الآية ١ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 254 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة المائدة [ وهي مدنية ] قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا أبو معاوية شيبان ، عن ليث عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد قالت : إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ نزلت عليه المائدة كلها ، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة .

وروى ابن مردويه من حديث صالح بن سهيل ، عن عاصم الأحول قال : حدثتني أم عمرو ، عن عمها ; أنه كان في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت عليه سورة المائدة ، فاندق عنق الراحلة من ثقلها .

وقال أحمد أيضا : حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة ، حدثني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته ، فلم تستطع أن تحمله ، فنزل عنها .

تفرد به أحمد وقد روى الترمذي عن قتيبة ، عن عبد الله بن وهب ، عن حيي عن أبي عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمرو قال : آخر سورة أنزلت : سورة المائدة والفتح ، ثم قال الترمذي : هذا حديث غريب حسن .

وقد روي عن ابن عباس أنه قال : آخر سورة أنزلت : " إذا جاء نصر الله والفتح " [ سورة النصر : 1 ] .

وقد روى الحاكم في مستدركه ، من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

وقال الحاكم أيضا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدثنا بحر بن نصر قال : قرئ على عبد الله بن وهب ، أخبرني معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : حججت فدخلت على عائشة ، فقالت لي : يا جبير تقرأ المائدة ؟

فقلت : نعم .

فقالت : أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه ، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه .

ثم قال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

ورواه الإمام أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، وزاد : وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : القرآن .

وراوه النسائي من حديث ابن مهدي .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا مسعر حدثني معن وعوف - أو : أحدهما - أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [ رضي الله عنه ] فقال : اعهد إلي .

فقال : إذا سمعت الله يقول : ( يا أيها الذين آمنوا ) فارعها سمعك ، فإنه خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه .

وقال : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - حدثنا الوليد حدثنا الأوزاعي عن الزهري قال : إذا قال الله : ( يا أيها الذين آمنوا ) افعلوا ، فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم .

وحدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن خيثمة قال : كل شيء في القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا ) فهو في التوراة : " يا أيها المساكين " .

فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي ، حدثنا معاوية - يعني : ابن هشام - عن عيسى بن راشد ، عن علي بن بذيمة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية : ( يا أيها الذين آمنوا ) إلا أن عليا سيدها وشريفها وأميرها ، وما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب ، فإنه لم يعاتب في شيء منه .

فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة ، وفي إسناده نظر .

قال البخاري : عيسى بن راشد هذا مجهول ، وخبره منكر .

قلت : وعلي بن بذيمة - وإن كان ثقة - إلا أنه شيعي غال ، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل .

وقوله : " ولم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليا " إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى ، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي ونزل قوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله ) الآية [ سورة المجادلة : 13 ] وفي كون هذا عتابا نظر ; فإنه قد قيل : إن الأمر كان ندبا لا إيجابا ، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل ، فلم ير من أحد منهم خلافه .

وقوله عن علي : " إنه لم يعاتب في شيء من القرآن " فيه نظر أيضا ; فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه ، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فعلم بهذا ، وبما تقدم ضعف هذا الأثر ، والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا الليث حدثني يونس قال : قال محمد بن مسلم : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران ، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم ، فيه : هذا بيان من الله ورسوله : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) فكتب الآيات منها حتى بلغ : ( إن الله سريع الحساب ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه قال : هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا ، الذي كتبه لعمرو بن حزم ، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم .

فكتب له كتابا وعهدا ، وأمره فيه بأمره ، فكتب : " بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من الله ورسوله : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) عهد من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم ، حين بعثه إلى اليمن ، أمره بتقوى الله في أمره كله ، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " .

قوله تعالى ( أوفوا بالعقود ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : يعني بالعقود : العهود .

وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال : والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) يعني بالعهود : يعني ما أحل الله وما حرم ، وما فرض وما حد في القرآن كله ، فلا تغدروا ولا تنكثوا ، ثم شدد في ذلك فقال : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ) إلى قوله : ( سوء الدار ) [ الرعد : 25 ] .

وقال الضحاك : ( أوفوا بالعقود ) قال : ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام .

وقال زيد بن أسلم : ( أوفوا بالعقود ) قال : هي ستة : عهد الله ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح ، وعقد اليمين .

وقال محمد بن كعب : هي خمسة منها : حلف الجاهلية ، وشركة المفاوضة .

وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية : ( أوفوا بالعقود ) قال : فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته ، فيقتضي نفي خيار المجلس ، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك .

وخالفهما الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور ، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " وفي لفظ للبخاري : " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع ، وليس هذا منافيا للزوم العقد ، بل هو من مقتضياته شرعا ، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد .

وقوله تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) هي : الإبل والبقر ، والغنم .

قاله الحسن وقتادة وغير واحد .

قال ابن جرير : وكذلك هو عند العرب .

وقد استدل ابن عمر وابن عباس ، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت ، وقد ورد في ذلك حديث في السنن ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه ، من طريق مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف ، عن أبي سعيد ، قال : قلنا : يا رسول الله ، ننحر الناقة ، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله؟

فقال : " كلوه إن شئتم ; فإن ذكاته ذكاة أمه " .

وقال الترمذي : حديث حسن .

[ و ] قال أبو داود : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا عتاب بن بشير ، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " .

تفرد به أبو داود .

وقوله : ( إلا ما يتلى عليكم ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني بذلك : الميتة والدم ولحم الخنزير .

وقال قتادة : يعني بذلك الميتة ، وما لم يذكر اسم الله عليه .

والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله : ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ) فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض ; ولهذا قال : ( إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ) يعني : منها .

فإنه حرام لا يمكن استدراكه ، وتلاحقه ; ولهذا قال تعالى : ( أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ) أي : إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال .

وقوله : ( غير محلي الصيد وأنتم حرم ) قال بعضهم : هذا منصوب على الحال .

والمراد من الأنعام : ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم ، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر ، فاستثنى من الإنسي ما تقدم ، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام .

وقيل : المراد [ أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام ، كقوله : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي : أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد ، أي : كما ] أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال ، فحرموا الصيد في حال الإحرام ، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه ; ولهذا قال : ( إن الله يحكم ما يريد )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا "، يا أيها الذين أقرّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية, وسلموا له الألوهة (47) وصدَّقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه =" أوفوا بالعقود "، يعني: أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه, وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا, فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها, ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم, ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها .

(48) * * * واختلف أهل التأويل في" العقود " التي أمر الله جل ثناؤه بالوفاء بها بهذه الآية, بعد إجماع جميعهم على أن معنى " العقود "، العهود.

فقال بعضهم: هي العقود التي كان أهل الجاهلية عاقد بعضهم بعضًا على النُّصرة والمؤازرة والمظاهرة على من حاول ظلمه أو بغاه سوءًا, وذلك هو معنى " الحلف " الذي كانوا يتعاقدونه بينهم.

ذكر من قال: معنى " العقود "، العهود.

10893- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني &; 9-450 &; معاوية بن صالح, عن علي, عن ابن عباس قوله: " أوفوا بالعقود "، يعني: بالعهود.

10894- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل وعز: " أوفوا بالعقود "، قال: العهود.

10895- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

10896- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، مثله .

(49) 10897- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرّف بن الشخِّير وعنده رجل يحدثهم, فقال: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: هي العهود .

(50) 10898- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أوفوا بالعقود "، قال: العهود.

10899- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: هي العهود.

10900- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: " أوفوا بالعقود "، بالعهود.

10901- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: " أوفوا بالعقود "، قال: بالعهود.

10902- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أوفوا بالعقود "، قال: هي العهود.

10903- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، سمعت الثوري يقول: " أوفوا بالعقود "، قال: بالعهود.

10904- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد, مثله.

* * * قال أبو جعفر: و " العقود " جمع " عَقْدٍ"، وأصل " العقد "، عقد الشيء بغيره, وهو وصله به, كما يعقد الحبل بالحبلِ، إذا وصل به شدًّا.

يقال منه: " عقد فلان بينه وبين فلان عقدًا، فهو يعقده ", ومنه قول الحطيئة: قَــوْمٌ إذَا عَقَــدُوا عَقْـدًا لِجَـارِهِمُ شَـدُّوا العِنَـاجَ وَشَـدُّوا فَوْقَـهُ الْكَرَبَا (51) وذلك إذا وَاثقه على أمر وعاهده عليه عهدًا بالوفاء له بما عاقده عليه, من أمان وذِمَّة, أو نصرة, أو نكاح, أو بيع, أو شركة, أو غير ذلك من العقود.

* * * ذكر من قال المعنى الذي ذكرنا عمن قاله في المراد من قوله: " أوفوا بالعقود ".

10905- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، أي: بعقد الجاهلية.

ذُكر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية, ولا تحدثوا عقدًا في الإسلام.

وذكر لنا أن فرات بن حيَّان العِجلي، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية, فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تسأل عن حِلْف لخْمٍ وتَيْم الله؟

فقال: نعم، يا نبي الله!

قال: لا يزيده الإسلام إلا شدة.

10906- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر, عن قتادة: " أوفوا بالعقود "، قال: عقود الجاهلية: الحلف.

* * * وقال آخرون: بل هي الحلف التي أخذ الله على عباده بالإيمان به وطاعته، فيما أحل لهم وحرم عليهم.

*ذكر من قال ذلك: 10907- حدثني المثنى قال، أخبرنا عبد الله قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " أوفوا بالعقود "، يعني: ما أحل وما حرّم, وما فرض, وما حدَّ في القرآن كله, فلا تغدِروا ولا تنكُثوا.

ثم شدَّد ذلك فقال: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قوله: سُوءُ الدَّارِ [سورة الرعد: 25 ].

10908- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن &; 9-453 &; ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " أوفوا بالعقود "، ما عقد الله على العباد مما أحل لهم وحرَّم عليهم.

* * * وقال آخرون: بل هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها المرء على نفسه.

*ذكر من قال ذلك: 10909- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي, عن موسى بن عبيدة, عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عُقدة الأيمان, وعُقدة النكاح, وعقدة العَهد, وعقدة البيع, وعقدة الحِلْف.

10910- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا وكيع، عن موسى بن عبيدة, عن محمد بن كعب القرظي = أو عن أخيه عبد الله بن عبيدة, نحوه.

10911- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: عقد العهد، وعقد اليمين وعَقد الحِلْف, وعقد الشركة, وعقد النكاح.

قال: هذه العقود، خمس.

10912- حدثني المثنى قال، حدثنا عتبة بن سعيد الحمصي قال، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال، حدثنا أبي في قول الله جل وعز: " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود "، قال: العقود خمس: عقدة النكاح, وعقدة الشركة, وعقد اليمين, وعقدة العهد, وعقدة الحلف .

(52) * * * وقال آخرون: بل هذه الآية أمرٌ من الله تعالى لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم، من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله.

*ذكر من قال ذلك: 10913- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: " أوفوا بالعقود "، قال: العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب: أن يعملوا بما جاءهم.

10914- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني يونس قال، قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه على نَجْران (53) فكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم, فيه: " هذا بيان من الله ورسوله " : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ، فكتب الآيات منها حتى بلغ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ .

(54) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، ما قاله ابن عباس, وأن معناه: أوفوا، يا أيها الذين آمنوا، بعقود الله التي أوجبَهَا عليكم، وعقدها فيما أحلَّ لكم وحرم عليكم, وألزمكم فرضه, وبيَّن لكم حدوده.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب من غيره من الأقوال, لأن الله جل وعز أتبع ذلك البيانَ عما أحل لعباده وحرم عليهم، وما أوجب عليهم من فرائضه.

فكان معلومًا بذلك أن قوله: " أوفوا بالعقود "، أمرٌ منه عبادَه بالعمل بما ألزمهم من فرائضه وعقوده عقيب ذلك, ونَهْيٌ منه لهم عن نقض ما عقده عليهم منه, مع أن قوله: " أوفوا بالعقود "، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه, فغير جائز أن يخصَّ منه شيء حتى تقوم حجة بخصوص شيء منه يجب التسليم لها.

فإذْ كان الأمر في ذلك كما وصفنا, فلا معنى لقول من وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاء ببعض العقود التي أمرَ الله بالوفاء بها دون بعض.

* * * وأما قوله: " أوفوا " فإن للعرب فيه لغتين: إحداهما: " أوفوا "، من قول القائل: " أوفيت لفلان بعهده، أوفي له به ".

والأخرى من قولهم: " وفيت له بعهده أفي" .

(55) و " الإيفاء بالعهد "، إتمامه على ما عقد عليه من شروطه الجائزة.

* * * القول في تأويل قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في" بهيمة الأنعام " التي ذكر الله عز ذكره في هذه الآية أنه أحلها لنا.

فقال بعضهم: هي الأنعام كلها.

*ذكر من قال ذلك: 10915- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبد الأعلى, عن عوف, عن الحسن قال: بهيمة الأنعام، هي الإبل والبقر والغنم.

10916- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، قال: الأنعام كلها.

10917- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا ابن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، قال: الأنعام كلها.

10918- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، قال: الأنعام كلها.

(56) 10920- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " بهيمة الأنعام "، هي الأنعام.

* * * وقال آخرون: بل عنى بقوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، أجنة الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها -إذا نحرت أو ذبحت- ميتةً.

*ذكر من قال ذلك: 10921- حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، أخبرنا أبو عبد الرحمن الفزاري, عن عطية العوفي, عن ابن عمر في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام ".

قال: ما في بطونها.

قال قلت: إن خرج ميتًا آكله؟

قال: نعم.

10922- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا يحيى بن زكريا, عن إدريس الأودي, عن عطية, عن ابن عمر نحوه = وزاد فيه قال: نعم, هو بمنـزلة رئتها وكبدها.

10923- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: الجنين من بهيمة الأنعام، فكلوه.

10924- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن مسعر = وسفيان, عن قابوس = عن أبيه, عن ابن عباس: أن بقرة نحرت فوُجد في بطنها جنين, فأخذ ابن عباس بذنَب الجنين فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلّت لكم.

10925- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن قابوس, عن أبيه, عن ابن عباس قال: هو من بهيمة الأنعام.

10926- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم ومؤمل قالا حدثنا سفيان, عن قابوس, عن أبيه قال: ذبحنا بقرة, فإذا في بطنها جنين, فسألنا ابن عباس فقال: هذه بهيمة الأنعام.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب في ذلك، قول من قال: عنى بقوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام "، الأنعام كلها: أجنَّتها وسِخَالها وكبارها .

(57) لأن العرب لا تمتنع من تسمية جميع ذلك " بهيمة وبهائم ", ولم يخصص الله منها شيئًا دون شيء.

فذلك على عمومه وظاهره، حتى تأتى حجة بخصوصه يجب التسليم لها.

* * * وأما " النعم " فإنها عند العرب، اسم للإبل والبقر والغنم خاصة, كما قال جل ثناؤه: وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ، [سورة النحل: 5]، ثم قال: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [سورة النحل: 8]، ففصل جنس النعم من غيرها من أجناس الحيوان .

(58) وأما " بهائمها "، فإنها أولادها.

وإنما قلنا يلزم الكبار منها اسم " بهيمة "، كما يلزم الصغار, لأن معنى قول القائل: " بهيمة الأنعام ", نظير قوله: " ولد الأنعام ".

فلما كان لا يسقط معنى الولادة عنه بعد الكبر, فكذلك لا يسقط عنه اسم البهيمة بعد الكبر.

* * * وقد قال قوم: " بهيمة الأنعام "، وحشيُّها، كالظباء وبقر الوحش والحُمُر .

(59) * * * القول في تأويل قوله : إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذي عناه الله بقوله: " إلا ما يتلى عليكم ".

فقال بعضهم: عنى الله بذلك: أحلت لكم أولاد الإبل والبقر والغنم, إلا ما بيَّن الله لكم فيما يتلى عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ، الآية [سورة المائدة: 3].

*ذكر من قال ذلك: 10927- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا &; 9-458 &; عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، إلا الميتة وما ذكر معها.

10928- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، أي: من الميتة التي نهى الله عنها، وقدَّم فيها.

10929- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " إلا ما يتلى عليكم "، قال: إلا الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه.

10930- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إلا ما يتلى عليكم "، الميتة والدم ولحم الخنـزير.

10931- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، الميتة ولحم الخنـزير.

10932- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ"، هي الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أُهِلَّ لغير الله به.

* * * وقال آخرون: بل الذي استثنى الله بقوله: " إلا ما يتلى عليكم "، الخنـزير.

ذكر من قال ذلك.

10933- حدثني عبد الله بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " إلا ما يتلى عليكم "، قال: الخنـزير.

10934- حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا ما يتلى عليكم "، يعني: الخنـزير.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من قال: عنى بذلك: إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرّم عليكم بقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ، الآية.

لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة الأنعام، ما حرَّم عليهم منها.

والذي حرّم عليهم منها، ما بيّنه في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْـزِيرِ [سورة المائدة: 3].

وإن كان حرَّمه الله علينا، فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها.

فاستثناء ما حرَّم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء، أشبهُ من استثناء ما حرَّم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء.

* * * القول في تأويل قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ =" غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ" = أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ فذلك، على قولهم، من المؤخر الذي معناه التقديم.

فـ" غير " منصوب = على قول قائلي هذه المقالة = على الحال مما في قوله: " أوفوا " من ذكر " الذين آمنوا ".

وتأويل الكلام على مذهبهم: أوفوا، أيها المؤمنون، بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه, لا محلّين الصيد وأنتم حرم.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر =" غير محلي الصيد "، غير مستحلِّي اصطيادها, وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم ".

فـ" غير "، على قول هؤلاء، منصوب على الحال من " الكاف والميم " اللتين في قوله: لَكُمْ ، بتأويل: أحلت لكم، أيها الذين آمنوا، بهيمة الأنعام, لا مستحلِّي اصطيادها في حال إحرامكم .

(60) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها = إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد، فلا يحل لكم وأنتم حرم.

فكأن من قال ذلك, وجَّه الكلام إلى معنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها = إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، إلا ما يبين لكم من وحشيها, غيرَ مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم.

فتكون " غير " منصوبة، على قولهم، على الحال من " الكاف والميم " في قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ .

*ذكر من قال ذلك: 10935- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبيد الله, عن أبي جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس قال: جلسنا إلى مطرِّف بن الشخير، وعنده رجل, فحدّثهم فقال: " أحلت لكم بهيمة الأنعام " صيدًا =" غير محلي الصيد وأنتم حرم ", فهو عليكم حرام.

يعني: بقر الوحش والظباءَ وأشباهه.

(61) 10936- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم "، قال: الأنعام كلها حِلٌّ، إلا ما كان منها وحشيًّا, فإنه صيد, فلا يحل إذا كان مُحْرِمًا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب = على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، من أنها الأنعام وأجنَّتها وسخالها, وعلى دلالة ظاهر التنـزيل = قولُ من قال: معنى ذلك: أوفوا بالعقود، غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم, فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم, إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم، وما أهل لغير الله به.

وذلك أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، لو كان معناه: " إلا الصيد ", لقيل: " إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه ".

وفي ترك الله وَصْلَ قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ بما ذكرت, وإظهار ذكر الصيد في قوله: " غير محلي الصيد "، أوضحُ الدليل على أن قوله: إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، خَبَرٌ متناهية قصته, وأن معنى قوله: " غير محلي الصيد "، منفصل منه.

وكذلك لو كان قوله: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ ، مقصودًا به قصد الوحش, لم يكن أيضًا لإعادة ذكر الصيد في قوله: " غير محلي الصيد " وَجْهٌ، وقد مضى ذكره قبل, ولقيل: " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلِّيه وأنتم حرم ".

وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله: " غير محلي الصيد "، أبينُ الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك.

* * * فإن قال قائل: فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه؟

قيل: ذلك من فعلها ضرورة شعر, وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم.

وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نـزل كلامه بلغته، أولى = ما وُجد إلى ذلك سبيل = من صرفه إلى غير ذلك.

* * * قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم مما حرّم وأحلّ, لا محلين الصيد في حرمكم, ففيما أحلَّ لكم من بهيمة الأنعام المذكَّاة دون ميتتها، متَّسع لكم ومستغنًى عن الصيد في حال إحرامكم.

* * * القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: إن الله يقضي في خلقه ما يشاء (62) من تحليل ما أراد تحليله, وتحريم ما أراد تحريمه, وإيجاب ما شاء إيجابه عليهم, وغير ذلك من أحكامه وقضاياه = فأوفوا، أيها المؤمنون، له بما عقدَ عليكم من تحليل ما أحل لكم وتحريم ما حرّم عليكم, وغير ذلك من عقوده، فلا تنكثوها ولا تنقضوها.

كما:- 10937- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إن الله يحكم ما يريد "، إن الله يحكم ما أراد في خلقه, وبيّن لعباده, وفرض فرائضه, وحدَّ حدوده, وأمر بطاعته, ونهى عن معصيته.

------------------ الهوامش : (47) في المطبوعة: "الألوهية" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(48) انظر تفسير"أوفى" فيما سلف 1: 557/3: 348/6: 526.

(49) الأثر: 10896- في المخطوطة: "حدثنا سفيان قال ، حدثنا ابن أبي سفيان ، عن رجل..." وهو خطأ وسهو ، وهو إسناد دائر في التفسير: سفيان بن وكيع ، عن أبيه وكيع ، عن سفيان الثوري.

(50) الأثر: 10897-"عبيد الله" ، هو"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي""باذام" ، مضت ترجمته برقم: 2092 ، 2219 ، 5796 ، 7758.

وكان في المطبوعة هنا: "عبيد الله عن ابن أبي جعفر الرازي" ، وهو خطأ سيأتي على الصواب في الأسانيد التالية رقم: 10935 ، 10957 ، 10963.

(51) ديوانه: 6 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 145 ، اللسان (كرب) (عنج) ، من قصيدته التي قالها في الزبرقان بن بدر ، وبغيض بن عامر من بني أنف الناقة ، فمدح بغيضًا وقومه فقال: قَـوْمٌ هُـمُ الأَنْـفُ، وَالأَذْنَـابُ غَيْرهُمُ، وَمَـنْ يُسَـوِّي بِـأَنْفِ النَّاقَـةِ الذَّنَبَـا!

قَــوْمٌ يَبِيـتُ قَرِيـرَ العَيْـنِ جَـارُهُمُ إذَا لَــوَى بقُــوَى أَطْنَـابِهِمْ طُنُبَـا قَـــــوْمٌ إذَا عَقَــــدُوا........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

هذا مثل ضربه يقول: إذا عقدوا للجار عقدًا وذمامًا ، أحكموا على أنفسهم العقد ، حتى يكون أقر عينًا بنصرتهم له ، وحمايتهم لعرضه وماله.

وضرب المثل بالدلو ، التي يستقي بها وينتفع.

و"العناج": خيط يشد في أسفل الدلو ، ثم يشد في عروتها ، أو في أحد آذانها ، فإذا انقطع حبل الدلو ، أمسك العناج الدلو أن تقع في البئر.

و"الكرب" الحبل الذي يشد على الدلو بعد"المنين" وهو الحبل الأول ، فإذا انقطع المنين بقي الكرب.

فهذا هو المثل ، استوثقوا له بالعهد ، كما استوثقوا لدلوه بالحبل بعد الحبل حتى تكون بمأمن من القطع.

(52) الأثر 10912-"عتبة بن سعيد الحمصي" مضى برقم: 8966.

(53) في المطبوعة: "بعثه إلى نجران" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(54) الأثر: 10914- روى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو جعفر في التاريخ 3: 157 ، وهو في سيرة ابن هشام 4: 241 ، وفتوح البلدان للبلاذري: 77 ، وغيرها.

(55) انظر تفسير"أوفى" فيما سلف 1: 557-559/3: 348/6: 526.

(56) سقط من الترقيم ، رقم: 10919.

(57) "السخال" جمع"سخلة" (بفتح فسكون): وهي ولد الشاة من المعز والضأن ، ذكرًا كان أو أنثى.

(58) انظر تفسير"الأنعام" فيما سلف 6: 254.

(59) هي مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 298.

(60) انظر معاني القرآن للفراء 1: 298.

(61) انظر الإسناد السالف رقم: 10897 ، وكان هناك عن"ابن أبي جعفر الرازي" ، وهذا هو الإسناد الصحيح ، صححت ذلك عليه.

وسيأتي برقم: 10957 ، 10963.

(62) انظر تفسير"حكم" فيما سلف: ص 324: تعليق: 3.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

بسم الله الرحمن الرحيمسورة المائدةرب يسر بحول الله تعالى وقوتهوهي مدنية بإجماع ، وروي أنها نزلت منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية .

وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال : لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال : يا علي أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة .

قال ابن العربي : هذا حديث موضوع لا يحل لمسلم اعتقاده ; أما إنا نقول : سورة " المائدة ، ونعمت الفائدة " فلا نأثره عن أحد ولكنه كلام حسن .وقال ابن عطية : وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب .

ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع ، ومنها ما أنزل عام الفتح وهو قوله تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم الآية .

وكل ما أنزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني ، سواء نزل بالمدينة أو في سفر من الأسفار ، وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة .وقال أبو ميسرة : " المائدة " من آخر ما نزل ليس فيها منسوخ ، وفيها ثمان عشرة فريضة ليست في غيرها ; وهي : المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ، وما علمتم من الجوارح مكلبين ، وطعام الذين أوتوا الكتاب ، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، وتمام الطهور إذا قمتم إلى الصلاة ، والسارق والسارقة ، لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم إلى قوله : [ ص: 4 ] عزيز ذو انتقام و ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ، وقوله تعالى : شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت الآية .قلت : وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله جل وعز : وإذا ناديتم إلى الصلاة ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة ، أما ما جاء في سورة " الجمعة " فمخصوص بالجمعة ، وهو في هذه السورة عام لجميع الصلوات ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ سورة " المائدة " في حجة الوداع وقال : يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها ونحوه عن عائشة رضي الله عنها موقوفا ; قال جبير بن نفير : دخلت على عائشة رضي الله عنها فقالت : هل تقرأ سورة " المائدة " ؟

فقلت : نعم ، فقالت : فإنها من آخر ما أنزل الله ، فما وجدتم فيها من حلال فأحلوه وما وجدتم فيها من حرام فحرموه ، وقال الشعبي : لم ينسخ من هذه السورة إلا قوله : ولا الشهر الحرام ولا الهدي الآية ، وقال بعضهم : نسخ منها أو آخران من غيركم .بسم الله الرحمن الرحيمياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريدفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا قال علقمة : كل ما في القرآن ( يا أيها الذين آمنوا ) فهو مدني ، و ( يا أيها الناس ) فهو مكي ; وهذا خرج على الأكثر ، وقد تقدم ، وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام ; فإنها تضمنت خمسة أحكام :الأول : الأمر بالوفاء بالعقود .الثاني : تحليل بهيمة الأنعام .الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك .الرابع : استثناء حال الإحرام فيما يصاد .الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد [ ص: 5 ] لمن ليس بمحرم .

وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن .

فقال : نعم !

أعمل مثل بعضه ; فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد ; إني فتحت المصحف فخرجت سورة " المائدة " فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاما ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلا في أجلاد .الثانية : قوله تعالى : أوفوا يقال : وفى وأوفى لغتان : قال الله تعالى : ومن أوفى بعهده من الله ، وقال تعالى : وإبراهيم الذي وفى وقال الشاعر ( هو طفيل الغنوي ) :أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديهافجمع بين اللغتين .بالعقود : العقود الربوط ، واحدها عقد ; يقال : عقدت العهد والحبل ، وعقدت العسل فهو يستعمل في المعاني والأجسام ; قال الحطيئة :قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم شدوا العناج وشدوا فوقه الكربافأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود ; قال الحسن : يعني بذلك عقود الدين وهي ما عقده المرء على نفسه ; من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير وغير ذلك من الأمور ، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة ; وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات ، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام ، وأما نذر المباح فلا يلزم بإجماع من الأمة ; قاله ابن العربي .

ثم قيل : إن الآية نزلت في أهل الكتاب ; لقوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه .

قال ابن جريج : هو خاص بأهل الكتاب وفيهم نزلت ، وقيل : هي عامة وهو الصحيح ; فإن لفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب ; لأن بينهم وبين الله عقدا في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ; فإنهم مأمورون بذلك في قوله : أوفوا بالعقود وغير موضع .

قال ابن عباس : أوفوا بالعقود معناه بما أحل وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء ; وكذلك قال مجاهد وغيره ، وقال ابن شهاب : قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره : ( هذا بيان للناس من الله ورسوله [ ص: 6 ] يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود فكتب الآيات فيها إلى قوله : إن الله سريع الحساب ) .

وقال الزجاج : المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض ، وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب ; قال صلى الله عليه وسلم : المؤمنون عند شروطهم وقال : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله أي : دين الله ; فإن ظهر فيها ما يخالف رد ; كما قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .

ذكر ابن إسحاق قال : اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان - لشرفه ونسبه - فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ; فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، وهو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعي به في الإسلام لأجبت ، وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام : وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة لأنه موافق للشرع إذ أمر بالانتصاف من الظالم ; فأما ما كان من عهودهم الفاسدة وعقودهم الباطلة على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام والحمد لله .

قال ابن إسحاق : تحامل الوليد بن عتبة على الحسين بن علي في مال له - لسلطان الوليد ; فإنه كان أميرا على المدينة - فقال له الحسين : أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن بسيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول .

قال عبد الله بن الزبير : وأنا أحلف بالله لئن دعاني لآخذن بسيفي ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه أو نموت جميعا ; وبلغت المسور بن مخرمة فقال مثل ذلك ; وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك ; فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه .الثالثة : قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام الخطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله ; وكانت للعرب سنن في الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، يأتي بيانها ; فنزلت هذه الآية رافعة لتلك الأوهام الخيالية ، والآراء الفاسدة الباطلية ، واختلف في معنى بهيمة الأنعام والبهيمة اسم لكل ذي أربع ; سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها ; ومنه باب مبهم أي : مغلق ، وليل بهيم ، وبهمة للشجاع الذي لا يدرى من أين يؤتى له .

والأنعام : الإبل والبقر والغنم ، سميت بذلك للين مشيها ; [ ص: 7 ] قال الله تعالى : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع إلى قوله : وتحمل أثقالكم ، وقال تعالى : ومن الأنعام حمولة وفرشا يعني كبارا وصغارا ; ثم بينها فقال : ثمانية أزواج إلى قوله : أم كنتم شهداء وقال تعالى : وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها يعني الغنم ( وأوبارها ) يعني الإبل ( وأشعارها ) يعني المعز ; فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن اسم الأنعام لهذه الأجناس ; الإبل والبقر والغنم ; وهو قول ابن عباس والحسن .

قال الهروي : وإذا قيل النعم فهو الإبل خاصة ، وقال الطبري : وقال قوم بهيمة الأنعام وحشيها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك ، وذكره غير الطبري عن السدي والربيع وقتادة والضحاك ، كأنه قال : أحلت لكم الأنعام ، فأضيف الجنس إلى أخص منه .

قال ابن عطية : وهذا قول حسن ; وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج ، وما انضاف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها ، وكأن المفترس كالأسد وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام ; فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع .قلت : فعلى هذا يدخل فيها ذوات الحوافر لأنها راعية غير مفترسة وليس كذلك ; لأن الله تعالى قال : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ثم عطف عليها قوله : والخيل والبغال والحمير فلما استأنف ذكرها وعطفها على الأنعام دل على أنها ليست منها ; والله أعلم ، وقيل : بهيمة الأنعام ما لم يكن صيدا ; لأن الصيد يسمى وحشا لا بهيمة ، وهذا راجع إلى القول الأول .

وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال : بهيمة الأنعام الأجنة التي تخرج عند الذبح من بطون الأمهات ; فهي تؤكل دون ذكاة ، وقاله ابن عباس وفيه بعد ; لأن الله تعالى قال : إلا ما يتلى عليكم وليس في الأجنة ما يستثنى ; قال مالك : ذكاة الذبيحة ذكاة لجنينها إذا لم يدرك حيا وكان قد نبت شعره وتم خلقه ; فإن لم يتم خلقه ولم ينبت شعره لم يؤكل إلا أن يدرك حيا فيذكى ، وإن بادروا إلى تذكيته فمات بنفسه ، فقيل : هو ذكي ، وقيل : ليس بذكي ; وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .الرابعة : قوله تعالى : إلا ما يتلى عليكم أي : يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله [ ص: 8 ] تعالى : حرمت عليكم الميتة وقوله عليه الصلاة والسلام : وكل ذي ناب من السباع حرام .

فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب ليس السنة ; قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي من كتاب الله ; والدليل عليه أمران :أحدهما : حديث العسيف ( لأقضين بينكما بكتاب الله ) والرجم ليس منصوصا في كتاب الله .الثاني : حديث ابن مسعود : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ; الحديث ، وسيأتي في سورة " الحشر " .

ويحتمل إلا ما يتلى عليكم الآن أو " ما يتلى عليكم " فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ; فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .الخامسة : قوله تعالى : غير محلي الصيد أي : ما كان صيدا فهو حلال في الإحلال دون الإحرام ، وما لم يكن صيدا فهو حلال في الحالين .

واختلف النحاة في إلا ما يتلى هل هو استثناء أو لا ؟

فقال البصريون : هو استثناء من بهيمة الأنعام و غير محلي الصيد استثناء آخر أيضا منه ; فالاستثناءان جميعا من قوله : بهيمة الأنعام وهي المستثنى منها ; التقدير : إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون ; بخلاف قوله : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط على ما يأتي ، وقيل : هو مستثنى مما يليه من الاستثناء ; فيصير بمنزلة قوله عز وجل : إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ولو كان كذلك لوجب إباحة الصيد في الإحرام ; لأنه مستثنى من المحظور إذ كان قوله تعالى : إلا ما يتلى عليكم مستثنى من الإباحة ; وهذا وجه ساقط ; فإذا معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد وأنتم حرم إلا ما يتلى عليكم سوى الصيد ، ويجوز أن يكون معناه أيضا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ، وأجاز الفراء أن يكون إلا ما يتلى عليكم في موضع رفع على البدل على أن يعطف بإلا كما يعطف بلا ; ولا يجيزه البصريون إلا في النكرة أو ما قاربها من أسماء الأجناس نحو جاء القوم إلا زيد ، والنصب عنده بأن غير محلي الصيد نصب على الحال مما في أوفوا ; قال الأخفش : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد ، وقال غيره : حال من الكاف والميم في لكم والتقدير : أحلت لكم بهيمة الأنعام غير محلي الصيد .

ثم قيل : يجوز أن يرجع الإحلال إلى الناس ، أي : لا تحلوا الصيد في [ ص: 9 ] حال الإحرام ، ويجوز أن يرجع إلى الله تعالى أي : أحللت لكم البهيمة إلا ما كان صيدا في وقت الإحرام ; كما تقول : أحللت لك كذا غير مبيح لك يوم الجمعة .

فإذا قلت يرجع إلى الناس فالمعنى : ( غير محلين الصيد ) ، فحذفت النون تخفيفا .السادسة : قوله تعالى : وأنتم حرم يعني الإحرام بالحج والعمرة ; يقال : رجل حرام وقوم حرم إذا أحرموا بالحج ; ومنه قول الشاعر :فقلت لها فيئي إليك فإنني حرام وإني بعد ذاك لبيبأي : ملب ، وسمي ذلك إحراما لما يحرمه من دخل فيه على نفسه من النساء والطيب وغيرهما ، ويقال : أحرم دخل في الحرم ; فيحرم صيد الحرم أيضا ، وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب " حرم " بسكون الراء ; وهي لغة تميمية يقولون في رسل : رسل وفي كتب كتب ونحوه .السابعة : قوله تعالى : إن الله يحكم ما يريد تقوية لهذه الأحكام الشرعية المخالفة لمعهود أحكام العرب ; أي : فأنت يا محمد السامع لنسخ تلك التي عهدت من أحكامهم تنبه ، فإن الذي هو مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه يشرع ما يشاء كما يشاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود، أي: بإكمالها، وإتمامها، وعدم نقضها ونقصها.

وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه، من التزام عبوديته، والقيام بها أتم قيام، وعدم الانتقاص من حقوقها شيئا، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم وصلتهم، وعدم قطيعتهم.

والتي بينه وبين أصحابه من القيام بحقوق الصحبة في الغنى والفقر، واليسر والعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملات، كالبيع والإجارة، ونحوهما، وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، بل والقيام بحقوق المسلمين التي عقدها الله بينهم في قوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ْ} بالتناصر على الحق، والتعاون عليه والتآلف بين المسلمين وعدم التقاطع.

فهذا الأمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخلة في العقود التي أمر الله بالقيام بها ثم قال ممتنا على عباده: { أُحِلَّتْ لَكُمْ ْ} أي: لأجلكم، رحمة بكم { بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ْ} من الإبل والبقر والغنم، بل ربما دخل في ذلك الوحشي منها، والظباء وحمر الوحش، ونحوها من الصيود.

واستدل بعض الصحابة بهذه الآية على إباحة الجنين الذي يموت في بطن أمه بعدما تذبح.

{ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ْ} تحريمه منها في قوله: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ْ} إلى آخر الآية.

فإن هذه المذكورات وإن كانت من بهيمة الأنعام فإنها محرمة.

ولما كانت إباحة بهيمة الأنعام عامة في جميع الأحوال والأوقات، استثنى منها الصيد في حال الإحرام فقال: { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ْ} أي: أحلت لكم بهيمة الأنعام في كل حال، إلا حيث كنتم متصفين بأنكم غير محلي الصيد وأنتم حرم، أي: متجرئون على قتله في حال الإحرام، وفي الحرم، فإن ذلك لا يحل لكم إذا كان صيدا، كالظباء ونحوه.

والصيد هو الحيوان المأكول المتوحش.

{ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ْ} أي: فمهما أراده تعالى حكم به حكما موافقا لحكمته، كما أمركم بالوفاء بالعقود لحصول مصالحكم ودفع المضار عنكم.

وأحل لكم بهيمة الأنعام رحمة بكم، وحرم عليكم ما استثنى منها من ذوات العوارض، من الميتة ونحوها، صونا لكم واحتراما، ومن صيد الإحرام احتراما للإحرام وإعظاما.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

سورة المائدة مائة وعشرون آية ، نزلت بالمدينة كلها إلا قوله : ( اليوم أكملت لكم دينكم ) الآية ، فإنها نزلت بعرفات .

بسم الله الرحمن الرحيم روي عن أبي ميسرة قال : أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم ينزلها في غيرها ، قوله : ( والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ( وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) وتمام الطهور في قوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة ( والسارق والسارقة ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) الآية ، ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) وقوله : ( شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) .

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) أي بالعهود ، قال الزجاج : هي أوكد العهود ، يقال : عاقدت فلانا وعقدت عليه أي : ألزمته ذلك باستيثاق ، وأصله من عقد الشيء بغيره ووصله به ، كما يعقد الحبل بالحبل [ إذا وصل ] .

واختلفوا في هذه العقود ، قال ابن جريج : هذا خطاب لأهل الكتاب ، يعني : يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس " ( سورة آل عمران ، 187 ) .

وقال الآخرون : هو عام ، وقال قتادة : أراد بها الحلف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : هي عهود الإيمان والقرآن ، وقيل : هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم .

( أحلت لكم بهيمة الأنعام ) قال الحسن وقتادة : هي الأنعام كلها ، وهي الإبل والبقر والغنم ، وأراد تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام .

وروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : بهيمة الأنعام هي الأجنة ، ومثله عن الشعبي قال : هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذبحت أو نحرت ، ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله .

[ قال الشيخ الإمام ] قرأت على أبي عبد الله محمد بن الفضل الخرقي فقلت : قرئ على أبي سهل محمد بن عمر بن طرفة وأنت حاضر ، فقيل له : حدثكم أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا هشيم عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال : قلنا : يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله؟

فقال : " كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه " .

وروى أبو الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ذكاة الجنين ذكاة أمه " .

وشرط بعضهم الإشعار ، قال ابن عمر : ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره ، ومثله عن سعيد بن المسيب .

وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة الأم .

وقال الكلبي : بهيمة الأنعام : وحشيها ، وهي الظباء وبقر الوحش ، سميت بهيمة لأنها أبهمت عن التمييز ، وقيل : لأنها لا نطق لها ، ( إلا ما يتلى عليكم ) أي : ما ذكر في قوله : " حرمت عليكم الميتة " إلى قوله : " وما ذبح على النصب " ، ( غير محلي الصيد ) وهو نصب على الحال ، أي : لا محلي الصيد ، ومعنى الآية : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام ، فذلك قوله تعالى : ( وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود» العهود المؤكدة التي بينكم وبين الله والناس «أحلت لكم بهيمة الأنعام» الإبل والبقر والغنم أكلاً بعد الذبح «إلا ما يتلى عليكم» تحريمه في (حُرمت عليكم الميتة) الآية فالاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا والتحريم لما عرض من الموت ونحوه «غيرَ محلي الصيد وأنتم حرم» أي محرمون ونصب غير على الحال من ضمير لكم «إن الله يحكم ما يريد» من التحليل وغيره لا اعترض عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، أتِمُّوا عهود الله الموثقة، من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها، وأَدُّوا العهود لبعضكم على بعض من الأمانات، والبيوع وغيرها، مما لم يخالف كتاب الله، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد أحَلَّ الله لكم البهيمة من الأنعام، وهي الإبلُ والبقر والغنم، إلا ما بيَّنه لكم من تحريم الميتة والدم وغير ذلك، ومن تحريم الصيد وأنتم محرمون.

إن الله يحكم ما يشاء وَفْق حكمته وعدله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله : ( أَوْفُواْ ) من الإِيفاء .

ومعناه : الإِتيان بالشيء وافياً تاماً لا نقص فيه ، ولا نقض معه .

يقال وفي بالعهد وأوفى به إذا أدى ما التزم به .قال صاحب الكشاف : ورد في الكتاب العزيز ( وفى ) بالتضعيف في قوله - تعالى - : ( وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ) .

وورد " أوفى " كثيراً .

ومنه ( أَوْفُواْ بالعقود ) .

وأما ( وفى ) ثلاثياً فلم يرد إلا في قوله - تعالى - : ( وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ) لأنه بني أفعل التفضيل من " وفى " : إذ لا يبنى إلا من ثلاثي " .والعقود : جمع عقد - بفتح العين - .

وهو العهد الموثق .قال الراغب : الجمع بين أطراف الشيء .

ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل ، وعقد البناء .

ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما : فيقال : عاقدته ، وعقدته ، وتعاقدنا .وهو مصدر استعمل اسماً فجمع نحو .

( أَوْفُواْ بالعقود ) .وقد فرق بعضهم بين العقد والعهد فقال : " والعقود جمع عقد وهو بمعنى المعقود وهو أوكد العهود .

والفرق بين العقد والعهد أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ، ولا يكون إلا بين متعاقدين .

والعهد قد ينفرد به الواحد .

فكل عقد عهد ولا يكون كل عهد عقدا " .والمراد بالعقود هنا : ما يشمل العقود التي عقدها الله علينا وألزمنا بها من الفرائض والواجبات والمندوبات ، وما يشمل العقود التي تقع بين الناس بعضهم مع بعض في معاملاتهم المتنوعة وما يشمل العهود التي يقطعها الإِنسان على نفسه ، والتي لا تتنافى مع شريعة الله - تعالى - .وبعضهم يرى أن المراد بالعقود هنا : ما يتعاقد عليه الناس فيما بينهم كعقود البيع وعقود النكاح .وبعضهم يرى أن المراد بها هنا : العهود التي كانت تؤخذ في الجاهلية على النصرة والمؤازرة للمظلوم حتى ينال حقه .والأول لأنه أولى أليق بعموم اللفظ ، إذ هو جمع محلى بأل المفيدة للجنس وأوفى بعموم الفائدة .قال القرطبي : والمعنى : أوفوا بعقد الله عليكم ، وبعقدكم بعضكم على بعض .

وهذا كله راجع إلى القول بالعمم وهو الصحيح في الباب .

قال - صلى الله عليه وسلم : " المؤمنون عند شروطهم " وقال : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط " .فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله : أي : دين الله .

فإن ظهر فيها ما يخالف رد ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .والبهيمة : اسم لذوات الأربع من دواب البر والبحر .قال الفخر الرازي : قالوا كل حي لا عقل له فهو بهيمة من قولهم : استبهم الأمر على فلان إذا أشكل عليه .وهذا باب مبهم أي : مسدود الطريق .

ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر " .والأنعام جمع نعم - بفتحتين - وأكثر ما يطلق على الإِبل ، لأنها أعظم نعمة عند العرب .والمراد بالأنعام هنا : ما يشمل الإِبل والبقر والغنم ويلحق بها كل حيوان أو طير يتغذى من النبات ، ولم يرد نص بتحريمه فيدخل الظبي وحمار وغيرهما من آكلات العشب ، كما تدخل الطيور غير الجارحة وإضافة البهيمة إلى الأنعام إضافة بيانية من إضافة الجنس إلى ما هو أخص منه كشجر الأراك ، وثوب الخز .أي : أحل الله لكم أيها المؤمنون الانتفاع ببهيمة الأنعام .

وهذا الانتفاع بلحمها وجلدها وعظمها وصوفها وما أشبه ذلك مما أحله الله منها .وقال الآلوسي ما ملخصه : وقال غير واحد : البهيمة اسم لكل ذات أربع من دواب البر والبحر .

وإضافتها إلى الأنعام للبيان كثوب خز .

أي : أحل لكم أكل البهيمة من الأنعام .وهي الأزواج الثمانية المذكورة في سورتها .وأفردت البهيمة لإرادة الجنس : وجزع الأنعام ليشمل أنواعها .

وألحق بها الظباء وبقر الوحش .

وقيل : هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب .وإضافتها إلى الأنعام حينئذ لملابسة المشابهة بينهما .وقيل : المراد ببهيمة الأنعام : ما يخرج من بطونها من الأجنة بعد ذكاتها وهي ميتة ، فيكون مفاد الآية صريحاً حل أكلها .

وبه قال الشافعي .وقوله : ( إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ) أي يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله - تعالى - في الآية الثالثة من السورة نفسها - ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ) إلخ وقوله صلى الله عليه وسلم " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام " .فإن قيل : الذي يتلى علينا الكتاب وليس السنة؟

قلنا : كل سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهي كتاب الله .

والدليل عليه أمران :أحدهما : حديث العسيف " لأقضين بينكما بكتاب الله " والرجم ليس منصوصاً عليه في كتاب الله .الثاني : حديث عبد الله بن مسعود : " ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله " .ويحتمل : ألا ما يتلى عليكم الآن .

أو ما يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون فيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة .وقوله : ( غَيْرَ مُحِلِّي الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) بيان لما حرم عليهم في أحوال معينة ، وبسبب أمور اقترنت به .وقوله : ( حُرُمٌ ) جمع حرام .

يقال .

أحرم الرجل فهو محرم وحرام وهم حرم .وقوله : ( مُحِلِّي ) جمع محل بمعنى مستحل .

والصيد مصدر بمعنى الاصطياد .

أو اسم للحيوان المصيد .وقوله : ( غَيْرَ مُحِلِّي الصيد ) حال من الضمير في ( لَكُمْ ) .وقوله : ( وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ) حال من الضمير في ( مُحِلِّي ) .والمعنى : يأأيها الذين آمنوا كونوا أوفياء بعهودكم مع الله ومع أنفسكم ومع غيركم ، فقد أحل الله - تعالى - بهيمة الأنعام لتنتفعوا بها فضلا منه وكرما ، إلا أنه - سبحانه - حرم عليكم أشياء رحمة بكم فاجتنبوها .

كما حرم عليكم الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة ، سواء أكنتم في الحل أم كنتم في الحرم ، ويدخل في حكم المحرم من كان في الحرم وليس محرما .وذلك لأن المحرم أو من كان في أرض الحرم يجب عليه أن يكون مشتغلا بما يرضى الله ، وأن يحترم هذه الأماكن المقدسة التي جعلها الله أماكن أمان ، واطمئنان وعبادة لله رب العالمين .وقد دعا الله - تعالى - المؤمنين إلى الوفاء بالعقود وناداهم بوصف الإِيمان ، ليحثهم على امتثال ما كلفهم به ، لأن الشأن في المؤمن أن يمتمثل لما أمره الله به أو لما نهاه عنه .روى ابن أبي حاتم ، أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود فقال : اعهد إلى .

فقال له : إذا سمعت الله يقول ( يَا أَيُّهَا الذين ) فارعها سمعك فإنك خير يأمر به ، أو شر ينهى عنه وقوله : ( إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيد ) تذييل قصد به بيان مشيئة الله النافذة ، وإرادته الشاملة ، وحكمه الذي لا يعقب عليه معقب .أي : إن الله يحكم بما يريد أن يحكم به من الأحكام التي تتعلق بالحلال وبالحرام وبغيرهما ، بمقتضى مشيئته المبنية على الحكم البالغة ، دون أن ينازعه منازع ، أو يعارضه معارض ، فاستجيبوا - أيها المؤمنون - لحكمة لتنالوا السعادة في الدنيا والآخرة .هذا ، وقد أخذا العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب الوفاء بالعهود التي شرعها الله - تعالى - وهذا المعنى ترى سورة المائدة زاخرة به في كثير من آياتها .فأنت ترى في مطلعها هذه الآية الكريمة التي تحض على الوفاء بالعقود ، ثم ترى الآية الثانية منها تنهى عن الإخلال بشيء من شعائر الله ، ثم تراها بعد ذلك بقليل تذكر المؤمنين بنعم الله عليهم وبميثاقه الذي أوثقهم به : ( واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ ) ثم تحكى أن من الأسباب التي أدت إلى طرد بني إسرائيل من رحمة الله ، نقضهم لمواثيقهم .

( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ ) وهكذا نرى السورة الكريمة حافلة بالتوجيهات التي تحض المؤمنين على التزام العهود والموثيق التي شرعها الله وتحذرهم عاقبة إهمالها ، أو الإِخلال بشيء منها .كما أخذا العلماء منها حل بهيمة الأنعام من جهة الانتفاع بلحومها وجلودها وأصوافها .وحرمة ما حرم الله - تعالى - منها في مواطن أخرى .كما أخذوا منها حرمة الاصطياد أو الانتفاع بالمصيد على من كان محرما بحج أو عمرة ، وعلى من كان في أرض الحرم ولو لم يكن محرما .قال القرطبي : وهذه الآية تلوح فصاحتها .وكثرة معانيها على قلة ألفاظها لكل ذي بصيرة بالكلام فإنه تضمنت خمسة أحكام :الأول : الأمر بالوفاء بالعقود .الثاني : تحليل بهيمة الأنعام .الثالث : استثناء ما يلي بعد ذلك .الرابع : استثناء حال الإِحرام فيما يصاد .الخامس : ما تقتضيه الآية من إباحة الصيد لمن ليس بمحرم .وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا له : أيها الحكيم اعمل لنا شيئاً مثل هذا القرآن فقال : نعم أعمل مثل بعضه .

فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال : والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد .

إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة .

فنظرت فإذا هو نطق بالوفاء ونهى عن النكث ، وحلل تحليلا عاماً ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: يقال: وفى بالعهد وأوفى به، ومنه ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ  ﴾ والعقد هو وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والأحكام، والعهد إلزام، والعقد التزام على سبيل الأحكام، ولما كان الإيمان عبارة عن معرفة الله تعالى بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله وكان من جملة أحكامه أنه يجب على جميع الخلق إظهار الانقياد لله تعالى في جميع تكاليفه وأوامره ونواهيه فكان هذا العقد أحد الأمور المعتبرة في تحقق ماهية الإيمان، فلهذا قال: ﴿ عَلِيمٌ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ يعني يا أيها الذين التزمتم بإيمانكم أنواع العقود والعهود في إظهار طاعة الله أوفوا بتلك العقود، وإنما سمى الله تعالى هذه التكاليف عقوداً كما في هذه الآية لأنه تعالى ربطها بعباده كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.

