الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٥٨ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٨ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال : ( وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ) أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا ، والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره ، بل بينهما فرق عظيم ، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار ، ( قليلا ما تتذكرون ) أي : ما أقل ما يتذكر كثير من الناس .
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) وما يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا, وهو مثل الكافر الذي لا يتأمل حجج الله بعينيه, فيتدبرها ويعتبر بها, فيعلم وحدانيته وقُدرته على خلق ما شاء من شيء, ويؤمن به ويصدّق.
والبصير الذي يرى بعينيه ما شخص لهما ويبصره, وذلك مثل للمؤمن الذي يرى بعينيه حجج الله, فيتفكَّر فيها ويتعظ, ويعلم ما دلت عليه من توحيد صانعه, وعظيم سلطانه وقُدرته على خلق ما يشاء; يقول جلّ ثناؤه: كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن.( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول جلّ ثناؤه: ولا يستوي أيضا كذلك المؤمنون بالله ورسوله, المطيعون لربهم, ولا المسيء, وهو الكافر بربه, العاصي له, المخالف أمره ( قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ) يقول جل ثناؤه: قليلا ما تتذكرون أيها الناس حجج الله, فتعتبرون وتتعظون; يقول: لو تذكرتم آياته واعتبرتم, لعرفتم خطأ ما أنتم عليه مقيمون من إنكاركم قدرة الله على إحيائه من فني من خلقه من بعد الفناء, وإعادتهم لحياتهم من بعد وفاتهم, وعلمتم قبح شرككم من تشركون في عبادة ربكم.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( تَتَذَكَّرُونَ ) فقرأت ذلك عامة قرّاء أهل المدينة والبصرة: " يَتَذَكَّرُونَ" بالياء على وجه الخبر, وقرأته عامة قرّاء الكوفة: ( تَتَذَكَّرُونَ ) بالتاء على وجه الخطاب, والقول في ذلك أن القراءة بهما صواب.
قوله تعالى : وما يستوي الأعمى والبصير أي المؤمن والكافر والضال والمهتدي .
والذين آمنوا وعملوا الصالحات أي ولا يستوي العامل للصالحات ولا المسيء الذي يعمل السيئات .
قليلا ما تتذكرون قراءة العامة بياء على الخبر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ، لأجل ما قبله من الخبر وما بعده .
وقرأ الكوفيون بالتاء على الخطاب .
أي: كما لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي من آمن بالله وعمل الصالحات، ومن كان مستكبرًا على عبادة ربه، مقدمًا على معاصيه، ساعيًا في مساخطه، { قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ } أي: تذكركم قليل وإلا، فلو تذكرتم مراتب الأمور، ومنازل الخير والشر، والفرق بين الأبرار والفجار، وكانت لكم همة عليه، لآثرتم النافع على الضار، والهدى على الضلال، والسعادة الدائمة، على الدنيا الفانية.
قوله تعالى : ( وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون ) قرأ أهل الكوفة " تتذكرون " بالتاء ، وقرأ الآخرون بالياء ، لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم .
«وما يستوي الأعمى والبصير و» لا «الذين آمنوا وعملوا الصالحات» وهو المحسن «ولا المسيء» فيه زيادة لا «قليلا ما يتذكرون» يتعظون بالياء والتاء، أي تذكرهم قليل جدا.
وما يستوي الأعمى والبصير، وكذلك لا يستوي المؤمنون الذين يُقِرُّون بأن الله هو الإله الحق لا شريك له، ويستجيبون لرسله ويعملون بشرعه، والجاحدون الذين ينكرون أن الله هو الإله الحق، ويكذبون رسله ولا يعملون بشرعه.
قليلا ما تتذكرون -أيها الناس- حجج الله، فتعتبرون، وتتعظون بها.
وقوله - تعالى - ( وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسياء .
.
.
) نفى لعدم المساواة بين الأخيار والأشرار .
والمتقين والفجار .
.أى : كما أنه لا يصح فى عرف أى عاقل المساواة بين الأعمى والبصير .
كذلك لا تصح المساواة بين المؤمنين الذين قدموا فى دنياهم العمل الصالح ، وبين الكافرين والفاسقين الذين لطخوا حياتهم بالعمل السيئ ، والفعل القبيح .
.ولفظ " قليلا " فى قوله - تعالى - ( قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ ) مفعول مطلق ، وهو صفة لموصوف محذوف ، و " ما " مزيدة للتأكيد .
أى .
تذكرا قليلا تتذكرون .
اعلم أنا بينا أن الكلام في أول هذه السورة إنما ابتدئ رداً على الذين يجادلون في آيات الله، واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي لخصناه، والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع، ثم إنه تعالى نبّه في هذه الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة، فقال: ﴿ إِنَّ الذين يجادلون فِي ءايات الله بِغَيْرِ سلطان ﴾ إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك، لأن النبوّة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في خدمتك، فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة.
ثم قال تعالى: ﴿ مَّا هُم ببالغيه ﴾ يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا المراد، بل لابد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك، ثم قال: ﴿ فاستعذ بالله ﴾ أي فالتجئ إليه من كيد من يجادلك ﴿ إِنَّهُ هُوَ السميع ﴾ بما يقولون، أو تقول: ﴿ البصير ﴾ بما تعمل ويعملون، فهو يجعلك نافذ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم.
واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالاً، فقال: ﴿ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة، وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها: أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد.
وثانيها: أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله، فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم مثله.
وثالثها: أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ألبتة، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات والأرض هو الله سبحانه وتعالى، ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه أولاً، فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب، ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر، فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب، ولما بيّن الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون، وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون، نبّه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير ﴾ يعني وما يستوي المستدل والجاهل المقلد، ثم قال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسئ ﴾ فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل، والمراد بالثاني التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة، ثم قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ يعني أنهم وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد، إلا أنه قليلاً ما تتذكرون في النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل، والنوع المعين من العمل أنه عمل صالح أو فاسد، فإن الحسد يعمي قلوبهم، فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة، فهذا هو المراد من قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ قرأ عاصم وحمزة والكسائي ﴿ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب، أي قل لهم قليلاً ما تتذكرون، والباقون بالياء على الغيبة.
ولما قرر الدليل الدال على إمكان وجود يوم القيامة، أردفه بأن أخبر عن وقوعها ودخولها في الوجود فقال: ﴿ إِنَّ الساعة لأَتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة.
<div class="verse-tafsir"
ضرب الأعمى والبصير مثلاً للمحسن والمسيء.
وقرئ: ﴿ يتذكرون ﴾ بالياء والتاء، والتاء أعم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ فَمَن قَدَرَ عَلى خَلْقِها مَعَ عِظَمِها أوَّلًا مِن غَيْرِ أصْلٍ قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ ثانِيًا مِن أصْلٍ، وهو بَيانٌ لِأشْكَلِ ما يُجادِلُونَ فِيهِ مَن أمْرِ التَّوْحِيدِ.
﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ لِأنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَأمَّلُونَ لِفَرْطِ غَفْلَتِهِمْ واتِّباعِهِمْ أهْواءَهم.
﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ولا المُسِيءُ ﴾ والمُحْسِنُ والمُسِيءُ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهم حالٌ يَظْهَرُ فِيها التَّفاوُتُ، وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ وزِيادَةُ لا في المُسِيءِ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواتِهِ لِلْمُحْسِنِ فِيما لَهُ مِنَ الفَضْلِ والكَرامَةِ، والعاطِفُ الثّانِي عَطْفُ المَوْصُولِ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الأعْمى والبَصِيرِ لِتَغايُرِ الوَصْفَيْنِ في المَقْصُودِ، أوِ الدَّلالَةِ بِالصَّراحَةِ والتَّمْثِيلِ.
﴿ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكُّرًا ما قَلِيلًا يَتَذَكَّرُونَ، والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ.
وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِالتّاءِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ، أوِ الِالتِفاتِ أوْ أمْرِ الرَّسُولِ بِالمُخاطَبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسىء} لا زائدة {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ} تتعظون بتاءين كوفي وبياء وتاء غيرهم وقليلا صفة مصدر محذوف أي تذكراً قليلاً يتذكرون وما صلة زائدة
﴿ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ أيِ الغافِلُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ في مَبْدَئِهِ ومَعادِهِ ومَن كانَتْ لَهُ بَصِيرَةٌ في مَعْرِفَتِهِما، وتَفْسِيرُ ( اَلْبَصِيرُ ) بِاللَّهِ تَعالى ( والأعْمى ) بِالصَّنَمِ غَيْرُ مُناسِبٍ هُنا ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيِ المُحْسِنُ ولِذا قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا المُسِيءُ ﴾ وعَدَلَ عَنِ التَّقابُلِ الظّاهِرِ كَما في الأعْمى والبَصِيرِ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ إشارَةً إلى أنَّ المُؤْمِنِينَ عَلَمٌ في الإحْسانِ، وقُدِّمَ ( اَلْأعْمى ) لِمُناسَبَةِ العَمى ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ العِلْمِ، وقُدِّمَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدُ لِمُجاوِرَةِ البَصِيرِ ولِشَرَفِهِمْ، وفي مِثْلِهِ طُرُقٌ أنْ يُجاوِرَ كُلٌّ ما يُناسِبُهُ كَما هُنا، وأنْ يُقَدَّمَ ما يُقابِلُ الأوَّلَ ويُؤَخَّرُ ما يُقابِلُ الآخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ ﴾ ﴿ ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ ﴾ ﴿ ولا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ ﴾ وأنْ يُؤَخَّرَ المُتَقابِلانِ كالأعْمى والأصَمِّ والسَّمِيعِ والبَصِيرِ وكُلُّ ذَلِكَ مِن بابِ التَّفَنُّنِ فِي البَلاغَةِ وأسالِيبِ الكَلامِ، والمَقْصُودُ مَن نَفْيِ اسْتِواءِ مَن ذُكِرَ بَيانُ أنَّ هَذا التَّفاوُتَ مِمّا يُرْشِدُ إلى البَعْثِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَسْتَوِي الغافِلُ والمُسْتَبْصِرُ والمُحْسِنُ والمُسِيءُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهم حالٌ أُخْرى يَظْهَرُ فِيها ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ وهي فِيما بَعْدَ البَعْثِ.
وأُعِيدَتْ لا في المُسِيءِ تَذْكِيرًا لِلنَّفْيِ السّابِقِ لِما بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ بِطُولِ الصِّلَةِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ أنَّ الكافِرَ المُسِيءَ لا يُساوِي المُؤْمِنَ المُحْسِنَ، وذِكْرُ عَدَمِ مُساواةِ الأعْمى لِلْبَصِيرِ تَوْطِئَةً لَهُ، ولَوْ لَمْ يَعُدِ النَّفْيُ فِيهِ فَرُبَّما ذَهَلَ عَنْهُ وظَنَّ أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ، ولَوْ قِيلَ: ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِيهِ أيْضًا لِاحْتِمالٍ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و ﴿ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ خَبَرُهُ وجُمِعَ عَلى المَعْنى قالَهُ الخَفاجِيُّ، وهو أنَّ تَمَّ فِعْلَيِ القِراءَةِ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقِيلَ: لَمْ يَقُلْ ولا الَّذِينَ آمَنُوا والمُسِيءُ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْيُ مُساواةِ المُسِيءِ لِلْمُحْسِنِ لا نَفْيُ مُساواةِ المُحْسِنِ لَهُ إذِ المُرادُ بَيانُ خَسارَتِهِ ولا يَصْفُو عَنْ كَدَرٍ فَتَدَبَّرْ، والمَوْصُولُ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مَعْطُوفٌ عَلى ( اَلْأعْمى ) مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفَ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ ﴾ ولَمْ يُتْرَكِ العَطْفُ بَيْنَهُما بِناءً عَلى أنَّ الأوَّلَ مُشَبَّهٌ بِهِ والثّانِيَ مُشَبَّهٌ وهُما مُتَّحِدانِ مَآلًا لِأنَّ كُلًّا مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ مُغايِرٌ لِكُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ وتَغايُرُ الصِّفاتِ كَتَغايُرِ الذَّواتِ في صِحَّةِ التَّعاطُفِ، ووَجْهُ التَّغايُرِ أنَّ الغافِلَ والمُسْتَبْصِرَ والمُحْسِنَ والمُسِيءَ صِفاتٌ مُتَغايِرَةُ المَفْهُومِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ اتِّحادِ ما صَدَقَهُما وعَدَمِهِ، وقِيلَ: التَّغايُرُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ والوَصْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ مِن جِهَةِ أنَّ القَصْدَ في الأوَّلَيْنِ إلى العِلْمِ، وفي الأخِيرَيْنِ إلى العَمَلِ، وهو وجْهٌ لا بَأْسَ بِهِ، وقِيلَ: هُما وإنِ اتَّحَدا ذاتًا مُتَغايِرانِ اعْتِبارًا مِن حَيْثُ إنَّ الثّانِيَ صَرِيحٌ والأوَّلَ مَذْكُورٌ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ، ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ لَوِ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ هَذِهِ المُغايَرَةِ لَزِمَ جَوازُ عَطْفِ المُشَبَّهِ عَلى المُشَبَّهِ بِهِ وعَكْسِهِ.
﴿ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا تَتَذَكَّرُونَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ والأعْرَجُ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ لِلنّاسِ أوِ الكُفّارِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتّاءُ أعَمُّ، وعَلَّلَهُ صاحِبُ التَّقْرِيبِ بِأنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ الخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ، وقالَ القاضِي: إنَّ التّاءَ لِلتَّغَيُّبِ أوِ الِالتِفاتِ أوْ أمْرِ الرَّسُولِ بِالمُخاطَبَةِ أيْ بِتَقْدِيرِ قُلْ قَبْلَهُ، وآثَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ الِالتِفاتَ لِأنَّ العُدُولَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ يَدُلُّ عَلى العُنْفِ الشَّدِيدِ والإنْكارِ البَلِيغِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِخَلْقِ السَّماواتِ وهو كَلامٌ مَعَ المُجادِلِينَ.
وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ ما ذَكَرَ نُكْتَةَ التَّغْلِيبِ فَيَكُونُ أوْلى لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ أيْضًا فَلْيُفْهَمْ، والظّاهِرُ أنَّ التَّغْلِيبَ جارٍ عَلى احْتِمالِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلنّاسِ واحْتِمالِ كَوْنِهِ لِلْكُفّارِ لِأنَّ بَعْضَ النّاسِ أوِ الكُفّارِ مُخاطَبٌ هُنا والتَّقْلِيلُ أيْضًا يَصِحُّ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ مِنهم مَن يَتَذَكَّرُ ويَهْتَدِي، وقالَ الجَلَبِيُّ: الضَّمِيرُ إذا كانَ لِلنّاسِ فالتَّقْلِيلُ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ والمُسْتَثْنى هُمُ المُؤْمِنُونَ وإذا كانَ لِلْكَفّارِ فَهو بِمَعْنى النَّفْيِ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ المُخاطَبَ مَن خاطَبَهُ مِن قُرَيْشٍ فَمَن قالَ: المُخاطَبُ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ ﴾ ولا يُناسِبُ إدْخالُهُ فِيمَن لَمْ يَتَذَكَّرْ فَقَدْ سَها ولَمْ يَتَذَكَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى يعني: التوراة فيها هدى، ونور من الضلالة، وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ يعني: أعطيناهم على لسان الرسل التوراة، والإنجيل، والزبور هُدىً أي: بياناً من الضلالة.
ويقال: فيه نعت محمد وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ يعني: عظة لذوي العقول.
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: اصبر يا محمد على أذى المشركين.
فإن وعد الله حق، وهو ظهور الإسلام على الأديان كلها، وفتح مكة.
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ.
وهذا قبل نزول قوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 2] .
ويقال: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ أي: لذنب أمتك وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي: صل بأمر ربك بِالْعَشِيِّ أي: صلاة العصر، وَالْإِبْكارِ يعني: صلاة الغداة.
ويقال: سبح الله تعالى، واحمده بلسانك في أول النهار، وآخره.
إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ قال الكلبي ومقاتل: يعني: اليهود، والنصارى، كانوا يجادلون في الدجال.
وذلك أنهم كانوا يقولون: إن صاحبنا يبعث في آخر الزمان، وله سلطان، فيخوض البحر، وتجري معه الأنهار، ويرد علينا الملك.
فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: في الدجال.
لأن الدجال آية من آيات الله، بِغَيْرِ سُلْطانٍ أي: بغير حجة أَتاهُمْ من الله.
إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ أي: ما في قلوبهم إلا عظمة مَّا هُمْ بِبالِغِيهِ يعني: ما هم ببالغي ذلك الكبر الذي في قلوبهم، بأن الدجال منهم.
وقال القتبي: إِنْ في صُدُورِهِمْ إِلاَّ تكبراً على محمد ، وطمعاً أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك.
وقال الزجاج: معناه وما هم ببالغي إرادتهم، وإرادتهم دفع آيات الله.
وروى أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية قال: إن اليهود ذكروا الدجال، وعظموا أمره، فنزل: إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ يعني: إن الدجال من آيات الله فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من فتنة الدجال، فإنه ليس ثم فتنة أعظم من فتنة الدجال.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقول اليهود، الْبَصِيرُ يعني: العليم بأمر الدجال.
ويقال: السَّمِيعُ لدعائك، الْبَصِيرُ برد فتنة الدجال عنك.
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ قال الكلبي ومقاتل: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الدجال.
ويقال: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أعظم من خلق الناس بعد موتهم.
يعني: أنهم يبعثون يوم القيامة، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ أن الدجال خلق من خلق الله.
ويقال: لا يعلمون أن الله يبعثهم، ولا يصدقون.
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الكافر، والمؤمن في الثواب، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ يعني: لا يستوي الصالح، مع الطالح، قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ أي: يتعظون، ويعتبرون.
قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: تَتَذَكَّرُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.
والباقون: بالياء يَتَذَكَّرُونَ على معنى الخبر عنهم.
وفي كلا القراءتين مَا للصلة، والزينة.
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها يعني: قيام الساعة آتية لا شك فيها عند المؤمنين، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ أي: لا يصدقون الله تعالى.
وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال الكلبي معناه: وحدوني، أغفر لكم.
وقال مقاتل: معناه: وقال ربكم لأهل الإيمان، ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي أي: عن توحيدي، فلا يؤمنون بي، ولا يطيعونني.
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي: صاغرين.
ويقال: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي يعني: الدعاء بعينه: أَسْتَجِبْ لَكُمْ يعني: أستجب دعاءكم.
وقال بعض المتأخرين: معناه ادعوني بلا غفلة، أستجب لكم بلا مهلة.
وقيل أيضاً: ادعوني بلا جفاء، أستجب لكم بالوفاء.
وقيل أيضاً: ادعوني بلا خطأ، أستجب لكم مع العطاء.
وروى النعمان بن بشير، عن النبي أنه قال: «إنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قرأ: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ» قرأ ابن كثير، وعاصم، في رواية أبي بكر، وإحدى الروايتين، عن أبي عمرو: سَيَدْخُلُونَ بضم الياء، ونصب الخاء على معنى فعل ما لم يسم فاعله، وتكون جهنم مفعولاً ثانياً.
والباقون: يدخلون بنصب الياء، وضم الخاء، على الإخبار عنهم بالفعل المستقبل، على معنى سوف يدخلون.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ أي: خلق لكم الليل، لِتَسْكُنُوا فِيهِ أي: لتستقروا فيه، وتستريحوا فيه، وَالنَّهارَ مُبْصِراً أي: مضيئاً لابتغاء الرزق، والمعيشة.
ويقال: مُبْصِراً معناه: يبصر فيه، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يعني: على أهل مكة بتأخير العذاب عنهم.
ويقال لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي: على جميع الناس، بخلق الليل والنهار، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ لربهم في النعمة فيوحدونه، ويطيعونه.
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذا هو ربكم، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: تصرفون، وتحولون.
ويقال: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ أي: من أين تكذبون، كَذلِكَ يُؤْفَكُ أي: هكذا يكذب.
ويقال: هكذا يحول، والَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ويقال: هكذا يؤفك الذين كانوا من قبلهم.
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً أي: بسط لكم الأرض، وجعلها موضع قراركم، وَالسَّماءَ بِناءً أي: خلق السماء فوقكم مرتفعاً، وَصَوَّرَكُمْ أي: خلقكم فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ولم يخلقكم على صورة الدَّواب، فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ أي: أحكم خلقكم، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أي: الحلالات.
يقال: اللذيذات، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ يعني: الذي خلق هذه الأشياء هو ربكم، فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: فتعالى الله رب العالمين.
ويقال: هو من البركة يعني: البركة منه.
هُوَ الْحَيُّ يعني: هو الحي الذي لا يموت، ويميت الخلائق، لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يعني: بالتوحيد، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني: قولوا الحمد لله رب العالمين الذي صنع لنا هذا.
<div class="verse-tafsir"
وقال كَعْبُ الأَحْبَارِ «١» : الربوة بيت المَقْدِسِ، وزعم أَنَّ في التوراة أَنَّ بيتَ المقدس أَقْرَبُ الأرض إلى السماء وأَنَّهُ يزيد على الأرض ثمانية عشر ميلاً.
قال ع «٢» : ويترجَّحُ: أَنَّ الربوة في بَيْتِ لَحْمٍ من بيت المقدس لأَنَّ ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذٍ كان الإيواءُ، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : اختلف الناس في تعيين هذه الربوة على أقوال منها: ما تُفسِّرُ لغةً ومنها: ما تُفَسَّرُ نقلاً، فيفتقر إلى صحة سندهِ إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، إلّا أنّ هاهنا نُكْتَةً، وذلك أَنَّه إذا نُقِلَ لِلنَّاسِ نَقْلَ تواتر أَنَّ هذا موضِعُ كذا، وأَنَّ هذا الأَمرَ جرى كذا- وقع العلم به، ولَزِمَ قبولهُ، لأَنَّ الخبر المتواتر ليس من شرطه الإِيمانُ، وخبرَ الآحاد لا بدَّ من كون المُخْبِرِ به بصفة الإيمان لأَنَّهُ بمنزلة الشاهد، والخَبَرَ المتواتر بمنزلة العيانِ، وقد بَيَّنَا ذلك في «أصول الفقه «٣» » ، والذي شاهدتُ عليه الناسَ ورأيتهم يعينونه تعيينَ تواترٍ- مَوْضِعٌ في سفح الجبل في غربيِّ دمشق، انتهى، وما ذكره:
من أَنَّ التواتُرَ ليس من شرطه الإيمانُ هذا هو الصحيح، وفيه خلاف إلاَّ أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ هذا متواتر لاختلال شرطه، انظر «المنتهى» لابن الحاجب.
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥)
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠)
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ يحتمل أنْ يكون معناه: وقلنا يا أيها الرسلُ، وقالت فرقة: الخطاب بقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ للنّبي صلى الله عليه وسلّم.
قال ع «١» : والوجه في هذا أَنْ يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلّم، وخرج بهذه الصيغة، لِيُفْهَمَ وجيزاً أَنَّ المقالة قد خُوطِبَ بها كُلُّ نبيٍّ، أو هي طريقتُهم التي ينبغي لهم الكونُ عليها كما تقول لعالم: يا علماءٌ إنَّكُم أَئمَّةٌ يُقْتَدَى بكم فتمسكوا بعلمكم، وقال الطبريُّ «٢» : الخطاب لعيسَى- عليه السلام-.
قلت: والصحيح في تأويل الآية: أَنَّه أمر للمُرْسَلِينَ كما هو نَصٌّ صريح في الحديث الصحيح فلا معنى للتردد في ذلك، وقد روى مسلم والترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ اللهَ طَيِّب وَلاَ يَقْبَلُ إلاَّ طَيِّباً، وَإنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المرسلين، فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ ٣١ ب عَلِيمٌ/ [المؤمنون: الآية ٥١] .
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ [البقرة: ١٧٢] .
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَر، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ [حرامٌ] «٣» وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟!» «٤» اهـ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ، وهذه الآية تُقَوَّى أَنَّ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ إنَّما هو مخاطبة لجميعهم، وأَنَّه بتقدير حضورهم، وإذا قدّرت: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلّم- قلق اتصال هذه واتصال قوله: فَتَقَطَّعُوا، ومعنى الأُمَّةِ هنا: المِلّةُ والشريعة، والإِشارة بهذه إلى الحنيفية السمحة مِلَّةِ إبراهيم عليه السلام، وهو دين الإسلام.
وقوله سبحانه: فَتَقَطَّعُوا يريد الأمم، أي: افترقوا، وليس بفعل مُطَاوِعٍ كما تقول: تقطع الثوبُ بل هو فعل مُتَعَدٍّ بمعنى قطعوا، وقرأ نافع «١» : «زُبُراً» جمع زبور، وهذه القراءة تحتمل معنيين:
أحدهما: أَنَّ الأممَ تنازعت كتباً مُنَزَّلَةً فَاتَّبَعَتْ فرقة الصُّحُفَ، وفرقة التوراة، وفرقة الإنجِيلَ، ثم حَرَّفَ الكُلُّ وَبَدَّلَ، وهذا قول قتادة «٢» - والثاني: أنَّهم تنازعوا أمرهم كتباً وضعوها وضلالةً ألَّفُوها قاله ابن زيد «٣» ، وقرأ أبو عمرو «٤» بخلاف: «زُبَراً» بضم الزاي وفتح الباء، ومعناها: فرقاً كزبر الحديد، ومن حيث كان ذكرُ الأمم في هذه الآية مثالاً لقريش- خاطب الله سبحانه نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلّم في شأنهم مُتَّصلاً بقوله: فَذَرْهُمْ أي: فذِرْ هؤلاء الذين هم بمنزلة مَنْ تقدم، والغمرة: ما عَمَّهُمْ من ضلالهم وفُعِلَ بهم فعلَ الماء الغمر بما حصل فيه، والخيراتُ هنا نَعِمُ الدنيا.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ...
الآية: أسند الطبريُّ «٥» عن عائشة أنها قالت: قلتُ: يا رسولَ الله، قوله تعالى: يُؤْتُونَ مَا آتَوْا أَهي في الذي يَزْنِي وَيَسْرِقُ؟
قال: «لا، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، بَلْ هِيَ في الرَّجُلِ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وقلبه وجل، يخاف ألّا يتقبّل منه» «٦» .
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿ وَأوْرَثْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ ﴾ بَعْدَ مُوسى، وهو التَّوْراةُ أيْضًا في قَوْلِ الأكْثَرِينَ؛ وقالَ ابْنُ السّائِبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والزَّبُورُ.
والذِّكْرى بِمَعْنى التَّذْكِيرِ.
﴿ فاصْبِرْ ﴾ عَلى أذاهم ﴿ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ في نَصْرِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ في هَذِهِ السُّورَةِ في مَوْضِعَيْنِ [غافِرٍ: ٥٥، ٧٧]، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
ومَعْنى "سَبِّحْ": صَلِّ.
وَفِي المُرادِ بِصَلاةِ العَشِيِّ والإبْكارِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: صَلاةُ الغَداةِ وصَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّها صَلاةٌ كانَتْ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ، رَكْعَتانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتانِ عَشِيَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا [المُؤْمِنِ: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ.
.
.
﴾ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ؛ والمَعْنى: ما يَحْمِلُهم عَلى تَكْذِيبِكَ إلّا ما في صُدُورِهِمْ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، وما هم بِبالِغِي مُقْتَضى ذَلِكَ الكِبَرِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُذِلُّهُمْ، ﴿ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ مِن شَرِّهِمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ أيْ: مِن إعادَتِهِمْ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ أجْزائِها وعِظَمِ جِرْمِها، فَنَبَّهَهم عَلى قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلْقِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الكَفّارَ حِينَ لا يَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى التَّوْحِيدِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: عَظَّمَتِ اليَهُودُ الدَّجّالَ وقالُوا: إنَّ صاحِبَنا يُبْعَثُ في آخِرِ الزَّمانِ ولَهُ سُلْطانٌ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ الدَّجّالَ مِن آياتِهِ، ﴿ بِغَيْرِ سُلْطانٍ ﴾ أيْ: [بِغَيْرِ] حُجَّةٍ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، قالَ: والمُرادُ بِـ "خَلْقِ النّاسِ": الدَّجّالُ؛ وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَما بَعْدَ هَذا ظاهِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: وحِّدُونِي واعْبُدُونِي أُثِبْكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: سَلُونِي أُعْطِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنْ تَوْحِيدِي، والثّانِي: عَنْ دُعائِي ومَسْألَتِي ﴿ سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.
وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ عَنْ أبِي عَمْرٍو: "سَيُدْخَلُونَ" [بِضَمِّ الياءِ]، والباقُونَ بِفَتْحِها.
والدّاخِرُ: الصّاغِرُ.
وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ في مَواضِعَ مُتَقَرِّقَةٍ [يُونُسَ: ٦٧، القَصَصِ: ٧٣، الأنْعامِ: ٩٥، النَّمْلِ: ٦١، الأعْرافِ: ٥٤، ٢٩، الحَجِّ: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا أجَلا مُسَمًّى ﴾ وهو أجْلُ الحَياةِ إلى المَوْتِ ﴿ وَلَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ تَوْحِيدَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ولا المُسِيءُ قَلِيلا ما تَتَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ إنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ولَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ المُتَكَبِّرِينَ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَخْلُوقاتُ اللهِ تَعالى أكْبَرُ وأجَلُّ قَدْرًا مِن خَلْقِ البَشَرِ، فَما لِأحَدٍ مِنهم يَتَكَبَّرُ عَلى خالِقِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ في مَعْنى البَعْثِ والإعادَةِ، فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضِ قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى خَلْقِ الناسِ تارَةً أُخْرى، و"الخَلْقُ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ.
وقالَ النَقّاشُ: المَعْنى: مِمّا يَخْلُقُ الناسُ؛ إذْ هم في الحَقِيقَةِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، فالخَلْقُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن خَلْقِ الناسِ ﴾ مُضافٌ إلى الفاعِلِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَ الناسِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الأقَلَّ مِنهم يَعْلَمُ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ مَثَّلَ الأكْثَرَ الجاهِلَ بِالأعْمى، والأقَلَّ العالِمَ بِالبَصِيرِ، وجَعَلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يُعادِلُهم قَوْلُهُ: ﴿ المُسِيءُ ﴾ ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ المُسِيئِينَ.
وأخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ لا يَسْتَوُونَ، فَكَذَلِكَ الأكْثَرُ الجُهَلاءُ مِنَ الناسِ لا يَسْتَوُونَ مَعَ الأقَلِّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ.
وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ والحَسَنُ: [يَتَذَكَّرُونَ] بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "تَتَذَكَّرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى المُخاطَبَةِ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.
ثُمَّ جَزَمَ تَعالى الإخْبارَ بِأنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ، وهي القِيامَةُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والحِسابِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى، واقْتِرانِ الجَمْعِ إلى الجَنَّةِ وإلى النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيها ﴾ أيْ في ذاتِها ونَفْسِها، وإنْ وُجِدَ مِنَ العالَمِ مَن يَرْتابُ فِيها فَلَيْسَتْ فِيها في نَفْسِها رِيبَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ آيَةُ تَفَضُّلٍ ونِعْمَةٍ ووَعْدٍ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِالإجابَةِ عِنْدَ الدُعاءِ، وهَذا الوَعْدُ مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ لِمَن شاءَ تَعالى، لا أنَّ الِاسْتِجابَةَ عَلَيْهِ حَتْمٌ لِكُلِّ داعٍ، لا سِيَّما لِمَن تَعَدّى في دُعائِهِ، فَقَدْ «عابَ رَسُولُ اللهِ دُعاءَ الَّذِي قالَ: اللهُمَّ أعْطِنِي القَصْرَ الأبْيَضَ الَّذِي عن يَمِينِ الجَنَّةِ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى [ادْعُونِي]: اعْبُدُونِي، و[أسْتَجِبْ] مَعْناهُ: بِالثَوابِ والنَصْرِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِي ﴾ ، ويُحْتَجُّ لَهُ لِحَدِيثِ النُعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "الدُعاءُ هو العِبادَةُ"،» وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: وحِّدُونِي أغْفِرْ لَكُمْ، وقِيلَ لِلثَّوْرِيِّ: ادْعُ اللهَ تَعالى فَقالَ: إنَّ تَرْكَ الذُنُوبِ هو الدُعاءُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، "سَيَدْخُلُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ: [سَيَدْخُلُونَ] بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ، واخْتَلَفَ عن أبِي عَمْرُو، وعن عاصِمٍ، و"الداخِرُ": هو الصاغِرُ الذَلِيلُ.
<div class="verse-tafsir"
لما نزّلهم منزلة من لا يعلم ضرب مثلاً لهم وللمؤمنين، فمثَل الذين يجادلون في أمر البعث مع وضوح إمكانه مَثَل الأعمى، ومثل المؤمنين الذين آمنوا به حال البصير، وقد علم حال المؤمنين من مفهوم صفة ﴿ أكثر الناس ﴾ لأن الأكثرين من الذين لا يعلمون يقابلهم أقلون يعلمون.
والمعنى: لا يستوي الذين اهتدوا والذين هم في ضلال، فإطلاق الأعمى والبصير استعارة للفريقين الذين تضمنهما قوله: ﴿ ولكنَّ أكثرَ النَّاسسِ لا يعلَمون ﴾ [غافر: 57].
(ونفيُ الاستواء بينهما يقتضي تفضيل أحدهما على الآخر كما قدمنا في قوله تعالى: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين ﴾ الآية في سورة [النساء: 95]، ومن المتبادر أن الأفضل هو صاحب الحال الأفضل وهو البصير إذ لا يختلف الناس في أن البصَر أشرف من العمى في شخص واحد، ونفي الاستواء بدون متعلِّق يقتضي العموم في متعلقاته، لكنه يُخص بالمُتعلِّقات التي يدل عليها سياق الكلام وهي آيات الله ودلائل صفاته، ويسمى مثل هذا العموم العمومَ العرفي، وتقدم نظيرها في سورة فاطر [19].
وقوله: ﴿ والذينَ ءامنوا وعَمِلُوا الصَّالحاتتِ ولا المُسِيء ﴾ زيادة بيان لفضيلة أهل الإِيمان بذكر فضيلتهم في أعمالهم بعد ذكر فضلهم في إدراك أدلة إمكان البعث ونحوه من أدلة الإِيمان.
والمعنى: وما يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيئون، أي في أعمالهم كما يؤذن بذلك قوله: ﴿ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتتِ وَلا المُسِيء ﴾ ، وفيه إيماء إلى اختلاف جزاء الفريقين وهذا الإِيماء إدماج للتنبيه على الثواب والعقاب.
والواو في قوله: ﴿ والذين ءامنوا ﴾ عاطفةٌ الجملةَ على الجملة بتقدير: وما يستوي الذين آمنوا.
والواو في قوله: ﴿ ولا المُسِيء ﴾ عاطفة ﴿ المسيء ﴾ على ﴿ الذين آمنوا ﴾ عطفَ المفرد على المفرد، فالعطف الأول عطف المجموع مثل قوله تعالى: ﴿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن ﴾ [الحديد: 3].
وإنما قدم ذكر الأعمى على ذكر البصير مع أن البصر أشرف من العمى بالنسبة لذات واحدة، والمشبهَ بالبصير أشرفُ من المشبه بالأعمى إذ المشبه بالبصير المؤمنون، فقدم ذكر تشبيه الكافرين مراعاة لكون الأهمّ في المقام بيانَ حال الذين يجادلون في الآيات إذ هم المقصود بالموعظة.
وأما قوله: ﴿ والذين ءامنوا وعَمِلوا الصَّالحاتتِ ولا المُسِيء ﴾ فإنما رتب فيه ذكر الفريقين على عكس ترتيبه في التشبيه بالأعمى والبصير اهتماماً بشرف المؤمنين.
وأعيدت (لا) النافية بعد واو العطف على النفي، وكان العطف مغنياً عنها فإعادتها لإِفادة تأكيد نفي المساواة ومقام التوبيخ يقتضي الإِطناب، ولذلك تُعدّ (لا) في مثله زائدة كما في «مغني اللبيب»، وكان الظاهر أن تقع (لا) قبل (الذين آمنوا)، فعدُل عن ذلك للتنبيه على أن المقصود عدم مساواة المسيء لمن عَمِل الصالحات، وأن ذكر الذين آمنوا قبل المسيء للاهتمام بالذين آمنوا ولا مُقتضي للعدول عنه بعد أن قُضي حق الاهتمام بالذين سبق الكلام لأجل تمثيلهم، فحصل في الكلام اهتمامان.
وقريب منه ما في سورة فاطر في أربع جمل: اثنتين قُدّم فيهما جانب تشبيه الكافرين، واثنتين قُدّم فيهما تشبيه جانب المؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات ﴾ [فاطر: 19 22].
و ﴿ قليلاً ﴾ حال من ﴿ أكْثَرَ النَّاسِ ﴾ في قوله تعالى قبله: ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ ، و(ما) في قوله: ﴿ مَّا يَتَذَكَّرون ﴾ مصدرية وهي في محل رفع على الفاعلية.
وهذا مؤكد لمعنى قوله: ﴿ ولكنَّ أكثر النَّاس لا يعْلَمُون ﴾ لأن قلة التذكر تؤول إلى عدم العلم، والقلةُ هنا كناية عن العدم وهو استعمال كثير، كقوله تعالى: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ [البقرة: 88]، ويجوز أن تكون على صريح معناها ويكون المراد بالقلة عدم التمام، أي لا يعلمون فإذا تذكروا تذكروا تذكراً لا يتممونه فينقطعون في أثنائه عن التعمّق إلى استنباط الدلالة منه فهو كالعدم في عدم ترتب أثره عليه.
وقرأ الجمهور ﴿ يَتَذَكَّرون بياء الغيبة جرياً على مقتضى ظاهر الكلام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب على الالتفات، والخطاب للذين يجادلون في آيات الله.
وكون الخطاب لجميع الأمة من مؤمنين ومشركين وأن التذكر القليل هو تذكر المؤمنين فهو قليل بالنسبة لعدم تذكر المشركين بعيد عن سياق الردّ ولا يلاقي الالتفات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أعْظَمُ مِن خَلْقِ الدَّجّالِ حِينَ عَظَّمَتِ اليَهُودُ شَأْنَهُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الثّانِي: أكْبَرُ مِن إعادَةِ خَلْقِ النّاسِ حِينَ أنْكَرَتْ قُرَيْشٌ البَعْثَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: أكْبَرُ مِن أفْعالِ النّاسِ حِينَ أذَلَّ الكُفّارَ بِالقُوَّةِ وتَباعَدُوا بِالقَهْرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم بسند صحيح عن أبي العالية رضي الله عنه قال: إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الدجال يكون منا في آخر الزمان، ويكون من أمره فعظموا أمره، وقالوا: يصنع كذا...
فأنزل الله: ﴿ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ﴾ قال: لا يبلغ الذي يقول ﴿ فاستعذ بالله ﴾ فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتعوذ من فتنة الدجال ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ الدجال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ﴾ قال: هم اليهود نزلت فيهم، فيما ينتظرونه من أمر الدجال.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله: ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ قال: زعموا أن اليهود قالوا يكون منا ملك في آخر الزمان، البحر إلى ركبتيه، والسحاب دون رأسه، يأخذ الطير بين السماء والأرض.
معه جبل خبز ونهر.
فنزلت ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إن في صدورهم إلا كبر ﴾ قال: عظمة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة.
إنما حملهم على التكذيب الزيغ الذي في قلوبهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ قال: ﴿ الأعمى ﴾ الكافر ﴿ والبصير ﴾ المؤمن ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلاً ما تتذكرون ﴾ قال: هم في بغيهم بعد.
وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان من فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال، وما من نبي إلا حذر قومه ولأخبرنكم عنه بشيء ما أخبره نبي قبلي.
فوضع يده على عينه، ثم قال: أشهد أن الله ليس بأعور» .
وأخرج ابن عدي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال.
وهو أعور بين عينيه طفرة، مكتوب عليه كافر، معه واديان؛ أحدهما جنة، والآخر نار.
فناره جنة، وجنته نار» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد وصف الدجال لأمته.
وَلأَصِفَنَّهُ صفةً لم يصفها أحد كان قبلي، إنه أعور، وإن الله عز وجل ليس بأعور» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وحسنه عن أبي عبيدة بن الجراح.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه لم يكن نبي إلا قد أنذر قومه الدجال، وأنا أنذركموه.
فوصف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعله سيدركه بعض من رآني وسمع كلامي قالوا: يا رسول الله كيف قلوبنا يومئذ؟
قال: مثلها اليوم أو خير» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد في مسنده والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني خاتم ألف نبي أو أكثر.
ما بعث نبي إلا وقد حذر أمته، وإني قد بين لي من أمره ما لم يتبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى جاحظة كأنها في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، ومعه صورة النار سوداء تدخن، يتبعه من كل قوم يدعونهم بلسانهم إليها» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور والكذاب.
ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر» .
وأخرج يعقوب بن سفيان عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من نبي إلا وقد حذر أمته الدجال، وإني أحذركم أمره.
إنه أعور، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه الكاتب وغير الكاتب، معه جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار وابن مردويه عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه قد تبين لي ما لم يتبين لأحد منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: إني انذركموه وما من نبي إلا قد أنذر قومه.
لقد أنذر نوح قومه.
ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور، وإن الله ليس بأعور» .
وأخرج أحمد عن عبد الله بن عمر قال: كنا نحدث بحجة الوداع ولا نرى أنه الوداع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره قال: «ما بعث الله من نبي إلا قد أنذر أمته.
لقد أنذر نوح أمته والنبيون من بعده.
إلا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم.
إن ربكم ليس بأعور.
قالها ثلاثا» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدجال أعور العين عليها طفرة.
مكتوب بين عينيه كافر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدجال أعور جعد حجان أحمر كان رأسه غصن شجرة.
أشبه الناس بعبد العزى، فأما هلك الهلك فإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأنا أعلم بما مع الدجال.
معه نهران يجريان.
أحدهما رأى العين نار تتأجج، فمن أدرك ذلك فليأت النار الذي يراه، فليغمض عينيه، ثم يطأطئ رأسه يشرب فإنه بارد وإن الدجال ممسوح العين عليه طفرة غليظة، مكتوب بين عينيه كافر يقرأها كل مؤمن كاتب وغير كاتب» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الا أحدثكم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قط.
إنه أعور، وإنه يجيء معه بمثل الجنة والنار، فالذي يقول هي الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر نوح قومه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والطبراني والحاكم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع منكم بخروج الدجال فلينأى عنه ما استطاع، فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فما يزال به حتى يتبعه مما يرى من الشبهات» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «ما كان أحد يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مني قال: وما تسألني عنه؟قلت: إن الناس يقولون: إن معه الطعام والشراب.
قال: هو أهون على الله من ذلك» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من شر فتنة المسيح الدجال» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نجا من ثلاثة فقد نجا، قالها ثلاث مرات قالوا: ما ذاك يا رسول الله؟
قال: داء، والدجال، وقتل خليفة يصطبر بالحق يعطيه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: يمكث الناس بعد خروج الدجال أربعين عاماً، ويغرس النخل وتقوم الأسواق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي العلاء بن الشخير رضي الله عنه: أن نوحاً عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام كانوا يتعوّذون من فتنة الدجال.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال: لا يخرج الدجال حتى يكون خروجه أشهى إلى المسلمين من شرب الماء على الظمأ، فقال له رجل: لم؟
قال: من شدة البلاء والشر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال: حتى لا يكون غائب أحب إلى المؤمن خروجاً منه، وما خروجه بأضر للمؤمن من حصاة يرفعها من الأرض، وما علم أحدهم أدناهم وأقصاهم إلا سواء.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي وائل رضي الله عنه قال: أكثر أتباع الدجال اليهود، وأولاد الأمهات.
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: كان بمقدمة الأعور الدجال ستمائة ألف يلبسون التيجان.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان، يتبعه أقوام كان وجوههم المجان المطرقة» .
وأخرج أحمد عن أبيّ بن كعب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده الدجال فقال: «إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عاصم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوخ العين اليسرى، عريض النحر، فيه دمامة كأنه فلان بن عبد العزى، أو عبد العزى بن فلان» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سفينة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنه لم يكن نبي إلا حذر الدجال أمته.
أعور العين اليسرى، بعينه اليمنى طفرة غليظة، بين عينيه كافر، معه واديان.
أحدهما جنة.
والآخر نار، فجنته نار، وناره جنة، ومعه ملكان يشبهان نبيين من الأنبياء.
أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فيقول من الناس إلا صاحبه فيقول صاحبه: صدقت.
فيسمعه الناس، فيحسبون ما صدق الدجال، وذلك فتنة ثم يسير حتى يأتي الشام فينزل عيسى، فيقتله الله عند عقبة أفيق» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمكث أبوا الدجال ثلاثين عاماً لا يولد لهما ولد، ثم يولد لهما غلام أعور.
أضر شيء.
وأقله نفعاً، تنام عيناه ولا ينام قلبه.
ثم نعت أبويه فقال: أبوه رجل طوال ضرب اللحم، طويل الأنف، كان أنفه مهار.
وأمه امرأة فرغانية، عظيمةالثديين» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة، فيأتي المدينة فيجد كل نقب من أنقابها صفوفاً من الملائكة، فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه، ثم ترتجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل منافق ومنافقة» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله عنه قال: لو خرج الدجال لآمن به قوم في قبورهم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يهبط الدجال من كور كرهان، معه ثمانون ألفاً عليهم الطيالسة ينتعلون، كأن وجوههم مجان مطرقة.
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق حوط العبدي عن عبد الله رضي الله عنه قال: إن أذن حمار الدجال لتظل سبعين ألفاً.
وأخرج ابن أبي شهبة عن جنادة بن أمية الدري رضي الله عنه قال: دخلت أنا وصاحب لي على رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تحدثنا عن غيره، وإن كان عندنا مصدقاً قال: نعم.
قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «أنذركم الدجال أنذركم الدجال أنذركم الدجال.
فإنه لم يكن نبي إلا أنذره أمته، وأنه فيكم أيتها الأمة، وأنه جعد آدم ممسوخ العين اليسرى، وإن معه جنة وناراً، فناره جنة، وجنته نار، وإن معه نهر ماء، وجبل خبز، وإنه يسلط على نفس فيقتلها، ثم يحييها لا يسلط على غيرها، وإنه يمطر السماء، وينبت الأرض، وإنه يلبث في الأرض أربعين صباحاً حتى يبلغ منها كل منهل، وإنه لا يقرب أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد المقدس، ومسجد الطور، وما عليكم من الأشياء فإن الله ليس بأعور مرتين» .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن سمرة بن جندب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً آخرهم الأعور الدجال.
ممسوخ العين اليسرى كأنها عين أبي يحيى الشيخ من الأنصار، وإنه متى يخرج فإنه يزعم أنه الله، فمن آمن به وصدقه واتبعه فليس ينفعه صالح له من عمل له سلف، ومن كفر به وكذبه فليس يعاقب بشيء من عمل له سلف.
وإنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس، فهزمه الله وجنوده.
حتى أن حرم الحائط، أو أصل الشجرة ينادي: يا مؤمن هذا كافر يستتر بي فتعال فاقتله، ولن يكون ذاك كذلك حتى تروا أموراً يتفاقم شأنها في أنفسكم، فتتساءلون بينكم هل كان نبيكم ذكر لكم منها شيئاً ذكر أو حتى تزول جبال عن مراتبها، ثم على أثر ذلك القبض.
وأشار بيده إلى الموت» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدجال يخوض البحار إلى ركبتيه، ويتناول السحاب، ويسبق الشمس إلى مغربها، وفي جبهته قرن منه الحيات، وقد صور في جسده السلاح كله حتى ذكر السيف والرمح والدرق» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: يخرج الدجال فيمكث في الأرض أربعين صباحاً يبلغ منها كل منهل.
اليوم منها كالجمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليصحبن الدجال قوم يقولون: انا لنصحبه، وانا لنعلم انه كذاب، ولكنا إنما نصحبه لنأكل من الطعام، ونرعى من الشجر، وإذا نزل غضب الله نزل عليهم كلهم» .
وأخرج الطبراني عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: ذكر الدجال عند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: لا تكثروا ذكره فإن الأمر إذا قضي في السماء كان أسرع لنزوله إلى الأرض أن يظهر على ألسنة الناس.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ﴾ الخلق هنا مصدر مضاف إلى المفعول، والمراد به الاستدلال على البعث، لأن الإله الذي خلق السموات والأرض على كبرها، قادر على إعادة الأجسام بعد فنائها، وقيل: المراد توبيخ الكفار المتكبرين، كأنه قال: خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فما بال هؤلاء يتكبرون على خالقهم، وهم من أصغر مخلوقاته وأحقرهم، والأول أرجح لوروده في مواضع من القرآن لأنه قال بعده: ﴿ إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ﴾ فقدم الدليل، ثم ذكر المدلول.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.
﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.
الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.
وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.
﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.
التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.
ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.
وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".
ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.
ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.
والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.
وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.
ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.
والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.
قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.
وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.
ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.
ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.
ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.
ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.
وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.
وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.
وفي الدعاء.
قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.
ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.
وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.
وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.
ثم إنه ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".
وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.
وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟
ففي تحريض على الدعاء.
وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".
قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.
قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.
قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.
قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.
وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.
وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.
وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.
ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.
وما أرسل به الرسل سائر الكتب.
وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.
بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.
والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.
ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.
والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.
وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.
ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.
ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.
ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.
وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.
وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.
وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.
﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.
ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.
قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.
لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.
وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.
وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.
ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.
ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.
وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.
ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.
عن علي .
بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.
ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.
وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.
ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.
أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.
وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.
وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.
وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.
ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .
ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.
وقد سبق.
وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.
وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.
قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.
وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى فقيل له: لو هاجرت إليه؟
فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.
ويروى أن جالينوس قال لعيسى : بعثت لغيرنا.
ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.
وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.
ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.
ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.
وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.
وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.
وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.
قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: إن اليهود جادلوا رسول الله في الدجال أنه منهم، وأنه في الطول كذا ونحوه؛ وعلى ذلك نسق الآيات التي تتلو هذه الآية.
ولكن لسنا ندري بماذا صرفوا مجادلتهم في آيات الله إلى المجادلة في الدجال، ولا يسع أن نحمل ما ذكر من مجادلتهم في آيات الله على المجادلة في الدجال، إلا أن يثبت خبر عن رسول الله بطريق التواتر أن المجادلة المذكورة في الآية في الدجال؛ فحينئذ يصرف إلى ذلك، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: يجادلون في دفع آيات الله بغير حجة أتتهم من الله، وكانت المجادلة في دفع آيات الله من رؤساء الكفرة وأكابرهم، كانوا يموهون بمجادلتهم في دفع آيات الله والطعن فيها على أتباعهم وسفلتهم؛ ليبقى لهم الرياسة والمأكلة التي كانت لهم، وهو ما ذكر: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ...
﴾ الآية [الأنعام: 112]، ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا ﴾ وغير ذلك من الآيات، لم يزل الأكابر منهم والرؤساء يطعنون في آيات الله ويدفعونها، يريدون التمويه والتلبيس على أتباعهم وسفلتهم، ليبقى لهم العز والشرف الذي كان لهم، ويبطلوا به الحق، ويطفئوا نوره؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ هذا كان مرادهم من مجادلتهم في آيات الله والطعن فيها.
ثم أخبر - عز وجل - أنهم يجادلون، ويفعلون ذلك؛ تكبراً منهم على آيات الله والخضوع لرسله، حيث قال - عز وجل -: ﴿ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ ﴾ .
أي: ما في صدورهم إلا كبر، أي: كبرهم هو الذي حملهم على المجادلة في آيات الله، ثم الذي حملهم على الكبر جهلهم بسبب العز والشرف، ظنوا أن العز والشرف إنما يكون بالأتباع الذين يصدرون عن آرائهم، ولو عرفوا منهم يكون العز والشرف، لكانوا لا يفعلون ذلك، إنما العز والشرف في طاعة الله واتباع أمره، ليس في اتباع من اتبعهم ولا في ائتمار من ائتمرهم، ولكن فيما ذكرنا، والله أعلم.
ثم أخبر أنهم ليسوا ببالغين إلى ما قصدوا من إطفاء النور الذي أعطى المؤمنين، ولا إدحاض الحق وإبطاله حيث قال - عز وجل -: ﴿ مَّـا هُم بِبَالِغِيهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّـهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴾ .
قال عامة أهل التأويل: أمره أن يستعيذ بالله من فتنة الدجال، لكن عندنا: أمره أن يتعوذ بالله من مكائد أولئك الأكابر والفراعنة، قد هموا أن يمكروا به ويكيدوا، أمره أن يتعوذ بالله من مكرهم وكيدهم، كما أمره أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، حيث قال: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ...
﴾ الآية [المؤمنون: 97]، وهذا أولى من الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ﴾ .
قال أهل التأويل: أي: لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الدجال، لكن قد ذكرنا بعد صرف الآية إلى الدجال.
ثم يحتمل قوله: ﴿ لَخَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ ﴾ وجهين: أحدهما: الآية نزلت في مقرين بخلق السماء والأرض، منكرين بالبعث؛ يقول: إن خلق السماوات والأرض مبتدأ بلا احتذاء بغير أكبر وأعظم من إعادة الناس، فإذا عرفتم أنه قدر على خلق السماوات والأرض مبتدأ بلا احتذاء بغير، لكان قدرته على إعادة الخلق أحق؛ إذ إعادة الشيء في عقولكم أهون من البداية؛ كقوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ ، فكيف أنكرتم قدرته على البعث وقد أقررتم بقدرته على خلق ما ذكر؟!
والثاني: أن تكون الآية نزلت في مقرين بخلق الناس منكرين بخلق السماوات والأرض؛ يقول: إن خلق السماوات والأرض وإمساكها في الهواء بلا تعليق من الأعلى ولا عماد من الأسفل، مع غلظها وكثافتها أكبر وأعظم في الدلالة على حدثها وخلقها من خلق الناس؛ لأن خلق الناس إنما يكون بالتغير والتولد من حال إلى الحال الأخرى، فيجوز أن يتوهم كون ذلك وافتراقه ثم اجتماعه من بعد وظهور ذلك منه، وأمّا السماء فهي على حالة واحدة فلا يتمكن توهم ذلك لما ذكرنا.
ويحتمل أن تكون الآية في نازلة كانت وسبب، لسنا نحن نعرف ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ .
قال بعضهم: لا يستوي من عمي من توحيد الله وشكر نعمه [و]من أبصر وحدانية الله وقام بشكر نعمه، كما لم يستو عندكم من جهل حق آخر وكفر نعمه وإحسانه [و]من عرف حقه وقبل إحسانه وقام بشكره، فإذا عرفتم أنه لا استواء بين هذين عندكم، فاعرفوا أنه لا يستوي من عمي عن وحدانية الله وشكر نعمه [و]من أبصر وحدانيته وقام بشكره، وكذلك ما ذكر من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَلاَ ٱلْمُسِيۤءُ ﴾ يقول: إذا عرفتم أنه لا يستوي من آمن بالله وصدق خبره وأحسن إليه [و]من كذبه وأساء إليه؛ فعلى ذلك لا يستوي من آمن بالله وصدقه وقابل إحسانه بالشكر [و]من كذبه وكفره نعمه وإحسانه.
وقال بعضهم: أراد بقوله : ﴿ وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْـمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ﴾ حقيقة الأعمى البصر والبصير نفسه؛ يقول: تعرفون أنه لا يستوي الأعمى أعمى البصر [و]البصير نفسه في الدنيا؛ فعلى ذلك لا يستوي من عمي عن دينه [و]من أبصر في الآخرة، وقد عرفتم أنهم قد استووا في هذه الدنيا - أعني: المسيء والمحسن والصالح والمفسد والمطيع والعاصي - وفي الحكمة: التفريق بينهما؛ دل أن هناك داراً أخرى يفرق بينهما فيها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَلِيـلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ .
أي: قليلا ما يتذكرون أن لا استواء بين من ذكر من المحسن والمسيء والصالح والمفسد والمطيع والعاصي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لآتِيَـةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أخبر أنها آتية لا محالة وقد ذكرنا: إنما صار خلق الدنيا وما فيها حكمة بالساعة ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولا يستوي الذي لا يبصر والذي يبصر، ولا يستوي الذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسله وأحسنوا أعمالهم، لا يستوون مع من يسيء عمله بالاعتقاد الفاسد والمعاصي، لا تتذكرون إلا قليلًا؛ إذ لو تذكرتم لعلمتم الفرق بين الفريقين لتسعوا إلى أن تكونوا من الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات رغبة في مرضاة الله.
من فوائد الآيات نصر الله لرسله وللمؤمنين سُنَّة إلهية ثابتة.
اعتذار الظالم يوم القيامة لا ينفعه.
أهمية الصبر في مواجهة الباطل.
دلالة خلق السماوات والأرض على البعث؛ لأن من خلق ما هو عظيم قادر على إعادة الحياة إلى ما دونه.
<div class="verse-tafsir" id="91.Aygro"