الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١١ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 143 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ) قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الزهري ذكره عن أبي سلمة ، عن جابر ; أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها ، وعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة ، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه فسله ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك مني؟
قال : " الله " !
قال الأعرابي مرتين أو ثلاثا : من يمنعك مني؟
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " الله " !
قال : فشام الأعرابي السيف ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي ، وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه - وقال معمر : وكان قتادة يذكر نحو هذا ، وذكر أن قوما من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا هذا الأعرابي ، وتأول : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) الآية .
وقصة هذا الأعرابي - وهو غورث بن الحارث - ثابتة في الصحيح .
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ) وذلك أن قوما من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاما ليقتلوهم فأوحى الله تعالى إليه بشأنهم ، فلم يأت الطعام ، وأمر أصحابه فلم يأتوه رواه ابن أبي حاتم .
وقال أبو مالك : نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه ، حين أرادوا أن يغدروا بمحمد [ صلى الله عليه وسلم ] وأصحابه في دار كعب بن الأشرف .
رواه ابن أبي حاتم .
وذكر محمد بن إسحاق بن يسار ومجاهد وعكرمة وغير واحد : أنها نزلت في شأن بني النضير ، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى ، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين ، ووكلوا عمرو بن جحاش بن كعب بذلك ، وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي تلك الرحى من فوقه ، فأطلع الله رسوله على ما تمالؤوا عليه ، فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه ، فأنزل الله [ تعالى ] في ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغدو إليهم فحاصرهم ، حتى أنزلهم فأجلاهم .
وقوله تعالى : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) يعني : من توكل على الله كفاه الله ما أهمه ، وحفظه من شر الناس وعصمه .
القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (2) " يا أيها الذين آمنوا " يا أيها الذين أقرُّوا بتوحيد الله ورسالة رسوله صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به من عند ربهم=" اذكروا نعمة الله عليكم "، اذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليكم، فاشكروه عليها بالوفاء له بميثاقه الذي واثقكم به، والعقود التي عاقدتم نبيكم صلى الله عليه وسلم عليها.
ثم وصف نعمته التي أمرهم جل ثناؤه بالشكر عليها مع سائر نعمه، فقال، هي كفُّه عنكم أيدي القوم الذين همُّوا بالبطش بكم، فصرفهم عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم.
(3) * * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة هذه النعمة التي ذكّر الله جل ثناؤه أصحابَ نبيه صلى الله عليه وسلم بها، وأمرهم بالشكر له عليها.
فقال بعضهم: هو استنقاذ الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابَه مما كانت اليهود من بني النضير همُّوا به يوم أتوهم يستحملونهم دية العامريَّين اللذين قَتلهما عمرو بن أمية الضمري.
(4) ذكر من قال ذلك: 11557 - حدثنا ابن حميد، قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ليستعينَهم على دية العامريَّين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمري.
فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فَمَن رجلٌ يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟
فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.
(5) فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ، وانصرف عنهم، فأنـزل الله عز ذكره فيهم وفيما أرادَ هو وقومه: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذْ همَّ قومٌ أن يبسطوا إليكم أيديهم "...
الآية.
(6) 11558 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم "، قال: اليهود دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطا لهم، (7) وأصحابه من وراء جداره، فاستعانهم في مغَرِم ديةٍ غَرِمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القَهقَرى ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تَتَامُّوا إليه.
11559 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " اذكروا نعمة الله عليكم إذ هَمَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم " يهودُ حين دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا لهم، وأصحابه من وراء جدار لهم، فاستعانهم في مغرم، في الدية التي غرمها (8) ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي معترضا ينظرُ إليهم خِيفتَهم (9) ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتامُّوا إليه.
قال الله جل وعز: " فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ".
11560 - حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني أبو معشر، عن يزيد بن أبي زياد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير يستعينهم في عَقْلٍ أصابه (10) ومعه أبو بكر وعمر وعلي فقال: أعينوني في عَقْلٍ أصابني.
فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة!
اجلس حتى نطعمَك ونعطَيك الذي تسألنا!
فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه ينتظرونه، وجاء حُييّ بن أخطب وهو رأس القوم، وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فقال حيي لأصحابه: لا ترونه أقربَ منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقْتُلوه، ولا ترون شرًّا أبدًا !
فجاءوا إلى رحًى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم، حتى جاءه جبريل صلى الله عليه وسلم فأقامه من ثَمَّ، فأنـزل الله جل وعز: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"، فأخبر الله عزَّ ذكره نبيّه صلى الله عليه وسلم ما أرادوا به.
11561 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم " الآية، قال، يهودُ، دخلَ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطا، فاستعانهم في مَغْرَمٍ غرمه، فائتمروا بينهم بقتله، فقام من عندهم فخرج معترِضًا ينظر إليهم خِيفتَهم، (11) ثم دعا أصحابه رجلا رجلا حتى تتامُّوا إليه.
11562 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الأنصاري= أحدَ بني النجار وهو أحد النُّقباء ليلة العقبة= فبعثه في ثلاثين راكبًا من المهاجرين والأنصار، فخرجوا، فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقُتل المنذرُ وأصحابُه إلا ثلاثة نَفَرٍ كانوا في طلب ضَالة لهم، فلم يرعهم إلا والطيرُ تحُوم في السماء، يسقط من بين خراطيمها عَلَقُ الدم.
(12) فقال أحد النفر: قُتِل أصحابنا والرحمنِ!
ثم تولّى يشتدُّ حتى لقي رجلا (13) فاختلفا ضربتين، فلما خالطته الضربة، رفع رأسه إلى السماء ففتح عينيه ثم قال: الله أكبر، الجنةُ وربّ العالمين!!
فكان يُدْعى " أعنقَ لِيَمُوت "، (14) ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما مُوَادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر، فقتلاهما.
وقدِم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعليُّ وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، حتى دخلوا إلى كعب بن الأشرف ويهود النضير، فاستعانهم في عَقْلهما.
قال، فاجتمعت اليهودُ لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واعتَلُّوا بصنيعة الطعام، (15) فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بالذي أجمعت عليه يهودُ من الغَدر، (16) فخرج ثم دعا عليًّا، فقال، لا تبرح مَقامك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنِّي فقل: " وجّه إلى المدينة فأدركوه ".
(17) قال: فجعلوا يمرُّون على عليّ، فيأمرهم بالذي أمرَه حتى أتى عليه آخرُهم، ثم تبعهم، فذلك قوله: وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ [سورة المائدة: 13].
11563 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك في قوله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفّ أيديهم عنكم " قال: نـزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدِروا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * * وقال آخرون: بل النعمة التي ذكرها الله في هذه الآية، فأمر المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم بالشُّكر له عليها: أنَّ اليهود كانت هَمَّت بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم في طعامٍ دعوه إليه، فأعلم الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وسلم ما همُّوا به، فانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إليه.
ذكر من قال ذلك: 11564 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم " إلى قوله: " فكف أيديهم عنكم " وذلك أن قوما من اليهود صَنَعوا لرسول الله وأصحابه طعاما ليقتلوه إذا أتى الطعام، فأوحى الله إليه بشأنهم، فلم يأتِ الطعام، وأمرَ أصحابه فلم يأتوه.
(18) * * * وقال آخرون: عنى الله جل ثناؤه بذلك: النعمةَ التي أنعمها على المؤمنين باطلاع نبيّه صلى الله عليه وسلم على ما همَّ به عدوّه وعدوُّهم من المشركين يوم بَطْن نَخْلٍ من اغترارهم إياهم، والإيقاع بهم، إذا هُم اشتغلوا عنهم بصلاتهم، فسجدوا فيها= وتعريفِه نبيَّه صلى الله عليه وسلم الِحذَار من عدوّه في صَلاته بتعليمه إيَّاه صلاة الخوف.
ذكر من قال ذلك: 11565 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسُطوا إليكم أيديهم "...
الآية، ذكر لنا أنها نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببَطْنِ نخل في الغَزْوة السابعة، (19) فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتِكوا به، فأطلعه الله على ذلك.
ذكر لنا أن رجلا انتدب لقتله، فأتى نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم وسيفُه موضوع، فقال: آخذه، يا نبي الله؟
قال: خذه!
قال: أستلُّه؟
قال: نعم!
فسلَّه، فقال، من يمنعك منِّي؟
قال: " الله يمنعُني منك "!.
فهدّده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأغلظوا له القول، فشامَ السَّيف (20) وأمر نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه بالرحيل، فأنـزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك.
(21) 11566 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نـزل منـزلا وتفرَّق الناس في العِضاه يستظِلُّون تحتها، (22) فعلَّق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحَه بشجرةٍ، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه فسلَّه، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال، من يمنعك مني؟
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الله "، فشامَ الأعْرابي السيف، (23) فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبرَ الأعرابيّ، وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه= قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا، وذكر أنَّ قومًا من العرب أرادُوا أن يفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا هذا الأعرابي.
وتأوّل: " اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم "، الآية.
(24) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك، قولُ من قال: عنى الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية، نعمتَه على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيّهم محمدا صلى الله عليه وسلم مما كانت يهود بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يومَ سار إليهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم في الدية التي كان تحمَّلها عن قتيلي عمرو بن أمية.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله جل ثناؤه عقًّب ذكر ذلك برمي اليهود بصنائعها وقبيح أفعالها، وخيانتها ربَّها وأنبياءها.
ثم أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم، والصفح عن عظيم جهلهم، فكان معلوما بذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤمر بالعفو عنهم والصفح عَقِيب قوله: " إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم " وغيرُهم كان يبسط الأيدي إليهم.