واعلم أنه تعالى تارة يسمي هذه التكاليف عقوداً كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان  ﴾ وتارة عهوداً، قال تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله إِذَا عاهدتم وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان  ﴾ وحاصل الكلام في هذه الآية أنه أمر بأداء التكاليف فعلاً وتركاً.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا، وقال أبو حنيفة رحمه الله: بل يصح.

حجة أبي حنيفة أنه نذر الصوم والذبح فيلزمه الصوم والذبح، بيان الأول أنه نذر صوم يوم العيد، ونذر ذبح الولد، وصوم يوم العيد ماهية مركبة من الصوم ومن وقوعه في يوم العيد، وكذلك ذبح الولد ماهية مركبة من الذبح ومن وقوعه في الولد، والآتي بالمركب يكون آتياً بكل واحد من مفرديه، فملتزم صوم يوم العيد وذبح الولد يكون لا محالة ملتزماً للصوم والذبح.

إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يجب عليه الصوم والذبح لقوله تعالى: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ ولقوله: ﴿ يُوفُونَ بالنذر  ﴾ ولقوله عليه الصلاة والسلام: «ف بنذرك».

أقصى ما في الباب أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد، وفي خصوص كون الذبح واقعاً في الولد، إلاّ أن العام بعد التخصيص حجة.

وحجة الشافعي رحمه الله: أن هذا نذر في المعصية فيكون لغواً لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نذر في معصية الله».

المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة رحمه الله: خيار المجلس غير ثابت، وقال الشافعي رحمه الله: ثابت، حجة أبي حنيفة أنه لما انعقد البيع والشراء وجب أن يحرم الفسخ، لقوله تعالى: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ وحجة الشافعي تخصيص هذا العموم بالخبر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: المتبايعان بالخيار كل واحد منهما ما لم يتفرقا المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة رحمه الله: الجمع بين الطلقات حرام، وقال الشافعي رحمه الله: ليس بحرام، حجة أبي حنيفة أن النكاح عقد من العقود لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح  ﴾ فوجب أن يحرم رفعه لقوله تعالى: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى فيما عداها على الأصل، والشافعي رحمه الله خصص هذا العموم بالقياس، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يرحم.

قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما قرر بالآية الأولى على جميع المكلفين أنه يلزمهم الانقياد لجميع تكاليف الله تعالى، وذلك كالأصل الكلي والقاعدة الجميلة، شرع بعد ذلك في ذكر التكاليف المفصلة، فبدأ بذكر ما يحل وما يحرم من المطعومات فقال: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قالوا: كل حي لا عقل له فهو بهيمة، من قولهم: استبهم الأمر على فلان ءذا أشكل، وهذا باب مبهم أي مسدود الطريق، ثم اختص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم، قال تعالى: ﴿ والانعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء ﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱلْأَنْعَٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ  وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ  وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ  ﴾ ففرق تعالى بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير.

وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَٰمًا فَهُمْ لَهَا مَٰلِكُونَ  وَذَلَّلْنَٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ وَمِنَ الانعام حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ ثمانية أزواج مّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين ﴾ وإلى قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ  ﴾ قال الواحدي رحمه الله: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء.

إذا عرفت هذا فنقول: في لفظ الآية سؤالات: الأول: أن البهيمة اسم الجنس، والأنعام اسم النوع فقوله: ﴿ بَهِيمَةُ الانعام ﴾ يجري مجرى قول القائل: حيوان الإنسان وهو مستدرك.

الثاني: أنه تعالى لو قال: أحلت لكم الأنعام، لكان الكلام تاماً بدليل أنه تعالى قال في آية أخرى ﴿ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ  ﴾ فأي فائدة في زيادة لفظ البهيمة في هذه الآية.

الثالث: أنه ذكر لفظ البهيمة بلفظ الوحدان، ولفظ الأنعام بلفظ الجمع، فما الفائدة فيه؟

والجواب عن السؤال الأول من وجهين: الأول: أن المراد بالبهيمة وبالأنعام شيء واحد، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان، وهذه الإضافة بمعنى ﴿ مِنْ ﴾ كخاتم فضة، ومعناه البهيمة من الأنعام أو للتأكد كقولنا: نفس الشيء وذاته وعينه.

الثاني: أن المراد بالبهيمة شيء، وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا التقدير ففيه وجهان: الأول: أن المراد من بهيمة الأنعام الظباء وبقر الوحش ونحوها، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لحصول المشابهة.

الثاني: أن المراد ببهيمة الأنعام أجنة الأنعام.

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذا من بهيمة الأنعام.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أجنة الأنعام، وذكاته ذكاة أمه.

واعلم أن هذا الوجد يدل على صحة مذهب الشافعي رحمه الله في أن الجنين مذكى بذكاة الأم.

المسألة الثانية: قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام، والإيلام قبيح، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم، فيمتنع أن يكون الذبح حلالاً مباحاً بحكم الله.

قالوا: والذي يحقق ذلك أن هذه الحيوانات ليس لها قدرة عن الدفع عن أنفسها، ولا لها لسان تحتج على من قصد إيلامها، والإيلام قبيح إلاّ أن إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى هذا الحد أقبح.

واعلم أن فرق المسلمين افترقوا فرقاً كثيرة بسبب هذه الشبهة فقالت المكرمية: لا نسلم أن هذه الحيوانات تتألم عند الذبح، بل لعلّ الله تعالى يرفع ألم الذبح عنها.

وهذا كالمكابرة في الضروريات، وقالت المعتزلة: لا نسلم أن الإيلام قبيح مطلقاً، بل إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحقاً بعوض.

وهاهنا الله سبحانه يعوض هذه الحيوانات في الآخرة بأعواض شريفة، وحينئذ يخرج هذا الذبح عن أن يكون ظلماً، قالوا: والذي يدل على صحة ما قلناه ما تقرر في العقول أنه يحسن تحمل ألم الفصد والحجامة لطلب الصحة، فإذا حسن تحمل الألم القليل لأجل المنفعة العظيمة، فكذلك القول في الذبح.

وقال أصحابنا: إن الاذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله تعالى في ملكه، والمالك لا اعتراض عليه إذا تصرف في ملك نفسه، والمسألة طويلة مذكورة في علم الأصول والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام ﴾ مجملل؛ لأن الإحلال إنما يضاف إلى الأفعال، وهاهنا أضيف إلى الذات فتعذر إجراؤه على ظاهره فلابد من إضمار فعل، وليس إضمار بعض الأفعال أولى من بعض، فيحتمل أن يكون المراد إحلال الانتفاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو لحمها، أو المراد إحلال الانتفاع بالأكل، ولا شك أن اللفظ محتمل للكل فصارت الآية مجملة، إلاّ أن قوله تعالى: ﴿ والانعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء ومنافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  ﴾ دل على أن المراد بقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام ﴾ إباحة الانتفاع بها من كل هذه الوجوه.

واعلم أنه تعالى لما ذكر قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام ﴾ ألحق به نوعين من الاستثناء: الأول: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ واعلم أن ظاهر هذا الاستثناء مجمل، واستثناء الكلام المجمل من الكلام المفصل يجعل ما بقي بعد الاستثناء مجملاً أيضاً، إلاّ أن المفسرين أجمعوا على أن المراد من هذا الاستثناء هو المذكور بعد هده الآية وهو قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وَمَا أَكَلَ السبع إِلاَّ ما ذكيتم وما ذبح على النصب  ﴾ ووجه هذا أن قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام ﴾ يقتضي إحلالها لهم على جميع الوجوه فبيّن الله تعالى أنها إن كانت ميتة، أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو افترسها السبع أو ذبحت على غير اسم الله تعالى فهي محرمة.

النوع الثاني: من الاستثناء قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى لما أحل بهيمة الأنعام ذكر الفرق بين صيدها وغير صيدها، فعرفنا أن ما كان منها صيداً، فإنه حلال في الإحلال دون الإحرام، وما لم يكن صيداً فإنه حلال في الحالين جميعاً والله أعلم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ أي محرمون أي داخلون في الإحرام بالحج والعمرة أو أحدهما، يقال: أحرم بالحج والعمرة فهو محرم وحرم، كما يقال: أجنب فهو مجنب وجنب، ويستوي فيه الواحد والجمع، يقال قوم حرم كما يقال قوم جنب.

قال تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا  ﴾ .

وأعلم أنا إذا قلنا: أحرم الرجل فله معنيان: الأول: هذا، والثاني: أنه دخل الحرم فقوله: ﴿ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ يشتمل على الوجهين، فيحرم الصيد على من كان في الحرم كما يحرم على من كان محرماً بالحج أو العمرة، وهو قول الفقهاء.

المسألة الثالثة: أعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن الصيد حرام على المحرم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا ﴾ فإن ﴿ إِذَا ﴾ للشرط، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، إلا أنه تعالى بيّن في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر، قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً  ﴾ فصارت هذه الآية بياناً لتلك الآيات المطلقة.

المسألة الرابعة: انتصب ﴿ غَيْرِ ﴾ على الحال من قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ ﴾ كما تقول: أحل لكم الطعام غير معتدين فيه.

قال الفرّاء: هو مثل قولك: أحل لك الشيء لا مفرطاً فيه ولا متعدياً، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذا كنتم محرمين.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ والمعنى أنه تعالى أباح الأنعام في جميع الأحوال، وأباح الصيد في بعض الأحوال دون بعض، فلو قال قائل: ما السبب في هذا التفصيل والتخصيص كان جوابه أي يقال: أنه تعالى مالك الأشياء وخالقها فلم يكن على حكمه اعتراض بوجه من الوجوه، وهذا هو الذي يقوله أصحابنا أن علة حسن التكليف هي الربوبية والعبودية لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصالح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

يقال وفى بالعهد وأوفى به ومنه: ﴿ والموفون بعهدهم ﴾ [البقرة: 177] .

والعقد: العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، قال الحطيئة: قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهِم ** شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وهي عقود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من مواجب التكليف.

وقيل: هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتماسحون من المبايعات ونحوها.

والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وأنه كلام قدم مجملاً ثم عقب بالتفصيل وهو قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ ﴾ وما بعده.

البهيمة: كلّ ذات أربع في البرّ والبحر، وإضافتها إلى الأنعام للبيان، وهي الإضافة التي بمعنى (من) كخاتم فضة.

ومعناه: البهيمة من الأنعام ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ إلا محرّم ما يتلى عليكم من القرآن، من نحو قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ ، أوإلا ما يتلى عليكم آية تحريمه.

والأنعام: الأزواج الثمانية.

وقيل: (بهمية الأنعام) الظباء وبقر الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم في الاجترار وعدم الأنياب، فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه ﴿ غَيْرَ مُحِلّى الصيد ﴾ نصب على الحال من الضمير في (لكم) أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد.

وعن الأخفش أن انتصابه عن قوله: ﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ وقوله: ﴿ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ حال عن محلي الصيد، كأنه قيل: أحللنا لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون، لئلا نحرج عليكم ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ من الأحكام، ويعلم أنه حكمة ومصلحة.

والحرم: جمع حرام وهو المحرم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(5 سُورَةُ المائِدَةِ) مَدَنِيَّةٌ وآيُها مِائَةٌ وعِشْرُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ الوَفاءُ هو القِيامُ بِمُقْتَضى العَهْدِ وكَذَلِكَ الإيفاءُ والعَقْدُ العَهْدُ المُوَثَّقُ قالَ الحُطَيْئَةُ: قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَأصْلُهُ الجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ يَعْسُرُ الِانْفِصالُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِالعُقُودِ ما يَعُمُّ العُقُودَ الَّتِي عَقَدَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى عِبادِهِ وألْزَمَها إيّاهم مِنَ التَّكالِيفِ، وما يَعْقِدُونَ بَيْنَهم مِن عُقُودِ الأماناتِ والمُعامَلاتِ ونَحْوَها مِمّا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، أوْ يَحْسُنُ إنْ حَمْلَنا الأمْرَ عَلى المُشْتَرَكِ بَيْنَ الوُجُوبِ والنَّدْبِ.

﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْعُقُودِ، والبَهِيمَةُ كُلُّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ.

وقِيلَ كُلُّ ذاتِ أرْبَعٍ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ كَقَوْلِكَ: ثَوْبُ خَزٍّ، ومَعْناهُ البَهِيمَةُ مِنَ الأنْعامِ.

وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ وأُلْحِقَ بِها الظِّباءُ ويُقِرُّ الوَحْشَ.

وقِيلَ هُما المُرادُ بِالبَهِيمَةِ ونَحْوُهُما مِمّا يُماثِلُ الأنْعامَ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِمُلابَسَةِ الشَّبَهِ.

﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ إلّا مُحَرَّمُ ما يُتْلى عَلَيْكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ أوْ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم تَحْرِيمُهُ.

﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَكم وقِيلَ مِن واوِ أوْفُوا وقِيلَ اسْتِثْناءٌ وفِيهِ تَعَسُّفٌ، والصَّيْدِ يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولِ.

﴿ وَأنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ حالٌ مِمّا اسْتَكَنَّ في مُحِلِّي، وال حُرُمٌ جَمْعُ حَرامٍ وهو المُحَرَّمُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ مِن تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله} جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً وعلماً للنسك به من مواقف الحج ومرامي الجمار والمطاف والمسعى والأفعال التي هي علامات الحاج يعرف بها من الاحرم والطواف والسعي والحلق والنحر {وَلاَ الشهر الحرام} أي أشهر الحج {وَلاَ الهدى} وهو ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله تعالى من النسائك وهو جمع هدية {وَلاَ القلائد} جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء الشجر أو غيره {ولا آمين البيت الحرام} ولا تحلوا قوماً قاصدين المسجد الحرام وهم الحجاج والعمار وإحلال هذه الأشياء أن يتهاونوا بحرمة الشعائر وأن يحال بينها وبين المتنسكين بها وأن يحدثوا في أشهر الحج ما يصدون به الناس عن الحج وأن يتعرضوا للهدى بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله وأما القلائد فجاز أن يراد بها ذوات القلائد وهي البدن وتعطف على الهدى للاختصاص لانها أشرف الهدى كقوله وجبريل وميكال كأنه قيل والقلائد منها خصوصاً وجاز أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي مبالغة في النهي عن التعرض للهدي أي ولا تحلوا قلائدها فضلاً أن تحلوها كما قال وَلاَ يبدين زينتهن فنهى عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها {يَبْتَغُونَ} حال من الضمير في آمين {فَضْلاً مّن رَّبِّهِمْ} أي ثواباً {ورضوانا} وأن يرضى عنهم أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيماً لهم {وَإِذَا حَلَلْتُمْ} خرجتم من الإحرام {فاصطادوا} إباحة للاصطياد بعد حظره عليهم بقوله غير محلي الصيد وأنتم حرم {ولا يجرمنكم شنآن قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ} جرم مثل كسب في تعديته إلى مفعول واحد واثنين تقوم جرم ذنباً نحو

كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وأول المفعولين ضمير المخاطبين والثاني أن تعتدوا وأن صدوكم متعلق بالشنآن بمعنى العلة وهو شدة البغض وبسكون النون شامي وأبو بكر والمعنى ولا يكسبدنكم بعض قوم لأن صدوكم الاعتداء ولا يحملنكم عليه إن صدوكم على الشرط مكي وأبو عمرو ويدل على الجزاء ما قبله وهو لا يجرمنكم ومعنى صدهم إياهم عن المسجد الحرام منع أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة ومعنى الاعتداء الانتقام منهم بإلحاق مكروه بهم {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى} على العفو والاغضاء

المائدة (٢ _ ٣)

{وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان} على الانتقام والتشفي أو البر فعل المأمور والتقوى ترك المحظور والإثم ترك المأمور والعدوان فعل المحظور ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى ولك إثم وعدوان فيتناول بعمومه العفو والانتصار {واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن عصاه وما اتقاه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ المائِدَةِ وتُسَمّى أيْضًا بِالعُقُودِ، والمُنْقِذَةِ، قالَ ابْنُ الفُرْسِ: لِأنَّها تُنْقِذُ صاحِبَها مِن مَلائِكَةِ العَذابِ.

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ بِشْرٍ والشَّعْبِيُّ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ فَإنَّهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ.

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ القُرَظِيِّ قالَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في حَجَّةِ الوَداعِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهو عَلى ناقَتِهِ فانْصَدَعَتْ كَتِفُها، فَنَزَلَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وذَلِكَ مِن ثِقَلِ الوَحْيِ».

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها قالَتِ: «المائِدَةُ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ».

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ آخِرَ سُورَةٍ المائِدَةُ والفَتْحُ» .

وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عَنِ البَراءِ أنَّ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ ( بَراءَةٌ ) ولَعَلَّ كُلًّا ذَكَرَ ما عِنْدَهُ، ولَيْسَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

نَعَمْ، أخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها»» وهو غَيْرُ وافٍ بِالمَقْصُودِ لِمَكانِ ( مِن ).

واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذا الخَبَرِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ مِن هَذِهِ السُّورَةِ شَيْءٌ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِعَدَمِ النَّسْخِ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ، والحَسَنُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَما أخْرَجَ ذَلِكَ عَنْهُما أبُو داوُدَ، وأخْرَجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ مِنها إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَتانِ، آيَةُ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ وادَّعى بَعْضُهم أنَّ فِيها تِسْعَ آياتٍ مَنسُوخاتٍ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وعِدَّةُ آيِها مِائَةٌ وعِشْرُونَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وثَلاثٌ وعِشْرُونَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، واثْنانِ وعِشْرُونَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ اعْتِلاقِها بِسُورَةِ النِّساءِ - عَلى ما ذَكَرَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - أنَّ سُورَةَ النِّساءِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى عِدَّةِ عُقُودٍ صَرِيحًا وضِمْنًا، فالصَّرِيحُ عُقُودُ الأنْكِحَةِ، وعَقْدُ الصَّداقِ، وعَقْدُ الحِلْفِ، وعَقْدُ المُعاهَدَةِ والأمانِ، والضِّمْنِيُّ عَقْدُ الوَصِيَّةِ، والوَدِيعَةِ، والوَكالَةِ، والعارِيَةِ، والإجارَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ الدّاخِلِ في عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ فَناسَبَ أنْ تَعْقُبَ بِسُورَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها النّاس أوْفَوْا بِالعُقُودِ الَّتِي فُرِغَ مِن ذِكْرِها في السُّورَةِ الَّتِي تَمَّتْ، وإنَّ كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا عُقُودٌ.

ووَجْهُ أيْضًا تَقْدِيمِ النِّساءِ وتَأْخِيرِ المائِدَةِ بِأنَّ أوَّلَ تِلْكَ ( يا أيُّها النّاس ) وفِيها الخِطابُ بِذَلِكَ في مَواضِعَ، وهو أشْبَهُ بِتَنْزِيلِ المَكِّيِّ، وأوَّلَ هَذِهِ ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) وفِيها الخِطابُ بِذَلِكَ في مَواضِعَ، وهو أشْبَهُ بِخِطابِ المَدَنِيِّ، وتَقْدِيمُ العامِّ وشِبْهُ المَكِّيِّ أنْسَبُ.

ثُمَّ إنَّ هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ في التَّلازُمِ والِاتِّحادِ نَظِيرَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ، فَتانِكَ اتَّحَدا في تَقْرِيرِ الأُصُولِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والنُّبُوَّةِ ونَحْوِهِما، وهاتانِ في تَقْرِيرِ الفُرُوعِ الحِكْمِيَّةِ.

وقَدْ خُتِمَتِ المائِدَةُ في صِفَةِ القُدْرَةِ كَما افْتُتِحَتِ النِّساءُ بِذَلِكَ، وافْتُتِحَتِ النِّساءُ بِبَدْءِ الخَلْقِ، وخُتِمَتِ المائِدَةُ بِالمُنْتَهى مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، فَكَأنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ اشْتَمَلَتْ عَلى الأحْكامِ مِنَ المَبْدَأِ إلى المُنْتَهى، ولِهَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا اعْتِلاقٌ بِالفاتِحَةِ والزَّهْراوَيْنِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.

﷽ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ الوَفاءُ حِفْظُ ما يَقْتَضِيهِ العَقْدُ والقِيامُ بِمُوجِبِهِ، ويُقالُ: وفى ووَفّى وأوْفى بِمَعْنًى، لَكِنْ في المَزِيدِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في المُجَرَّدِ، وأصْلُ العَقْدِ الرَّبْطُ مُحْكَمًا، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنِ العَهْدِ المُوَثَّقِ.

وفَرَّقَ الطَّبَرْسِيُّ بَيْنَ العَقْدِ والعَهْدِ؛ بِأنَّ العَقْدَ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِيثاقِ والشَّدِّ، ولا يَكُونُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، والعَهْدَ قَدْ يَتَفَرَّدُ بِهِ واحِدٌ.

واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ العُقُودِ عَلى أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ العُهُودُ الَّتِي أخَذَ اللَّهَ تَعالى عَلى عِبادِهِ بِالإيمانِ بِهِ، وطاعَتِهِ فِيما أُحِلَّ لَهم أوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وثانِيها: العُقُودُ الَّتِي يَتَعاقَدُ النّاسُ بَيْنَهُمْ، كَعَقْدِ الإيمانِ، وعَقْدِ النِّكاحِ، وعَقْدِ البَيْعِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وثالِثُها: العُهُودُ الَّتِي كانَتْ تُؤْخَذُ في الجاهِلِيَّةِ عَلى النُّصْرَةِ والمُؤازَرَةِ عَلى مَن ظَلَمَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ.

ورابِعُها: العُهُودُ الَّتِي أخَذَها اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الكِتابِ بِالعَمَلِ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، مِمّا يَقْتَضِي التَّصْدِيقَ بِالنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبِما جاءَ بِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وأبِي صالِحٍ.

وعَلَيْهِ فالمُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، واخْتارَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِها ما يَعُمُّ جَمِيعَ ما ألْزَمَهُ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، وعَقَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وما يَعْقِدُونَهُ فِيما بَيْنَهم مِن عُقُودِ الأماناتِ والمُعامَلاتِ ونَحْوِهِما، مِمّا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، أوْ يَحْسُنُ دِينًا، ويُحْمَلُ الأمْرُ عَلى مُطْلَقِ الطَّلَبِ نَدْبًا أوْ وُجُوبًا، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اجْتِنابُ المُحَرَّماتِ والمَكْرُوهاتِ؛ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، إذْ هو جَمْعٌ مُحَلّى بِاللّامِ، وأوْفى بِعُمُومِ الفائِدَةِ.

واسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَ المُرادِ بِها عُقُودَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في دِينِهِ مِن تَحْلِيلِ حَلالِهِ وتَحْرِيمِ حَرامِهِ؛ لِما فِيهِ - كَما في الكَشْفِ - مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ، لَكِنْ ذُكِرَ فِيهِ أنَّ مُخْتارَ البَعْضِ أوْلى لِحُصُولِ الغَرَضَيْنِ وزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، وأنَّ السُّوَرَ الكَرِيمَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى أُمَّهاتِ التَّكالِيفِ الدِّينِيَّةِ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا ﴿ وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ﴾ ، و ﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ لَكَفى، وتُعُقِّبَ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ فِيهِ نَزْعَ الخُفِّ قَبْلَ الوُصُولِ إلى الماءِ، وما اسْتَظْهَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ خالٍ عَنْ ذَلِكَ، والأمْرُ فِيهِ هَيِّنٌ، وفي القَوْلِ بِالعُمُومِ رَغِبَ الرّاغِبُ كَما هو الظّاهِرُ، فَقَدْ قالَ: العُقُودُ بِاعْتِبارِ المَعْقُودِ والعاقِدِ ثَلاثَةُ أضْرُبٍ: عَقْدٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ العَبْدِ، وعَقْدٌ بَيْنَ العَبْدِ ونَفْسِهِ، وعَقْدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ، وكُلُّ واحِدٍ بِاعْتِبارِ المُوجِبِ لَهُ ضَرْبانِ: ضَرْبٌ أوْجَبَهُ العَقْلُ، وهو ما رَكَزَ اللَّهُ تَعالى مَعْرِفَتَهُ في الإنْسانِ فَيَتَوَصَّلُ إلَيْهِ إمّا بِبَدِيهَةِ العَقْلِ وإمّا بِأدْنى نَظَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ ﴾ الآيَةَ.

وضَرْبٌ أوْجَبَهُ الشَّرْعُ وهو ما دَلَّنا عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةُ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -فَذَلِكَ سِتَّةُ أضْرُبٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ إمّا أنْ يُلْزَمَ ابْتِداءً أوْ يُلْزَمَ بِالتِزامِ الإنْسانِ إيّاهُ.

والثّانِي أرْبَعَةُ أضْرُبٍ: فالأوَّلُ واجِبُ الوَفاءِ؛ كالنُّذُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقُرَبِ نَحْوُ أنْ يَقُولَ: عَلَيَّ أنْ أصُومَ إنْ عافانِي اللَّهُ تَعالى.

والثّانِي مُسْتَحَبُّ الوَفاءِ بِهِ ويَجُوزُ تَرْكُهُ؛ كَمَن حَلَفَ عَلى تَرْكِ فِعْلٍ مُباحٍ، فَإنَّ لَهُ أنْ يُكْفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ ويَفْعَلَ ذَلِكَ.

والثّالِثُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ الوَفاءِ بِهِ، وهو ما قالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««إذا حَلَفَ أحَدُكم عَلى شَيْءٍ فَرَأى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنهُ فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ مِنهُ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»».

والرّابِعُ واجِبٌ تَرْكِ الوَفاءِ بِهِ؛ نَحْوُ أنْ يَقُولَ: عَلَيَّ أنْ أقْتُلَ فَلانًا المُسْلِمَ.

فَيَحْصُلُ مِن ضَرْبِ سِتَّةٍ في أرْبَعَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ضَرْبًا، وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي كُلَّ عَقْدٍ سِوى ما كانَ تَرْكُهُ قُرْبَةً أوْ واجِبًا، فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ الأحْكامِ الَّتِي أمَرَ بِإيفائِها، وبَدَأ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِضَرُورِيّاتِ المَعاشِ، و( البَهِيمَةُ ) مِن ذَواتِ الأرْواحِ ما لا عَقْلَ لَهُ مُطْلَقًا، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ وسُمِّي ( بَهِيمَةً ) لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ، وإبْهامِ الأمْرِ عَلَيْهِ.

ونَقَلَ الإمامُ الشَّعْرانِيِّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَواصِّ - قُدِّسَ سِرُّهُ - أنَّ سَبَبَ تَسْمِيَةِ البَهائِمِ بَهائِمَ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِ أمْرِ كَلامِها وأحْوالِها أُبْهِمَ عَلى غالِبِ الخَلْقِ لا أنَّ الأمْرَ أُبْهِمَ عَلَيْها، وذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى عَقْلِها وعِلْمِها، وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: البَهِيمَةُ اسْمٌ لِكُلِّ ذِي أرْبَعٍ مِن دَوابِّ البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، كَثَوْبِ خَزٍّ، أيْ: أُحِلَّ لَكم أكْلُ البَهِيمَةِ مِنَ الأنْعامِ، وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ المَذْكُورَةِ في سُورَتِها، واعْتُرِضَ بِأنَّ البَهِيمَةَ اسْمُ جِنْسٍ والأنْعامَ نَوْعٌ مِنهُ، فَإضافَتُها إلَيْهِ كَإضافَةِ حَيَوانٍ إلى إنْسانٍ، وهي مُسْتَقْبَحَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ إضافَةَ العامِّ إلى الخاصِّ إذا صَدَرَتْ مِن بَلِيغٍ وقَصَدَ بِذِكْرِهِ فائِدَةً فَحَسَنَةٌ، كَمَدِينَةِ بَغْدادَ، فَإنَّ لَفْظَ ( بَغْدادَ ) لَمّا كانَ غَيْرَ عَرَبِيٍّ لَمْ يُعْهَدْ مَعْناهُ أُضِيفَ إلَيْهِ ( مَدِينَةُ ) لِبَيانِ مُسَمّاهُ وتَوْضِيحِهِ، وكَشَجَرِ الأراكِ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الأراكُ يُطْلَقُ عَلى قُضْبانِهِ أُضِيفَ لِبَيانِ المُرادِ، وهَكَذا، وإلّا فَلَغْوٌ زائِدٌ مُسْتَهْجَنٌ، وهُنا لَمّا كانَ الأنْعامُ قَدْ يُخْتَصُّ بِالإبِلِ إذْ هو أصْلُ مَعْناهُ - عَلى ما قِيلَ، ولِذا لا يُقالُ: النَّعَمُ إلّا لَها - أُضِيفَ إلَيْهِ ( بَهِيمَةُ ) إشارَةً إلى ما قُصِدَ بِهِ، وذِكْرُ البَهِيمَةِ وإفْرادُها لِإرادَةِ الجِنْسِ، وجُمِعَ الأنْعامُ لِيَشْمَلَ أنْواعَها، وأُلْحِقَ بِها الظِّباءُ وبَقَرُ الوَحْشِ، وقِيلَ: هُما المُرادُ بِالبَهِيمَةِ، ونَحْوُهُما مِمّا يُماثِلُ الأنْعامِ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الكَلْبِيِّ والفَرّاءِ.

وإضافَتُها إلى الأنْعامِ حِينَئِذٍ لِمُلابَسَةِ المُشابَهَةِ بَيْنَهُما، وجَوَّزَ بْعَضُ المُحَقِّقِينَ في إضافَةِ المُشَبَّهِ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ كَوْنُها بِمَعْنى اللّامِ عَلى جَعْلِ مُلابَسَةِ المُشَبَّهِ بِهِ اخْتِصاصًا بَيْنَهُما، أوْ بِمَعْنى ( مِنَ ) البَيانِيَّةِ عَلى جَعْلِ المُشَبَّهِ نَفْسَ المُشَبَّهِ بِهِ، وفائِدَةُ هَذِهِ الإضافَةِ هُنا الإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَ المُتَضايِفَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ البَهِيمَةُ المُشَبَّهَةُ بِالأنْعامِ، الَّتِي بُيِّنَ إحْلالُها فِيما سَبَقَ لَكُمُ، المُماثِلَةُ لَها في مَناطِ الحُكْمِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ ما يَخْرُجُ مِن بُطُونِها مِنَ الأجِنَّةِ بَعْدَ ذَكاتِها وهِيَ مَيْتَةٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، وأبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ صَرِيحًا حِلُّ أكْلِها، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ، واسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ما خَبَرٍ، ويُفْهَمُ مِنها حِلُّ الأنْعامِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِالمُقَدَّمِ لِما فِيهِ مِن تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى ذِكْرِ المُؤَخَّرِ.

وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى المَجُوسِ فَإنَّهم حَرَّمُوا ذَبْحَ الحَيَواناتِ وأكْلَها، قالُوا: لِأنَّ ذَبْحَها إيلامٌ، والإيلامُ قَبِيحٌ خُصُوصًا إيلامَ مَن بَلَغَ في العَجْزِ إلى حَيْثُ لا يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، والقَبِيحُ لا يَرْضى بِهِ الإلَهُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ.

وزَعَمُوا - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى - أنَّ إيلامَ الحَيَواناتِ إنَّما يَصْدُرُ مِنَ الظُّلْمَةِ دُونَ النُّورِ، والتَّناسُخِيَّةُ لَمْ يُجَوِّزُوا صُدُورَ الآلامِ مِنهُ تَعالى ابْتِداءً بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، إلّا بِطَرِيقِ المُجازاةِ عَلى ما سَبَقَ مِنِ اقْتِرافِ الجَرائِمِ، والتَزَمُوا أنَّ البَهائِمَ مُكَلَّفَةٌ عالِمَةٌ بِما يُجْرى عَلَيْها مِنَ الآلامِ، وأنَّها مُجازاةٌ عَلى فِعْلِها، ولَوْلا ذَلِكَ لَما تُصُوِّرَ انْزِجارُها بِالآلامِ عَنِ العُودِ إلى الجَرِيمَةِ بِتَقْدِيرِ انْتِقالِها إلى بَدَنٍ أشَرْفَ.

وزَعَمَ البَعْضُ مِنهم أنَّهُ ما مِن جِنْسٍ مِنَ البَهائِمِ إلّا وفِيهِمْ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ مِن جِنْسِهِمْ، بَلْ زَعَمَ آخَرُونَ أنَّ جَمِيعَ الجَماداتِ أحْياءٌ مُكَلَّفَةٌ، وأنَّها مُجازاةٌ عَلى ما تَقْتَرِفُهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ونَسَبَ نَحْوًا مِن ذَلِكَ الإمامُ الشَّعْرانِيُّ إلى السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ، وأبى أهْلُ الظّاهِرِ ذَلِكَ كُلَّ الإباءِ، ولَمّا أُشْكِلَ عَلى البَكْرِيَّةِ - مِنَ المُسْلِمِينَ - الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَلى أُصُولِهِمْ واعْتَقَدُوا وُرُودَ الأمْرِ بِذَبْحِ الحَيَواناتِ مِنَ اللَّهِ تَعالى زَعَمُوا أنَّ البَهائِمَ لا تَتَألَّمُ، وكَذَلِكَ الأطْفالُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مُصادِمٌ لِلْبَدِيهَةِ ولا يَقْصُرُ عَنْ إنْكارِ حَياةِ المَذْكُورِينَ وحَرَكاتِهِمْ وحِسِّهِمْ وإدْراكِهِمْ.

وأجابَ المُعْتَزِلَةُ بِما رَدَّهُ أهْلُ السُّنَّةِ، وأجابُوا بِأنَّ الإذْنَ في ذَبْحِ الحَيَواناتِ تَصَرُّفٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في خالِصِ مُلْكِهِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، والتَّحْسِينُ والتَّقْبِيحُ العَقْلِيّانِ قَدْ طُوِيَ بِساطُ الكَلامِ فِيهِما في عِلْمِ الكَلامِ، وكَذا القَوْلُ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لَمّا كانَ الإنْسانُ أشْرَفَ أنْواعِ الحَيَواناتِ، وبِهِ تَمَّتْ نُسْخَةُ العالَمِ لَمْ يُقْبَحْ عَقْلًا جَعْلُ شَيْءٍ مِمّا دُونَهُ غِذاءً لَهُ بِذَبْحِهِ وإيلامِهِ اعْتِناءً بِمَصْلَحَتِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي لا يُحَلِّقُ إلى سِرِّها طائِرُ الأفْكارِ.

وقالَ بَعْضُ النّاسِ: الآيَةُ مُجْمَلَةٌ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ المُرادُ إحْلالَ الِانْتِفاعِ بِجِلْدِها أوْ عَظْمِها أوْ صُوفِها أوِ الكُلِّ، وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ ظُهُورَ تَقْدِيرِ الأكْلِ مِمّا لا يَكادُ يَنْتَطِحُ فِيهِ كَبْشانِ، نَعَمْ، ذَكَرَ ابْنُ السُّبْكِيِّ وغَيْرُهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ مُجْمَلٌ لِلْجَهْلِ بِمَعْناهُ قَبْلَ نُزُولِ مُبَيِّنِهِ، ويَسْرِي الإجْمالُ إلى ما تَقَدَّمَ، ولَكِنْ ذاكَ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزاعِ، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن ( بَهِيمَةُ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ مِـ ( ما يُتْلى ) أيْ: إلّا مُحَرَّمٌ ( ما يُتْلى عَلَيْكم ) وعُنِيَ بِالمُحَرَّمِ المَيِّتَةُ ( وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ) إلى آخِرِ ما ذُكِرَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ مِنَ السُّورَةِ، أوْ مِن فاعِلِ ( يُتْلى ) أيْ: إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم آيَةُ تَحْرِيمِهِ لِتَكُونَ ( ما ) عِبارَةً عَنِ البَهِيمَةِ المُحَرَّمَةِ لا اللَّفْظُ المَتْلُوُّ، وجُوِّزَ اعْتِبارُ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ.

وأمّا جَعْلُهُ مُفَرَّغًا مِنَ المُوجِبِ في مَوْقِعِ الحالِ أيْ: إلّا كائِنَةً عَلى الحالاتِ المَتْلُوَّةِ فَبَعِيدٌ - كَما قالَ الشِّهابُ - جِدًّا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِناءً عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّ المَتْلُوَّ لِفَظٌّ، والمُسْتَثْنى مِنهُ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، ومَحَلُّ المُسْتَثْنى النَّصْبُ، وجُوِّزَ الرَّفْعُ عَلى ما حُقِّقَ في النَّحْوِ.

﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( لَكم ) عَلى ما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ و( الصَّيْدِ ) يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ والمَفْعُولَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) حالٌ عَمّا اسْتُكِنَّ في ( مُحِلِّي ) والحُرُمُ جَمْعُ حَرامٍ، وهو المُحْرِمُ، ومُحَصِّلُ المَعْنى: أُحِلَّتْ لَكم هَذِهِ الأشْياءُ لا مُحِلِّينَ الِاصْطِيادَ أوْ أكْلَ الصَّيْدِ في الإحْرامِ.

وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَدَمَ إحْلالِ الصَّيْدِ في حالَةِ الإحْرامِ بِالِامْتِناعِ عَنْهُ وهم مُحْرِمُونَ، حَيْثُ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ: أحْلَلْنا لَكم بَعْضَ الأنْعامِ في حالَةِ امْتِناعِكم عَنِ الصَّيْدِ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكم حَرَجٌ، ولَمْ يَحْمِلِ الإحْلالَ عَلى اعْتِقادِ الحِلِّ ظَنًّا مِنهُ أنَّ تَقْيِيدَ الإحْلالِ بِعَدَمِ اعْتِقادِ الحِلِّ غَيْرُ مُوَجَّهٍ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ لَوْ كانَ المُرادُ مُطْلَقَ اعْتِقادِ الحِلِّ، أمّا لَوْ كانَ المُرادُ عَدَمَ اعْتِقادٍ ناشِئٍ مِنَ الشَّرْعِ، ومُتَرَتِّبٍ مِنهُ فَلا؛ لِأنَّ حالَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنَ حالِ الِامْتِناعِ فَلَيْسَ بِالأجْنَبِيِّ عَنْهُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وأشارَ إلَيْهِ شَيْخُ مَشايِخِنا جِرْجِيسُ أفَنْدِي الأرْبَلِيُّ، رَحِمَةُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.

واعْتُرِضَ في البَحْرِ - عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ - بِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إحْلالِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ بِحالِ انْتِفاءِ حِلِّ الصَّيْدِ وهم حُرُمٌ، وهي قَدْ أُحِلَّتْ لَهم مُطْلَقًا فَلا يَظْهَرُ لَهُ فائِدَةٌ إلّا إذا أُرِيدَ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ الصَّيُودَ المُشَبَّهَةَ بِها كالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ وحُمُرِهِ، ودُفِعَ بِأنَّهُ مَعَ عَدَمِ اطِّرادِ اعْتِبارِ المَفْهُومِ يُعْلَمُ مِنهُ غَيْرُهُ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ لِأنَّها إذا أُحِلَّتْ في عَدَمِ الإحْلالِ لِغَيْرِها وهم مُحْرِمُونَ لِدَفْعِ الحَرَجِ عَنْهم فَكَيْفَ في غَيْرِ هَذِهِ الحالِ؟!

فَيَكُونُ بَيانًا لِإنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما رَخَّصَ لَهم مِن ذَلِكَ وبَيانًا لِأنَّهم في غِنْيَةٍ عَنِ الصَّيْدِ وانْتِهاكِ حُرْمَةِ الحَرَمِ.

وعِبارَةُ الزَّمَخْشَرِيِّ كالصَّرِيحَةِ في ذَلِكَ، ودَفَعَهُ العَلّامَةُ الثّانِي بِأنَّ المُرادَ مِنَ الأنْعامِ ما هو أعَمُّ مِنَ الإنْسِيِّ والوَحْشِيِّ مَجازًا أوْ تَغْلِيبًا أوْ دَلالَةً، أوْ كَيْفَما شِئْتَ، وإحْلالُها عَلى عُمُومِها مُخْتَصٌّ بِحالِ كَوْنِكم غَيْرَ مُحِلِّينَ الصَّيْدِ في الإحْرامِ، إذْ مَعَهُ يَحْرُمُ البَعْضُ وهو الوَحْشُ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَوْجِيهٌ وحْشِيٌّ لا يَنْبَغِي لِحَمْزَةَ - غابَةِ التَّنْزِيلِ - أنْ يَقْصِدَهُ مِن مَراصِدِ عِباراتِهِ.

وذَهَبَ الأخْفَشُ إلى أنَّ انْتِصابَ ( غَيْرَ ) عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ( أوْفُوا ) وضَعِّفَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ مِنَ الحالِ وصاحِبِها بِجُمْلَةٍ لَيْسَتِ اعْتِراضِيَّةٍ إذْ هي مُبَيِّنَةٌ، وتَخَلَّلَ بَعْضُ أجْزاءِ المُبَيِّنِ بَيْنَ أجْزاءِ المُبَيَّنِ مَعَ ما يَجِبُ فِيهِ مِن تَحْصِيصِ العُقُودِ بِما هو واجِبٌ أوْ مَندُوبٌ في الحَجِّ، وإلّا فَلا يَبْقى لِلتَّقْيِيدِ بِتِلْكَ الحالِ - مَعَ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِمُطَلْقِ العُقُودِ مُطْلَقًا- وجْهٌ.

وزَعَمَ العَلّامَةُ أنَّهُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ مَعْنًى، وإنْ كانَ أبْعَدَ لَفْظًا، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِما هو عَلى طَرَفِ الثُّمامِ، ثُمَّ قالَ: ومِنهم مَن جَعَلَهُ حالًا مِن فاعِلِ ( أحْلَلْنا ) المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( أُحِلَّتْ لَكم ) ويُسْتَلْزَمُ جَعْلُ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) أيْضًا حالًا مِن مُقَدَّرٍ، أيْ: حالَ كَوْنِنا غَيْرَ مُحَلِّينَ الصَّيْدِ في حالِ إحْرامِكُمْ، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ إلّا مِن جِهَةِ انْتِصابِ حالَيْنِ مُتَداخِلَيْنِ مِن غَيْرِ ظُهُورٍ ذِي الحالِ في اللَّفْظِ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ فاسِدٌ؛ لِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ الفاعِلَ المَحْذُوفَ في مِثْلِ هَذا يَصِيرُ نَسْيًا مَنسِيًّا، فَلا يَجُوزُ وُقُوعُ الحالِ مِنهُ، فَقَدْ قالُوا: لَوْ قُلْتَ: أُنْزِلَ الغَيْثُ مُجِيبًا لِدُعائِهِمْ عَلى أنَّ مُجِيبًا حالٌ مِن فاعِلِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لَمْ يَجُزْ، لاسِيَّما عَلى مَذْهَبِ القائِلِينَ بِأنَّ المَبْنِيَّ لِلْمَفْعُولِ صِيغَةٌ أصْلِيَّةٌ لَيْسَتْ مُحَوَّلَةً عَنِ المَعْلُومِ، عَلى أنَّ في التَّقْيِيدِ أيْضًا مَقالًا، وجَعَلَهُ بَعْضُهم حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( عَلَيْكم ) ويَرُدُّهُ أنَّ الَّذِي ( يُتْلى ) لا يَتَقَيَّدُ بِحالِ انْتِفاءِ إحْلالِهِمُ الصَّيْدَ وهم حُرُمٌ، بَلْ هو يُتْلى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الحالِ وفي غَيْرِها.

ونَقَلَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ عَنْ بَعْضٍ أنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وذَكَرَ أنَّ فِيهِ تَعَسُّفًا، وبَيَّنَهُ مَوْلانا شَيْخُ الكُلِّ صِبْغَةُ اللَّهِ أفَنْدِي الحَيْدَرِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّهُ لَوْ كانَ اسْتِثْناءً لَكانَ إمّا مِنَ الضَّمِيرِ في ( لَكم ) أوْ في ( أوْفُوا ) إذْ لا جَوازَ لِاسْتِثْنائِهِ مِن ( بَهِيمَةِ الأنْعامِ ) وعَلى الأوَّلِ يَجِبُ أنْ يُخَصَّ البَهِيمَةُ بِما عَدا الأنْعامِ مِمّا يُماثِلُها، أوْ تَبْقى عَلى العُمُومِ لَكِنْ بِشَرْطِ إرادَةِ المُماثِلِ فَقَطْ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ، وأنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) مِن تَتِمَّةِ المُسْتَثْنى، بِأنْ يَكُونَ حالًا عَمّا اسْتُكِنَّ في ( مُحِلِّي ) لِيَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ؛ إذْ لا صِحَّةَ لَهُ بِدُونِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ، فَسَوْقُ العِبارَةِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: وهم حُرُمٌ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ أخْرَجَ المُحِلِّينَ مِن زُمْرَةِ المُخاطَبِينَ، واعْتِبارُ الِالتِفاتِ هُنا بِعِيدٌ لِكَوْنِهِ رافِعًا فِيما هو بِمَنزِلَةِ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.

وعَلى الثّانِي يَجِبُ تَخْصِيصُ العُقُودِ بِالتَّكالِيفِ الوارِدَةِ في الحَجِّ، وتَأْوِيلُ الكَلامِ الطَّلَبِيِّ بِما يَلْزَمُهُ مِنَ الخَبَرِ مَعَ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ بِالأجْنَبِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ، أيَّ تَعَسُّفٍ!

انْتَهى.

وكَأنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرِ احْتِمالَ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، مَعَ أنَّ القُرْطُبِيَّ نَقَلَهُ عَنِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ - كَما قالَهُ القُرْطُبِيُّ وأبُو حَيّانَ - لا مُتَعَسَّفٌ، إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إباحَةُ الصَّيْدِ في الحَرَمِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنَ المُحَرَّمِ حَلالٌ، نَعَمْ، ذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن ( بَهِيمَةِ الأنْعامِ ) عَلى وجْهِ عَيْنِهِ، وأنْفُهُ التَّكَلُّفُ والتَّعَسُّفُ، فَقَدْ قالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: إنَّما عُرِضَ الإشْكالُ في الآيَةِ حَتّى اضْطَرَبَ النّاسُ في تَخْرِيجِها مِن كَوْنِ رَسْمِ ( مُحِلِّي ) بِالياءِ، فَظَنُّوا أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن أحَلَّ، وأنَّهُ مُضافٌ إلى الصَّيْدِ إضافَةَ اسْمِ الفاعِلِ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولِ، وأنَّهُ جَمْعٌ حُذِفَ مِنهُ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وأصْلُهُ ( غَيْرُ مُحِلِّينَ الصَّيْدِ ).

والَّذِي يَزُولُ بِهِ الإشْكالُ ويَتَّضِحُ المَعْنى أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ( غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ) مِن بابِ قَوْلِهِمْ: حِسانُ النِّساءِ، والمَعْنى: النِّساءُ الحِسانُ، وكَذا هَذا أصْلُهُ: غَيْرُ الصَّيْدِ المُحَلِّ، والمَحَلُّ صِفَةٌ لِلصَّيْدِ لا لِلنّاسِ، ووَصْفُ الصَّيْدُ بِأنَّهُ مُحَلٌّ إمّا بِمَعْنى داخِلٍ في الحِلِّ، كَما تَقُولُ: أحَلَّ الرَّجُلُ أيْ: دَخَلَ في الحِلِّ، وأحْرَمَ أيْ: دَخَلَ في الحَرَمِ، أوْ بِمَعْنى صارَ ذا حِلٍّ أيْ: حَلالًا بِتَحْلِيلِ اللَّهِ تَعالى، ومَجِيءُ ( أفْعَلَ ) عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ كَثِيرٌ في لِسانِ العَرَبِ، فَمِنَ الأوَّلِ: أعْرَقَ، وأشْأمَ، وأيْمَنَ، وأنْجَدَ، وأتْهَمَ، ومِنَ الثّانِي: أعْشَبَتِ الأرْضُ وأبْقَلَتْ، وأغَدَّ البَعِيرُ، وإذا تَقَرَّرَ أنَّ الصَّيْدَ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُحَلًّا بِاعْتِبارِ الوَجْهَيْنِ اتَّضَحَ كَوْنُهُ اسْتِثْناءً ثانِيًا، ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِـ( بَهِيمَةُ الأنْعامِ ) أنْفُسَها فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أوِ الظِّباءَ ونَحْوَها فَمُتَّصِلٌ عَلى تَفْسِيرِ المُحِلِّ بِالَّذِي يَبْلُغُ الحِلَّ في حالِ كَوْنِهِمْ مُحْرِمِينَ، فَإنْ قُلْتَ: ما فائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ بِقَيْدِ بُلُوغِ الحِلِّ، والصَّيْدُ الَّذِي في الحَرَمِ لا يَحِلُّ أيْضًا؟

قُلْتُ: الصَّيْدُ الَّذِي في الحَرَمِ لا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ ولا لِغَيْرِ المُحْرِمِ، والقَصْدُ بَيانُ تَحْرِيمِ ما يَخْتَصُّ تَحْرِيمُهُ بِالمُحْرِمِ.

فَإنْ قُلْتَ: ما ذَكَرْتَهُ مِن هَذا التَّوْجِيهِ الغَرِيبِ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رَسْمُهُ في المُصْحَفِ بِالياءِ، والوَقْفُ عَلَيْهِ بِها؟

قُلْتُ: قَدْ كَتَبُوا في المُصْحَفِ أشْياءَ تُخالِفُ النُّطْقَ، نَحْوُ ( لَأذْبَحَنَّهُ ) بِالألْفِ، والوَقْفُ اتَّبَعُوا فِيهِ الرَّسْمَ، انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ السَّفاقِسِيُّ بِمِثْلِ ما قَدَّمْناهُ مِن حَيْثُ زِيادَةُ الياءِ، وفِيها التِباسُ المُفْرَدِ بِالجَمْعِ، وهم يَفِرُّونَ مِن زِيادَةٍ أوْ نُقَصانٍ في الرَّسْمِ، فَكَيْفَ يَزِيدُونَ زِيادَةً يَنْشَأُ عَنْها لَبْسٌ؟

مِن حَيْثُ إضافَةُ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وهو غَيْرُ مَقِيسٍ!

وقالَ الحَلَبِيُّ: إنَّ فِيهِ خَرْقًا لِلْإجْماعِ؛ فَإنَّهم لَمْ يُعْرِبُوا ( غَيْرَ ) إلّا حالًا، وإنَّما اخْتَلَفُوا في صاحِبِها، ثُمَّ قالَ السَّفاقِسِيُّ: ويُمْكِنُ فِيهِ تَخْرِيجانِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ ( غَيْرَ ) اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا و( مُحِلِّي ) جُمِعَ عَلى بابِهِ، والمُرادُ بِهِ النّاسُ الدّاخِلُونَ حِلَّ الصَّيْدِ، أيْ: لَكِنْ إنْ دَخَلْتُمْ حِلَّ الصَّيْدِ فَلا يَجُوزُ لَكُمُ الِاصْطِيادُ.

والثّانِي أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا مِن ( بَهِيمَةُ الأنْعامِ )، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا صَيْدَ الدّاخِلِينَ حِلَّ الِاصْطِيادِ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) فَلا يَحِلُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ مِنَ التَّحْلِيلِ، ويَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والمُضافُ مَحْذُوفٌ، أيْ: إلّا صَيْدَ مُحِلِّي الِاصْطِيادِ ( وأنْتُمْ حُرُمٌ ) والمُرادُ بِالمُحِلِّينَ الفاعِلُونَ فِعْلَ مَن يَعْتَقِدُ التَّحْلِيلَ فَلا يَحِلُّ، ويَكُونُ مَعْناهُ: إنَّ صَيْدَ الحَرَمِ كالمَيْتَةِ لا يَحِلُّ أكْلُهُ مُطْلَقًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( لَكم ) وحُذِفَ المَعْطُوفَ لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وهو كَثِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدَ مُحِلِّيهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ أيْ: والبَرْدَ، وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ.

هَذا ولا يَخْفى أنَّ يَدَ اللَّهِ تَعالى مَعَ الجَماعَةِ، وأنَّ ما ذَكَرَهُ غَيْرُهم لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنَ الِاعْتِراضِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ مِنَ الأحْكامِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي تَقِفُ دُونَها الأفْكارُ، فَيَدْخُلُ فِيها ما ذَكَرَهُ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وضُمِّنَ ( يَحْكُمُ ) مَعْنى ( يَفْعَلُ ) فَعَدّاهُ بِنَفْسِهِ، وإلّا فَهو مُتَعَدٍّ بِالباءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

كلها مدنية وهي مائة وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقيه  حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا السراج، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير قال: دخلت على عائشة  ا، فقالت: هل تقرأ سورة المائدة؟

فقلت: نعم.

قالت: فإنها من آخر ما أنزل الله على نبيه، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.

وقال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة غير قوله وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ [سورة المائدة: 2] الآية.

وقال بعضهم: نسخ منها قوله أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ [سورة: 106] قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فهذا نداء المدح، والنداء في القرآن على سبع مراتب: نداء المدح، مثل قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أَيُّهَا الرُّسُلُ.

ونداء الذم، مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا [سورة الجمعة: 6] .

ونداء التنبيه، مثل قوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ.

ونداء الإضافة، مثل قوله يا عِبادِيَ ونداء النسبة، مثل قوله: يا بَنِي آدَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ.

ونداء الاسم: مثل قوله يا إِبْراهِيمُ يا داوُدُ.

ونداء التعبير، مثل قوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ فهاهنا نداء المدح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وهو من جوامع الكلم، لأنه قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني صدقوا، ولم يقل بأي شيء صدقوا، معناه الذين صدقوا بوحدانية الله تعالى، وصدقوا بمحمد  وبالقرآن، وصدقوا بجميع الرسل، وبالبعث، والحساب، والجنة، والنار.

وقال عبد الله بن مسعود: كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأرعها سمعك فإنه خير مأمور به أو شر منهي عنه، ويقال: جميع ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نزل بالمدينة، وكل ما يقال في القرآن يا أَيُّهَا النَّاسُ نزل أكثره بمكة، وقد قيل نزل بالمدينة أيضاً.

ويقال: كلّ ما في القرآن يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ذكر في مقابله في الإنجيل يا أيها المساكين.

ثم قال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني أتموا الفرائض التي ذكر الله تعالى في القرآن، وعقد على عباده ما أحل لهم وحرم عليهم أن يوفوا بها.

وقال مقاتل: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين.

ويقال: جميع العقود التي بينه وبين الناس، والتي بينه وبين الله تعالى.

وهذا من جوامع الكلم، لأنه اجتمع فيه ثلاثة أنواع من العقود أحدها: العقود التي عقد الله تعالى على عبادة من الأوامر والنواهي.

والنوع الثاني: العقود التي يعقدها الإنسان بينه وبين الله تعالى من النذور والأيمان، وغير ذلك.

والنوع الثالث: العقود التي بينه وبين الناس، مثل البيوع والإجارات وغير ذلك.

فوجب الوفاء بهذه العقود كلها.

ثم قال: أُحِلَّتْ لَكُمْ يعني رخصت لكم بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ والأنعام تشتمل على الإبل والبقر والغنم والوحش، دليله على قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً [سورة الأنعام: 142] ثم قال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ وأما البهيمة فهي كل حيّ لا يتميز، وإنما قيل لها بهيمة لأنها أبهمت من أن تميز.

ثم قال: إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني: رخصت لكم الأنعام كلها إلا ما حرم عليكم في هذه السورة، وهي الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير وغير ذلك، وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة والبحيرة، فأخبر الله تعالى أنهما حلالان إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني إلا ما بين في هذه السورة.

ثم قال: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعني: أحلت لكم هذه الأشياء من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ يعني يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، لأنه أعرف بصلاح خلقه وما يصلحهم وما لا يصلحهم، وليس لأحد أن يدخل في حكمه.

وهذا كقوله وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [سورة الكهف: 26] وقال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [سورة الأنبياء: 23] .

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الشعائر ما جعل الله علامات الطاعات، واحدها شعيرة، ومعناه لا تستحلوا شيئاً من ترك المناسك كلها مما أمر الله تعالى من أمر الحج، وهو السعي بين الصفا والمروة، والخروج إلى عرفات، ورمي الجمار، والطواف، واستلام الحجر وغير ذلك.

وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمر الله تعالى في هذه السورة بأن لا يتركوا شيئاً من أمور المناسك.

ثم قال: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يعني لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ يقول: لا تتعرضوا له ولا تستحلوا.

وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا إلى مكة، وكانوا إذا قلدوا الهدي أمنوا بذلك، ومن يكن له هدي جعل في عنق راحلته قلادة، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فيأمن بذلك، فإذا رجع من مكة جعل شيئاً من لحاء شجر مكة في عنق راحلته، فيأمن بذلك ليعرف أنه كان حاجاً، فأمرهم الله تعالى بأن لا يستحلوا ذلك، يعني: من فعل ذلك لا يتعرض له.

ثم قال تعالى وَلَا آمِّينَ يقول: ولا تستحلوا قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ نزلت في «شُرَيْح بن ضُبَيْعة بن شُرَحْبِيل اليماني» دخل على النبيّ  وكلمه، فلما خرج من عنده مَرَّ بسرح لأهل المدينة فساقها، وانتهى إلى اليمامة ثم خرج من هناك نحو مكة ومعه تجارة عظيمة، فهمَّ أصحاب رسول الله  بأن يخرجوا إليه ويغيروا على أمواله، فنزل وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ يعني الربح في المال وَرِضْواناً يعني يطلبون بحجهم رضوان ربهم فلا يرضى عنهم حتى يؤمنوا.

ثم نسخ بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5] ولم ينسخ قوله لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولكنه محكم، فوجب إتمام أمور المناسك، ولهذا قال أصحابنا: إن الرجل إذا دخل في الحج ثم أفسده، فعليه أن يأتي بجميع أفعال الحج، ولا يجوز أن يترك، ثم عليه القضاء في السنة الثانية.

ونسخ قوله وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ فيجوز القتال في الشهر الحرام بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [سورة التوبة: 36] وقوله تعالى وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ فهو محكم أيضاً، ولم ينسخ فكل من قلد الهدي وتوجه إلى مكة ونوى الإحرام صار محرماً، ولا يجوز له أن يحل بدليل هذه الآية.

فهذه الأحكام معطوفة بعضها على بعض، بعضها منسوخة وبعضها محكمة، فإن قيل: قد قال: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً فأخبر أنهم يطلبون رضوان ربهم، ولم يذكر أن طلبهم كان باطلاً؟

قيل له: لأنه لم يذكر في لفظ الآية أمر الكفار، وإنما بيّن النهي عن التعرص للذين يقصدون البيت، فإن كان الذي قصد كافراً فقد بيّن في آية أخرى أنه لم يقبل منه، وإن لم يذكر هاهنا وهو قوله وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ [سورة المائدة: 5] وقال: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا يعني إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا إن شئتم، فهذه رخصة بلفظ الأمر كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [سورة الجمعة: 10] وكقوله وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [سورة البقرة: 187] الآية.

وقال الضحاك وَإِذا حَلَلْتُمْ يعني إذا خرجتم من إحرامكم وخرجتم من حرم الله تعالى وأمنه فاصطادوا.

ثم قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يقول: ولا يحملنكم عداوة كفار مكة أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا على حجاج اليمامة من المشركين فتستحلوا منهم.

وفي الآية دليل أن المكافأة لا تجوز من غير جنس الذي فعل به، وتكون تلك المكافأة اعتداء لأن الله تعالى قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ يعني بغض قوم وعداوتهم أَنْ تَعْتَدُوا يعني تجاوزوا الحد في المكافأة.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر شَنَآنُ بجزم النون.

وقرأ الباقون شَنَآنُ بالنصب.

وقال القتبي: لا يقال في المصادر فعلان، وإنما يقال ذلك في الصفات مثل عطشان وسكران، وفي المصادر يقال: فعلان مثل طيران ولهفان وشنآن.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ صَدُّوكُمْ بكسر الألف على معنى الابتداء.

وقرأ الباقون بالنصب على معنى البناء.

ثم قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى يعني: تعانوا على أمر الله واعملوا به.

وروى ابن عباس: البرُّ ما أمر الله تعالى به، يعني تحاثُّوا على أمر الله واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله تعالى عنه، وامتنعوا عنه.

وهذا موافق لما روي عن رسول الله  أنه قال: «الدَّالُّ عَلَى الخَيْرِ كَفَاعِلِهِ» .

وقد قيل: الدالُّ على الشر كصانعه.

ثم قال: وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قال القتبي: العدوان على وجهين: عدوان في السبيل كقوله فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ [سورة البقرة: 193] وكقوله فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [سورة القصص: 28] والثاني عدوان في الظلم كقوله فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [سورة المجادلة: 9] وكقوله وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [سورة المائدة: 2] يعني به حجاج أهل اليمامة، وصارت الآية عامة في جميع الناس.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول واخشوا الله وأطيعوه فيما يأمركم به إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إذا عاقب.

قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ يعني حرم عليكم أكل الميتة، والميتة كل ما مات حتف أنفه بغير ذكاة فهو حرام، إلا الجراد والسمك، فقد أباحهما على لسان رسول الله  حيث قال: «أُحِلَّتْ لَنَا السَّمَكُ والجَرَادُ وَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (١) قال القتبي: أصل الذكاة من التوقد، يقال ذكيت النار إذا ألقيت عليها شيئاً من الحطب، وإنما سميت الذكية ذكية لأنها صارت بحال ينتفع بها.

وقال الزجاج: أصل الذكاة تمام الشيء.

وقوله: إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ يعني ما أدركتم ذبحه على التمام.

ثم قال: وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال القتبي: النصب هو حجر أو صنم منصوب، كانوا يذبحون عنده وجمعه أنصاب، ويقال: كانوا يذبحون لأعيادهم باسم آلهتهم.

ثم قال: وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ والأزلام القداح، واحدها زلم على ميزان قلم وأقلام، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يجتمعون عشرة أنفس ويشترون جزوراً، وجعلوا لحمه على تسعة أجزاء، وأعطى كل واحد منهم سهماً من سهامه، فجمعوا السهام عند واحد منهم أو شيء من الأحجار، ثم يخرج هذا الرجل واحداً واحداً من السهام، فكل من خرج سهمه يأخذ جزءاً من ذلك اللحم، فإذا خرج تسعة من السهام لا يبقى شيء من اللحم، ولا يكون للذي بقي اسمه آخراً شيء من اللحم، وكان ثمن الجزور كله عليه.

وكان نوع آخر أنهم كانوا يجعلون عشرة من القداح، وكان لكل واحد منها سهم، ولم يكن لثلاثة منها نصيب من اللحم، وهو السفيح والمنيح والوغد، وكان للسبعة لكل سهم نصيب وهو: القذ، والتوأم، والرقيب، والمعلى، والحلس، والناقس، والمسبل.

ويقال: كان إذا أراد واحد منهم السفر أخرج سهمين من القداح، في واحد منها مكتوب أمرني ربي، وفي الآخر نهاني ربي، فيخرج أحدهما، فإن خرج باسمه أمرني ربي وجب عليه الخروج ولم يجز له التخلف، وإن خرج الآخر لا يسعه الخروج، فنهى الله تعالى عن ذلك كله بقوله: ذلِكُمْ فِسْقٌ يعني هذه الأفعال معصية وضلالة واستحلالها كفر.

قم قال: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني كفار العرب أن تعودوا كفاراً حين حج النبيّ  حجة الوداع وليس معهم مشرك.

وقال الضحاك: نزلت هذه الآية حين فتح مكة، وذلك أن رسول الله  فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة سبع، ويقال: سنة ثمان.

ودخلها ونادى منادي رسول الله  : ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن، ومن وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.

فانقادت قريش لأمر الله ورفعوا أيديهم وأسلموا.

قال الله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ يقول: فلا تخشوا صولة المشركين فأنا معكم وناصركم وَاخْشَوْنِ في ترك أمري.

ثم قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني أتممت لكم شرائع دينكم، وذلك أن النبيّ  حيث كان بمكة لم يكن إلا فريضة الصلاة وحدها، فلما قدم المدينة أنزل الله الحلال والحرام، فنزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يعني دينكم، حلالكم وحرامكم.

وروى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فقال له يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.

فقال ابن عباس فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة، ويوم عرفة.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا ابن صاعد، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق أن اليهود قالوا لعمر بن الخطاب: إنكم لتقرءون آية لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

فقال عمر: إني لأعلم حيث نزلت، وفي أي يوم نزلت، أنزلت بيوم عرفة ورسول الله  واقف بعرفة.

فإن قيل: في ظاهر هذه الآية دليل أن الدّين يزيد حيث قال الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

قيل له: ليس فيها دليل، لأنه أخبر أنه أكمل في ذلك اليوم، وليس فيها دليل أنه لم يكمل قبل ذلك.

ألا ترى أنه قال في سياق الآية وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ليس فيه دليل أنه لم يرض قبل ذلك، ولكن معناه أنه قد أظهر وقرر، كما جاء في الخبر أن رجلاً أعتق ستة أعبد له في مرضه، فأعتق رسول الله  اثنين منهم يعني أظهر عتقهما، وقرر ولم يرد به الابتداء.

وقال مجاهد: معناه اليوم أتممت لكم ظهور دينكم وغلبة دينكم ونصرته.

وقال قتادة: معناه أخلص لكم دينكم.

ثم قال: وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعني منتي، فلم يحج معكم مشرك وَرَضِيتُ يعني اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وروي في الخبر أن النبيّ  عاش بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين ليلة، ثم مضى لسبيله صلوات الله عليه.

وقال الزجاج: الْيَوْمَ صار نصباً للظرف، ومعناه اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.

وقال معاذ بن جبل: النعمة لا تكون إلا بعد دخول الجنة، فصار كأنه قال: رضيت لكم الجنة لأنه لا تكون النعمة تماماً حتى يضع قدميه فيها.

ثم رجع إلى أول الآية فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ وذلك أنه لما بيّن المحرمات علم أن بعض الناس اضطروا إلى أكله، فأباح لهم أكله عند الضرورة فقال: فَمَنِ اضْطُرَّ يعني: أجهد إلى شيء مما حرم الله تعالى عليه فِي مَخْمَصَةٍ يعني مجاعة، وأصل الخمص ضمور البطن ودقته، فإذا جاع فقد خمص بطنه.

ثم قال: غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يعني غير متعمد المعصية لأكله فوق الشبع، وأصل الجنف الميل.

وقال الزجاج: يعني غير متجاوز للحد، وغير آكل لها على وجه التلذذ فلا إثم عليه في أكله.

وقال أهل المدينة: المضطر يأكل حتى يشبع.

وقال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله: يأكل مقدار ما يأمن به الموت، وكذلك قال الشافعي.

ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني: غفور فيما أكل، رحيم حين رَخَّص له في أكله عند الاضطرار.

قرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون لاجتماع الساكنين، وقرأ الباقون بالضم.

(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم الحديث (5727) ج 2/ 415 بلفظ: «أحلت لنا ميتتان ودمان.

فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

النُّكْثِ، وحلَّل تحليلاً عامًّا، ثم استثنى استثناء بعد استثناء، ثم أخبر عن قُدْرته وحِكْمته في سَطْرَيْنِ، ولا يستطيعُ أحدٌ أنْ يأتِيَ بهذا إلّا في أجلاد.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ: خطابٌ للمؤمنين حقًّا ألاَّ يتعدَّوْا حدودَ اللَّهِ فِي أمْرٍ من الأمُور، قال عطاء بنُ أبي رَبَاحٍ: شعائرُ اللَّه جمِيعُ ما أَمَرَ به سبحانَهُ، أوْ نهى عنه «١» ، وهذا قولٌ راجحٌ، فالشعائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ، أيْ: قد أَشْعَرَ اللَّه أنَّها حَدُّهُ وطاعَتُهُ، فهي بمعنى مَعَالِمِ اللَّهِ.

وقوله تعالى: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ: أي: لا تحلُّوه بقتالٍ ولا غَارَةٍ، والأظْهَرُ أنَّ الشهر الحرام أُرِيدَ به رَجَبٌ ليشتدَّ أمره، وهو شَهْرٌ كان تحريمُهُ مختصًّا بقريشٍ، وكانَتْ تعظِّمه، ويُحتملُ أنه أريد به الجنْسُ في جميع الأشهر الحُرُمِ.

وقوله سبحانه: وَلَا الْهَدْيَ: أي: لا يستحلُّ وَلاَ يُغَارُ عليه، ثم ذَكَر المُقَلَّدَ مِنْهُ تأكيداً ومبالغةً في التنبيه علَى الحُرْمَة في التَّقْليد، هذا معنى كلامِ ابْنِ «٢» عبَّاس.

وقال الجمهورُ: الهَدْيُ عامٌّ في أنواع ما يهدى قُرْبَةً، والقَلاَئِدُ: ما كانَ النَّاس يتقلَّدونه من لِحَاءِ السَّمُرِ وغيره أَمَنَةً لهم.

وقال ص: وَلَا الْقَلائِدَ: أي: ولا ذَوَاتِ القلائدِ، وقيل: بل المرادُ القلائدُ نَفْسُها مبالغةً في النهْيِ عن التعرُّض للهدْيِ.

انتهى.

وقوله تعالى: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ: أيْ: قاصِدِينَهُ مِنَ الكفَّار المعنى: لا تحلُّوهم، فَتْغيِرُونَ عليهم، وهذا منسوخٌ ب «آية السَّيْف» بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] فكلُّ ما في هذه الآية ممّا يتصوّر في مسلم حاجّ، فهو

مُحْكَمٌ، وكلُّ ما كان منها في الكُفَّار، فهو منُسُوخٌ.

وقوله سبحانه: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً، قال فيه جمهور المفسِّرين:

معناه: يبتغونَ الفَضْلَ من الأرباحِ في التِّجَارة، ويبتغُونَ مَعَ ذلك رِضْوَانَهُ في ظَنِّهم وطَمَعهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ، وفيها استئلافٌ مِنَ اللَّهِ سبحانه للعَرَبِ، ولُطْفٌ بهم لِتَنْبسطَ النفوسُ بتداخُلِ النَّاس، ويَرِدُونَ المَوْسِمَ، فيسمَعُونَ القرآن، ويدخل الإيمانُ في قلوبهم، وتَقُوم عليهم الحُجَّة كالذي كان، ثُمَّ نَسَخَ اللَّه ذلك كلَّه بعد عَامٍ في سَنَةِ تِسْعٍ إذْ حَجَّ أبو بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) ، ونودِيَ في الناسِ بسورة «بَرَاءَةَ» .

وقوله تعالى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا: مجيءُ/ إباحة الصَّيْد عَقِبَ التشْدِيدِ فيهِ حَسَنٌ في فَصَاحة القَوْل.

وقوله سبحانه: فَاصْطادُوا: أمرٌ، ومعناه الإباحةُ بإجماع.

وقوله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يُكْسِبَنَّكم، وجَرِمَ الرجُلُ: معناه: كَسَبَ، وقال ابن عبَّاس: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم «١» ، والمعنى: متقارِبٌ، والتفسيرُ الذي يخُصُّ اللفظةَ هو معنى الكَسْبِ.

وقوله تعالى: شَنَآنُ قَوْمٍ: الشَّنَآنُ: هو البُغْض، فأما مَنْ قرأ شَنَآنُ- بفتح النون-، فالأظهرُ فيه أنه مصدَرٌ كأنَّه قَالَ: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قومٍ مِنْ أجْل أَنْ صَدُّوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم، وهذه الآيةُ نزلَتْ عام الفَتْحِ سَنَة ثمانٍ، حين أراد المسْلمونَ أنْ يَسْتَطِيلوا على قريشٍ، وألفافِهَا المتظَاهِرِينَ على صدّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأصْحَابِهِ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وذلك سنَةَ سِتٍّ من الهجرةِ، فحصَلَتْ بذلك بِغْضَةٌ في قلوب المؤمنين، وحيكة للكُفَّار، فنُهِيَ المؤمنُونَ عَنْ مكافأتهم، وإذْ للَّه فيهمْ إرادةُ خَيْرٍ، وفي علمِهِ أنَّ منهم مَنْ يُؤْمِنُ كالذي كان.

وقرأ أبو عمرو «٢» ، وابن كَثِيرٍ: «إنْ صَدُّوكُمْ» ، ومعناه: إنْ وقع مثل ذلك في

المُسْتقبل، وقراءةُ الجمهور أمْكَنُ.

ثم أمر سبحانه الجَمِيعَ بالتعاوُنِ عَلَى البِرِّ والتقوى، قال قوم: هما لَفْظَانِ بمعنًى، وفي هذا تَسَامُحٌ، والعُرْفُ في دلالةِ هَذَيْنِ أنَّ البِرَّ يَتَنَاوَلُ الواجبَ والمَنْدُوبَ، والتقوى:

رعايةُ الوَاجِبِ، فإنْ جعل أحدهما بَدَلَ الآخَرِ، فبتجوُّز.

قُلْتُ: قال أحمدُ بْنُ نصر الداوديّ: قال ابنُ عباس: البِرُّ ما أُمِرْتَ به، والتقوى ما نُهِيتَ عنه «١» .

انتهى، وقد ذكرنا في غَيْرِ هذا الموضعِ أنَّ لفظ التقوى يُطْلَقُ على معانٍ، وقد بيَّناها في آخر «سُورة النُّور» ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» «٢» ، قال ابنُ الفَاكهانِيِّ، عنْد شرحه لهذا الحديث: وقد رُوِّينَا في بعضِ الأَحاديثِ: «مَنْ سعى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ المُسْلِمِ، قُضِيَتْ لَهُ أَوْ لَمْ تُقْضَ- غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» «٣» ، انتهى مِن «شَرْح الأربعين» حديثاً.

ثم نهى تعالى عن التعاوُنِ عَلَى الإثْمِ والعُدْوَانِ، ثم أمر بالتقوى، وتوعّد توعّدا

مجملاً، قال النوويُّ: وعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «١» : «أنّه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقَالَ: جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البِرِّ والإِثْمِ؟

قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: استفت قَلْبَكَ البِرُّ: مَا اطمأنت إلَيْهِ النَّفْسُ، واطمأن إلَيْهِ القَلْبُ، والإثْمُ: مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَردَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» «٢» حديثٌ حَسَنٌ رَوَيْنَاه في مسنَدِ أحمَدَ، يعني: ابْنَ حَنْبَلٍ، والدَّارِمِي وغيرهما، وفي «صحيح مسلم» ، عن النَّوَّاس بْنِ سَمْعَان، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقَ، والإثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» «٣» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ المائِدَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، هي مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ نَهارًا وكُلُّها مَدَنِيَّةٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ فِيها مِنَ المَكِّيِّ ﴿ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ قالَ: وقِيلَ: فِيها مِنَ المَكِّيِّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ والصَّحِيحُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ (اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ ﴾ نَزَلَتْ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَلِهَذا نُسِبَتْ إلى مَكَّةَ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِينَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أُمَتِّنا، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، و "العُقُودُ": العُهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، والجَماعَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: "العُقُودُ": أوْكَدُ العُهُودِ.

واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالعُهُودِ هاهُنا عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها عُهُودُ اللَّهِ الَّتِي أخَذَها عَلى عِبادِهِ فِيما أحَلَّ وحَرَّمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها عُهُودُ الدِّينِ كُلُّها، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّها عُهُودُ الجاهِلِيَّةِ، وهي الحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها العُهُودُ الَّتِي أخَذَها اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ مِنَ الإيمانِ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ ذَكَرْنا عَنْهُ أنَّ الخِطابَ لِلْكِتابِيِّينَ.

والخامِسُ: أنَّها عُقُودُ النّاسِ بَيْنَهم، مِن بَيْعٍ، ونِكاحٍ، أوْ عَقْدِ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ، أوْ يَمِينٍ، وهَذا قَوْلُابْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ في بَهِيمَةِ الأنْعامِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أنَّها أجِنَّةُ الأنْعامِ الَّتِي تُوجَدُ مَيِّتَةً في بُطُونِ أُمَّهاتِها إذا ذُبِحَتِ الأُمَّهاتُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وَقالَ الرَّبِيعُ: هي الأنْعامُ كُلُّها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الإبِلُ، والبَقْرُ، والغَنَمُ، والوُحُوشُ كُلُّها.

والثّالِثُ: أنَّها وحْشُ الأنْعامِ كالظِّباءِ، وبَقَرِ الوَحْشِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي صالِحٍ.

وقالَ الفَرّاءُ: بَهِيمَةُ الأنْعامِ: بَقَرُ الوَحْشِ، والظِّباءِ، والحُمُرِ الوَحْشِيَّةِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ: لَها بَهِيمَةٌ، لِأنَّها أبْهَمَتْ عَنْ أنْ تُمَيِّزَ، وكُلُّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ فَهو بَهِيمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي المَيْتَةُ وسائِرُ ما في القُرْآنِ تَحْرِيمُهُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَتْلُوُّ عَلَيْنا مِنَ المَحْظُورِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها، وهي قَوْلُهُ: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: أوْفُوا بِالعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ، فانْتَصَبَ عَلى الحالِ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى: أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ غَيْرَ مُسْتَحِلِّي اصْطِيادِها، وأنْتُمْ حُرُمٌ، قالَ الزَّجّاجُ: الحُرُمُ: المُحْرِمُونَ، وواحِدُ الحُرُمِ: حَرامٌ، يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ، وقَوْمٌ حُرُمٌ.

قالَ الشّاعِرُ: فَقُلْتُ لَها فِيئِي إلَيْكِ فَإنَّنِي حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ أيْ: مُلَبٍّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ (إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ أيِ: الخَلْقُ لَهُ يُحِلُّ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ، ويُحَرِّمُ ما يُرِيدُ عَلى مَن يُرِيدُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ المائِدَةِ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ؛ ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ عِنْدَ مُنْصَرَفِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: «لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: "يا عَلِيُّ؛ أُشْعِرْتُ أنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ المائِدَةِ؛ ونِعْمَتِ الفائِدَةُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي لا يُشْبِهُ كَلامَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ومِن هَذِهِ السُورَةِ ما نَزَلَ في حَجَّةِ الوَداعِ؛ ومِنها ما نَزَلَ عامَ الفَتْحِ؛ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وكُلُّ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بَعْدَ هِجْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَهو مَدَنِيٌّ؛ سَواءٌ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ؛ أو في سَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ؛ أو بِمَكَّةَ؛ وإنَّما يُوسَمُ بِالمَكِّيِّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "سُورَةُ المائِدَةِ تُدْعى في مَلَكُوتِ اللهِ المُنْقِذَةَ؛ تُنْقِذُ صاحِبَها مِن أيْدِي مَلائِكَةِ العَذابِ".» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ولا الشَهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ قالَ عَلْقَمَةُ: كُلُّ ما في القُرْآنِ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ فَهو مَدَنِيٌّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا؛ ويُقالُ: "وَفى"؛ و"أوفى"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عامَّةً بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وهِيَ: اَلرُّبُوطُ في القَوْلِ؛ كانَ ذَلِكَ في تَعاهُدٍ عَلى بِرٍّ؛ أو في عُقْدَةِ نِكاحٍ؛ أو بَيْعٍ؛ أو غَيْرِهِ؛ ولَفْظُ "اَلْمُؤْمِنِينَ"؛ يَعُمُّ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ إذْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللهِ عَقْدٌ في أداءِ الأمانَةِ فِيما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ يَعُمُّ عُقُودَ الجاهِلِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى بِرٍّ؛ مِثْلَ دَفْعِ الظُلْمِ؛ ونَحْوَهُ؛ وأمّا في سائِرِ تَعاقُدِهِمْ عَلى الظُلْمِ؛ والغاراتِ؛ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ؛ فَإنَّما مَعْنى الآيَةِ أمْرُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ عَلى عَقْدٍ جارٍ عَلى رَسْمِ الشَرِيعَةِ؛ وفَسَّرَ الناسُ لَفْظَ "اَلْعُقُودِ"؛ بِـ "اَلْعُهُودِ"؛ وذَكَرَ بَعْضُهم مِنَ العُقُودِ أشْياءَ عَلى جِهَةِ المِثالِ؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ قَتادَةَ: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛ ﴾ مَعْناهُ: بِعَهْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ رُوِيَ لَنا عن رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "أوفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ؛ ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفِقْهُ هَذا الحَدِيثِ أنَّ عَقْدَ الجاهِلِيَّةِ كانَ يَخُصُّ المُتَعاقِدَيْنِ؛ إذْ كانَ الجُمْهُورُ عَلى ظُلْمٍ وضَلالٍ؛ والإسْلامِ قَدْ رَبَطَ الجَمِيعَ؛ وجَعَلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ فالَّذِي يُرِيدُ أنْ يَخْتَصَّ بِهِ المُتَعاقِدانِ قَدْ رَبَطَهُما إلَيْهِ الشَرْعُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ نازِلَةٍ مِن نَوازِلِ الظُلاماتِ؛ فَيَلْزَمُ في الإسْلامِ التَعاهُدُ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ؛ والوَفاءِ بِذَلِكَ العَهْدِ؛ وإمّا عَهْدٌ خاصٌّ لِما عَسى أنْ يَقَعَ؛ يَخْتَصُّ المُتَعاهِدُونَ بِالنَظَرِ فِيهِ؛ والمَنفَعَةِ؛ كَما كانَ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا يَكُونُ ذَلِكَ في الإسْلامِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: وذُكِرَ «أنَّ فُراتَ بْنَ حَيّانَ العِجْلِيَّ سَألَ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن حِلْفِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَقالَ: "لَعَلَّكَ تَسْألُ عن حِلْفِ لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ"؛ قالَ: نَعَمْ يا نَبِيَّ اللهِ؛ قالَ: "لا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً"؛» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ أوفُوا بِالعُقُودِ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "بِما أحَلَّ اللهُ؛ وبِما حَرَّمَ؛ وبِما فَرَضَ؛ وبِما حَدَّ في جَمِيعِ الأشْياءِ"؛ قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْعُقُودُ في الآيَةِ هي كُلُّ ما رَبَطَهُ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ مِن بَيْعٍ؛ أو نِكاحٍ؛ أو غَيْرِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدَةَ: اَلْعُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ الإيمانِ؛ وعُقْدَةُ النِكاحِ؛ وعُقْدَةُ العَهْدِ؛ وعُقْدَةُ البَيْعِ؛ وعُقْدَةُ الحِلْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَقَدْ تَنْحَصِرُ إلى أقَلَّ مِن خَمْسٍ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أوفُوا بِالعُقُودِ"؛ ﴾ قالَ: هي العُقُودُ الَّتِي أخَذَها اللهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِما جاءَهُمْ؛ وقالَ ابْنُ شِهابٍ: «قَرَأْتُ كِتابَ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الَّذِي كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ حِينَ بَعَثَهُ إلى نَجْرانَ؛ وفي صَدْرِهِ: "هَذا بَيانٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوفُوا بِالعُقُودِ ﴾ "؛ فَكَتَبَ الآياتِ مِنها إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ  ﴾ ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَأصْوَبُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ تُعَمَّمَ ألْفاظُها بِغايَةِ ما تَتَناوَلُ؛ فَيُعَمَّمَ لَفْظُ المُؤْمِنِينَ جُمْلَةً في مُظْهِرِ الإيمانِ - إنْ لَمْ يُبْطِنْهُ -؛ وفي المُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً؛ ويُعَمَّمَ لَفْظُ "اَلْعُقُودِ"؛ في كُلِّ رَبْطٍ بِقَوْلٍ مُوافِقٍ لِلْحَقِّ؛ والشَرْعِ".

ومِن لَفْظِ العَقْدِ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ ؛ خِطابٌ لِكُلِّ مَنِ التَزَمَ الإيمانَ عَلى وجْهِهِ وكَمالِهِ؛ وكانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ في الأنْعامِ؛ مِنَ السائِبَةِ؛ والبَحِيرَةِ؛ والحامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رافِعَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى "بَهِيمَةُ الأنْعامِ"؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ والرَبِيعُ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: هي الأنْعامُ كُلُّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ قالَ: "أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ"؛ فَأضافَ الجِنْسَ إلى أخَصَّ مِنهُ.

وقالَ الحَسَنُ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ.

ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "بَهِيمَةُ الأنْعامِ": اَلْأجِنَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ عِنْدَ الذَبْحِ لِلْأُمَّهاتِ؛ فَهي تُؤْكَلُ دُونَ ذَكاةٍ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الأجِنَّةُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ قَوْمٌ: ﴿ بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ : وحْشُها؛ كالظِباءِ؛ وبَقَرِ الوَحْشِ؛ والحُمُرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَهُ غَيْرُ الطَبَرِيِّ عَنِ الضَحّاكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ هي الثَمانِيَةُ الأزْواجُ؛ وما انْضافَ إلَيْها مِن سائِرِ الحَيَوانِ يُقالُ لَهُ "أنْعامٌ"؛ بِمَجْمُوعِهِ مَعَها؛ وكانَ المُفْتَرِسُ مِنَ الحَيَوانِ - كالأسَدِ؛ وكُلِّ ذِي نابٍ - قَدْ خَرَجَ عن حَدِّ الأنْعامِ؛ فَصارَ لَهُ نَظَرٌ ما؛ فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هي الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ؛ وهَذِهِ - عَلى ما قِيلَ - إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ؛ كَـ "دارُ الآخِرَةِ"؛ و"مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ وما هي عِنْدِي إلّا إضافَةُ الشَيْءِ إلى جِنْسِهِ؛ وصَرَّحَ القُرْآنُ بِتَحْلِيلِها؛ واتَّفَقَتِ الآيَةُ وقَوْلَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ حَرامٌ"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ الِاسْتِثْناءانِ بَعْدُ؛ إذْ أحَدُهُما اسْتُثْنِيَ فِيهِ أشْخاصٌ نالَتْها صِفاتٌ ما؛ وتِلْكَ الصِفاتُ واقِعاتٌ كَثِيرًا في الراعِي مِنَ الحَيَوانِ؛ والثانِي اسْتُثْنِيَ فِيهِ حالٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وهي الإحْرامُ؛ والحُرُمُ؛ والصَيْدُ لا يَكُونُ إلّا مِن غَيْرِ الثَمانِيَةِ الأزْواجِ؛ فَتَرَتَّبَ الِاسْتِثْناءانِ في الراعِي مِن ذَواتِ الأرْبَعِ.

والبَهِيمَةُ - في كَلامِ العَرَبِ -: ما أبْهَمَ؛ مِن جِهَةِ نَقْصِ النُطْقِ والفَهْمِ؛ ومِنهُ: "بابٌ مُبْهَمٌ"؛ و"حائِطٌ مُبْهَمٌ"؛ و"لَيْلٌ بَهِيمٌ"؛ و"بُهْمَةٌ"؛ لِلشُّجاعِ الَّذِي لا يُدْرى مِن أيْنَ يُؤْتى لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ اِسْتِثْناءٌ مِمّا تُلِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ  ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ؛ وأجازَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى البَدَلِ؛ وعَلى أنْ تَكُونَ "إلّا" عاطِفَةً؛ وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ إلّا مِن نَكِرَةٍ؛ أو ما قارَبَها مِن أسْماءِ الأجْناسِ؛ نَحْوَ قَوْلِكَ: "جاءَ الرِجالُ إلّا زَيْدٌ"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "غَيْرُ زَيْدٍ"؛ بِالرَفْعِ.

﴿ "غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛ ﴾ نُصِبَ "غَيْرَ"؛ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "أُحِلَّتْ لَكُمْ"؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "غَيْرُ"؛ بِالرَفْعِ؛ ووَجْهُها الصِفَةُ لِلضَّمِيرِ فِي: "يُتْلى"؛ لِأنَّ "غَيْرُ مُحِلِّي الصَيْدِ"؛ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ: "غَيْرُ مُسْتَحِلٍّ إذا كانَ صَيْدًا"؛ أو يَتَخَرَّجُ عَلى الصِفَةِ لِـ "بَهِيمَةُ"؛ عَلى مُراعاةِ مَعْنى الكَلامِ؛ كَما ذَكَرْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ خَلَطَ الناسُ في هَذا المَوْضِعِ في نَصْبِ "غَيْرَ"؛ وقَدَّرُوا فِيها تَقْدِيماتٍ؛ وتَأْخِيراتٍ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ عَلى اطِّرادِهِ مُتَمَكِّنٌ اسْتِثْناءٍ بَعْدَ اسْتِثْناءٍ.

و"حُرُمٌ" جَمْعُ "حَرامٌ"؛ وهو المُحْرِمُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْتُ لَها فِيئِي إلَيْكِ فَإنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ أيْ: "مُلَبٍّ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "حُرْمٌ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ: هَذِهِ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ؛ يَقُولُونَ في "رُسُلٌ": "رُسْلٌ"؛ وفي "كُتُبٌ": "كُتْبٌ"؛ ونَحْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ﴾ ؛ تَقْوِيَةٌ لِهَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ المُخالِفَةِ لِمَعْهُودِ أحْكامِ العَرَبِ؛ أيْ: فَأنْتَ أيُّها السامِعُ لِنَسْخِ تِلْكَ العُهُودِ الَّتِي عُهِدَتْ تَنَبَّهْ؛ فَإنَّ اللهَ الَّذِي هو مالِكُ الكُلِّ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا تَلُوحُ فَصاحَتُها وكَثْرَةُ مَعانِيها؛ عَلى قِلَّةِ ألْفاظِها؛ لِكُلِّ ذِي بَصَرٍ بِالكَلامِ؛ ولِمَن عِنْدَهُ أدْنى إبْصارٍ؛ فَإنَّها تَضَمَّنَتْ خَمْسَةَ أحْكامٍ: اَلْأمْرَ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ وتَحْلِيلَ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ واسْتِثْناءَ ما تُلِيَ بَعْدُ؛ واسْتِثْناءَ حالِ الإحْرامِ فِيما يُصادُ؛ وما يَقْتَضِيهِ مَعْنى الآيَةِ مِن إباحَةِ الصَيْدِ لِمَن لَيْسَ بِمُحْرِمٍ.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ أصْحابَ الكِنْدِيِّ قالُوا لِلْكِنْدِيِّ: أيُّها الحَكِيمُ؛ اعْمَلْ لَنا مِثْلَ هَذا القُرْآنِ؛ فَقالَ: نَعَمْ..

أعْمَلُ مِثْلَ بَعْضِهِ؛ فاحْتَجَبَ أيّامًا كَثِيرَةً؛ ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ؛ ولا يُطِيقُ هَذا أحَدٌ؛ إنِّي فَتَحْتُ المُصْحَفَ؛ فَخَرَجَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ"؛ فَنَظَرْتُ فَإذا هو قَدْ أمَرَ بِالوَفاءِ؛ ونَهى عَنِ النَكْثِ؛ وحَلَّلَ تَحْلِيلًا عامًّا؛ ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً بَعْدَ اسْتِثْناءٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ في سَطْرَيْنِ؛ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ أحَدٌ بِهَذا إلّا في أجْلادٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ألّا يَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللهِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ.

و"اَلشَّعائِرُ": جَمْعُ "شَعِيرَةٌ"؛ أيْ: "قَدْ أشْعَرَ اللهُ أنَّها حَدُّهُ؛ وطاعَتُهُ"؛ فَهي بِمَعْنى "مَعالِمُ اللهِ"؛ واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المَقْصُودِ مِنَ الشَعائِرِ؛ الَّذِي بِسَبَبِهِ نَزَلَ هَذا العُمُومُ في الشَعائِرِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: "شَعائِرَ اللهِ": "حُرَمَ اللهِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "شَعائِرَ اللهِ": "مَناسِكَ الحَجِّ"؛ وكانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ ويُهْدُونَ؛ ويَنْحَرُونَ؛ ويُعَظِّمُونَ مَشاعِرَ الحَجِّ؛ فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ ﴾ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "شَعائِرَ اللهِ": ما حَدَّ تَحْرِيمَهُ في الإحْرامِ؛ وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "شَعائِرَ اللهِ": "جَمِيعَ ما أمَرَ بِهِ؛ أو نَهى عنهُ"؛ وهَذا هو القَوْلُ الراجِحُ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: كانَ عامَّةُ العَرَبِ لا يَعُدُّونَ الصَفا والمَرْوَةَ مِنَ الشَعائِرِ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ لا تَقِفُ بِعَرَفاتٍ؛ فَنُهُوا بِهَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا الشَهْرَ الحَرامَ ﴾ ؛ اِسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ في جَمِيعِ الأشْهُرِ الحُرُمِ؛ وهي كَما قالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ذُو القِعْدَةِ؛ وذُو الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمُ؛ ورَجَبُ مُضَرَ؛ الَّذِي بَيْنَ جُمادى؛ وشَعْبانَ"؛» وإنَّما أُضِيفَ إلى مُضَرَ لِأنَّها كانَتْ تَخْتَصُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ وتُزِيلُ فِيهِ السِلاحَ؛ وتَنْزِعُ الأسِنَّةَ مِنَ الرِماحِ؛ وتُسَمِّيهِ "مُنْصِلَ الأسِنَّةِ"؛ وتُسَمِّيهِ " اَلْأصَمَّ "؛ مِن حَيْثُ كانَ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ سِلاحٍ؛ وكانَتِ العَرَبُ مُجْمِعَةً عَلى "ذِي القِعْدَةِ؛ وذِي الحِجَّةِ؛ والمُحَرَّمِ"؛ وكانَتْ تَطُولُ عَلَيْها الحُرْمَةُ؛ وتَمْتَنِعُ مِنَ الغاراتِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ فَلِذَلِكَ اتَّخَذَتِ النَسِيءَ؛ وهو أنْ يُحِلَّ لَها ذَلِكَ المُتَكَلِّمُ "نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ"؛ وغَيْرُهُ المُحَرَّمَ؛ ويُحَرِّمَ بَدَلُهُ صَفَرًا؛ فَنَهى اللهُ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما النَسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ  ﴾ ؛ وجُعِلَ المُحَرَّمُ أوَّلَ شُهُورِ السَنَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ الحَجُّ والمَوْسِمُ غايَةَ العامِ؛ وثَمَرَتَهُ؛ فَبِذَلِكَ يَكْمُلُ؛ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ عامٌ آخَرُ؛ ولِذَلِكَ - واللهُ أعْلَمُ - دَوَّنَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الدَواوِينَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا الشَهْرَ الحَرامَ ﴾ ؛ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِقِتالٍ؛ ولا غارَةٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ فَإنَّ تَبْدِيلَهُ اسْتِحْلالٌ لِحُرْمَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ الشَهْرَ الحَرامَ أُرِيدَ بِهِ رَجَبٌ؛ لِيَشْتَدَّ أمْرُهُ؛ لِأنَّهُ إنَّما كانَ مُخْتَصًّا بِقُرَيْشٍ؛ ثُمَّ فَشا في مُضَرَ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عَوْفِ بْنِ الأحْوَصِ: وشَهْرِ بَنِي أُمَيَّةَ والهَدايا ∗∗∗ ∗∗∗ إذا حَبَسَتْ مُضَرِّجَها الدِماءُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أرادَ رَجَبًا؛ لِأنَّهُ شَهْرٌ كانَتْ مَشايِخُ قُرَيْشٍ تُعَظِّمُهُ؛ فَنَسَبَهُ إلى بَنِي أُمَيَّةَ؛ ذَكَرَ هَذا الأخْفَشُ في "المُفَضَّلِيّاتِ"؛ وقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ رَجَبُ مُضَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَوَجْهُ هَذا التَخْصِيصِ هو - كَما قَدْ ذَكَرْتُ - أنَّ اللهَ تَعالى شَدَّدَ أمْرَ هَذا الشَهْرِ؛ إذْ كانَتِ العَرَبُ غَيْرَ مُجْمِعَةٍ عَلَيْهِ"؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: اَلْمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ ذُو القِعْدَةِ؛ مِن حَيْثُ كانَ أوَّلَها؛ وقَوْلُنا فِيها: "أوَّلُ": تَقْرِيبٌ وتَجَوُّزٌ؛ إنَّ الشُهُورَ دائِرَةٌ؛ فالأوَّلُ إنَّما يَتَرَتَّبُ بِحَسَبِ نازِلَةٍ؛ أو قَرِينَةٍ ما؛ مُخْتَصَّةٍ بِقَوْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ﴾ ؛ أمّا الهَدْيُ فَلا خِلافَ أنَّهُ ما أُهْدِيَ مِنَ النَعَمِ إلى بَيْتِ اللهِ؛ وقُصِدَتْ بِهِ القُرْبَةُ؛ فَأمَرَ اللهُ ألّا يُسْتَحَلَّ؛ ويُغارَ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في القَلائِدِ؛ فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القَلائِدَ هي الهَدْيُ المُقَلَّدُ؛ وأنَّ الهَدْيَ إنَّما يُسَمّى هَدْيًا ما لَمْ يُقَلَّدْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا الهَدْيَ الَّذِي لَمْ يُقَلَّدْ؛ والمُقَلَّدَ مِنهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الَّذِي قالَ الطَبَرِيُّ تَحامُلٌ عَلى ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَلامِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الهَدْيَ إنَّما يُقالُ لِما لَمْ يُقَلَّدْ؛ وإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ نَهى عَنِ اسْتِحْلالِ الهَدْيِ جُمْلَةً؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُقَلَّدَ مِنهُ تَأْكِيدًا؛ ومُبالَغَةً في التَنْبِيهِ عَلى الحُرْمَةِ في التَقْلِيدِ؛ وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: اَلْهَدْيُ عامٌّ في أنْواعِ ما أُهْدِيَ قُرْبَةً؛ والقَلائِدُ ما كانَ الناسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أمَنَةً لَهُمْ؛ قالَ قَتادَةُ: كانَ الرَجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَمُرِ قِلادَةً؛ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ بِسُوءٍ؛ إذْ كانَتْ تِلْكَ عَلامَةَ إحْرامِهِ؛ وحَجِّهِ؛ وقالَ عَطاءٌ ؛ وغَيْرُهُ: بَلْ كانَ الناسُ إذا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ في حَوائِجَ لَهم تَقَلَّدُوا مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ ومِن لِحائِهِ؛ فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم مِن أهْلِ الحَرَمِ؛ أو مِن حُجّاجِهِ؛ فَيَأْمَنُونَ بِذَلِكَ؛ فَنَهى اللهُ تَعالى عَنِ اسْتِحْلالِ مَن تَحَرَّمَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ المَعانِي؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وعَطاءٌ: بَلِ الآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أنْ يَسْتَحِلُّوا أخْذَ القَلائِدِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ؛ كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ؛ وقالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ عن مُطَرِّفِ بْنِ الشِخِّيرِ؛ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُحِلُّوهُمْ؛ فَتُغِيرُوا عَلَيْهِمْ"؛ ونَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَعْمَدُوا لِلْكُفّارِ القاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ عَلى جِهَةِ التَعَبُّدِ؛ والقُرْبَةِ.

وكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ؛ مِن نَهْيٍ عن مُشْرِكٍ؛ أو مُراعاةِ حُرْمَةٍ لَهُ بِقِلادَةٍ؛ أو أمِّ البَيْتِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَهو كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ .

ورُوِيَ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ الحُطَمِ بْنِ هِنْدٍ البَكْرِيِّ؛ أخِي بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا لِأصْحابِهِ: "يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ"؛ فَجاءَ الحُطَمُ؛ فَخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ؛ ودَخَلَ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَلَمّا عَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَيْهِ الإسْلامَ؛ ودَعاهُ إلى اللهِ قالَ: أنْظُرُ؛ ولَعَلِّي أُسْلِمُ؛ وأرى في أمْرِكَ غِلْظَةً؛ ولِي مَن أُشاوِرُهُ؛ فَخَرَجَ؛ فَقالَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهٍ كافِرٍ؛ وخَرَجَ بِعَقِبٍ غادِرٍ"؛ فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سُرُحِ المَدِينَةِ؛ فَساقَهُ وانْطَلَقَ بِهِ وهو يَقُولُ: قَدْ لَفَّها اللَيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرِ وضَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزُلَمْ ∗∗∗ ∗∗∗ خَدَلَّجُ الساقَيْنِ خَفّاقُ القَدَمْ ثُمَّ أقْبَلَ الحُطَمُ مِن عامٍ قابِلٍ حاجًّا؛ وساقَ هَدْيًا؛ فَأرادَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ؛ وخَفَّ إلَيْهِ ناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ عَنِ الحُجّاجِ أنْ تُقْطَعَ سُبُلُهُمْ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ الحُطَمِ؛ فَذَكَرَ نَحْوَهُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتِ الآيَةُ عامَ الفَتْحِ؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ؛ «جاءَ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ؛ ويَعْتَمِرُونَ؛ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنَّما هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؛ فَلَنْ نَدَعَهم إلّا أنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ؛ فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَكُلُّ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِمّا يُتَصَوَّرُ في مُسْلِمٍ حاجٍّ؛ فَهو مُحْكَمٌ؛ وكُلُّ ما كانَ مِنها في الكُفّارِ فَهو مَنسُوخٌ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وأصْحابُهُ: "وَلا آمِّي البَيْتَ"؛ بِالإضافَةِ إلى البَيْتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ ؛ قالَ فِيهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: "يَبْتَغُونَ الفَضْلَ في الأرْباحِ في التِجارَةِ؛ ويَبْتَغُونَ - مَعَ ذَلِكَ - رِضْوانَهُ في ظَنِّهِمْ؛ وطَمَعِهِمْ"؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّما الفَضْلُ والرِضْوانُ في الآيَةِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ وهو رِضا اللهِ وفَضْلُهُ؛ بِالرَحْمَةِ والجَزاءِ؛ فَمِنَ العَرَبِ مَن كانَ يَعْتَقِدُ جَزاءً بَعْدَ المَوْتِ؛ وأكْثَرُهم إنَّما كانُوا يَرْجُونَ الجَزاءَ والرِضْوانَ في الدُنْيا؛ والكَسْبَ وكَثْرَةَ الأولادِ؛ ويَتَقَرَّبُونَ رَجاءَ الزِيادَةِ في هَذِهِ المَعانِي؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَرُضْوانًا"؛ بِضَمِّ الراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ اسْتِئْلافٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْعَرَبِ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ؛ لِتَنْبَسِطَ النُفُوسُ؛ ويَتَداخَلَ الناسُ؛ ويَرِدُوا المَوْسِمَ؛ فَيَسْمَعُوا القُرْآنَ؛ ويَدْخُلَ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ؛ وتَقُومَ عِنْدَهُمُ الحُجَّةُ كالَّذِي كانَ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الفَتْحِ؛ ونَسَخَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْدَ عامٍ؛ سَنَةَ تِسْعٍ؛ إذْ حَجَّ أبُو بَكْرٍ ؛ ونُودِيَ الناسُ بِسُورَةِ "بَراءَةٌ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ .

تصدير السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود مؤذن بأن سَتَرد بعده أحكام وعقود كانت عقدت من الله على المؤمنين إجمالاً وتفصيلاً، ذكَّرهم بها لأنّ عليهم الإيفاء بما عاقدوا الله عليه.

وهذا كما تفتتح الظهائر السلطانية بعبارة: هذا ظهير كريم يُتقبل بالطاعة والامتثال.

وذلك براعة استهلال.

فالتعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربّهم وهو الامتثال لِشريعته، وذلك كقوله: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ﴾ [المائدة: 7]، ومثل ما كان يبَايع عليه الرسولُ المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا، ويقول لهم: فمن وفى منكم فأجره على الله.

وشَمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، مثل قوله: ﴿ فسيحيوا في الأرض أربعةَ أشهر ﴾ [التوبة: 2]، وقوله: ﴿ ولا آمِّين البيتَ الحرام ﴾ [المائدة: 2].

ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم.

والإيفاء هو إعطاء الشيء وافياً، أي غير منقوص، ولمّا كان تحقّق ترك النقص لا يحصل في العرف إلاّ بالزيادة على القدر الواجب، صار الإيفاء مراداً منه عرفاً العدل، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفّيهم أجورهم ﴾ في سورة النساء (173).

والعقود جمع عقد بفتح العين، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل مّا.

وحقيقته أنّ العقد هو ربط الحبل بالعروة ونحوها، وشدّ الحبل في نفسه أيضاً عقد.

ثم استعمل مجازاً في الالتزام، فغلب استعماله حتّى صار حقيقة عرفية، قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدّوا العِناج وشدّوا فوقه الكَرَبَا فذكر مع العقد العناج وهو حبل يشدّ القربة، وذكر الكَرَب وهو حبل آخر للقربة: فرَجَعَ بالعقد المجازيّ إلى لوازمه فتَخيّل معه عناجاً وكرباً، وأراد بجميعها تخييل الاستعارة.

فالعقد في الأصل مصدر سمّي به ما يعقد، وأطلق مجازاً على التزام من جانبين لشيء ومقابله، والموضع المشدود من الحبل يسمّى عُقدة.

وأطلق العقد أيضاً على الشيء المعقود إطلاقاً للمصدر على المفعول، فالعهود عقود، والتحالف من العقود، والتبايع والمؤاجرة ونحوهما من العقود، وهي المراد هنا.

ودخل في ذلك الأحكام التي شرعها الله لنا لأنّها كالعقود، إذ قد التزمها الداخل في الإسلام ضمناً، وفيها عهد الله الذي أخذه على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به.

ويقع العقد في اصطلاح الفقهاء على إنشاء تسليم أو تحمّل من جانبين؛ فقد يكون إنشاء تسليم كالبيع بثمن ناض؛ وقد يكون إنشاء تحمّل كالإجارة بأجر ناض، وكالسلم والقراض؛ وقد يكون إنشاء تحمّل من جانبين كالنكاح، إذ المهر لم يُعتبر عوضاً وإنَّما العوض هو تحمّل كلّ من الزوجين حقوقاً للآخر.

والعقود كلّها تحتاج إلى إيجاب وقبول.

والأمر بالإيفاء بالعقود يدلّ على وجوب ذلك، فتعيّن أنّ إيفاء العاقد بعقده حقّ عليه، فلذلك يقضي به عليه، لأنّ العقود شرعت لسدّ حاجات الأمّة فهي من قسم المناسب الحاجيّ، فيكون إتمامها حاجيّاً؛ لأنّ مكمّل كلّ قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمَّلِه: إنْ ضروريّاً، أو حاجياً، أو تحسيناً.

وفي الحديث المسلمون على شروطهم إلاّ شرطاً أحلّ حراماً أو حرّم حلالاً.

فالعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها مجرّد الصيغة تلزم بإتمام الصيغة أو ما يقوم مقامها، كالنكاح والبيع.

والمراد بما يقوم مقام الصيغة نحو الإشارة للأبكم، ونحو المعاطاة في البيوع.

والعقود التي اعتبر الشرع في انعقادها الشروعَ فيها بعد الصيغة تلزم بالشروع، كالجُعل والقِراض.

وتمييزُ جزئيَّات أحد النوعين من جزئيات الآخر مجال للاجتهاد.

وقال القرافيّ في الفرق التاسع والمائتين: إنّ أصل العقود من حيث هي اللزوم، وإنّ ما ثبت في الشرع أو عند المجتهدين أنّه مبنيّ على عدم اللزوم بالقول فإنَّما ذلك لأنّ في بعض العقود خفاء الحقّ الملتزم به فيُخشى تطرّق الغرر إليه، فوسَّع فيها على المتعاقدين فلا تلزمهم إلاّ بالشروع في العمل، لأنّ الشروع فرع التأمّل والتدبّر.

ولذلك اختلف المالكيَّة في عقود المغارسة والمزارعة والشركة هل تلحق بما مصلحته في لزومه بالقول، أو بما مصلحته في لزومه بالشروع.

وقد احتجّ في الفرق السادس والتسعين والمائة على أنّ أصل العقود أن تلزم بالقول بقوله تعالى: أوفوا بالعقود}.

وذكر أنّ المالكيَّة احتجّوا بهذه الآية على إبطال حديث: خيار المجلس؛ يعني بناء على أنّ هذه الآية قرّرت أصلاً من أصول الشريعة، وهو أنّ مقصد الشارع من العقود تمامها، وبذلك صار ما قرّرته مقدّماً عند مالك على خبر الآحاد، فلذلك لم يأخذ مالك بحديث ابن عمر «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرّقا».

واعلم أنّ العقد قد ينعقد على اشتراط عدم اللزوم، كبيع الخيار، فضبطه الفقهاء بمدّة يحتاج إلى مثلها عادة في اختيار المبيع أو التشاور في شأنه.

ومن العقود المأمور بالوفاء بها عقود المصالحات والمهادنات في الحروب، والتعاقد على نصر المظلوم، وكلّ تعاقد وقع على غير أمر حرام، وقد أغنت أحكام الإسلام عن التعاقد في مثل هذا إذ أصبح المسلمون كالجسد الواحد، فبقي الأمر متعلّقاً بالإيفاء بالعقود المنعقدة في الجاهلية على نصر المظلوم ونحوه: كحلف الفضول.

وفي الحديث: " أوفُوا بعقود الجاهلية ولا تُحدثوا عقداً في الإسلام " وبقي أيضاً ما تعاقد عليه المسلمون والمشركون كصلح الحُدَيْبِية بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش.

وقد رُوِي أنّ فرات بن حيّان العِجْلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية فقال: «لعلّك تسأل عن حلف لُجَيْم وتَيْمَ، قال: نعم، قال: لا يزيده الإسلام إلاّ شدّة».

قلت: وهذا من أعظم ما عرف به الإسلام بينهم في الوفاء لغير من يعتدي عليه.

وقد كانت خزاعة من قبائل العرب التي لم تناو المسلمين في الجاهلية، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم ﴾ في سورة آل عمران (173).

أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الانعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ}.

أشعر كلام بعض المفسّرين بالتَّوقّف في توجيه اتّصال قوله تعالى: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ بقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ .

ففي «تلخيص الكواشي»، عن ابن عباس: المراد بالعقود ما بَعد قوله: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ اه.

ويتعيَّن أن يكون مراد ابن عباس ما مبْدؤه قوله: ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ الآيات.

وأمّا قول الزمخشري ﴿ أحلَّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ تفصيل لمجمل قوله: ﴿ أوفوا بالعُقود ﴾ فتأويله أنّ مجموع الكلام تفصيل لا خصوص جملة ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ ؛ فإنّ إباحة الأنعام ليست عقداً يجب الوفاء به إلاّ باعتبار ما بعده من قوله: «إلاّ ما يتلى عليكم».

وباعتبار إبطال ما حرّم أهل الجاهلية باطلاً ممّا شمله قوله تعالى: ﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ﴾ [المائدة: 103] الآيات.

والقول عندي أنّ جملة ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ تمهيد لما سَيَرِد بعدها من المنهيات: كقوله: ﴿ غيْر محِلّي الصّيد ﴾ وقوله: ﴿ وتعاونوا على البِرّ والتقوى ﴾ [المائدة: 2] التي هي من عقود شريعة الإسلام فكان الابتداء بذكر بعض المباح امتناناً وتأنيساً للمسلمين، ليتلقّوا التكاليف بنفوس مطمئنّة؛ فالمعنى: إنْ حرّمنا عليكم أشياء فقد أبحنا لكم أكثر منها، وإن ألزمناكم أشياء فقد جعلناكم في سعة من أشياء أوفر منها، ليعلموا أنّ الله ما يريد منهم إلاّ صلاحهم واستقامتهم.

فجملة ﴿ أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنّها تصدير للكلام بعد عنوانه.

والبهيمة: الحيوان البرّي من ذوي الأربع إنسِيّها ووحشيّها، عدا السباعَ، فتشمل بقر الوحش والظباء.

وإضافة بهيمة إلى الأنعام من إضافة العامّ للخاصّ، وهي بيانية كقولهم: ذبابُ النحل ومدينة بغداد.

فالمراد الأنعام خاصّة، لأنَّها غالب طعام الناس، وأمّا الوحش فداخل في قوله: ﴿ غير محلّي الصيد وأنتم حرم ﴾ ، وهي هنا لدفع توهّم أن يراد من الأنعام خصوص الإبل لغلبة إطلاق اسم الأنعام عليها، فذكرت (بهيمة) لشمول أصناف الأنعام الأربعة: الإبل، والبقر، والغنم، والمعز.

والإضافة البيانيَّة على معنى (مِن) التي للبيان، كقوله تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ [الحج: 30].

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ من عموم الذوات والأحوال، وما يتلى هُو ما سيفصّل عند قوله: ﴿ حُرّمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3]، وكذلك قوله: ﴿ غير مُحلِّي الصيد وأنتم حرم ﴾ ، الواقع حالاً من ضمير الخطاب في قوله: ﴿ أحِلت لكم ﴾ ، وهو حال مقيّد معنى الاستثناء من عموم أحوال وأمكنة، لأنّ الحُرم جمع حرام مثل رَدَاح على رُدُح.

وسيأتي تفصيل هذا الوصف عند قوله تعالى: ﴿ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ في هذه السورة (97).

والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة، أي نواهما.

ووصف أيضاً لمن كان حالاً في الحرم، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي: قَتَلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرِما *** أي حالاً بحرم المدينة.

والحَرَم: هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة، وهو الذي لا يصاد صيده، ولا يُعضد شجره ولا تحلّ لقطته، وهو المعروف الذي حدّده إبراهيم عليه السلام ونصَب أنصاباً تعرف بها حدوده، فاحترمه العرب، وكان قُصّي قد جدّدها، واستمرّت إلى أن بَدَا لقريش أن ينزعوها، وذلك في مدّة إقامة النبي بمكة، واشتدّ ذلك على رسول الله، ثم إنّ قريشاً لم يلبثوا أن أعادوها كما كانت.

ولمَّا كان عامُ فتح مكة بعث النبي تميماً بن أسد الخُزاعي فجدّدها.

ثم أحياها وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة، فبعث لتجديد حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدّون في بوادي مكة، وهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحوَيطب بن عبد العزّى العامري، وأزهر بن عوف الزهري، فأقاموا أنصاباً جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب الحدود التي حدّدها النبي وتبتدئ من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم، والتنعيم ليس من الحرم، وتمتدّ في طريق الذاهب إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له: المقطع، وتذهب في طريق الطائف تسعة (بتقديم المثناة) أميال فتنتهي إلى الجعرانة، ومن جهة اليمن سبعة (بتقديم السين) فينتهي إلى أضاةِ لِبْن، ومن طريق جُدّة عشرة أميال فينتهي إلى آخر الحديبية، والحديبية داخلة في الحرم.

فهذا الحرم يحرم صيده، كما يحرم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة.

فقوله: وأنتم حرم} يجوز أن يراد به محرِمون، فيكون تحريماً للصيد على المحرم: سواء كان في الحرم أم في غيره، ويكون تحريم صيد الحرم لغير المحرم ثابتاً بالسنّة، ويجوز أن يكون المراد به: محرمون وحالّون في الحرم، ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحُرمة، فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحّة استعماله فيهما، أو يكون من استعماله فيهما، على رأي من يصحّح ذلك، وهو الصحيح، كما قدّمناه في المقدّمة التاسعة.

وقد تفنّن الاستثناء في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ وقوله: ﴿ غير مُحِلّي الصيد ﴾ ، فجيء بالأول بأداة الاستثناء، وبالثاني بالحالين الدالّين على مغايرة الحالة المأذون فيها، والمعنى: إلاّ الصيد في حالة كونكم مُحْرمين، أو في حالة الإحرام.

وإنَّما تعرّض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاصّ، فذكر هنا لأنّه تحريم عارض غير ذاتيّ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلّقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله ﴾ [المائدة: 2] الآية.

والصيد يجوز أن يكون هنا مصدراً على أصله، وأن يكون مطلقاً على اسم المفعول: كالخَلْق على المخلوق، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصليّ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة، فيكون التقدير: غير محلي إصابة لصيد.

والصيد بمعنى المصدر: إمساك الحيوان الذي لا يألف، باليد أو بوسيلة ممسكة، أو جارحة: كالشباك، والحبائل، والرماح، والسهام، والكلاب، والبُزاة؛ وبمعنى المفعول هو المَصيد.

وانتصب ﴿ غيرَ ﴾ على الحال من الضمير المجرور في قوله: ﴿ لكم ﴾ .

وجملة ﴿ وأنتم حرم ﴾ في موضع الحال من ضمير (مُحلّي)، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم: فالإباحة في حال عدم الإحرام، والتحريم له في حال الإحرام.

وجملة ﴿ إنّ الله يحكم ما يريد ﴾ تعليل لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ، أي لا يصرفكم عن الإيفاء بالعقود أن يكون فيما شرعه الله لكم شيء من ثقل عليكم، لأنّكم عاقدتم على عدم العصيان، وعلى السمع والطاعة لله، والله يحكم ما يريد لا ما تريدون أنتم.

والمعنى أنّ الله أعلم بصالحكم منكم.

وذكر ابن عطية: أنّ النقّاش حكى: أنّ أصحاب الكِندي قالوا له: «أيّها الحكيم اعمل لنا مِثْلَ هذا القرآن، قال: نعم أعْمَل لكم مثلَ بعضه، فاحتجبَ عنهم أيَّاماً ثمّ خرج فقال: والله ما أقدر عليه.

ولا يطيق هذا أحد، إنِّي فتحت المصحف فخرجتْ سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونَهَى عن النكث وحلّل تحليلاً عامّاً ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبرَ عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أحد أن يأتي بهذا إلاّ في أجْلاد» جَمع جِلد أي أسفار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ المائِدَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عُهُودُ اللَّهِ، الَّتِي أخَذَ بِها الإيمانُ، عَلى عِبادِهِ فِيما أحَلَّهُ لَهم، وحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها العُهُودُ الَّتِي أخَذَها اللَّهُ تَعالى عَلى أهْلِ الكِتابِ أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ مِن تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّالِثُ: أنَّها عُهُودُ الجاهِلِيَّةِ وهي الحِلْفُ الَّذِي كانَ بَيْنَهم، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الرّابِعُ: عُهُودُ الدِّينِ كُلُّها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّها العُقُودُ الَّتِي يَتَعاقَدُها النّاسُ بَيْنَهم مِن بَيْعٍ، أوْ نِكاحٍ، أوْ يَعْقِدُها المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ مِن نَذْرٍ، أوْ يَمِينٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الأنْعامُ كُلُّها، وهي الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها أجِنَّةُ الأنْعامِ الَّتِي تُوجَدُ مَيِّتَةً في بُطُونِ أُمَّهاتِها، إذا نُحِرَتْ أوْ ذُبِحَتْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ.

والثّالِثُ: أنَّ بَهِيمَةَ الأنْعامِ وحْشِيُّها كالظِّباءِ وبَقَرِ الوَحْشِ، ولا يَدْخُلُ فِيها الحافِرُ، لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن نِعْمَةِ الوَطْءِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ﴾ أيْ مَعالِمُ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الإشْعارِ وهو الإعْلامُ.

وَفي شَعائِرِ اللَّهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّها ما حَرَّمَهُ اللَّهُ في حالِ الإحْرامِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّها حَرَمُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها حُدُودُ اللَّهِ فِيما أحَلَّ وحَرَّمَ وأباحَ وحَظَّرَ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والخامِسُ: هي دِينُ اللَّهِ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ  ﴾ أيْ دِينَ اللَّهِ.

﴿ وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ ﴾ أيْ لا تَسْتَحِلُّوا القِتالَ فِيهِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ رَجَبُ مُضَرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ذُو القِعْدَةِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها الأشْهُرُ الحُرُمُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

﴿ وَلا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ﴾ أمّا الهَدْيُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ ما أهْداهُ مِن شَيْءٍ إلى بَيْتِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ ما لَمْ يُقَلِّدْ مِنَ النَّعَمِ، وقَدْ جَعَلَ عَلى نَفْسِهِ، أنْ يُهْدِيَهُ ويُقَلِّدَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَأمّا القَلائِدُ فَفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أنَّها قَلائِدُ الهَدْيِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ يَرى أنَّهُ إذا قَلَّدَ هَدْيَهُ صارَ مُحْرِمًا.

والثّانِي: أنَّها قَلائِدُ مِن لِحاءِ الشَّجَرِ، كانَ المُشْرِكُونَ إذا أرادُوا الحَجَّ قَلَّدُوها في ذَهابِهِمْ إلى مَكَّةَ، وعَوْدِهِمْ لِيَأْمَنُوا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْخُذُونَ لِحاءَ الشَّجَرِ مِنَ الحَرَمِ إذا أرادُوا الخُرُوجَ مِنهُ، فَيَتَقَلَّدُونَهُ لِيَأْمَنُوا، فَنُهُوا أنْ يَنْزِعُوا شَجَرَ الحَرَمِ فَيَتَقَلَّدُوهُ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ يَعْنِي ولا تَحِلُّوا قاصِدِينَ البَيْتَ الحَرامَ، يُقالُ أمَّمْتُ كَذا إذا قَصَدْتَهُ، وبَعْضُهم يَقُولُ يَمَّمْتُهُ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ إنِّي لِذاكَ إذا ما ساءَنِي بَلَدٌ يَمَّمْتُ صَدْرَ بَعِيرِي غَيْرَهُ بَلَدًا ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّبْحُ في التِّجارَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والثّانِي: الأجْرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ ﴿ وَرِضْوانًا ﴾ يَعْنِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِنُسُكِهِمْ.

﴿ وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ﴾ وهَذا وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ، فَهو بَعْدَ حَظْرٍ، فاقْتَضى إباحَةَ الِاصْطِيادِ بَعْدَ الإحْلالِ دُونَ الوُجُوبِ.

﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ في يَجْرِمَنَّكم تَأْوِيلانِ.

أحَدُهُما: لا يَحْمِلَنَّكم، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والكَسائِيِّ، وأبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ يُقالُ: جَرَمَنِي فُلانٌ عَلى بُغْضِكَ ، أيْ حَمَلَنِي، قالَ الشّاعِرُ: ولَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَّمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا والثّانِي: مَعْناهُ ولا يَكْسِبَنَّكم، يُقالُ جَرَمْتُ عَلى أهْلِي، أيْ كَسَبْتُ لَهم، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

وَفي ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ بُغْضُ قَوْمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَداوَةُ قَوْمٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَقالَ السُّدِّيُّ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحُطَمِ بْنِ هِنْدٍ البَكْرِيِّ أتى رَسُولَ اللَّهِ  ، إلامَ تَدْعُو؟

فَأخْبَرَهُ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ  قالَ لِأصْحابِهِ: يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ فَلَمّا أخْبَرَهُ النَّبِيُّ  قالَ: أنْظِرْنِي حَتّى أُشاوِرَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ، وخَرَجَ بِقَفا غادِرٍ فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سُرُحِ المَدِينَةِ، فاسْتَقاهُ وانْطَلَقَ وهو يَرْتَجِزُ ويَقُولُ: لَقَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَواقِ حُطَمْ ∗∗∗ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ ∗∗∗ ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرٍ وضَمْ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ ∗∗∗ باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزُّلَمْ ∗∗∗ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ ثُمَّ أقْبَلَ مِن عامٍ قابِلٍ حاجًّا قَدْ قَلَّدَ الهَدْيَ، فاسْتَأْذَنَ أصْحابُ النَّبِيِّ  أنْ يَقْتُلُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى بَلَغَ ﴿ آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ ﴾ فَقالَ لَهُ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ خَلِّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ صاحِبُنا، فَقالَ: إنَّهُ قَدْ قَلَّدَ.

» ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّ مِنها مَنسُوخًا عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّ جَمِيعَها مَنسُوخٌ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنها " ولاَ الشَّهْرَ الحَرامَ ولاَ آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ " وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي نُسِخَ مِنها ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَتَقَلَّدَهُ مِن لِحاءِ الشَّجَرِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ يعني بالعهود، ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حدَّ في القرآن كله، لا تغدروا ولا تنكثوا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ أي بعقد الجاهلية، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ قال: بالعهود، وهي عقود الجاهلية الحلف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن عبيدة قال: العقود خمس: عقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة البيع، وعقدة العهد، وعقدة الحلف.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال: العقود خمس: عقدة الإيمان، وعقدة النكاح، وعقدة البيع، وعقدة العهد، وعقدة الحلف.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال: هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقِّه أهلها، ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم.

هذا كتاب من الله ورسوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم، أمره بتقوى الله في أمره كله ﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾ [ النحل: 128] ، وأمره أن يأخذ الحق كما أمره، وأن يبشر بالخير الناس، ويأمرهم به الحديث بطوله.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة في مسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدوا للحلفاء عقودهم التي عاقدت أيمانكم.

قالوا: وما عقدهم يا رسول الله؟

قال: العقل عنهم، والنصر لهم» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ﴾ يقول: أوفوا بالعهود، يعني العهد الذي كان عهد اليهم في القرآن فيما أمرهم من طاعته أن يعملوا بها، ونهيه الذي نهاهم عنه، وبالعهد الذي بينهم وبين المشركين، وفيما يكون من العهود بين الناس.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس ان نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ قال: يعني الإبل والبقر والغنم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت الأعشى وهو يقول: أهل القباب الحمر والن ** عم المؤثل والقبائل وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ابن المنذر عن الحسن في قوله: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ قال: الإبل، والبقر، والغنم.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس.

أنه أخذ بذنب الجنين، فقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أحلَّت لكم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عمر في قوله: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ قال: ما في بطونها.

قلت: إن خرج ميتاً آكله؟

قال: نعم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ قال: الأنعام كلها ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ قال: إلا الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ أحلَّت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قال: ﴿ الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ﴾ [ المائدة: 3] إلى آخر الآية فهذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ قال: إلا الميتة وما ذكر معها ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ قال: غير أن يحل الصيد أحد وهو محرم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن أيوب قال: سئل مجاهد عن القرد أيؤكل لحمه؟

فقال: ليس من بهيمة الأنعام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: الأنعام كلها حل إلا ما كان منها وحشياً فإنه صيد، فلا يحل إذا كان محرماً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال: إن الله يحكم ما أراد في خلقه، وبين ما أراد في عباده، وفرض فرائضه، وحدَّ حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

العقد في اللغة معناه الجمع بين الشيئين بما يعسر انفصال أحدهما عن الآخر، كعقدة الحبل بالحبل، ثم يسمى العهد وما يؤكده الناس بينهم الأمانات والمواثيق عقدًا لإحكامه (١) قال أبو إسحاق: والعقود أوكد العهود، يقال: عقد فلان اليمين، إذا وَكّدها (٢) واختلفوا في معنى العقود ههنا: فقال ابن عباس في رواية عطاء (٣) (٤) قال ابن عباس: العقود: ما أحل الله، وما حرم الله، وما فرض الله، وما حدّ في القرآن كله (٥) فعلى هذا العقود جمع العقد بمعنى المَعْقُود، وهو الذي أحكم، وما فرضه الله علينا فقد أحكم ذلك ولا سبيل إلى نَقْضِه بِحَال.

وهذا رواية أبي الجوزاء (٦) (٧) وقال الكلبي: يقول: أتموا الفرائض ما افترض الله على العباد مما أحل لهم وحرم عليهم، والعهود التي بينكم وبين الناس (٨) والعهود تسمى عقودًا؛ لأنك تقول: عهدت إلى فلان كذا وكذا، تأويله ألزمته، كذا (٩) (١٠) والعقود التي بين الناس على ضربين: لازمة، وجائزة.

واللازمة كالنكاح والبيع والإجارة (١١) وما كان جائزًا: فالعاقد مندوب إلى الوفاء به، ولا يجب، لقوله  : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (١٢) فأباح له ترك ما حلف عليه بشرط التكفير إذا رأى غير ما حلف عليه خيرًا، ففي الذي له يحلف عليه أولى أن يَجُوز (١٣) وقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ﴾ .

الأكثرون على أن هذا ابتداء كلام آخر (١٤) وقال بعضهم: هذا متصل بالكلام الأول، على معنى: أوفوا بعقود من عاهدتم وتعففوا عن أموالهم بما أحل لكم من بهيمة الأنعام (١٥) والبهيمة اسم لكل ذي أربع من ذوات البَرّ والبَحر (١٦) قال ابن الأنباري: البهيمة معناها في اللغة: المُبهَمَة عن العقل والتمييز (١٧) وقال أبو إسحاق نحو هذا، فقال: كل حي لا يُمَيِّز فهو بهيمة، وإنما قيل له بهيمة لأنه أبهم عن أن يميز (١٨) والأنعام جمع النَّعَم، وهي الإبل والبقر والغنم وأجناسها، في قول جميع أهل اللغة والتأويل (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) واختلفوا في المَعْنِي بـ (بهيمة الأنعام)، فقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الضأن والمعز والإبل والبقر (٢٣) وهذا قول الحسن وقتادة والربيع والضحاك والسدي، قالوا: هي الأنعام كلها (٢٤) وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: إنما أضاف البهيمة إلى الأنعام على جهة التوكيد والإطناب في المعنى، ولو قال: أحلت لكم الأنعام لم يسقط بسقوط البهيمة إلا زيادة التوكيد، وهذا كما يقال: نفس الإنسان (٢٥) وقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشيها (٢٦) (٢٧) وهو اختيار الفراء (٢٨) (٢٩) وعلى هذا القول قال أبو بكر: أضاف البهيمة إلى الأنعام؛ لأنه (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: إلا ما يُقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم، وهو قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ  ﴾ .

قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي (٣١) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

انتصب (غيرَ) على الحال من قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ ﴾ (٣٢) وقال الفراء: هو مثل قولك: أحل لك هذا الشيء لا مفرطًا فيه ولا متعديًا، فإذا جعلت (غيرَ) مكان (لا)، صار النصب الذي بعد (لا) في (غير) (٣٣) والمعنى: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام، فإنه لا يحل لكم إذا كنتم محرمين.

ويقال: رجل حرام، وقوم حُرُم، أي: محرمون (٣٤) والإضافة في قوله تعالى: ﴿ مُحِلِّي الصَّيْدِ ﴾ على تقدير الانفصال؛ لأن ما كان من هذا الباب للاستقبال وللحال أثبتت فيه النون والتنوين، نحو: ضارب زيدًا، وضاربون زيدًا (٣٥) ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ قال أبو إسحاق: أي الخلق له جل وعز يُحل منه ما يشاء لمن يشاء، ويُحرم ما يريد (٣٦) (١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 46 - 47، و"تهذيب اللغة" 1/ 2511، و"الصحاح" 2/ 510 (عقد)، و"التعريفات" ص 153.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 139.

(٣) ثبت ذلك من طريق علي بن أبي طلحة كما في "تفسير ابن عباس" ص 165، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 47 (٤) أخرج الآثار عنهم الطبري في "تفسيره" 6/ 47.

(٥) "تفسير ابن عباس" ص 165، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 48.

(٦) هو أوْس بن عبد الله الربعي البصري، تابعي ثقة، يرسل كثيراً، وحديثه عند الجماعة، مات -رحمه الله- سنة 83 هـ.

انظر: "ميزان الاعتدال" 1/ 278، و"سير أعلام النبلاء" 4/ 371، و"التقريب" ص 116 رقم (577).

(٧) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 786 دون نسبة ولم أقف عليه.

(٨) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٩) في (ش): (ذلك).

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2607 (عهد).

(١١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 48 - 49.

(١٢) أخرجه البخاري بنحوه (6622) كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ ومسلم بلفظه (1650) كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها.

(١٣) في (ش): (يكون)، والمعنى واحد.

(١٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 412، و"الكشاف" 1/ 320.

(١٥) لم أقف عليه.

(١٦) "تهذيب اللغة" 1/ 409 (بهم)، وانظر: "الدر المصون" 4/ 177، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 34.

(١٧) لم أقف عليه.

(١٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 141.

(١٩) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، والطبري في "تفسيره" 6/ 51، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 248، "تهذيب اللغة" 4/ 3616 - 3617 (نعم)، و"بحر العلوم" 1/ 412.

وابن قتيبة والسمرقندي زادا (الوحوش)، وهو غريب.

(٢٠) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 51.

(٢١) زيادة في (ش).

(٢٢) نَعمة الوطء، بفتح النون، ولعل المراد تشبيه غير ذات الحافر بمن يمشي حافيا من قولهم: تنعم الرجل: إذا مشى حافيًا.

انظر: "اللسان" 6/ 4484 (نعم).

(٢٣) لم أقف عليه.

(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 248، و"زاد المسير" 2/ 268، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 34.

(٢٥) لم أقف عليه.

(٢٦) في (ج): (وحشها) بدون ياء.

(٢٧) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 106.

(٢٨) "معاني القرآن" 1/ 298.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 140.

(٣٠) في (ج): (لأنها).

(٣١) "تفسير ابن عباس" ص 166، وأخرج الآثار عن الجميع إلا الحسن والطبري في "تفسيره" 9/ 458.

وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 443 ن "زاد المسير" 2/ 269.

(٣٢) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 217، و"الكشاف" 1/ 320، و"الدر المصون" 4/ 178.

(٣٣) "معاني القرآن" 1/ 298.

(٣٤) "معاني الزجاج" 2/ 141، وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 794 (حرم)، و"زاد المسير" 2/ 269.

(٣٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 298، و"معاني الزجاج" 2/ 141.

(٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 142.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ قيل: إن العقود هنا عقدة الإنسان مع غيره من بيع ونكاح وعتق وشبه ذلك، وقيل: ما عقده مع ربه من الطاعات: كالحج والصيام وشبه ذلك، وقيل: ما عقده الله عليهم من التحليل والتحريم في دينه، ذكر مجملاً ثم فصل بعد ذلك في قوله: أحلت لكم وما بعده ﴿ بَهِيمَةُ الأنعام ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، وإضافة البهيمة إليها من باب إضافة الشيء إلى ما هو أخص منه؛ لأن البهيمة تقع على الأنعام وغيرها، قال الزمخشري: هي الإضافة التي بمعنى من كخاتم من حديد أي البهيمة من الأنعام، وقيل: هي الوحش؛ كالظباء، وبقر الوحش والمعروف من كلام العرب أن الأنعام لا تقع إلاّ على الإبل والبقر والغنم، وأن البهيمة تقع على كل حيوان ما عدا الإنسان ﴿ إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ ﴾ يريد الميتة وأخواتها ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصيد ﴾ نصب على الحال من الضمير في لكم ﴿ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ حال من مُحلي الصيد، وحُرُم جمع حرام وهو المحرم بالحج، فالاستثناء بإلا من البهائم المحللة، والاستثناء بغير من القوم المخاطبين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.

الباقون مثقلة.

﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.

الباقون بالفتح.

﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.

الباقون بالفتح.

﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.

﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.

الباقون بالجر.

الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.

﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.

﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.

﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.

﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.

﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.

﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.

﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.

﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.

﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.

والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.

والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.

والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.

ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.

قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله  : " "لا نذر في معصية الله" .

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله  : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.

وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله:  : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح  ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.

والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.

ثم إنه  لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.

وهذا باب مبهم أي مسدود.

ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.

والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.

قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.

وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.

وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.

وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.

وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.

الثاني أنها الأجنة.

عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه  يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.

وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله  وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله  في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.

والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.

على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.

قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.

وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.

ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟

فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.

ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".

وقال ابن فارس: واحدها شعارة.

ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.

والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.

ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.

وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.

وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.

وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي  من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي  فقال له: إلام تدعو الناس؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.

فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.

وقد كان النبي  قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.

فلما خرج قال رسول الله  : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .

فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.

وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله  وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله  : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟

فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.

والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.

والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.

والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.

والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.

ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.

وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله  ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.

وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه  أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.

وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله  ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.

﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.

تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.

الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.

والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.

ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.

وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.

قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله  والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.

﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.

والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله  وتعالى .

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.

﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.

والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.

قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.

الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.

قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.

وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.

والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.

الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.

وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.

السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.

وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.

السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.

الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.

والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.

وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.

تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.

التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.

قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.

أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.

وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.

العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.

وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.

وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.

الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.

فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.

فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.

وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.

والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.

يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.

وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.

وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه  مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.

ثم إنه  حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.

وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي  واقف على ناقته العضباء.

وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.

فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله  محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.

قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.

﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي  مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟

وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.

وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.

وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.

والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.

قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.

وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.

قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.

وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.

روي أنه لما نزلت الآية على النبي  فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.

وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.

قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي  عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.

والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.

ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.

واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.

ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.

﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.

وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.

تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.

أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل  جاء إلى النبي  فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله  فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.

قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي  فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله  إلى أن نزلت هذه الآية.

فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .

وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله  زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.

الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي  نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.

ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله  عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .

الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.

الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.

الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.

ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.

ومنه الفواسق الخمس.

روي أنه  قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .

السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه  نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.

السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله  : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.

فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.

وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.

وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.

والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه  قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.

ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.

قوله  : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.

قال  : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار  ﴾ أي كسبتم.

وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.

وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.

وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.

نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.

والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.

قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله  : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.

يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.

وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.

واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.

ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.

ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله  لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.

وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.

ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.

وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.

ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.

و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره  ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.

وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.

والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.

ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.

أما قوله  : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.

وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله  .

/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.

وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.

وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.

وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.

وقد يرجح الأول بأنه  قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.

ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.

وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله  ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.

وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.

فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟

وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.

﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.

وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.

وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله  : ﴿ حتى يعطوا الجزية  ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.

﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.

والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله  في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.

ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.

وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.

وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.

وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.

واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.

ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.

ثم إنه  لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله  نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.

وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.

ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.

الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.

والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.

وأيضاً إنه طهارة وقد قال  في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال  : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.

الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.

وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.

وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.

وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.

ويروى "أنّ النبي  كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه  صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.

قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .

أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.

وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.

الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.

وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.

ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.

وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.

نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله  والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال  : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.

الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.

الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.

وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله  : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين  ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.

وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.

السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.

وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.

وقال  في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .

وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.

ثم إنه  أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله  عنه.

وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.

ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.

وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.

السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه  رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.

الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.

وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه  احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .

التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.

وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.

الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.

وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.

الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟

قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.

قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.

الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟

يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.

وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.

الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.

الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.

السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.

السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.

الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.

وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.

التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.

أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.

حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.

العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.

الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.

الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.

لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.

الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.

الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.

مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.

الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.

الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.

السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.

السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.

ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.

وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.

وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.

وهذا الجواب اختيار الزجاج.

وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.

الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.

لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.

التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.

الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.

الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.

أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه  مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.

الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.

الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.

وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه  مسح على العمامة.

وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.

الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر  أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.

وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.

وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.

وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.

والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.

الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.

وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.

والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.

حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه  قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .

السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.

حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.

السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.

الثامنة والثلاثون.

قوله  : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.

وللجنابة سببان: نزول المني لقوله  : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه  قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.

التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.

لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون  ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله  : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله  : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.

ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله  : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.

الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.

الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.

الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.

قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.

وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.

الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله  : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.

الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.

السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.

السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.

الشافعي يكره للحديث.

الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي  من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.

وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.

التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.

الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.

الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.

حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.

الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.

وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.

الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.

والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.

الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.

وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.

حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله  : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله  : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.

السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.

وقال أبو حنيفة: نجسه.

السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.

وقال زفر: لا يجب.

الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.

أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.

التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله  : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .

الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي  وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.

لنا قوله  : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.

الحادية والستون.

الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله  فيبقى في التيمم على ظاهره.

أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.

أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.

الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.

وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.

الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.

وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.

الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.

الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.

وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.

السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.

والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.

ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.

وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.

السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.

الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.

/واعلم أن قوله  وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.

وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.

أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول  : ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ولقوله  : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.

التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله  لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.

﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.

ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.

فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟

فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.

الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.

وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.

وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.

ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.

ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.

وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.

وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟

ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟

فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.

وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.

بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.

عن جابر "أن النبي  نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي  سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله  فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟

قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي  يقول: الله.

فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي  أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .

وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي  رجلين من بني سليم - وبين النبي  وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي  ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.

فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟

فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.

فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل  وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.

وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.

التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.

فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.

ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.

﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.

﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي  ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.

وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين  ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ ﴾ .

أجمع أهل التأويل على أن العقود - هاهنا - هي العهود، ثم العهود على قسمين: عهود فيما بين الخلق، أمر الله - عز وجل - بوفائها.

وعهود فيما بينهم وبين ربهم، وهي المواثيق التي أخذ عليهم، من نحو: الفرائض التي فرض الله عليهم، والنذور التي يتولون هم إيجابها، وغير ذلك، أمر عز وجل بوفائها.

وأما العهود التي فيما بينهم من نحو: الأيمان وغيرها، أمر بوفاء ذلك إذَا لم يكن فيها معصيَة الرب؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا...

﴾ الآية [النحل: 91] أمر هاهنا بوفاء الأيمان، ونهى عن تركها ونقضها، ثم جاء في الخبر أنه قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ [عن] يَمِيْنَهُ" .

أمر فيما فيه معصية بفسخها، وأمر بوفاء ما لم يكن فيه معصية، ونهى عن نقضها بقوله  : ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ...

﴾ الآية [النحل: 91].

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ ﴾ : وهي العهود، وهو ما أحل وما حرم، وما فرض وما حدَّ، في القرآن كله، وهو ما ذكرنا.

وقيل: إن العقود التي أمر الله -  - بوفائها هي العهود التي أخذ الله -  - على أهل الكتاب: أن يؤمنوا بمحمد  ، ويأخذوا بشرائعه، ويعملوا بما جاء به، وهو كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ \[الآية\] [المائدة: 12].

فالخطاب لهم على هذا التأويل؛ لأنهم كانوا آمنوا به قبل أن يبعث، فلما بعث كفروا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ .

قال بعضهم: هي الوحوش، وهو قول الفراء؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ؟!.

وقال الحسن: هي الإبل والبقر والغنم.

وقال آخرون: البهيمة: كل مركوب.

لكن عندنا: كل مأكول من الغنم، والوحش، والصيد، وغيره، وإن لم يذكر.

دليله، ما استثنى: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ ؛ كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا ما يتلى عليكم من ﴿ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ ﴾ الآية [المائدة: 3] ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

دل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ على أن الصيد فيه كالمذكور، وإن لم يذكر؛ لأنه استثنى الصيد منه، وأبداً: إنما يستثنى الشيء من الشيء إذا كان فيه ذلك، وأما إذا لم يكن؛ فلا معنى للاستثناء، فإذا استثنى الصيد دل الاستثناء على أن الصيد فيه، وإن لم يذكر.

ودل قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ  ﴾ على أن النهي كان عن الاصطياد في حال الإحرام لا عن أكله؛ لأن للمحرم أن يأكل صيداً صاده حلالٌ.

ودل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ ﴾ على أن الصيد قد دخل في قوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ على ما ذكرنا فيما تقدم: أن البيان في الجواب يدل على كونه في السؤال، وإن لم يكن مذكوراً في السؤال؛ فعلى ذلك تدل الثنيا من الصيد على كونه فيه، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ ﴾ الثمانية الأزواج التي ذكرها في سورة الأنعام: ﴿ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر [الأنعام: 143].

والآية تدل على أن الذي أحل من البهائم - الأنعام منها - ثمانية؛ دل عليه قوله: ﴿ وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  ﴾ ثم قال: ﴿ وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً  ﴾ ؛ ففصل بين الأنعام وبين الخيل والبغال والحمير؛ [فالخير والبغال والحمير] خلقها للركوب، والأنعام للأكل.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ .

كأنه قال: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد، ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل: يتلى على الوعد، أي: يتلى عليكم من بعد ما ذكر على أثره: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...

﴾ إلى آخر [المائدة: 3]، ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ وهو ما ذكر.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "إلا ما يتلى عليكم فيها"، في سورة الأنعام: ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً...

﴾ إلى آخره [الأنعام: 145].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

هذا - والله أعلم - أي: إلى الله الحكم، يحكم بما شاء من التحريم والتحليل، فيما شاء، على ما شاء، ليس إليكم التحكم عليه، وهذا ينقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يريد طاعة كل أحد، ولو أراد ذلك لحكم؛ لأنه أخبر أنه يحكم ما يريد، ولا جائز أن يريد ولا يحكم؛ فدل أنه: لم يرد؛ لأنه لو أراد لحكم، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ .

عن ابن عباس: -  - قال: كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم؛ فأنزل الله -  -: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ ﴾ ، يعني: لا تستحلوا قتالاً فيه، ﴿ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ...

﴾ الآية.

وقال غيره: قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني: المناسك، لا تستحلوا ترك شعائر الله، والشعائر هي المناسك؛ ألا ترى أن الله -  - سمى كل منسك من الحج شعائر الله؟!

كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، كل هذا من شعائر الله، وهن معالم الله في الحج.

وقيل: شعائر الله: فرائض الله؛ كأنه قال: لا تستحلوا ترك ما فرض الله عليكم.

وقال الحسن: ﴿ شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ﴾ قال: دين الله، وهو واحد.

وقيل في قوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ...

 ﴾ حتى بلغ ﴿ وَٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ  ﴾ ، فقال: حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية؛ فكان الرجل لو جر جريرة وارتكب كبيرة، ثم لجأ إلى حرم الله -  - لم يُتَنَاول ولم يُطْلب، ولو لقي قاتلَ أبيه في الأشهر الحرم لم يَتَعَرَّضْ له، وكان الرجل لو لقي الهدى مقلداً - وهو يأكل العصب من الجوع - لم يعرض له، ولم يقربه؛ فإذا أراد البيت يقلَّد قلادة من شعر؛ فحرمته ومنعته من الناس حتى يأتي أهله.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: لا تستحلوا ما أشعركم الله حرمته، وهو من الأعلام، ويحتمل أن يكون أراد به مشاعر الحرام الذي ذكرنا.

وقال: لا تحلُّوا الحرام ولا الشهر الحرام، ولا الهدي ولا القلائد.

وهذه أمور كانت من قبل فَنُسِخَتْ بقوله -  -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وعن الشعبي [أنه] قال: لم ينسخ من المائدة غير هذه الآية؛ نسخها: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 5].

وقالت عائشة -  ا -: "إنها آخر ما أنزل؛ فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه".

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ ﴾ فهو هو كقوله -  -: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ .

وقد ذكرنا أن الله - عز وجل - أطلق الحرم في الشهر الحرام بعد ما كان محظوراً بقوله -  -: ﴿ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ ﴾ .

فهو ما ذكرنا من صنيعهم في الجاهلية فيما ذكرنا، وفيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله - حيث قالوا: إن الغنم لا تقلد، والإبل والبقر تقلد؛ لأنه ذكر الهدي والقلائد؛ فدل أن من الهدي ما يقلد، ومنه ما لا يقلد.

﴿ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ .

أي: قاصدين البيت الحرام.

﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ .

قيل: إن المشركين كانوا يقصدون البيت الحرام يلتمسون فضل الله ورضوانه؛ بما يصلح لهم دنياهم؛ كقوله -  -: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ  ﴾ .

وقد يجوز أن يكونوا لما التمسوا عند أنفسهم رضوان الله - أمر الله المؤمنين بالكف عنهم، وإن كانوا قد غلطوا في توجيه العبادة؛ فجعلوها لغير الله؛ كقوله  : ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ ﴾ .

[دل] هذا على أن النهي في قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ أي: أخذ الصيد واصطياده في الإحرام، لا أكله، وهو إباحة ما حُظر عليهم بالإحرام، وإن كان ظاهره أمراً، ومعناه: فإذا حللتم لكم أن تصطادوا.

وأصله: أن كل أمر خرج على أثر محظور فهو أمر إباحة وإطلاق ذلك المحظور المحرم، لا أمر إلزام وإيجاب؛ من نحو قوله -  -: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وهو المحظور المتقدم، وقوله -  -: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ  ﴾ ، ثم قال - عز وجل -: ﴿ وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَٱدْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَٱنْتَشِرُواْ  ﴾ أمر إطلاق وإباحة ما حُظر عليهم، ومثله كثير في القرآن مما يكثر ذكره.

وفي حرف ابن مسعود -  - في قوله: ﴿ وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ : "ولا تأموا"، وكذلك في حرفه؛ "فأموا صعيداً طيباً".

وقيل في قوله -  -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً ﴾ : حجهم؛ فلا يقبل عنهم حتى يسلموا؛ فنهى الله -  - رسوله عن قتالهم.

وقال بعضهم: "إن الآية نزلت في رجل من أهل اليمامة يقال له: شريح، وذلك أنه أتى المدينة، فدخل على النبي  فقال: أنت محمد النبي؟

فقال: نَعَمْ، فقال: إلام تدعو؟

قال: أَدْعُوا إِلَى أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللهُ، وَأَنَّي [مُحَمَّدٌ] رَسُولُ الله، فقال شريح: يا محمد، هذا شرط شديد، وإن لي أمراء خلفي أرجع إليهم؛ فأعرض عليهم ما اشترطت عليَّ، وأستأمرهم في ذلك، فإن أقبلوا أقبلت، وإن أدبروا أدبرت فكنت معهم، ثم انصرف خارجاً من عند رسول الله  ، فلما خرج، قال رسول الله  : لَقَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي بِعَقِبَىْ غَادِرٍ، وَلَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهٍ كَافِرٍ، وَمَا الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ فمرَّ شريح بسرح لأهل المدينة فساقها منهم.

فلما كان من العام الثاني قدم شريح إلى مكة، ومعه تجارة عظيمة في حجاج، وكانت العرب في الجاهلية يُغِير بعضهم على بعض، فإذا كان أشهر الحرم، أمن الناس كلهم بعضهم بعضاً، فمن أراد أن يسافر قلد بعيره من الشعر أو الوبر؛ فيأمن بذلك الهدي حيثما ذهب، فلما سمع أصحاب رسول الله  بحج شريح، وقدومه إلى مكة، أرادوا أن يغيروا على شريح؛ فيأخذوا ما معه، ويقتلوهم؛ كما أغار شريح على سريح أهل المدينة قبل ذلك؛ فاستأمروا رسول الله  [في ذلك]؛ فنزلت الآية فيهم: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ...

﴾ " إلى آخره؛ فلا ندري كيف كانت القصة؟

وليس بنا إلى معرفة القصة حاجة، إلا القدر الذي ذكر الله في ذلك.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ ، وقال  في موضع آخر: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ الآية [المائدة: 8]، وقال في آية أخرى: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً ﴾ الآية [النساء: 135].

ذكر في بعضها الاعتداء ونهى عنه، وهو المجاوزة عن الحد الذي حُد لهم.

وذكر في بعضها العدل، وأمر به، ونهى عن الظلم والجور.

ثم الأسبابُ التي تحملهم وتبعثهم على الاعتداء والظلم، وتمنع القيام بالشهادة والعدل - ثلاثة: أحدها: ما ذكر - عز وجل - البغض والعداوة، بقوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ] أَن تَعْتَدُواْ} [المائدة: 2]، وقال: ﴿ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ  ﴾ ، وقال: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً  ﴾ أمرهم بالقيام بالشهادة، وأخبر ألا يمنعكم الولاية والقرب القيام بالشهادة، أو طَمَعُ غِنًى أو خَوْفُ فَقْرٍ.

هذه الوجوه التي ذكرنا تمنع الناس القيام بالشهادة، وتبعثهم على الجور والاعتداء؛ فنهاهم الله - عز وجل - أن يحملهم بغض قوم، أو عداوة أحد على الجور والاعتداء.

أو تمنعهم الشفقة، أو القرب، أو طمع غنى أحد، أو خوف فقر - القيامَ بالشهادة وما عليهم من الحق.

وأمر أن يجعلوه كله لله بقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ ، فإذا كان كله لله، قدر أن يعدل في الحكم، وترك مجاوزة الحد الذي حد له، وقدر على القيام بالشهادة، وما ذكر، وما يمنع شيء من ذلك القيام به، من نحو ما ذكر: من البغض والعداوة، والقرب والشفقة، أو طمع الغنى وخوف الفقر؛ إذا جعل الحكم لله عدل فيه، ومنعه عن الجور فيه والاعتداء، وكذلك الشهادة إذا جعلها لله قام بأدائها، ولو على نفسه، أو ما ذكر، لم يمنعه شيء عن القيام بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ : كأن البر هو اسم كل خير، والتقوى: هي ترك كل شرٍّ.

﴿ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ ﴾ .

ألا ترى أنه ذكر بإزاء البر: الإثمَ، وبإزاء التقوى: العدوانَ؛ فهذا يبين أن البرَّ: اسم لكل خير، والتقوى: هي الانتهاء عن كل شرٍّ.

ويجوز أن يكون ما ذكر في الآية الأولى وأمر به، وهو قوله: ﴿ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ ﴾ يقول: عاونوهم على ما يأتون به من ذلك؛ فإنهم إلى البر يقصدون عند أنفسهم، وإن لم يكن فعلهم برًّا؛ لعبادتهم غير الله  .

وإنما أمروا بمعاونتهم، وترك التعرض لهم - إن ثبت ما ذكر في القصة -: إذا أحرموا، أو قلدوا، أو قصدوا البيت الحرام في الوقت الذي جاز أن يعاهدوا فيه؛ كما يجوز لنا معاهدة أهل الكتاب على ألا نعرض لكنائسهم وبَيعِهِم، وإن كانوا يعصون الله فيها؛ لأنهم يدينون بذلك، ويقصدون به البرّ عند أنفسهم.

فلما أمر بنقض عهود مشركي العرب، أمر بمنعهم من دخول المسجد، وأن يقتلوا حيث وجدوا، وإلى هذا المعنى ذهب أصحابنا - رحمهم الله، والله أعلم - في فَرْقهم بين شهادة أهل الذمة على أمثالهم، وشهادة فُسَّاق المسلمين؛ لأن أهل الذمة متدينون بكفرهم، والفساق غير متدينين بفسقهم.

وكذلك فرقهم بين ما يغلب عليه المشركون من أموال المسلمين، وبين ما يغلب عليه الفساق من أموال المسلمين.

وكذلك سبيل الدماء التي يصيبها المحاربون من أهل البغي من أهل العدل، لا تشبه ما يصيبه الفساق منها؛ لأن أمر المتدين بدين خطأ مخالف في الحكم أمر المقر بالذنب فيه؛ ألا ترى أنه يجوز أن يُطْلَقَ لمن يعاقدونه من أهل الكتاب الصلاة في كنائسهم، وإن كان ذلك عندنا معصية حراما، ولا يجوز أن يُطْلَقَ المعصية لفساق المسلمين بحال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : أي: نقمة الله وعذابه: في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

قال ابن عباس:  - في قوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ : أي: لا يحملنكم بغض قوم؛ لصدهم إياكم عن البيت الحرام؛ فتأثموا فيهم: أن تعتدوا؛ فتقتلوهم، وتأخذوا أموالهم.

وقال: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ البر: ما أمرت به، والتقوى: الكف عما نهيت عنه.

وقال: والعدوان: هو المجاوزة عن حد الله الذي حده لعباده.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ : قال بعضهم: لا يؤثمنكم بغض قوم أن تعتدوا.

وقال آخرون: لا يحملنكم.

وفيه لغتان: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ برفع الياء، وبنصبها: ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا أتموا كل العهود الموثقة بينكم وبين خالقكم وبينكم وبين خلقه، وقد أحل الله لكم -رحمة بكم- بهيمة الأنعام: (الإبل، والبقر، والغنم) إلا ما يُقْرَأ عليكم تحريمه، وإلا ما حَرَّمَ عليكم من الصيد البري في حال الاحرام بحج أو عمرة، إن الله يحكم ما يريد من تحليل وتحريم وفق حكمته، فلا مُكْرهَ له، ولا معترض على حكمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.2xNvg"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر