت، ولم يكن معه غيره؛ ولذلك نهي عن إهلاك نفسه عند شدة الغضب، ونحو ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان، وهو قول ابن عباس وابن مسعود فيما أرى، ويقولون [هو] كقوله : ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 28].
وقال بعضهم: قوله: ﴿ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ ﴾ : إحدى الموتتين هي التي تنقضي بها آجالهم، ثم يحييهم في القبر، ثم يميتهم، ثم يحييهم للبعث يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان، وإلى هذا يذهب ابن الراوندي، ويحتج بهذا على عذاب القبر، وهو أشبه وأقرب؛ لأنهم بكونهم في أصلاب آبائهم أمواتا لا يقال: ﴿ أَمَتَّنَا ﴾ وهم كانوا أمواتا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ﴾ .
يحتمل اعترافهم بذنوبهم: هو ما أنكروا في الدنيا قدرة الله على البعث والإحياء بعد الموت والعذاب لهم لما عاينوا ذلك وشاهدوا أقروا به، فإنكارهم ذلك هو ذنبهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ذنوبهم التي اعترفوا بها ما ذكر في سورة ﴿ تَبَارَكَ ﴾ حين قال لهم الخزنة لما ألقوا في النار: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَىٰ قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ ﴾ فيكون اعترافهم بذنوبهم هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ .
قوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ ﴾ أي: ذلك المقت الذي ذكر أو العذاب الذي نزل بكم إنما كان ﴿ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ ، أي: كفرتم بتوحيده، ﴿ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ ﴾ أي: توحيد الله ﴿ تُؤْمِنُواْ ﴾ به، أي: يصدقوا هذه الآية كقوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ فهما بمعنى واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْحُكْمُ للَّهِ ٱلْعَلِـيِّ ٱلْكَبِيرِ ﴾ .
قال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي بن أبي طالب - -: "من هؤلاء؟
قيل: المحكمون، قال قائل: هم القراء، قال - - ليسوا بالقراء، ولكنهم العيابون الخيابون، قال: إنهم يقولون: لا حكم إلا لله، قال علي - -: كلمة حق أريد بها باطل"، وذكر: "عني بها باطل".
<div class="verse-tafsir"
والكفار مُقِرِّين بذنوبهم حين لا ينفع إقرارهم ولا توبتهم: ربنا، أمتَّنا مرتين حيث كنا عدمًا فأوجدتنا، ثم أمَتَّنا بعد ذلك الإيجاد، وأحييتنا مرتين بإيجادنا من العدم، وبإحيائنا للبعث، فاعترفنا بذنوبنا التي اكتسبناها، فهل من طريق نسلكه إلى خروج من النار فنعود إلى الحياة لنصلح أعمالنا، فترضى عنا؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.MXo5j"