(25) لأنه لو كان الذين همُّوا ببسط الأيدي إليهم غيرَهم لكان حريًّا أن يكون الأمر بالعفو والصفح عنهم، لا عمَّن لم يجر لهم بذلك ذكر= ولكان الوصف بالخيانة في وصفهم في هذا الموضع، لا في وصف من لم يجر لخيانته ذكر، ففي ذلك ما ينبئ عن صحة ما قضينا له بالصحة من التأويلات في ذلك، دون ما خالفه.
* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) (26) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: واحذرُوا الله، أيها المؤمنون أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم، وأن تنقضوا الميثاق الذي واثقكم به فتستوجبوا منه العقابَ الذي لا قبل لكم به=" وعلى الله فليتوكل المؤمنون " يقول: وإلى الله فليُلْقِ أزمَّة أمورهم، ويستسلم لقضائه، ويثقْ بنصرته وعونه (27) = المقروّن بوحدانيّة الله ورسالة رسوله، العاملون بأمره ونهيه، فإن ذلك من كمال دينهم وتمامِ إيمانهم= وأنّهم إذا فعلوا ذلك كلأهم ورعاهم وحفظهم ممن أرادهم بسوء، كما حفظكم ودافع عنكم، أيها المؤمنون اليهودَ الذين همُّوا بما همُّوا به من بسط أيديهم إليكم، كلاءَةً منه لكم، إذ كنتم من أهل الإيمان به وبرسوله دون غيره، (28) فإن غيره لا يطيق دَفْع سوءٍ أراد بكم ربُّكم ولا اجتلابَ نفعٍ لكم لم يقضه لكم.
--------------- الهوامش : (2) كان في المطبوعة والمخطوطة: "يعنى بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا أقروا.." ، فأثبت ما يقتضيه سياق أبي جعفر في سائر تفسيره ، وهو في أغلب الظن اختصار سيئ من الناسخ.
(3) انظر تفسير"الكف" فيما سلف 8: 548/9: 29 = وقد مضى"الهم" غير مشروح أيضا فيما سلف 9: 199.
(4) "الحمالة" (بفتح الحاء): الدية والغرامة التي يحملها قوم عن قوم يكفلون دفعها يقال: "تحمل الحمالة" و"استحمل القوم" ، طلب إليهم أن يعينوه في"حمالته" ، وهي الدية التي تكفل بها.
(5) "ظهر على البيت": علاه ، أي ركب ظهره.
وكان في المطبوعة: "فمروا رجلا يظهر" وليس فيها ولا في المخطوطة: "أنا" ، فلذلك غيرها الناسخ ، لفساد خط الناسخ في هذا الموضع.
والصواب من سيرة ابن هشام.
(6) الأثر: 11557- هو في سيرة ابن هشام 2: 211 ، 212 ، ثم يأتي فيها بغير هذا اللفظ 3: 199-200.
(7) "الحائط": البستان من النخيل ، قد أحاطوه بجدار.
(8) في المطبوعة: "في مغرم في دية غرمها" كما في الدر المنثور 1: 266.
وفي المخطوطة: "في الدية" بالتعريف فرجحت أنه قد سقط من الكلام"التي" فأثبتها.
(9) "معترضا" ، أي يأخذ يمنة ويسرة ، يميل بوجهه إليهم ينظر ، ويمشي هكذا وهكذا ، لا تستقيم مشيته على الطريق.
(10) "العقل" هو: الدية.
(11) "معترضا" أي يأخذ يمنة ويسرة ، يميل بوجهه إليهم ينظر ، ويمشي هكذا وهكذا ، لا تستقيم مشيته على الطريق.
(12) "العلق" (بفتحتين): قطع الدم الغليظ الجامد قبل أن ييبس.
(13) "اشتد": عدا عدوا شديدا.
(14) "أعنق ليموت" و"المعنق ليموت" ، يقال هو"المنذر بن عمرو الأنصاري" ، ويقال هو"حرام بن ملحان النجاري".
="أعنق الرجل إعناقا": سارع وأسرع إسراعًا شديدًا حتى يسبق الناس.
سمي بذلك ، لأنه أسرع إلى مصرعه ، رضي الله عنه.
(15) "الصنيعة" و"الصنيع": الطعام يصنع ويهيأ للحفاوة والإكرام.
(16) في المطبوعة: "اجتمعت عليه" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(17) في المخطوطة: "وجه المدينة" أسقط"إلى" ، والجيد ما في المطبوعة.
(18) في المطبوعة: "وأمر أصحابه فأبوه" ، و"أبوه" هنا سقيمة المنزل.
وفي المخطوطة: "فأتوه" معجمة.
وهو مخالف لما في الترجمة ، إذ قال ، "فانتهى هو وأصحابه عن إجابتهم إليه" ، فآثرت أن أثبت نص ما في الدر المنثور 1: 266 ، فهو المطابق للترجمة.
ونقله السيوطي عن ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، من هذه الطريق نفسها.
(19) هكذا قال: "في الغزوة السابعة" ، وهي في كثير من الروايات"الغزوة التاسعة" ، وهي"غزوة ذي أمر" بنجد ، انظر ابن سعد 2/1/24 ، وإمتاع الأسماع للمقريزي 1: 110 ، 111.
وانظر التعليق على الأثر التالي ، والأثر السالف رقم: 10340 ، والذي جاء في الأخبار أن صلاة الخوف كانت في السنة السابعة.
(20) "شام السيف": أغمده.
وهو من الأضداد ، ويقال أيضا: "شام السيف": إذا سله.
(21) الأثر: 11565- هذا الخبر عن"صلاة الخوف" ، لم يذكره أبو جعفر في صلاة الخوف فيما سلف 5: 237-250 ، ولا في 9: 123-166.
(22) "العضاه" (بكسر العين): اسم يقع على ما عظم من شجر الشوك وطال واشتد شوكه ، فاستظل به الناس.
(23) "شام السيف": أغمده.
وهو من الأضداد ، ويقال أيضا: "شام السيف": إذا سله.
(24) الأثر: 11566-"أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف" مضى مرارا.
وكان في المطبوعة والمخطوطة"ابن أبي سلمة" بزيادة"ابن" ، والصواب حذفها كما في تفسير ابن كثير 3: 101.
وهذا الخبر عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن جابر في مسند أحمد 3: 311 ، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: "حدثنا عبد الله قال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده ، وسمعته في موضع آخر: حدثنا أبو اليمان قال ، أخبرني شعيب ، عن الزهري ، حدثني سنان بن أبي سنان الدؤلي ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن: أن جابر بن عبد الله الأنصاري" ، وساق الخبر بغير هذا اللفظ مطولا.
ثم رواه أحمد أيضا 3: 364 ، من طريق عفان بن أبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بغير ذاك اللفظ.
وروى أحمد خبر جابر مطولا مفصلا ، من طريق أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة بنخل = في المسند 3: 364 ، 365 ثم: 390.
ورواه البخاري في صحيحه (الفتح 7: 329-331) ، بأسانيد.
ورواه مسلم في صحيحه 15: 44 ، 45 ، بإسناد الطبري وأحمد.
وانظر أيضا ما رواه أبو جعفر من حديث جابر فيما سلف برقم: 10325.
وقال ابن كثير في تفسيره 3: 101 ، بعد أن ساق خبر أبي جعفر عن هذا الموضع من التفسير: "وهذا الأعرابي ، هو غورث بن الحارث ، ثابت في الصحيح".
(25) في المطبوعة والمخطوطة: "ومن غيرهم كان يبسط الأيدي إليهم" بزيادة"من" ، وهو فساد في الكلام شديد ، والصواب حذف"من" ، كما يدل عليه سياق الكلام.
والواو في"وغيرهم" واو الحال.
(26) سقط من المخطوطة والمطبوعة صدر بقية الآية ، وهو قوله: "واتقوا الله" ، فأثبتها.
(27) انظر تفسير"التوكل" فيما سلف 8: 566 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(28) قوله: "دون غيره" ، أي: كما حفظكم ودافع عنكم دون غيره.
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنونقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم [ ص: 72 ] قال جماعة : نزلت بسبب فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع حين اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم وقال : من يعصمك مني يا محمد ؟
كما تقدم في " النساء " ، وفي البخاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه ، وذكر الواقدي وابن أبي حاتم أنه أسلم ، وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق شجرة حتى مات ، وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث ( بالغين منقوطة مفتوحة وسكون الواو بعدها راء وثاء مثلثة ) وقد ضم بعضهم الغين ، والأول أصح ، وذكر أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي ، وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي أن اسمه دعثور بن الحارث ، وذكر أنه أسلم كما تقدم ، وذكر محمد بن إسحاق أن اسمه عمرو بن جحاش وهو أخو بني النضير ، وذكر بعضهم أن قصة عمرو بن جحاش في غير هذه القصة ، والله أعلم ، وقال قتادة ومجاهد وغيرهما : نزلت في قوم من اليهود جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية فهموا بقتله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله منهم .
قال القشيري : وقد تنزل الآية في قصة ثم ينزل ذكرها مرة أخرى لادكار ما سبق .
أن يبسطوا إليكم أيديهم أي : بالسوء .
فكف أيديهم عنكم أي : منعهم .
يُذَكِّر تعالى عباده المؤمنين بنعمه العظيمة، ويحثهم على تذكرها بالقلب واللسان، وأنهم -كما أنهم يعدون قتلهم لأعدائهم، وأخذ أموالهم وبلادهم وسبيهم نعمةً - فليعدوا أيضا إنعامه عليهم بكف أيديهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم نعمة.
فإنهم الأعداء، قد هموا بأمر، وظنوا أنهم قادرون عليه.
فإذا لم يدركوا بالمؤمنين مقصودهم، فهو نصر من الله لعباده المؤمنين ينبغي لهم أن يشكروا الله على ذلك، ويعبدوه ويذكروه، وهذا يشمل كل من هَمَّ بالمؤمنين بشر، من كافر ومنافق وباغ، كف الله شره عن المسلمين، فإنه داخل في هذه الآية.
ثم أمرهم بما يستعينون به على الانتصار على عدوهم، وعلى جميع أمورهم، فقال: { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ْ} أي: يعتمدوا عليه في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، وتبرؤوا من حولهم وقوتهم، ويثقوا بالله تعالى في حصول ما يحبون.
وعلى حسب إيمان العبد يكون توكله، وهو من واجبات القلب المتفق عليها.
قوله عز وجل : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم ) بالدفع عنكم ، ( إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) بالقتل .
قال قتادة : نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك ، وأنزل الله صلاة الخوف .
وقال الحسن : كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل ، فقال رجل من المشركين : هل لكم في أن أقتل محمدا؟
قالوا : وكيف تقتله؟
قال : أفتك به ، قالوا : وددنا أنك قد فعلت ذلك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه ، فقال : يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : من يمنعك مني يا محمد؟
قال : الله ، فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي ، وهو أحد النقباء ليلة العقبة ، في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة ، فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة ، وهي من مياه بني عامر ، فاقتتلوا ، فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم ، أحدهم عمرو بن أمية الضمري ، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء ، يسقط من بين خراطيمها علق الدم ، فقال أحد النفر : قتل أصحابنا ، ثم تولى يشتد حتى لقي رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع [ رأسه ] إلى السماء وفتح عينيه وقال : الله أكبر الجنة ورب العالمين ، فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة ، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية ، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم ، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما ، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات ، قالوا : نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟
فقال عمر بن جحاش : أنا ، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ثم دعا عليا فقال : لا تبرح مقامك ، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل : توجه إلى المدينة ، ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم تبعوه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال : ( فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) .
«يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هَمَّ قوم» هم قريش «أن يبسطوا» يمدوا «إليكم أيديهم» ليفتكوا بكم «فكفَّ أيديهم عنكم» وعصمكم مما أرادوا بكم «واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون».
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اذكروا ما أنعم الله به عليكم من نعمة الأمنِ، وإلقاءِ الرعب في قلوب أعدائكم الذين أرادوا أن يبطشوا بكم، فصرفهم الله عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم، واتقوا الله واحذروه، وتوكلوا على الله وحده في أموركم الدينية والدنيوية، وثِقوا بعونه ونصره.
ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة أخرى من نعمه الجزيلة ، حتى يزدادوا شكراً له ، ووفاء بعهده؛ والتزاما لطاعته فقال - تعالى - ( يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون )وقد أورد المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة روايات منها ما رواه عبد الرازق عن معمر الزهري عن أبي أسامة عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها .
وعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله فأخذه فسله .
ثم أقبل عليه فقال : من يمنعك منى؟
قال : الله - عز وجل - فسقط السيف من يد الأعرابي .
فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي ، وهو جالس إلى جانبه ولم يعاقبه .قال ابن كثير : وذكر محمد بن إسحاق ومجاهد وعكرمة وغير واحد أنها نزلت في شأن بني النضير حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحى لما جاءهم يستعينهم في دية العامرين ووكلوا عمرو بن جحاش بذلك .
وأمروه إن جلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت الجدار واجتمعوا عنده أن يلقي الرحي من فوقه .
فأطلع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما تمالأوا عليه .
فرجع إلى المدينة وتبعه أصحابه .
فأنزل الله في ذلك هذه الآية .وعلى هاتين الروايتين وما يشبههما يكون المراد بقوله - تعالى - ( اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ ) تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم حيث نجى نبيهم صلى الله عليه وسلم مما أضمره له أعداؤه وأعدؤاهم .وقال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية .
روى أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معا بعسفان فيء غزوة ذات أنمار .
فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم فقالوا : إن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم - يعنون صلاة العصر - وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها .
فنزل جبريل بصلاة الخوف .وعلى هذه الرواية يكون المراد بقوله - تعالى - ( اذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ ) تذكيرهم برعاية الله لهم ولنبيهم صلى الله عليه وسلم من كيد أعدائهم .وقد رجح ابن جرير أن تكون الآية قد نزلت بسبب ما أضمره بنو النضير من كيد وسوء للنبي وأصحابه فقال : وأولى الأقوال بالصحة في تأويل ذلك قول من قال : عني الله بالنعمة التي ذكر في هذه الآية نعمته على المؤمنين به وبرسوله التي أنعم بها عليهم في استنقاذه نبيهم صلى الله عليه وسلم مما كانت يهودي بني النضير همت به من قتله وقتل من معه يوم سار إليهم في الدية التي كان تحملها عن قتيل عمرو بن أمية وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة في تأويل ذلك لأن الله عقب ذكر ذلك برمى اليهود بسوء صنائعها ، وقبيح أفعالها ، وخيانتها ربها وأنبياءها .والمعنى : يأيها الذين آمنوا تنبهوا إلى نعم الله عليكم وقابلوهها بدوام الشكر والطاعة له - سبحانه - حيث أراد قوم من أعدائكم ، أن يبسطوا إليكم أيديهم .أي : أن يبطشوا بكم القتل والإِهلاك ولكنه - سبحانه - رحمة ربكم ، ودفاعاً عنكم ، حال بين أعدائكم وبين ما يريدونه بكم من سوء .فالآية الكريمة تذكير للمؤمنين بنعمة عظيمة من نعم الله عليهم حيث نجاهم من كيد أعدائهم ، ومن محاولتهم إهلاكهم .
إثر تذكيرهم قبل ذلك بنعم أخرى كإكمال الدين ، وهدايتهم إلى الإِسلام ، وغير ذلك من الآلاء والمنن .وفي تكرار هذا التذكير ما فيه من الحض على تأكيد المداومة على طاعة الله والمواظبة على شكره .وقوله ( إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظرف لقوله : ( نِعْمَتَ الله ) والهم : إقبال النفس على فعل الشيء .أي : اذكروا نعمة الله عليكم وقت أن قصدكم قوم من أعدائكم بالسوء والاهلاك .وبسط اليد هنا كناية عن البطش والإِهلاك .
يقال : بسط يده إليه ، إذا بطش به .
وبسط إليه لسانه : إذا شتمه .
والبسط في الأصل : مطلق المد .
وإذا استعمل في اليد واللسان كان كناية عما ذكر .وقوله : ( فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ) معطوف على قوله : ( هَمَّ قَوْمٌ ) وهذا الكف هو النعمة التي قصد تذكيرهم بها حتى يداوموا على شكره وطاعته .وعبر - سبحانه - بقوله ( إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ) للإِيذان بأن نعمة كف أيدي الأعداء عنهم قد جاءت عند شدة الحاجة إليها .والفاء في قوله ( فَكَفَّ ) للتعقيب المفيد لتمام النعمة وكمالها فهو - سبحانه - قد حال بين الأعداء وبين ما يشتهونه بمجرد أن قصدوا السوء بالمؤمنين .وقال - سبحانه - ( فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ) بإظهار الأيدي ، ولم يقل فكفها عنكم؛ لزيادة التقرير .
وللإِشارة إلى أنه - سبحانه - هو الذي قضى على موضع قوة أعدائهم ، ومناط شدتهم إذ الأيدي هي من أهم وسائل البطش والقتل .أي : أنه - سبحانه - قد منع أيديهم عن أن تمتد إليكم بالأذى عقيب همهم بذلك دفاعا عنكم - أيها المؤمنون - وحماية لكم من الشرور ، فقابلوا ذلك بالشكر لخالقكم .
وقوله : ( واتقوا الله ) معطوف على قوله : ( اذكروا ) وقوله : ( وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ) أمر لهم بالاعتماد على الله وحده .أي : داوموا على شكر نعم الله عليكم ، وصونوا أنفسكم عن كل ما نهاكم عنه ، وعليه وحده اعتمدوا وتوكلوا فإنه - سبحانه - هو الفعال لما يريد ، وهو الذي يدفع الشر عمن توكل عليه ، ويعطي الخير لمن شكره وأطاعه .فالجملة الكريمة تذييل مقرر لما قبله ، من وجوب المداومة على طاعة الله وشكره على نعمه .وإلى هنا نرى أن السورة الكريمة قد وجهت إلى المؤمنين خمس نداءات ، أمرتهم في أول نداء منها بالوفاء بالعقود .
ونهتهم في الثاني عن إحلال شعائر الله ، وأرشدتهم في النداء الثالث إلى ما يجب عليهم أن يفعلوه إذا أرادوا الدخول في الصلاة ، وأمرتهم في النداء الرابع بالمداومة على القيام بالتكاليف التي كلفهم - سبحانه - بها وبالتزام العدل في أقوالهم وأحكامهم ، ثم أمرتهم في النداء الخامس بالتنبيه إلى نعم الله ومداومة شكره عليها حيث نجاهم - سبحانه - مما أراده لهم أعداؤهم من شرور واستئصال .وبعد هذه النداءات والتكليفات التي كلف الله - تعالى - بها المؤمنين ، شرعت السورة الكريمة في الحديث عن أحوال أهل الكتاب من اليهود ، فذكرت ما أخذه الله عليهم من عهود موثقة ، وموقفهم منها ، وعقوبتهم على نقضهم لها .
فقال - تعالى - :( وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بني إِسْرَآئِيلَ .
.
.
)
وقوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية وجهان: الأول: أن المشركين في أول الأمر كانوا غالبين، والمسلمين كانوا مقهورين مغلوبين، ولقد كان المشركون أبداً يريدون إيقاع البلاء والقتل والنهب بالمسلمين، والله تعالى كان يمنعهم عن مطلوبهم إلى أن قوي الإسلام وعظمت شوكة المسلمين فقال تعالى: ﴿ اذكروا نِعْمَت الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ﴾ وهو المشركون ﴿ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ بالقتل والنهب والنفي فكف الله تعالى بلطفه ورحمته أيدي الكفار عنكم أيها المسلمون، ومثل هذا الإنعام العظيم يوجب عليكم أن تتقوا معاصيه ومخالفته.
ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون ﴾ أي كونوا مواظبين على طاعة الله تعالى، ولا تخافوا أحداً في إقامة طاعات الله تعالى.
الوجه الثاني: أن هذه الآية نزلت في واقعة خاصة ثم فيه وجوه: الأول: قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى بني عامر فقتلوا ببئر معونة إلا ثلاثة نفر: أحدهم عمرو بن أُمية الضمري، وانصرف هو وآخر معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبراه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي صلى الله عليه وسلم فقتلاهما ولم يعلما أن معهما أمانا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي حتى دخلوا على بني النضير، وقد كانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني، فقالوا أجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تريد، ثم هموا بالفتك برسول الله وبأصحابه»، فنزل جبريل وأخبره بذلك، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحال مع أصحابه وخرجوا، فقال اليهود: إن قدورنا تغلي، فأعلمهم الرسول أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه.
قال عطاء: توامروا على أن يطرحوا عليه رحاً أو حجراً، وقيل: بل ألقوا فأخذه جبريل عليه السلام، والثاني: قال آخرون: إن الرسول نزل منزلاً وتفرق الناس عنه، وعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء إعرابي وسل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من يمنعك مني؟
فقال لا أحد، ثم صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم وأبى أن يعاقبه، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَت الله عَلَيْكُمْ ﴾ تذكير نعمة الله عليهم بدفع الشر والمكروه عن نبيّهم، فإنه لو حصل ذلك لكان من أعظم المحن، والثالث: روي أن المسلمين قاموا إلى صلاة الظهر بالجماعة وذلك بعسفان، فلما صلوا ندم المشركون وقالوا ليتنا أوقعنا بهم في أثناء صلاتهم، فقيل لهم: إن للمسلمين بعدها صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وآبائهم، يعنون صلاة العصر، فهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها، فنزل جبريل عليه السلام بصلاة الخوف.
المسألة الثانية: يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به.
ومعنى بسط اليد مده إلى المبطوش به، ألا ترى أن قولهم: فلان بسيط الباع ومديد الباع بمعنى واحد ﴿ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ أي منعها أن تصل إليكم.
<div class="verse-tafsir"
روي: أن المشركين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر يصلون معاً، وذلك بعسفان في غزوة ذي أنمار.
فلما صلوا ندموا أن لا كانوا أكبوا عليهم، فقالوا: إنّ لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعنون صلاة العصر وهموا بأن يوقعوا بهم إذا قاموا إليها.
فنزل جبريل بصلاة الخوف.
وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان وعليّ رضي الله عنهم يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما مشركين.
فقالوا: نعم يا أبا القاسم، اجلس حتى نطعمك ونقرضك، فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به، وعمد عمرو بن جحاش إلى رحا عظيمة يطرحها عليه، فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره، فخرج.
وقيل: نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون بها، فعلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي فسلّ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟
قال: الله، قالها ثلاثاً، فشام الأعرابي السيف فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه فأخبرهم، وأبى أن يعاقبه.
يقال: بسط إليه لسانه إذا شتمه، وبسط إليه يده إذا بطش به ﴿ وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء ﴾ [الممتحنة: 2] ومعنى (بسط اليد) مدّها إلى المبطوش به.
ألا ترى إلى قولهم: فلان بسيط الباع، ومديد الباع، بمعنى ﴿ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ فمنعها أن تمدّ إليكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ رُوِيَ « (أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابَهُ بِعَسْفانَ، قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا ألّا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلى العَصْرِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ صَلاةَ الخَوْفِ» .
والآيَةُ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وقِيلَ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتى قُرَيْظَةَ ومَعَهُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ يَسْتَقْرِضُهم لِدِيَةِ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ يَحْسَبُهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُقْرِضَكَ فَأجْلَسُوهُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ، فَعَمَدَ عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ إلى رَحًى عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ فَخَرَجَ» .
وَقِيلَ « (نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ مَنزِلًا وعَلَّقَ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ وتَفَرَّقَ النّاسُ عَنْهُ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَسَلَّ سَيْفَهُ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فَقالَ: اللَّهُ!
فَأسْقَطَهُ جِبْرِيلُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ الرَّسُولُ وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فَقالَ: لا أحَدَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَنَزَلَتْ.» ﴿ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ ﴾ بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ.
﴿ فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ مَنَعَها أنْ تُمَدَّ إلَيْكم ورَدَّ مَضَرَّتَها عَنْكم.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّهُ الكافِي لِإيصالِ الخَيْرِ ودَفْعِ الشَّرِّ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ} روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني قريظة ومعه الشيخان أبو بكر وعمر والختان يستقرضهم دية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ يحسبهما
مشركين فقالوا نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك فأجلسوه في صفة وهموا بالفتك به وعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه فأمسك الله يده ونزل جبريل فأخبره بذلك فخرج النبى صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية إذ ظرف للنعمة {أَن يَبْسُطُواْ} بأن يبسطوا {إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ} بالقتل يقال بسط لسانه إليه إذا شتمه وبسط إليه يده إذا بطش به وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء ومعنى بسط اليد مدها إلى المبطوش به {فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ} فمنعها أن تمد إليكم {واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} فإنه الكافي والدافع والمانع
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِنَ الشَّرِّ إثْرَ تَذْكِيرِ نِعَمَةِ إيصالِ الخَيْرِ، الَّذِي هو نِعْمَةُ الإسْلامِ وما يَتْبَعُها مِنَ المِيثاقِ، أوْ تَذْكِيرُ نِعْمَةٍ خاصَّةٍ بَعْدَ تَذْكِيرِ النِّعْمَةِ العامَّةِ؛ اعِتْناءً بِشَأْنِها و( عَلَيْكم ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( نِعْمَةِ اللَّهِ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ هَمَّ قَوْمٌ ﴾ عَلى الأوَّلِ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، وعَلى الثّانِي لِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ( اذْكُرُوا ) لِتَنافِي زَمَنَيْهِما، فَإنَّ ( إذْ ) لِلْمُضِيِّ و( اذْكُرُوا ) لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ تَعالى ( عَلَيْكم )، أوِ ( اذْكُرُوا ) نِعْمَتَهُ تَعالى كائِنَةً ( عَلَيْكم ) وقْتَ قَصْدِ قَوْمٍ ﴿ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ ﴾ أيْ: بِأنْ يَبْطِشُوا بِكم بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ، وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ، والبَسْطُ في الأصْلِ مُطْلَقُ المَدِّ، وإذا اسْتُعْمِلَ في اليَدِ واللِّسانِ كانَ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ رُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِمْ، حَمْلًا لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِاعْتِدادِ بِنِعْمَةِ دَفْعِهِ.
﴿ فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( هَمَّ ) وهو النِّعْمَةُ الَّتِي أُرِيدَ تَذْكِيرُها، وذِكْرُ الهَمِّ لِلْإيذانِ بِوُقُوعِها عِنْدَ مَزِيدِ الحاجَةِ إلَيْها، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ المُفِيدِ لِتَمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِها، وإظْهارُ الأيْدِي لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَقْدِيمِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَلى الأصْلِ، أيْ: مَنَعَ أيْدِيَهم أنْ تُمَدَّ إلَيْكم عَقِيبَ هَمِّهِمْ بِذَلِكَ، وعَصَمَكم مِنهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَفَّها عَنْكم بَعْدَ أنْ مَدُّوها إلَيْكُمْ، وفي ذَلِكَ ما لا يَخْفى مِن إكْمالِ النِّعْمَةِ، ومَزِيدِ اللُّطْفِ.
والآيَةُ إشارَةٌ إلى ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ: ««أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِعُسْفانَ قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا إلّا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ، وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلى صَلاةِ العَصْرِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ»».
وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ««أنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ حَيْثُ انْصَرَفَ مِن بِئْرِ مَعُونَةَ لَقِيَ رَجُلَيْنِ كِلابِيَّيْنِ مَعَهُما أمانٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقَتَلَهُما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ مَعَهُما أمانًا، فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَضى إلى بَنِي النَّضِيرِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، فَتَلَقَّوْهُ فَقالُوا مَرْحَبًا يا أبا القاسِمِ، لِماذا جِئْتَ؟
قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِي قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن كِلابٍ مَعَهُما أمانٌ مِنِّي، طَلَبَ مِنِّي دِيَتَهُما، فَأُرِيدُ أنْ تُعِينُونِي قالُوا: نَعَمِ، اقْعُدْ حَتّى نَجْمَعَ لَكَ، فَقَعَدَ تَحْتَ الحِصْنِ، وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وقَدْ تَآمَرَ بَنُو النَّضِيرِ أنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَجَرًا، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأخْبَرَهُ، فَقامَ ومَن مَعَهُ».
وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ ««أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ، فَأخَذَهُ، فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
قالَ: اللَّهُ تَعالى - قالَها الأعْرابِيُّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ: اللَّهُ تَعالى، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ، وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ»».
ولا يَخْفى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ، وأنَّ القَوْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كالنّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ ﴾ وأنَّ ضَرَرَ الرَّئِيسِ ونَفْعَهُ يَعُودانِ إلى المَرْءُوسِ ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( اذْكُرُوا ) أيِ اتَّقُوهُ في رِعايَةِ حُقُوقِ نِعْمَتِهِ، ولا تُخِلُّوا بِشُكْرِها، أيْ: في الأعَمِّ مِن ذَلِكَ، ويَدْخُلُ هو دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿ وعَلى اللَّهِ ﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافٍ في دَرْءِ المَفاسِدِ وجَلْبِ المَصالِحِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ أمْرِ الغائِبِ وإسْنادِها لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى المُخاطَبِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، ولِإظْهارِ ما يَدْعُو إلى الِامْتِثالُ ويَزَعُ عَنِ الإخْلالِ، مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وإظْهارُ الأمْرِ الجَلِيلِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ التَّذْيِيلِيَّةِ، وقَدْ مَرَّتْ نَظائِرُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ - كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تُقْرَأُ سَبْعًا صَباحًا وسَبْعًا مِساءً لِدَفْعِ الطّاعُونِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم محدثون، ويقال: إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ يعني: مع المرافق وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ يعني مع الكعبين.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم، وفي رواية أبي بكر وَأَرْجُلَكُمْ بكسر اللام وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب فإنه جعله نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الغسل، يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
ومن قرأ بالكسر جعله كسراً لدخول حرف الخفض وهو الباء، فكأنه قال: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، يعني إذا كان عليه خفان، وقد ثبت ذلك بالسنة.
ويقال: صار كسراً بالمجاورة كما قال في آية أخرى وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22] قرأ بعضهم بالكسر بالمجاورة، فهذه الأربعة التي ذكرت في الآية من فرائض الوضوء، وما سوى ذلك آداب وسنن.
فإن قيل: الآية إذا قرئت بقراءتين فالله تعالى قال بهما جميعاً أو بإحداهما؟
قيل له: هذا على وجهين: إن كان لكل قراءة معنى غير المعنى الآخر، فالله تعالى قال بهما جميعاً، وصارت القراءتان بمنزلة الآيتين، وإن كانت القراءتان معناهما واحد، فالله تعالى قال لإحداهما، ولكنه رخص بأن يقرأ بهما جميعاً.
ثم قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا قد يوصف الجمع بصفة الواحد كقوله وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً وكقوله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ قوله: فَاطَّهَّرُوا معناه فتطهروا إلا أن التاء أدغمت في الطاء لأنهما من مكان واحد فإذا، أدغمت فيها سكن أول الكلمة وزيدت ألف الوصل للابتداء.
ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مآء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يعني من الصعيد.
ثم قال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ يقول: لا يكلفكم في دينكم من ضيق وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ يعني: يطهركم من الأحداث والجنابة وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بما أنعم من الرخص لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا الله لما رخص لكم ولم يضيق عليكم.
قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يقول: احفظوا منن الله عليكم بإقراركم بوحدانية الله تعالى وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ يعني يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم- - وقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] هكذا قال في رواية الكلبي ومقاتل والضحاك.
وقال بعضهم: هو الميثاق الجبلة والإدراك، فكل من أدرك فقد أخذ عليه الميثاق، وشهدت له خلقته وجبلته فصار ذلك كالإقرار منه، ثم قال إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا يوم الميثاق، قلتم سمعنا قولك يا ربنا وأطعنا أمرك.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في نقض العهد والميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، يعني: عالم بسرائركم.
ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ يعني قوالين بالحق.
ثم قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا وذلك أن الله تعالى لما فتح على المسلمين مكة، أمر الله المسلمين أن لا يكافئوهم بما سلف، وأن يعدلوا في القول والحكم والنصفة.
وذلك قوله اعْدِلُوا يعني قولوا الحق والعدل هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يعني فإنه أقرب للطاعة.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول: واخشوا الله بما أمركم به إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الطاعة وغيره.
ثم بيّن ثواب من عمل بطاعته فقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني ثواب عظيم في الجنة.
ويقال: إن أهل مكة قالوا بعد ما أسلموا: ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك.
فقالوا: وعد الله الذين آمنوا بالله وبمحمد وعملوا الصالحات بعد الإسلام لهم مغفرة لما فعلوا في حال الشرك وأجر عظيم في الآخرة.
ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا وكذبوا بمحمد والقرآن، وماتوا على ذلك أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يعني مقيمين فيها أبداً.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وذلك أن النبيّ لما قدم المدينة وصالح بني قريظة وبني النضير، وهما قبيلتان بقرب المدينة، وأخذ منهم الميثاق بأن لا يكون بينهم القتال، وأن يتعاونوا فيما بينهم على الديات، فدخل مستأمنان على رسول الله فخرجا من عنده فقتلهما «عمرو بن أمية الضمري» ، ولم يعلم بأنهما مستأمنان، فوداهما رسول الله بدية حُرَّين مسلمين، فخرج رسول الله مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير ليستعين بهم في ديتهما، فقالوا: مرحباً حتى نستأذن إخواننا من بني قريظة.
وقال في رواية الكلبي: خرج إلى بني قريظة فقالوا: حتى نستأذن إخواننا من بني النضير، وأدخلوهم داراً وأجلسوهم في صفّة، وجعلوا يجمعون السلاح، وهموا بقتل رسول الله وأصحابه، وكانوا ينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائباً، فنزل جبريل وأخبر النبي بالقصة وخرج، فلما أبطأ الرجوع قام أبو بكر فخرج، ثم خرج عمر، ثم خرج علي م فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يقول: أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بالمنع.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا نصير بن يحيى، قال: حدثنا أبو سليمان، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله خرج إلى بني النضير ليستعين بهم في دية الكافرَيْن اللذيْن قتلهما «عمرو بن أمية الضمري» ، فهمّ بنو النضير بقتل النبي ، فبلغ النبيّ فسار إليهم فحاصرهم، وأمر بقطع النخيل وحاصرهم حتى قالوا: أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح؟
قال: «نعم» ففتحوا الحصون، وأجلاهم إلى الشام.
فهذا الخبر موافق رواية مقاتل أنه خرج إلى بني النضير.
وقال الضحاك: كان سبب نزول هذه الآية أن النبيّ خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال: إن كنت نبياً كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به.
فلم يجترئ للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم ردّ عليه السيف فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ففي الآية مضمر، فكأنه قال: فاتقوا الله وتوكلوا على الله، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا: نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا: مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حجرا يشدخه، فجاء جبريل، فأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فقام صلّى الله عليه وسلّم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونقضهم المواثيق.
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً: هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى- تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في/ أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره: هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى «١» .
قال ع «٢» : ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في مَعَكُمْ، لبني إسرائيل، أيْ: معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله:
لَئِنْ: هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله: لَأُكَفِّرَنَّ والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ: أنَّهَا قد يستغنى عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ: توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا: شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: معناه: وقّرتموهم، وعظّمتموهم،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبٍ قالَ لِقَوْمِهِ: ألا أقْتُلُ لَكم مُحَمَّدًا؟
فَقالُوا: وكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟
فَقالَ: أفْتِكُ بِهِ، فَأقْبَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وسَيْفُهُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَهُ، وجَعَلَ يَهُزُّهُ، ويَهِمُّ بِهِ، فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ ما تَخافُنِي؟
قالَ: لا، قالَ: لا تَخافُنِي وفي يَدِي السَّيْفُ؟!
قالَ: يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنكَ، فَأغْمَدَ السَّيْفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وفي بَعْضِ الألْفاظِ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ.
وفي لَفْظٍ آخَرَ: فَما قالَ لَهُ النَّبِيُّ شَيْئًا، ولا عاقَبَهُ.
واسْمُ هَذا الرَّجُلِ: غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ مِن مُحارِبِ خَصْفَةَ.
والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ عَزَمُوا عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ، فَكَفاهُ اللَّهُ شَرَّهم.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعُوا لَهُ طَعامًا، فَأُوحِي إلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُهم في دِيَةٍ، فَقالُوا: اجْلِسْ حَتّى نُعْطِيَكَ، فَجَلَسَ هو وأصْحابُهُ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وقالُوا: لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أقْرَبَ مِنهُ الآنَ، فَمَن يَظْهَرُ عَلى هَذا البَيْتِ، فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً؟
فَقالَ: عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ: أنا، فَجاءَ إلى رَحى عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحَها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ، وجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَهُ، وخَرَجَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والثّالِثُ: «أنَّ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وبَنِي مُحارِبٍ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ وأصْحابِهِ، وهم بِبَطْنِ نَخْلَةَ في غَزاةِ رَسُولِ اللَّهِ السّابِعَةِ، فَقالُوا: إنَّ لَهم صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، فَإذا سَجَدُوا وقَعْنا بِهِمْ، فَأطْلَعُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، وَأنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ اليَهُودِ حِينَ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عنكم واتَّقُوا اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَتْرِ الذُنُوبِ عَلَيْهِمْ؛ وبِالجَنَّةِ؛ فَهي الأجْرُ العَظِيمُ؛ و"وَعَدَ"؛ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما؛ وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ؛ فالمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ؛ يُفَسِّرُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "لَهم مَغْفِرَةٌ"؛ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ؛ لِيُبَيِّنَ الفارِقَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ والنِعْمَةُ هي العامِلَةُ في "إذْ"؛ وهي نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ و"هَمَّ الرَجُلُ بِالشَيْءِ"؛ إذا أرادَ فِعْلَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هَلْ يَنْفَعنكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمْ ∗∗∗ كَثْرَةُ ما تُوصِي وتَعْقادُ الرَتَمْ؟
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وما النازِلَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الهَمُّ بِبَسْطِ اليَدِ؛ والكَفِّ مِنَ اللهِ تَعالى ؟؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ «لَمّا قُتِلَ أهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَجا مِنَ القَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمْرِيُّ ؛ ورَجُلٌ آخَرَ مَعَهُ؛ فَلَقِيا بِقُرْبِ المَدِينَةِ رَجُلَيْنِ مِن سُلَيْمٍ؛ قَدْ كانا أخَذا عَهْدًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وانْصَرَفا؛ فَسَألَهُما عَمْرٌو: مِمَّنْ أنْتُما؟
فانْتَسَبا إلى بَنِي عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ؛ وهو كانَ الجانِي عَلى المُسْلِمِينَ في بِئْرِ مَعُونَةَ؛ فَقَتَلَهُما عَمْرٌو وصاحِبُهُ؛ وأتَيا بِسَلْبِهِما النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ: "لَقَدْ قَتَلْتُما قَتِيلَيْنِ؛ لَأدِيَّنَّهُما"؛ ثُمَّ شَرَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في جَمْعِ الدِيَةِ؛ فَذَهَبَ يَوْمًا إلى بَنِي النَضِيرِ يَسْتَعِينُهم في الدِيَةِ؛ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ ؛ وعُمَرُ ؛ وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهم -؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ ؛ انْزِلْ حَتّى نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا؛ ونَنْظُرَ في مَعُونَتِكَ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ظِلِّ جِدارٍ؛ فَتَآمَرُوا بَيْنَهم في قَتْلِهِ؛ وقالُوا: ما ظَفِرْتُمْ بِمُحَمَّدٍ قَطُّ أقْرَبَ مَرامًا مِنهُ اليَوْمَ؛ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَن رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلى الحائِطِ فَيَصُبَّ عَلَيْهِ حَجَرًا يَشْدَخُهُ؟
فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ؛ فِيما رُوِيَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَكانِ؛ وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛» وفي الخَبَرِ زَوائِدُ لا تَخُصُّ الآيَةَ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الآياتِ في وصْفِ غَدْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقْضِهِمُ المَواثِيقَ.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَبَبُ الآيَةِ فِعْلُ الأعْرابِيِّ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وهي «غَزْوَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَنِي مُحارِبِ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلانَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ نَزَلَ بِوادٍ كَثِيرِ العِضاهِ؛ فَتَفَرَّقَ الناسُ في الظِلالِ؛ وتُرِكَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - شَجَرَةٌ ظَلِيلَةٌ؛ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِها؛ ونامَ؛ فَجاءَ رَجُلٌ مِن مُحارِبٍ؛ فاخْتَرَطَ السَيْفَ؛ فانْتَبَهَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والسَيْفُ صُلِتَ في يَدِهِ؛ فَقالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: أتَخافُنِي؟
فَقالَ: "لا"؛ فَقالَ لَهُ: ومَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟
فَقالَ: "اَللَّهُ"؛ فَشامَ السَيْفَ في غِمْدِهِ؛ وجَلَسَ؛» وفي البُخارِيِّ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَعا الناسَ فاجْتَمَعُوا وهو جالِسٌ عِنْدَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ولَمْ يُعاقِبْهُ؛ وذَكَرَ الواقِدِيُّ ؛ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عن أبِيهِ أنَّهُ أسْلَمَ؛ وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّهُ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ في ساقِ الشَجَرَةِ حَتّى ماتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وفي البُخارِيِّ ؛ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ أنَّ اسْمَ الرَجُلِ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ - بِالغَيْنِ مَنقُوطَةً -؛ وحَكى بَعْضُ الناسِ أنَّ اسْمَهُ دَعْثُورُ بْنُ الحارِثِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ أرادُوا قَتْلَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في طَعامٍ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ بِذَلِكَ؛ ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خِلافَ ما تُرْجِمَ بِهِ؛ مِن أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ صَنَعُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابِهِ طَعامًا لِيَقْتُلُوهُ إذا أتى الطَعامَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَيُشْبِهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ إنَّما وصَفَ قِصَّةَ بَنِي النَضِيرِ المُتَقَدِّمَةِ.
وَقالَ قَتادَةُ: سَبَبُ الآيَةِ ما هَمَّتْ بِهِ مُحارِبٌ وبَنُو ثَعْلَبَةَ يَوْمَ ذاتِ الرِقاعِ مِنَ الحَمْلِ عَلى المُسْلِمِينَ في صَلاةِ العَصْرِ؛ فَأشْعَرَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى- بِذَلِكَ؛ ونَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ؛ فَذَلِكَ كَفُّ أيْدِيهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ.
وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ إلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلًا لِيَغْتالَهُ؛ ويَقْتُلَهُ؛ فَأطْلَعَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى ذَلِكَ؛ وكَفاهُ شَرَّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَحْفُوظُ في هَذا هو نُهُوضُ عُمَيْرِ بْنِ وهْبٍ لِهَذا المَعْنى؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِ عَلى ذَلِكَ مَعَ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ ؛ والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في سِيَرِ ابْنِ هِشامٍ.
وذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ - وأشارَ إلَيْهِ الزَجّاجُ - أنَّ الآيَةَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَدَّدَ عَلى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ في أنْ أظْهَرَهُمْ؛ وكَفَّ بِذَلِكَ أيْدِيَ الكُفّارِ عنهُمُ الَّتِي كانُوا هَمُّوا بِبَسْطِها إلى المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْسُنُ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ عَقِبَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وحِينَ هَزَمَ اللهُ الأحْزابَ؛ وكَفى اللهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ؛ وباقِي الآيَةِ أمْرٌ بِالتَقْوى والتَوَكُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
بعد قوله تعالى: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به ﴾ [المائدة: 7] أعيد تذكيرهم بنعمة أخرى عظيمة على جميعهم إذ كانت فيها سلامتهم، تلك هي نعمة إلقاء الرعب في قلوب أعدائهم لأنّها نعمة يحصل بها ما يحصل من النصر دون تجشّم مشاقّ الحرب ومتالفها.
وافتتاح الاستئناف بالنّداء ليحصل إقبال السامعين على سماعه.
ولفظ: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وما معه من ضمائر الجمع يؤذن بأنّ الحادثة تتعلّق بجماعة المؤمنين كلّهم.
وقد أجمل النعمة ثُمّ بيّنها بقوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ .
وقد ذكر المفسّرون احتمالات في تعيين القوم المذكورين في هذه الآية.
والّذي يبدو لي أنّ المراد قوم يعرفهم المسلمون يومئذٍ؛ فيتعيّن أن تكون إشارة إلى وقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة.
ولم أر فيما ذكروه ما تطمئنّ له النّفس.
والّذي أحسب أنّها تذكير بيوم الأحْزاب؛ لأنّها تشبه قوله: ﴿ يأيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها ﴾ [الأحزاب: 9] الآية.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى ما كان من عزم أهل مكّة على الغدْر بالمسلمين حين نزول المسلمين بالحديبية عام صلح الحديبية ثُمّ عدلوا عن ذلك.
وقد أشارت إليها الآية: ﴿ وهو الّذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكّة ﴾ [الفتح: 24] الآية.
ويجوز أن تكون الإشارة إلى عزم أهل خيبر وأنصارهم من غطفان وبني أسد على قتال المسلمين حين حصار خيبر، ثم رجعوا عن عزمهم وألقَوا بأيديهم، وهي الّتي أشارت إليها آية: ﴿ وَعَدَكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيديَ النّاس عنكم ﴾ [الفتح: 20].
وعن قتادة: سبب الآية ما همَّت به بنو محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر فأشعر الله رسولَه بذلك، ونزلت صلاةُ الخوف، وكفّ الله أيديهم عن المؤمنين.
وأمّا ما يذكر من غير هذا ممّا همّ به بنو النضِير من قتل النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءهم يستعينهم على دية العامريَّيْننِ فتآمروا على أن يقتلوه، فأوحى الله إليه بذلك فخرج هو وأصحابه.
وكذا ما يذكر من أنّ المراد قصّة الأعرابي الّذي اخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائل في مُنصرفه من إحدى غزواته، فذلك لا يناسب خطاب الّذين آمنوا، ولا يناسب قصّة الأعرابي لأنّ الّذي أهمّ بالقتل واحد لا قوم.
وبسط اليد مجاز في البطش قال تعالى: ﴿ ويبسطوا إليكم أيديَهم وألسنتهم بالسوء ﴾ [الممتحنة: 2] ويطلق على السلطة مجازاً أيضاً، كقولهم: يجب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر على كلّ من بُسطت يدُه في الأرض؛ وعلى الجُود، كما في قوله تعالى: ﴿ بل يَداه مبسوطتان ﴾ [المائدة: 64].
وهو حقيقة في محاولة الإمساك بشيء، كما في قوله تعالى حكاية عن ابن آدم ﴿ لَئِن بسطتَ إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يديَ إليك لأقتلك ﴾ [المائدة: 28].
وأمّا كفّ اليد فهو مجَاز عن الإعراض عن السوء خاصّة ﴿ وكفّ أيديَ النّاس عنكم ﴾ [الفتح: 20].
والأمر بالتقوى عقب ذلك لأنّها أظهر للشكر، فعطف الأمر بالتَّقوى بالواو للدلالة على أنّ التّقوى مقصودة لذاتها، وأنّها شكر لله بدلالة وقوع الأمر عقب التذكير بنعمة عظمى.
وقوله: ﴿ وعلى الله فليتوكّل المؤمنون ﴾ أمر لهم بالاعتماد على الله دون غيره.
وذلك التّوكل يعتمد امتثال الأوامر واجتناب المنهيات فناسب التّقوى.
وكان من مظاهره تلك النّعمة الّتي ذُكّروا بها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي بِالحَقِّ فِيما يَلْزَمُ مِن طاعَتِهِ.
﴿ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ.
وَفي هَذِهِ الشَّهادَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.
أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ بِحُقُوقِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّانِي: الشَّهادَةُ بِما يَكُونُ مِن مَعاصِي العِبادِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.
الثّالِثُ: الشَّهادَةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَقٌّ.
وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ إلى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُ بِهِمْ في دِيَةٍ، فَهَمُّوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ»، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.
ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَّرَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِخَلاصِ نَبِيِّهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: «أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ رَجُلًا، لِيَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ فِيها هاتانِ الآيَتانِ»، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ ولُزُومِ طاعَتِهِ.
﴿ وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ أخَذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم نَقِيبًا، وفي النَّقِيبِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الضَّمِينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.
الثّانِي: الأمِينُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.
والثّالِثُ: الشَّهِيدُ عَلى قَوْمِهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
وَأصْلُهُ في اللُّغَةِ: النَّقِيبُ الواسِعُ، فَنَقِيبُ القَوْمِ هو الَّذِي يُنَقِّبُ أحْوالَهم.
وَفِيما بُعِثَ فِيهِ هَؤُلاءِ النُّقَباءُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بُعِثُوا إلى الجَبّارِينَ، لِيَقِفُوا عَلى أحْوالِهِمْ ورَجَعُوا بِذَلِكَ إلى مُوسى، فَرَجَعُوا عَنْ قِتالِهِمْ، لِما رَأوْا مِن شِدَّةِ بِأْسِهِمْ، وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، إلّا اثْنَيْنِ مِنهم، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهم بُعِثُوا لِقَوْمِهِمْ بِما أُخِذَ بِهِ مِيثاقُهم مِنهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبدالله «أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه فَسَلَّهُ، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يمنعك مني؟
قال: الله...
قال الأعرابي: مرتين أو ثلاثاً من يمنعك مني؟
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله...» فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه قال معمر: وكان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا هذا الأعرابي ويتألوا ﴿ اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم..
﴾ الآية.
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث، قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «من يمنعك؟» قال: الله فوقع السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «من يمنعك؟» قال: كن خير آخذ.
قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال: أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله، فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة تصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرفوا فكانوا موضع أولئك الذين بإزاء عدوهم، وجاء أولئك فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين، فكان للناس ركعتين ركعتين وللنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات.
وأخرج ابن إسحاق وأبو نعيم في الدلائل من طريق الحسن.
أن رجلاً من محارب يقال له غورث بن الحارث قال لقومه: أقتل لكم محمداً؟
قالوا له: كيف تقتله؟!
فقال: أفتك به، فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا، قال: نعم، فأخذه فاستله وجعل يهزه ويهم فيكبته الله فقال: يا محمد، ما تخافني وفي يدي السيف؟
ورده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكفَّ أيديهم عنكم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحاك عن ابن عباس قال إن عمرو بن أمية الضمري حين انصرف من بئر معونة، لقي رجلين كلابيين معهما أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلهما ولم يعلم أم معهما أماناً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير ومعه أبو بكر وعمر وعلي، فتلقاه بنو النضير فقالوا: مرحبا.
يا أبا القاسم، لماذا جئت؟
قال: «رجل من أصحابي قتل رجلين من بني كلاب معهما أمان مني، طلب مني ديتهما، فأريد أن تعينوني» .
قالوا: نعم، أقعد حتى نجمع لك.
فقعد تحت الحصن وأبو بكر وعمر وعلي، وقد تآمر بنو النضير أن يطرحوا عليه حجراً، فجاء جبريل فاخبره بما هموا به، فقام بمن معه، وأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم...
﴾ الآية.
وأخرج أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
نحوه.
وأخرج أيضاً عن عروة، وزاد بعد نزول الآية «وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجلائهم لما أرادوا، فأمرهم أن يخرجوا من ديارهم.
قالوا: إلى أين؟
قال: إلى الحشر» .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبدالله ابن أبي بكر قالا: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم على دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فلما جاءهم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن، فمروا رجلاً يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه.
فقال عمر بن جحاش بن كعب: أنا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر فانصرف، فأنزل الله فيهم، وفيما أراد هو وقومه ﴿ يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم...
﴾ » .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ قال: هم يهود.
دخل عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حائطاً لهم وأصحابه من وراء جداره، فاستعانهم في مغرم في دية غرمها، ثم قام من عندهم فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضاً ينظر إليهم، ثم دعا أصحابه رجلاً رجلاً حتى تقاوموا إليه.
وأخرج ابن جرير عن يزيد بن زياد قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير يستعينهم في عقل أصابه ومعه أبو بكر وعمر وعلي، فقال: «أعينوني في عقل أصابني.
فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قد آن لك تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينتظرونه، وجاء حيي بن أخطب فقال حيي لأصحابه: لا ترونه أقرب منه الآن، اطرحوا عليه حجارة فاقتلوه ولا ترون شراً أبداً، فجاؤوا إلى رحى لهم عظيمة ليطرحوها عليه، فأمسك الله عنها أيديهم حتى جاءه جبريل فأقامه من بينهم، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين أمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم...
﴾ الآية.
فأخبر الله نبيه ما أرادوا» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق السدي عن أبي مالك في الآية قال: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه حين أرادوا أن يغروا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكباً من المهاجرين والأنصار إلى غطفان، فالتقوا على ماء من مياه عامر فاقتتلوا، فقتل المنذر ابن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، فلم يرعهم إلا والطير تجول في جوّ السماء يسقط من خراطيمها علق الدم، فقالوا قتل أصحابنا والرحمن.
فانطلق رجل منهم فلقي رجلاً، فاختلفا ضربتين فلما خالطه الضربة رفع طرفه إلى السماء، ثم رفع عينيه، فقال: الله أكبر!...
الجنة ورب العالمين، وكان يرعى أعنق ليموت، فانطلق صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما، وكان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة، فقدم قومهما على النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون عقلهما، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، حتى دخلوا على بني النضير يستعينونهم في عقلهما، فقالوا: نعم.
فاجتمعت يهود على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فاعتلوا له بصنعة الطعام، فلما أتاه جبريل بالذي أجمع له يهود من الغدر خرج، ثم أعاد علياً فقال: «لا تبرح من مكانك هذا، فمن مر بك من أصحابي فسألك عني فقل: وجه إلى المدينة فأدركوه» ، فجعلوا يمرون على علي فيقول لهم الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتى عليه آخرهم، ثم تبعهم ففي ذلك أنزلت ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ﴾ حتى ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال: «إن قوماً من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه طعاماً ليقتلوه، فأوحى الله إليه بشأنهم فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فلم يأتوه» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: «ذكر لنا أنها أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببطن نخل في الغزوة الثانية، فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب ان يفتكوا به، فأطلعه الله على ذلك، ذكر لنا أن رجلاً انتدب لقتله، فأتى نبي الله صلى الله عليه وسلم وسيفه موضوع، فقال: آخذه يا رسول الله؟
قال: خذه.
قال: استله؟
قال: نعم.
فاستله فقال: من يمنعك مني؟
قال: الله يمنعني منك، فهدده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأغلظوا له القول فشام السيف، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالرحيل، فأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية.
قال ابن عباس والكلبي ومقاتل وغيرهم: كان النبي قد بعث سرية إلى بني عامر فقُتِلوا ببئر معونة (١) (٢) ليخبروه خبر القوم، فلقيا رجلين من بني سليم معهما أمان من النبي فقتلاهما ، ولم يعلما أن معهما أمانًا، فجاء قومهما يطلبون الدية، فخرج النبي ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم حتى دخلوا على بني النضير، وكانوا قد عاهدوا النبي على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، فقال النبي : "رجل من أصحابي أصاب رجلين معهما أمان مني، فلزمني ديتهما، فأريد أن تعينوني"، فقالوا: نعم، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.
وهموا باغتيالهم والفتك بهم، فآذن (٣) أنه قد نزل عليه الوحي بما عزموا عليه (٤) قال عطاء: توامروا أن يطرحوا عليهم رحًا أو حجرًا (٥) وقال بعض أهل العلم: بل ألقوا فأخذه جبريل (٦) (١) بئر معونة: اسم لموضع في أرض بني سليم بين مكة والمدينة.
وأطلق هذا الاسم على وقعة بين المسلمين والمشركين، وقد أشار المؤلف إليها بهذا الأثر.
(٢) هو أبو أمية عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله الضمري، صحابي مشهور له أحاديث، وكان شجاعًا، وأول مشاهده بئر معونة، وكان من أهل النجدة، مات قبل الستين.
انظر: "الاستيعاب" 3/ 248، و"أسد الغابة" 4/ 193، و"الإصابة" 2/ 524.
(٣) فآذن: أي فأعلم.
(٤) أخرجه عن ابن عباس بنحوه من طريق الضحاك أبو نعيم في "الدلائل"، كما أخرجه من طريق الكلبي عن أبي صالح عنه، انظر: "الدر المنثور" 2/ 470، وذكره المؤلف عن الكلبي في "أسباب النزول" ص 196.
وأخرج الأثر بمعناه عن قتادة ومجاهد ويزيد بن أبي زياد وعكرمة: الطبري في "تفسيره" 6/ 144 - 145.
وانظر: "تفسير مقاتل" 1/ 458 - 460، و"بحر العلوم" 1/ 421، والبغوي في "تفسيره" 3/ 28، و"زاد المسير" 2/ 309، وابن كثير في "تفسيره" 2/ 36.
(٥) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 28.
(٦) في جميع الروايات أن جبريل أعلمه بما عزموا عليه، وليس فيها أنه أخذ الحجر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ في سببها أربعة أقوال: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني النضير من اليهود، فهمّوا أن يصبوا عليه صخرة يقتلونه بها، فأخبره جبريل بذلك فقام من المكان، ويقوي هذا القول ما ورد في الآيات بعد هذا في غدر اليهود، والثاني: أنها نزلت في شأن الأعرابي الذي سل السيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وجده في سفر وهو وحده وقال له من يمنعك مني؟
قال: الله فأغمد السيف وجلس واسمه غورث بن الحارث المحاربي الغطفاني، والثالث: أنها فيما همّ به الكفار من الإيقاع بالمسلمين حين نزلت صلاة الخوف، والرابع: أنها على الإطلاق في دفع الله الكفار عن المسلمين.
<div class="verse-tafsir"
القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.
الباقون مثقلة.
﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.
الباقون بالفتح.
﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.
الباقون بالفتح.
﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.
﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.
﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.
﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.
الباقون بالجر.
الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.
﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.
﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.
﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.
﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.
﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.
﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.
﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.
﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.
﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.
التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.
والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.
والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.
والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.
ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.
قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله : " "لا نذر في معصية الله" .
وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.
وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله: : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.
والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.
ثم إنه لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.
وهذا باب مبهم أي مسدود.
ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.
والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.
قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.
وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.
وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.
وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.
وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.
الثاني أنها الأجنة.
عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.
وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.
والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.
على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.
قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.
وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.
ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟
فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.
ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".
وقال ابن فارس: واحدها شعارة.
ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.
والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.
ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.
وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.
وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.
وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.
وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي فقال له: إلام تدعو الناس؟
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.
فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.
وقد كان النبي قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.
فلما خرج قال رسول الله : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .
فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟
فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.
والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.
والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.
والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.
والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.
ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.
وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.
وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.
وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.
﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.
تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.
الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.
والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.
ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.
وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.
قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.
﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.
والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله وتعالى .
ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.
﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.
والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.
قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.
الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.
قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.
وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.
والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.
الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.
وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.
السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.
وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.
السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.
الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.
والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.
وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.
تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.
التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.
قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.
قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.
أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.
وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.
العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.
وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.
وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.
الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.
فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.
فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.
وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.
والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.
يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.
وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.
وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.
ثم إنه حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.
وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي واقف على ناقته العضباء.
وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.
فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.
قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.
﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟
وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.
وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.
وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.
قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.
وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.
قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.
وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.
روي أنه لما نزلت الآية على النبي فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.
وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.
قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.
واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.
والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.
ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.
واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.
ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.
﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.
وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.
تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.
أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل جاء إلى النبي فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.
فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.
قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله إلى أن نزلت هذه الآية.
فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .
وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.
الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.
ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .
الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.
الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.
الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.
ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.
ومنه الفواسق الخمس.
روي أنه قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .
السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.
السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.
فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.
وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.
وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.
والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.
ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.
قوله : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.
قال : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ أي كسبتم.
وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.
وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.
وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.
نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.
والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.
قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.
يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.
وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.
واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.
ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.
ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.
وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.
ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.
وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.
ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.
و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.
وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.
والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.
ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.
أما قوله : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.
وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله .
/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.
وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.
وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.
وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.
وقد يرجح الأول بأنه قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.
ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.
وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.
وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.
فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟
وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.
﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.
وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.
وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله : ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.
﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.
والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.
ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.
وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.
وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.
وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.
واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.
ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.
ثم إنه لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.
وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.
ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.
الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.
والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.
وأيضاً إنه طهارة وقد قال في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.
الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.
وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.
وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.
وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.
ويروى "أنّ النبي كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.
قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .
أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.
وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.
الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.
وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.
ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.
وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.
نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.
الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.
وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.
الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.
وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.
وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.
السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.
وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.
وقال في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .
وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.
ثم إنه أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله عنه.
وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.
ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.
وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.
السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.
الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.
وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .
التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.
وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.
الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.
وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.
الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟
قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.
قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.
الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟
يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.
وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.
الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.
الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.
السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.
السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.
الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.
وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.
التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.
أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.
حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.
العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.
الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.
الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.
لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.
الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.
الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.
مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.
الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.
الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.
السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.
السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.
ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.
وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.
وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.
وهذا الجواب اختيار الزجاج.
وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.
الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.
لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.
التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.
الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.
الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.
أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.
الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.
الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.
وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه مسح على العمامة.
وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.
الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.
وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.
وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.
وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.
حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.
وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.
والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.
الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.
وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.
والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.
حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .
السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.
حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.
السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.
الثامنة والثلاثون.
قوله : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.
وللجنابة سببان: نزول المني لقوله : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.
التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.
لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.
ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.
الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.
الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.
وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.
الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.
قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.
وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.
الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.
الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.
السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.
السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.
الشافعي يكره للحديث.
الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.
وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.
التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.
الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.
الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.
حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.
الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.
وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.
الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.
والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.
الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.
وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.
وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.
حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.
السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.
وقال أبو حنيفة: نجسه.
السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.
وقال زفر: لا يجب.
الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.
أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.
التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .
الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.
لنا قوله : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.
الحادية والستون.
الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله فيبقى في التيمم على ظاهره.
أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.
أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.
الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.
وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.
الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.
وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.
الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.
الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.
وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.
السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.
والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.
ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.
وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.
السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.
الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.
/واعلم أن قوله وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.
وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.
أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول : ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ولقوله : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.
التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.
﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.
ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.
فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟
فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.
الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.
وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.
وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.
واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.
وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.
ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.
ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.
وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.
وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟
ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟
فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.
وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.
بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.
عن جابر "أن النبي نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟
قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي يقول: الله.
فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .
وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي رجلين من بني سليم - وبين النبي وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.
فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟
فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.
فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.
وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.
التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.
فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.
ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.
﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.
﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.
﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.
وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ...
﴾ الآية.
يحتمل أن تكون الآية في الشهادة نفسها؛ كأنه قال: أن قوموا شهداء لله، واجعلوا الشهادة له، فإذا فعلوا هكذا لا يمنعهم بغض أحد وعداوته، ولا رضا أحد وولايته - القيام بها.
ندبهم الله أن يقوموا في الشهادة لله والحكم له: يحكم للعدو كما يحكم للولي، ويقوم في الشهادة للعدو كما يقوم للولي، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون في بيان الحق والحجج وتعليم الأحكام والشرائع؛ كأنه يقول - والله أعلم -: قوموا في بيان الحجج والحق وتعليم الأحكام لله، لا يمنعكم بغض قوم ولا رضاهم على ألا تبينوا الحق لهم، ولا تعلموا الحجج والأحكام لهم.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، أي: لا يحملنكم ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ، أي: بغض قوم ﴿ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ فيهم؛ فإنما العدل لله في الرضا والسخط، ﴿ ٱعْدِلُواْ ﴾ ، يقول: قولوا العدل بالحق؛ فإنه أقرب للتقوى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .
أي: اعدلوا هو التقوى؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، أي: رحمة الله للمحسنين؛ لأن العدل ليس إلا التقوى.
﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
وتضمرون من العدل والجور، خرج على الوعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ قال بعضهم: هذه الآية [هي] صلة ما تقدم في قوله - وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ...
﴾ إلى آخر ما ذكر.
فإذا فعلوا، وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم، كان لهم ما ذكر من الوعد، والله أعلم.
ولكن يحتمل هي على الابتداء - والله أعلم - كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعداً، ثم بين ما في ذلك الوعد، فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم: يستر على ذنوبهم، ويتجاوز عنها، وأجر عظيم: الجنة، قال ابن عباس - - "لهم مغفرة في الدنيا لذنوبهم، وأجر عظيم في الآخرة: الجنة"، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ قيل: كفروا بآيات الله وكذبوا بآياته، يعني: محمداً والقرآن، ﴿ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .
وقيل: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ بتوحيد الله، ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ : بالقرآن بأنه ليس من الله ، وهما واحد؛ وهذا يدل على أن الآية على الابتداء خرجت، ليس على الصلة على ما قالوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ .
يحتمل أن تكون هذه المنة التي ذكر الله - - في هذه الآية من كف أيدي الأعداء عنهم، بعدما بسطوا إليهم أيديهم في جملة المؤمنين؛ لأن المؤمنين كانوا في ابتداء الأمر مختفين فيما بين الكفرة، لا يقدرون على إظهار الإسلام وإعلانه، وقد هموا قتل المؤمنين غير مرة، وفيما كف أيديهم عنهم منة عظيمة علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين.
ويحتمل أن يكون في قوم خاص قد أحاطوا بهم، وبسطوا أيديهم إليهم، وهموا بقتلهم؛ فكف الله - عز وجل - بفضله أيديهم عنهم، وأنقذهم من أيديهم.
ثم اختلف فيه: عن ابن عباس - - قال: "هَمَّ بنو قريظة أن يبسطوا إليهم أيديهم بالقتل؛ فكف الله - - أيديهم عنهم بالمنع".
وقيل: نزلت في اليهود: دخل النبي حائطاً لهم في النخل، وأصحابه وراء الجدار، واستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضاً ينظر من خيفتهم، ثم دعا أصحابه إليه رجلاً رجلاً، حتى تناهوا إليه.
فلا ندري كيفما كانت القصَّة؟
وليس لنا إلى معرفة القصّة حاجة بعد أن نعرف منة الله - - التي من علينا بكف الأعداء عنهم، ونشكر له على ذلك.
وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد ؛ لأنه أخبر عما كان منهم من غير أن يشهد ذلك؛ ليعلم أنه بالله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
أي: على الله يكل المؤمن في كل أمره، وبه يثق.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا، اذكروا بقلوبكم وألسنتكم ما أنعم الله به عليكم من الأمن وإلقاء الخوف في قلوب أعدائكم حين قصدوا أن يمدوا أيديهم إليكم ليبطشوا بكم ويفتكوا، فصرفهم الله عنكم وعصمكم منهم، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعلى الله وحده فليعتمد المؤمنون في تحصيل مصالحهم الدينية والدنيوية.
<div class="verse-tafsir" id="91.5y1a8"