الإسلام > القرآن > سور > سورة 40 غافر > الآية ٨١ من سورة غافر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨١ من سورة غافر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قوله جل وعلا "ويريكم آياته" أي حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم "فأي آيات الله تنكرون" أي لا تقدرون على إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا.
( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ) يقول: ويريكم حججه,( فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ) يقول: فأي حجج الله التي يريكم أيها الناس في السماء والأرض تنكرون صحتها, فتكذبون من أجل فسادها بتوحيد الله, وتدعون من دونه إلها.
ويريكم آياته أي آياته الدالة على وحدانيته وقدرته فيما ذكر .
فأي آيات الله تنكرون نصب " أي " ب " تنكرون " ، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله ، ولو كان مع الفعل هاء لكان الاختيار في " أي " الرفع ، ولو كان الاستفهام بألف أو هل وكان بعدهما اسم بعده فعل معه هاء لكان الاختيار النصب ، أي : إذا كنتم لا تنكرون أن هذه الأشياء من الله فلم تنكرون قدرته على البعث والنشر .
{ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } الدالة على وحدانيته، وأسمائه، وصفاته، وهذا من أكبر نعمه، حيث أشهد عباده، آياته النفسية، وآياته الأفقية، ونعمه الباهرة، وعدَّدَها عليهم، ليعرفوه، ويشكروه، ويذكروه.{ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ } أي: أي آية من آياته لا تعترفون بها؟
فإنكم، قد تقرر عندكم، أن جميع الآيات والنعم، منه تعالى، فلم يبق للإنكار محل، ولا للإعراض عنها موضع، بل أوجبت لذوي الألباب، بذل الجهد، واستفراغ الوسع، للاجتهاد في طاعته، والتبتل في خدمته، والانقطاع إليه.
" ويريكم آياته "، دلائل قدرته، " فأي آيات الله تنكرون ".
«ويريكم آياته فأيَّ آيات الله» أي الدالة على وحدانيته «تنكرون» استفهام توبيخ، وتذكير أي أشهر من تأنيثه.
ويريكم الله تعالى دلائله الكثيرة الواضحة الدالة على قدرته وتدبيره في خلقه، فأي آية من آياته تنكرونها، ولا تعترفون بها؟
وقوله - تعالى - ( وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ ) تعجب من غفلتهم عن هذه الآيات المبثوثة فى الكون ، والتى تدل جميعها على وحدانية الله - تعالى - وقدرته .ولفظ " أى " منصوب بقوله ( تُنكِرُونَ ) وقدم وجوبا لأن له صدر الكلام .أى : أنه - سبحانه - فى كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته ، فقولوا لى .
أية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك .إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله - عز وجل - فكيف جحدتموها أو غفلتم عنها مع وضوحها؟فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى مع أن كل شئ فى هذا الكون يدعوهم إلى الإِيمان بالله الواحد القهار .
اعلم أنه تعالى لما أطنب في تقرير الوعيد عاد إلى ذكر ما يدل على وجود الإله الحكيم الرحيم، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد، قال الزجاج الإبل خاصة، وقال القاضي هي الأزواج الثمانية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه لم أدخل لام الغرض على قوله: ﴿ لتركبوا ﴾ وعلى قوله: ﴿ لتبلغوا ﴾ ولم يدخل على البواقي فما السبب فيه؟
الجواب: قال صاحب الكشاف الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، فهذان القسمان أغراض دينية فلا جرم أدخل عليهما حرف التعليل، وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباحات، فلا جرم ما أدخل عليها حرف التعليل، نظيره قوله تعالى: ﴿ والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾ فأدخل التعليل على الركوب ولم يدخله على الزنية.
السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ ﴾ معناه تحملون في البر والبحر إذا عرفت هذا فنقول: لم لم يقل وفي الفلك كما قال: ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ والجواب: أن كلمة على للاستعلاء فالشيء الذي يوضع في الفلك كما يصح أن يقال وضع فيه يصح أن يقال وضع عليه، ولما صح الوجهان كانت لفظة على أولى حتى يتم المراد في قوله: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ ﴾ ولما ذكر الله هذه الدلائل الكثيرة قال: ﴿ وَيُرِيكُمْ آياته فَأَىَّ ءايات الله تنكرون ﴾ يعني أن هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة، فقوله: ﴿ فَأَىَّ ءايات الله تنكرون ﴾ تنبيه على أنه ليس في شيء من الدلائل التي تقدم ذكرها ما يمكن إنكاره، قل صاحب الكشاف قوله: ﴿ فَأَىُّ آيات الله ﴾ جاء على اللغة المستفيضة، وقولك: فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحوحمار وحمارة غريب، وهي في أي أغرب لإبهامه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
الأنعام: الإبل خاصة.
فإن قلت: لم قال: ﴿ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا ﴾ ولتبلغوا عليها، ولم يقل، لتأكلوا منها، ولتصلوا إلى منافع؟
أو هلا قال: منها تركبون ومنها تأكلون وتبلغون عليها حاجة في صدوركم؟
قلت: في الركوب: الركوب في الحج والغزو، وفي بلوغ الحاجة: الهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، وهذه أغراض دينية إمّا واجبة أو مندوب إليها مما يتعلق به إرادة الحكيم.
وأما الأكل وإصابة المنافع: فمن جنس المباح الذي لا يتعلق به إرادته، ومعنى قوله: ﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ ﴾ وعلى الأنعام وحدها لا تحملون، ولكن عليها وعلى الفلك في البر والبحر.
فإن قلت: هلا قيل: وفي الفلك، كما قال: ﴿ قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين ﴾ ؟
[هود: 40] قلت: معنى الإيعاء ومعنى الاستعلاء: كلاهما مستقيم؛ لأنّ الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له يستعليها، فلما صحّ المعنيان صحت العبارتان.
وأيضاً فليطابق قوله: (وعليها) ويزاوجه ﴿ فَأَىَّ ءايات الله ﴾ جاءت على اللغة المستفيضة.
وقولك: فأية آيات الله قليل، لأنّ التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب.
وهي في (أي) أغرب لإبهامه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ فَإنَّ مَن جِنْسِها ما يُؤْكَلُ كالغَنَمِ ومِنها ما يُؤْكَلُ ويُرْكَبُ كالإبِلِ والبَقَرِ.
﴿ وَلَكم فِيها مَنافِعُ ﴾ كالألْبانِ والجُلُودِ والأوْبارِ.
﴿ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ بِالمُسافَرَةِ عَلَيْها.
﴿ وَعَلَيْها ﴾ في البَرِّ.
﴿ وَعَلى الفُلْكِ ﴾ في البَحْرِ.
﴿ تُحْمَلُونَ ﴾ وإنَّما قالَ وعَلى الفُلْكِ ولَمْ يَقُلْ في الفُلْكِ لِلْمُزاوَجَةِ، وتَغْيِيرِ النَّظْمِ في الأكْلِ لِأنَّهُ في حَيِّزِ الضَّرُورَةِ.
وقِيلَ لِأنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ التَّعَيُّشَ وهو مِنَ الضَّرُورِيّاتِ والتَّلَذُّذِ والرُّكُوبِ والمُسافَرَةُ عَلَيْها قَدْ تَكُونُ لِأغْراضٍ دِينِيَّةٍ واجِبَةٍ أوْ مَندُوبَةٍ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العَيْنِ والمَنفَعَةِ.
﴿ وَيُرِيكم آياتِهِ ﴾ دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وفَرْطِ رَحْمَتِهِ.
﴿ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ فَأيَّ آيَةٍ مِن تِلْكَ الآياتِ.
﴿ تُنْكِرُونَ ﴾ فَإنَّها لِظُهُورِها لا تَقْبَلُ الإنْكارَ، وهو ناصِبُ «أيَّ» إذْ لَوْ قَدَّرْتَهُ مُتَعَلِّقًا بِضَمِيرِهِ كانَ الأوْلى رَفْعَهُ والتَّفْرِقَةُ بِالتّاءِ في أيَّ أغْرَبُ مِنها في الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ لِإبْهامِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون} انها ليست من عند الله واى نصب بتنكرون وقد جاءت على اللغة المستفيضة وقولك فأية آيات الله قليل لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات نحو حمار وحمارة غريب وهي في أي أغرب لإبهامه
﴿ ويُرِيكم آياتِهِ ﴾ أيْ دَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ شُؤُونِهِ جَلَّ جَلالُهُ ﴿ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ فَأيَّ آيَةٍ مِن تِلْكَ الآياتِ ﴿ تُنْكِرُونَ ﴾ فَإنَّ كُلًّا مِنها مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَجْتَرِئُ عَلى إنْكارِها مَن لَهُ عَقْلٌ في الجُمْلَةِ.
فَأيْنَ لِلِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ وهي مَنصُوبَةٌ بِتُنْكِرُونَ، وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَهْوِيلِ إنْكارِها وتَنْكِيرُ أيْ في مِثْلِ ما ذُكِرَ هو الشّائِعُ المُسْتَفِيضُ والتَّأْنِيثُ قَلِيلٌ ومِنهُ قَوْلُهُ: بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ نَحْوَ حِمارٍ وحَمّارَةٍ غَرِيبٌ وهي في أيْ أغْرَبُ لِإبْهامِهِ لِأنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَمّا هو مُبْهَمٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ السّائِلِ والتَّفْرِقَةُ مُخالَفَةٌ لِما ذُكِرَ لِأنَّها تَقْتَضِي التَّمْيِيزَ بَيْنَ ما هو مُؤَنَّثٌ ومُذَكَّرٌ فَيَكُونُ مَعْلُومًا لَهُ <div class="verse-tafsir"
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: اصبر يا محمد على أذى الكفار، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أي: كائن، فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب يعني: فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نعدهم من العذاب في الدنيا، وهو القتل، والهزيمة.
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ من قبل أن نرينك عذابهم في الدنيا، فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ يعني: يرجعون إلينا في الآخرة، فنجزيهم بأعمالهم.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ يعني: إلى قومهم، مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ يعني: سميناهم لك، فأنت تعرفهم، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ يعني: لم نسمهم لك ولم نخبرك بهم يعني: أنهم صبروا على أذاهم، فاصبر أنت يا محمد على أذى قومك كما صبروا.
وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ أي: ما كان لرسول، من القدرة أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ أي بدلائل، وبراهين، إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بأمره.
فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني: العذاب، قُضِيَ بِالْحَقِّ أي: عذبوا، ولم يظلموا حين عذبوا، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ.
أي: خسر عند ذلك المبطلون.
يعني: المشركون.
ويقال: يعني: الظالمون.
ويقال: الخاسرون.
ثم ذكر صنعه ليعتبروا فقال: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ يعني: خلق لكم البقر، والغنم، والإبل، لِتَرْكَبُوا مِنْها أي بعضها وهو الإبل، وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني: من الأنعام منافع في ظهورها، وشعورها، وشرب ألبانها، وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ أي ما في قلوبكم، من بلد إلى بلد وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ يعني: على الأنعام، وعلى السفن، يُرِيكُمْ آياتِهِ يعني: دلائله، وعجائبه، أَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ بأنها ليست من الله، أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني: يسافروا فِي الأَرْضِ، فَيَنْظُرُوا أي: فيعتبروا، كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: آخر أمر من كان قبلهم، كيف فعلنا بهم حين كذبوا رسلهم، كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ يعني: أكثر من قومك في العدد، وَأَشَدَّ قُوَّةً من قومك، وَآثاراً فِي الْأَرْضِ، يعني: مصانعهم أعظم آثاراً في الأرض، وأطول أعماراً، وأكثر ملكاً في الأرض، فَما أَغْنى عَنْهُمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: لم ينفعهم ما عملوا في الدنيا، حين نزل بهم العذاب.
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالأمر، والنهي، وبخبر العذاب، فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ يعني: من قلة علمهم، رضوا بما عندهم من العلم، ولم ينظروا إلى دلائل الرسل.
ويقال: رضوا بما عندهم.
فقالوا: لن نعذب، ولن نبعث.
ويقال: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي: علم التجارة، كقوله يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الروم: 7] .
وَحاقَ بِهِمْ أي نزل بهم مَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي: يسخرون به، ويقولون: إنه غير نازل بهم.
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: عذابنا في الدنيا، قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا أي: تبرأنا، بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ يعني: بما كنا به مشركين من الأوثان، فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ يعني: تصديقهم، لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي: حين رأوا عذابنا.
قال القتبي: البأس الشدة.
والبأس العذاب كقوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا وكقوله: فَلَمَّا أَحَسُّوا بأسنا، سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ قال مقاتل: يعني: كذلك كانت سنة الله فِي عِبادِهِ.
يعني: العذاب في الأمم الخالية إذا عاينوا العذاب، لم ينفعهم الإيمان.
وقال القتبي: هكذا سنة الله أنه من كفر عذبه، وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ أي: خسر عند ذلك الكافرون بتوحيد الله عز وجل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
واسْتَكانُوا معناه: تواضعوا وانخفضوا.
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)
قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ ...
الآية تَوُعُّدُ بعذاب غير مُعَيَّنٍ، وهذا هو الصواب، وهذه المَجَاعَةُ إنَّما كانت بعد وقعة بدر، والمُبْلِسُ الذي قد نزل به شَرٌّ وَيئِسَ من زواله ونَسُخِهِ بخير، ثم ابتدأ تعالى بتعديد نِعَمٍ في نفس تعديدها استدلالٌ بها على عِظَمِ قدرته سبحانه، فقال: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ ...
الآية، أنشأ بمعنى: اخترع، والأفئدة: القلوبُ، وذرأ: بَثَّ وخلق.
وقوله: بَلْ إضرابٌ، والجَحْدُ قبله مُقَدَّر/ كأنه قال: ليس لهم نظر في هذه ٣٣ أالآيات أو نحو هذا، والْأَوَّلُونَ: يشير به إلى الأُمَمِ الكافرة: كعاد وثمود.
وقوله تعالى: لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ ...
الآية، قولهم:
وَآباؤُنا إنْ حُكِيَ المقالة عن العرب فمرادُهُم مَنْ سَلَفَ من العالم، جعلوهم آباءَ من حيث النوعُ واحدٌ، وكونهم سلفاً، وفيه تَجُوزٌ، وإنْ حُكِيَ ذلك عن الأَوَّلِينَ فالأَمر مستقيم فيهم.
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)
وقوله سبحانه: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أَمَر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بتوقيفهم على هذه الأشياء التي لا
يمكنهم إلاَّ الإقرارُ بها، ويلزم من الإقرار [بها] «١» توحيدُ اللَّه وإذعانهم لشرعه ورسالة رسله، وقرأ الجميع «٢» في الأَوَّل: «للَّه» بلا خلاف، واخْتُلِفَ في الثاني والثالث، فقرأ أبو عمرو وحدَه: «اللَّه» جواباً على اللفظ، وقرأ باقي السبعة: «للَّه» جواباً على المعنى، كأنه قال في السؤال: لمن ملك السموات السبع؟
وقوله سبحانه: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ استعارة وتشبيه لما وقع منهم من التخليط وَوَضْعِ الأفعالِ والأَقوالِ غيرِ مواضعها ما يقع من المسحور عَبَّرَ عنهم بذلك.
وقالتَ فرقة: تُسْحَرُونَ معناه: تمنعون، وحكى بعضهم ذلك لُغَةً، والإجارة:
المنع، والمعنى: أَنَّ اللَّه تعالى إذا أراد منع أحد فلا يقدر عليه، وإذا أراد أخذَه فلا مانِعَ له.
وقوله سبحانه: وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أي: فيما ذكروه من الصاحبة، والولد، والشريك، تعالى اللَّه عن قولهم عُلُوّاً كبيراً، وفي قوله سبحانه: وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ [الآية] «٣» .
دليلُ [التمانع] «٤» وهذا هو الفسادُ الذي تَضَمَّنَهُ قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا.
[الأنبياء: الآية ٢٢] .
والجزءُ المُخْتَرَعُ مُحَالٌ أَنْ تَتَعَلَّقَ به قدرتان فصاعداً، وقد تقدم الكلامُ على هذا الدليل فَأَغنى عن إعادته.
وقوله: إِذاً جوابٌ لمحذوف تقديره: لو كان معه [إله] «٥» إذاً لذهب.
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
وقوله: عالِمِ الْغَيْبِ المعنى: هو عالم الغيب، وقرأ أبو عمرو «١» وغيره: «عَالِمِ» بالجر اتباعاً للمكتوبة.
وقوله سبحانه: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أمَرَ اللَّه تعالى نَبِيَّه- عليه السلام- أنْ يدعوَ لنفسه بالنجاة من عذاب الظلمة إن كان قضي أن يرى ذلك، و «إن» شرطية و «ما» زائدة و «تريني» جزم بالشرط لزمته النونُ الثقيلة وهي لا تُفَارِقُ، «أَمَّا» عند المُبَرِّدِ، ويجوزُ عند سيبويه أنْ تفارقَ، ولكن استعمالَ القرآن لزومها، فمن هنالك ألزمه المبرد، وهذا الدعاء فيه استصحاب الخشية والتحذير من الأمر المعذب من أجله، ثم نظيره لسائر الأُمَّةِ دُعَاءٌ في حسن الخاتمة، وقوله ثانياً: «رب» اعتراض بين الشرط وجوابه.
وقوله سبحانه: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ أمْرٌ بالصفح ومكارِمِ الأخلاق، وما كان منها لهذا فهو مُحْكَمٌ باقٍ في الأُمَّةِ أبداً، وما كان بمعنى الموادعة فمنسوخ بآية القتال.
وقوله: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ يقتضي أَنَّها آية مُوَادَعَةٍ.
وقال مجاهد «٢» : الدفع بالتي هي أحسن: هو السلامُ، تُسَلِّمُ عليه إذا لَقِيتَه.
وقال الحسن «٣» : واللَّه لا يُصِيبُهَا/ أَحَدٌ حَتَّى يكظم غيظه، ويصفح عمّا يكره، وفي ٣٣ ب الآية عدة للنبي صلّى الله عليه وسلّم، أي: اشتغل أنت بهذا وكل أمرهم إلينا، ثم أمره سبحانه بالتَّعَوُّذِ من همزات الشياطين، وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسانُ فيها نفسه وكأنها هي التي كانت تصيب المؤمنين مع الكُفَّارِ فتقع المجادلة، ولذلك اتَّصَلَتْ بهذه الآية، وقال ابن زيد:
هَمْزُ الشيطان: الجنونُ «٤» ، وفي «مُصَنَّفِ أَبي داودَ» : أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ: هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، ونَفْثِهِ» «٥» .
قال أبو داودَ: همزه: الموتة، ونفخه:
الكبر، ونفثه: السحر.
قال ع «١» : والنّزعات وسورات الغضبِ من الشيطان، وهي المُتَعَوَّذُ منها في الآية، وأصل الهمز: الدَّفْعُ والوَكزُ بيدٍ أو غيرها.
قلت: قال صاحب «سلاح المؤمن» : وهَمَزَاتُ الشياطين: خَطَرَاتُها التي تَخْطِرَهَا بقلب الإنسان، انتهى.
وقال الواحديّ: همزات الشياطين: نزغاتها ووساوسها، انتهى.
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤)
وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ حَتَّى في هذا الموضع حَرْفُ ابتداءٍ، والضمير في قوله: أَحَدَهُمُ للكفار، وقوله: ارْجِعُونِ أي: إلى الحياة الدنيا، والنون في: ارْجِعُونِ: نون العظمة وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «إذَا عَايَنَ المُؤْمِنُ المَوْتَ، قَالَتْ لَهُ الْمَلاَئِكَةُ: نُرْجِعُك؟
فيقول: إلى دَارِ الهُمُومِ وَالأَحْزَانِ؟
بل قُدُماً إلى اللهِ، وأَمَّا الكَافِرُ، فَيَقُولُ: ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً» «٢» .
وقوله: كَلَّا: رَدٌّ وزجر.
وقوله: إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها تحتمل ثلاثة معانٍ:
أحدها: الإخبارْ المُؤكّدُ بأنَّ هذا الشيء يقع، ويقولُ هذه الكلمة.
الثاني: أنْ يكون المعنى: إنها كلمة لا تغنى أكثر من أَنَّه يقولها، ولا نفعَ له فيها ولا غَوْثَ- الثالث: أنْ يكون إشارةً إلى أنّه لو رُدَّ لعاد، والضمير في: وَرائِهِمْ للكفار، والبرزخ في كلام العرب: الحاجز بين المسافتين، ثَم يُسْتَعَارُ لما عدا ذلك، وهو هنا:
للمُدَّةِ التي بين موت الإنسان وبين بعثه هذا إجماع من المفسرين.
وقوله عز وجل: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ...
الآية: قال ابن مسعود «١» وغيرُه: هذا عند النفخة الثانية وقيامِ الناس من القُبُورِ فهم حينئذٍ لهول المطلع واشتغال كل امرئ بنفسه قد انقطعت بينهم الوسائلُ، وزال انتفاعُ الأنساب فلذلك نفاها سبحانه، والمعنى: فلا أنسابَ نافعةٌ، ورُوِيَ عن قتادَة أَنَّهُ: ليس أَحد أبغض إلى الإنسان في ذلك اليوم مِمَّن يَعْرِفُ، لأَنَّهُ يخاف أَنْ يكونَ له عنده مَظْلِمَةٌ «٢» ، وفي ذلك اليوم يَفِرُّ المرء من أخيه وأُمِّهِ وأبيه وصاحبتِهِ وبَنِيْهِ، ويفرحُ كلُّ أحد يومئذٍ أنْ يكون له حَقُّ على ابنه وأبيه، وقد وَرَدَ بهذا حديثٌ، وكأنّ ارتفاع التساؤل لهذه الوجوه، ثم تأتي في القيامة مواطنُ يكون فيها السؤال والتعارف.
قال ع «٣» : وهذا التأويل حَسَنٌ، وهو مرويُّ المعنى عن ابن عباس «٤» ، وذكر البزَّارُ من حديث أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالْمِيزَانِ، فَيُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ، فَيُوقَفُ بَيْنَ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ، فَإنْ ثَقُلَ مِيزانُهُ، نَادَى/ المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ الخَلاَئِقَ: سَعِدَ فُلاَنٌ ٣٤ أسعادة لاَ يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً، وَإنْ خَفَّ مِيزَانُهُ، نَادَى المَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلاَئِقَ: شَقِيَ فُلاَنٌ شَقَاوَةً لاَ يَسْعَدُ بَعْدَهَا أبداً «٥» » ، انتهى من «العاقبة» .
وروى أبو داودَ في «سننه» عن عائشة رضي الله عنها أَنَّها ذَكَرَتِ النَّارَ فبكت، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَا يُبْكِيكِ؟
قَالَتْ:
ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذكُرُونَ أَهْلِيَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أَمَّا في ثَلاَثَةِ مَوَاطِنَ، فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَداً، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَم: أَيِخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الكِتَابِ حَتَّى يَقُولَ: هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ [الحاقة: ١٩] ، حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يُعْطَى كِتَابَهُ: أفِي يَمِينِهِ أَمْ فِي شَمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ، إذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ» «٦» ، انتهى.
ولفح النار: إصابتها بالوهج والإحراق، والكلوح انكشافُ الشفتين عن الأسنان، وقد شبه ابن
مسعود ما في الآية بما يعتري رؤوس الكِبَاشِ إذا شيطت بالنار فإنَّها تكلح، ومنه كلوح الكلب والأسد «١» .
قلت: وفي «الترمذيِّ» عن أبي سعيد الخدريّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال: تَشْوِيهِ النَّارُ، فَتَقْلُصُ شَفَتُهُ العُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ ...
» «٢» الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، انتهى.
وهذا هو المُعَوَّلُ عليه في فهم الآية، وأَمَّا قول البخاريِّ: كالِحُونَ «٣» معناه:
عابسون- فغيرُ ظاهر، ولَعَلَّهُ لم يقف على الحديث.
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
وقوله سبحانه: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي أي: يقال لهم، والآياتُ هنا القرآن، وقرأ حمزة:
«شَقَاوَتُنَا» ثم وقع جواب رغبتهِم بحسب ما حتمه الله من عذابهم بقوله: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ويقال: إنَّ هذه الكلمة إذا سمعُوها يئسوا من كل خير، فتنطبق عليهم جَهَنَّمُ، ويقع اليأسُ- عافانا الله من عذابه بمنّه وكرمه-!
وقوله: اخْسَؤُا زجر، وهو مستعمل في زجر الكلاب.
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
وقوله عز وجل: إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا ...
الآية الهاء في إِنَّهُ: مُبْهَمَةٌ: وهي ضمير الأمر والشأن، والفريقُ المُشَارُ إليه: كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ من المؤمنين يَتَّفِقُ أنْ تكون حالُه مع كُفَّارٍ مِثلَ هذه الحال، ونزلت الآية في كُفَّارِ قريشِ مع صُهَيْبٍ، وعَمَّار، وبلال، ونظرائهم، ثم هي عامة فيمَنْ جرى مجراهم قديماً وبقيةَ الدهر، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «سُخْرِيّاً» بضم السين «١» ، والباقون بكسرها فقيل هما بمعنى واحد ذكر ذلك الطبريُّ «٢» .
وقال ذلك أبو زيد الأنصاريُّ: إنهما بمعنى الهُزْءِ «٣» ، وقال أبو عبيدَة وغيره: إنَّ ضم السين من السخرة والاستخدام، وكسرها من السخر وهو الاستهزاء»
، ومعنى الاستهزاء هنا أليق أَلاَ ترى إلى قوله: وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ.
وقوله سبحانه: كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ...
الآية قوله: فِي الْأَرْضِ قال الطبريُّ «٥» معناه: في الدنيا أحياءَ، وعن هذا وقع السؤال، ونَسُوا لفرط هول العذاب حَتَّى قالوا: يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، والغرضُ توقيفهم على أَنَّ أعمارهم قصيرة أَدَّاهُمُ الكُفْرُ فيها إلى عذاب طويل، عافانا الله من ذلك بِمَنِّهِ وكرمه!.
وقال الجمهور: معناه: كم لَبِثْتُمْ في جوف التراب أمواتاً؟
قال ع «٦» : وهذا هو
٣٤ ب الأصوب من حيث أنكروا البعث/.
وكان قولهم: إنهم لا يقومون من التراب، وقوله آخراً: وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لاَ تُرْجَعُونَ يقتضي ما قلناه.
قلت: الآيات محتملة للمعنيين، والله أعلم بما أراد سبحانه قال البخاريُّ «١» : قال ابن عباس: فَسْئَلِ الْعادِّينَ أي: الملائكة «٢» ، انتهى.
ص: قرأ الجمهور: «العَادِّينَ» «٣» - بتشديد الدال- اسم فاعل من «عدّ» ، وقرأ الحسن والكسائيّ في رواية: «العَادِينَ» «٤» بتخفيف الدال، أي: الظَّلَمَةَ، و «إنْ» من قوله:
إِنْ لَبِثْتُمْ نافيةٌ، أي: ما لبثتم إلّا قليلا، اهـ.
وعَبَثاً: معناه: باطلاً، لغير غَايَةٍ مُرَادَةٍ، وخَرَّجَ أبو نعيم الحافظ عن حنش الصنعانيِّ عن ابن مسعود «أنه قرأ في أذن مبتلى:
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً ...
إلى آخر السورة، فأفاق، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما قرأتَ في أذنه؟
قال: قرأت: أَفَحَسِبْتُمْ ...
إلى آخر السورة، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: لَوْ أَنَّ رَجُلاً مُوقِناً قَرَأَهَا عَلَى جَبَلٍ لَزَال» ، انتهى «٥» ، وخَرَّجَهُ ابن السُّنِّيُّ أيضاً، ذكره النووي.
وقوله سبحانه: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ: المعنى: فتعالى الله عن مقالتهم في دعوى الشريك والصاحبة والولد، ثم تَوَعَّدُ سبحانه عَبَدَةَ الأوثان بقوله: فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وفي حرف عبد الله: «عند ربك» ، وفي حرف «٦» أُبَيِّ: «عند الله» ثم أَمر تعالى نَبِيَّهُ صلّى الله عليه وسلّم بالدعاء والذكر له فقال: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.
﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ، يَقُولُونَ: لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ أنّى يُصْرَفُونَ ﴾ أيْ: كَيْفَ صُرِفُوا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟!
وفِيهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ القَدَرِيَّةُ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وكانَ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ فَلا أدْرِي فِيمَن نَزَلَتْ.
وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ" بِفَتْحِ اللّامِ والياءِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا سَحَبُوها كانَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُسْجَرُونَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: تُوقَدُ بِهِمُ النّارُ فَصارُوا وقُودَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ مُفَسَّرٌ في [الأعْرافِ: ١٩٠] .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهِ الجُحُودِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ: كَما أضَلَّ اللَّهُ هَؤُلاءِ يُضِلُّ الكافِرِينَ.
﴿ ذَلِكُمْ ﴾ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم ﴿ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ: بِالباطِلِ ﴿ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴾ وقَدْ شَرَحْنا المَرَحَ في [بَنِي إسْرائِيلَ: ٣٧] .
وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بِتَمامِهِ [النَّحْلِ: ٢٩، يُونُسَ: ١٠٩، النِّساءِ: ١٦٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ ﴿ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ وهو قَضاؤُهُ بَيْنَ الأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ، و ﴿ المُبْطِلُونَ ﴾ : أصْحابُ الباطِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ أيْ: حَوائِجُكم في البِلادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴾ اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أغْنى عَنْهُمْ ﴾ في "ما" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها لِلنَّفْيِ.
والثّانِي: [أنَّها] لِلِاسْتِفْهامِ، ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّهُمُ] الأُمَمُ المُكَذِّبَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ مِنهم لَنْ نُبْعَثَ ولَنْ نُحاسَبَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: فَرِحُوا بِما كانَ عِنْدَهم أنَّهُ عِلْمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُمُ الرُّسُلُ؛ والمَعْنى: فَرِحَ الرُّسُلُ لَمّا هَلَكَ المُكَذِّبُونَ ونَجَوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ إذْ جاءَ تَصْدِيقُهُ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ وغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِهِمْ ﴾ يَعْنِي بِالمُكَذِّبِينَ العَذابُ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ.
والبَأْسُ: العَذابُ.
ومَعْنى ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ ﴾ : أنَّهُ سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ، أيْ: أنَّ إيمانَهم لا يَنْفَعُهم إذا رَأوُا العَذابَ، ﴿ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا خاسِرِينَ قَبْلَ ذَلِكَ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ "خَسِرَ" بِمَعْنى "هَلَكَ" قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ إنَّما بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ وَلَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَيُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ ﴾ ﴿ أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هَذِهِ آياتُ عِبَرٍ وتَعْدِيدِ نِعَمٍ، و"الأنْعامُ": الأزْواجُ الثَمانِيَةُ، و"مِنها" الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ المَذْكُورَ لَيْسَ كُلَّ الأنْعامِ، بَلِ الإبِلِ خاصَّةً، و"مِنها" الثانِيَةُ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ مِنها يُؤْكَلُ، وقالَ الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الأنْعامَ تَعُمُّ الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ في البَهائِمِ، فَـ"مِنها" في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّبْعِيضِ - عَلى هَذا - لَكِنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما الأنْعامُ: الأزْواجُ الثَمانِيَةُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ فَقَطْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى المَنافِعَ ذِكْرًا مُجْمَلًا، لِأنَّها أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ ﴾ يُرِيدُ قَطْعَ المَهامِهِ الطَوِيلَةِ والمَشاقِّ البَعِيدَةِ، و"الفُلْكُ": السُفُنُ، وهو هُنا جَمْعٌ، و"تُحْمَلُونَ" يُرِيدُ: بَرًّا وبَحْرًا، وذَكَرَ تَعالى الحَمْلَ عَلَيْها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ رُكُوبِها لِأنَّ المَعْنى مُخْتَلِفٌ في الأمْرَيْنِ وبَيْنَهُما تَغايُرٌ؛ لِأنَّ الرُكُوبَ هو المُتَعارَفُ فِيما قَرُبَ، واسْتُعْمِلَ في القُرى والمُواطِنِ، فَهو نَظِيرُ الأكْلِ مِنها وسائِرِ المَنافِعِ، ثُمَّ خَصَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ السَفَرَ الأطْوَلَ وحَوائِجَ الصُدُورِ مَعَ البُعْدِ، وهَذا هو الحَمْلُ الَّذِي قَرَنَهُ بِشَبِيهِهِ مِن أمْرِ السُفُنِ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى آياتِهِ عامَّةً جامِعَةً لِكُلِّ عِبْرَةٍ ومَوْضِعِ نَظَرٍ، وهَذا غَيْرُ مُنْحَصِرٍ لِاتِّساعِهِ، ولِأنَّ في كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ قَرَّرَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: ﴿ فَأيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ ﴾ ؟
ثُمَّ احْتَجَّ تَعالى عَلى قُرَيْشٍ بِما يَظْهَرُ في الأُمَمِ السالِفَةِ مِن نَقَماتِ اللهِ في الكَفَرَةِ، الَّذِينَ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا، وأشَدَّ قُوَّةَ أبْدانٍ ومَمالِكٍ، وأعْظَمُ آثارًا في المَبانِي والأفْعالِ مِن قُرَيْشٍ والعَرَبِ، فَلَمْ يُغْنِ عنهم كَسْبُهم ولا حالُهم شَيْئًا، حِينَ جاءَهم عَذابُ اللهِ وأخْذُهُ.
و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ فَما أغْنى ﴾ نافِيَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هي تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ لَكُمُ الأنعام ﴾ [غافر: 79] أي الله الذي يريكم آياته.
وهذا انتقال من متعدد الامتنان بما تقدم من قوله: ﴿ الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ [غافر: 61]، ﴿ الله الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً ﴾ [غافر: 64]، ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن تُرَابٍ ﴾ [غافر: 67]، ﴿ الله الَّذِي جَعَلَ لَكمُ الأنعام ﴾ [غافر: 79]، فإن تلك ذكرت في معرض الامتنان تذكيراً بالشكر، فنبّه هنا على أن في تلك المنن آيات دالة على ما يجب للَّه من الوحدانية والقدرة والحكمة.
ولذلك كان قوله: وَيُرِيكُمْ ءاياته } مفيداً مُفاد التذييللِ لما في قوله: ﴿ آياته ﴾ من العموم لأن الجمع المعرف بالإِضافة من صيغ العموم، أي يريكم آياته في النعم المذكورات وغيرها من كل ما يدلّ على وجوب توحيده وتصديق رسله ونبذِ المكابرة فيما يأتونهم به من آيات صدقهم.
وقد جيء في جانب إراءة الآيات بالفعل المضارع لدلالته على التجدد لأن الإِنسان كلما انتفع بشيء من النعم علم ما في ذلك من دلالة على وحدانية خالقها وقدرته وحكمته.
والإِراءة هنا بَصرية، عُبر بها عن العلم بصفات الله إذ كان طريق ذلك العلم هو مشاهدة تلك الأحوال المختلفة فمن تلك المشاهدة ينتقل العقل إلى الاستدلال، وفيه إشارة إلى أن دلالة وجود الخالق ووحدانيته وقدرته برهانية تنتهي إلى اليقين والضرورة.
وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لزيادة التنويه بها، والإرشاد إلى إجادة النظر العقلي في دلائلها، وأما كونُها جائية من لدن الله وكونُ إضافتها من الإِضافة إلى ما هو في معنى الفاعل، فذلك أمر مستفاد من إسناد فعل ﴿ يريكم ﴾ إلى ضميره تعالى.
وفرع على إراءة الآيات استفهام إنكاري عليهم من أجل إنكارهم ما دلت عليه تلك الآيات.
و (أيّ) اسم استفهام يطلب به تمييز شيء عن مشاركه فيما يضاف إليه (أيُّ)، وهو هنا مستعمل في إنكار أن يكون شيء من آيات الله يمكن أن ينكر دون غيره من الآيات فيفيد أن جميع الآيات صالح للدلالة على وحدانية الله وقدرته لا مساغ لادّعاء خفائه وأنهم لا عذر لهم في عدم الاستفادة من إحدى الآيات.
والأكثر في استعمال (أي) إذا أضيفت إلى اسم مؤنثثِ اللفظ أن لا تلحقها هاء التأنيث اكتفاء بتأنيث ما تضاف إليه لأن الغالب في الأسماء التي ليست بصفات أن لا يُفْرَق بين مذكرها ومؤنثها بالهاء نحو حمار فلا يقال للمؤنث حمارة.
و(أيّ) اسم ويزيد بما فيه من الإِبهام فلا يفسره إلا المضاف إليه فلذلك قال هنا ﴿ فَأَيَّ ءاياتت الله ﴾ دون: فأيَّة آيات الله، لأن إلحاق علامة التأنيث ب (أي) في مثل هذا قليل، ومن غير الغالب تأنيث (أي) في قول الكميت: بأي كتاب أم بأيَّةِ سُنة *** تَرى حُبهم عاراً عليَّ وتَحسبُ <div class="verse-tafsir"
في الفَرَحِ والمَرَحِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفَرَحَ: السُّرُورُ والمَرَحَ: البَطَرُ، فَسُرُّوا بِاْلِإمْهالِ وبَطَرُوا بِالنِّعَمِ الثّانِي: الفَرَحُ والسُّرُورُ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والمَرَحُ العُدْوانُ.
رَوى خالِدٌ عَنْ ثَوْرٍ عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (إنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْغِضُ البَذِخِينَ الفَرِحِينَ المَرِحِينَ، ويُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ ويُبْغِضُ أهْلَ بَيْتِ لَحْمَيْنِ، ويُبْغِضُ كُلَّ حَبْرٍ سَمِينٍ فَأمّا أهْلُ بَيْتِ لَحْمَيْنِ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ بِالغِيبَةِ، وأمّا الحَبْرُ السَّمِينُ فالمُتَحَبِّرُ بِعِلْمِهِ ولا يُخْبِرُ بِهِ النّاسَ، يَعْنِي المُسْتَكْثِرَ مِن عِلْمِهِ ولا يَنْفَعُ بِهِ النّاسَ.
» <div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ﴾ قال: أسفاركم لحاجتكم ما كانت.
وفي قوله: ﴿ وآثاراً في الأرض ﴾ قال: المشي فيها بأرجلهم.
وفي قوله: ﴿ فرحوا بما عندهم من العلم ﴾ قال: قولهم نحن أعلم منهم ولن نعذب، وفي قوله: ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون ﴾ قال: ما جاءت به رسلهم من الحق.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم ﴾ قال: من بلد إلى بلد.
وفي قوله: ﴿ سنت الله التي قد خلت في عباده ﴾ قال: سننه أنهم كانوا إذا رأوا بأسنا آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم عند ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ ﴾ روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف رسول وفي حديث آخر أربعة آلاف، وفي حديث أبي ذر أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً منهم الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر؛ فذكر الله بعضهم في القرآن، فهم الذي قص عليه ولم يذكر سائرهم فهم الذين لم يقصص عليه ﴿ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق ﴾ قال الزمخشري: أمر الله: القيامة، وقال ابن عطية: المعنى إذا أراد الله إرسال رسول قضي ذلك، ويحتمل أن يريد بأمر الله إهلاك المكذبين للرسل لقوله: ﴿ وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون ﴾ هنالك في الموضعين يراد به الوقت والزمان، وأصله ظرف كان ثم وضع موضع ظرف الزمان ﴿ الأنعام ﴾ هي الإبل والبقر والضأن والمعز، فقوله: ﴿ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا ﴾ يعني الإبل، و ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ يعني اللحوم والمنافع منها اللبن والصوف وغير ذلك ﴿ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً ﴾ يعني قطع المسافة البعيدة، وحمل الأثقال على الإبل، ﴿ تُحْمَلُونَ ﴾ يريد الركوب عليها وإنما كرره بعد قوله: ﴿ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا ﴾ لأنه أراد الركوب الأول المتعارف في القرى والبلدان وبالحمل عليها، الأسفار البعيدة، قاله ابن عطية ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ هذا عموم بعد ما قدم من الآيات المخصوصة ولذلك وبخهم بقوله: ﴿ فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا ينفع ﴾ على التذكير: نافع وحمزة وعلي وخلف وعاصم ﴿ تتذكرون ﴾ بتاء الخطاب: عاصم وحمزة وعلي وخلف.
﴿ ادعوني أستجب ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.
﴿ سيدخلون ﴾ من الإدخال مجهولاً: ابن كثير ويزيد وعباس ورويس وحماد وأبو بكر غير الشموني ﴿ شيوخاً ﴾ بكسر الشين: ابن كثير وابن عامر وحمزة وعلي وهبيرة والأعشى ويحيى وحماد.
الوقوف ﴿ الأشهاد ﴾ ه لا لأن ﴿ يوم ﴾ يدل من الأول ﴿ الدار ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ه لا ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ والأبكار ﴾ ه ﴿ أتاهم ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ولا المسيء ﴾ ط ﴿ يتذكرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ أستجب لكم ﴾ ط ﴿ داخرين ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه ﴿ شيء ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده صفة شيء وخطؤه ظاهر ﴿ إلا هو ﴾ ز لابتداء الاستفهام ورجحان الوصل لفاء التعقيب ولتمام مقصود الكلام ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ شيوخاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ ويميت ﴾ ج لأجل الفاء مع الشرط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ في آيات الله ﴾ ط لانتهاء الاستفهام وابتداء آخر ﴿ يصرفون ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ الذين ﴾ بدلاً من الضمير في ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ رسلنا ﴾ قف إن لم تقف على ﴿ يصرفون ﴾ ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الظرف ﴿ والسلاسل ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف.
وقيل: ﴿ والسلاسل ﴾ مبتدأ والعائد محذوف أي والسلاسل يجرون بها في الحميم ﴿ يسجرون ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ تمرحون ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ج ﴿ المتكبرين ﴾ ه ﴿ حق ﴾ ه ﴿ للشرط ﴾ مع الفاء ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ نقصص عليك ﴾ ط ﴿ بإذن الله ﴾ ج ﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ز للآية مع العطف وشدّة اتصال المعنى ﴿ تحملون ﴾ ه ط لأن ما بعده مستأنف ولا وجه للعطف.
﴿ تنكرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والأخبار ﴿ يكسبون ﴾ ه ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ مشركين ﴾ ه ﴿ بأسنا ﴾ الثاني ط ﴿ في عباده ﴾ ج لأن الفعل المعطوف عليه مضمر وهو سن ﴿ الكافرون ﴾ ه.
التفسير: هذا من تمام قصة موسى وعود إلى مقام انجر الكلام منه وذلك أنه لما قيل ﴿ فوقاه الله ﴾ وكان المؤمن من أمة موسى علم منه ومما سلف مراراً أن موسى وسائر قومه قد نجوا وغلبوا على فرعون وقومه فلا جرم صرح بذلك فقال ﴿ إنا لننصر رسلنا ﴾ الآية.
ونصرتهم في الدنيا بإظهار كلمة الحق وحصول الذكر الجميل واقتداء الناس بسيرتهم إلى مدة ما شاء الله، وقد ينصرون بعد موتهم كما أن يحيى بن زكريا لما قتل قتل به سبعون ألفاً.
وأما نصرهم في الآخرة فمن رفع الدرجات والتعظيم على رؤوس الأشهاد من الحفظة والأنبياء والمؤمنين وقد مر باقي تفسير الأشهاد في أوائل "هود".
ثم بين أن يوم القيامة لا اعتذار فيه لأهل الظلم والغواية وإن فرض اعتذار فلا يقبل وسوء الدار عذاب الآخرة.
ثم أخبر عن إعطاء موسى التوراة وإيراثها قومه بعده.
والمراد بكون الكتاب هدى أنه دليل في نفسه، وبكونه ذكرى أن يكون مذكراً للشيء المنسيّ.
وحين فرغ من قصة موسى وما تعلق بها خاطب نبيه مسلياً له بقوله ﴿ فاصبر إن وعد الله ﴾ بالنصر وإعلاء كلمة الحق ﴿ حق ﴾ كما قص عليك من حال موسى وغيره.
ثم أمره باستغفاره لذنبه وقد سبق البحث في مثله مراراً.
والعشيّ والإبكار صلاتا العصر والفجر أو المراد الدوام.
قوله ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ عود إلى ما انجر الكلام إليه من أول السورة إلى ههنا.
وفيه بيان السبب الباعث لكفار قريش على هذا الجدال وهو الكبر والحسد وحب الرياسة، وأن يكون الناس تحت تصرفهم وتسخيرهم لا أن يكونوا تحت تصرف غيرهم فإن النبي لا بد أن تكون الأمة تحت أمره ونهيه وذلك تخيل فاسد لأن الغلبة لدين الإسلام ولهذا قال ﴿ ما هم ببالغيه ﴾ ثم أمره أن يستعيذ في دفع شرورهم بالله السميع لأقوالهم البصير بأحوالهم فيجازيهم على حسب ذلك.
ثم إنهم كانوا أكثر ما يجادلون في أمر البعث فاحتج الله عليهم بقوله ﴿ لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ﴾ ومن قدر على الأصعب في نظر المخالف وقياسه كان على الأسهل أقدر، فظاهر أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا برهان بل لمجرد الحسد والكبر بل لا يعرفون ما البرهان وكيف طريق النظر والاستدلال ولهذا قال ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ .
ثم نبه على الفرق بين الجدال المستند على العناد والتقليد وبين الجدال المستند إلى الحجة والدليل قائلاً ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ﴾ وحين بين التفاوت بين الجاهل والعالم أراد أن يبين التفاوت بين المحسن والمسيء ثم قال ﴿ قليلاً ما تتذكرون ﴾ وفيه مزيد توبيخ وتقريع، وفيه أن هذا التفاوت مما يعثر عليه المكلف بأدنى تأمل لو لم يكن معانداً مصراً.
ثم صرح بوجود القيامة قائلاً ﴿ إن الساعة لآتية ﴾ أدخل اللام في الخبر بخلاف ما في "طه" لأن المخاطبين ههنا شاكون بخلاف المخاطب هناك وهو موسى، وهذه الآية كالنتيجة لما قبلها.
ومعنى ﴿ لا يؤمنون ﴾ لا يصدّقون بالبعث.
ثم إنه كان من المعلوم أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بالطاعة فلا جرم أشار إليها بقوله ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم ﴾ أكثر المفسرين على أن الدعاء ههنا بمعنى العبادة، والاستجابة بمعنى الإنابة بقوله ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي ﴾ والدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ روى النعمان بن بشير أن رسول الله قال: "الدعاء العبادة" وقرأ هذه الآية.
وجوّز آخرون أن يكون الدعاء والاستجابة على ظاهرهما، ويراد بعبادتي دعائي لأن الدعاء باب من العبادة يصدّقه قول ابن عباس: أفضل العبادة الدعاء.
وقد مرّ تحقيق الدعاء في سورة البقرة في قوله ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ وقد فسره ابن عباس بمعنى آخر قال: وحدوني أغفر لكم.
وفي الدعاء.
قال جار الله: وهذا تفسير للدعاء بالعبادة ثم للعبادة بالتوحيد.
ومعنى ﴿ داخرين ﴾ صاغرين.
وقال أهل التحقيق: كل من دعا الله وفي قلبه مثقال ذرة من المال والجاه وغير ذلك فدعاؤه لساني لا قلبي ولهذا قد لا يستجاب لأنه اعتمد على غير الله.
وفيه بشارة هي أن دعاء المؤمن وقت حلول أجله يكون مستجاباً ألبتة لانقطاع تعلقه وقتئذ عما سوى الله.
ثم إنه ذكر نعمته على الخلائق بوجود الليل والنهار وقد مر نظير الآية مراراً ولا سيما في أواخر "يونس" وأواسط "البقرة".
وكرر ذكر الناس نعياً عليهم وتخصيصاً لكفران النعمة بهم من بين سائر المخلوقات.
وأما وجه النظم فكأنه يقول: إني أنعمت عليك بهذه النعم الجليلة قبل السؤال فكيف لا أنعم عليك بما هو أقل منه بعد السؤال؟
ففي تحريض على الدعاء.
وأيضاً الاشتغال بالدعاء مسبوق بمعرفة المدعوّ فلذلك ذكر في عدّة آيات دلائل باهرة من الآفاق والأنفس على وحدانيته واتصافه بنعوت الكمال.
قوله ﴿ ذلكم الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا هو ﴾ قد مر في "الأنعام".
قوله ﴿ كذلك يؤفك ﴾ أي كل من جحد بآيات الله ولم يكن طالباً للحق فإنه مصروف عن الحق كما صرفوا.
قوله ﴿ فأحسن صوركم ﴾ كقوله { ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ قوله ﴿ الحمد لله ربّ العالمين ﴾ إما استئناف مدح من الله لنفسه، وإما بتقدير القول أي فادعوه مخلصين قائلين الحمد لله.
قوله ﴿ لما جاءني البينات ﴾ شامل لأدلة العقل والنقل جميعاً.
قوله ﴿ ثم لتبلغوا أشدكم ﴾ متعلق بمحذوف أي ثم يبقيكم لتبلغوا وكذلك لتكونوا.
وأما قوله ﴿ ولتبلغوا أجلاً مسمى ﴾ فمتعلق بفعل آخر تقديره ونفعل ذلك لتبلغوا أجلاً مسمى هو الموت أو القيامة، ورجاء منكم أن تعقلوا ما في ذلك من العبر.
وحيث انجر الكلام إلى ذكر الأجل وصف نفسه بأن الإحياء والإماتة منه، ثم أشار بقوله ﴿ فإذا قضى ﴾ الخ إلى نفاذ قدرته في الكائنات من غير افتقار في شيء مّا إلى آلة وعدّة.
وأشار إلى أن الإحياء والإماتة ليسا من الأشياء التدريجية ولكنهما من الأمور الدفعية المتوقفة على أمر كن فقط، وذلك أن الحياة تحصل بتعلق النفس الناطقة بالبدن، والموت يحدث من قطع ذلك التعلق، وكل من الأمرين يحصل في آن واحد.
ويمكن أن يكون فيه إشارة إلى خلق الإنسان الأوّل وهو آدم كقوله ﴿ خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ﴾ ثم عاد إلى ذم المجادلين وذكر وعيدهم قائلا ﴿ ألم تر ﴾ الآية والكتاب القرآن.
وما أرسل به الرسل سائر الكتب.
وقوله ﴿ فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم ﴾ ليس كقول القائل: سوف أصوم أمس.
بناء على أن سوف للاستقبال وإذ للمضي، لأن "إذ" ههنا بمعنى "إذا" إلا أنه ورد على عادة أخبار الله نحو ﴿ وسيق ﴾ ﴿ ونادى ﴾ وقال المبرد: إذ صارت زماناً قبل سوف لأن العلم وقع منهم بعد ثبوت الأغلال.
والمعنى علموا من الأغلال الذي كانوا أو عدوه من بعد أن حق بالوجود.
ومعنى ﴿ يسجرون ﴾ قال جار الله: هو من سجر التنور إذا ملأه بالوقود، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم وهم مسجورون بها مملوءة أجوافهم منها.
والحاصل أنهم يعذبون مرة بالماء الشديد الحرارة ومرة بالنار.
وقال مقاتل: في الحميم يعني في حر النار ﴿ ثم قيل لهم ﴾ على سبيل التوبيخ ﴿ أينما كنتم ﴾ "ما" موصولة مبتدأ و "أين" خبرها.
ومعنى ﴿ ضلّوا ﴾ غابوا وضاعوا ولم يصل إلينا ما كنا نرجوه من النفع والشفاعة، وأكدوا هذا المعنى بقوله ﴿ بل لم نكن ندعوا من قبل شيئاً ﴾ يعتدّ به كما تقول: حسبت أن فلاناً شيء فإذا هو ليس بشيء أي ليس عنده خير.
ومن جوّز الكذب على الكفار لم يحتج إلى هذا التأويل وقال: إنهم أنكروا عبادة الأصنام.
ثم قال ﴿ كذلك يضل الله الكافرين ﴾ قالت الأشاعرة: أي عن الحجة والإيمان.
وقالت المعتزلة: عن طريق الجنة بالخذلان.
وقال في الكشاف: أي مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى لو طلبوا الآلهة أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
واعترض عليه بأنهم مقرونون بآلهتهم في النار لقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ والجواب أن كون الجميع في النار لا ينافي غيبة أحدهما عن الآخر.
وأجاب في الكشاف باختلاف الزمان وبتفسير الضلال بعدم النفع.
﴿ ذلكم ﴾ العذاب بسبب ما كان لكم من الفرح والمرح أي النشاط ﴿ بغير الحق ﴾ وهو الشرك وعبادة الصنم.
ويجوز أن يكون القول محذوفاً أي يقال لهم ادخلوا أبواب جهنم السبعة المقسومة لكل طائفة مقدّرين الخلود فيها ﴿ فبئس مثوى المتكبرين ﴾ يعني الذين مر ذكرهم في قولهم ﴿ إن في صدوركم إلاّ كبر ﴾ والمخصوص بالذم محذوف وهو مثواكم أو جهنم.
قال جار الله: إنما لم يقل "فبئس مدخل المتكبرين" حتى يكون مناسباً لقوله ﴿ ادخلوا ﴾ كقولك: زر بيت الله فنعم المزار.
لأن الدخول المؤقت بالخلود في معنى الثواء.
وحين زيف طريقة المجادلين مرة بعد مرة أمر رسوله بالصبر على إيذائهم وإيحاشهم إلى إنجاز الوعد بالنصرة قال ﴿ فإما نرينّك بعض الذي نعدهم ﴾ من عذاب الدنيا فذاك ﴿ أو نتوفينك فإلينا يرجعون ﴾ هذا التقدير ذكره جار الله، وقد مر في "يونس" مثله.
وأقول: لا بأس أن يعطف قوله ﴿ أو نتوفينك ﴾ على ﴿ نرينك ﴾ ويكون الرجوع إلى الله جزاء لهما جميعاً ومعناه: إنا نجازيهم على أعمالهم يوم القيامة سواء عذبوا في الدنيا أو لم يعذبوا.
ثم سلاه بحال الأنبياء السابقة ليقتدي بهم في الصبر والتماسك فقال ﴿ ولقد أرسلنا ﴾ الآية.
ذهب بعض المفسرين إلى أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً.
وقيل: ثمانية آلاف، نصف ذلك من بني إسرائيل والباقي من سائر الناس.
ولعل الأصح أن عددهم لا يعلمه إلا الله لقوله ﴿ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ﴾ لكن الإيمان بالجميع واجب.
عن علي .
بعث الله نبياً أسود لم يقص علينا قصته.
ثم إن قريشاً كانوا يقترحون آيات تعنتاً كما مر في أواخر "سبحان" وأول "الفرقان" وغيرهما فلا جرم قال الله ﴿ وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله ﴾ بعذاب الدنيا أو بالقيامة.
وقال ابن بحر: أمر الله الآية التي اقترحوها وذلك أنه يقع الاضطرار عندها ﴿ وخسر هنالك ﴾ أي في ذلك الوقت استعير المكان للزمان ﴿ المبطلون ﴾ وهم أهل الأديان الباطلة.
ثم عاد إلى نوع آخر من دلائل التوحيد قائلاً ﴿ الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا ﴾ قال جار الله: ظاهر النظم يقتضي إدخال لام الغرض في القرائن الأربع أو خلو الكل عنها فيقال: لتركبوا ولتأكلوا ولتصلوا إلى منافع ولتبلغوا.
أو يقال: منها تركبون ومنها تأكلون وتصلون وتبلغون إلا أنه ورد على ما ورد لأن الركوب قد يجب كما في الحج والغزو، وكذلك السفر من بلد إلى بلد لهجرة أو طلب علم لا أقل من الندب فصح أن يكونا غرضين.
وأما الأكل وإصابة المنافع فمن جنس المباح الذي لا تتعلق به إرادته كثير تعلق شرعاً.
وإنما قال ﴿ على الفلك ﴾ ولم يقل " وفي الفلك" مع صحته إذ هي كالوعاء إزدواجاً لقوله ﴿ وعليها ﴾ \[المؤمنون: 22\] والحمل محمول على الظاهر.
وقيل: هو من قول العرب: حملت فلاناً على الفرس إذا وهب له فرساً.
ثم وبخهم بقوله ﴿ ويريكم آياته فأيّ آيات الله تنكرون ﴾ .
ثم حرضهم وزاد توبيخهم بقوله ﴿ أفلم يسيروا ﴾ الآية.
وقد سبق.
وقوله ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ "ما" نافية أو استفهامية ومحلها النصب.
وقوله ﴿ ما كانوا ﴾ مصدرية أو موصولة أي كسبهم أو الذي كسبوا.
قوله ﴿ فرحوا ﴾ لا يخلو إما أن يكون الضمير عائداً إلى الكفار أو إلى الرسل.
وعلى الأول فيه وجوه منها: أنه تهكم بعلمهم الذي يزعمون كقولهم ﴿ وما أظن الساعة قائمة ﴾ ﴿ أئذا كنا تراباً وعظاماً أئنا لفي خلق جديد ﴾ ومنها أنه أراد بذلك شبهات الدهرية وبعض الفلاسفة كقولهم ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ وكانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وحقروا علم الأنبياء بالنسبة إلى علمهم كما يحكى عن سقراط أنه سمع بموسى فقيل له: لو هاجرت إليه؟
فقال: نحن قوم مهديون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا.
ويروى أن جالينوس قال لعيسى : بعثت لغيرنا.
ومنها أن يراد علمهم بظاهر المعاش كقوله ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ وذلك مبلغهم من العلم فرحوا به وأعرضوا عن علم الديانات.
وعلى الثاني يكون معناه أن الرسل لما رأوا جهل قومهم وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
ووجه آخر وهو أن يكون ضمير ﴿ فرحوا ﴾ للكفار وضمير ﴿ عندهم ﴾ للرسل أي فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء.
ثم بين أن إيمان البأس وهو حالة عيان العذاب أو أمارات نزول سلطان الموت غير نافع وقد مر مراراً.
ومعنى ﴿ فلم يك ينفعهم ﴾ لم يصح ولم يستقم لأن الإلجاء ينافي التكليف.
وترادف الفاءات في قوله ﴿ فما أغني ﴾ ﴿ فلما جاءتهم ﴾ ﴿ فلما رأوا ﴾ ﴿ فلم يك ﴾ لترتيب الأخبار ولتعاقب المعاني من غير تراخٍ.
وقال جار الله: فما أغنى نتيجة قوله ﴿ كانوا أكثر منهم ﴾ وقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ جار مجرى البيان والتفسير لقوله ﴿ فلما أغنى ﴾ وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ تابع لقوله ﴿ فلما جاءتهم ﴾ كأنه قال: فكفروا كقولك: رزق زيد المال فمنع المعروف فلم يحسن إلى الفقراء.
وقوله ﴿ فلما رأوا بأسنا ﴾ آمنوا وكذلك ﴿ فلم يك ﴾ تابع لإيمانهم بعد البأس.
قال أهل البرهان: وإنما قال ههنا ﴿ وخسر هنالك الكافرون ﴾ وفيما قبل ﴿ المبطلون ﴾ لأنه قال هناك ﴿ قضى بالحق ﴾ ونقيض الحق الباطل، وههنا ذكر أن إيمان البأس غير مجد ونقيضه الكفر والله أعلم.
قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .
قد ذكرنا هذا أيضاً.
وقوله: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ .
كأنه كان يتوقع رسول الله نزول ما وعد لهم ويخطر ذلك بباله، ويطمع ذلك، فنهاه عن توقع نزول العذاب الذي وعد الكفرة في الوقت الذي يطمع فيه، وعن الخطر بباله النصر له وإهلاك أولئك في الوقت الذي يتوقع، كأنه يقول: إن شئنا أريناك بعض الذي نعدهم، وإن شئنا توفيناك ولم نرك شيئاً؛ وهو كقوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ ، وإلا ظاهر قوله: ﴿ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ حرف شك لا يحتمل ذلك من الله ؛ إذ هو يعلم أنه يفعل ذا أو لا يفعل، أو يكون ذا أو لا يكون، لكن الوجه فيه ما ذكرنا: أنه كان رسول الله يطمع نزول ما وعد، ويحدث نفسه بذلك، فيقول له: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلينا على ما ذكرنا، والله أعلم.
وعن ابن عباس - - أنه قال: "هذه الآية من المكتوم؛ لأن ظاهره شك".
وفي الآية دلالة الرسالة؛ لأنها خرجت مخرج العتاب للنبي والتوبيخ له، ثم أظهر ذلك على الناس، والسبيل في مثله في عرف الناس الإخفاء والإسرار عن الناس؛ فدل أنه إنما أظهر عليهم للأمر بالتبليغ، وكذلك في قوله - -: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ ؛ إذ المرء لا يظهر مثل ذلك من غير أمر وتكليف ممن وجب عليه طاعته، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ ﴾ يقول: لست أنت بأول رسول أرسلت إليهم فاستعبدوك وأنكروك وكذبوك، بل قد أُرْسِلَ إلى الأمم السالفة رسل مثل ما أرسلت أنت إلى هؤلاء.
وقوله: ﴿ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ﴾ .
في الآية دلالة: أنا لم نؤخذ بمعرفة أعين الرسل وأساميهم على التعيين، كما أنا لا نؤخذ بالإيمان بالله - - بجميع ما جاء منه على التفصيل والتعيين بأساميهم؛ لكن على الجملة، وعلى هذا قلنا: إن الإيمان برسول واحد إيمانٌ بجميع الرسل؛ إذ المرء يوجد منه الإنكار لغيره على الجملة أو التعيين، وكذلك الإيمان بالله إيمان بالرسل جميعاً؛ لأن الإيمان بالله إيمان بأمره ونهيه؛ فيكون إيماناً بمن جاء الأمر والنهي على يده، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
كأنهم سألوه أن يأتي بآية بعد آية على أثر آية أخرى، فقال عند سؤالهم ذلك: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ليس لرسول أن يأتي بالآية على شهوته أو على شهوة السائل.
وهذه الآية تدل على نقض قول الباطنية؛ فإنهم يقولون: إن أنفس الرسل جواهر روحانية يأتون بها الآية حيث شاءوا وكيف شاءوا، فكان للرسل عندهم بسبب الجواهر الروحانية التي فيهم - قدرةُ إتيانِ الآيات كيف شاءوا من غير إذن من الله ، ومن غير سؤال منهم إياه في وقت الإتيان، ولو كان الأمر على ما قالوا لم يكن لقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ معنى، وأنه مخالف للآية؛ فإن فيها إخباراً: أنه لا يأتي الرسل بالآيات إلا بإذن من الله ، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ .
أي: إذا جاء الأمر بعذاب الله، أو إذا جاء الأمر بموعود الله، يعبر بالأمر عن الموعود الذي أوعدوا، وقد ذكرنا معنى الخسران فيما تقدم.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .
ذكرهم بهذه الآية وبالآية التي تقدم ذكرها لوجهين: أحدهما: يذكرهم النعمة التي أنعمها عليهم حيث قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وقال: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ﴾ ، ثم قال هاهنا: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَنْعَامَ لِتَرْكَـبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ ، ذكرهم أولا بدء إنشائهم حيث خلقهم من تراب ثم من نطفة ...
إلى آخر ما ذكر.
وفيه دلالة وحدانيته وعلمه وتدبيره وقدرته، ثم ذكرهم من بعد نعمه ...
إلى آخره؛ يستأدي بذلك شكره وحمده على ذلك، هذا وجه.
والثاني: يذكرهم أنه إنما أنشأ هذه الأشياء التي ذكرها وعدّها عليهم للبشر، لم ينشئها لأنفسها، كأنه يقول - والله أعلم -: قد أنشأت هذه الأشياء لكم تنتفعون بها وتستعملونها كيف شئتم، فما بالكم أشد إنكاراً وكفراً بالنعمة من غيركم من العالم، وسائر العالم أشد خضوعاً واستسلاماً لنعمه والقيام بشكرها له؟!
ثم في الآية نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يؤلم طفلا ونعما إلا بعوض يعوضها، ثم لا شك أن ما سخر من الأنعام والدواب للبشر، ومكن لهم استعمالها والانتفاع بها أنواع المنافع؛ أنها تتأذى وتتألم بذلك؛ فيجب على قولهم: ألا يكون لله أن يؤلم إلا بعوض ترضى به هذه الأشياء؛ إذ هكذا حكم كل مجعول بعوض أن يشترط رضا أربابها في العوض، وإذا لم تكن هذه الأشياء من أهل الرضاء بحيث ألا يجوز التعويض؛ فدل أن ذلك بناء على ما قلنا من أن الأصلح ليس بواجب، والله الموفق.
ثم جعل منافعها مختلفة منها الركوب ومنها الأكل وغير ذلك من الانتفاع بصوفها ووبرها، وما أعطى لهم أيضاً من السفن يركبون بها البحار؛ ليصلوا إلى حوائجهم في الأمصار التي بعدت منهم ونأت؛ فضلا منه ومنة، فذلك قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَـبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ﴾ .
يحتمل أنه أراهم آيات وحدانيته وألوهيته، وأراهم آيات نعمه وإحسانه إليهم ونحوها، يقول: فأنى آيات الله [التي] أراكم تنكرونها أنها ليست من الله .
<div class="verse-tafsir"
ويريكم سبحانه من آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فأي آيات الله لا تعترفون بها بعد أن تقرر لديكم أنها آياته؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.G80G2"