الآية ٢ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٢ من سورة محمد

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَءَامَنُوا۟ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍۢ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 59 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : آمنت قلوبهم وسرائرهم ، وانقادت جوارحهم وبواطنهم وظواهرهم ، ( وآمنوا بما نزل على محمد ) ، عطف خاص على عام ، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه .

وقوله : ( وهو الحق من ربهم ) جملة معترضة حسنة ; ولهذا قال : ( كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ) قال ابن عباس : أي أمرهم .

وقال مجاهد : شأنهم .

وقال قتادة وابن زيد : حالهم .

والكل متقارب .

وقد جاء في حديث تشميت العاطس : " يهديكم الله ويصلح بالكم " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وذُكر أنه عنى بقوله ( الَّذِينَ كَفَرُوا )...

الآية أهل مكة,( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ )...

الآية, أهل المدينة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن وهب الواسطي, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: خبرنا إسرائيل, عن أبي يحيى القتات, عن مجاهد, عن عبد الله بن عباس, في قوله ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) قال: نـزلت في أهل مكة ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) قال: الأنصار.

وبنحو الذي قلنا في معنى قوله ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن وهب الواسطي, قال: ثنا عبيد الله بن موسى, قال: ثنا إسرائيل, عن أبي يحيى القتات, عن مجاهد, عن عبد الله بن عباس ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال: أمرهم.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال: شأنهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال: أصلح حالهم.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال: حالهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) قال حالهم.

والبال: كالمصدر مثل الشأن لا يعرف منه فعل, ولا تكاد العرب تجمعه إلا في ضرورة شعر, فإذا جمعوه قالوا بالات.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم .قوله تعالى : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد قال ابن عباس ومجاهد : هم الأنصار .

وقال مقاتل : إنها نزلت خاصة في ناس من قريش .

وقيل : هما عامتان فيمن كفر وآمن .

ومعنى أضل أعمالهم : أبطلها .

وقيل : أضلهم عن الهدى بما صرفهم عنه من التوفيق .

وعملوا الصالحات من قال إنهم الأنصار فهي المواساة في مساكنهم وأموالهم .

ومن قال إنهم من قريش فهي الهجرة .

ومن قال بالعموم فالصالحات جميع الأعمال التي ترضي الله تعالى .

وآمنوا بما نزل على محمد لم يخالفوه في شيء ، قاله سفيان الثوري .

وقيل : صدقوا محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به .

وهو الحق من ربهم يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم .

وقيل : أي : إن القرآن هو الحق من ربهم ، نسخ به ما قبله كفر عنهم سيئاتهم أي ما مضى من سيئاتهم قبل الإيمان .

وأصلح بالهم أي شأنهم ، عن مجاهد وغيره .

وقال قتادة : حالهم .

ابن عباس : أمورهم .

والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم .

وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم ، ومنه قول الشاعر :فإن تقبلي بالود أقبل بمثله وإن تدبري أذهب إلى حال بالياوهو على هذا التأول محمول على صلاح دينهم .

( والبال ) كالمصدر ، ولا يعرف منه فعل ، ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر فيقولون فيه : بالات .

المبرد : قد يكون البال في موضع آخر بمعنى القلب ، يقال : ما يخطر فلان على بالي ، أي : على قلبي .

الجوهري : والبال رخاء النفس ، يقال فلان رخي البال .

والبال : الحال ، يقال ما بالك .

وقولهم : ليس هذا من بالي ، أي : مما أباليه .

والبال : الحوت العظيم من حيتان البحر ، وليس بعربي .

والبالة : وعاء الطيب ، فارسي معرب ، وأصله بالفارسية بيلة .

قال أبو ذؤيب :كأن عليها بالة لطمية لها من خلال الدأيتين أريج

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأما { وَالَّذِينَ آمَنُوا } بما أنزل الله على رسله عموما، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بأن قاموا بما عليهم من حقوق الله، وحقوق العباد الواجبة والمستحبة.{ كَفَّرَ } الله { عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } صغارها وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة.

{ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم: { اتبعوا الْحَقُّ } الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم، الصادر { مِنْ رَبِّهِمْ } الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالى بالحق فاتبعوه، فصلحت أمورهم، فلما كانت الغاية المقصودة لهم، متعلقة بالحق المنسوب إلى الله الباقي الحق المبين، كانت الوسيلة صالحة باقية، باقيا ثوابها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ) قال سفيان الثوري : يعني لم يخالفوه في شيء ( وهو الحق من ربهم ) قال ابن عباس - رضي الله عنه - ما : " الذين كفروا وصدوا " : مشركو مكة ، " والذين آمنوا وعملوا الصالحات " : الأنصار .

( كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ) حالهم ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : عصمهم أيام حياتهم ، يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين آمنوا» أي الأنصار وغيرهم «وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزِّل على محمد» أي القرآن «وهو الحق من ربهم كفَّر عنهم» غفر لهم «سيئاتهم وأصلح بالهم» حالهم فلا يعصونه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين صدَّقوا الله واتَّبَعوا شرعه وصدَّقوا بالكتاب الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الحق الذي لا شك فيه من ربهم، عفا عنهم وستر عليهم ما عملوا من السيئات، فلم يعاقبهم عليها، وأصلح شأنهم في الدينا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمؤمنين من ثواب فقال : ( والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ) الأعمال ( الصالحات ) التى توافر فيها الإِخلاص والاتباع لهدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقوله : ( وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ ) من باب عطف الخاص على العام ، فقد أفرده بالذكر مع أنه داخل فى الإِيمان والعمل الصالح ، للإِشارة إلى أنه شرط فى صحة الإِيمان ، وللإِشعار بسمو مكانه هذا المنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - وبعلو قدره .وقوله : ( وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ ) جملة معترضة ، لتأكيد حقية هذا المنزل على النبى - صلى الله عليه وسلم - وتقرير كماله وصدقه .

أى : وهذا المنزل على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو الحق الكائن من عند الله - تعالى - رب العالمين ، لا من عند أحد سواه .وقوله : ( كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ) خبر الموصول ، أى : والذين آمنا وعملوا الأعمال الصالحة ، محا عنهم - سبحانه - ما عملوه من أعمال سيئة ، ولم يعاقبهم عليها ، فضلا منه وكرما .فقوله : ( كَفَّرَ ) من الكَفْرِ بمعنى الستر والتغطية ، يقال : كفر الزراع زرعه إذا غطاه ، وستره حماية له مما يضره .

به هنا : المحو والإِزالة على سبيل المجاز .وقوله : ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) معطوف على ما قبله .

أى : محا عنهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ، ما اقترفوه من سيئات ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات ) ولم يكتف - سبحانه - بذلك ، بل وأصلح أحوالهم وأمورهم وشئونهم ، بأن وفقهم للتوبة الصادقة فى الدنيا ، وبأن منحهم الثواب الجزيل فى الآخرة .فالمراد بالبال هنا : الحال والأمر والشأن .قال القرطبى : والبال كالمصدر ، ولا يعرف منه فعل ، ولا تجمعه العرب إلا فى ضرورة الشعر ، فيقولون فيه بالات .

.وهذه الجملة الكريمة وهى قوله : ( وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ) نعمة عظمى لا يحس بها إلا من وهبه الله - تعالى - إياها ، فإن خزائن الأرض لا تنفع صاحبها إذا كان مشتت القلب ، ممزق النفس ، مضطرب المشاعر والأحوال .

أما الذى ينفعه فهو راحة البان .

وطمأنينة النفس ، ورضا القلب ، والشعور بالأمان والسلام .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا مراراً أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان والعمل الصالح، رتب عليهما المغفرة والأجر كما قال: ﴿ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  ﴾ وقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ  ﴾ وقلنا بأن المغفرة ثواب الإيمان والأجر على العمل الصالح واستوفينا البحث فيه في سورة العنكبوت فنقول هاهنا جزاء ذلك قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم ﴾ إشارة إلى ما يثيب على الإيمان، وقوله: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ إشارة إلى ما يثيب على العمل الصالح.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة تكفير السيئات مرتب على الإيمان والعمل الصالح فمن آمن ولم يفعل الصالحات يبقى في العذاب خالداً، فنقول لو كان كما ذكرتم لكان الإضلال مرتباً على الكفر والضد، فمن يكفر لا ينبغي أن تضل أعماله، أو نقول قد ذكرنا أن الله رتب أمرين على أمرين فمن آمن كفر سيئاته ومن عمل صالحاً أصلح باله أو نقول أي مؤمن يتصور أنه غير آت بالصالحات بحيث لا يصدر عنه صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا إطعام، وعلى هذا فقوله: ﴿ وَعَمِلُواْ ﴾ عطف المسبب على السبب، كما قلنا في قول القائل أكلت كثيراً وشبعت.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وآمنوا بما نُزِّلَ على محمد ﴾ مع أن قوله آمنوا وعملوا الصالحات أفاد هذا المعنى فما الحكمة فيه وكيف وجهه؟

فنقول: أما وجهه فبيانه من وجوه: الأول: قوله: ﴿ والذين ءَامَنُواْ ﴾ أي بالله ورسوله واليوم الآخر، وقوله: ﴿ وآمنوا بما نزل ﴾ أي بجميع الأشياء الواردة في كلام الله ورسوله تعميم بعد أمور خاصة وهو حسن، تقول خلق الله السموات والأرض وكل شيء إما على معنى وكل شيء غير ما ذكرنا وإما على العموم بعد ذكر الخصوص الثاني: أن يكون المعنى آمنوا وآمنوا من قبل بما نزل على محمد وهو الحق المعجز الفارق بين الكاذب والصادق يعني آمنوا أولاً بالمعجز وأيقنوا بأن القرآن لا يأتي به غير الله، فآمنوا وعملوا الصالحات والواو للجمع المطلق، ويجوز أن يكون المتأخر ذكراً متقدماً وقوعاً، وهذا كقول القائل آمن به، وكان الإيمان به واجباً، أو يكون بياناً لإيمانهم كأنهم ﴿ وآمنوا بما نُزِّلَ على محمد ﴾ أي آمنوا وآمنوا بالحق كما يقول القائل خرجت وخرجت مصيباً أي وكان خروجي جيداً حيث نجوت من كذا وربحت كذا فكذلك لما قال آمنوا بين أن إيمانهم كان أمر الله وأنزل الله لا بما كان باطلاً من عند غير الله الثالث: ما قاله أهل المعرفة، وهو أن العلم العمل والعمل العلم، فالعلم يحصل ليعمل به لما جاء: إذا عمل العالم العمل الصالح علم ما لم يكن يعلم، فيعلم الإنسان مثلاً قدرة الله بالدليل وعلمه وأمره فيحمله الأمر على الفعل ويحثه عليه علمه فعلمه بحاله وقدرته على ثوابه وعقابه، فإذا أتى بالعمل الصالح علم من أنواع مقدورات الله ومعلومات الله تعالى ما لم يعلمه أحد إلا باطلاع الله عليه وبكشفه ذلك له فيؤمن، وهذا هو المعنى في قوله: ﴿ هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم  ﴾ فإذا آمن المكلف بمحمد بالبرهان وبالمعجزة وعمل صالحاً حمله علمه على أن يؤمن بكل ما قاله محمد ولم يجد في نفسه شكاً، وللمؤمن في المرتبة الأولى أحوال وفي المرتبة الأخيرة أحوال، أما في الإيمان بالله ففي الأول يجعل الله معبوداً، وقد يقصد غيره في حوائجه فيطلب الرزق من زيد وعمر ويجعل أمراً سبباً لأمر، وفي الأخيرة يجعل الله مقصوداً ولا يقصد غيره، ولا يرى إلا منه سره وجهره، فلا ينيب إلى شيء في شيء فهذا هو الإيمان الآخر بالله وذلك الإيمان الأول.

وأما ما في النبي صلى الله عليه وسلم فيقول أولاً هو صادق فيما ينطق، ويقول آخر لا نطق له إلا بالله، ولا كلام يسمع منه إلا وهو من الله، فهو في الأول يقول بالصدق ووقوعه منه، وفي الثاني يقول بعدم إمكان الكذب منه لأن حاكي كلام الغير لا ينسب إليه الكذب ولا يمكن إلا في نفس الحكاية، وقد علم هو أنه حاك عنه كما قاله، وأما في المرتبة الأولى فيجعل الحشر مستقبلاً والحياة العاجلة حالاً وفي المرتبة الأخيرة يجعل الحشر حالاً والحياة الدنيا ماضياً، فيقسم حياة نفسه في كل لحظة، ويجعل الدنيا كلها عدماً لا يلتفت إليها ولا يقبل عليها.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وآمَنوا بما نُزِّلَ على محمد ﴾ هو في مقابلة قوله في حق الكافر ﴿ وَصُدُّواْ  ﴾ لأنا بينا في وجه أن المراد بهم صدوا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا حث على اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فهم صدوا أنفسهم عن سبيل الله، وهو محمد عليه السلام وما أنزل عليه، وهؤلاء حثوا أنفسهم على اتباع سبيله، لا جرم حصل لهؤلاء ضد ما حصل لأولئك، فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ ﴾ هل يمكن أن يكون من ربهم وصفاً فارقاً، كما يقال رأيت رجلاً من بغداد، فيصير وصفاً للرجل فارقاً بينه وبين من يكون من الموصل وغيره؟

نقول لا، لأن كل ما كان من الله فهو الحق، فليس هذا هو الحق من ربهم، بل قوله: ﴿ مّن رَّبّهِمُ ﴾ خبر بعد خبر، كأنه قال وهو الحق وهو من ربهم، أو إن كان وصفاً فارقاً فهو على معنى أنه الحق النازل من ربهم لأن الحق قد يكون مشاهداً، فإن كون الشمس مضيئة حق وهو ليس نازل من الرب، بل هو علم حاصل بطريق يسره الله تعالى لنا.

ثم قال تعالى: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي سترها وفيه إشارة إلى بشارة ما كانت تحصل بقوله أعدمها ومحاها، لأن محو الشيء لا ينبئ عن إثبات أمر آخر مكانه، وأما الستر فينبئ عنه، وذلك لأن من يريد ستر ثوب بال أو وسخ لا يستره بمثله، وإنما يستره بثوب نفيس نظيف، ولا سيما الملك الجواد إذا ستر على عبد من عبيده ثوبه البالي أمر بإحضار ثوب من الجنس العالي لا يحصل إلا بالثمن الغالي، فيلبس هذا هو الستر بينه وبين المحبوبين، وكذلك المغفرة، فإن المغفرة والتكفير من باب واحد في المعنى، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات  ﴾ وقوله: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ إشارة إلى ما ذكرنا من أنه يبدلها حسنة، فإن قيل كيف تبدل السيئة حسنة؟

نقول معناه أنه يجزيه بعد سيئاته ما يجزى المحسن على إحسانه، فإن قال الإشكال باق وباد، وما زال بل زاد، فإن الله تعالى لو أثاب على السيئة كما يثيب عن الحسنة، لكان ذلك حثاً على السيئة، نقول ما قلنا إنه يثيب على السيئة وإنما قلنا إنه يثيب بعد السيئة بما يثيب على الحسنة، وذلك حيث يأتي المؤمن بسيئة، ثم يتنبه ويندم ويقف بين يدي ربه معترفاً بذنبه مستحقراً لنفسه، فيصير أقرب إلى الرحمة من الذي لم يذنب، ودخل على ربه مفتخراً في نفسه، فصار الذنب شرطاً للندم، والثواب ليس على السيئة، وإنما هو على الندم، وكأن الله تعالى قال عبدي أذنب ورجع إليّ، ففعله شيء لكن ظنه بي حسن حيث لم يجد ملجأ غيري فاتكل على فضلي، والظن عمل القلب، والفعل عمل البدن، واعتبار عمل القلب أولى، ألا ترى أن النائم والمغمى عليه لا يلتفت إلى عمل بدنه، والمفلوج الذي لا حركة له يعتبر قصد قلبه، ومثال الروح والبدن راكب دابة يركض فرسه بين يدي ملك يدفع عنه العدو بسيفه وسنانه، والفرس يلطخ ثوب الملك بركضه في استنانه، فهل يلتفت إلى فعل الدابة مع فعل الفارس، بل لو كان الراكب فارغاً الفرس يؤذي بالتلويث يخاطب الفارس به، فكذلك الروح راكب والبدن مركوب، فإن كانت الروح مشغولة بعبادة الله وذكره، ويصدر من البدن شيء لا يلتفت إليه، بل يستحسن منه ذلك ويزاد في تربية الفرس الراكض ويهجر الفرس الواقف، وإن كان غير مشغول فهو مؤاخذ بأفعال البدن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَصُدُّواْ ﴾ وأعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام: أو صدّوا غيرهم عنه.

قال ابن عباس رضي الله عنه: هم المطعمون يوم بدر.

وعن مقاتل: كانوا اثني عشر رجلاً من أهل الشرك يصدّون الناس عن الإسلام ويأمرونهم بالكفر.

وقيل: هم أهل الكتاب الذين كفروا وصدّوا من أراد منهم ومن غيرهم أن يدخل في الإسلام.

وقيل: هو عامّ في كل من كفر وصدّ ﴿ أَضَلَّ أعمالهم ﴾ أبطلها وأحبطها.

وحقيقته: جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل التي هي بمضيعة لا ربَّ لها يحفظها ويعتني بأمرها.

أو جعلها ضالة في كفرهم معاصيهم ومغلوبة بها، كما يضل الماء في اللبن.

وأعمالهم: ما عملوه في كفرهم بما كانوا يسمونه مكارم: من صلة الأرحام وفك الأسارى وقرى الأضياف وحفظ الجوار.

وقيل: أبطل ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصدّ عن سبيل الله: بأن نصره عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ قال مقاتل: هم ناس من قريش.

وقيل: من الأنصار.

وقيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب.

وقيل: هو عام.

وقوله: ﴿ وَءامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ ﴾ اختصاص للإيمان بالمنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ما يجب به الإيمان تعظيماً لشأنه وتعليماً، لأنه لا يصح الإيمان ولا يتم إلا به.

وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية التي هي قوله: ﴿ وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ ﴾ وقيل: معناها إنّ دين محمد هو الحق، إذ لا يرد عليه النسخ، وهو ناسخ لغيره.

وقرئ: ﴿ نزل وأنزل ﴾ ، على البناء للمفعول.

ونزّل على البناء للفاعل، ونزل بالتخفيف ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ ﴾ ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين، وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ مُحَمَّدٍ  وَتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ وهي مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعٌ أوْ ثَمانٍ وثَلاثُونَ أوْ أرْبَعُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ امْتَنَعُوا عَنِ الدُّخُولِ في الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقِهِ، أوْ مَنَعُوا النّاسَ عَنْهُ كالمُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ شَياطِينِ قُرَيْشٍ أوِ المِصْرِيِّينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

أوْ عامٌّ في جَمِيعِ مَن كَفَرَ وصَدَّ.

﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ جَعَلَ مَكارِمَهم كَصِلَةِ الرَّحِمِ وفَكِّ الأُسارى وحِفْظِ الجِوارِ ضالَّةً أيْ ضائِعَةً مُحْبَطَةً بِالكُفْرِ، أوْ مَغْلُوبَةً مَغْمُورَةً فِيهِ كَما يَضِلُّ الماءُ في اللَّبَنِ، أوْ ضَلالًا حَيْثُ لَمْ يَقْصِدُوا بِهِ وجْهَ اللَّهِ، أوْ أبْطَلَ ما عَمِلُوهُ مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِهِ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ وإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعُمُّ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ.

﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ تَخْصِيصٌ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ مِمّا يَجِبُ الإيمانُ بِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وإشْعارًا بِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ دُونَهُ، وأنَّهُ الأصْلُ فِيهِ ولِذَلِكَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ اعْتِراضًا عَلى طَرِيقَةِ الحَصْرِ.

وقِيلَ: حَقِيقَتُهُ بِكَوْنِهِ ناسِخًا لا يُنْسَخُ، وقُرِئَ: «نَزَّلَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و«أنْزَلَ» عَلى البِناءَيْنِ و «نَزَلَ» بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ سَتَرَها بِالإيمانِ وعَمَلِهِمُ الصّالِحِ.

﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ في الدِّينِ والدُّنْيا بِالتَّوْفِيقِ والتَّأْيِيدِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} هم ناس من قريش أو من الأنصار أو من أهل الكتاب أو عام {وآمنوا بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ} وهو القرآن وتخصيص الايمان بالنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية وهي قوله {وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ} أي القرآن وقيل ان دين محم هو الحق اذا لا يرد عليه النسخ وهو ناسخ لغيره {كفر عنهم سيئاتهم} ستر بايماتهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور

الدين وبالتسليط على الدنيا بما اعطاهم

{ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل}

من النصرة والتأييد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ هم أهْلُ المَدِينَةِ الأنْصارُ، وفَسَّرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بِأهْلِ مَكَّةَ قُرَيْشٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم ناسٌ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: أعَمُّ مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ فَإنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ ولا داعِيَ لِلتَّخْصِيصِ ﴿ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ مِنَ القُرْآنِ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ الإيمانُ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وأنَّهُ الأصْلُ في الكُلِّ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ وهو جُمْلَةٌ مُعْتَرَضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ مُفِيدَةٌ لِحَصْرِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ عَلى طَرِيقَةِ الحَصْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ وقَوْلُكُ: حاتِمٌ الجَوادُ فَيُرادُ بِالحَقِّ ضِدُّ الباطِلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الحَصْرُ عَلى ظاهِرِهِ والحَقُّ الثّابِتُ، وحَقِّيَّةُ ما نَزَلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ ناسِخًا لا يُنْسَخُ وهَذا يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِهِ ومِنهُ جاءَ التَّأْكِيدُ، وأيًّا ما كانَ فَقَوْلُهُ تَعالى ( مِن رَبِّهِمْ ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( الحَقُّ ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ مُقْسِمٍ (نُزِلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

والأعْمَشُ (أُنْزِلَ) مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ (أنَزَلَ) بِالهَمْزِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (ونَزَلَ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ سَتَرَها بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، والمُرادُ أزالَها ولَمْ يُؤاخِذْهم بِها ﴿ وأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ حالَهم في الدِّينِ والدُّنْيا بِالتَّوْفِيقِ والتَّأْيِيدِ، وتَفْسِيرُ البالِ بِالحالِ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وعَنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالشَّأْنِ وهو الحالُ أيْضًا أوْ ما لَهُ خَطَرٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الرّاغِبِ: البالُ الحالُ الَّتِي يَكْتَرِثُ بِها، ولِذَلِكَ يُقالُ: ما بالَيْتُ بِكَذا بالَةً أيْ ما اكْتَرَثْتُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ  : «(كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ)» الحَدِيثَ.

ويَكُونُ بِمَعْنى الخاطِرِ القَلْبِيِّ ويُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ القَلْبِ كَما قالَ الشِّهابُ.

وفي البَحْرِ حَقِيقَةُ البالِ الفِكْرُ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ ومَن صَلَحَ قَلْبُهُ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَّفْظَ مُشِيرٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ لَهُ، وحُكِيَ عَنِ السَّفاقْسِيِّ تَفْسِيرُهُ هُنا بِالفِكْرِ وكَأنَّهُ لِنَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ، وهو كَما في البَحْرِ أيْضًا مِمّا لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ وشَذَّ قَوْلُهم في جَمْعِهِ بالاتٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثمان وثلاثون آية مكية قوله تبارك وتعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا أي: جحدوا بتوحيد الله تعالى، وبالقرآن وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: صرفوا الناس عن طاعة الله، وهو الجهاد أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل الله حسناتهم التي عملوا في الدنيا، لأنهم عملوا بغير إيمان، وكل عمل يكون بغير إيمان، فهو باطل كما قال وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: 85] الآية.

قال الكلبي: نزلت في مطعمي بدر، وهم رؤساء مكة، الذين كانوا يطعمون الناس في حال خروجهم إلى بدر، منهم أبو جهل والحارث ابنا هشام، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبي وأمية ابنا خلف، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وغيرهم.

ويقال: هذا في عامة الكفار.

وهذا كقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ [النور: 39] الآية.

وروى مجاهد عن ابن عباس قال: الَّذِينَ كَفَرُوا هم أهل مكة وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قال هم الأنصار، الذين آمنوا، يعني: صدَّقوا بالله تعالى، وبمحمد  ، وبالقرآن وَعَمِلُواْ الصالحات، يعني: أدوا الفرائض والسنن، وهم أصحاب النبيّ  ، ومن كان في مثل حالهم وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: صدقوا بما أنزل جبريل على محمد  ، وهو الحق وليس فيه باطل، ولا تناقض كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: محا عنهم ذنوبهم التي عملوا في الشرك، بإيمانهم بمحمد  ، وطاعتهم لله تعالى، فيما يأمرهم به من الجهاد وَأَصْلَحَ بالَهُمْ يعني: حالهم.

وهذا قول قتادة.

وقال مقاتل: يعني: بين أمورهم في الإسلام، وعملهم وحالهم، حتى يدخلوا الجنة.

وروى مجاهد وَأَصْلَحَ بالَهُمْ يعني: شأنهم وقال القتبي كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي: سترها وَأَصْلَحَ بالَهُمْ أي: حالهم.

ويقال: أصلح بالهم يعني: أظهر الله تعالى أمرهم في الإسلام، حتى يقتدى بهم.

ثم بين المعنى الذي أحبط أعمال الكافرين، وأصلح شأن المؤمنين فقال: ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ذلك الإبطال، بأن الذين كفروا اتَّبَعُوا الْباطِلَ يعني: اختاروا الشكر وثبتوا عليه، ولم يرغبوا في الإسلام.

ويقال: معناه لأنهم اختاروا الباطل على الحق، واتباع الهوى، على اتباع رضى الله سبحانه وتعالى وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم أصحاب محمد  اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: اتبعوا القرآن، وعملوا به.

ويقال: معناه اختاروا الإيمان على الكفر، واتباع القرآن، واتباع رضى الله تعالى على اتباع الهوى.

قوله تعالى: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ يعني: هكذا يبين الله صفة أعمالهم.

ثم حرض المؤمنين على القتال فقال: <div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ مُحَمَّدٍ  وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، مِنهم مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ.

وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ حَجِّهِ حِينَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ وجَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِ اللَّهِ ﴿ وَصَدُّوا ﴾ النّاسَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، وهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أبْطَلَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها ثَوابًا، فَكَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ وقَدْ كانُوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ، ويَصِلُونَ الأرْحامَ، ويَتَصَدَّقُونَ، ويَفْعَلُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ قُرْبَةً.

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي أصْحابَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ  .

﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَزَّلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَشْدِيدِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُعاذُ القارِئُ: "أُنْزِلَ" بِهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ مَكْسُورَةِ الزّايِ.

وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو عِمْرانَ: "نَزَلَ" بِفَتْحِ النُّونِ والزّايِ وتَخْفِيفِها، ﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ أيْ: غَفَرَها لَهم ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ أيْ: حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ، والمُبَرِّدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: الأمْرُ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ذَلِكَ الإضْلالُ، لِاتِّباعِهِمُ الباطِلِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ كَهَذا البَيانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَضَرْبَ الرِّقابِ ﴾ إغْراءٌ؛ والمَعْنى: فاقْتُلُوهُمْ، لِأنَّ الأغْلَبَ في مَوْضِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ ﴿ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ ﴿ فَشُدُّوا الوَثاقَ ﴾ يَعْنِي في الأسْرِ؛ وإنَّما يَكُونُ الأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ.

و "الوَثاقُ" اسْمٌ مِنَ الإيثاقِ؛ تَقُولُ: أوْثَقْتُهُ إيثاقًا ووِثاقًا، إذا شَدَدْتَ أسْرَهُ لِئَلّا يُفْلِتَ ﴿ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إمّا أنْ تَمُنُّوا، وإمّا أنْ تُفادُوا، ومِثْلُهُ: سَقْيًا، ورَعْيًا، وإنَّما هو سُقِيتَ ورُعِيتَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهم مَنًّا، وإمّا أطْلَقْتُمُوهم بِفِداءٍ.

* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ حُكْمَ المَنِّ والفِداءِ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ: ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى نَسْخِ المَنِّ والفِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا ابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

وقَدْ أشَرْنا إلى القَوْلَيْنِ في [بَراءَةٍ: ٥] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: حَتّى لا يَكُونَ دِينٌ إلّا دِينَ الإسْلامِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: حَتّى يَخْرُجَ المَسِيحُ.

وقالَ الفَرّاءُ: حَتّى لا يَبْقى إلّا مُسْلِمٌ أوْ مُسالِمٌ.

وفي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: حَتّى يَضَعَ أهْلُ الحَرْبِ سِلاحَهُمْ؛ قالَ الأعْشى: وأعْدَدْتُ لِلْحَرْبِ أوْزارَها: رِماحًا طِوالًا وخَيْلًا ذُكُورا وَأصْلُ "الوِزْرِ" ما حَمَلْتَهُ، فَسُمِّيَ السِّلاحُ "أوْزارًا" لِأنَّهُ يُحْمَلُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: حَتّى تَضَعَ حَرْبُكم وقِتالُكم أوْزارَ المُشْرِكِينَ وقَبائِحَ أعْمالِهِمْ بِأنْ يُسْلِمُوا ولا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ذَلِكَ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنا ﴿ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ ﴾ بِإهْلاكِهِمْ أوَتَعْذِيبِهِمْ بِما شاءَ ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ ﴿ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ ﴾ فَيُثِيبُ المُؤْمِنَ ويُكْرِمُهُ بِالشَّهادَةِ، ويُخْزِي الكافِرَ بِالقَتْلِ والعَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ قُتِلُوا ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التّاءِ؛ والباقُونَ: "قاتَلُوا" بِألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَهْدِيهِمْ إلى أرْشَدِ الأُمُورِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يُحَقِّقُ لَهُمُ الهِدايَةَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: إلى مُحاجَّةِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ.

والرّابِعُ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ عَرَّفَها لَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَرَّفَهم مَنازِلَهم فِيها فَلا يَسْتَدِلُّونَ عَلَيْها ولا يُخْطِئُونَها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهم مُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: طَيَّبَها لَهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو قَوْلُ أصْحابِ اللُّغَةِ، يُقالُ: طَعامٌ مُعَرَّفٌ، أيْ: مُطَيَّبٌ.

وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "عَرَفَها لَهُمْ" بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةُ مُحَمَّدٍ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، غَيْرَ أنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ  ﴾ الآيَةُ: إنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ في وقْتِ دُخُولِ النَبِيِّ  فِيها عامَ الفَتْحِ أو سَنَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وما كانَ مِثْلَ هَذا فَهو مَعْدُودٌ في المَدَنِيِّ؛ لِأنَّ المُراعى في ذَلِكَ إنَّما هو ما كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أو بَعْدَها.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ أخْرَجُوا رَسُولَ اللهِ  ، وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ، إشارَةٌ إلى الأنْصارِ أهْلِ المَدِينَةِ الَّذِينَ آوَوْهُ، وفي الطائِفَتَيْنِ نَزَلَتِ الآيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ ألْفاظِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الفِعْلَ المُجاوِزَ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا غَيْرَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، فَيَكُونُ المَعْنى: وصَدُّوا أنْفُسَهُمْ، و"سَبِيلِ اللهِ": شَرْعُهُ وطَرِيقُهُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ أيْ: أتْلَفَها، ولَمْ يَجْعَلْ لَها غايَةَ خَيْرٍ ولا نَفْعًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ، وأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ هي إلى الإنْفاقِ الَّذِي أنْفَقُوهُ في سَفْرَتِهِمْ إلى بَدْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأعْمالِ أعْمالُهُمُ البَرَّةُ في الجاهِلِيَّةِ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ ونَحْوِهِ، واللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الناسُ: "نُزِّلَ" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنْزَلَ" مُعَدًّى بِالهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: حالُهُمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أمَرَهُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: شَأْنُهُمْ، وتَحْرِيرُ التَفْسِيرِ في اللَفْظَةِ أنَّها بِمَعْنى الفِكْرِ والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ نَظَرُ الإنْسانِ وهو القَلْبُ، فَإذا صَلَحَ ذَلِكَ صَلُحَتْ حالُهُ، فَكَأنَّ اللَفْظَةَ مُشِيرَةٌ إلى صَلاحِ عَقِيدَتِهِمْ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحالِ تابِعٌ، فَقَوْلُكَ: "خَطَرَ في بالِي كَذا" وقَوْلُكَ: "أصْلَحَ اللهُ بالَكَ"، المُرادُ بِهِما واحِدٌ، ذَكَرَهُ المَبَرِّدُ، و"البالُ": مَصْدَرٌ كالحالِ والشَأْنِ، ولا يُسْتَعْمَلُ مِنها فِعْلٌ، وكَذَلِكَ عُرْفُهُ أنْ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقَدْ جاءَ مَجْمُوعًا لَكِنَّهُ شاذٌّ؛ فَإنَّهم قالُوا: بِآلاتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ" ﴾ إشارَةٌ إلى الأتْباعِ المَذْكُورِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أيْ: كَما اتَّبَعُوا عَلى هَذَيْنَ السَبِيلَيْنِ كَذَلِكَ يَبِينُ أمْرُ كُلِّ فِرْقَةٍ، ويَجْعَلُ لَها ضَرَبَها مِنَ القَوْلِ وصِنْفًا، وضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرِيبِ والضَرْبُ الَّذِي هو بِمَعْنى النَوْعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا مقابل فريق الذين كفروا وهو فريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وإيراد الموصول وصلته للإيماء إلى وجه بناء الخبر وعلته، أي لأجل إيمانهم الخ كفَّر عنهم سيئاتهم.

وقد جاء في مقابلة الأوصاف الثلاثة التي أثبتت للذين كفروا بثلاثة أوصاف ضدها للمسلمين وهي: الإيمان مقابل الكفر، والإيمانُ بما نُزل على محمد صلى الله عليه وسلم مقابل الصد عن سبيل الله، وعملُ الصالحات مقابل بعض ما تضمنه ﴿ أضل أعمالهم ﴾ [محمد: 1]، و ﴿ وكفّر عنهم سيئاتهم ﴾ مقابل بعض آخر مما تضمنه ﴿ أضلّ أعمالهم ﴾ ، ﴿ وأصلح بالهم ﴾ مقابل بقية ما تضمنه ﴿ أضل أعمالهم ﴾ .

وزيد في جانب المؤمنين التنويه بشأن القرآن بالجملة المعترضة قوله: ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ وهو نظير لوصفه بسبيل الله في قوله: ﴿ وصدوا عن سبيل الله ﴾ [محمد: 1].

وعبر عن الجلالة هنا بوصف الربّ زيادة في التنويه بشأن المسلمين على نحو قوله: ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ [محمد: 11] فلذلك لم يقل: وصدّوا عن سبيل ربهم.

وتكفير السيئات غفرانها لهم فإنهم لما عملوا الصالحات كَفَّر الله عنهم سيئاتهم التي اقترفوها قبل الإيمان، وكفر لهم الصغائر، وكفر عنهم بعض الكبائر بمقدار يعلمه إذا كانت قليلة في جانب أعمالهم الصالحات كما قال تعالى: ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً عسى الله أن يتوب عليهم ﴾ [التوبة: 102].

والبال: يطلق على القلب، أي العقل وما يخطر للمرء من التفكير وهو أكثر إطلاقه ولعله حقيقة فيه، قال امرؤ القيس: فعادي عداء بين ثور ونعجة *** وكان عداء الوحش مِنّي على بال وقال: عليه القَتامُ سيء الظن والبال *** ومنه قولهم: ما بالك؟

أي ماذا ظننت حين فعلت كذا، وقولهم: لا يبالي، كأنه مشتق منه، أي لا يخطر بباله، ومنه بيت العُقيلي في الحماسة: ونبكي حين نقتلكم عليكم *** ونقتلكم كأنَّا لا نُبالي أي لا نفكر.

وحكى الأزهري عن جماعة من العلماء، أي معنى لا أبالي: لا أكره اه.

وأحسبهم أرادوا تفسير حاصل المعنى ولم يضبطوا تفسير معنى الكلمة.

ويطلق البال على الحال والقدر.

وفي الحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر» قال الوزير البطليوسي في شرح ديوان امرئ القيس: قال أبو سعيد: كنت أقول للمعري: كيف أصبحت؟

فيقول: بخير أصلح الله بَالك.

ولم يوفه صاحب الأساس حقه من البيان وأدمجه في مادة (بلو).

وإصلاح البال يجمع إصلاح الأمور كلها لأن تصرفات الإنسان تأتي على حسب رأيه، فالتوحيد أصل صلاح بال المؤمن، ومنه تنبعث القوى المقاومة للأخطاء والأوهام التي تلبس بها أهل الشرك، وحكاها عنهم القرآن في مواضع كثيرة والمعنى: أقام أنظارهم وعقولهم فلا يفكرون إلا صالحاً ولا يتدبرون إلا ناجحاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ مُحَمَّدٍ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ فَإنَّهُما قالا: إلّا آيَةً مِنها نَزَلَتْ بَعْدَ حَجَّةٍ حِينَ خَرَجَ (عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكَّةَ جَعَلَ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ وهو يَبْكِي حُزْنًا عَلَيْهِ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ ﴾ الآيَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ يَعْنِي كَفَرُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ.

﴿ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ اللَّهِ وهو الإسْلامُ بِنَهْيِهِمْ عَنِ الدُّخُولِ فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَنْ بَيْتِ اللَّهِ يَمْنَعُ قاصِدِيهِ إذا عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ  - عَلَيْهِمُ الإسْلامَ أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

﴿ أضَلَّ أعْمالَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: أحْبَطَ ما فَعَلُوهُ مِنَ الخَيْرِ بِما أقامُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

الثّانِي: أبْطَلَ ما أنْفَقُوا بِبَدْرٍ لَمّا نالَهم مِنَ القَتْلِ.

الثّالِثُ: أضَلَّهم عَنِ الهُدى بِما صَرَفَهم عَنِ التَّوْفِيقِ.

وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن كُفّارِ مَكَّةَ، ذَكَرَ النَّقّاشُ أنَّهم أبُو جَهْلٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ ومُنَبِّهٌ ونَبِيهٌ ابْنا الحَجّاجِ وأبُو البَخْتَرِيِّ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ خاصَّةً في ناسٍ مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُواساةُ بِمَساكِنِهِمْ وأمْوالِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُمُ الأنْصارُ.

الثّانِي: الهِجْرَةُ وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهم قُرَيْشٌ.

﴿ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴾ أيْ آمَنُوا بِمُحَمٍّدٍ  وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ.

﴿ وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ إيمانَهم هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.

الثّانِي: أنَّ القُرْآنَ هو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.

﴿ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَتَرَها عَلَيْهِمْ.

الثّانِي: غَفَرَها بِإيمانِهِمْ.

﴿ وَأصْلَحَ بالَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أصْلَحَ شَأْنَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أصْلَحَ حالَهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أصْلَحَ أمْرَهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والثَّلاثَةُ مُتَقارِبَةٌ وهي مُتَأوِّلَةٌ عَلى إصْلاحِ ما تَعَلَّقَ بِدُنْياهم.

الرّابِعُ: أصْلَحَ نِيّاتِهِمْ.

حَكاهُ النَّقّاشُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَإنْ تَقْبَلِي بِالوِدِّ أقْبَلْ بِمِثْلِهِ وإنْ تُدْبِرِي أذْهَبْ إلى حالٍ بالِيا وَهُوَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَحْمُولٌ عَلى إصْلاحِ دِينِهِمْ، والبالُ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ أبْهَمُ إخْوانِهِ مِنَ الشَّأْنِ والحالِ والأمْرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الباطِلَ الشَّيْطانُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: إبْلِيسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وسُمِّيَ بِالباطِلِ لِأنَّهُ يَدْعُو إلى الباطِلِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ الهَوى.

﴿ وَأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اتَّبَعُوا الرَّسُولَ، لِأنَّهُ دَعاهم إلى الحَقِّ وهو الإسْلامُ.

الثّانِي: يَعْنِي القُرْآنَ سُمِّيَ حَقًّا لِمَجِيئِهِ بِالحَقِّ.

﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ ﴾ قالَ يَحْيى: صِفاتُ أعْمالِهِمْ، وفي النّاسِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: جَمِيعُ النّاسِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم ﴾ قال: هم أهل مكة قريش نزلت فيهم ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال: هم أهل المدينة الأنصار ﴿ وأصلح بالهم ﴾ قال: أمرهم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ أضل أعمالهم ﴾ قال: كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وأصلح بالهم ﴾ قال: أصلح حالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأصلح بالهم ﴾ قال: شأنهم.

وفي قوله: ﴿ وذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل ﴾ قال: الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس: يعني: الأنصار (١) وقال الكلبي: هم أصحاب محمد -  - (٢) وقال مقاتل: نزلت في بني هاشم وبني المطلب (٣) قوله تعالى: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ قال المبرد: البال الحال في هذا الموضع، وقد يكون في غير هذا القلب، يقول القائل: ما يخطر هذا على بالي، أي: على قلبي (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد عصمهم أيام حياتهم (٩)  - لم يكونوا مياسير ذوي [ذروه (١٠) (١) أخرج ذلك الطبري 13/ 2/ 39، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 224.

(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 507.

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 43.

(٤) ذكر قول المبرد هذا النحاس في "إعراب القرآن" 4/ 178، والقرطبي في "الجامع" 16/ 224، المؤلف في "الوسيط" 4/ 118.

(٥) أخرج الطبري عن قتادة وابن زيد قال: حالهم في الدنيا، انظر: 13/ 2/ 39.

(٦) أخرج ذلك الطبري عن ابن عباس ومجاهد 13/ 2/ 39، ونسبه الماوردي في "تفسيره" لمجاهد 5/ 291، ونسبه القرطبي 16/ 224 لمجاهد وغيره.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" ص 507.

(٨) الذي عند مقاتل: أصلح بالتوحيد حالهم في سعة الرزق 4/ 43.

(٩) ذكر ذلك البغوي في "تفسيره" عن ابن عباس قال: عصمهم أيام حياتهم يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا.

انظر: "تفسير البغوي" 7/ 277.

كما أورده بهذا النص أيضًا عن ابن عباس المؤلف في "الوسيط" 4/ 118.

(١٠) كذا رسمها في الأصل، وهي إما أن تكون تصحيف: ثروة، أو يكون معناه: مأخوذ من ذروة الشيء، وهو آعلاه: أي لم يكونوا من ذوي الذروة وهي المنزلة العالية في الغنى والسعة في المال.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ يعني كفار قريش، وعموم اللفظ يعم كل كافر، كما أن قوله بعد هذا: ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ يعني الصحابة، وعموم اللفظ يصلح لكل مؤمن ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ يحتمل أن يكون صدُّوا بمعنى؛ أعرضوا فيكون غير متعد أو يكون بمعنى صدوا الناس فيكون متعدياً، وسبيل الله: الإسلام والطاعة ﴿ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي أبطلها وأحبطها، وقيل: المراد بأعمالهم هنا ما أنفقوا في غزوة بدر؛ فإن هذه الآية نزلت بعد بدر، واللفظ أعم من ذلك ﴿ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ ﴾ هذا تجريد للاختصاص والاعتناء، بعد عموم قوله: ﴿ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ ولذلك أكده بالجملة الاعتراضية، وهو قوله: ﴿ وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ ﴾ ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ قيل: معناه أصلح حالهم وشأنهم، وحقيقة البال الخاطر الذي في القلب، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، فالمعنى إصلاح دينهم بالإيمان والإخلاص والتقوى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ والذين قتلوا ﴾ مبنياً للمفعول ثلاثياً: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون ﴿ قاتلوا ﴾ ﴿ ويثبت ﴾ من الإثبات: المفضل.

الباقون: بالتشديد ﴿ أسن ﴾ بغير الألف كحذر: إبن كثير ﴿ أنفا ﴾ بدون الألف كما قلنا: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل.

الوقوف: ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ أمثالهم ﴾ ه ﴿ الرقاب ﴾ ط ﴿ الوثاق ﴾ لا للفاء ولتعلق ﴿ بعد ﴾ بما قبلها أي بعد ما شددتم الوثاق ﴿ أوزارها ﴾ ج ﴿ ذلك ﴾ ط أي ذلك كذلك، وقد يحسن اتصاله بما قبله لانقطاعه عن خبره أو عن المبتدأ أو الفعل أي الأمر ذلك، أو فعلوا ذلك ﴿ ببعض ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ بالهم ﴾ ه ج للآية مع العطف واتحاد الكلام ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أقدامهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ج ﴿ من قبلهم ﴾ ط لتناهي الاستخبار ﴿ عليهم ﴾ ج للابتداء بالتهديد مع الواو ﴿ أمثالها ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أخرجتك ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده صفة ﴿ قرية ﴾ أو ابتداء إخبار ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط للحذف أي صفة الجنة فيما نقص عليكم ثم شرع في قصتها.

﴿ آسن ﴾ ج ﴿ طعمه ﴾ ج ﴿ للشاربين ﴾ ه ج لتفصيل أنواع النعم مع العطف ﴿ مصفى ﴾ ج ﴿ من ربهم ﴾ ط لحذف المبتدأ والتقدير أفمن هذا حاله كمن هو خالد ﴿ أمعاءهم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ج لاحتمال أن يكون حتى للانتهاء وللابتداء ﴿ آنفاً ﴾ ط ﴿ أهواءهم ﴾ ه ﴿ تقواهم ﴾ ه ﴿ بغتة ﴾ ه لتناهي الاستفهام مع مجيء الفاء بعده في الإخبار ﴿ أشراطها ﴾ ج لعكس ما مر ﴿ ذكراهم ﴾ ه.

التفسير: قال أهل النظم: إن أول هذه السورة مناسب لآخر السورة كأنه قيل: كيف يهلك الفاسق إن كان له أعمال صالحة؟

فأجاب ﴿ الذين كفروا وصدوا ﴾ منعوا الناس عن الإيمان صداً أو امتنعوا عنه صدوداً ﴿ أضل ﴾ الله ﴿ أعمالهم ﴾ أي أبطل ثوابها وكانوا يصلون الأرحام ويطعمون الطعام ويعمرون المسجد الحرام.

وعن ابن عباس أنها نزلت في المطعمين يوم بدر.

وقيل: هم أهل الكتاب.

والأظهر العموم.

قال جار الله: حقيقة إضلال الأعمال جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يثيب عليها كالضالة من الإبل لا رب لها يحفظها، أو أراد أنه يجعلها ضالة في كفرهم ومعاصيهم مغلوبة بها كما يضل الماء في اللبن.

وقيل: أراد إبطال ما عملوه من الكيد للإسلام وذويه بأن نصر المسلمين عليهم وأظهر دينه على الدين كله.

وحين بيّن حال الكفار بيّن حال المؤمنين قائلاً ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ بالهجرة والنصرة وغير ذلك ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ يعني القرآن وهو تخصيص بعد تعميم، ولم يقتصر على هذا التخصيص الموجب للتفضيل ولكنه أكده بجملة اعتراضية هي قوله ﴿ وهو الحق من ربهم ﴾ ولأن الحق الثابت ففيه دليل على أن دين محمد  لا يرد عليه النسخ أبداً.

وتكفير السيئات من الكريم سترها بما هي خير منها فهو في معنى قوم ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات  ﴾ والبال الحال والشأن لا يثنى ولا يجمع.

وقيل: هو بمعنى القلب أي يصلح أمر دينهم.

والحاصل أن قوله ﴿ وآمنوا بما نزل على محمد ﴾ بإزاء قوله ﴿ وصدّوا عن سبيل الله ﴾ فأولئك امتنعوا عن اتباع سبيل محمد  ، وهؤلاء حثوا أنفسهم على إتباعه فلا جرم حصل لهؤلاء ضدّ ما حصل لأولئك فأضل الله حسنات أولئك وستر على سيئات هؤلاء، وقد أشير إلى هذا الحاصل بقوله ﴿ ذلك ﴾ الإضلال والتكفير بسبب اتباع أولئك الباطل الشيطان وحزبه وأولئك الحق محمداً والقرآن ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الضرب ﴿ يضرب الله للناس ﴾ كلهم أمثال أنفسهم أو أمثال المذكورين من الفريقين على معنى إنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم.

وضرب المثل في الآية هو أن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، ولا ريب أن إخباره عن الفريقين بغير تصريح مثل لحالهما وهذا حقيقة ضرب المثل.

وقيل: إن الإضلال مثل لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثل لفوز المؤمنين.

وقيل: إن قوله ﴿ كذلك ﴾ لا يستدعي أن يكون هناك مثل مضروب، ولكنه لما بين حال الكافر وإضلال أعماله وحال المؤمن وتكفير سيئاته، وبين السبب فيهما كان ذلك نهاية الإيضاح فقال ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك البيان يضرب الله للناس أمثالهم ويبين أحوالهم.

قال أصحاب النظم: لما بيّن أن عمل الكفار ضلال والإنسان حرمته باعتبار عمله نتج من ذلك قوله ﴿ فإذا لقيتم الذين كفروا ﴾ أي في دار الحرب أو في القتال ﴿ فضرب الرقاب ﴾ وأصله فأضربوا الرقاب ضرباً إلا أنه اختصر للتوكيد لأنه بذكر المصدر المنصوب دل على الفعل وكان كالحكم البرهاني.

وليس ضرب الرقبة مقصوداً بالذات ولكنه وقع التعبير عن القتل به لأنه أغلب أنواع القتل، ولما في ذكره من التخويف والتغليظ.

وفيه ردّ على من زعم أن القتل بل إيلام الحيوان قبيح مطلقاً لأنه تخريب البنيان، فبين الشرع أن أهل الكفر والطغيان يجب قتلهم لأن فيه صلاح نوع الإنسان كما أن الطبيب الحاذق يأمر بقطع العضو الفاسد إبقاء على سائر البدن ﴿ حتى إذا أثخنتموهم ﴾ أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الشيء الثخين، أو أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى لا يمكنهم النهوض وقد مر في آخر "الأنفال".

﴿ فشدّوا الوثاق ﴾ وهو بالفتح والكسر اسم ما يوثق به والمراد فأسروهم وشدّوهم بالحبال والسيور.

فإما تمنون مناً وإما تفدون فداء، وهذا مما يلزم فيه حذف فعل المفعول المطلق لأنه وقع المفعول تفصيلاَ لأثر مضمون جملة متقدمة.

وقال الشافعي: للإمام أن يختار أحد أربعة أمور هي: القتل والاسترقاق والمنّ وهو الإطلاق من غير عوض والفداء بأسارى المسلمين أو بمال.

لأن رسول الله  منّ على أبي عروة الجهني وعلى ابن أثال الحنفي، وفادى رجلاً برجلين من المشركين.

وذهب بعض أصحاب الرأي أن الآية منسوخة.

وأن المنّ والفداء إنما كان يوم بدر فقط وناسخها ﴿ فاقتلوا المشركين  ﴾ وليس للإمام إلا القتل أو الاسترقاق.

وعن مجاهد: ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق.

وقوله ﴿ حتى تضع ﴾ يتعلق بالضرب والشدّ أو بالمنّ والفداء.

والمراد عند الشافعي أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين وذلك إذا لم يبق لهم شوكة.

وأوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم الحرب إلا بها.

قال الأعشى: وأعددت للحرب أوزارها *** رماحاً طوالاً وخيلاً ذكوراً فإذا أنقضت الحرب فكأنها وضعت أسبابها.

وقيل: أوزارها آثامها والمضاف محذوف أي حتى يترك أهل الحرب.

وهم المشركون شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا.

وعلى هذا جاز أن يكون الحرب جمع حارب كالصحب جمع صاحب فلا يحتاج إلى تقدير المضاف.

وفسر بعضهم وضع الحرب أوزارها بنزول عيسى  .

عن أبي هريرة أن النبي  قال: " "يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى  إماماً هادياً وحكماً عدلاً يكسر الصليب ويقتل الخنزير وتضع الحرب أوزارها حتى تدخل كلمة الإخلاص كل بيت من وبر ومدر" وعند أبي حنيفة: إذا علق بالضرب والشدّ فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك إذا لم تبق شوكة للمشركين.

وإذا علق بالمنّ والفداء فالحرب معهودة وهي حرب بدر.

ثم بين أنه منزه في الانتقام من الكفار عن الاستعانة بأحد فقال ﴿ ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ﴾ بغير قتال أو بتسليط الملائكة أو أضعف خلقه عليهم ﴿ ولكن ﴾ أمركم بقتالهم ﴿ ليبلو بعضكم ببعض ﴾ فيمتحن المؤمنين بالكافرين هل يجاهدون في سبيله حق الجهاد أم لا، ويبتلي الكافرين بالمؤمنين هل يذعنون للحق أم لا إلزاماً للحجة وقطعاً للمعاذير.

ومعنى الابتلاء من الله  قد مر مراراً أنه مجاز أي يعاملهم معاملة المختبر، أو ليظهر الأمر لغيره من الملائكة أو الثقلين.

ثم وعد الشهداء والمجاهدين بقوله ﴿ والذين قتلوا ﴾ أو قاتلوا على القراءتين ﴿ فلن يضل أعمالهم ﴾ خلاف الكفرة ﴿ سيهديهم ﴾ إلى الثواب ويثبتهم على الهداية ﴿ ويصلح بالهم ﴾ أمر معاشهم في المعاد أو في الدنيا، وكرر لأن الأوّل سبب النعيم، والثاني نفس النعيم ﴿ ويدخلهم الجنة عرّفها لهم ﴾ جعل كل واحد بحيث يعرف ماله في الجنة كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا.

وعن مقاتل: يعرفها لهم الحفظة وعسى أنه عرفها بوصفها في القرآن.

وقيل: طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة.

ثم حث على نصرة دين الله بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ﴾ أي دينه أو رسوله ﴿ ينصركم ﴾ على عدوّكم ويفتح لكم ﴿ ويثبت أقدامكم ﴾ في مواقف الحرب أو على جادّة الشريعة ﴿ والذين كفروا ﴾ حالهم بالضد.

يقال: تعساً له في الدعاء عليه بالعثار والتردّي.

عن ابن عباس: هو في الدنيا القتل، وفي الآخرة الهويّ في جهنم.

وهو من المصادر التي يجب حذف فعلها سماعاً والتقدير: أتعسهم الله فتعسوا تعساً ولهذا عطف عليه قوله ﴿ وأضل أعمالهم ﴾ ثم بين سبب بقائهم على الكفر والضلال بقوله ﴿ ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله ﴾ من القرآن والتكاليف لألفهم بالإهمال وإطلاق العنان ﴿ فأحبط أعمالهم ﴾ التي لا استناد لها إلى القرآن أو السنة.

ثم هدّدهم بحال الأقدمين وهو ظاهر.

ودمر عليه ويقال دمره فالثاني الإهلاك مطلقاً، والأوّل إهلاك ما يختص به من نفسه وماله وولده وغيره ﴿ وللكافرين أمثالها ﴾ الضمير للعاقبة أو العقوبة.

والأوّل مذكور، والثاني مفهوم بدلالة التدمير فإن كان المراد الدعاء عليهم فاللام للعهد وهم كفار قريش ومن ينخرط في سلكهم، وإن كان المراد الإخبار جاز أن يراد هؤلاء.

والقتل والأسر نوع من التدمير وجاز أن يراد الكفار الأقدمون ﴿ ذلك ﴾ النصر والتعس ﴿ بأن الله مولى الذين آمنوا ﴾ أي وليهم وناصرهم ﴿ وأن الكافرين لا مولى لهم ﴾ بمعنى النصرة والعناية، وأما بمعنى الربوبية والمالكية فهو مولى الكل لقوله ﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق  ﴾ ثم برهن على الحكم المذكور وهو أن ولايته مختصة بالمؤمنين فقال ﴿ إن الله يدخل ﴾ الآية.

فشبه الكافرين بالأنعام من جهة أن الكافر غرضه من الحياة التنعم والأكل وسائر الملاذ لا التقوى والتوسل بالغذاء إلى الطاعة وعمل الآخرة، ومن جهة أنه لا يستدل بالنعم على خالقها، ومن جهة غفلتهم عن مآل حالهم وأن النار مثوى لهم.

ثم زاد في تهديد قريش بقوله ﴿ وكأين من قرية ﴾ أي أهل قرية هم ﴿ أشدّ قوّة من ﴾ أهل ﴿ قريتك التي أخرجتك ﴾ تسببوا لخروجك.

وقوله ﴿ فلا ناصر لهم ﴾ حكاية تلك الحال كقوله ﴿ وكلبهم باسط  ﴾ ثم بين الفرق بين أهل الحق وحزب الشيطان بقوله على طريق الإنكار ﴿ أفمن كان على بينة ﴾ معجزة ظاهرة وحجة باهرة ﴿ من ربه ﴾ يريد محمداً وأمته قوله ﴿ وأتبعوا ﴾ محمول على معنى "من" وهو تأكيد للتزيين كما أن كون البينة من الرب تأكيد لها.

وحين أثبت الفرق بين الفريقين أراد أن يبين الفرق بين جزائهما فقال ﴿ مثل الجنة ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن.

وفي إعرابه وجهان: أحدهما ما مر في الوقوف، والثاني قول الزمخشري في الكشاف أنه على حذف حرف الاستفهام، والتقدير: أمثل الجنة وأصحابها كمثل جزاء من هو خالد في النار، أو كمثل من هو خالد؟

وفائدة التعرية عن حروف الاستفهام زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين الفريقين.

وقوله ﴿ فيها أنهار ﴾ كالبدل من الصلة أو حال.

والآسن المتغير اللون أو الريح أو الطعم ومصدره الأسون والنعت آسن مقصوراً، واللذة صفة أو مصدر وصف به كما مر في "الصافات"، والباقي ظاهر.

قال بعض علماء التأويل: لا شك أن الماء أعم نفعاً للخلائق من اللبن والخمر والعسل فهو بمنزلة العلوم الشرعية لعموم نفعها للمكلفين كلهم، وأما اللبن فهو ضروري للناس كلهم ولكن في أوّل التربية والنماء فهو بمنزلة العلوم الغريزية الفطرية، وأما الخمر والعسل فليسا من ضرورات التعيش فهما بمنزلة العلوم الحقيقية السببية إلا أن الخمر يمكن أن تخص بالعلوم الذوقية.

والعسل بسائرها وقد يدور في الخلد أن هذه الأنهار الأربعة يمكن أن تحمل على المراتب الإنسانية الأربع.

فالعقل الهيولاني بمنزلة الماء لشموله وقبوله الآثار، والعقل بالملكة بمنزلة اللبن لكونه ضرورياً في أوّل النشوء والتربية، والعقل بالفعل بمنزلة الخمر فإن حصوله ليس بضروري لجميع الإنسان إلا أنه إذا حصل وكان الشخص ذاهلاً عنه غير ملتفت إليه كان كالخمر الموجب للغفلة وعدم الحضور، والعقل المستفاد بمنزلة العسل من جهة لذته ومن جهة شفائه لمرض الجهل ومن قبل ثباته في المذاق للزوجته ودسومته والتصاقه والله  أعلم بمراده.

وقوله ﴿ ومغفرة من ربهم ﴾ إن قدر ولهم مغفرة من الله قبل ذلك فلا إشكال، وإن قدر لهم فيها مغفرة أمكن أن يقال: إنهم مغفورون قبل دخول الجنة فما معنى الغفران بعد ذلك؟

والجواب أن المراد رفع التكليف يأكلون من غير حساب ولا تبعة وآفة بخلاف الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عذاب.

ثم ذكر نوعاً آخر من قبيح خصال الكافرين وقيل أراد المنافقين فقال ﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ كانوا يحضرون مجلس النبي  والجمعات ويسمعون كلامه ولا يعونه كما يعيه المسلم ﴿ حتى إذا خرجوا ﴾ انصرفوا وخرج المسلمون ﴿ من عندك ﴾ يا محمد قال المنافقون للعلماء وهم بعض الصحابة كابن عباس وابن مسعود وأبي الدرداء: أيّ شيء قال محمد ﴿ آنفاً ﴾ أي في ساعتنا هذه.

وأنف كل شيء ما تقدمه ومنه فولهم "استأنفت الأمر" ابتدأته.

ولا يستعمل منه فعل ثلاثي بهذا المعنى.

وإنما توجه الذم عليهم لأن سؤالهم سؤال استهزاء وإعلام أنهم لم يلتفتوا إلى قوله، ولو كان سؤال بحث عما لم يفهموه لم يكن كذلك، على أن عدم الفهم دليل قلة الاكتراث بقوله.

ثم مدح أهل الحق بقوله ﴿ والذين اهتدوا ﴾ بالإيمان ﴿ زادهم ﴾ الله ﴿ هدى ﴾ بالتوفيق والتثبيت وشرح الصدر ونور اليقين ﴿ وآتاهم تقواهم ﴾ أعانهم عليها أو أعطاهم جزاء تقواهم.

وعن السدي: بين لهم ما يتقون.

وقيل: الضمير في ﴿ زادهم ﴾ للاستهزاء أو لقول الرسول  .

ثم خوف أهل الكفر والنفاق باقتراب القيامة.

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل اشتمال من ﴿ الساعة ﴾ وأشراط الساعة إماراتها من انشقاق القمر وغيره.

ومنه مبعث محمد  فإنه نبي آخر الزمان ولهذا قال "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى ﴿ فأنى لهم ﴾ من أين لهم ﴿ إذا جاءتهم ﴾ الساعة ﴿ ذكراهم ﴾ أي لا ينفعهم تذكرهم وإيمانهم حينئذ فالذكرى مبتدأ و ﴿ أنى لهم ﴾ الخبر.

وقيل: فاعل ﴿ جاءتهم ﴾ ضمير يعود إلى "الذكرى".

وجوّز أن يرتفع "الذكرى" بالفعل والمبتدأ مقدر أي من أين لهم التذكر إذا جاءتهم الذكرى؟

والقول هو الأول ولله المرجع والمآب وإليه المصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: هم أهل مكة.

والأشبه أن تكون الآية في كفار المدينة وهم أهل الكتاب؛ لأن السورة مدنية؛ على ما قال بعض أهل التأويل، لكن جائز أن يكون كما قال أهل التأويل بأنها نزلت في كفار [مكة]؛ لأن هذه السورة ذكرت على أثر خبرهم وعقيب نبئهم في سورة الأحقاف.

ثم إن كانت الآية في كفار المدينة وأهل الكتاب فيكون يحتمل: الذين كفروا بمحمد  - وما أنزل عليه ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل إيمانهم الذي كان لهم بسائر الأنبياء وبمحمد  ؛ لأنهم كانوا مؤمنين به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به؛ يقول - والله أعلم -: قد أبطل إيمانهم الذي كان منهم قبل ذلك بما كفروا بعدما بعث.

وإن كانت الآية في كفار مكة على ما قال أكثرهم؛ فيكون قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ بوحدانية الله -  - أو كفروا بمحمد  وبما أنزل عليه، أو كفروا بالبعث، ونحو ذلك ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل حسناتهم التي كانت لهم في حال كفرهم؛ من نحو الصدقات، وصلة الأرحام، وفك الرقاب، وغير ذلك من الأعمال التي كانوا يتقربون بها - والله أعلم - قد أبطل أعمالهم التي كانوا يتقربون بها ويرونها قربة عند الله.

أو يقول: قد أبطل عبادتهم التي كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها لتقربهم عبادتهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ يقول: قد أبطل ذلك ولم يكن على ما رجوا وطمعوا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل أن صدوا بأنفسهم؛ أي: أعرضوا عن سبيل الله؛ على ما ذكر عنهم.

ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: صدوا الناس عن سبيل الله، وقد كان منهم الأمران جميعاً ﴿ أَضَلَّ أَعْمَٰلَهُمْ ﴾ أي: أبطل؛ يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غلب فلم يتبين.

﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾ يقول: والذين آمنوا بالله وبمحمد  ، وآمنوا بما نزل عليه، وثبتوا على ذلك - لهم يضل أعمالهم، ولم يبطل إيمانهم الذي كان منهم؛ بل يكفر سيئاتهم التي كانت منهم من الكفر وغيره من السيئات.

أو يقول: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ ﴾  ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ وهو الكفر والمساوي التي كانت لهم من الكفر؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ إن كانت الآية في مؤمني ومشركي العرب وأهل مكة فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ : الشرك والمساوي التي كانت لهم في حال الكفر، وإن كان في مؤمني أهل الكتاب، فيكون قوله: ﴿ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ في حال إيمانهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: آمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم نزل، وكل شيء من الله فهو الحق.

والثاني: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ أي: وهو الصدق من ربهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ﴾ أي: حالهم وشأنهم فيما كان من قبل وفيما بعده.

ثم أخبر أن الذي أبطل أعمالهم لأولئك الكفرة وما ذكر، وثبت الذين آمنوا ولم يبطل أعمالهم وما ذكر من إصلاح حالهم هو ما قال ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْبَاطِلَ ﴾ يحتمل: الباطل: الشيطان، أو هوى النفس، أو كل باطل، وهو الذي يذمّ عليه فاعله ومتبعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ يقول: لهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الباطل، ولهؤلاء ما ذكر لاتباعهم الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ﴾ أي: مثل الذي بين ما لهؤلاء وما لهؤلاء، يبين ما لكل متبع الباطل ومتبع الحق، وضرب المثل هو أن يبين لهم ما خفي وأثبته عليهم بالذي ظهر عندهم وتقرر وتجلى لهم؛ ليصير الذي خفي عليهم وأثبته ظاهراً متجلياً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحات، وآمنوا بما نزله الله على رسوله محمد  وهو الحق من ربهم- كفّر عنهم سيئاتهم فلا يؤاخذهم بها، وأصلح لهم شؤونهم الدنيوية والأخروية.

<div class="verse-tafsir" id="91.Np3W2"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر