الآية ١٨ من سورة غافر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ١٨ من سورة غافر

وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْـَٔازِفَةِ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَـٰظِمِينَ ۚ مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍۢ وَلَا شَفِيعٍۢ يُطَاعُ ١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨ من سورة غافر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يوم الآزفة هو : اسم من أسماء يوم القيامة ، سميت بذلك لاقترابها ، كما قال تعالى : ( أزفت الآزفة .

ليس لها من دون الله كاشفة ) [ النجم : 57 ، 58 ] وقال ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) [ القمر : 1 ] ، وقال ( اقترب للناس حسابهم ) [ الأنبياء : 1 ] وقال ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) [ النحل : 1 ] وقال ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ) [ الملك : 27 ] .

وقوله : ( إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ) [ أي ساكتين ] ، قال قتادة : وقفت القلوب في الحناجر من الخوف ، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها .

وكذا قال عكرمة ، والسدي ، وغير واحد .

ومعنى ) كاظمين ) أي : ساكتين ، لا يتكلم أحد إلا بإذنه ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) [ النبأ : 38 ] .

وقال ابن جريج : ( كاظمين ) أي : باكين .

وقوله : ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) أي : ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ، ولا شفيع يشفع فيهم ، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يقول تعالى ذكره لنبيه: وأنذر يا محمد مشركي قومك يوم الآزفة, يعنى يوم القيامة, أن يوافوا الله فيه بأعمالهم الخبيثة, فيستحقوا من الله عقابه الأليم.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى, وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قول الله: ( يَوْمَ الآزِفَةِ ) قال: يوم القيامة.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) يوم القيامة.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) قال: يوم القيامة.

حدثنا يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله ( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ ) قال: يوم القيامة, وقرأ: أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ .

وقوله: ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) يقول تعالى ذكره: إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله لدى حناجرهم قد شخصت من صدورهم, فتعلقت بحلوقهم كاظميها, يرومون ردّها إلى مواضعها من صدورهم فلا ترجع, ولا هي تخرج من أبدانهم فيموتوا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ ) قال: قد وقعت القلوب في الحناجر من المخافة, فلا هي تخرج ولا تعود إلى أمكنتها.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ) قال: شخصت أفئدتهم عن أمكنتها, فنشبت في حلوقهم, فلم تخرج من أجوافهم فيموتوا, ولم ترجع إلى أمكنتها فتستقرّ.

واختلف أهل العربية في وجه النصب ( كَاظِمِينَ ) فقال بعض نحويِّي البصرة: انتصابه على الحال, كأنه أراد: إذ القلوب لدى الحناجر في هذه الحال.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: الألف واللام بدل من الإضافة, كأنه قال: إذا قلوبهم لدى حناجرهم في حال كظمهم.

وقال آخر منهم: هو نصب على القطع من المعنى الذي يرجع من ذكرهم في القلوب والحناجر, المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين.

قال: فإن شئت جعلت قطعة من الهاء التي في قوله ( وَأَنْذِرْهُمْ ) قال: والأول أجود في العربية, وقد تقدّم بيان وجه ذلك.

وقوله: ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ ) يقول جلّ ثناؤه: ما للكافرين بالله يومئذ من حميم يحم (1) لهم, فيدفع عنهم عظيم ما نـزل بهم من عذاب الله, ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم فيطاع فيما شفع, ويُجاب فيما سأل.

وبنحو الذي قلنا فى ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ ) قال: من يعنيه أمرهم, ولا شفيع لهم.

وقوله: ( يطاع ) صلة للشفيع.

ومعنى الكلام: ما للظالمين من حميم ولا شفيع إذا شفع أطيع فيما شفع, فأجيب وقبلت شفاعته له.

------------------------ الهوامش: (1) في اللسان : حمنى : الأمر وأحمني : أهمني .

وقال الأزهري : أحمني هذا الأمر واحتممت له ، كأنه اهتمام بحميم قريب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأنذرهم يوم الآزفة أي يوم القيامة .

سميت بذلك لأنها قريبة ، إذ كل ما هو آت قريب .

وأزف فلان أي : قرب يأزف أزفا ، قال النابغة :أزف الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قدأي : قرب .

ونظير هذه الآية : أزفت الآزفة أي : قربت الساعة .

وكان بعضهم يتمثل ويقول :أزف الرحيل وليس لي من زاد غير الذنوب لشقوتي ونكاديإذ القلوب لدى الحناجر كاظمين على الحال ، وهو محمول على المعنى .

قال الزجاج : المعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم .

وأجاز الفراء أن يكون التقدير : وأنذرهم كاظمين .

وأجاز رفع كاظمين على أنه خبر للقلوب .

وقال : المعنى إذ هم كاظمون .

وقال الكسائي : يجوز رفع كاظمين على الابتداء .

وقد قيل : إن المراد ب " يوم الآزفة " يوم حضور المنية ، قاله قطرب .

وكذا إذ القلوب لدى الحناجر عند حضور المنية .

والأول أظهر .

وقال قتادة : وقعت في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها ، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة كما قال : وأفئدتهم هواء .

وقيل : هذا إخبار عن نهاية الجزع ، كما قال : وبلغت القلوب الحناجر وأضيف اليوم إلى الآزفة على تقدير : يوم القيامة الآزفة أو يوم المجادلة الآزفة .

وعند الكوفيين هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل مسجد الجامع وصلاة الأولى .

ما للظالمين من حميم أي من قريب ينفع ولا شفيع يطاع فيشفع فيهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ } أي: يوم القيامة التي قد أزفت وقربت، وآن الوصول إلى أهوالها وقلاقلها وزلازلها، { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ } أي: قد ارتفعت وبقيت أفئدتهم هواء، ووصلت القلوب من الروع والكرب إلى الحناجر، شاخصة أبصارهم.

{ كَاظِمِينَ } لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا وكاظمين على ما في قلوبهم من الروع الشديد والمزعجات الهائلة.{ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } أي: قريب ولا صاحب، { وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ } لأن الشفعاء لا يشفعون في الظالم نفسه بالشرك، ولو قدرت شفاعتهم، فالله تعالى لا يرضى شفاعتهم، فلا يقبلها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وأنذرهم يوم الآزفة ) يعني : يوم القيامة ، سميت بذلك ؛ لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب ، نظيره قوله عز وجل : " أزفت الآزفة " ( النجم - 57 ) أي : قربت القيامة ( إذ القلوب لدى الحناجر ) وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر ، فلا هي تعود إلى أماكنها ، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا ، ) ( كاظمين ) مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا ، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حتى يضيق به .

( ما للظالمين من حميم ) قريب ينفعهم ، ( ولا شفيع يطاع ) فيشفع فيهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

(وأنذرهم يوم الآزفة) يوم القيامة من أزف الرحيل: قرب (إذ القلوب) ترتفع خوفا (لدى) عند (الحناجر كاظمين) ممتلئين غما حال من القلوب عوملت بالجمع بالياء والنون معاملة أصحابها (ما للظالمين من حميم) محب (ولا شفيع يطاع) لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلا "" فما لنا من شافعين "" أوله مفهوم بناء على زعمهم أن لهم شفعاء، أي لو شفعوا فرضا لم يقبلوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحذِّر -أيها الرسول- الناس من يوم القيامة القريب، وإن استبعدوه، إذ قلوب العباد مِن مخافة عقاب الله قد ارتفعت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم، وهم ممتلئون غمًّا وحزنًا.

ما للظالمين من قريب ولا صاحب، ولا شفيع يشفع لهم عند ربهم، فيستجاب له.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم يوجه الله - تعالى أمره إلى النبى صلى الله عليه وسلم بأن يحذر كفار قريش من أهوال هذا اليوم فيقول : ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كَاظِمِينَ .

.

) .والآزفة : القيامة .

وأصل معنى الأزفة : القريبة ، وسميت القيامة بذلك لقربها ، يقال : أزف - بزنة فرح - يوم الرحيل : إذا دنا وقرب .والحناجر : جمع حنجرة وهى الحلقوم .وكاظمين : حال من أصحاب القلوب على المعنى .

فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها .وأصل الكظم : الحبس والإِمساك للشئ .

يقال : كظم القربة إذا ملأها بالماء ، وسد فاها ، حتى لا يخرج منها شئ من الماء .والمعنى : وأنذر - أيها الرسول الكريم - الناس ، وحذرهم من أهوال يوم عظيم قريب الوقوع ، هذا اليوم تكون قلوبهم فيه مرتفعة عن مواضعها من صدورهم .

ومتشبثة بحناجرهم ، ويكونون كاظمين عليها وممسكين بها حتى لا يخرج مع أنفساهم .

كما يمسك صاحب القربة فمها لكى لا يتسرب منها الماء .فالآية الكريمة تصوير يديع لما يكون عليه الناس فى هذا اليوم من فزع شديد ، وكرب عظيم .

وخوف ليس بعده خوف .والحديث عن قرب يوم القيامة قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : ( اقتربت الساعة وانشق القمر .

.

) وقوله - سبحانه - ( اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ) والظاهر أن قوله هنا ( يَوْمَ الأزفة ) هو المفعول الثانى للإِنذار ليس ظرفا له .

لأن الإِنذار والتخويف من أهوال يوم القيامة واقع فى دار الدنيا .وقوله : ( إِذِ القلوب ) بدل من يوم الآزفة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت " كاظمين " بم انتصب؟

قلت : هو حال من أصحاب القلوب على المعنى ، لأن المعنى : إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها .

ويجوز أن يكون حالا من القلوب ، وأن القلوب ، كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر .وإنما جُمِع السلامة ، لأنه وصفها بالكظم الذى هو من أفعال العقلاء ، كما قال - تعالى - : ( والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ .

.

.

) وقوله - تعالى - : ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ) نفى لكون هؤلاء الظالمين يوجد فى هذا اليوم من ينفعهم أو يدافع عنهم .والحميم : هو الإِنسان الذى يحبك ويشفق عليك ويهتم بأمرك ، ومنه قيل لخاصة الرجل : حَامَّتهُ .والشفيع : من الشفع ، بمعنى الانضمام ، يقال شفع فلان لفلان إذا انضم إليه ليدافع عنه .أى : ليس للظالمين فى هذا اليوم قريب أو محب يعطف عليهم ، ولا شفيع يطيعهم فى الشفاعة لهم ، لأنهم فى هذا اليوم يكونون محل غضب الجميع ونقمتهم ، بسبب ظلمهم وإصرارهم على كفرهم .فالآية الكريمة نفت عنهم الصديق الذى يهتم بأمرهم ، والشفيع الذى يشفع لهم ، والإِنسان الذى تكون له أية كلمة تسمع فى شأنهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المقصود من هذه الآية وصف يوم القيامة بأنواع أخرى من الصفات الهائلة المهيبة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير يوم الآزفة وجوهاً الأول: أن يوم الآزفة هو يوم القيامة، والآزفة فاعلة من أزف الأمر إذا دنا وحضر لقوله في صفة يوم القيامة ﴿ أَزِفَتِ ٱلْءَازِفَةُ  لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ  ﴾ وقال شاعر: أزف الترحل غير أن ركابنا *** لما تزل برحالنا وكأن قد والمقصود منه التنبيه على أن يوم القيامة قريب ونظيره قوله تعالى: ﴿ اقتربت الساعة  ﴾ قال الزجاج إنما قيل لها آزفة لأنها قريبة وإن استبعد الناس مداها، وما هو كائن فهو قريب.

واعلم أن الآزفة نعت لمحذوف مؤنث على تقدير يوم القيامة الآزفة أو يوم المجازاة الآزفة قال القفال: وأسماء القيامة تجري على التأنيث كالطامة والحاقة ونحوها كأنها يرجع معناها إلى الداهية والقول الثاني: أن المراد بيوم الآزفة وقت الآزفة وهي مسارعتهم إلى دخول النار، فإن عند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارها من شدة الخوف والقول الثالث: قال أبو مسلم يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل، والذي يدل عليه أنه تعالى وصف يوم القيامة بأنه يوم التلاق، و ﴿ يَوْمَ هُم بارزون ﴾ ثم قال بعده ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الأزفة ﴾ فوجب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، وأيضاً هذه الصفة مخصوصة في سائر الآيات بيوم الموت قال تعالى: ﴿ فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ  وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ  ﴾ وقال: ﴿ كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي  ﴾ وأيضاً فوصف يوم الموت بالقرب أولى من وصف يوم القيامة بالقرب، وأيضاً الصفات المذكورة بعد قوله الآزفة لائقة بيوم حضور الموت لأن الرجل عند معاينة ملائكة العذاب يعظم خوفه، فكأن قلوبهم تبلغ حناجرهم من شدة الخوف، ويبقوا كاظمين ساكتين عن ذكر ما في قلوبهم من شدة الخوف ولا يكون لهم حميم ولا شفيع يدفع ما بهم من أنواع الخوف والقلق.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن المراد من قوله: ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر كاظمين ﴾ كناية عن شدة الخوف أو هو محمول على ظاهره، قيل المراد وصف ذلك اليوم بشدة الخوف والفزع ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا  ﴾ وقال: ﴿ فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ  وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ  ﴾ وقيل بل هو محمول على ظاهره، قال الحسن: القلوب انتزعت من الصدور بسبب شدة الخوف وبلغت القلوب الحناجر فلا تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروحوا ولكنها مقبوضة كالسجال كما قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقوله: ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً فإن قيل بم انتصب ﴿ كاظمين ﴾ قلنا هو حال أصحاب القلوب على المعنى لأن المراد إذ قلوبهم لدى الحناجر حال كاظمين كونهم ويجوز أيضاً أن يكون حال عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غم وكرب فيها مع بلوغها الحناجر، وإنما جمع الكاظمة جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء كما قال: ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ وقال: ﴿ فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين  ﴾ ويعضده قراءة من قرأ كاظمون وبالجملة فالمقصود من الآية تقرير أمرين أحدهما: الخوف الشديد وهو المراد من قوله: ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر ﴾ ، والثاني: العجز عن الكلام وهو المراد من قوله: ﴿ كاظمين ﴾ فإن الملهوف إذا قدر على الكلام حصلت له خفقة وسكون، أما إذا لم يقدر على الكلام وبث الشكوى عظم قلقه وقوي خوفه.

المسألة الثالثة: احتج أكثر المعتزلة في نفي الشفاعة عن المذنبين بقوله تعالى: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ قالوا نفى حصول شفيع لهم يطاع فوجب أن لا تحصل لهم هذا الشفيع أجاب أصحابنا عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى نفى أن يحصل لهم شفيع يطاع وهذا لا يدل على نفي الشفيع، ألا ترى أنك إذا قلت ما عندي كتاب يباع فهذا يقتضي نفي كتاب يباع ولا يقتضي نفي الكتاب وقالت العرب: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولفظ الطاعة يقتضي حصول المرتبة فهذا يدل على أنه ليس لهم يوم القيامة شفيع يطيعه الله، لأنه ليس في الوجود أحد أعلى حالاً من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه الوجه الثاني: في الجواب أن المراد من الظالمين، هاهنا الكفار والدليل عليه أن هذه الآية وردت في زجر الكفار الذين يجادلون في آيات الله فوجب أن يكون مختصاً بهم، وعندنا أنه لا شفاعة في حق الكفار والثالث: أن لفظ الظالمين، إما أن يفيد الاستغراق، وإما أن لا يفيد فإن أفاد الاستغراق كان المراد من الظالمين مجموعهم وجملتهم ويدخل في مجموع هذا الكلام الكفار، وعندنا أنه ليس لهذا المجموع شفيع لأن بعض هذا المجموع هم الكفار، وليس لهم شفيع فحينئذ لا يكون لهذا المجموع شفيع، وإن لم يفد الاستغراق كان المراد من الظالمين بعض من كان موصوفاً بهذه الصفة، وعندنا أن بعض الموصوفين بهذه الصفة ليس لهم شفيع وهم الكفار، أجاب المستدلون عن السؤال الأول، فقالوا يجب حمل كلام الله تعالى على محمل مفيد وكل أحد يعلم أنه ليس في الوجود شيء يطيعه الله لأن المطيع أدون حالاً من المطاع، وليس في الوجود شيء أعلى مرتبة من الله تعالى حتى يقال إن الله يطيعه وإذا كان هذا المعنى معلوماً بالضرورة كان حمل الآية عليه إخراجاً لها عن الفائدة فوجب حمل الطاعة على الإجابة والذي يدل على ورود لفظ الطاعة بمعنى الإجابة قول الشاعر: رب من أنضجت غيظاً صدره *** قد تمنى لي موتاً لم يطع أما السؤال الثاني: فقد أجابوا عنه بأن لفظ الظالمين صيغة جمع دخل عليها حرف التعريف فيفيد العموم، أقصى ما في الباب أن هذه الآية وردت لذم الكفار لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

أما السؤال الثالث: فجوابه أن قوله: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ ﴾ يفيد أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع يطاع، فهذا تمام كلام القوم في تقرير ذلك الاستدلال.

أجاب أصحابنا عن السؤال الأول فقالوا إن القوم كانوا يقولون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله وكانوا يقولون إنها تشفع لنا عند الله من غير حاجة فيه إلى إذن الله، ولهذا السبب رد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ  ﴾ فهذا يدل على أن القوم اعتقدوا أنه يجب على الله إجابة الأصنام في تلك الشفاعة، وهذا نوع طاعة، فالله تعالى نفى تلك الطاعة بقوله: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ وأجابوا عن الكلام الثاني بأن قالوا الأصل في حرف التعريف أن ينصرف إلى المعهود السابق، فإذا دخل حرف التعريف على صيغة الجمع، وكان هناك معهود سابق انصرف إليه، وقد حصل في هذه الآية معهود سابق وهم الكفار الذين يجادلون في آيات الله، فوجب أن ينصرف إليه وأجابوا عن الكلام الثالث بأن قالوا قوله: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ يحتمل عموم السلب، ويحتمل سلب العموم، أما الأول: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن كل واحد من الظالمين محكوم عليه بأنه ليس له حميم ولا شفيع، وأما الثاني: فعلى تقدير أن يكون المعنى أن مجموع الظالمين ليس لهم حميم ولا شفيع، ولا يلزم من نفي الحكم عن المجموع نفيه عن كل واحد من آحاد ذلك المجموع والذي يؤكد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ فقوله: إن الذين كفروا لا يؤمنون، إن حملناه على أن كل واحد منهم محكوم عليه بأنه لا يؤمن لزم وقوع الخلف في كلام الله، لأن كثيراً ممن كفر فقد آمن بعد ذلك، أما لو حملناه على أن مجموع الذين كفروا لا يؤمنون سواء آمن بعضهم أو لم يؤمن صدق وتخلص عن الخلف، فلا جرم حملنا هذه الآية على سلب العموم ولم نحملها على عموم السلب فكذا قوله: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ يجب حمله على سلب العموم لا على عموم السلب، وحينئذ استدلال المعتزلة بهذه الآية فهذا غاية الكلام في هذا الباب.

المسألة الرابعة: في بيان نظم الآية، فنقول إنه تعالى ذكر في هذه الآية جميع الأسباب الموجبة للخوف فأولها: أنه سمى ذلك اليوم يوم الآزفة، أي يوم القرب من عذابه لمن ابتلي بالذنب العظيم، لأنه إذا قرب زمان عقوبته كان في أقصى غايات الخوف، حتى قيل إن تلك الغموم والهموم أعظم في الإيحاش من عين تلك العقوبة والثاني: قوله: ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر ﴾ والمعنى أنه بلغ ذلك الخوف إلى أن انقلع القلب من الصدر وارتفع إلى الحنجرة والتصق بها وصار مانعاً من دخول النفس والثالث: قوله: ﴿ كاظمين ﴾ والمعنى أنه لا يمكنهم أن ينطقوا وأن يشرحوا ما عندهم من الحزن والخوف، وذلك يوجب مزيد القلق والاضطراب الرابع: قوله: ﴿ مَا للظالمين مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ فبين أنه ليس لهم قريب ينفعهم، ولا شفيع يطاع فيهم فتقبل شفاعته والخامس: قوله: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِي الصدور ﴾ والمعنى أنه سبحانه عالم لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، والحاكم إذا بلغ في العلم إلى هذا الحد كان خوف المذنب منه شديداً جداً، قال صاحب الكشاف: الخائنة صفة النظرة أو مصدر بمعنى الخائنة، كالعافية المعافاة، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب، والمراد بقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي الصدور ﴾ مضمرات القلوب، والحاصل أن الأفعال قسمان: أفعال الجوارح وأفعال القلوب، أما أفعال الجوارح، فأخفاها خائنة الأعين، والله أعلم بها، فكيف الحال في سائر الأعمال.

وأما أفعال القلوب، فهي معلومة لله تعالى لقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِى الصدور ﴾ فدل هذا على كونه تعالى عالماً بجميع أفعالهم السادس: قوله تعالى: ﴿ والله يَقْضِى بالحق ﴾ وهذا أيضاً يوجب عظم الخوف، لأن الحاكم إذا كان عالماً بجميع الأحوال، وثبت منه أنه لا يقضي إلا بالحق في كل ما دق وجل، كان خوف المذنب منه في الغاية القصوى السابع: أن الكفار إنما عولوا في دفع العقاب عن أنفسهم على شفاعة هذه الأصنام، وقد بيّن الله تعالى أنه لا فائدة فيها ألبتة، فقال: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَئ ﴾ الثامن: قوله: ﴿ إِنَّ الله هُوَ السميع البصير ﴾ أي يسمع من الكفار ثناءهم على الأصنام، ولا يسمع منهم ثناءهم على الله ويبصر خضوعهم وسجودهم لهم، ولا يبصر خضوعهم وتواضعهم لله، فهذه الأحوال الثمانية إذا اجتمعت في حق المذنب الذي عظم ذنبه كان بالغاً في التخويف إلى الحد الذي لا تعقل الزيادة عليه، ثم إنه تعالى لما بالغ في تخويف الكفار بعذاب الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ والمعنى أن العاقل من اعتبر بغيره، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا أشد قوة من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وأقوى آثاراً في الأرض منهم، والمراد حصونهم وقصورهم وعساكرهم، فلما كذبوا رسلهم أهلكهم الله بضروب الهلاك معجلاً حتى إن هؤلاء الحاضرين من الكفار يشاهدون تلك الآثار، فحذرهم الله تعالى من مثل ذلك بهذا القول، وبين بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ ﴾ أنه لما نزل العذاب بهم عند أخذه تعالى لهم لم يجدوا من يعينهم ويخلصهم، ثم بين أن ذلك نزل بهم لأجل أنهم كفروا وكذبوا الرسل، فحذر قوم الرسول من مثله، وختم الكلام ب ﴿ إِنَّهُ قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب ﴾ مبالغة في التحذير والتخويف، والله أعلم.

وقرأ ابن عامر وحده ﴿ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مّنكُمْ ﴾ بالكاف، والباقون بالهاء أما وجه قراءة ابن عامر فهو انصراف من الغيبة إلى الخطاب، كقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بعد قوله: ﴿ الحمدلله ﴾ والوجه في حسن هذا الخطاب أنه في شأن أهل مكة، فجعل الخطاب على لفظ المخاطب الحاضر لحضورهم، وهذه الآية في المعنى كقوله: ﴿ مكناهم فِي الارض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ  ﴾ وأما قراءة الباقين على لفظ الغيبة فلأجل موافقة ما قبله من ألفاظ الغيبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الآزفة: القيامة، سميت بذلك لأزوفها، أي: لقربها.

ويجوز أن يريد بيوم الآزفة: وقت الخطة الآزفة، وهي مشارفتهم دخول النار، فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم، فلا هي تخرج فيموتوا، ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا، ولكنها معترضة كالشجا، كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ ﴾ [الملك: 27] .

فإن قلت: ﴿ كاظمين ﴾ بما انتصب؟

قلت: هو حال عن أصحاب القلوب على المعنى، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها.

ويجوز أن يكون حالاً عن القلوب، وأن القلوب كاظمة على غمّ وكرب فيها مع بلوغها الحناجر، وإنما جمع الكاظم جمع السلامة، لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء، كما قال تعالى: ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف: 4] وقال: ﴿ فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خَضِعِينَ ﴾ [الشعراء: 4] وتعضده قراءة من قرأ: ﴿ كاظمون ﴾ ويجوز أن يكون حالاً عن قوله: وأنذرهم، أي: وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم، كقوله تعالى: ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] الحميم: المحب المشفق.

والمطاع: مجاز في المشفع، لأنّ حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلاّ لمن فوقك.

فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ ؟

قلت: يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معاً، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة، كما تقول: ما عندي كتاب يباع، فهو محتمل نفي البيع وحده، وأن عندك كتاباً إلا أنك لا تبيعه، ونفيهما جميعاً، وأن لا كتاب عندك، ولا كونه مبيعاً.

ونحوه: وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرُ يريد: نفي الضب وانجحاره.

فإن قلت: فعلى أي الاحتمالين يجب حمله؟

قلت: على نفي الأمرين جميعاً، من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله، وأولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلاّ من أحبه الله ورضيه، وأنّ الله لا يحبّ الظالمين، فلا يحبونهم، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم.

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ [البقرة: 270] وقال: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28] ولأن الشفاعة لا تكون إلاّ في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 174] وعن الحسن رضي الله عنه: والله ما يكون لهم شفيع البتة، فإن قلت: الغرض حاصل بذكر الشفيع ونفيه، فما الفائدة في ذكر هذه الصفة ونفيها؟

قلت: في ذكرها فائدة جليلة، وهي أنها ضمت إليه، ليقام انتفاء الموصوف مقام الشاهد على انتفاء الصفة، لأن الصفة لا تتأتى بدون موصوفها، فيكون ذلك إزالة لتوهم وجود الموصوف، بيانه: أنك إذا عوتبت على القعود عن الغزو فقلت: ما لي فرس أركبه، ولا معي سلاح أحارب به، فقد جعلت عدم الفرس وفقد السلاح علة مانعة من الركوب والمحاربة، كأنك تقول: كيف يتأتى مني الركوب والمحاربة ولا فرس لي ولا سلاح معي، فكذلك قوله: ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ معناه: كيف يتأتى التشفيع ولا شفيع، فكان ذكر التشفيع والاستشهاد على عدم تأتيه بعدم الشفيع: وضعاً لانتفاء الشفيع موضع الأمر المعروف غير المنكر الذي لا ينبغي أن يتوهم خلافه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ أيِ القِيامَةِ سُمِّيَتْ بِها لِأُزُوفِها أيْ قُرْبِها، أوِ الخُطَّةِ الآزِفَةِ وهي مُشارَفَتُهُمُ النّارَ وقِيلَ: المَوْتُ.

﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ فَإنَّها تَرْتَفِعُ عَنْ أماكِنِها فَتَلْصَقُ بِحُلُوقِهِمْ فَلا تَعُودُ فَيَتَرَوَّحُوا ولا تَخْرُجُ فَيَسْتَرِيحُوا.

﴿ كاظِمِينَ ﴾ عَلى الغَمِّ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ عَلى الإضافَةِ، أوْ مِنها أوْ مِن ضَمِيرِها في لَدى وجَمْعُهُ كَذَلِكَ لِأنَّ الكَظْمَ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ كَقَوْلِهِ: فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ.

أوْ مِن مَفْعُولِ أنْذِرْهم عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ.

﴿ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ﴾ قَرِيبٍ مُشْفِقٍ.

﴿ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ ولا شَفِيعٍ مُشَفَّعٍ، والضَّمائِرُ إنْ كانَتْ لِلْكَفّارِ وهو الظّاهِرُ كانَ وضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِهِمْ وأنَّهُ لِظُلْمِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزفة} أي القيامة سميت بها لأزوفها أي لقربها ويبدل من يوم الآزفة {إِذِ القلوب لَدَى الحناجر} أي التراقي يعني ترتفع قلوبهم عن مقارها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا ويتروّحوا {كاظمين} ممسكين بحناجرهم من كظم القربة شد رأسها وهو حال من القلوب محمول على اصحابها وانما جمع الكاظم جمع السلامة لأنه وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء {مَا للظالمين}

الكافرين {مِنْ حَمِيمٍ} محب مشفق {وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} أي يشفع وهو مجاز عن الطاعة لأن الطاعة حقيقة لا تكون إلا لمن فوقك والمراد نفي الشفاعة والطاعة كما في قوله ولا ترى الضب بها ينجحر يريد به نفي الضب وانجحاره وإن احتمل اللفظ انتفاء الطاعة دون الشفاعة فعن الحسن والله ما يكون لهم شفيع البتة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ، ومَعْنى ( اَلْآزِفَةِ ) القَرِيبَةِ يُقالُ: أزِفَ الشُّخُوصُ إذا قَرُبَ وضاقَ وقْتُهُ، فَهي في الأصْلِ اسْمُ فاعِلٍ ثُمَّ نُقِلَتْ مِنهُ وجُعِلَتِ اسْمًا لِلْقِيامَةِ لِقُرْبِها بِالإضافَةِ لِما مَضى مِن مُدَّةِ الدُّنْيا أوْ لِما بَقِيَ فَإنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ باقِيَةً عَلى الأصْلِ فَتَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ أيِ السّاعَةُ الآزِفَةُ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَوْصُوفَةَ الخُطَّةَ بِضَمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ المُهْمَلَةِ وهي القِصَّةُ والأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُخَطَّ ويُكْتُبَ لِغَرابَتِهِ، ويُرادُ بِذَلِكَ ما يَقَعُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأُمُورِ الصَّعْبَةِ وقُرْبُها لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، والمُرادُ بِاليَوْمِ الوَقْتُ مُطْلَقًا أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: ﴿ يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ يَوْمُ المَنِيَّةِ وحُضُورِ الأجَلِ.

ورَجَّحَ بِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ التَّكْرارِ وأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ ووَصْفُ القُرْبِ مِنهُ أظْهَرُ ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ بَدَلٌ مِن ( يَوْمَ اَلْآزِفَةِ والحَناجِرِ ) جَمْعُ حَنْجَرَةٍ أوْ حُنْجُورٍ كَحُلْقُومٍ لَفْظًا ومَعْنى وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: رَأسُ الغَلْصَمَةِ مِن خارِجٍ وهي لُحْمَةٌ بَيْنَ الرَّأْسِ والعُنُقِ، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الخَوْفِ أوْ فَرْطِ التَّألُّمِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ وتَبْلُغُ قُلُوبُ الكُفّارِ حَناجِرَهم يَوْمَ القِيامَةِ ولا يَمُوتُونَ كَما لَوْ كانَ ذَلِكَ في الدُّنْيا.

﴿ كاظِمِينَ ﴾ حالٌ مِن أصْحابِ القُلُوبِ عَلى المَعْنى فَإنَّ ذِكْرَ القُلُوبِ يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ أصْحابِها فَهو مِن بابِ ﴿ ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا  ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذْ قُلُوبُهم لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ عَلَيْها، وهو مِن كَظَمَ القِرْبَةَ إذا مَلَأها وسَدَّ فاها، فالمَعْنى مُمْسِكِينَ أنْفُسَهم عَلى قُلُوبِهِمْ لِئَلّا تَخْرُجَ مَعَ النَّفْسِ فَإنَّ كاظِمَ القِرْبَةِ كاظِمٌ عَلى الماءِ مُمْسَكُها عَلَيْهِ لِئَلّا يَخْرُجَ امْتِلاءً.

وفِيهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ ( اَلْقُلُوبُ ) المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ أعْنِي ﴿ لَدى الحَناجِرِ ﴾ وعَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ مَجِيءَ الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ كَوْنُهُ حالًا مِن ( اَلْقُلُوبُ ) نَفْسِها.

وجَمَعَ جَمْعَ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم لِوَصْفِها بِصِفَتِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ  ﴾ والمَعْنى حالَ كَوْنِ القُلُوبِ كاظِمَةً عَلى الغَمِّ والكَرْبِ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ لَدى الحَناجِرِ ﴾ ظَرْفَ ﴿ كاظِمِينَ ﴾ لِفَسادِ المَعْنى والحاجَةِ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مَعَ الغِنى عَنْهُ، وكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ كاظِمُونَ لِلْأوَّلِ فَقَطْ فَيَتَعَيَّنُ كَوْنُ ﴿ لَدى الحَناجِرِ ﴾ خَبَرًا وكاظِمُونَ خَبَرًا آخَرَ وبِذَلِكَ يَتَرَجَّحُ كَوْنُ الحالِ مِنَ القُلُوبِ، وقَدَّرَ الكَواشِيُّ هم كاظِمُونَ لِيُوافِقَ وجْهَ الحالِيَّةِ مِنَ الأصْحابِ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن مَفْعُولِ ( أنْذِرْهم ) أيْ أنْذِرْهم مُقَدِّرًا كَظْمَهم أوْ مُشارِفِينَ الكَظْمَ.

﴿ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ﴾ أيْ قَرِيبٍ مُشْفِقٍ مَنِ احْتَمَّ فُلانٌ لِفُلانٍ احْتَدَّ فَكَأنَّهُ الَّذِي يَحْتَدُّ حِمايَةً لِذَوِيهِ ويُقالُ لِخاصَّةِ الرَّجُلِ حامَّتُهُ ومِن هُنا فُسِّرَ الحَمِيمُ بِالصَّدِيقِ ﴿ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ أيْ ولا شَفِيعٌ يَشْفَعُ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ جَرٍّ أوْ رَفْعٍ صِفَةٌ ( شَفِيعٍ ) والمُرادُ نَفْيُ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ لا الصِّفَةُ فَقَطْ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ ثَمَّ شَفِيعًا لَكِنْ لا يُطاعُ فالكَلامُ مِن بابِ: لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى نَفْعِ الشَّفِيعِ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ ما ضَمَّ لِيُقامَ انْتِفاءُ المَوْصُوفِ مَقامَ الشّاهِدِ عَلى انْتِفاءِ الصِّفَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الضَّمُّ إزالَةً لِتَوَهُّمِ وُجُودِ المَوْصُوفِ حَيْثُ جَعَلَ انْتِفاؤُهُ أمْرًا مُسَلَّمًا مَشْهُورًا لا نِزاعَ فِيهِ لِأنَّ الدَّلِيلَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أوْضَحَ مِنَ المَدْلُولِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن عاتَبَكَ عَلى القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ ما لِي فَرَسٌ أرْكَبُهُ وما مَعِي سِلاحٌ أُحارِبُ بِهِ فَلْيُفَهْمْ، والضَّمائِرُ المَذْكُورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْذِرْهُمْ ﴾ إلى هُنا إنْ كانَتْ لِلْكُفّارِ كَما هو الظّاهِرُ فَوَضْعُ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وإنْ كانَتْ عامَّةً لَهم ولِغَيْرِهِمْ فَلَيْسَ هَذا مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وإنَّما هو بَيانُ حُكْمٍ لِلظّالِمِينَ بِخُصُوصِهِمْ، والمُرادُ بِهِمُ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ وهُمُ الكافِرُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: عجائبه، ودلائله، من خلق السموات والأرض، والشمس، والقمر، والليل، والنهار، وذلك أنه لما ذكر ما يصيبهم يوم القيامة، عظم نفسه تعالى.

ثم ذكر لأهل مكة من الدلائل ليؤمنوا به، فقال: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يعني: المطر.

ويقال: الملائكة لتدبير الرزق.

وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ يعني: ما يتعظ بالقرآن، إلا من يقبل إليه بالطاعة.

ويقال: وَما يَتَذَكَّرُ في هذا الصنيع، فيوحد الرب إلا من يرجع إليه، فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: اعبدوه بالإخلاص، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يعني: وإن شق ذلك على المشركين، الكافرين.

رَفِيعُ الدَّرَجاتِ يعني: رافع، وخالق السموات.

أي: مطبقاً بعضها فوق بعض.

ويقال: هو رافع الدرجات في الدنيا بالمنازل، وفي الآخرة الجنة ذو الدرجات، ذُو الْعَرْشِ يعني: رافع العرش.

ويقال: خالق العرش، هو رب العرش يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ يعني: ينزل جبريل بالوحي عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وهو النبي  ، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يعني: ليخوف بالقرآن.

وقرأ الحسن: لتنذر بالتاء على معنى المخاطبة.

يعني: لتنذر يا محمد.

وقراءة العامة بالياء يعني: لينذر الله.

ويقال: لِيُنْذِرَ من أنزل عليه الوحي يَوْمَ التَّلاقِ قرأ ابن كثير: يَوْمَ التَّلاَقِي بالياء.

وهي إحدى الروايتين عن نافع، والباقون بغير ياء.

فمن قرأ بالياء فهو الأصل.

ومن قرأ بغير ياء، فلأن الكسر يدل عليه.

وقال في رواية الكلبي: يَوْمَ التَّلاقِ يوم يلتقي أهل السموات، وأهل الأرض.

ويقال: يوم يلتقي الخصم، والمخصوم، يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ أي: ظاهرين، خارجين من قبورهم، لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ يعني: من أعمال أهل السموات، وأهل الأرض.

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ قال بعضهم: هذا بين النفختين.

يقول الرب تبارك وتعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟

فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.

قال بعضهم: إن ذلك لأهل الجمع يوم القيامة.

يقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فأقر الخلائق كلهم، وقالوا: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.

يقول الله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ يعني: مَّا عَمِلَتْ في الدنيا من خير أو شر، لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ وقد ذكرناه، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ يعني: خوفهم بيوم القيامة.

فسمي الأزفة لقربه.

ويقال: أزف شخوص فلان يعني: قرب كما قال أَزِفَتِ الآزفة.

ثم قال: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ من الخوف، لا تخرج، ولا تعود إلى مكانها، كاظِمِينَ أي: مغمومين يتردد خوفهم في أجوافهم مَا لِلظَّالِمِينَ يعني: المشركين مِنْ حَمِيمٍ أي قريب، وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ أي: له الشفاعة فيهم.

يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ هذا موصول بقوله: لاَ يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ وهو يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ.

وقال أهل اللغة: الخائنة والخيانة واحدة، كقوله: وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ [المائدة: 13] .

وقال مجاهد: خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يعني: نظر العين إلى ما نهى الله عنه.

وقال مقاتل: الغمزة فيما لا يحل له، والنظرة إلى المعصية.

ويقال: النظرة بعد النظرة.

وقال قتادة: يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ يعني: يعلم غمزه بعينه، وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى، وَما تُخْفِي الصُّدُورُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولا تُنْفَى اللفظةُ عن البشر في معنى الصنع وإنما هي منفيَّةٌ بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم.

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)

وقوله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ [لَمَيِّتُونَ] «٢» أي: بعد هذه الأحوال المذكورة، ويريد بالسبع الطرائق: السموات، والطرائق: كُلِّ [ما كان] «٣» طبقاتٍ بعضه فوق بعض ومنه طارقت نعلي.

ويجوزُ أَنْ تكونَ الطرائق بمعنى المَبْسُوطاتِ من طرقت الشيء.

قلت: وقوله تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ ...

الآية: ظاهر الآية أَنَّهُ ماءُ المطر، وأسند أبو بكر ابن الخطيب في أول «تاريخ «٤» بغداد» عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الجَنَّةِ إلَى الأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ: سَيْحُونَ: وَهُو نَهْرُ الهِنْدِ، وجَيْحُونَ: وَهُوَ نَهْرُ بَلْخَ، ودِجْلَةَ والفُرَاتَ: وَهمَا نَهَرَا العِرَاقِ، والنِّيلَ: وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ، أَنْزَلَهَا اللهُ تعالى مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، فَاسْتَوْدَعَهَا الجِبَال، وَأَجْرَاهَا فِي الأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ فَإذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، أَرْسَلَ اللهُ تعالى جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الأَرْضِ القُرْآنَ، وَالْعِلْمَ كُلَّهُ، وَالْحَجَرَ مِنْ رُكْنِ البَيْتِ، وَمَقَامَ إبْرَاهِيمَ، وَتَابُوتَ موسى عليه السلام بما فِيهِ، وَهَذِهِ الأَنْهَارَ الخَمْسَةَ، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ/ كُلَّهُ إلَى السَّمَاءِ فذلك قوله تعالى: وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ ٣٠ ألَقادِرُونَ، فَإذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ مِنَ الأَرْضِ، فَقَدَ أَهْلُهَا خَيْرَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا» .

وفي رواية:

«خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» «٥» .

انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحد معه، ونقل ابن العربي في «أحكامه» هذا الحديثَ أيضاً عن ابن عباس وغيره، ثم قال في آخره: وهذا جائز في القدرة إنْ صَحَّتْ به الرواية، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وسُمِّيَتِ القِيامَةُ بِذَلِكَ لِقُرْبِها، يُقالُ: أزِفَ شُخُوصُ فُلانٍ، أيْ: قَرُبَ.

والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ حُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ وذَلِكَ أنَّها تَرْتَقِي إلى الحَناجِرِ فَلا تَخْرُجُ ولا تُعُودُ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

وعَلى الثّانِي: القُلُوبُ هي النُّفُوسُ تَبْلُغُ الحَناجِرَ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ؛ قالَ الزَّجّاجُ: و ﴿ كاظِمِينَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والحالُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ القُلُوبَ لا يُقالُ لَها: كاظِمِينَ، وإنَّما الكاظِمُونَ أصْحابُ القُلُوبِ؛ فالمَعْنى: إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: "كاظِمِينَ" أيْ: مَغْمُومِينَ مُمْتَلِئِينَ خَوْفًا وحُزْنًا، والكاظِمُ: المُمْسِكَ لِلشَّيْءِ عَلى ما فِيهِ؛ وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ والكاظِمِينَ الغَيْظَ  ﴾ .

﴿ ما لِلظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ ﴿ مِن حَمِيمٍ ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهم ﴿ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ فِيهِمْ فَتُقْبَلُ شَفاعَتُهُ.

﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ والخِيانَةُ واحِدٌ.

ولِلْمُفَسِّرِينَ فِيها أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الرَّجُلُ يَكُونُ في القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِ المَرْأةُ فَيُرِيهِمْ أنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ، فَإذا رَأى مِنهم غَفْلَةً لَحَظَ إلَيْها، فَإنْ خافَ أنْ يَفْطِنُوا لَهُ غَضَّ بَصَرَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ نَظَّرُ العَيْنِ إلى ما نُهِيَ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الغَمْزُ بِالعَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسَّدِّيُّ.

قالَ قَتادَةُ: هو الغَمْزُ بِالعَيْنِ فِيما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ ولا يَرْضاهُ.

والرّابِعُ: النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: ما تُضْمِرُهُ مِنَ الفِعْلِ أنْ لَوْ قَدَرْتَ عَلى ما نَظَرَتْ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: ما يَسَّرَهُ القَلْبُ مِن أمانَةٍ أوْ خِيانَةٍ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُدُورُ ﴾ ﴿ واللهُ يَقْضِي بِالحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إنَّ اللهَ هو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ﴿ أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهم مِن اللهُ مِن واقٍ ﴾ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  بِالإنْذارِ لِلْعالَمِ والتَحْذِيرِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِهِ، وهو الَّذِي أرادَ بِـ[يَوْمَ الآزِفَةِ]، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ومَعْنى ﴿ [الآزِفَةِ]:﴾ القَرِيبَةُ، مَن أزِفَ الشَيْءُ إذا قَرُبَ، والآزِفَةُ في الآيَةِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ قَدْ عُلِمَ واسْتَقَرَّ في النُفُوسِ هَوْلُهُ، فَعَبَّرَ عنهُ بِالقُرْبِ تَخْوِيفًا، والتَقْدِيرُ: يَوْمَ الساعَةِ الآزِفَةِ، أوِ الطامَّةِ الآزِفَةِ، ونَحْوَ هَذا، فَكَما لَوْ قالَ: "وَأُنْذِرْهُمُ الساعَةَ لَعُلِمَ هَوْلُها بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن أمْرِها، فَكَذَلِكَ عُلِمَ هُنا إذا جاءَ بِصِفَتِها الَّتِي تَقْتَضِي حُلُولَها واقْتِرابَها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَ الحَناجِرِ، قَدْ صَعِدَتْ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ والجَزَعِ، وهَذا أمْرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ انْتِقالِ قُلُوبِ البَشَرِ إلى حَناجِرِهِمْ وتَبْقى حَياتُهُمْ، بِخِلافِ الدُنْيا الَّتِي لا تَبْقى فِيها لِأحَدٍ مَعَ تَنَقُّلِ قَلْبِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَجُوُّزًا عَبَّرَ عَمّا يَجِدُهُ الإنْسانُ مِنَ الجَزَعِ وصُعُودِ نَفْسِهِ وتُضايُقِ حَنْجَرَتِهِ بِصُعُودِ القَلْبِ، وهَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: كادَتْ نَفْسِي أنَّ تَخْرُجَ، وهَذا المَعْنى يَجِدُهُ المُفَرِّطُ الجَزِعُ كالَّذِي يُقَرَّبُ لِلْقَتْلِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [كاظِمِينَ]﴾ حالٌ مِمّا أُبْدِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ ، أو مِمّا تَنْضافُ إلَيْهِ [القُلُوبُ] إذِ المُرادُ: إذْ قُلُوبُ الناسِ لَدى حَناجِرِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ  ﴾ ﴿ مُهْطِعِينَ  ﴾ ، أرادَ تَعالى: تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم.

و"الكاظِمُ": الَّذِي يَرُدُّ غَيْظَهُ وجَزَعُهُ في صَدْرِهِ.

فَمَعْنى الآيَةِ أنَّهم يَطْمَعُونَ بِرَدِّ ما يَجِدُونَهُ في الحَناجِرِ والحالُ تُغالِبُهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الظالِمِينَ ظُلْمَ الكَفْرِ هم في تِلْكَ الحالِ لَيْسَ لَهم حَمِيمٌ، أيْ قَرِيبٌ يَهْتَمُّ لَهم ويَتَعَصَّبُ، ولا لَهم شَفِيعٌ يُطاعُ فِيهِمْ، وإنْ هَمَّ بَعْضُهم بِالشَفاعَةِ لِبَعْضٍ فَهي شَفاعَةٌ لا تُقْبَلُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ لِإبْلِيسَ يَوْمَ القِيامَةِ: اشْفَعْ لَنا، فَيَقُومُ لِيَشْفَعَ، فَتَبْدُو مِنهُ أنْتُنُ رِيحٍ يُؤْذِي بِها أهْلَ المَحْشَرِ، ثُمَّ يَنْحَصِرُ ويَكِعُّ ويَخْزى.

و"يُطاعُ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ[شَفِيعٍ]؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: ولا شَفِيعَ يُطاعُ، ومَوْضِعُ [يُطاعُ] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَفْضًا حَمْلًا عَلى اللَفْظِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ قَبْلَ دُخُولِ [مِن].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها عِنْدِي اعْتِراضٌ في الكَلامِ بَلِيغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ سَرِيعُ الحِسابِ  ﴾ ؛ لِأنَّ سُرْعَةَ حِسابِهِ تَعالى لِلْخَلْقِ إنَّما هي بِعِلْمِهِ الَّذِي لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى رَوِيَّةٍ وفِكْرَةٍ، ولا لِشَيْءِ مِمّا يَحْتاجُهُ الحاسِبُونَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [يَعْلَمُ] مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، يُقَوِّيهِ تَناسُبُ المَعْنَيَيْنِ، ويُضْعِفُهُ بُعْدُ الآيَةِ مِنَ الآيَةِ وكَثْرَةُ الحائِلِ.

والخائِنَةُ مَصْدَرٌ كالخِيانَةِ، ويَحْتَمِلُ في الآيَةِ أنْ يَكُونَ [خائِنَةَ] اسْمَ فاعِلٍ، كَما تَقُولُ: ناظِرَةُ الأعْيُنِ، أيْ: يَعْلَمُ الأعْيُنَ إذا خانَتْ في نَظَرِها، وهَذِهِ الآيَةُ عِبارَةٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِجَمِيعِ الخَفِيّاتِ، فَمِن ذَلِكَ كَسْرُ الجُفُونِ، والغَمْزُ بِالعَيْنِ، والنَظْرَةُ الَّتِي تُفْهِمُ مَعْنىً، أو يُرِيدُ بِها صاحِبُها مَعْنىً، ومِن هَذا «قَوْلُ النَبِيِّ  حِينَ جاءَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي سَرَحٍ لِيُسْلِمَ بَعْدَ رِدَّتِهِ بِشَفاعَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَتَلَكَّأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  ثُمَّ بايَعَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ  لِأصْحابِهِ: "هَلّا قامَ إلَيْهِ رَجُلٌ حِينَ تَلَكَّأتُ عَلَيْهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، ألا أومَأتْ إلَيْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ تَكُونَ لَهُ خائِنَةُ الأعْيُنِ"،» وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: "أنا مِرْصادُ الهِمَمِ، أنا العالِمُ بِمَجالِ الفِكْرِ وكَسَرِ الجُفُونِ"، وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿ خائِنَةَ الأعْيُنِ: ﴾ مُسارَقَةَ النَظَرِ إلى ما لا يَجُوزُ.

ثُمَّ قَوّى اللهُ تَعالى هَذِهِ الأخْبارُ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ما تُخْفِي الصُدُورَ، مِمّا لَمَّ يَظْهَرْ عَلى عَيْنٍ ولا غَيْرِها، ومَثَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ بِنَظَرِ رَجُلٍ إلى امْرَأةٍ هي حُرْمَةٌ لِغَيْرِهِ فَقالُوا: خائِنَةُ الأعْيُنِ هي النَظْرَةُ الثانِيَةُ، وما تُخْفِي الصُدُورُ، أيْ عِنْدِ النَظْرَةِ الأُولى الَّتِي لا يُمْكِنُ المَرْءُ دَفْعَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ وهَذا المِثالُ جُزْءٌ مِن خائِنَةَ الأعْيُنِ.

ثُمَّ قَدَحَ في جِهَةِ الأصْنامِ، فَأعْلَمَ أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهِ، يَقْضِي بِالحَقِّ، أيْ يُجازِي الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ والسَيِّئَةَ بِمِثْلِها، ويُنْصِفُ المَظْلُومَ مِنَ الظالِمِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْضِيَةِ الحَقِّ والعَدْلِ، والأصْنامُ لا تَقْضِي بِشَيْءٍ ولا تُنْفِذُ أمْرًا.

و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَعْبُدُونَ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: والَّذِينَ تَدْعُونَ أنْتُمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِنَفْسِهِ صِفَتَيْنِ بَيَّنٌ عُرُوُّ الأوثانِ عنهُما، وهي في جِهَةِ اللهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ عَلى إطْلاقِهِ.

ثُمَّ أحالَ كُفّارَ قُرَيْشٍ - وهم أصْحابُ الضَمِيرِ في "يَسِيرُوا" - عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ القَدِيمَةِ الَّتِي كَذَّبَتْ أنْبِياءَها فَأهْلَكَها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْظُرُوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ جَوابَ الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى ﴿ يَسِيرُوا ﴾ ، و"كَيْفَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ ﴾ خَبَرُ "كانَ" مُقَدَّمٌ، وفي "كَيْفَ" ضَمِيرٌ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "كانَ" الناقِصَةَ، وأمّا إنْ جُعِلَتْ تامَّةً بِمَعْنى حَدَثَ ووَقَعَ فَـ"كَيْفَ" ظَرْفٌ مُلْغى لا ضَمِيرَ فِيهِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "أشَدَّ مِنكُمْ" بِالكافِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، وذَلِكَ عَلى الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى الخِطابِ، وقَرَأ الباقُونَ: "أشَدَّ مِنهُمْ"، وكَذَلِكَ هي في سائِرِ المَصاحِفِ، وذَلِكَ أوفَقُ لِتُناسِبَ ذِكْرَ الغائِبِ، و"الآثارُ في الأرْضِ" هي المَبانِي والمَآثِرُ والصِيتُ الدُنْيَوِيُّ.

و"ذُنُوُبُهُمْ" كانَتْ تَكْذِيبَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ، و"الواقِي": الساتِرُ المانِعُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الوِقايَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أن يكون قوله: ﴿ وأنذِرْهم ﴾ وما بعده معترضاً بين جملة ﴿ إن الله سريع الحساب ﴾ [غافر: 17] وجملة ﴿ يَعْلم خائِنة الأعيُن ﴾ [غافر: 19] على الوجهين الآتيين في موقع جملة ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ ، فالواو اعتراضية، والمناسبة أن ذكر الحساب به يقتضي التذكير بالاستعداد ليوم الحساب وهو يوم الآزفة.

ويوم الآزفة يوم القيامة.

وأصل الآزفة اسم فاعل مؤنث مشتق من فعل أزِف الأمر، إذا قرب، فالآزفة صفة لموصوف محذوف تقديره: الساعة الآزفة، أو القيامة الآزفة، مثل الصاخّة، فتكون إضافة ﴿ يوم ﴾ إلى ﴿ الآزفة ﴾ ، حقيقية.

وتقدم القول في تعدية الإِنذار إلى (اليوم) في قوله: ﴿ لتنذر يوم التلاقي ﴾ [غافر: 15].

(و ﴿ إذْ ﴾ بدل من ﴿ يوم ﴾ فهو اسم زمان منصوب على المفعول به، مضاف إلى جملة ﴿ القلوب لدى الحناجر ﴾ و ﴿ أل ﴾ في ﴿ القُلُوبُ ﴾ و ﴿ الحناجر ﴾ عوض عن المضاف إليه.

وأصله: إذْ قلوبهم لدى حناجرهم، فبواسطة (أل) عُوض تعريف الإِضافة بتعريف العهد وهو رَأي نحاة الكوفة، والبصريون يقدرون: إذ القلوب منهم والحناجر منهم والمعنى: إذ قلوب الذين تنذرهم، يعني المشركين، فأمَّا قلوب الصالحين يومئذٍ فمطمئنة.

والقلوب: البضعات الصنوبرية التي تتحرك حركة مستمرة ما دام الجسم حيًّا فتدفع الدم إلى الشرايين التي بها حياة الجسم.

والحناجر: جمع حَنْجَرة بفتح الحاء وفتح الجيم وهي الحُلقوم.

ومعنى القلوب لدى الحناجر: أن القلوب يشتدّ اضطراب حركتها من فرط الجزع مما يشاهِده أهلها من بوارق الأهوال حتى تتجاوز القلوبُ مواضعها صاعدة إلى الحناجر كما قال تعالى في ذكر يوم الأحزاب: ﴿ وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ﴾ [الأحزاب: 10].

وكاظم: اسم فاعل من كظَم كُظُوماً، إذا احتبسَ نفَسُه (بفتح الفاء).

فمعنى ﴿ كاظمين ﴾ : اكنين لا يستطيعون كلاماً.

فعلى هذا التأويل لا يقدَّر ل ﴿ كاظمين ﴾ مفعول لأنه عومل معاملة الفعل اللازم.

ويقال: كَظَم كظماً، إذا سَدّ شيئاً مجرى ماء أو باباً أو طريقاً فهو كاظم، فعلى هذا يكون المفعول مقدراً.

والتقدير: كاظمينها، أي كاظمين حناجرهم إشفاقاً من أن تخرج منها قلوبهم من شدة الاضطراب.

وانتصب ﴿ كاظمين ﴾ على الحال من ضمير الغائب في قوله: ﴿ أنذرهم ﴾ على أن الحال حال مقدرة.

ويجوز أن يكون حالاً من القلوب على المجاز العقلي بإسناد الكاظم إلى القلوب وإنما الكاظم أصحاب القلوب كما في قوله تعالى: ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ [البقرة: 79] وإنما الكاتبون هم بأيديهم.

وجملة ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع ﴾ في موضع بدل اشتمال من جملة ﴿ القُلُوب لدَى الحناجِر ﴾ لأن تلك الحالة تقتضي أن يستشرفوا إلى شفاعة من اتخذوهم ليَشفعوا لهم عند الله فلا يُلفون صديقاً ولا شفيعاً.

والحميم: المحب المشفق.

والتعريف في ﴿ الظالمين ﴾ للاستغراق ليعم كل ظالم، أي مشرك فيشمل الظالمين المنذَرين، ومن مضى من أمثالهم فيكون بمنزلة التذييل ولذلك فليس ذكر الظالمين من الإِظهار في مقام الإِضمار.

ووصْفُ: ﴿ شفيع ﴾ بجملة ﴿ يطاع ﴾ وصْف كاشف إذ ليس أن المراد لهم شفعاء لا تطاع شفاعتهم لظهور قلة جدوى ذلك ولكن لما كان شأن من يتعرض للشفاعة أن يثق بطاعة المشفوع عنده له.

وأُتبع ﴿ شفيع ﴾ بوصف ﴿ يطاع ﴾ لتلازمهما عرفاً فهو من إيراد نفي الصفة اللازمةِ للموصوف.

والمقصودُ: نفي الموصوف بضرب من الكناية التلميحية كقول ابنِ أحمر: ولا تَرى الضبَّ بها ينْجَحِرْ *** أي لا ضبّ فيها فينجحر، وذلك يفيد مفاد التأكيد.

والمعنى: أن الشفيع إذا لم يُطَع فليس بشفيع.

والله لا يجترئ أحد على الشفاعة عنده إلا إذا أذن له فلا يشفع عنده إلا مَن يُطاع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَوْمُ حُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ وسُمِّيَتِ الآزِفَةُ لِدُنُوِّها، وكُلُّ آزِفٍ دانٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ  ﴾ أيْ دَنَتِ القِيامَةُ.

﴿ إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُلُوبَ هي النُّفُوسُ بَلَغَتِ الحَناجِرَ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ، وهَذا قَوْلُ مَن تَأوَّلَ يَوْمَ الآزِفَةِ بِحُضُورِ المَنِيَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَوَقَفَتْ في الحَناجِرِ مِنَ الخَوْفِ فَهي لا تَخْرُجُ ولا تَعُودُ في أمْكِنَتِها.

﴿ كاظِمِينَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَغْمُومُونَ قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: باكُونَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: مُمْسِكُونَ بِحَناجِرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن كَظْمِ القِرْبَةِ وهو شَدُّ رَأْسِها.

الرّابِعُ: ساكِتُونَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، وأنْشَدَ قَوْلَ الشَّمّاخِ: فَظَلَّتْ كَأنَّ الطَّيْرَ فَوْقَ رُؤُوسِها صِيامٌ تُنائِي الشَّمْسَ وهي كَظُومٌ قالَ ابْنُ عِيسى: والكاظِمُ السّاكِتُ عَلى امْتِلائِهِ غَيْظًا.

﴿ ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ ﴾ في الحَمِيمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَرِيبُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: الشَّفِيقُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ومَعْنى الكَلامِ: ما لَهم مِن حَمِيمٍ يَنْفَعُ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ أيْ يُجابُ إلى الشَّفاعَةِ، وسُمِّيَتِ الإجابَةُ طاعَةً لِمُوافَقَتِها إرادَةَ المُجابِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الرَّمْزُ بِالعَيْنِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: هي النَّظْرَةُ بَعْدَ النَّظْرَةِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الثّالِثُ: مُسارَقَةُ النَّظَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: النَّظَرُ إلى ما نَهى عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الخامِسُ: هو قَوْلُ الإنْسانِ ما رَأيْتُ وقَدْ رَأى، أوْ رَأيْتُ وما رَأى، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفي تَسْمِيَتِها خائِنَةَ الأعْيُنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها أخْفى الإشاراتِ فَصارَتْ بِالِاسْتِخْفاءِ كالخِيانَةِ.

الثّانِي: لِأنَّها بِاسْتِراقِ النَّظَرِ إلى المَحْظُورِ خِيانَةٌ.

﴿ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الوَسْوَسَةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: ما تُضْمِرُهُ [عِنْدَما تَرى امْرَأةً] إذا أنْتَ قَدَرْتَ عَلَيْها أتَزْنِي بِها أمْ لا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: ما يُسِرُّهُ الإنْسانُ مِن أمانَةٍ أوْ خِيانَةٍ، وعَبَّرَ عَنِ القُلُوبِ بِالصُّدُورِ لِأنَّها مَواضِعُ القُلُوبِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ قال: الساعة ﴿ إذ القلوب لدى الحناجر ﴾ قال: وقعت في حناجرهم من المخافة، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ قال: يوم القيامة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ إذ القلوب لدى الحناجر ﴾ قال: إذا عاين أهل النار النار حتى تبلغ حناجرهم، فلا تخرج فيموتون، ولا ترجع إلى أماكنها من أجوافهم.

وفي قوله: ﴿ كاظمين ﴾ قال: باكين.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَوْمَ الأزفة ﴾ يعني القيامة ومعناه القريبة ﴿ إِذِ القلوب لَدَى الحناجر ﴾ معناه أن القلوب قد صعدت من الصدور، لشدّة الخوف حتى بلغت الحناجر، فيحتمل أن يكون ذلك حقيقة أو مجاز عبرّ به عن شدّة الخوف.

والخناجر جمع حنجرة وهي الحلق ﴿ كَاظِمِينَ ﴾ أي محزونين حزناً شديداً كقوله: ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84] وقيل: معناه يكظمونت حزنهم أي يطمعون أن يخفوه، والحال تغلبهم، وانتصابه على الحال من أصحاب القلوب، لأن معناه قلوب الناس، أو من المفعول في أنذرهم أو من القلوب.

وجمعها جمع المذكر لمّا وصفها بالكظم الذي هو من أفعال العقلاء ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي صديق مشفق ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ يحتمل أن يكون نفي الشفاعة وطاعة الشفيع أو نفي طاعة خاصة.

كقولك: ما جاءني رجل صالح فنفيت الصلاح، وإن كان قد جاءك رجل غير صالح، والأول أحسن لأن الكفار ليس لهم من يشفع فيهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حم ﴾ وما بعده بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

وقرأ أبو جعفر ونافع بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب وذلك طبعاً لا اختلافاً لمعان مذكورة في "ص".

﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ لتنذر ﴾ بالتاء الفوقانية على أن الضمير للروح، وقد تؤنث، أو على خطاب الرسول: يعقوب غير رويس ﴿ التلاقي ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير ويعقوب وافق يزيد وورش وسهل وعباس في الوصل.

﴿ والذين تدعون ﴾ على الخطاب: نافع وهشام غير الرازي وابن مجاهد والنقاش وابن ذكوان ﴿ أشد منكم ﴾ ابن عامر.

الباقون ﴿ منهم ﴾ .

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ط كوفي ﴿ العليم ﴾ ه لا ﴿ الطول ﴾ ط ﴿ إلا هو ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ البلاد ﴾ ه ﴿ من بعدهم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ فأخذتهم ﴾ ط للابتداء بالتهديد ﴿ عقاب ﴾ ه ﴿ النار ﴾ م لئلا يتوهم أن ما بعده صفة أصحاب النار ﴿ آمنوا ﴾ ج لحق القول المحذوف ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ وذرياتهم ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه وقد يوصل للعطف ﴿ السيئات ﴾ ط ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ فتكفرون ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ﴿ كفرتم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع العطف ﴿ تؤمنوا ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ رزقاً ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ ذو العرش ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ التلاق ﴾ ه لا ﴿ بارزون ﴾ ج لاحتمال الاستئناف وتعلقه بالظرف ﴿ شيء ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب ﴿ القهار ﴾ ه ﴿ كسبت ﴾ ط ﴿ اليوم ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ كاظمين ﴾ ط ﴿ يطاع ﴾ ه ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ بشيء ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ واق ﴾ ه ﴿ فأخذهم الله ﴾ ط ﴿ العقاب ﴾ ه.

التفسير: ﴿ حم ﴾ اسم الله الأعظم.

وقيل: ﴿ حم ﴾ ما هو كائن أي قدّر.

وروي أن أعرابياً قال للنبي  : ما حم؟

فقال: أسماء وفواتح سور.

وقد تقدم القول في حواميم في مقدمات الكتاب وفي أول "البقرة".

ومن جملة تلك التقادير أن يقال: السورة المسماة بحم.

﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ وقد مر نظيره في أول "الزمر".

ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد فقال ﴿ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ﴾ قالت المعتزلة: معناه أنه غافر الذنب إذا استحق غفرانه إما بالتوبة إن كان كبيراً، أو طاعة أعظم منه ثواباً إن كان صغيراً.

وقال الأشعري: إنه قد يعفو عن الكبائر بدون التوبة لئلا يلزم التكرار بقوله ﴿ قابل التوب ﴾ وليفيد المدح المطلق ويؤيده إدخال الواو بين هذين الوصفين فقط كأنه قيل: الجامع بين المغفرة إن كانت بدون توبة وبين القبول إن كانت بتوبة فقد جمع للمذنب بين رحمتين بحسب الحالتين.

وقيل: غافر الذنب الصغير وقابل التوب عن الكبير، أو غافر الذنب بإسقاط العقاب وقابل التوب بإيجاب الثواب.

ثم إن قبول التوبة واجب على الله أم لا؟

فيه بحث أيضاً للفريقين.

فالمعتزلة أوجبوه، والأشعري يقول: إنه على سبيل التفضيل وإلا لم بتمدّح به.

والظاهر أن التوب مصدر.

وقيل: جمع توبة أي ما ذنب تاب منه العبد إلا قبل توبته.

وقد ذكر أهل الإعراب ههنا سؤالاً وهو أن غافر الذنب وقابل التوب يمكن بوجيههما بأنهما معرفتان كما سبق في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ وهو أنهما بمعنى الماضي أو الاستمرار فيصح وقوعهما صفتين لله إلا أن قوله ﴿ شديد العقاب ﴾ لا يمكن فيه هذا الوجه لأنه في معنى شديد عقابه.

فإن قلنا إنه صفة لزم وقوع النكرة صفة للمعرفة، وإن قلنا إنه بدل لزم نبوّ ظاهر للزوم بدل واحد فيما بين صفات كثيرة.

وأجيب على تقدير أن لا يكون الكل أبدالاً بأن الألف واللام من شديد محذوف لمناسبة ما قبله مع الأمن من اللبس ومن جهالة الموصوف، أو تعمد تنكيره من بين الصفات للإبهام والدلالة على فرط الشدة.

وجوزوا أن تكون هذه النكتة سبباً لجعله بدلاً من بين سائر أخواته.

وهذا ما قاله صاحب الكشاف.

وعندي أنه لا مانع من جعل ﴿ شديد العقاب ﴾ أيضاً للاستمرار والدوام حتى يصير إضافة حقيقية.

قوله ﴿ ذي الطول ﴾ أي ذي الفضل بسبب ترك العقاب وقد مر في قوله ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً  ﴾ وإنما أورد هذا الوصف بعد وصفه نفسه بشدة العقاب ليعلم أن خاتمة أمره مبنية على التفضل كما أن فاتحته مبنية على الغفران وقبول التوبة وقد تقع عقوبة في الوسط أعاذنا الله منها، إلا أنه لا يبقى مؤمن في النار خالداً ببركة قوله لا إله إلا الله وهو المبدأ وسبب علمه أنه إليه المصير وهو المعاد.

وفيه أن من آمن بالمبدأ والمعاد فإن أخل في الوسط ببعض التكاليف كان مرجواً أن يغفر الله له ويقبل توبته.

ثم بين أحوال من لا يقبل هذه التقريرات ولا يخضع لها فقال ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ والجدال في آياته نسبتها إلى الشعر تارة وإلى السحر أخرى إلى غير ذلك من المطاعن وفضول الكلام.

فأما البحث عنها لاستنباط حقائقها والوقوف على دقائقها وحل مشكلاتها فنوع من الجهاد في سبيل الله، ولمكان الفرق بين هذين الجدالين قال  "إن جدالاً في القرآن كفر" فنكر الجدال ليشمل أحد نوعيه فقط وهو الجدال بالباطل كما يجيء في قوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ ثم عقب الكلام بقوله ﴿ فلا يغررك ﴾ ليعلم أن جدالهم الصادر عن البطر والأشر والجاه والخدم لا اعتبار به وكذا ﴿ تقلبهم في البلاد ﴾ للتجارات والمكاسب فإن قريشاً كانت أصحاب أموال متجرين إلى الشام واليمن مترفين بأموالهم مستكبرين عن قبول الحق لذلك.

ثم مثل حالهم بحال الأمم السالفة الذين تحزبوا على الرسل وكادوا يقتلونهم فأهلكهم الله ودمرهم ونجى الرسل.

ثم بين بقوله ﴿ وكذلك حقت ﴾ أنهم في الآخرة أيضاً معذبون.

وقوله ﴿ أنهم أصحاب النار ﴾ بدل من ﴿ كلمة ربك ﴾ أي مثل ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم في الآخرة من أصحاب النار.

وجوّز جار الله أن يكون ﴿ أنهم ﴾ في محل النصب بحذف لام التعليل وإيصال الفعل.

وقوله ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش أي كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء لأن العلة الجامعة وهي أنهم أصحاب النار واحدة في الفريقين.

ومن قرأ ﴿ كلمات ﴾ على الجمع أراد بها علم الله السابق أو معلوماته التي لا نهاية لها، أو الآيات الواردة في وعيد الكفار.

وحين بين أن الكفار بالغوا في إظهار عداوة المؤمنين حكى أن أشرف طبقات أكثر المخلوقات وهم حملة العرش، والحافون حوله يبالغون في محبتهم ونصرتهم كأنه قيل: إن كان هؤلاء الأراذل يعادونهم فلا تبال بهم ولا تقم لهم وزناً فإن الأشراف يحابونهم.

روى صاحب الكشاف أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش وهم خشوع لا يعرفون طرفهم.

وروي عن النبي  "لا تتفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق من الملائكة فإن خلقاً من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله حتى يصير كأنه الوصع وهو طائر صغير شبه العصفور" وروي أن الله  أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة العرش تفضيلاً لهم على سائر الملائكة.

وقيل: خلق الله العرش من جوهرة خضراء وبين القائمتين من قوائمه خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام، وعدد حملة العرش يوم القيامة ثمانية لقوله عز وجل { ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ أما في غير ذلك الوقت فلا يعلم به إلا الله.

أما الذين حول العرش فقيل: سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون مهللين مكبرين ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير، ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا الأيمان على الشمائل ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لا يسبح به الآخر.

وهذه الآثار كلها منقولة من كتاب الكشاف.

سؤال: ما فائدة قوله ﴿ ويؤمنون به ﴾ ولا يخفى أن حملة العرش ومن حوله مؤمنون؟

أجاب في الكشاف بأن فائدته التنبيه على شرف الإيمان والترغيب فيه.

وأيضاً فيه تكذيب المجسمة فإن الأمر لو كان على زعمهم لكانت الملائكة يشاهدونه فلا يوصفون بالإيمان به لأنه لا يوصف بالإيمان إلا الغائب، فعلم أن إيمانهم كإيمان أهل الأرض والكل سواء في أن إيمانهم بطريق النظر والاستدلال.

واستحسن هذا الكلام الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير حتى ترحم عليه وقال: لو لم يكن في كتابه إلا هذه النكتة لكفى به فخراً وشرفاً.

وأنا أقول: لا نسلم أن الإيمان لا يكون إلا بالغائب وإلا لم يكن الإيمان بالنبي وقت تحديه بالقرآن.

وإن شئت فتأمل قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ فلو لم يكن إيمان بالشهادة لم يكن لقوله ﴿ بالغيب ﴾ فائدة.

على أنه يحتمل أن يشاهد الرب وينكر كونه إلهاً، ويمكن أن يكون محمول الشيء محجوباً عن ذلك الشيء فمن أين يلزم تكذيب المجسمة؟

وقال بعضهم في الجواب: أراد أنهم يسبحون تسبيح تلفظ لا تسبيح دلالة.

وزعم فخر الدين أن في الآية دلالة أخرى على إبطال قول أهل التجسيم إن الإله على العرش فإنه لو كان كما زعموا وحامل الشيء حامل لكل ما على ذلك الشيء لزم أن تكون الملائكة حاملين لإله العالم حافظين له، والحافظ أولى بالإلهية من المحفوظ.

قلت: لا شك أن هذه مغالطة فإن جاز الحمل لأجل العظمة وإظهار الكبرياء على ما يزعم الخصم في المسألة كيف يلزم منه ذلك؟

وهل يزعم عاقل أن الحمار أشرف من الإنسان الراكب عليه من جهة الركوب عليه؟

وإنما ذكرت ما ذكرت لكونه وارداً على كلام الإمامين مع وفور فضلهما وبعد غورهما، لا لأني مائل في المسألة على ما يزعم الخصم إلى غير معتقدهما.

قال جار الله: وقد روعي التناسب في قوله ﴿ ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ﴾ كأنه قيل: ويؤمنون ويستغفرون لمن في مثل حالهم، وفيه أنهم بعد التعظيم لأمر الله يقبلون على الشفقة على خلق الله ولا سيما المؤمنين لأن الإيمان جامع لا أجمع منه يجذب السماوي إلى الأرضي، والروحاني إلى العنصري.

احتج كثير من العلماء بالآية على أفضلية الملك قالوا: لأنها تدل على أنه لا معصية للملائكة وإلا لزم بحكم "ابدأ بنفسك" أن يستغفروا أوّلاً لأنفسهم قال الله  ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ ﴿ وقال نوح رب اغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً  ﴾ قلت: لا نزاع بالنسبة إليهم وإلى غير المعصومين من البشر وإنما النزاع بينهم وبين المعصومين فلا دليل في الآية، ولا يلزم من طلب الاستغفار لأحد.

لو سلم أن قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ عام أن يكون المستغفر له عاصياً على أنه قد خص الاستغفار في قوله ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ وهذا فيه بحث يجيء.

وفي قولهم ﴿ ربنا وسعت كل شيء رحمة ﴾ ولو بإعطاء الوجود ﴿ وعلماً ﴾ وقد مر في "الأنعام" إشارة إلى أن الحمد والثناء ينبغي أن يكون مقدماً على الدعاء.

وفي لفظ ﴿ ربنا ﴾ خاصية قوية في تقديم الدعاء كما ذكرنا في آخر "آل عمران" كأن الداعي يقول: كنت نفياً صرفاً وعدماً محض فأخرجتني إلى الوجود وربيتني فاجعل تربيتك لي شفيعاً إليك، ولا ريب أن ذكر الله أول كل شيء بمنزلة الإكسير الأعظم للنحاس من حيث إنه يقوّي جوهر الروح ويكسبه إشراقاً وصفاء.

وفي تقديم الرحمة على العلم فائدة هي أن مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين فكأنهم قالوا: ارحم من علمت منه التوبة واتباع الدين.

قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم وهم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة والثواب فهو بمنزلة الشفاعة، وإذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطاعة فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أنه لا قائل بالفرق.

وقال علماء السنة: إن مراد الملائكة ﴿ فاغفر للذين تابوا ﴾ عن الكفر ﴿ واتبعوا سبيلك ﴾ الإيمان وهذا لا ينافي كون المستغفر لهم مذنبين ومما يؤيد ما قلنا أن الاستغفار طلب المغفرة والمغفرة لا تذكر إلا في إسقاط العذاب، أما طلب النفع الزائد فإنه لا يسمى استغفاراً.

قال أهل التحقيق: هذا الاستغفار من الملائكة يجري مجرى الاعتذار من قولهم { ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ أما قوله ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ فتصريح بالمطلوب بعد الرمز لأن دلالة المغفرة على الوقاية من العذاب كالضمنية.

وحين طلبوا لأجلهم إسقاط العذاب ضمناً وصريحاً طلبوا إيصال الثواب إليهم بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ قال علماء السنة: كل أهل الإيمان موعودون بالجنة وإن كانوا من أهل الكبائر غاية ذلك أنهم يعذبون بالنار مدّة إن لم يكن عفواً وشفاعة ثم يخرجون إلى الجنة.

قال الفراء والزجاج: قوله ﴿ ومن صلح ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿ وأدخلهم ﴾ فيكون دعاء من الملائكة بإدخال هؤلاء الأصناف الجنة تكميلاً لأنس الأولين وتتميماً لابتهاجهم وإشفاقاً على هؤلاء أيضاً.

ويجوز أن يكون عطفاً على الضمير في ﴿ وعدتهم ﴾ لأنه  قال في سورة الرعد ﴿ أولئك لهم عقبى الدار  جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم  ﴾ وعلى هذا لا يشمل دعاء الملائكة هؤلاء الأصناف اللهم إلا ضمناً.

قال أهل السنة: المراد بمن صلح أهل الإيمان منهم وإن كانوا ذوي كبائر.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ إنك أنت العزيز الحكيم ﴾ لأنه إن لم يكن غالباً على الكل لم يصح منه وقوع المطلوب كما يراد، وإن لم يكن حكيماً أمكن منه وضع الشيء في غير موضعه.

ثم قالوا ﴿ وقهم السيئات ﴾ فقيل: يعني العقوبات أو عذاب السيئات على حذف المضاف.

واعترض بأنهم قالوا مرة وقهم عذاب الجحيم فيلزم التكرار.

وأجيب بأن الأوّل دعاء للأصول وهذه لفروعهم وهم الأصناف الثلاثة، أو الأول مخصوص بعذاب النار وهذا شامل لعذاب الموقف وعذاب الحساب وعذاب السؤال، أو المراد بالسيئات العقائد الفاسدة والأعمال الضارة، وعلى هذا يكون ﴿ يومئذ ﴾ في قوله ﴿ ومن تق السيئات يومئذ ﴾ إشارة إلى الدنيا.

وقوله ﴿ فقد رحمته ﴾ يجوز أن يكون في الدنيا وفي الآخرة.

قال في الكشاف: السيئات هي الصغائر والكبائر المتوب عنها، والوقاية منها التكفير أو قبول التوبة.

ثم إنه  عاد إلى شرح أحوال الكفرة المجالدين في آياته وأنهم سيعترفون يوم القيامة بما كانوا ينكرونه في الدنيا من البعث، وذلك إذا عاينوا النشأة وتذكروا النشأة الأولى فقال ﴿ إن الذين كفروا ينادون ﴾ أي يوم القيامة.

وفي الآية حذف وفيها تقديم وتأخير.

أما الحذف فالتقدير لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم، فاستغنى بذكرها مرة.

وأما التقديم والتأخير فهو أن قوله ﴿ إذ تدعون ﴾ منصوب بالمقت الأول.

وفي المقت وجوه: الأول كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون، وذلك أشد من مقتكم أنفسكم اليوم في النار إذ أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن وفيه توبيخ.

ولا ريب أن سخط الله وبغضه الشديد لا نسبة له إلى سخط غيره ولهذا أوردهم النار.

الثاني عن الحسن: لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا بلسان خزنة جهنم لمقت الله وهو قريب من الأول.

الثالث قال محمد بن كعب: إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ إلى قوله ﴿ ولوموا أنفسكم  ﴾ وفي هذه الحالة مقتوا أنفسهم.

فلعل المعنى.

لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ومن لعنه إياه.

وأما قول الكفرة في الجواب ﴿ ربنا أمتنا اثنتين ﴾ أي إماتتين اثنتين ﴿ وأحييتنا ﴾ إحياءتين ﴿ اثنتين ﴾ فللعلماء في تعيين كل من الاثنتين خلاف.

أما في الكشاف فذهب إلى أن الإماتتين إحداهما خلقهم أوّلاً أمواتاً ثم نطفة ثم علقة الخ كما في الآية الأخرى ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً  ﴾ ونسب هذا القول إلى ابن عباس ووجهه بأنه كقولك للحفار: ضيق فم الركية ووسع أسفلها وليس ثم نقل من كبر إلى صغر أو بالعكس، وإنما أردت الإنشاء على هذه الصفة.

والسبب في صحته أن كلا النعتين جائز على المصنوع الواحد وللصانع أن يختار أحدهما.

قلت: ومما يؤيد قوله أنه بدأ بالإماتة وإلا كان الأظهر أن يبدأ بالإحياء.

قال: والإماتة الثانية هي التي في الدنيا والإحياءة الأولى هي التي في الدنيا، والثانية هي التي بعد البعث.

وأورد على هذا القول أنه يلزم أن لا تكون الإحياءة في القبر والإماتة فيه مذكورتين في القرآن بل تكونان منفيتين مع ورودهما في الحديث.

أجاب بعضهم بأن حياة القبر والإماتة ممنوعة لأنه  لم يذكرها، والأحاديث الواردة فيها آحاد، ولأن الذي افترسه السبع لو أعيد حياً لزم نقصان شيء من السبع وليس بمحسوس، ولأن الذي مات لو تركناه ظاهراً بحيث يراه كل أحد لم يحس منه حياة وتجويز ذلك مع عدم الرؤية سفسطة وفتح لباب الجهالات.

وزيف هذا الجواب أهل الاعتبار بأن عدم ذكر الشيء لا يدل على عدمه، والأحاديث في ذلك الباب صحيحة مقبولة.

وإذا كان الإنسان جوهراً نورانياً مشرقاً مدبراً للبدن في كل طور على حد معلوم كما ورد في الشريعة الحقة زالت سائر الإشكالات، ولا يلزم قياس ما بعد الموت على ما قبله وللشرع في إخفاء هذه الأمور عن نظر المكلفين حكم ظاهرة حققناها لك مرات.

وقال بعضهم: في الجواب هذا كلام الكفار فلا يكون حجة.

وضعف بأنه لو لم يكن صادقاً لأنكر الله عليهم.

وقيل: إن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة: الموتة الأولى، والحياة في القبر، والموتة الثانية، والحياة في القيامة.

فأما الحياة في الدنيا فإنها وقت ترفههم وتنعمهم فلهذا السبب لم يذكروها.

وقيل: أهملوا ذكر حياة القبر لقصر مدتها أو لأنهم لم يموتوا بعد ذلك بل يبقون أحياء في الشقاوة حتى اتصل بها حياة القيامة وكانوا من جملة المستثنين في قوله ﴿ فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله  ﴾ ولا يخفى أن أكثر هذه الأقوال متكلفة ولا سيما الأخير فإن قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ عام.

ولو فرض أنه مخصوص بكفار معهودين فتخصيصهم بالحياة في القبر حتى يكونوا من المستثنين بعيد جداً.

وقد يدور في الخلد أن هذا النداء يحتمل أن يكون في القبر، وعلى هذا لا يبقى إشكال لأن الإماتة والإحياء التي بعد ذلك تخرج من غير تكلف وثبت سؤال القبر كما جاء في الحديث والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ فهل إلى خروج من سبيل ﴾ أي إلى نوع من الخروج والرد من القبر إلى الدنيا خروج سريع أو بطيء من سبيل قط أم اليأس الكلي واقع، وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط.

وكان الجواب الصريح أن يقال: لا أو نعم إلا أنه  رمز إلى عدم الخروج بقوله ﴿ ذلكم ﴾ أي ذلكم اليأس وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم في وقت التمكن من التوحيد أو ان التكليف ﴿ فالحكم لله العلي الكبير ﴾ حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي وكما يناسب عظمته وكبرياءه.

قيل: إن تحكيم الحرورية وهو قولهم "لا حكم إلا لله" مأخوذ من هذه الآية.

ثم أراد أن يذكر طرفاً من دلائل وحدانيته وكماله فقال ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ من الريح والسحاب والرعد والبرق ﴿ وينزل لكم من السماء ﴾ ماء هو سبب الرزق ﴿ وما يتذكر إلا من ينيب ﴾ أي ما يعتبر إلا الذي أناب إلى الله وأعرض عن الشرك لينفتح عليه أبواب الأنوار والمكاشفات.

ثم قال للمنيبين ﴿ فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون ﴾ قال جار الله: قوله ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح ﴾ ثلاثة أخبار لقوله هو مترتبة على الأول وهو قوله ﴿ الذي يريكم ﴾ أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً أوسطها معرفة.

ثم إن الرفيع إما أن يكون بمعنى الرافع أو بمعنى المرتفع، وعلى الأول فإما أن يراد رافع درجات الخلق في العلم والأخلاق الفاضلة كما قال ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ وكذا في الرزق والأجل بل جعل للملائكة مقامات معينة وللأجسام البسيطة العلوية والسفلية درجات معينة كما يشهد به علم الهيئة، وقد أشرنا إلى ذلك في أثناء هذا الكتاب.

أو يراد رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.

وأما على الثاني فلا ريب أنه  أشرف الموجودات وأجلها رتبة من جهة استغنائه في وجوده وفي جميع صفات وجوده عن كل ما سواه، وافتقار كل ما سواه إليه في الوجود وفي توابع الوجود.

واعلم أن كمال كبرياء الله لا يصل إليه عقول البشر فالطريق في تعريفه أن يؤيد المعقول بنحو من المحسوس، فلهذا عقب الله  هذه الصفة بصفتين أخريين، وذلك أن ما سوى الله إما جسمانيات وإما روحانيات.

أما الجسمانيات فأعظمها العرش فأشار بقوله ﴿ ذو العرش ﴾ إلى استيلائه على كلية عالم الأجسام، وأما الروحانيات فأشار إلى كونها تحت تسخيره بقوله ﴿ يلقي الروح ﴾ أي الوحي ﴿ من أمره ﴾ أي من عالم أمره ﴿ على من يشاء من عباده ﴾ وقد مر نظيره في الآية في أول سورة النحل.

وقيل من أمره حال ثم بين الغرض من الإلقاء بقوله ﴿ لينذر يوم التلاق ﴾ ووجه التسمية ظاهر لتلاقي الأجساد والأرواح فيه، أو لتلاقي أهل السماء والأرض كما قال عز من قائل ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً  ﴾ ولأن كل واحد يلاقي جزاء عمله.

وقال ميمون بن مهران: يوم يلتقي فيه الظالم والمظلوم، فربما ظلم رجل رجلاً وانفصل عنه ولم يمكن التلاقي أو استضعف المظلوم ففي يوم القيامة لا بد أن يتلاقيا.

وقوله ﴿ يوم هم بارزون ﴾ بدل من الأول.

ومعنى البروز ما مر في آخر سورة إبراهيم في قوله ﴿ وبرزوا لله الواحد القهار  ﴾ وقوله ﴿ لا يخفى على الله منهم شيء ﴾ تأكيد لذلك وهذا، وإن كان عاماً في جميع الأحوال وشاملاً للدنيا والآخرة إلا أنه خصص بالآخرة لأنهم في الدنيا كانوا يظنون أن بعض الأعمال تخفى على الله عند الاستتار بالحجب كما قال ﴿ ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون ﴾ فهو نظير قوله ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ ثم أكد تفرّده في ذلك اليوم بالحكم والقضاء بقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولا ريب أن الكلام مشتمل على جواب وسؤال وليس في لفظ الآية ما يدل على تعيين السائل ولا المجيب.

فقال جم من المفسرين ومن أرباب القلوب: إذا هلك كل من في السموات ومن في الأرض يقول الرب  : لمن الملك اليوم؟

فلا يجيبه أحد.

فهو  يجيب عن نفسه فيقول: لله الواحد القهار.

وأما الذين ألغوا صرف المعقول من أهل الأصول فقد أنكروا هذا القول إنكاراً شديداً لأنه  بين أن هذا النداء في يوم التلاقي والبروز يوم تجزى كل نفس بما كسبت، وكل هذا ينافي في كون الخلق هالكين وقتئذ، ولأن التكلم من غير سامع ولا مجيب عبث إلا أن يكون هناك ملائكة يسمعون ذلك النداء لكن المفروض فناء كل المخلوقين، فأما أن يكون حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به وذلك أن ينادي مناد فيقول: لمن الملك اليوم؟

فيجيبه أهل المحشر لله الواحد القهار، يقوله المؤمن تلذذاً والكافر هواناً وتحسراً على أن فاتتهم هذه المعرفة في الدنيا فإن الملك كان له من الأزل إلى الأبد.

وفائدة تخصيص هذا النداء يوم القيامة كما عرفت في ﴿ مالك يوم الدين  ﴾ يحكى أن نصر بن أحمد لما دخل نيسابور وضع التاج على رأسه ودخل عليه الناس فخطر بباله شيء فقال: هل فيكم من يقرأ آية؟

فقرأ رجل روّاس ﴿ رفيع الدرجات ذو العرش ﴾ فلما بلغ قوله ﴿ لمن الملك اليوم ﴾ نزل الأمير عن سريره ورفع التاج عن رأسه وسجد لله  وقال: لك الملك لا لي.

فلما توفي الروّاس رؤي في المنام فقيل له ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي وقال لي إنك عظمت ملكي في عين عبدي فلان يوم قرأت تلك الآية فغفرت لك وله.

ومما يدل على تفرده  قوله ﴿ لله الواحد القهار ﴾ فإن كل واحد من الأسماء الثلاثة ينبىء عن غاية الجلال والعظمة كما مر مراراً، وباقي الآية أيضاً مما سلف تفسيره مرات.

ثم وصف يوم القيامة بأنواع أخر من الصفات الهائلة فقال ﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وهي فاعلة من أزف الأمر أزوفاً إذا دنا، ولا ريب أن القيامة قريبة وإن استبعد الناس مداها لأن كل ما هو كائن فهو قريب.

قال جار الله: يجوز أن يريد بيوم الآزفة وقت لحظة الآزفة وهي مشارفتهم دخول النار فعند ذلك ترتفع قلوبهم عن مقارّها فتلصق بحناجرهم فلا هي تخرج فيموتوا ولا ترجع إلى مواضعها فيتنفسوا.

وقال أبو مسلم: يوم الآزفة يوم المنية وحضور الأجل لأنه  ذكر يوم القيامة في قوله ﴿ يوم التلاق يوم هم بارزون ﴾ فناسب أن يكون هذا اليوم غير ذلك اليوم، ولأنه  وصف يوم الموت بنحو هذه الصفة في مواضع أخر قال ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم  ﴾ ﴿ كلا إذا بلغت التراقي  ﴾ ولا ريب أن الرجل عند معاينة أمارات الموت يعظم خوفه، فلو جعلنا كون القلوب لدى الحناجر كناية عن شدّة الخوف جاز، ولو حملناه على ظاهره فلا بأس.

وقوله ﴿ كاظمين ﴾ أي مكروبين.

والكاظم الساكت حال امتلائه غماً وغيظاً قال عز من قائل ﴿ والكاظمين الغيظ  ﴾ وانتصابه على أنه حال عن أصحاب القلوب كأنه قيل: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، أو عن القلوب.

وجمع جمع السلامة بناء على أن الكظم من أفعال العقلاء كقوله ﴿ فظلت أعناقهم لها خاضعين  ﴾ أو عن ضمير المفعول في ﴿ وأنذرهم ﴾ أي وأنذرهم مقدّرين أو مشارفين الكظم فيكون حالاً مقدّرة.

وفي قوله ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيع ﴾ بحث بين الأشاعرة والمعتزلة حيث حمله الأوّلون على أهل الشرك، والآخرون على معنى أعم حتى يشمل أصحاب الكبائر.

وقد مرّ مراراً ولا سيما في قوله ﴿ وما للظالمين من أنصار  ﴾ ومعنى قوله ﴿ يطاع ﴾ يجاب أي لا شفاعة ولا إجابة كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** وذلك أنه لا يشفع أحد في ذلك اليوم إلا بإذن الله، فإن أذن له أجيب وإلا فلا يوجد شيء من الأمرين.

والفائدة في ذكر هذه الصفة أن يعلم أن الغرض من الشفيع منتفٍ في حقهم وإن فرض شفيع على ما يزعم أهل الشرك من أن الأصنام يشفعون لهم.

وقوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ خبر آخر لقوله ﴿ هو الذي يريكم آياته ﴾ إلا أنه فصل بالتعليل وهو قوله ﴿ لينذر ﴾ وذكر وصف القيامة استطراداً، قال جار الله: هي صفة للنظرة أو مصدر بمعنى الخيانة كالعافية، والمراد استراق النظر إلى ما لا يحل كما يفعل أهل الريب.

قال: ولا يحسن أن تكون الخائنة صفة للأعين مضافة إليها نحو "جرد قطيفة" أي يعلم العين الخائنة لأن قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ لا يساعد عليه.

قلت: يعني أن عطف العرض على الجوهر والمعنى على العين غير مناسب.

وقيل: هي قول الإنسان رأيت ولم ير وما رأيت ورأى.

ومضمرات الصدور أي القلوب فيها لأنها فيها.

قيل: هي ما يستره الإنسان من أمانة وخيانة.

وقيل: الوسوسة.

وقال ابن عباس: ما تخفي الصدور بعد النظر إليها أيزني بها أم لا.

أقول: والحاصل أنه  أراد أن يصف نفسه بكمال العلم فإن المجازاة تتوقف على ذلك.

ففي قوله ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ إشارة إلى أنه عالم بجميع أفعال الجوارح، وفي قوله ﴿ وما تخفي الصدور ﴾ دلالة على أنه عالم بجميع أفعال القلوب.

وإذا علمت هذه الصفة وقد عرفت من الأصناف السابقة كمال قدرته واستغنائه لم يبق شك في حقيّة قضائه فلذلك قال ﴿ والله يقضى بالحق ﴾ ثم وبخهم على عبادة من لا قضاء له ولا سمع ولا بصر بقوله ﴿ والذين يدعون ﴾ الخ.

ثم وعظهم بالنظر في أحوال الأمم السالفة وقد مر نظير الآية في مواضع.

وإنما قال في هذه السورة ﴿ ذلك بأنهم كانت ﴾ وفي "التغابن" ﴿ ذلك بأنه كانت  ﴾ موافقة لضمير الفصل في قوله ﴿ كانوا هم أشد ﴾ .

التأويل: الحاء والميم حرفان من وسط اسم الرحمن ومن وسط اسم محمد ففي ذلك إشارة إلى سر بينه وبين حبيبه  لا يسعه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ﴿ غافر الذنب ﴾ للظالم ﴿ وقابل التوب ﴾ للمقتصد ﴿ شديد العقاب ﴾ للكافر ﴿ ذي الطول ﴾ للسابق ﴿ وقهم عذاب الجحيم ﴾ أي عن موجباتها كالرياء واتباع الهوى ﴿ لمقت الله ﴾ إياكم حين حكم عليكم بالبعد والحرمان ﴿ أكبر من مقتكم أنفسكم ﴾ لو كنتم تمقتونها في الدنيا فإنها أعدى عدوّكم.

ومقتها منعها من هواها، ولا ريب أن عذاب البعد الأبديّ أشدّ من رياضة أيام معدودة قلائل.

﴿ ذو العرش ﴾ عرش القلوب استوى عليها بجميع الصفات وهم العلماء بالله المستغرقون في بحر معرفته.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ يُرِيكُمْ ﴾ هو ما أراهم بمكذبي رسله ومصدقهم من أوائلهم حيث استأصل هؤلاء بتكذيبهم رسله، وأنجى مصدقيهم بتصديقهم إياه؛ ليحذر هؤلاء عن تكذيب رسوله.

وقال بعضهم: أراهم آيات وحدانيته وربوبيته وقدرته وسلطانه في السماوات والأرض ما لو تأملوا لعرفوا ذلك؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ آيات وحدانيته وربوبيته، وذكر أنهم يمرون عليها، أي: يرونها - لكنهم يعرضون عنها، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : يا أهل مكة إذا سافرتم رأيتم آيات المتقدمين ومنازلهم وهلاكهم؛ وهو الأول بعينه.

وقوله: ﴿ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً ﴾ .

يخبر عن آيات وحدانيته أيضاً: أنه ينزل رزقهم من السماء، وحيل الخلق تنقطع عن استنزال الرزق من السماء؛ ليعلموا أن منشئ الأرض والسماء واحد حيث اتصل منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما.

ويحتمل أنه يذكر نعمه عليهم حيث يعلمون أنه هو الذي أنزل أرزاقهم من السماء دون من يعبدون من الأصنام، فكيف تصرفون عبادتكم وشكركم إلى غيره؟!

وقوله: ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ ﴾ .

وما يتذكر بما ذكر من الآيات ولا يتأملها إلا من ينيب إليه بطاعته.

أو يقول: لا يتذكر ولا يتعظ بآياته ومواعيده إلا من ينيب إليه بالقبول لأمره وطاعته.

وقوله: ﴿ فَٱدْعُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

كأن هذا صلة ما تقدم من قوله  : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ ٱشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ...

﴾ الآية [الزمر: 45]، وصلة قوله: ﴿ ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ ﴾ يقول: فادعوا الله يا أصحاب محمد، وأيها المؤمنون مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون ذلك، ووحدوه، ولا تشركوا به شيئاً على ما يشرك به أهل مكة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: رفيع السماوات درجة على درجة، وطبقاً على طبق؛ على ما رفعها واحدة على أخرى.

والثاني: قوله: ﴿ رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ﴾ أي: درجات أهلها ومنازلهم التي جعلها لهم في الآخرة على تفضيل بعض على بعض في الدرجات؛ كقوله -  -: ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً  ﴾ : أخبر أنه فضل بعضاً على بعض في الدرجات في الآخرة، فجائز أن يكون ما ذكر من رفع الدرجات هو رفع السماوات درجة فدرجة، فهو إخبار عن قدرته وسلطانه أنه من قدر على رفع السماوات في الهواء وإقرارها فيه بلا سبب من أسباب إمساكها من التعليق بشيء، مع ثقلها وغلظها ولا شيء يقر في الهواء بحيث لا ينحط ولا يتسفل ولا يرتفع عن أماكنه بلا سبب من الأسفل والأعلى لا يحتمل أن يعجزه شيء أو يخفى عليه شيء أو يمنعه [شيء] عما يريد، والله أعلم.

وإن كان المراد بالدرجات التي يجعل لأهلها في الآخرة إنما يستوجبونها بالله  بأعمال تكون لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ﴾ ، اختلف فيه: قال بعضهم: هو جبريل -  - ﴿ يُلْقِي ﴾ أي: ينزل بالوحي بالنبوة ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ  ﴾ أخبر أنه أمين؛ ليعلم أنه ليس في إنزاله غلط ولا شيء مما قاله بعض الروافض: إنه بعث إلى فلان وأداه إلى غيره.

وقال بعضهم: الروح هاهنا هو الوحي والرسالة؛ يقول: ﴿ يُلْقِي ﴾ هو الوحي على من يختار ويصطفي من عباده، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُنذِرَ يَوْمَ ٱلتَّلاَقِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: يوم يلقى أهل الأرض أهل السماء.

وقال بعضهم: يوم يلقى الآخرون الأولين.

وجائز أن يكون هو يوم يلقى الإنسان عمله وأفعاله التي عملها، والله أعلم.

وقالت الباطنية: أي: يوم يلقى الصور المتولدة من الأجساد بأعمال الخير والشر التي كانت لهم في الدنيا الصور التي كانت لهم روحانية؛ لأن من مذهبهم أن من مات منهم يحدث ويتولد بالأعمال التي كانت لهم من الخير صوراً روحانية تلقى هذه الصورة الحادثة المتولدة من الأجساد بعد الموت، ويكون البعث عندهم للأرواح فتتصل هذه الأرواح النورانية بالنور الصرف، ويستدلون بقوله: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ ، أي: تبرز تلك الصور الروحانية من الأجساد؛ إذ الخلائق كلهم في جميع الأحوال والأوقات بارزون ظاهرون لله  لم يكونوا في وقت مستورين عنه.

ولكن هذا فاسد؛ لأنه لو كان الأمر على ما يقوله الباطنية لكانت الأنفس إذا نامت وخرجت منها الصور الروحانية، فرأت رؤيا كانت تراها مختلطة غير متحققة، وفي حالة اليقظة تراها متحققة غير مختلطة؛ دل أن الإدراك للأجساد بواسطة الصور الروحانية، فيجب أن يكون البعث للكل، والله أعلم.

ولكن الوجه في ذلك ما ذكرنا، وأصله أنه سمي ذلك اليوم على ما سمي: يوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم الحشر، وغير ذلك، سمي ذلك اليوم على أسماء مختلفة، كل اسم من ذلك لمعنى غير المعنى الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ .

قال بعضهم: أي: ظاهرون، لا شيء هنالك يسترهم، أي: يرتفع يومئذ جميع السواتر؛ وهو كقوله  : ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، أي: لا شيء فيها، يذكر هذا لأن من الناس من يقول: يستر الأشياء عن الله  بالسواتر ردّاً لقولهم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ﴾ سمي ذلك اليوم: يوم البروز؛ لما يتفقون جميعاً ويقرون بالكلمة التي اختلفوا في الدنيا فيها، فيبرزون جميعاً متفقين مقرين على تلك الكلمة يومئذ وهي كلمة التوحيد، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون سماه: يوم البروز، والمصير، والرجوع، وما ذكر؛ لأن المقصود من إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق ذلك اليوم وتلك الدار، وكذلك صار إنشاء الدنيا وإنشاء ما فيها حكمة؛ لما عرف أن الإنشاء للإفناء خاصة ليس بحكمة، فخص ذلك اليوم بما ذكرنا وإن كانوا في جميع الأحوال بارزين إليه ظاهرين له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ﴾ .

ظاهر، وهو رد لقول من يقول: إن شيئاً يستر على الله [تعالى الله] عن ذلك علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إذا أهلك الله  أهل الأرض وأهل السماء فلم يبق أحد إلا الله  ، فعند ذلك يقول: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؟

فلا يجيبه أحد، فيقول هو في نفسه ويجيب نفسه: ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ، لكن هذا بعيد لا يحتمل أن يقول: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ولا أحد سواه، ويجيب نفسه: ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ؛ لما لا حكمة في ذلك: أن يسأل نفسه ثم يجيبها، لكن الوجه فيه - والله أعلم - أنه إنما يقول لهم ذلك إذا بعثهم وأحياهم: ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ﴾ ؟

فيقول الخلائق له بأجمعهم ﴿ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ ﴾ ، يقرون له جميعاً يومئذ بالملك والربوبية وإن كان بعض الخلائق في الدنيا قد نازعوه في الملك فيها وادعوا لأنفسهم، فيقرون يومئذ أن الملك في الدنيا والآخرة لله  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ ﴾ .

أي: من خير أو شر.

﴿ لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ ﴾ .

أي: لا تجزى غير ما كسبت.

ويحتمل ﴿ لاَ ظُلْمَ ﴾ أي: لا نقصان في الحسنات التي عملوها، ولا زيادة على السيئات التي اكتسبوها، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .

قد ذكرنا هذا أيضاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلأَزِفَةِ ﴾ .

سمى ذلك اليوم [الآزفة] لقربه ودنوه منه؛ وعلى ذلك سماه: غدا، وقريباً؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ...

﴾ الآية [الأنبياء: 1]؛ فعلى ذلك سماه "آزفة" لدنوه وقربه منهم، يقال: أزف فلان إلى فلان، أي: قرب ودنا منه، ومعناه: أي: أنذرهم بما إليه مرجع عاقبتهم ومصيرهم؛ لأن أهل العقل والتمييز إنما يعملون ويسعون للعاقبة وما إليه يرجع أمورهم وهو ذلك اليوم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ ﴾ .

يخبر عن شدة حالهم وفزعهم في ذلك اليوم، ليس أن يزول قلوبهم عن أمكنتها وترتفع إلى الحناجر حقيقة، ولكنه وصف لشدة حالهم في ذلك اليوم وكثرة خوفهم وفزعهم وضيق صدورهم؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ  ﴾ أي: ضاقت صدورهم وقلوبهم بما حل بهم من الشدائد والأهوال، ليس أن صارت الأرض في الحقيقة مضيقة لا يسعون فيها، ولكن وصف لضيق صدورهم لعظم ما نزل بهم، فكنى بضيق الأرض عن ضيق صدورهم؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من كون القلوب لدى الحناجر كناية عن ضيق صدورهم لشدة حالهم وعظيم ما حل بهم، والله أعلم.

والحناجر: هي مواضع الذبح من الشاة وغيرها من الدواب، واحدها: حنجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَاظِمِينَ ﴾ .

قال بعضهم: الكاظم: المغموم الذي يتردد خوفه في جوفه غيظاً؛ لما كان منه في الدنيا.

وقيل: الكاظم لا يتكلم، قد كظم من الخوف.

وقيل: الذي لا يفتح فمه؛ وهو قريب بعضهم من بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ .

أي: قريب، وقيل: الحميم: هو الذي يهتم بأمر صاحبه، ويسعى في دفع ما نزل به من البلاء.

وقوله: ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴾ .

أي: يجاب: يذكر: ألا يكون لهم في الآخرة قريب يهتم لأمرهم، ولا شفيع يشفع لهم؛ فيجاب كما يكون في الدنيا؛ وكذلك قوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا يكون لهم شفعاء ينفعهم شفاعتهم، وهو ما قال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ...

﴾ الآية [البقرة: 254].

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ ﴾ ، والخيانة واحد، وهو ما قال عز وجل: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ  ﴾ أي: خيانة منهم.

وقال بعضهم: هي النظرة بعد النظرة: أما الأولى فليس فيها شيء، وأما الثانية فعليه مأثمها.

وقوله: ﴿ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ ﴾ .

أي: ما لم يتكلم به المرء ولم يعمل، كل ذلك يعلمه الله  .

وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي النظرة فيما لا يحل والغمزة بعينه؛ وهو مثل الأول.

وقال بعضهم: خائنة الأعين: هي التي ينتظرها: غفلة الناس إذا غفلوا عنه، نظر إلى ما يهواه ويحبه، و ﴿ تُخْفِي ٱلصُّدُورُ ﴾ هو ما ذكر - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ  ﴾ يذكر هذا ليكونوا أبداً مراقبين أنفسهم، حافظين لها عما لا يحل من السمع والبصر والفؤاد، وعلى ما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً  ﴾ ، ليكونوا أبداً على حذر من ذلك وخوف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وخوِّفهم -أيها الرسول- يوم القيامة، هذهِ القيامة التي اقتربت، فهي آتية، وكل ما من شدة هولها مرتفعة وحتى تصل إلى حناحر أصحابها، الذين يكونون صامتين لا يتكلم أحد منهم إلا من أذن له الرحمن، وليس للظالمين لأنفسهم بالشرك والمعاصى من صديق ولا قريب، ولا شفيع يطاع إذا قُدِّرَ له أن يشفع.

<div class="verse-tafsir" id="91.1376r"

مزيد من التفاسير لسورة غافر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده