الآية ٣١ من سورة محمد

الإسلام > القرآن > سور > سورة 47 محمد > الآية ٣١ من سورة محمد

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰبِرِينَ وَنَبْلُوَا۟ أَخْبَارَكُمْ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 53 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة محمد: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة محمد عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"ولنبلونكم" أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي "حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم" وليس في تقدم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب فالمراد حتى نعلم وقوعه ولهذا يقول ابن عباس رضي الله عنهما في مثل هذا إلا لنعلم أي لنرى.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) أيها المؤمنون بالقتل, وجهاد أعداء الله ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ ) يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم, وأهل الصبر على قتال أعدائه, فيظهر ذلك لهم, ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشكّ والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلو أخباركم, فنعرف الصادق منكم من الكاذب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله ( حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) , وقوله وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ونحو هذا قال: أخبر الله سبحانه المؤمنين أن الدنيا دار بلاء, وأنه مبتليهم فيها, وأمرهم بالصبر, وبشَّرهم فقال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ثم أخبرهم أنه هكـذا فعـل بأنبيائه, وصفوته لتطيب أنفسهـم, فقال: مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا فالبأساء: الفقر, والضّراء: السقم, وزُلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ) قال: نختبركم, البلوى: الاختبار.

وقرأ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ قال: لا يختبرون وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ...

الآية .

واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) , فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار بالنون ( نبلو ) و ( نعلم ) , ونبلو على وجه الخبر من الله جلّ جلاله عن نفسه, سوى عاصم فإنه قرأ جميع ذلك بالياء والنون هي القراءة عندنا لإجماع الحجة من القراء عليها, وإن كان للأخرى وجه صحيح.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم .قوله تعالى : ولنبلونكم أي نتعبدكم بالشرائع وإن علمنا عواقب الأمور .

وقيل : لنعاملنكم معاملة المختبرين .

حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين عليه .

قال ابن عباس : حتى نعلم : حتى نميز .

وقال علي - رضي الله عنه - .

حتى نعلم : حتى نرى .

وقد مضى في ( البقرة ) وقراءة العامة بالنون في نبلونكم ونعلم ونبلو وقرأ أبو بكر عن [ ص: 232 ] عاصم بالياء فيهن .

وروى رويس عن يعقوب إسكان الواو من ( نبلو ) على القطع مما قبل .

ونصب الباقون ردا على قوله : حتى نعلم وهذا العلم هو العلم الذي يقع به الجزاء ; لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم .

فتأويله : حتى نعلم المجاهدين علم شهادة ; لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا ، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة .

ونبلو أخباركم : نختبرها ونظهرها .

قال إبراهيم بن الأشعث : كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهم لا تبتلنا فإنك إذا بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر أعظم امتحان يمتحن به عباده، وهو الجهاد في سبيل الله، فقال: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } أي: نختبر إيمانكم وصبركم، { حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } فمن امتثل أمر الله وجاهد في سبيل الله لنصر دينه وإعلاء كلمته فهو المؤمن حقا، ومن تكاسل عن ذلك، كان ذلك نقصا في إيمانه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولنبلونكم ) ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد والقتال ( حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ) أي : علم الوجود ، يريد : حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره ( ونبلو أخباركم ) أي نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال ، ولا يصبر على الجهاد .

وقرأ أبو بكر عن عاصم : " وليبلونكم حتى يعلم " ، ويبلو بالياء فيهن ، لقوله تعالى : [ " والله يعلم أعمالكم " ، وقرأ الآخرون بالنون فيهن ، لقوله تعالى ] " ولو نشاء لأريناكهم " ، وقرأ يعقوب : " ونبلوا " ساكنة الواو ، ردا على قوله : " ولنبلونكم " وقرأ الآخرون بالفتح ردا على قوله : " حتى نعلم " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولنبلونكم» نختبرنكم بالجهاد وغيره «حتى نعلم» علم ظهور «المجاهدين منكم والصابرين» في الجهاد وغيره «ونبلوَ» نظهر «أخباركم» من طاعتكم وعصيانكم في الجهاد وغيره بالياء والنون في الأفعال الثلاثة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولنختبرنكم- أيها المؤمنون- بالقتال والجهاد لأعداء الله حتى يظهر ما علمه سبحانه في الأزل؛ لنميز أهل الجهاد منكم والصبر على قتال أعداء الله، ونختبر أقوالكم وأفعالكم، فيظهر الصادق منكم من الكاذب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فى خلقه فقال : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) .أى : ولنعاملنكم - أيها الناس - معاملة المختبر لكم بالتكاليف الشرعية المتنوعة ، حتى نبين ونظهر لكم المجاهدين منكم من غيرهم ، والصابرين منكم وغير الصابرين ( وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ) أى : ونظهر أخباركم حتى يتميز الحسن منها من القبيح .فالمراد بقوله : ( حتى نَعْلَمَ المجاهدين .

.

) إظهار هذا العلم للناس ، حتى يتميز قوى الإِيمان من ضعيفه ، وصحيح العقيدة من سقيمها .وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد هددت المنافقين تهديدا شديدا ، ووبختهم على مسالكهم الذميمة ، وفضحتهم على رءوس الأشهاد ، وحذرت المؤمنين من شرورهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع، بل بما يحتمل الوقوع ويحتمل عدم الوقوع كما يفعل المختبر، وقوله تعالى: ﴿ حتى نَعْلَمَ المجاهدين ﴾ أي نعلم المجاهدين من غير المجاهدين ويدخل في علم الشهادة فإنه تعالى قد علمه علم الغيب وقد ذكرنا ما هو التحقيق في الابتلاء، وفي قوله: ﴿ حتى نَعْلَمَ ﴾ وقوله: ﴿ المجاهدين ﴾ أي المقدمين على الجهاد ﴿ والصابرين ﴾ أي الثابتين الذين لا يولون الأدبار وقوله: ﴿ وَنَبْلُوَ أخباركم ﴾ يحتمل وجوهاً أحدها: قوله: ﴿ آمنا  ﴾ لأن المنافق وجد منه هذا الخبر والمؤمن وجد منه ذلك أيضاً، وبالجهاد يعلم الصادق من الكاذب، كما قال تعالى: ﴿ أولئك هُمُ الصادقون  ﴾ .

وثانيها: إخبارهم من عدم التولية في قوله: ﴿ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار  ﴾ إلى غير ذلك، فالمؤمن وفى بعهده وقاتل مع أصحابه في سبيل الله كأنهم بنيان مرصوص والمنافق كان كالهباء ينزعج بأدنى صيحة.

وثالثها: المؤمن كان له أخبار صادقة مسموعة من النبي عليه السلام كقوله تعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام  ﴾ ، ﴿ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي  ﴾ ، و ﴿ إن جُندَنَا لَهُمُ الغالبون  ﴾ وللمنافق أخبار أراجيف كما قال تعالى في حقهم ﴿ والمرجفون فِي المدينة  ﴾ فعند تحقق الإيجاف، يتبين الصدق من الإرجاف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أخباركم ﴾ ما يحكى عنكم وما يخبر به عن أعمالكم، ليعلم حسنها من قبيحها؛ لأن الخبر على حسب المخبر عنه: إن حسناً فحسن، وإن قبيحاً فقبيح، وقرأ يعقوب: ونبلو، بسكون الواو على معنى: ونحن نبلو أخباركم.

وقرئ: ﴿ وليبلونكم ويعلم ﴾ ويبلو بالياء.

وعن الفضيل: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللَّهم لا تبلنا، فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ ﴾ لَعَرَفْناكَهم بِدَلائِلَ تُعَرِّفُهم بِأعْيانِهِمْ.

﴿ فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ﴾ بِعَلاماتِهِمُ الَّتِي نَسِمُهم بِها، واللّامُ لامُ الجَوابِ كُرِّرَتْ في المَعْطُوفِ.

﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ولَحْنِ القَوْلِ أُسْلُوبُهُ، أوْ إمالَتُهُ إلى جِهَةِ تَعْرِيضٍ وتَوْرِيَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمُخْطِئِ: لاحِنٌ لِأنَّهُ يَعْدِلُ بِالكَلامِ عَنِ الصَّوابِ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ ﴾ فَيُجازِيكم عَلى حَسَبِ قَصْدِكم إذِ الأعْمالُ بِالنِّيّاتِ.

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ بِالأمْرِ بِالجِهادِ وسائِرِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ.

﴿ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ﴾ عَلى مَشاقِّهِ.

﴿ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ ما يُخْبَرُ بِهِ عَنْ أعْمالِكم فَيَظْهَرُ حُسْنُها وقُبْحُها، أوْ أخْبارَهم عَنْ إيمانِهِمْ ومُوالاتِهِمُ المُؤْمِنِينَ في صِدْقِها وكَذِبِها.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ بِالياءِ لِتُوافِقَ ما قَبْلَها، وعَنْ يَعْقُوبَ ونَبْلُو بِسُكُونِ الواوِ عَلى تَقْدِيرِ: ونَحْنُ نَبْلُو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَنَبْلُوَنَّكُم} بالقتال إعلاماً لا استعلاماً أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل {حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} على الجهاد أي نعلم كائناً ما علمناه أنه سيكون {ونبلو أخباركم} اسراركم وليبلونكم حتى يعلم ويبلوا أبو بكر وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ بِالأمْرِ بِالجِهادِ ونَحْوِهِ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ ﴿ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ﴾ عَلى مَشاقِّ التَّكالِيفِ عِلْمًا فِعْلِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ الجَزاءُ، وفي مَعْناهُ ما قِيلَ أيْ حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُنا، وقالَ ابْنُ الحاجِبِ في ذَلِكَ: العِلْمُ يُطْلَقُ بِاعْتِبارِ الرُّؤْيَةِ والشَّيْءُ لا يُرى حَتّى يَقَعَ يَعْنِي عَلى المَشْهُورِ وهو هُنا بِمَعْنى ذَلِكَ أوْ بِمَعْنى المُجازاةِ، والمَعْنى حَتّى نُجازِيَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ﴿ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ فَيَظْهَرُ حَسَنُها وقَبِيحُها، والكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ بَلاءِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ الخَبَرَ حَسَنُهُ وقَبِيحُهُ عَلى حَسَبِ المُخْبَرِ عَنْهُ فَإذا تَمَيَّزَ الحَسَنُ عَنِ الخَبَرِ القَبِيحِ فَقَدْ تَمَيَّزَ المُخْبَرُ عَنْهُ وهو العَمَلُ كَذَلِكَ، وهَذا أبْلَغُ مِن نَبْلُو أعْمالَكُمْ، والظّاهِرُ عُمُومُ الأخْبارِ، وجُوِّزَ كَوْنُ المُرادِ بِها أخْبارَهم عَنْ إيمانِهِمْ ومُوالاتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ إضافَتَها لِلْعَهْدِ أيْ ونَبْلُو أخْبارَ إيمانِكم ومُوالاتِكم فَيَظْهَرُ صِدْقُها وكَذِبُها.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الأفْعالَ الثَّلاثَةَ المُسْنَدَةَ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ بِالياءِ، وقَرَأ رُوَيْسٌ (ونَبْلُو) بِالنُّونِ وسُكُونِ الواوِ، والأعْمَشُ بِسُكُونِها وبِالياءِ فالفِعْلُ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ بِتَقْدِيرِ ونَحْنُ نَبْلُو والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا كَما في قِراءَةِ الجُمْهُورِ سُكِّنَ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قَوْلِهِ: ؎أبى اللَّهُ أنْ أسْمُوَ بِأُمٍّ ولا أبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني: أفلا يسمعون القرآن، ويعتبرون به، ويتفكرون فيما أنزل الله تعالى فيه، من وعد ووعيد، وكثرة عجائبه، حتى يعلموا أنه من الله تعالى، وتقدس.

أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها يعني: بل على قلوب أقفالها.

يعني: أقفل على قلوبهم ومعناه: أن أعمالهم لغير الله ختم على قلوبهم.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ يعني: رجعوا إلى الشرك مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى يعني: من بعد ما ظهر لهم الإسلام.

قال قتادة: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ وهم أهل الكتاب عرفوا نعت النبيّ  ، وكفروا به.

ويقال: نزلت في المرتدين.

ثم قال عز وجل: الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ يعني: زين لهم ترك الهدى، وزين لهم الضلالة.

وَأَمْلى لَهُمْ ذلِكَ قرأ أبو عمرو: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وفتح الياء على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

والباقون وَأَمْلى بنصب اللام، والألف.

يعني: أمهل الله لهم، فلم يعاقبهم حين كذبوا محمدا  .

ويقال: زَيَّنَ لهم الشيطان، وأملى لهم الشيطان.

يعني: خيل لهم تطويل المدة، والبقاء.

وقرأ يعقوب الحضرمي: وَأُمْلِى بضم الألف، وكسر اللام، وسكون الياء.

ومعناه: أنا أملي يعني: أطول لهم المدة كما قال: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً ثم قال ذلك: يعني: اللعن، والصمم، والعمى، والتزين، والإملاء.

بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ وهم المنافقون، قالوا ليهود بني قريظة والنضير وهم الذين كرهوا ما نزل الله.

يعني: تركوا الإيمان بما أنزل الله من القرآن، سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ يعني: سنغنيكم في بعض الأمر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ فيما قالوا فيما بينهم.

قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص: إِسْرارَهُمْ بكسر الألف.

والباقون: بالنصب.

فمن قرأ: بالنصب.

فهو جمع السر.

ومن قرأ: بالكسر، فهو مصدر أسررت إسراراً.

ويقال: سر وأسرار.

ثم خوفهم فقال الله تعالى: فَكَيْفَ يعني: كيف يصنعون إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يعني: تقبض أرواحهم الملائكة، ملك الموت، وأعوانه، يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ يعني: عند قبض الأرواح.

ويقال: يعني: يوم القيامة في النار.

ذلِكَ أي: ذلك الضرب الذي نزل بهم عند الموت، وفي النار.

بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ يعني: اتبعوا الكفر، وتكذيب محمد  .

وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ يعني: عملوا بما لم يرض الله به، وتركوا العمل بما يرضي الله تعالى.

فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ يعني: أبطل ثواب أعمالهم.

قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: أيظن أهل النفاق، والشك، أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ يعني: لم يظهر الله نفاقهم.

ويقال: يعني: الغش الذي في قلوبهم للمؤمنين، وعداوتهم للنبي  .

وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ يعني: لعرفتك المنافقين، وأعلمتك، فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ يعني: بعلاماتهم الخبيثة.

ويقال: فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ إذا رأيتهم.

ويقال: لو نشاء، لجعلنا على المنافقين علامة، فلعرفتهم بسيماهم.

يعني: حتى عرفتهم.

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: ستعرفهم يا محمد بعد هذا اليوم فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: في محاورة الكلام.

ويقال: فِي لَحْنِ الْقَوْلِ يعني: كذبهم إذا تكلموا، فلم يخف على النبيّ  بعد نزول هذه الآية، منافق عنده إلا عرفه بكلامه.

ثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ يعني: لم يخف عليه أعمالكم قبل أن تعملوها، فكيف يخفى عليه إذا عملتموها.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ يعني: لنختبرنكم عند القتال حَتَّى نَعْلَمَ أي: نميز الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ يعني: صبر الصابرين عند القتال وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ يعني: نختبر أعمالكم.

ويقال: أسراركم.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلَيَبْلُونَّكُم حَتَّى يَعْلَمَ وَيَبْلُوَا الثلاثة كلها بالياء.

يعني: يختبركم الله.

والباقون الثلاثة كلها بالنون على معنى الإضافة إلى نفسه.

قوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا وَصَدُّوا يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال مقاتل: يعني: اليهود.

وقال الكلبي: يعني: رؤساء قريش حيث شاقوا أهل التوحيد وَشَاقُّوا الرَّسُولَ يعني: عادوا الله تعالى، ورسوله، وخالفوا رسول الله  في الدين مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى يعني: الإسلام، وأمر النبي  أنه الحق لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يعني: لن ينقصوا الله من ملكه شيئاً بكفرهم، بل يضروا بأنفسهم وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ يعني: يبطل ثواب أعمالهم التي عملوا في الدنيا، فلا يقبلها منهم.

<div class="verse-tafsir"

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أيْ: نِفاقٌ ﴿ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: أيْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم وبُغْضَهم لِمُحَمَّدٍ  .

وقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: لَنْ يُبْدِيَ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ  ويَظْهَرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ.

﴿ وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ ﴾ أيْ: لَعَرَّفْناكَهُمْ: تَقُولُ: قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى: لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ ﴿ فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ وفِعْلَهُ يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ.

وقَوْلُ النّاسِ: قَدْ لَحَنَ فَلانٌ، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ: مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا نا، وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا تَأْوِيلُهُ: خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ولَتَعْرِفَنَّهم في فَحْوى الكَلامِ ومَعْناهُ ومَقْصِدِهِ، فَإنَّهم يَتَعَرَّضُونَ بِتَهْجِينِ أمْرِكَ والِاسْتِهْزاءِ بِالمُسْلِمِينَ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ثُمَّ عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أيْ: ولَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِأنْ نَأْمُرَكم بِالجِهادِ ﴿ حَتّى نَعْلَمَ ﴾ العِلْمَ الَّذِي هو عِلْمُ وُجُودٍ، وبِهِ يَقَعُ الجَزاءُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [العَنْكَبُوتِ: ٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ أيْ: نُظْهِرُها ونَكْشِفُها بِإباءِ مَن يَأْبى القِتالَ ولا يَصْبِرُ عَلى الجِهادِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "وَلَيَبْلُوَنَّكُمْ" بِالياءِ "حَتّى يَعْلَمَ" بِالياءِ "وَيَبْلُوَ" بِالياءِ فِيهِنَّ.

وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وَأيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: "أخْيارَكُمْ" بِالياءِ جَمْعُ "خَيِّرٍ" .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ووَحُوحِ الأنْصارِيِّ، أسْلَما ثُمَّ ارْتَدّا، فَتابَ الحارِثُ ورَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، وأبى صاحِبُهُ أنْ يَرْجِعَ حَتّى ماتَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: أنَّها في قُرَيْظَةَ [والنَّضِيرِ]، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ ﴾ اخْتَلَفُوا في مُبْطِلِها عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَعاصِي والكَبائِرُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: الشَّكُّ والنِّفاقُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ، الرِّياءُ والسُّمْعَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: بِالمَنِّ، وذَلِكَ «أنَّ قَوْمًا مِنَ الأعْرابِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: أتَيْناكَ طائِعِينَ، فَلَنا عَلَيْكَ حَقٌّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا  ﴾ ،» هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، وهَذا عَلى ظاهِرِهِ في الحَجِّ، فَأمّا في الصَّلاةِ والصِّيامِ، فَهو عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْبابِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أضْغانَهُمْ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ واللهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ ﴾ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ وشاقُّوا الرَسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهِ شَيْئًا وسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ وفَضْحٌ لَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبَ ﴾ تَوْقِيفٌ، وهي "أمْ" المُنْقَطِعَةُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَرَضِ القَلْبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أضْغانَهُمْ ﴾ أيْ يُبْدِيها مِن مَكانِها في نُفُوسِهِمْ، و"الضَغَنُ": الحِقْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ ﴾ مُقارَبَةٌ في شُهْرَتِهِمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يُعَيِّنْهم قَطُّ بِالأسْماءِ والتَعْرِيفِ التامِّ إبْقاءً عَلَيْهِمْ وعَلى قَراباتِهِمْ وإنْ كانُوا قَدْ عُرِفُوا بِلَحْنِ القَوْلِ، وكانُوا في الِاشْتِهارِ عَلى مَراتِبَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، والجِدِّ بْنِ قَيْسٍ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ دُونَهم في الشُهْرَةِ، و"السِيما": العَلامَةُ الَّتِي كانَ تَعالى يَجْعَلُ لَهم لَوْ أرادَ التَعْرِيفَ التامَّ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ: إنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَرَفَهُ بِهِمْ في سُورَةِ بَراءَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا  ﴾ ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا  ﴾ ، وهَذا في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِتَعْرِيفٍ تامٍّ، بَلْ هو لَفْظٌ يُشِيرُ إلَيْهِمْ عَلى الإجْمالِ لا أنَّهُ سَمّى أحَدًا، وأعْظَمُ ما رُوِيَ في اشْتِهارِهِمْ «أنَّ النَبِيَّ  أمَرَ يَوْمًا فَأُخْرِجَتْ مِنهم جَماعَةٌ مِنَ المَسْجِدِ، كَأنَّهُ وسَمَهم بِهَذا، لَكِنَّهم أقامُوا عَلى التَبَرِّي مِن ذَلِكَ وتَمَسَّكُوا بِلا إلَهَ إلّا اللهُ فَحُقِنَتْ دِماؤُهم.» ورُوِيَ عن حُذَيْفَةَ ما يَقْتَضِي أنَّ النَبِيَّ  عَرَّفَهُ بِهِمْ أو بِبَعْضِهِمْ، ولَهُ في ذَلِكَ كَلامٌ مَعَ عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَيَعْرِفُهم في لَحْنِ القَوْلِ، ومَعْناهُ: في مَذْهَبِ القَوْلِ ومَنحاهُ ومَقْصِدِهِ، وهَذا هو كَما يَقُولُ لَكَ إنْسانٌ مُعْتَقَدُهُ وتَفْهَمُ أنْتَ مِن مَقاطِعِ كَلامِهِ وهَيْئَتِهِ وقَرائِنِ أمْرِهِ أنَّهُ عَلى خِلافِ ما يَقُولُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي لَحْنِ القَوْلِ ﴾ ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فَلَعَلَّ بَعْضُكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ"» الحَدِيثُ، أيْ أذْهَبُ بِها في جِهاتِ الكَلامِ، وقَدْ يَكُونُ هَذا اللَحْنُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، أنْ يَقُولَ الإنْسانُ قَوْلًا يَفْهَمُ السامِعُونَ مِنهُ مَعْنًى، ويَفْهَمُ الَّذِي اتَّفَقَ مَعَ المُتَكَلِّمِ مَعْنًى آخَرَ، ومِنهُ الحَدِيثُ الَّذِي «قالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وابْنُ رَواحَةَ لِرَسُولِ اللهِ  : عَضَلُ والقارَّةُ،» وفي هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنًا أيْ: ما فَهِمَهُ عنكَ صاحِبُكَ وخَفِيَ عَلى غَيْرِكَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ  أنَّ أقْوالَهُمُ المُحْرِقَةَ الَّتِي هي عَلى خِلافِ عَقْدِهِمْ سَتَتَبَيَّنُ لَهُ فَيُعَرِّفُهم بِها، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن جَعَلَ في التَعْرِيضِ بِالقَذْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْجَمِيعِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" بِالنُونِ، وكَذَلِكَ "يَعْلَمُ" وكَذَلِكَ "يَبْلُوا"، ورَوى رُوَيْسُ عن يَعْقُوبَ: "وَنَبْلُو" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والإعْلامِ بِأنَّ ابْتِلاءَهُ دائِمٌ، وكانَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ بَكى وقالَ: اللهُمَّ، لا تَبْتَلِنا فَإنَّكَ إنْ بَلَوْتَنا فَضَحْتَنا وهَتَكْتَ أسْتارَنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصابِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: حَتّى نَعْلَمَهم مُجاهِدِينَ قَدْ خَرَجَ جِهادُهم إلى الوُجُودِ، وبانَ تَكْسُّبُهُمُ الَّذِي بِهِ يَتَعَلَّقُ ثَوابُهُمْ، وعَلِمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالمُجاهِدِينَ قَدِيمٌ أزَلِيٌّ، وإنَّما المَعْنى ما ذَكَرْناهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصَدُّوا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وصَدُّوا غَيْرَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِمَعْنى؟

وصَدُّوهم في أنْفُسِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَشاقُّوا الرَسُولَ ﴾ مَعْناهُ: خالَفُوهُ فَكانُوا في شِقٍّ وهو  في شِقٍّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَعَلُوا هَذِهِ الأفاعِيلَ بَعْدَ تَبَيُّنِهِمْ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ  مِنَ التَوْراةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ حَدَثَ النِفاقُ في نُفُوسِهِمْ بَعْدَ ما كانَ الإيمانُ داخَلَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في المَطْعَمَيْنِ سَفْرَةِ بَدْرٍ، و"تُبَيِّنُ الهُدى" هو وُجُودُهُ عِنْدَ الداعِي إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي عامَّةٌ في كُلِّ كافِرٍ، وألْزَمَهم أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى مِن حَيْثُ كانَ الهُدى بَيِّنًا في نَفْسِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ يُخالِفُكَ في احْتِجاجٍ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ لَهُ: أنْتَ تُخالِفُ في شَيْءٍ لا خَفاءَ بِهِ عَلَيْكَ، بِمَعْنى أنَّهُ هو هَكَذا في نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ﴾ تَحْقِيرٌ لَهُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وَسَيُحْبِطُ أعْمالَهُمْ ﴾ أمّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى أنَّ أعْمالَهُمُ الصالِحَةَ مِن صِلَةِ رَحِمٍ ونَحْوِهِ تُكْتَبُ، فَيَجِيءُ هَذا الإحْباطُ فِيها مُتَمَكِّنًا، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن لا يَرى ذَلِكَ فَمَعْنى "سَيُحْبِطُ" أنَّها عِبارَةٌ عن إعْدامِ أعْمالِهِمْ وإفْسادِها وأنَّها لا تُوجَدُ شَيْئًا مُنْتَفِعًا بِهِ، فَذَلِكَ إحْباطٌ عَلى تَشْبِيهٍ واسْتِعارَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ [محمد: 30].

ومعناه معنى الاحتراس ممَّا قد يتوهم السامعون من قوله: ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ من الاستغناء عن التكليف.

ووجه هذا الاحتراس أن علم الله يتعلق بأعمال الناس بعد أن تقع ويتعلق بها قبل وقوعها فإنها ستقع ويتعلق بعزم الناس على الاستجابة لدعوة التكاليف قوة وضعفا، ومن عدم الاستجابة كفراً وعناداً، فبيّن بهذه الآية أن من حكمة التكاليف أن يظهر أثر علم الله بأحوال الناس وتقدم الحجة عليهم.

ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله كتب لِكل عبد مقعده من الجنة أو من النار.

فقالوا أفلا نتكل على ما كُتب لنا؟

قال: اعملوا فكل مُيَسَّر لما خلق له، وقرأ ﴿ فأما من أعطى واتّقى وصدّق بالحسنى فسنُيَسِّره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنُيَسِّره للعسرى ﴾ [الليل: 5 10]» والبَلْو: الاختبار وتعرُّف حال الشيء.

والمراد بالابتلاء الأمر والنهي في التكليف، فإنه يظهرَ به المطيع والعاصي والكافر، وسُمي ذلك ابتلاء على وجه المجاز المرسل لأنه يلزمه الابتلاء وإن كان المقصود منه إقامة مصالح الناس ودفع الفساد عنهم لتنظيم أحوال حياتهم ثم ليترتب عليه مئال الحياة الأبدية في الآخرة.

ولكن لما كان التكليف مبيّناً لأحوال نفوس الناس في الامتثال وممحّصاً لدعاويهم وكاشفاً عن دخائلهم كان مشتملاً على ما يشبه الابتلاء، وإلا فإن الله تعالى يعلم تفاصيل أحوالهم، ولكنها لا تظهر للعيان للناس إلا عند تلقي التكاليف فأشبهت الاختبار، فإطلاق اسم الابتلاء على التكليف مجاز مرسل وتسمية ما يلزم التكليف من إظهار أحوال النفوس ابتلاءً استعارة، ففي قوله: ﴿ ولنبلونكم ﴾ مجاز مرسل واستعارة.

و ﴿ حتى ﴾ حرف انتهاء فما بعدها غاية للفعل الذي قبلها وهي هنا مستعملة في معنى لام التعليل تشبيهاً لعلة الفعل بغايته فإن غاية الفعل باعث لفاعل الفعل في الغالب، فلذلك كثر استعمال ﴿ حتى ﴾ بمعنى لام التعليل كقوله تعالى: ﴿ هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ﴾ [المنافقون: 7].

فالمعنى: ولنبلونكم لنعلم المجاهدين منكم والصابرين، وليس المراد انتهاء البلوى عند ظهور المجاهدين منهم والصابرين.

وعلة الفعل لا يلزم انعكاسها، أي لا يلزم أن لا يكون للفعل علة غيرها فللتكليف عِلل وأغراض عديدة منها أن تظهر حال الناس في قبول التكليف ظهوراً في الدنيا تترتب عليه معاملات دنيوية.

وعلم الله الذي جعل علة للبلو هو العلم بالأشياء بعد وقوعها المسمى علم الشهادة لأن الله يعلم من سيُجاهد ومن يصبر من قبْللِ أن يبلوهم ولكن ذلك علم غيب لأنه قبل حصول المعلوم في عالم الشهادة.

والأحسن أن يكون ﴿ حتى نعلم ﴾ مستعملاً في معنى حتى نظهر للناس الدعاوي الحق من الباطلة، فالعلم كناية عن إظهار الشيء المعلوم بقطع النظر عن كون إظهاره للغير كما هنا أو للمتكلم كقول إياس بن قبيصةَ الطائي: وأقَبلْتْ والخَطِّيُّ يخْطُر بيننا *** لا عَلَم منَ جَبَانُها مِن شجاعها أراد ليظهر للناس أنه شجاع ويظهر من هو من القوم جبان، فالله شرع الجهاد لنصر الدين ومِنْ شرَعه يتبين من يجاهد ومن يقعد عن الجهاد، ويتبين من يصبر على لأواء الحرب ومن ينخزل ويفر، فلا تروج على الناس دعوى المنافقين صدق الإيمان ويعلم الناس المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

وبلو الإخبار: ظهور الأحدوثة من حسن السمعة وضده.

وهذا في معنى قول الأصوليين ترتُّبُ المدح والذم عاجلاً، وهو كناية أيضاً عن أحوال أعمالهم من خير وشر لأن الأخبار إنما هي أخبار عن أعمالهم، وهذه علة ثانية عطفت على قوله: ﴿ حتى نعلم المجاهدين منكم ﴾ .

وإنما أعيد عطف فعل ﴿ نبلوَ ﴾ على فعل ﴿ نعلم ﴾ وكان مقتضى الظاهر أن يعطف ﴿ أخباركم ﴾ بالواو على ضمير المخاطبين في ﴿ لنبلونكم ﴾ ولا يعاد ﴿ نبلوَ ﴾ ، فالعدول عن مقتضى ظاهر النظم إلى هذا التركيب للمبالغة في بَلْو لأخبار لأنه كناية عن بلو أعمالهم وهي المقصود من بلو ذواتهم، فذكره كذكر العام بعد الخاص إذ تعلق البلو الأول بالجهاد والصبرِ، وتعلق البلو الثاني بالأعمال كلها، وحصل مع ذلك تأكيد البلو تأكيداً لفظياً.

وقرأ الجمهور ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم ﴾ ﴿ ونبلوَا ﴾ بالنون في الأفعال الثلاثة.

وقرأ أبو بكر عن عاصم تلك الأفعال الثلاثة بياء الغيبة والضمائر عائدة إلى اسم الجلالة في قوله: ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ ونبلوَ ﴾ بفتح الواو عطفاً على ﴿ نعلمَ ﴾ .

وقرأه رويس عن يعقوب بسكون الواو عطفاً على ﴿ ولنبلونكم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: شَكٌّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: نِفاقٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

﴿ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: غِشُّهُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: حَسَدُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: حِقْدُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الرّابِعُ: عِدْوانُهُمْ، قالَهُ قُطْرُبٌ وأنْشَدَ قُلْ لِابْنِ هِنْدٍ ما أرَدْتَ بِمَنطِقٍ ساءَ الصَّدِيقَ وسَرَّ ذا الأضْغانِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في كَذِبِ القَوْلِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: في فَحْوى كَلامِهِمْ، واللَّحْنُ هو الذَّهابُ بِالكَلامِ في غَيْرِ جِهَتِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ اللَّحْنِ في الإعْرابِ وهو الذَّهابُ عَنِ الصَّوابِ ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ  : «إنَّكم لَتَحْتَكِمُونَ إلَيَّ، أحَدُكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ» أيْ أذْهَبَ بِها في الجِهاتِ لِقُوَّتِهِ عَلى تَصْرِيفِ الكَلامِ.

قالَ مَرارٌ الأسَدِيُّ ولَحَنْتِ لَحْنًا فِيهِ غِشٌّ ورابَنِي ∗∗∗ صُدُودُكِ تَرْصِينَ الوُشاةِ الأعادِيا قالَ الكَلْبِيُّ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ بَعْدَ نُزُولِها مُنافِقٌ عِنْدَ النَّبِيِّ  إلّا عَرَفَهُ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ.

الثّانِي: الزّاهِدِينَ في الدُّنْيا.

﴿ والصّابِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى الجِهادِ.

الثّانِي: عَنِ الدُّنْيا.

﴿ وَنَبْلُوَ أخْبارَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نَخْتَبِرُ أسْرارَكم.

الثّانِي: ما تَسْتَقْبِلُونَهُ مِن أفْعالِكم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ﴾ قال: أعمالهم.

خبثهم والحسد الذي في قلوبهم، ثم دل الله النبي صلى الله عليه وسلم بعد على المنافقين، فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق.

وأخرج ابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولتعرفنهم في لحن القول ﴾ قال: ببغضهم علي بن أبي طالب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم علي بن أبي طالب.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه أنه تلا هذه الآية ﴿ ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ﴾ الآية فقال: اللهم عافنا واسترنا ولا تبل أخبارنا.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ أو ليبلونكم ﴾ بالياء ﴿ حتى يعلم ﴾ بالياء ﴿ ويبلو ﴾ بالياء ونصب الواو والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي: لنعاملنكم المختبر نأمركم بالقتال والجهاد حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره، وهو قوله: ﴿ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: حتى نميز (١) وقال مقاتل: حتى نرى (٢) ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ ﴾ جعلوا قوله: (والله يعلم أعمالكم) كالاعتراض، ويجوز أن يكون ذلك عوداً إلى لفظ الجمع بعد لفظ الإفراد فيكون كقوله: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ  ﴾ بعد قوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ  ﴾ وروي عن عاصم الياء فيها حملاً على قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ عطف على قوله: (حتى نعلم) (٣) وقال في رواية الكلبي يقول: تظهر نفاقكم للمؤمنين (٤) ومعنى الآية: حتى نعلم المجاهدين وحتى نكشف أخباركم ونظهرها يعني يأبى من يأبى القتال ولا يصبر على الجهاد فيفضح ويظهر سر نفاقه، فمعنى (نبلوا) هاهنا ليس من الاختبار في شيء، لأنه لا يقال: ولنبلونكم حتى نبلوا أخباركم، ولأن بلو الأخبار بمعنى التجربة لا يصح، فمعناه ما ذكره ابن عباس من الكشف والإظهار، ويجوز أن يوضع البلو موضع الكشف؛ لأن القصد بالبلو الكشف والإظهار، فجاز أن يفسر بما يؤول إليه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ  ﴾ أي تظهر، ونذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: (١) ذكر ذلك القرطبي في "الجامع" 16/ 253.

(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 50.

(٣) انظر: "الحجة" لأبي علي 6/ 197، "تفسير الطبري" 13/ 62، "الكشف عن وجوه القراءات" لمكي 2/ 278، "المحرر الوجيز" لابن عطية 15/ 76.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" ص 510.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَمْ حَسِبَ ﴾ الآية: معناها ظن المنافقون أن لن يفضحهم الله.

والضغن: الحقد، ويراد به هنا النفاق والبعض في الإسلام وأهله ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ ﴾ أي لو نشاء لأريناك المنافقين بأعيانهم حتى تعرفهم بعلامتهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم وعلى أقاربهم من المسلمين، وروي أن الله لم يذكر واحداً منهم باسمه ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول ﴾ معنى لحن القول مقصده وطريقته، وقيل: اللحن هو الخفي المعنى كالكناية والتعريض، والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم سيعرفهم من دلائل كلامهم، وإن لم يعرفه الله بهم على التعيين ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي نختبركم ﴿ حتى نَعْلَمَ ﴾ أي نعلمه علماً ظاهراً في الوجود تقوم به الحجة عليكم؛ وقد علم الله الأشياء قبل كونها، ولكنه أراد إقامة الحجة على عباده؛ بما يصدر منهم، وكان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبتلنا، فإنك إذا ابتليتنا فضحتنا وهتكت أستارنا ﴿ وَشَآقُّواْ الرسول ﴾ أي خالفوه وعادوه، ونزلت الآية في المنافقين وقيل: في اليهود.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وتقطعوا ﴾ بالتخفيف من القطع: سهل ويعقوب.

والآخرون: بالتشديد من التقطيع ﴿ وأملى لهم ﴾ مبنياً للمفعول ماضياً: أبو عمرو ويعقوب ﴿ وأملى ﴾ مضارعاً مبنياً للفاعل: سهل ورويس.

الباقون: ماضياً مبنياً للفاعل ﴿ إسرارهم ﴾ بكسر الهمز على المصدر: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ﴿ وليبلونكم حتى يعلم ﴾ ﴿ ويبلوا ﴾ بالياءات: أبو بكر وحماد.

الآخرون: بالنون في الكل.

وقرأ يعقوب ﴿ ونبلو ﴾ بالنون مرفوعاً ﴿ السلم ﴾ بكسر السين: حمزة وخلف وأبو بكر وحماد.

الوقوف: ﴿ والمؤمنات ﴾ ط ﴿ ومثواكم ﴾ ه ﴿ نزلت سورة ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ القتال ﴾ لا ﴿ الموت ﴾ ط للابتداء بالدعاء عليهم ﴿ لهم ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون الأولى بمعنى الأقرب كما يجيء ﴿ معروف ﴾ قف ﴿ الأمر ﴾ ز لاحتمال أن التقدير فإذا عزم الأمر كذبوا وخالفوا ﴿ خيراً لهم ﴾ ه ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أرحامكم ﴾ ه ﴿ أبصارهم ﴾ ه ﴿ أقفالها ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن الجملة بعده خبر "إن" ﴿ سوّل لهم ﴾ ط لأن فاعل ﴿ وأملى ﴾ ضمير اسم الله ويجوز الوصل على جعله حالاً وقد أملى، أو على أن فاعله ضمير الشيطان من حيث أنه يمنيهم ويعدهم، والوقف أجوز واعزم.

والحال على قراءة ﴿ وأملى ﴾ بفتح الياء أجوز والوقف به جائز، ومن سكن الياء فالوقف به أليق لأن المستقبل لا ينعطف على الماضي.

ومع ذلك لو جعل حالاً على تقدير وأنا أملي جاز ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ الأمر ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والوقف أجوز لأن الله يعلم الأسرار في الأحوال كلها ﴿ إسرارهم ﴾ ه ﴿ وأدبارهم ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أضغانهم ﴾ ه ﴿ بسيماهم ﴾ ط للابتداء بما هو جواب القسم ﴿ القول ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ والصابرين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ونبلو ﴾ بسكون الواو أي ونحن نبلو ﴿ أخباركم ﴾ ه ﴿ الهدى ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ﴿ أعمالكم ﴾ ه ﴿ لهم ﴾ ه ﴿ إلى السلم ﴾ قف قد قيل: على أن قوله ﴿ وأنتم ﴾ مبتدأ، وجعله حالاً أولى ﴿ الأعلون ﴾ قف كذلك ﴿ أعمالكم ﴾ ه قف ﴿ ولهو ﴾ ط ﴿ أموالكم ﴾ ه ﴿ أضغانكم ﴾ ه ﴿ سبيل الله ﴾ ج لانقطاع النظم مع الفاء ﴿ من يبخل ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف ﴿ عن نفسه ﴾ ط ﴿ الفقراء ﴾ ه للشرط مع العطف ﴿ غيركم ﴾ لا للعطف ﴿ أمثالكم ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال الفريقين المؤمن والكافر من السعادة والشقاوة قال لنبيه  : فاثبت على ما أنت عليه من التوحيد ومن هضم النفس باستغفار ذنبك أو ذنوب أمتك.

أو المراد فاعلم خبراً يقيناً على ما علمته نظراً واستدلالاً.

أو أراد فاذكر لا إله إلا الله.

والهاء في ﴿ أنه ﴾ لله أو للأمر والشأن، أو الأول إشارة إلى أصول الحكمة النظرية، والثاني إلى أصول الحكمة العملية، أمره بالحكمة العملية بعد الحكمة النظرية.

عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن فضل العلم فتلا هذه الآية.

وذلك أنه أمر بالعمل بعد العلم.

والفاءات في هذه الآية وما تقدّمها لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.

وفي الآية نكتة وهي أن النبي  له أحوال ثلاث: حال مع الله وهي توحيده، وحال مع نفسه وهي طلب العصمة من الذنوب وأن يستر الله عليه جنس الآثام حتى لا يقع فيها، وحال مع غيره وهي طلب ستر الذنوب عليهم بعد وقوعهم فيها أو أعم ويندرج فيها الشفاعة.

ثم قال ﴿ والله يعلم متقلبكم ومثواكم ﴾ فقيل: التقلب في الأسفار والمثوى في الحضر.

وقيل: أراد منتشركم في النهار ومستقركم بالليل.

وقيل: الأوّل في الدنيا والثاني في الآخرة.

وقيل: لكل متقلب مثوى فيتقلب من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ثم إلى الدنيا ثم إلى القبر ثم إلى الجنة أو النار.

والمقصود بيان كمال علمه بحال الخلائق فعليهم أن لا يهملوا دقائق الطاعة والخشية ويواظبوا على طلب المغفرة خوفاً من التقصير في العبودية.

ثم ذكر طرفاً آخر من نصائح أهل النفاق ومن ينخرط في سلكهم من ضعفة الإسلام، وذلك أنهم كانوا يدّعون الحرص على الجهاد ويقولون بألسنتهم ﴿ لولا نزلت ﴾ سورة في باب القتال ﴿ فإذا أنزلت سورة محكمة ﴾ مبينة غير متشابهة لا تحتمل النسخ ﴿ وذكر فيها القتال ﴾ عن قتادة: كل سورة ذكر فيها القتال فهي محكمة وهي أشدّها على المنافقين.

قال أهل البرهان: نزل بالتشديد أبلغ من أنزل فخص بهم ليكون أدل على حرصهم فيكون أبلغ في أبلغ في باب التوبيخ.

قوله ﴿ فأولى لهم ﴾ كلمة تحذير أي وليك شر فاحذره.

هذه عبارة كثير من المفسرين.

وقال المبرد: يقال للإنسان إذا كاد يعطب ثم يفلت: أولى لك.

أي قاربت العطب ثم نجوت.

وهو في الفرقان على معنى التحذير.

وقال جار الله: هو وعيد معناه فويل لهم والمراد الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه.

وقيل: أراد طاعة وقول معروف أولى من الجزع عند الجهاد فلا يكون للوعيد، وعلى هذا فلا وقف على ﴿ لهم ﴾ كما أشير إليه في الوقف.

واعترض عليه بأن الأفصح أن يستعمل وقتئذ بالباء لا مع اللام كما قال ﴿ وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض  ﴾ والأصح أنه فعل متعدٍ من الولي وهو القرب أي أولاه الله المكروه فاقتصر لكثرة الاستعمال.

ويحتمل أن يكون "فعلى" من آل يؤل أي يؤل أمرك إلى شر فاحذره.

ثم حثهم على الامتثال بقوله ﴿ طاعة وقول معروف ﴾ أي طاعة الله وقول حسن أو ما عرف صحته خير من الجزع عند فرض الجهاد فهو مبتدأ محذوف الخبر، أو أمرنا طاعة فيكون خبر مبتدأ محذوف كما مر في سورة النور في قوله ﴿ طاعة معروفة  ﴾ ويجوز أن يكون أمراً للمنافقين أي قولوا طاعة وقول معروف.

﴿ فإذا عزم الأمر ﴾ أي جدّ وصار معزوماً عليه وهو إسناد مجازي لأن العزم لأصحاب أمر القتال.

ثم التفت وخاطب كفار قريش بقوله ﴿ فهل عسيتم ﴾ هو من أفعال المقاربة وقد مر وجوه استعمالاته في "البقرة" في قوله ﴿ وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم  ﴾ فنقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ ومعناه هل يتوقع منكم ﴿ إن توليتم ﴾ وأعرضتم عن الدين أو توليتم أمور الناس ﴿ أن تفسدوا في الأرض ﴾ بالمعاصي والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام ﴿ وتقطعوا أرحامكم ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات وسائر ما كنتم عليه في الجاهلية من أنواع الإفساد، وفي سلوك طريقة الاستخبار المسمى في غير القرآن بتجاهل العارف، إمالة لهم إلى طريق الإنصاف وحث لهم على التدبر وترك العصبية والجدال، فقد كانوا يقولون كيف يأمرنا النبي  بالقتال والقتال إفناء لذوي أرحامنا وأقاربنا، فعرض الله  بأنهم إن ولوا أمور الناس أو أعرضوا عن هذا الدين لم يصدر عنهم إلا القتل والنهب وسائر أبواب المفاسد كعادة أهل الجاهلية.

ثم صرح بما فعل الله بهم واستقر عليه حالهم فقال ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ بعدهم عن رحمته.

ثم بين نتيجة اللعن قائلاً ﴿ فأصمهم ﴾ أي عن قبول الحق بعد استماعه وهذا في الدنيا ﴿ وأعمى أبصارهم ﴾ أي في الآخرة أو عن رؤية الحق والنظر إلى المصنوعات.

قال بعض العلماء: إنما لم يقل فأصم آذانهم لأن الأذن عبارة عن الشحمة المعلقة، والسمع لا يتفاوت بوجود وعدمها، ولذلك يسمع مقطوع الأذن.

وأما الرؤية فتتعلق بالبصر نفسه، فالتأكيد هناك إنام يحصل بترك ذكر الأذن وههنا بذكر الأبصار والله أعلم.

قال جار الله: يجوز أن يريد بالذين آمنوا المؤمنين الخلص الثابتين وذلك أنهم كانوا يأنسون بالوحي.

فإذا أبطأ عليهم التمسوه، فإذا نزلت سورة في معنى الجهاد رأيت المنافقين يضجرون منها.

سؤال: لما أثبت لهم الصمم والعمى فكيف وبخهم بقوله ﴿ أفلا يتدبرون القرآن ﴾ ؟

وأجيب على مذهب أهل السنة بأن تكليف ما لا يطاق جائز.ويمكن أن يقال: لما أخبر عنهم بما أخبر حكى أنهم بين أمرين: إما أن لا يتدبروا القرآن لأن الله أبعدهم عن الخير، وإما أن يدبروا لكن لا يدخل معانيه في قلوبهم لكونها مقفلة.

قال جار الله: إنام نكرت القلوب لأنه أريد البعض وهو قلوب المنافقين أو أريد على قلوب قاسية مبهم أمرها.

وإنما أضيفت الأقفال إلى ضمير القلوب لأنه أريد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر والعناد التي استغلقت فلا تنفخ.

ثم أخبر عن حال المنافقين أو اليهود الذين غيروا حالهم من بعد ما تبين لهم حقيقة الإسلام أو نعت محمد في التوراة فقال ﴿ إن الذين ارتدوا ﴾ الآية.

﴿ ذلك ﴾ الإملاء أو الإضلال أو الارتداد بسبب أنهم قالوا للذين كرهوا أي قال اليهود للمنافقين، أو قال المنافقون ليهود قريضة والنضير، أو قاله اليهود أو المنافقون للمشركين ﴿ سنطيعكم في بعض الأمر ﴾ الذي يهمكم كالتظافر على عداوة محمد والقعود عن الجهاد معه أو في بعض ما تأمرون به، وهو ما يتعلق بتكذيب محمد لا في إظهار الشرك واتخاذ الأصنام وإنكار المعاد ﴿ والله يعلم أسرارهم ﴾ فلذلك أفشى الذي قالوه سراً فيما بينهم وسيجازيهم على حسب ذلك يدل عليه قوله ﴿ فكيف ﴾ يعملون وما حيلتهم حين توفتهم ملائكة الموت ﴿ يضربون وجوههم وأدبارهم ﴾ التي كانوا يتقون أن يصيبها آفة في القتال، أو يضربون وجوههم عند الموت وأدبارهم عند السوق إلى النار.

وقيل: يضربون وجوههم عند الطلب وأدبارهم حين الهرب ﴿ ذلك ﴾ الإذلال والإهانة ﴿ بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ﴾ كأنهم ضربوا وجوههم لأنهم أقبلوا على مواجب السخط، وضربوا أدبارهم لأنهم أعرضوا عما فيه رضا الله.

وقد يخص السخط بكتمان نعت الرسول ومعاونة أهل الشرك والرضا بالإيمان به والنصرة للمؤمنين.

وإنما قال ﴿ ما أسخط الله ﴾ ولم يقل "ما أرضى الله" لأن رحمته سبقت غضبه، فالرضا كالأمر الحاصل والإسخاط كالأمر المترتب على شيء.

ثم زاد في تعيير المنافقين بقوله ﴿ أم حسب ﴾ وهي منقطعة.

والضغن إضمار سوء يتربص به إمكان الفرصة.

وإخراج الإضغان إبرازها للرسول  وللمؤمنين كما قال ﴿ ولو نشاء لأريناكهم ﴾ أي لو شئنا أريناك أماراتهم ﴿ فلعرفتهم ﴾ كررت لام جواب "لو" في المعطوف لأجل المبالغة ﴿ بسيماهم ﴾ بعلامتهم.

عن أنس أنه ما خفي على رسول الله  بعد هذه الآية شيء من المنافقين، ولقد كنا في بعض الغزوات وفيها تسعة منهم يشكوهم الناس فناموا ذات ليلة وأصحبوا وعلى جبهة كل واحد منهم مكتوب "هذا منافق".

ومعنى لحن القول نحوه وأسلوبه وفحواه أي يقولون ما معناه النفاق كقولهم ﴿ لئن رجعنا إلى المدينة  ﴾ ﴿ إن بيوتنا عورة  ﴾ أو لتعرفنهم في فحوى كلام الله حيث قال ما يعلم منه حال المنافقين كقوله ﴿ ومن الناس من يقول  ﴾ ﴿ ومنهم من عاهد الله  ﴾ وحقيقة اللحن ذهاب الكلام إلى خلاف جهته.

وقيل: اللحن أن تميل كلامك إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال: ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا *** واللحن يعرفه ذوو الألباب ويقال للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب.

وقال الكلبي: لحن القول كذبه.

ولم يتكلم بعد نزولها منافق عند رسول الله  إلا عرفه.

وعن ابن عباس هو قولهم ما لنا إن أطعنا من الثواب ولا يقولون ما علينا إن عصينا من العقاب ﴿ والله يعلم أعمالكم ﴾ فيميز خيرها من شرها وإخلاصها من نفاقها ﴿ ولنبلونكم ﴾ أي لنأمرنكم بما لا يكون متعيناً للوقوع بل يحتمل الوقوع واللاوقوع كما يفعل المختبر حتى يظهر المجاهد والصابر من المنافق والمضطرب.

﴿ ونبلو أخباركم ﴾ التي تحكي عنكم كقولكم ﴿ آمنا بالله وباليوم الآخر  ﴾ أو عهودكم كقوله ﴿ ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار  ﴾ أو أسراركم أو ما ستفعلونه أو أخباركم الأراجيف كقوله ﴿ والمرجفون في المدينة  ﴾ عن الفضل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.

ثم أنزل في اليهود من قريظة والنضير أو في رؤساء قريش المطعمين يوم بدر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

وأعمالهم طاعاتهم في زمن اليهودية، ومكايدهم التي نصبوها في عداوة الرسول  أو إطعامهم.

ثم أمر المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله بالتوحيد والتصديق مع الإخلاص وأن لا يبطلوا إحسانهم بالمعاصي والرياء وبالمن والأذى.

عن أبي العالية قال: كان أصحاب النبي  يرون إنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت الآية، فكانوا يخافون الكبائر على أعمالهم.

وعن قتادة: رضي الله عن عبد لم يحبط عمله الصالح بعمله السيء.

ثم أراد أن يبين أن أعمال المكلف إذا بطلت فإن فضل الله باقٍ يغفر له إن شاء ما لم يمت على الكفر فقال ﴿ إن الذين كفروا ﴾ الآية.

قال مقاتل: نزلت في رجل سأل النبي  عن والده وقال: إنه كان محسناً في كفره.

وعن الكلبي: نزلت في رؤساء أهل بدر.

﴿ فلا تهنوا ﴾ لا تضعفوا ولا تجبنوا ﴿ وتدعوا إلى السلم ﴾ أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح.

ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار "أن" بعد الواو في جواب النهي ﴿ وأنتم الأعلون ﴾ الغالبون المستولون عليهم ﴿ والله معكم ﴾ بالنصرة والكلاءة ﴿ ولن يتركم أعمالكم ﴾ أي لن ينقصكم جزاء أعمالكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلاً من ولد أو أخ أو قريب أو سلبت ماله وأصله من الوتر وهو الفرد، كأنك أفردته من قريبه أو ماله.

وفي الحديث " "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" " وهو من فصيح الكلام.

ثم زادهم حثاً على الجهاد بتحقير الدنيا في أعينهم وبأنه  إنما يحثهم على الإيمان والجهاد وسائر أبواب التقوى لتعود فائدتها عليهم كما قال "خلقتكم لتربحوا عليّ لا لأربح عليكم" قوله ﴿ ولا يسألكم أموالكم ﴾ أي كل أموالكم ولكنه يقتصر منها على ربع العشر، أو لا يسألكم أموالكم لنفسه ولكن لتكون زاداً لكم في المعاد.

وقيل: لا يسألكم أموالكم رسولي لنفسه.

وقيل: إنهم لا يملكون شيئاً وإن المال مال الله وهو المنعم بإعطائه.

والقول هو الأوّل لقوله ﴿ إن يسألكموها فيحفكم ﴾ أي يجهد كم يبلغ الغاية فيها من أحفى شاربه استأصله كأنه جعله حافياً مما في ملكه أي عارياً ﴿ تبخلوا ويخرج ﴾ الإحفاء أو الله  على طريق التسبب ﴿ أضغانكم ﴾ أي تضطغنون على الرسل وتظهرون كراهة هذا الدين.

ثم بين أنه كيف يأمركم بإخراج كل المال وقد دعاكم إلى إنفاق البعض ﴿ فمنكم من يبخل ﴾ و"ها" للتنبيه وكرر مع أولاء للتوكيد وأنتم أولاء جملة مستقلة أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون.

ثم استأنف وصفهم كأنهم قالوا وما وصفنا فقيل ﴿ تدعون لتنفقوا في سبيل الله ﴾ وهو الزكاة أو الغزو، فمنكم ناس يبخلون به.

وقيل: ﴿ هؤلاء ﴾ موصول صلته ﴿ تدعون ﴾ وهو مذهب الكوفيين وقد سلف في "البقرة" و "آل عمران".

ثم قبح أمر البخل بقوله ﴿ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ﴾ أي وباله على نفسه أو عن داعي ربه.

قال في الكشاف: يقال بخلت عليه وعنه.

وفيه نظر لأن البخل عن النفس لا يصح بهذا التفسير.

نعم لو قال عن ماله كان تفسيره مطابقاً.

ثم مدح نفسه بالغنى المطلق وبين بقوله ﴿ وأنتم الفقراء ﴾ أنه لا يأمر بالإنفاق لحاجته ولكن لفقركم إلى الثواب.

ثم هددهم بقوله ﴿ وإن تتولوا ﴾ وهو معطوف على ﴿ وإن تؤمنوا ﴾ ومعنى ﴿ يستبدل قوماً غيركم ﴾ يخلق قوماً سواكم راغبين فيما ترغبون عنه من الإيمان والتقوى كقوله ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد  ﴾ ومعنى " ثم " التراخي في الرتبة أي لا يكونون أشباهكم في حال توليكم.

وقيل: في جميع الأحوال.

وعن الكلبي: شرط في الاستبدال توليهم لكنهم لم يتولوا فلم يستبدل قوماً وهم العرب أهل اليمن أو العجم.

قاله الحسن وعكرمة لما روي أو رسول الله  سئل عن ذلك وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال: هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس والله  أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ ٱللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴾ أي: حسب المنافقون أن لن يظهر الله عداوتهم، وأن لن يبدي الله ما في قلوبهم من العداوة؛ جعل الله - جل وعلا - في إظهار ما أسر أهل النفاق وإبداء ما أخفوه فيما بينهم - آية عظيمة، ودلالة ظاهرة على رسالة رسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه على التقديم والتأخير؛ كأنه قال: ولو نشاء لأريناكهم بسيماهم بالنظر إليهم بالبديهة، ولتعرفنهم - أيضاً - في لحن القول؛ أي: لو نشاء لجعلنا لهم أعلاماً في الوجه والقول لتعرفنهم، ولكن لم نجعل لهم، ولكن جعل معرفتهم بأعمال يعملون فيظهر نفاقهم بذلك - والله أعلم - كقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ ٱلْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ...

﴾ الآية [محمد: 20]، وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما كان يظهر نفاقهم وخلافهم بالأعمال التي كانوا يعملون؛ فدلت هذه الآيات على أنه كان لا يعرفهم بالسيماء والنطق والقول والأجسام، وإنما يعرفهم بأفعال كانوا يفعلونها، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: فحوى الكلام، فكان يعرفهم رسول الله  إذا تكلموا؛ فيخرج على هذا التأويل.

وقوله: ﴿ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ ﴾ على الوعد؛ أي: تعرفهم في حادث الوقت، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: يقال: رجل ألحن بحججه، ويقال: لحن يلحن - إذا أخطأ - لحناً، فهو لاحن؛ كأنه من العدول والميل عن الحق.

وقال القتبي: ﴿ فِي لَحْنِ ٱلْقَوْلِ ﴾ أي: في فحوى كلامهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: والله يعلم ما تسرون من الأعمال وتخفونها.

والثاني: على الجملة؛ أي: يعلم جميع أعمالهم: ما أسروا وأعلنوا؛ يخرج على الوعيد، كقوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ ﴾ ، هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: حتى يعلم أولياؤه المجاهدين منكم والصابرين من غير المجاهدين وغير الصابرين، فيكون المراد من إضافة العلم إلى نفسه علم أوليائه؛ كقوله -  -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ  ﴾ ، ونحوه، فالمراد منه أولياؤه على أحد التأويلات، والله أعلم.

والثاني: يكون المراد بالعلم: المعلوم، وذلك جائز في اللسان واللغة؛ كقول الناس: الصلاة أمر الله: أي: مأمور الله، وكقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ  ﴾ أي: الموقن به، وقوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَٰنِ  ﴾ أي: بالمؤمن به، ونحو ذلك كثير.

والثالث: أي: يعلم كائناً ما قد علمه أنه سيكون؛ إذ لا يجوز أن يوصف هو بعلم ما سيكون بعلمه كائناً، أو بعلم ما قد كان بعلمه أنه يكون كائناً، ولكن يوصف بما قد علمه كائناً أنه علمه كائناً، أو يعلم ما علم أنه سيكون أنه يكون؛ لأنه يوجب الجهل، ويكون التغير في ذلك المعلوم لا في علمه، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ﴾ أي: ونبلو في أخباركم التي أخبرتم عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلْكُفْرِ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر، ابتلوا في تلك الأخبار التي أخبروا عن أنفسهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكونوا ابتلوا في قولهم الذي قالوا لو أعطوا بلسانهم؛ حيث قالوا: آمنا؛ كقوله -  -: ﴿ الۤـمۤ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  ﴾ فتنوا فيما قالوا وأخبروا؛ أي: ابتلوا، فالفتنة والمحنة والابتلاء والبلاء واحد، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ ﴾ أي: نظهر نفاقكم للمسلمين؛ إذ كان الله -  - عالماً قبل أن يبلوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ أي: كفروا بنعم الله؛ من الكفران.

أو كفروا بتوحيد الله.

وقوله: ﴿ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَصَدُّواْ ﴾ أي: أعرضوا بأنفسهم عن دين الله.

ويحتمل: ﴿ وَصَدُّواْ ﴾ أي: صرفوا الناس عن دين الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ أي: عادوه وعاندوه ﴿ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ يحتمل: لن يضروا الله بكفرانهم نعمه أو كفرهم بوحدانية الله -  - ومعناه - والله أعلم -: أنه ليس يأمر بما يأمر أو ينهى عما ينهى لدفع مضرة عن نفسه، أو لجر منفعة إلى نفسه، ولكن يأمر وينهى لحاجة أنفس أولئك ولمنافعهم، فهم بتركهم اتباع أمره والانتهاء عن نهيه، ضروا أنفسهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد من قوله ﴿ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً ﴾ أي: لن يضروا أولياء الله بما كفروا وصدوهم عن سبيله؛ بل ضروا أنفسهم؛ كقوله -  -: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ أي: إن تنصروا أولياء الله ينصركم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ .

يحتمل حبط الأعمال بالارتداد بعد الإيمان، وإحداث الكفر بعد الإسلام.

ويحتمل أعمالهم التي كانت لهم بالإيمان قبل بعثه  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولنختبرنّكم -أيها المؤمنون- بالجهاد وقتال الأعداء والقتل حتى نعلم المجاهدين منكم في سبيل الله، والصابرين منكم على قتال أعدائه، ونختبركم فنعرف الصادق منكم والكاذب.

<div class="verse-tafsir" id="91.rXwPn"

مزيد من التفاسير لسورة محمد

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.6 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الله أكبر