الآية ١١٥ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١١٥ من سورة المائدة

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ ١١٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 175 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٥ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٥ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : فمن كذب بها من أمتك يا عيسى وعاندها ( فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) أي : من عالمي زمانكم ، كقوله : ( ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) [ غافر : 46 ] ، وكقوله : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) [ النساء : 145 ] .

وقد روى ابن جرير ، من طريق عوف الأعرابي ، عن أبي المغيرة القواس ، عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون ، ومن كفر من أصحاب المائدة ، وآل فرعون .

ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين : قال أبو جعفر بن جرير ، حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، عن ليث ، عن عقيل عن ابن عباس : أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل : هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوما ، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم؟

فإن أجر العامل على من عمل له .

ففعلوا ، ثم قالوا : يا معلم الخير ، قلت لنا : إن أجر العامل على من عمل له وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوما ، ففعلنا ، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوما إلا أطعمنا حين نفرغ طعاما ، فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟

قال عيسى : ( اتقوا الله إن كنتم مؤمنين .

قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين .

قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين .

قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) قال : فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء ، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة ، حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .

كذا رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : كان ابن عباس يحدث ، فذكر نحوه .

وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، حدثنا عقيل بن خالد ، أن ابن شهاب أخبره عن ابن عباس ; أن عيسى ابن مريم قالوا له : ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ، قال : فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها ، عليها سبعة أحوات ، وسبعة أرغفة ، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي ، حدثنا سفيان بن حبيب ، حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن عمار بن ياسر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " نزلت المائدة من السماء ، عليها خبز ولحم ، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد ، فخانوا وادخروا ورفعوا ، فمسخوا قردة وخنازير " وكذا رواه ابن جرير ، عن الحسن بن قزعة ثم رواه ابن جرير ، عن ابن بشار ، عن ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن خلاس ، عن عمار ، قال : نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة ، فأمروا ألا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا .

قال : فخان القوم وخبئوا وادخروا ، فمسخهم الله قردة وخنازير .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا داود ، عن سماك بن حرب ، عن رجل من بني عجل ، قال : صليت إلى جنب عمار بن ياسر ، فلما فرغ قال : هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟

قال : قلت : لا قال : إنهم سألوا عيسى ابن مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد ، قال : فقيل لهم : فإنها مقيمة لكم ما لم تخبؤوا ، أو تخونوا ، أو ترفعوا ، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، قال : فما مضى يومهم حتى خبؤوا ورفعوا وخانوا ، فعذبوا عذابا لم يعذبه أحد من العالمين .

وإنكم - معشر العرب - كنتم تتبعون أذناب الإبل والشاء ، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم ، تعرفون حسبه ونسبه ، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم ، ونهاكم أن تكتنزوا الذهب والفضة .

وأيم الله ، لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما ويعذبكم الله عذابا أليما .

وقال : حدثنا القاسم ، حدثنا حسين ، حدثني حجاج ، عن أبي معشر ، عن إسحاق بن عبد الله ، أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات ، يأكلون منها ما شاؤوا .

قال : فسرق بعضهم منها وقال : " لعلها لا تنزل غدا " .

فرفعت .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين ، خوان عليه خبز وسمك ، يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاؤوا .

وقال خصيف ، عن عكرمة ومقسم ، عن ابن عباس : كانت المائدة سمكة وأرغفة .

وقال مجاهد : هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا .

وقال أبو عبد الرحمن السلمي : نزلت المائدة خبزا وسمكا .

وقال عطية العوفي : المائدة سمك فيه طعم كل شيء .

وقال وهب بن منبه : أنزلها من السماء على بني إسرائيل ، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة ، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى ، فكان يقعد عليها أربعة آلاف ، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم .

فلبثوا على ذلك ما شاء الله عز وجل .

وقال وهب بن منبه : نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات ، وحشا الله بين أضعافهن البركة ، فكان قوم يأكلون ثم يخرجون ، ثم يجيء آخرون فيأكلون ثم يخرجون ، حتى أكل جميعهم وأفضلوا .

وقال الأعمش ، عن مسلم ، عن سعيد بن جبير : أنزل عليها كل شيء إلا اللحم .

وقال سفيان الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن زاذان وميسرة وجرير ، عن عطاء ، عن ميسرة قال : كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم .

وعن عكرمة : كان خبز المائدة من الأرز .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إلي ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن عبيد الله بن مرداس العبدري - مولى بني عبد الدار - عن إبراهيم بن عمر ، عن وهب بن منبه ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان الخير ; أنه قال : لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة ، كره ذلك جدا وقال : اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض ، ولا تسألوا المائدة من السماء ، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم ، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية ، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها .

فأبوا إلا أن يأتيهم بها ، فلذلك قالوا : ( نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ) الآية .

فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها ، قام فألقى عنه الصوف ، ولبس الشعر الأسود ، وجبة من شعر ، وعباءة من شعر ، ثم توضأ واغتسل ، ودخل مصلاه فصلى ما شاء الله ، فلما قضى صلاته قام قائما مستقبل القبلة وصف قدميه حتى استويا ، فألصق الكعب بالكعب وحاذى الأصابع ، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره ، وغض بصره ، وطأطأ رأسه خشوعا ، ثم أرسل عينيه بالبكاء ، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه ، فلما رأى ذلك دعا الله فقال : ( اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء ) فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين : غمامة فوقها وغمامة تحتها ، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم وعيسى يبكي خوفا للشروط التي اتخذها الله عليهم - فيها : أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابا لم يعذبه أحدا من العالمين - وهو يدعو الله من مكانه ويقول : اللهم اجعلها رحمة ، إلهي لا تجعلها عذابا ، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني ، إلهي اجعلنا لك شكارين ، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبا وجزاء ، إلهي اجعلها سلامة وعافية ، ولا تجعلها فتنة ومثلة .

فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين وأصحابه حوله ، يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط ، وخر عيسى والحواريون لله سجدا شكرا بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة ، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرا عجيبا أورثهم كمدا وغما ، ثم انصرفوا بغيظ شديد وأقبل عيسى .

والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة ، فإذا عليها منديل مغطي .

قال عيسى : من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة ، وأوثقنا بنفسه ، وأحسننا بلاء عند ربه؟

فليكشف عن هذه الآية حتى نراها ، ونحمد ربنا ، ونذكر باسمه ، ونأكل من رزقه الذي رزقنا .

فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته ، أنت أولانا بذلك ، وأحقنا بالكشف عنها .

فقام عيسى ، - عليه السلام - ، واستأنف وضوءا جديدا ، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات ، ثم بكى بكاء طويلا ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها ، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقا .

ثم انصرف فجلس إلى السفرة وتناول المنديل ، وقال : " باسم الله خير الرازقين " ، وكشف عن السفرة ، فإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ، ليس عليها بواسير ، وليس في جوفها شوك ، يسيل السمن منها سيلا قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث ، وعند رأسها خل ، وعند ذنبها ملح ، وحول البقول خمسة أرغفة ، على واحد منها زيتون ، وعلى الآخر ثمرات ، وعلى الآخر خمس رمانات .

فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى : يا روح الله وكلمته ، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟

فقال : أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات ، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟

ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية!

فقال شمعون : وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالا يا ابن الصديقة .

فقال عيسى ، - عليه السلام - : ليس شيء مما ترون من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا ، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة ، فقال له : كن .

فكان أسرع من طرفة عين ، فكلوا مما سألتم باسم الله واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم ، فإنه بديع قادر شاكر .

فقالوا : يا روح الله وكلمته ، إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية .

فقال عيسى : سبحان الله!

أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى؟

ثم أقبل عيسى ، - عليه السلام - ، على السمكة ، فقال : يا سمكة ، عودي بإذن الله حية كما كنت .

فأحياها الله بقدرته ، فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية ، تلمظ كما يتلمظ الأسد ، تدور عيناها لها بصيص ، وعادت عليها بواسيرها .

ففزع القوم منها وانحازوا .

فلما رأى عيسى ذلك منهم قال : ما لكم تسألون الآية ، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟

ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون!

يا سمكة ، عودي بإذن الله كما كنت .

فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول .

فقالوا لعيسى : كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ، ثم نحن بعد فقال عيسى : معاذ الله من ذلك!

يبدأ بالأكل من طلبها .

فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها ، خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة ، فتحاموها .

فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى ، وقال : كلوا من رزق ربكم ، ودعوة نبيكم ، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم ، فيكون مهنؤها لكم ، وعقوبتها على غيركم ، وافتتحوا أكلكم باسم الله ، واختموه بحمد الله ، ففعلوا ، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة ، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء ، لم ينتقص منها شيء ، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها ، وبرئ كل زمن أكل منها ، فلم يزالوا أغنياء صحاحا حتى خرجوا من الدنيا .

وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة ، سالت منها أشفارهم ، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات ، قال : فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضا : الأغنياء والفقراء ، والصغار والكبار ، والأصحاء والمرضى ، يركب بعضهم بعضا .

فلما رأى ذلك جعلها نوائب ، تنزل يوما ولا تنزل يوما .

فلبثوا في ذلك أربعين يوما ، تنزل عليهم غبا عند ارتفاع الضحى فلا تزال موضوعة يؤكل منها ، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم .

بإذن الله إلى جو السماء ، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم .

قال : فأوحى الله إلى نبيه عيسى ، - عليه السلام - ، أن اجعل رزقي المائدة ، لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس ، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس ، وغمطوا ذلك ، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس ، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر ، وأدرك الشيطان منهم حاجته ، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين حتى قالوا لعيسى : أخبرنا عن المائدة ، ونزولها من السماء أحق ، فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير؟

فقال عيسى ، - عليه السلام - : هلكتم وإله المسيح!

طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم ، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقا ، وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها ، وشككتم فيها ، فأبشروا بالعذاب ، فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله .

وأوحى الله إلى عيسى : إني آخذ المكذبين بشرطي ، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين .

قال فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين ، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير ، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات .

هذا أثر غريب جدا .

قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة ، وقد جمعته أنا له ليكون سياقه أتم وأكمل ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل ، أيام عيسى ابن مريم ، إجابة من الله لدعوته ، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم : ( قال الله إني منزلها عليكم ) الآية .

وقد قال قائلون : إنها لم تنزل .

فروى ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد في قوله : ( أنزل علينا مائدة من السماء ) قال : هو مثل ضرب ، ولم ينزل شيء .

رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .

ثم قال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا القاسم - هو ابن سلام - حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : مائدة عليها طعام ، أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا ، فأبوا أن تنزل عليهم .

وقال أيضا : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن منصور بن زاذان ، عن الحسن ; أنه قال في المائدة : لم تنزل .

وحدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم : ( فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) قالوا : لا حاجة لنا فيها ، فلم تنزل .

وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن ، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى وليس هو في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما يتوفر الدواعي على نقله ، وكان يكون موجودا في كتابهم متواترا ، ولا أقل من الآحاد ، والله أعلم .

ولكن الذي عليه الجمهور أنها نزلت ، وهو الذي اختاره ابن جرير ، قال : لأنه تعالى أخبر بنزولها بقوله تعالى : ( إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) قال : ووعد الله ووعيده حق وصدق .

وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم .

وقد ذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب ، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر ، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ، باني جامع دمشق ، فمات وهي في الطريق ، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده ، فرآها الناس وتعجبوا منها كثيرا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر اليتيمة .

ويقال إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود ، عليهما السلام ، فالله أعلم .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن عمران بن الحكم ، عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال : " وتفعلون؟

" قالوا : نعم .

قال : فدعا ، فأتاه جبريل فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ، ويقول لك : إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا ، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة .

قال : " بل باب التوبة والرحمة " .

ثم رواه أحمد وابن مردويه والحاكم في مستدركه ، من حديث سفيان الثوري ، به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) قال أبو جعفر: وهذا جواب من الله تعالى ذكره القومَ فيما سألوا نبيّهم عيسى مسألةَ ربهم، من إنـزاله مائدة عليهم.

فقال تعالى ذكره: إني منـزلها عليكم، أيها الحواريون، فمطعمكموها =" فمن يكفر بعد منكم "، يقول: فمن يجحد بعد إنـزالها عليكم، وإطعاميكموها - منكم رسالتي إليه، وينكر نبوة نبيِّي عيسى صلى الله عليه وسلم، ويخالفْ طاعتي فيما أمرته ونهيته =" فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدا من العالمين "، من عالمي زمانه.

ففعل القوم, فجحدوا وكفروا بعد ما أنـزلت عليهم، فيما ذكر لنا, فعذبوا، فيما بلغنا، بأن مُسِخوا قردة وخنازير، كالذي:- 13023 - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إني منـزلها عليكم " الآية, ذكر لنا أنهم حوِّلوا خنازير.

13024- حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الوهاب ومحمد بن أبي عدي, ومحمد بن جعفر, عن عوف, عن أبي المغيرة القوّاس, عن عبد الله بن عمرو قال : إن أشدّ الناس عذابًا ثلاثة: المنافقون, ومن كفر من أصحاب المائدة, وآل فرعون.

(10) 13025- حدثنا الحسن بن عرفة قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان, عن عوف قال : سمعت أبا المغيرة القوّاس يقول: قال عبد الله بن عمرو: إنّ أشد الناس عذابًا يوم القيامة: من كفر من أصحاب المائدة, والمنافقون, وآل فرعون.

(11) 13026 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: " فمن يكفر بعد منكم " ، بعد ما جاءته المائدة =" فإني أعذبه عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين " ، يقول: أعذبه بعذاب لا أعذبه أحدًا من العالمين غير أهل المائدة.

--------------------------- الهوامش : (10) الأثران: 13025 ، 13026 -"أبو المغيرة القواس" ، روى عن عبد الله بن عمرو.

روى عنه عوف.

وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: "لا أعلم أحدًا يسميه".

ضعفه سليمان التيمي ، ووثقه ابن معين.

مترجم في الكنى للبخاري: 70 ، وابن أبي حاتم 4/2/439.

(11) الأثران: 13025 ، 13026 -"أبو المغيرة القواس" ، روى عن عبد الله بن عمرو.

روى عنه عوف.

وسئل أبو زرعة عن اسمه فقال: "لا أعلم أحدًا يسميه".

ضعفه سليمان التيمي ، ووثقه ابن معين.

مترجم في الكنى للبخاري: 70 ، وابن أبي حاتم 4/2/439.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمينقوله تعالى قال الله إني منزلها عليكم هذا وعد من الله تعالى أجاب به سؤال عيسى كما كان سؤال عيسى إجابة للحواريين ، وهذا يوجب أنه قد أنزلها ووعده الحق ، فجحد القوم وكفروا بعد نزولها فمسخوا قردة وخنازير .

قال ابن عمر : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون ; قال الله تعالى : فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا ؟

فالذي عليه الجمهور - وهو الحق - نزولها لقوله تعالى : إني منزلها عليكم ، وقال مجاهد : ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه .

وقيل : وعدهم بالإجابة فلما قال لهم : فمن يكفر بعد منكم - الآية - استعفوا منها ، واستغفروا الله وقالوا : لا نريد هذا ; قاله الحسن ، وهذا القول والذي قبله خطأ ، والصواب أنها نزلت .

قال ابن عباس : إن عيسى ابن مريم قال لبني إسرائيل : ( صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكم ) فصاموا ثلاثين يوما وقالوا : يا عيسى لو عملنا لأحد فقضينا عملنا لأطعمنا ، وإنا صمنا وجعنا فادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء ، فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات ، فوضعوها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم ، وذكر أبو عبد الله محمد بن علي الترمذي الحكيم في " نوادر [ ص: 285 ] الأصول " له : حدثنا عمر بن أبي عمر قال حدثنا عمار بن هارون الثقفي عن زكرياء بن حكيم الحنظلي عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : لما سألت الحواريون عيسى ابن مريم - صلوات الله وسلامه عليه - المائدة قام فوضع ثياب الصوف ، ولبس ثياب المسوح - وهو سربال من مسوح أسود ولحاف أسود - فقام فألزق القدم بالقدم وألصق العقب بالعقب ، والإبهام بالإبهام ، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى ، ثم طأطأ رأسه ، خاشعا لله ; ثم أرسل عينيه يبكي حتى جرى الدمع على لحيته ، وجعل يقطر على صدره ثم قال : اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم الآية فنزلت سفرة حمراء مدورة بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها ، والناس ينظرون إليها ; فقال عيسى : ( اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها فتنة إلهي أسألك من العجائب فتعطي ) فهبطت بين يدي عيسى عليه السلام وعليها منديل مغطى ، فخر عيسى ساجدا والحواريون معه ، وهم يجدون لها رائحة طيبة لم يكونوا يجدون مثلها قبل ذلك ، فقال عيسى : ( أيكم أعبد لله وأجرأ على الله وأوثق بالله فليكشف عن هذه السفرة حتى نأكل منها ونذكر اسم الله عليها ونحمد الله عليها ) فقال الحواريون : يا روح الله أنت أحق بذلك فقام عيسى - صلوات الله عليه - فتوضأ وضوءا حسنا وصلى صلاة جديدة ، ودعا دعاء كثيرا ، ثم جلس إلى السفرة ، فكشف عنها ; فإذا عليها سمكة مشوية ليس فيها شوك تسيل سيلان الدسم ، وقد نضد حولها من كل البقول ما عدا الكراث ; وعند رأسها ملح وخل ، وعند ذنبها خمسة أرغفة على واحد منها خمسة رمانات ، وعلى الآخر تمرات ، وعلى الآخر زيتون .

قال الثعلبي : على واحد منها زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث بيض ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد .

فبلغ ذلك اليهود فجاءوا غما وكمدا ينظرون إليه فرأوا عجبا ; فقال شمعون - وهو رأس الحواريين - : يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنة ؟

فقال عيسى صلوات الله عليه : ( أما افترقتم بعد عن هذه المسائل ما أخوفني أن تعذبوا ) .

فقال شمعون : وإله بني إسرائيل ما أردت بذلك سوءا .

فقالوا : يا روح الله لو كان مع هذه الآية آية أخرى ; قال عيسى عليه السلام : " يا سمكة احيي بإذن الله " فاضطربت السمكة طرية تبص عيناها ، ففزع الحواريون فقال عيسى : ( ما لي أراكم تسألون عن الشيء فإذا أعطيتموه كرهتموه ما أخوفني أن تعذبوا ) وقال : ( لقد نزلت من السماء وما عليها طعام من الدنيا ولا من طعام الجنة ولكنه شيء ابتدعه الله بالقدرة البالغة فقال لها : [ ص: 286 ] كوني فكانت ) ; فقال عيسى : ( يا سمكة عودي كما كنت ) فعادت مشوية كما كانت ; فقال الحواريون : يا روح الله كن أول من يأكل منها ، فقال عيسى : ( معاذ الله إنما يأكل منها من طلبها وسألها ) فأبى الحواريون أن يأكلوا منها خشية أن تكون مثلة وفتنة ; فلما رأى عيسى ذلك دعا عليها الفقراء والمساكين والمرضى والزمنى والمجذمين والمقعدين والعميان وأهل الماء الأصفر ، وقال : ( كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم واحمدوا الله عليه ) وقال : ( يكون المهنأ لكم والعذاب على غيركم ) فأكلوا حتى صدروا عن سبعة آلاف وثلثمائة يتجشئون فبرئ كل سقيم أكل منه ، واستغنى كل فقير أكل منه حتى الممات ; فلما رأى ذلك الناس ازدحموا عليه فما بقي صغير ولا كبير ولا شيخ ولا شاب ولا غني ولا فقير إلا جاءوا يأكلون منه ، فضغط بعضهم بعضا فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبا بينهم فكانت تنزل يوما ولا تنزل يوما ، كناقة ثمود ترعى يوما وتشرب يوما ، فنزلت أربعين يوما تنزل ضحى فلا تزال حتى يفيء الفيء موضعه ، وقال الثعلبي : فلا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت صعدا فيأكل منها الناس ، ثم ترجع إلى السماء والناس ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم ، فلما تم أربعون يوما أوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام ( يا عيسى اجعل مائدتي هذه للفقراء دون الأغنياء ) ، فتمارى الأغنياء في ذلك وعادوا الفقراء ، وشكوا وشككوا الناس ; فقال الله يا عيسى : ( إني آخذ بشرطي ) فأصبح منهم ثلاثة وثلاثون خنزيرا يأكلون العذرة يطلبونها بالأكباء ، والأكباء - هي الكناسة واحدها كبا - بعدما كانوا يأكلون الطعام الطيب وينامون على الفرش اللينة ، فلما رأى الناس ذلك اجتمعوا على عيسى يبكون ، وجاءت الخنازير فجثوا على ركبهم قدام عيسى ، فجعلوا يبكون وتقطر دموعهم فعرفهم عيسى فجعل يقول : ( ألست بفلان ) ؟

فيومئ برأسه ولا يستطيع الكلام ، فلبثوا كذلك سبعة أيام - ومنهم من يقول : أربعة أيام - ثم دعا الله عيسى أن يقبض أرواحهم ، فأصبحوا لا يدرى أين ذهبوا ؟

الأرض ابتلعتهم أو ما صنعوا ؟

!

.قلت : في هذا الحديث مقال ولا يصح من قبل إسناده ، وعن ابن عباس وأبي عبد الرحمن السلمي كان طعام المائدة خبزا وسمكا ، وقال ابن عطية : كانوا يجدون في السمك طيب كل طعام ; وذكره الثعلبي ، وقال عمار بن ياسر وقتادة : كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمار من ثمار الجنة ، وقال وهب بن منبه : أنزله الله تعالى أقرصة من شعير وحيتانا ، وخرج الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير قال أبو عيسى : هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفا ولا نعرفه مرفوعا إلا من [ ص: 287 ] حديث الحسن بن قزعة ، حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبي عروبة نحوه ولم يرفعه ، وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا ، وقال سعيد بن جبير : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم ، وقال عطاء : نزل عليها كل شيء إلا السمك واللحم ، وقال كعب : نزلت المائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلا اللحم .قلت : هذه الثلاثة أقوال مخالفة لحديث الترمذي وهو أولى منها ; لأنه إن لم يصح مرفوعا فصح موقوفا عن صحابي كبير .

والله أعلم ، والمقطوع به أنها نزلت وكان عليها طعام يؤكل والله أعلم بتعيينه ، وذكر أبو نعيم عن كعب أنها نزلت ثانية لبعض عباد بني إسرائيل ، قال كعب : اجتمع ثلاثة نفر من عباد بني إسرائيل فاجتمعوا في أرض فلاة مع كل رجل منهم اسم من أسماء الله تعالى ; فقال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ; قالوا : نسألك أن تدعو الله أن يظهر لنا عينا ساحة بهذا المكان ; ورياضا خضرا وعبقريا ، قال : فدعا الله فإذا عين ساحة ورياض خضر وعبقري .

ثم قال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ; فقالوا : نسألك أن تدعو الله أن يطعمنا شيئا من ثمار الجنة فدعا الله فنزلت عليهم بسرة فأكلوا منها لا تقلب إلا أكلوا منها لونا ثم رفعت ; ثم قال أحدهم : سلوني فأدعو الله لكم بما شئتم ; فقالوا : نسألك أن تدعو الله أن ينزل علينا المائدة التي أنزلها على عيسى قال : فدعا فنزلت فقضوا منها حاجتهم ثم رفعت ; وذكر تمام الخبر .مسألة : جاء في حديث سلمان المذكور بيان المائدة وأنها كانت سفرة لا مائدة ذات قوائم ، والسفرة مائدة النبي صلى الله عليه وسلم وموائد العرب ، خرج أبو عبد الله الترمذي الحكيم : حدثنا محمد بن يسار ، قال حدثنا معاذ بن هشام ، قال حدثني أبي ، عن يونس ، عن قتادة ، عن أنس قال ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان قط ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق .

قال : قلت لأنس : فعلام كانوا يأكلون ؟

قال : على السفر ; قال محمد بن بشار : يونس هذا هو أبو الفرات الإسكاف .قلت : هذا حديث صحيح ثابت اتفق على رجاله البخاري ومسلم ، وخرجه الترمذي قال : حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا معاذ بن هشام فذكره وقال فيه : حسن غريب .

قال الترمذي أبو عبد الله : الخوان هو شيء محدث فعلته الأعاجم ، وما كانت العرب لتمتهنها ، وكانوا يأكلون على السفر واحدها سفرة وهي التي تتخذ من الجلود ولها معاليق تنضم وتنفرج ، فبالانفراج سميت سفرة لأنها إذا حلت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها فقيل لها السفرة [ ص: 288 ] وإنما سمي السفر سفرا لإسفار الرجل بنفسه عن البيوت ، وقوله : ولا في سكرجة ; لأنها أوعية الأصباغ ، وإنما الأصباغ للألوان ولم تكن من سماتهم الألوان ، وإنما كان طعامهم الثريد عليه مقطعات اللحم ، وكان يقول : انهسوا اللحم نهسا فإنه أشهى وأمرأ فإن قيل : فقد جاء ذكر المائدة في الأحاديث ; من ذلك حديث ابن عباس قال : لو كان الضب حراما ما أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم ; خرجه مسلم وغيره .

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تصلي الملائكة على الرجل ما دامت مائدته موضوعة خرجه الثقات ; وقيل : إن المائدة كل شيء يمد ويبسط مثل المنديل والثوب ، وكان من حقه أن تكون مادة الدال مضعفة ، فجعلوا إحدى الدالين ياء فقيل : مائدة ، والفعل واقع به فكان ينبغي أن تكون ممدودة ; ولكن خرجت في اللغة مخرج فاعل كما قالوا : سر كاتم وهو مكتوم ، وعيشة راضية وهي مرضية ، وكذلك خرج في اللغة ما هو فاعل على مخرج مفعول فقالوا : رجل مشئوم وإنما هو شائم ، وحجاب مستور وإنما هو ساتر ; قال فالخوان هو المرتفع عن الأرض بقوائمه ، والمائدة ما مد وبسط والسفرة ما أسفر عما في جوفه ، وذلك لأنها مضمومة بمعاليقها ، وعن الحسن قال : الأكل على الخوان فعل الملوك ، وعلى المنديل فعل العجم ، وعلى السفرة فعل العرب وهو السنة ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادا وظلما، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد.

واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك، ويدل على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى، ولا له وجود.

ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه.

أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلا، وإنما ذلك كان متوارثا بينهم، ينقله الخلف عن السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله: { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } والله أعلم بحقيقة الحال.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( قال الله ) تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام ، ( إني منزلها عليكم ) يعني : المائدة وقرأ أهل المدينة وابن عامر وعاصم " منزلها " بالتشديد لأنها نزلت مرات ، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى ، وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله : أنزل علينا ، ( فمن يكفر بعد منكم ) أي : بعد نزول المائدة ( فإني أعذبه عذابا ) أي جنس عذاب ، ( لا أعذبه أحدا من العالمين ) يعني : عالمي زمانه ، فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير ، قال عبد الله بن عمر : إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون .

واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟

فقال مجاهد والحسن : لم تنزل لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا ، وقالوا : لا نريدها ، فلم تنزل ، وقوله : " إني منزلها عليكم " ، يعني : إن سألتم .

والصحيح الذي عليه الأكثرون : أنها نزلت ، لقوله تعالى : " إني منزلها عليكم " ، ولا خلف في خبره ، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين .

واختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت خبزا ولحما ، وقيل لهم : إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا [ وتخبؤوا ] فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن عيسى عليه السلام قال لهم : صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه ، فصاموا فلما فرغوا قالوا : يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا ، وسألوا الله المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها ، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم ، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم .

قال كعب الأحبار : نزلت [ مائدة ] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض ، عليها كل الطعام إلا اللحم .

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم ، قال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة .

وقال عطية العوفي : نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء .

وقال الكلبي : كان عليها خبز ورز وبقل .

وقال وهب بن منبه : أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم وفضل .

وعن الكلبي ومقاتل : أنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة ، فأكلوا ما شاء الله تعالى ، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم ، ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد ، وقالوا : ويحكم إنما سحر أعينكم ، فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرته ، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره ، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة ، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا ، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا ، وكذلك كل ممسوخ .

وقال قتادة : كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل ، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي لما سأل الحواريون المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفا وبكى ، وقال : " اللهم أنزل علينا مائدة من السماء " الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها ، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى ، وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة ، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه ، فقال عيسى عليه السلام : ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى ، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين : أنت أولى بذلك منا [ فقام عيسى عليه السلام ] فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ، ثم كشف المنديل عنها ، وقال : بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل ، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث ، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون ، وعلى الثاني عسل ، وعلى الثالث سمن ، وعلى الرابع جبن ، وعلى الخامس قديد ، فقال شمعون : يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟

فقال : ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة ، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله ، قالوا : يا روح الله كن أول من يأكل منها ، فقال عيسى عليه السلام : معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها ، فدعا لها أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين ، فقال : كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء ، فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامرأة من فقير ومريض وزمن ومبتلى ، كلهم شبعان ، وإذا السمكة بهيئتها حين نزلت ، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت ، فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى إلا عوفي ولا فقير إلا استغنى ، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى ، فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء ، ولا تزال منصوبة يؤكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم ، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود ، فأوحى الله تعالى [ إلى عيسى عليه السلام ] اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء ، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها ، وقالوا : أترون المائدة حقا تنزل من السماء؟

فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام : إني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، فقال عيسى عليه السلام : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات ، ويأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام ، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال الله» مستجيب له «إني منزِّلها» بالتخفيف والتشديد «عليكم فمن يكفر بعد» أي بعد نزولها «منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين» فنزلت الملائكة بها من السماء عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات فأكلوا منها حتى شبعوا قاله ابن عباس وفي حديث أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما فأمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا لغد فخافوا وادخروا فمسخوا قردة وخنازير.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله تعالى: إني منزل مائدة الطعام عليكم، فمن يجحد منكم وحدانيتي ونبوة عيسى عليه السلام بعد نزول المائدة فإني أعذبه عذابًا شديدًا، لا أعذبه أحدًا من العالمين.

وقد نزلت المائدة كما وعد الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - حديثه عن هذه المائدة وما جرى بشأنها بين عيسى والحورايين من أقوال فقال - تعالى - : ( قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ) .وقوله : ( منزلها ) ورد فيه قراءاتان متواتران .إحداهما : منزلها - بتشديد الزاي - من التنزيل وهي تفيد التكثير أو التدريج كما تنبئ عن ذلك صيغة التفعيل .

وبهذه القراءة قرأ ابن عامر وعاصم ونافع .وقرأ الباقون ( منزلها ) بكسر الزاي - من الإِنزال المفيد لنزولها دفعة واحدة .والمعنى : قال الله - تعالى - إني منزل عليكم المائدة من السماء إجابة لدعاء رسولي عيسى - عليه السلام - ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ) أي فمن يكفر بعد نزولها منكم أيها الطالبون لها ( فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ العالمين ) أي : فإن الله - تعالى - يعذب هذا الكافر بآياته عذاباً لا يعذب مثله أحداً من عالمي زمانه أو من العالمين جميعاً .وقد أكد - سبحانه - عذابه للكافر بآيات الله بعد ظهورها وقيام الأدلة على صحتها بمؤكدات منها : حرف إن في قوله ( فإني أُعَذِّبُهُ ) ومنها : المصدر في قوله ( فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً ) إذ المفعول المطلق هنا لتأكيد وقوع الفعل وهو العذاب .ومنها : وصف هذا العذاب بأنه لا يعذب مثله لأحد من العالمين .وهذه المؤكدات لوقوع العذاب على الكافر بآيات الله بعد وضوحها من أسبابه : أن الكفر بعد إجابة ما طلبوه ، وبعد رؤيته ومشاهدته؛ وبعد قيام الأدلة على وحدانية الله وكمال قدرته ، وبعد ظهور البراهين الدالة على صدق رسوله .أقول : الكفر بعد كل ذلك يكون سببه الجحود والعناد والحسد ، والجاحد والمعاند والحاسد يستحقون أشد العذاب ، وأعظم العقاب .هذا ، وهنا مسألتان تتعلقان بهذه الآيات الكريم’ ، نرى من الخير أن نتحدث عنهما بشيء من التفصيل .المسألة الأولى : آراء العلماء في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم .المسألة الثانية : آراء العلماء في نزول المائدة وعدم نزولها .وللإجابة على المسألة الأولى نقول : لعل منشأ الخلاف في إيمان الحواريين وعدم إيمانهم مرجعه إلى قولهم لعيسى - كما حكى القرآن عنهم - ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ) ؟

فإن هذا القول يسشعر بشكهم في قدرة الله على إنزال هذه المائدة .وقد ذهب فريق من العلماء - وعلى رأسهم الزمخشري - إلى عدم إيمانهم ، وجعلوا الظرف في قوله : ( إِذْ قَالَ الحواريون ) متعلقا بقوله قبل ذلك ( قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) .أي : أنهم قالوا لعيسى آمنا واشهد بأننا مسلمون ، في الوقت الذي قالوا له فيه ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) فكأنهم ادعوا الإِيمان والاسلام ادعاء بدون إيقان وإذعان ، وإلا فلو كانوا صادقين في دعواهم لما قالوا لعيسى بأسلوب الاستفهام : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قالوا : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) بعد إيمنهم وإخلاصهم؟

قلت : ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص ، وإنما حكى ادعاءهم لهما ، ثم اتبعه بقوله : ( وَإِذْ قَالُواْ ) فإذن دعواهم كانت باطلة ، وانهم كانوا شاكين ، وقوله : ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم .

وكذلك قول عيسى لهم معناه : اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته ، ولا تقترحوا عليه ولا تحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ( إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) أي : إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة .وذهب جمهور العلماء إلى أن الحواريين عندما قالوا لعيسى ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) كانوا مؤمنين واستدلوا على ذلك بأدلة منها :1 - أن الظرف في قوله : ( إِذْ قَالَ الحواريون ) ليس متعلقا بقوله : ( قالوا آمَنَّا ) وإنما هو منصوب بفعل مضمر تقديره اذكر ، وهذا ما رجحه العلامة أبو السعود في تفسيره فقد قال :قوله : ( إِذْ قَالَ الحواريون ) كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه عليه السلام - وبين قومه منقطع عما قبله ، كما ينبئ عنه الإِظهار في موضع الاضمار وإذ منصوب بمضمر .وقي : هو ظرف لقالوا أريد به التنبيه على أن ادعاءهم الإيمان والإخلاص لم يكن عن تحقيق وإيقان ولا يساعده النظم الكريم .2 - أن قول الحواريين لعيسى ( َلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ) لا يسحب عنهم الإِيمان ، وقد خرج العلماء قولهم هذا بتخريجات منها .( أ ) أن قولهم لم يكن من باب الشك في قدرة الله ، وإنما هو من باب زيادة الاطمئنان عن طريق ضم علم المشاهدة إلى العلم النظري بدليل أنهم قالوا بعد ذلك ( نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ) .وشبيه بهذا قول إبراهيم ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) قال القرطبي ما ملخصه : " الحواريون خلصان الأنبياء ودخلاؤهم وأنصارهم ، وقد كانوا عالمين باستطاعة الله لذلك ولغيره علم دلالة وخبرونظر فأرادوا علم معاينة كذلك ، كما قال إبراهيم ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى ) وقد كان إبراهمي علم ذلك علم خبر ونظر ، ولكن أراد المعاينة التي لا يدخلها ريب ولا شبهة؛ لأن علم النظر واخلبر قد تدخله الشبهة والاعتراضات ، وعلم المعاينة ، لا يدخله شيء من ذلك ، ولذلك قال الحواريون : ( وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ) كما قال إبراهيم ( وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ( ب ) أن السؤال إنما هو الفعل لا عن القدرة عليه ، وقد بسط الآلوسي هذا المعنى فقال : إن معنى ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) هل يفعل ربك كما تقول للقادر على القيام : هل تستطيع أن تقوم معي مبالغة في التقاضي .والتعبير عن الفعل بالاستطاعة ، من باب التعبير عن المسبب بالسبب ، إذ هي - أي الاستطاعة - من أسباب الإيجاد .( ج ) أن الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة - كما سبق أن أشرنا - ويشهد لذلك قول الفخر الرازي : قال السدي؛ قوله ( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) أي : هل يطيعك ربك إن سألته .

وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع والسين زائدة .والذي نراه أن رأى الجمهور أرجح للأدلة التي ذكرناها ، ولأن الله - تعالى - قد ذكر قبل هذه الآية أنه قد امتن عليهم بإلهامهم الإِيمان فقال :( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ) ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين لكشف الله عن حقيقتهم ، فقد جرت سنته - سبحانه - مع أنبيائه أن يظهر لهم نفاق المنافقين حتى يحذرهم .ولأنهم لو كانوا غير مؤمنين ، لما أمر الله أتباع النبي صلى الله عليه وسلم بالتأسي بهم في إخلاصهم ورسوخ يقيتهم قال - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنصَارُ الله ) وقال - تعالى - ( فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) فهاتان الآيتان صريحتان في مدح الحواريين وفي أنهم قوم التفوا حول عيسى - عليه السلام - وناصروه مناصرة صادقة ، وآمنوا به إيمانا سليما من الشك والتردد .وأما المسألة الثانية : وهي آراء العلماء في نزول المائدة : فالجمهور على أنها نزلت .وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : والصواب من القول عندنا في ذلك أن يقال :إن الله أنزل المائدة .

.

لأن الله لا يخلف وعده ، ولا يقع في خبره الخلف وقد قال - تعالى - مخبرا في كتابه عن إجابة نبيه عيسى حين سأله ما سأله من ذلك ( إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ) وغير جائز أن يقول الله إني منزلهاه عليكم ثم لا ينزلها ، لأن ذلك منه - تعالى - خبر ، ولا يكون منه خلاف ما يخبر .وقد علق ابن كثير على ما رجحه ابن جرير فقال : وهذا القول هو - والله أعلم - الصواب ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم .ومن الآثار ما خرجه الترمذي عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحما ، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد : فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخهم قردة وخنازير " .قال الترمذي : وقد روى عن عمار من طريق موقوفا وهو أصح .وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس ، أن عيسى ابن مريم قالوا له ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء .

قال : فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها .

عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة .

فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم .والذي يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام ، وعن كيفية نزولها ومكانه ، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها ، والأكل منها والباقي عليها بعد الأكل .

وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا ، لضعف أسانيده ، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر - رحمه الله - أثرا طويلا في هذا المعنى ثم قال في نهايته : هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم في مواضع من هذه القصة ، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم .ويعجبني في هذا المقام قول ابن جرير : وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة ، فأن يقال : كان عليها مأكول .

وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً ، وجائز أن يكون من ثمر الجنة ، وغير نافع العلم به ، ولا ضار الجهل به ، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل .ويرى الحسن ومجاخد أن المائدة لم تنزل ، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال : كان الحسن يقول : لما قيل لهم : ( فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ) قالوا : لا حاجة لنا فيها فلم تنزل .وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال في المائدة : إنها لم تنزل .وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال : هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء .أي : مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه .قال الحافظ ابن كثير : وهذه أساندي صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى .

ولس في كتابهم ، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله .

وكان يكون موجوداً في كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد .وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال : ولنا أن نقول : إن هذا الاستدلال إن كان يعني عدم نزولها فقط ، فقد يكون له شيء من الوجاهة وإن كان يعني أنها لا تنزل ولم يسأل ، فهو محل نظير كبير ، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله ، لا سيما وعيسى في بيئة محصورة : جماعة سألوا وأجيبوا ، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها .

وتذوقوا طعامها ، ولم يذكر عن ذلك شيء .وقد ذكر القرآن هذه الحقيقة ابتداء وانفرد بها عن سائر الكتب ، ولا يلزم أن يكون كل ما قصه الله - تعالى - في القرآن قد قصه في غيره من الكتب المتقدمة ، ولا أن أصحاب الأناجيل علموا بكل شيء حتى بمثل هذه المحاورة الخاصة التي لم تنته بحادث كوني حتى يكون عدم ذكرهم إياها في أنا جيلهم - التي وضعوها - دليلا على عدم سؤالها .

فقصة السؤال إذن لم ترد فيما عند النصارى ولكنها وردت فيما عند المسلمين .ومن الجائز أن تكون مما ورد في الأناجيل ، وأن تكون مما أخفاه أهل الكتاب أو ضاع منهم علمه بسبب ما .

والقرآن كما وصف بنفسه مهيمن على كتبهم التي وصفها بأنهم حرفوها وأنهم كانوا يخفون كثيراً منها ، وأنه يبين لهم كثقيرا مما كانوا يخفون .هذا ومما سبق يتبين لنا أن العلماء متفقون على أن الحواريين قد سألوا عيسى أن يدعو ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء ، وأن عيسى قد دعا ربه فعلا أن ينزلها ، كما جاء في الآية الكريمة .ومحل الخلاف بينهم أنزلت أم لا؟

فالجمهور يرون أنها نزلت لأن الله وعد بذلك في قوله ( إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ) والحسن ومجاهد يريان أنها لم تنزل ، لأن الوعد بنزلوها مقيد بما رتب علي من وقوع العذاب بهم إذا لم يؤمنوا بعد نزولها ، وأن القوم بعد أن سمعوا هذا الشرط قالوا : لا حاجة لنا فيها .

فلم تنزل .

ويبدو لنا أن رأى الجمهور أقرب إلى الصواب ، لأن ظاهر الآيات يؤيده ، وكذلك الآثار التي وردت في ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وعاصم ونافع ﴿ مُنَزّلُهَا ﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف وهما لغتان نزل وأنزل وقيل: بالتشديد أي منزلها مرة بعد أخرى، وبالتخفيف مرة واحدة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ﴾ أي بعد إنزال المائدة ﴿ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ العالمين ﴾ قال ابن عباس: يعني مسخهم خنازير وقيل: قردة وقيل: جنساً من العذاب لا يعذب به غيرهم.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون ذلك العذاب معجلاً لهم في الدنيا، ويجوز أن يكون مؤخراً إلى الآخرة، وقوله: ﴿ مّن العالمين ﴾ يعني عالمي زمانهم.

المسألة الثالثة: قيل: إنهم سألوا عيسى عليه السلام هذا السؤال عند نزولهم في مفازة على غير ماء ولا طعام ولذلك قالا نريد أن نأكل منها.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن عيسى عليه السلام هل سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان قد أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل والله أعلم.

المسألة الخامسة: اختلفوا في أنه هل نزلت المائدة.

فقال الحسن ومجاهد: ما نزلت واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن القوم لما سمعوا قوله: ﴿ أُعَذّبُهُ عَذَاباً لا أعذبه أَحَداً مّن العالمين ﴾ استغفروا وقالوا لا نريدها.

الثاني: أنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم فلو نزلت لبقي ذلك العيد إلى يوم القيامة.

وقال الجمهور الأعظم من المفسرين: أنها نزلت لأنه تعالى قال: ﴿ إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ وهذا وعد بالإنزال جزماً من غير تعليق على شرط، فوجب حصول هذا النزول.

والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ ﴾ شرط وجزاء لا تعلق له بقوله: ﴿ إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ والجواب عن الثاني: أن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

المسألة السادسة: روي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عليه السلام وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها.

فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل.

وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا شوك ولا فلوس تسيل دسماً.

وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله: أمن طعام الدنيا أمن طعام الآخرة؟

فقال: ليس منهما ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزيدكم من فضله، فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت، ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية، ثم طارت المائدة ثم عصوا من بعدها، فمُسِخوا قردةً وخنازير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين ﴾ أمرتهم على ألسنة الرسل ﴿ مُّسْلِمُونَ ﴾ مخلصون، من أسلم وجهه لله ﴿ عِيسَى ﴾ في محل النصب على إتباع حركة الابن، كقولك: يا زيد بن عمرو، وهي اللغة الفاشية ويجوز أن يكون مضموماً كقولك: يا زيد بن عمرو.

والدليل عليه قوله: أَحَارِ بْنَ عَمْرٍو كَأَنِّي خَمْر ** وَيَبْدُو عَلَى الْمَرْءِ مَا يَأْتَمِرْ لأنّ الترخيم لا يكون إلا في المضموم.

فإن قلت: كيف قالوا: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ بعد إيمانهم وإخلاصهم؟

قلت: ما وصفهم الله بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم لهما، ثم أتبعه قوله: ﴿ إِذَ قَالُواْ ﴾ فآذن إنّ دعواهم كانت باطلة، وإنهم كانوا شاكين، وقوله: (هل يستطيع ربك) كلام لا يرد مثله عن مؤمنين معظمين لربهم، وكذلك قول عيسى عليه السلام لهم معناه: اتقوا الله ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه، ولا تتحكموا ما تشتهون من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن كانت دعواكم للإيمان صحيحة.

وقرئ: ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ ، أي هل تستطيع سؤال ربك، والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله.

والمائدة: الخوان إذا كان عليه الطعام، وهي من (مادّة) إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدّم إليه ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين ﴾ نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله بالوحدانية ولك وبالنبوّة، عاكفين عليها، على أن عليها في موضع الحال، وكانت دعواهم لإرادة ما ذكروا كدعواهم الإيمان والإخلاص.

وإنما سأل عيسى وأجيب ليلزموا الحجة بكمالها ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا.

وقرئ: ﴿ ويعلم ﴾ ، بالياء على البناء للمفعول.

﴿ وتعلم ﴾ .

﴿ وتكون ﴾ ، بالتاء.

والضمير للقلوب ﴿ اللهم ﴾ أصله يا ألله.

فحذف حرف النداء، وعوضت منه الميم.

و ﴿ رَبَّنَا ﴾ نداء ثان ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ أي يكون يوم نزولها عيداً.

قيل: هو يوم الأحد.

ومن ثم اتخذه النصارى عيداً، وقيل: العيد السرور العائد، ولذلك يقال: يوم عيد.

فكأنّ معناه: تكون لنا سروراً وفرحاً، وقرأ عبد الله: ﴿ تكون ﴾ ، على جواب الأمر.

ونظيرهما.

يرثني، ويرثني ﴿ لأَوَّلِنَا وَءاخِرِنَا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل، أي لمن في زماننا من أهل ديننا، ولمن يأتي بعدنا.

وقيل: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم: ويجوز للمقدّمين منا والأتباع.

وفي قراءة زيد: ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ ، والتأنيث بمعنى الأمّة والجماعة ﴿ عَذَاباً ﴾ بمعنى تعذيباً.

والضمير في (لا أعذبه) للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به، لم يكن بدّ من الباء.

وروي أن عيسى عليه السلام لما أراد الدعاء لبس صوفاً، ثم قال: اللَّهم أنزل علينا، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين: غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى عليه السلام وقال: اللَّهم اجعلني من الشاكرين، اللَّهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة، وقال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها.

فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك، فقام عيسى وتوضأ وصلّى وبكى، ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً.

وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكرّاث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله، أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

فقال: ليس منهما، ولكنه شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا الله يمددكم الله ويزدكم من فضله: فقال الحواريون: يا روح الله، لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى، فقال: يا سمكة أحيي بإذن الله، فاضطربت.

ثم قال لها: عودي كما كنت، فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة، ثم عصوا بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وروي أنهم لما سمعوا بالشريطة وهي قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ ﴾ قالوا: لا نريد فلم تنزل.

وعن الحسن: والله ما نزلت، ولو نزلت لكان عيداً إلى يوم القيامة، لقوله: (وآخرنا).

والصحيح أنها نزلت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ﴾ إجابَةً إلى سُؤالِكم.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ مُنَزِّلُها بِالتَّشْدِيدِ.

﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا ﴾ أيْ تَعْذِيبًا ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السِّعَةِ.

﴿ لا أُعَذِّبُهُ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمَصْدَرِ، أوْ لِلْعَذابِ إنْ أُرِيدَ ما يُعَذَّبُ بِهِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ.

﴿ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ أيْ مِن عالَمِي زَمانِهِمْ أوِ العالَمِينَ مُطْلَقًا فَإنَّهم مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَمْ يُعَذَّبْ بِمِثْلِ ذَلِكَ غَيْرُهم.

رُوِيَ: أنَّها نَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْراءُ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها حَتّى سَقَطَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَبَكى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها مُثْلَةً وعُقُوبَةً، ثُمَّ قامَ فَتَوَضَّأ وصَلّى وبَكى، ثُمَّ كَشَفَ المِندِيلَ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، فَإذا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ بِلا فَلَوْسٍ ولا شَوْكٍ تَسِيلُ دَسَمًا وعِنْدَ رَأْسِها مِلْحٌ وعِنْدَ ذَنَبِها خَلٌّ وحَوْلَها مِن ألْوانِ البُقُولِ ما خَلا الكُرّاثَ، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ وعَلى الثّانِي عَسَلٌ وعَلى الثّالِثِ سَمْنٌ وعَلى الرّابِعِ جُبْنٌ وعَلى الخامِسِ قَدِيدٌ فَقالَ شَمْعُونُ: يا رُوحَ اللَّهِ أمِن طَعامِ الدُّنْيا أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ قالَ: لَيْسَ مِنهُما ولَكِنِ اخْتَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقُدْرَتِهِ كُلُوا ما سَألْتُمْ واشْكُرُوا يُمْدِدْكُمُ اللَّهُ ويَزِدْكم مِن فَضْلِهِ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ لَوْ أرَيْتَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةً أُخْرى فَقالَ: يا سَمَكَةُ احْيَيْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى فاضْطَرَبَتْ ثُمَّ قالَ لَها عُودِي كَما كُنْتِ فَعادَتْ مَشْوِيَّةً ثُمَّ طارَتِ المائِدَةُ، ثُمَّ عَصَوْا بَعْدَها فَمُسِخُوا.

وَقِيلَ كانَتْ تَأْتِيهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا غِبًّا يَجْتَمِعُ عَلَيْها الفُقَراءُ والأغْنِياءُ والصِّغارُ والكِبارُ يَأْكُلُونَ حَتّى إذا فاءَ الفَيْءُ طارَتْ وهم يَنْظُرُونَ في ظِلِّها، ولَمْ يَأْكُلْ مِنها فَقِيرٌ إلّا غَنِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ، ولا مَرِيضٌ إلّا بَرِئَ ولَمْ يَمْرَضْ أبَدًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنِ اجْعَلْ مائِدَتِي في الفُقَراءِ والمَرْضى دُونَ الأغْنِياءِ والأصِحّاءِ، فاضْطَرَبَ النّاسُ لِذَلِكَ فَمُسِخَ مِنهم ثَلاثَةُ وثَمانُونَ رَجُلًا.

وقِيلَ لَمّا وعَدَ اللَّهُ إنْزالَها بِهَذِهِ الشَّرِيطَةِ اسْتَعْفَوْا وقالُوا: لا نُرِيدُ فَلَمْ تَنْزِلْ.

وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُقْتَرِحِي المُعْجِزاتِ.

وعَنْ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ: المائِدَةُ هاهُنا عِبارَةٌ عَنْ حَقائِقِ المَعارِفِ، فَإنَّها غِذاءُ الرُّوحِ كَما أنَّ الأطْعِمَةَ غِذاءُ البَدَنِ وعَلى هَذا فَلَعَلَّ الحالَ أنَّهم رَغِبُوا في حَقائِقَ لَمْ يَسْتَعِدُّوا لِلْوُقُوفِ عَلَيْها، فَقالَ لَهم عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنْ حَصَلْتُمُ الإيمانَ فاسْتَعْمِلُوا التَّقْوى حَتّى تَتَمَكَّنُوا مِنِ الِاطِّلاعِ عَلَيْها، فَلَمْ يُقْلِعُوا عَنِ السُّؤالِ وألَحُّوا فِيهِ فَسَألَ لِأجْلِ اقْتِراحِهِمْ، فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ إنْزالَهُ سَهْلٌ ولَكِنَّ فِيهِ خَطَرٌ وخَوْفُ عاقِبَةٍ، فَإنَّ السّالِكَ إذا انْكَشَفَ لَهُ ما هو أعْلى مِن مَقامِهِ لَعَلَّهُ لا يَحْتَمِلُهُ ولا يَسْتَقِرُّ لَهُ فَيَضِلُّ بِهِ ضَلالًا بَعِيدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ الله إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} بالتشديد مدني وشامي وعاصم وعد الإنزال وشرط عليهم شرطاً بقوله {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} بعد إنزالها منكم {فَإِنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً} أي تعذيباً كالسلام بمعنى التسليم والضمير في {لآَّ أُعَذِّبُهُ} للمصدر ولو أريد بالعذاب

المائدة (١١٥ _ ١١٨)

ما يعذب به لم يكن بد من الباء {أَحَداً مِّنَ العالمين} عن الحسن أن المائدة لم تنزل ولو نزلت لكانت عيداً إلى يوم القيامة لقوله وآخرنا والصحيح أنها نزلت فعن وهب نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملائكة عليها كل طعام إلا اللحم وقيل كانوا يجدون عليها ما شاءُوا وقيل كانت تنزل حيث كانوا بكرة وعشياً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ﴾ مَرّاتٍ عَدِيدَةٍ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ، ووُرُودُ الإجابَةِ مِنهُ تَعالى كَذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الدُّعاءِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِصِيغَةِ الأفْعالِ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ والإحْسانِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ ما وقَعَ في عِبارَةِ السّائِلِينَ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ وجَعْلِ خَبَرِها اسْمًا تَحْقِيقٌ لِلْوَعْدِ وإيذانٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنْجِزٌ لَهُ لا مَحالَةَ وإشْعارٌ بِالِاسْتِمْرارِ وهَذِهِ القِراءَةُ لِأهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ وعاصِمٍ وقَرَأ الباقُونَ كَما قالَ الطَّبَرْسِيُّ (مُنْزِلُها) بِالتَّخْفِيفِ وجُعِلَ الإنْزالُ والتَّنْزِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ ﴾ أيْ بَعْدَ تَنْزِيلِها حالَ كَوْنِهِ كائِنًا ﴿ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِ ذَلِكَ ﴿ عَذابًا ﴾ هو اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ كالمَتاعِ بِمَعْنى التَّمْتِيعِ، وقِيلَ: مَصْدَرٌ مَحْذُوفُ الزَّوائِدِ وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ في التَّقْدِيرَيْنِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى التَّوَسُّعِ والتَّشْبِيهُ بِالمَفْعُولِ بِهِ مُبالَغَةٌ كَما يُنْصَبُ الظَّرْفُ ومَعْمُولُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ كَذَلِكَ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والمُرادُ بِعَذابٍ وهو حِينَئِذٍ اسْمُ ما يُعَذَّبُ بِهِ، ولا يَخْفى أنَّ حَذْفَ الجارِّ لا يَطَّرِدُ في غَيْرِ أنْ وإنْ عِنْدَ عَدَمِ اللَّبْسِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عَذابًا عَظِيمًا وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ لا أُعَذِّبُهُ ﴾ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لَهُ.

والهاءُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ كَما في ظَنَنْتُهُ زَيْدًا قائِمًا.

ويَقُومُ مَقامَ العائِدِ إلى المَوْصُوفِ كَما قِيلَ.

ووُجِّهَ بِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَعُودُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ فَيَكُونُ في مَعْنى النَّكِرَةِ الواقِعَةِ بَعْدَ النَّفْيِ مِن حَيْثُ العُمُومِ فَيَشْمَلُ العَذابَ المُتَقَدِّمَ ويَحْصُلُ الرَّبْطُ بِالعُمُومِ، وأُورِدَ عَلَيْهِ أنَّ الرَّبْطَ بِالعُمُومِ إنَّما ذَكَرَهُ النُّحاةُ في الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا فَلا يُقاسُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ: ضَرَبْتُهُ ضَرْبَ زَيْدٍ أيْ عَذابًا لا أُعَذِّبُ تَعْذِيبًا مِثْلَهُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الضَّمِيرُ راجِعًا عَلى العَذابِ المُقَدَّمِ فالرَّبْطُ بِهِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى (مِن) بِتَقْدِيرِ مُضافَيْنِ أيْ لا أُعَذِّبُ مِثْلَ عَذابِهِ ﴿ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ 511 - أيْ عالَمَيْ زَمانِهِمْ أوِ العالَمِينَ مُطْلَقًا، وهَذا العَذابُ إمّا في الدُّنْيا وقَدْ عُذِّبَ مَن كَفَرَ مِنهم بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ وإمّا في الآخِرَةِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ والمُنافِقُونَ وآلُ فِرْعَوْنَ، ويَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ وكَفَرَ البَعْضُ بَعْدُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّ القَوْمَ لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ ﴾ إلَخْ، قالُوا: لا حاجَةَ لَنا بِها فَلَمْ تَنْزِلْ، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ وعَلَيْهِ المُعَوَّلُ فَقَدَ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا والوَقْفُ أصَحُّ قالَ: أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ فَخانُوا وادَّخَرُوا فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وكانَ الخُبْزُ مِن أُرْزٍ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سَألَهُ قَوْمُهُ ذَلِكَ فَدَعا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْراءَ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ غَمامَةٍ فَوْقَها وغَمامَةٍ تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها في الهَواءِ مُنْقَضَّةً مِنَ السَّماءِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَبْكِي خَوْفًا مِنَ الشَّرْطِ الَّذِي اتَّخَذَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَما زالَ يَدْعُو حَتّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ والحَوارِيُّونَ حَوْلَهُ يَجِدُونَ رائِحَةً طَيِّبَةً لَمْ يَجِدُوا رائِحَةً مِثْلَها قَطُّ، وخَرَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ و السَّلامُ والحَوارِيُّونَ سُجَّدًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وأقْبَلَ اليَهُودُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ فَرَأوْا ما يَغُمُّهم ثُمَّ انْصَرَفُوا فَأقْبَلَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ يَنْظُرُونَها فَإذا هي مُغَطّاةٌ بِمِندِيلٍ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَن أجْرَؤُنا عَلى كَشْفِهِ وأوْثَقُنا بِنَفْسِهِ وأحْسَنُنا بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ حَتّى نَراها، ونَحْمَدُ رَبَّنا سُبْحانَهُ وتَعالى ونَأْكُلَ مِن رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنا، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتَهُ أنْتَ أوْلى بِذَلِكَ فَقامَ واسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا ثُمَّ دَخَلَ مُصَلّاهُ فَصَلّى رَكَعاتٍ ثُمَّ بَكّى طَوِيلًا، ودَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الكَشْفِ عَنْها، ويَجْعَلَ لَهُ ولِقَوْمِهِ فِيها بِرْكَةً ورِزْقًا ثُمَّ انْصَرَفَ وجَلَسَ حَوْلَ السُّفْرَةِ وتَناوَلَ المَندِيلَ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ وكَشَفَ عَنْها فَإذا عَلَيْها سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ لَيْسَ عَلَيْها بَواسِيرُ ولَيْسَ في جَوْفِها شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنها قَدْ نُضِّدَ حَوْلَها بُقُولٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ غَيْرِ الكُرّاثِ، وعِنْدَ رَأْسِها خَلٌّ وعِنْدَ ذَنَبِها مِلْحٌ وحَوْلَ البُقُولِ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ وعَلى الآخَرِ تَمْراتٌ وعَلى الآخَرِ خَمْسُ رُمّاناتٍ، وفي رِوايَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ وعَلى الثّانِي عَسَلٌ وعَلى الثّالِثِ سَمْنٌ وعَلى الرّابِعِ جُبْنٌ، وعَلى الخامِسِ قَدِيدٌ فَسَألَهُ شَمْعُونُ عَنْها وأجابَهُ بِما تَقَدَّمَتْ رِوايَتُهُ ثُمَّ قالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيَةً مِن هَذِهِ الآياتِ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى أما اكْتَفَيْتُمْ ثُمَّ قالَ: يا سَمَكَةُ عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَما كُنْتِ فَأحْياها اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ فاضْطَرَبَتْ وعادَتْ حَيَّةً طَرِيَّةً تَلَمَّظُ كَما يَتَلَمَّظُ الأسَدُ تَدُورُ عَيْناها لَها بَصِيصٌ، وعادَتْ عَلَيْها بَواسِيرُ فَفَزِعَ القَوْمُ مِنها وانْحاشُوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم: ما لَكم تَسْألُونَ الآيَةَ فَإذا أراكُمُوها رَبُّكم كَرِهْتُمُوها ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم بِما تَصْنَعُونَ يا سَمَكَةُ عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما كُنْتِ مَشْوِيَّةً ثُمَّ دَعاهم إلى الأكْلِ فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ أنْتَ الَّذِي تَبْدَأُ بِذَلِكَ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ يَبْدَأُ مِن طَلَبِها فَلَمّا رَأوُا امْتِناعَ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها سَخْطَةً وفي أكْلِها مِثْلُهُ فَتُحامَوْا فَدَعا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَها الفُقَراءَ والزَّمْنى، وقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم ودَعْوَةِ نَبِيِّكم واحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى الَّذِي أنْزَلَها لَكم لِيَكُونَ مُهْنِئُوها لَكم وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكُمْ، وافْتَتِحُوا كُلُّكم بِاسْمِ اللَّهِ واخْتَتِمُوا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ إنْسانٍ بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ وصَدَرُوا مِنها وكُلُّ واحِدٍ مِنهم شَبْعانُ يَتَجَشّى، ونَظَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والحَوارِيُّونَ ما عَلَيْها فَإذا ما عَلَيْها كَهَيْئَتِهِ إذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ وهم يَنْظُرُونَ فاسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها وبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنهم أكَلَ مِنها، فَلَمْ يَزالُوا أغْنِياءَ صِحاحًا حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ونَدِمَ الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ الَّذِينَ أبَوْا أنْ يَأْكُلُوا مِنها نَدامَةً سالَتْ مِنها أشْفارُهم وبَقِيَتْ حَسْرَتُها في قُلُوبِهِمْ، وكانَتِ المائِدَةُ إذا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أقْبَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلَيْها مِن كُلِّ مَكانٍ يَسْعَوْنَ فَزاحَمَ بَعْضُهم بَعْضًا الأغْنِياءَ والفُقَراءَ والنِّساءَ والصِّغارَ والكِبارَ والأصِحّاءَ والمَرْضى، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا فَلَمّا رَأى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ جَعَلَها نَوْبًا بَيْنَهم فَكانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا ولا تَنْزِلُ يَوْمًا فَلَبِثُوا في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غَبًّا عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى فَلا تَزالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنها حَتّى إذا قالُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهم بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى إلى جَوِّ السَّماءِ وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ حَتّى تَوارى عَنْهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنِ اجْعَلْ رِزْقِي لِلْيَتامى والمَساكِينِ والزَّمْنى دُونَ الأغْنِياءِ مِنَ النّاسِ فَلَمّا فَعَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ارْتابَ بِها الأغْنِياءُ وغَمِصُوا ذَلِكَ حَتّى شَكُّوا فِيها في أنْفُسِهِمْ، وشَكَّكُوا فِيها لِلنّاسِ وأذاعُوا في أمْرِها القَبِيحَ والمُنْكَرَ، وأدْرَكَ الشَّيْطانُ مِنهم حاجَتَهُ وقَذَفَ وسْواسَهُ في قُلُوبِ المُرْتابِينَ فَلَمّا عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ مِنهم قالَ: هَلَكْتُمْ وإلَهِ المَسِيحِ، سَألْتُمْ نَبِيَّكم أنْ يَطْلُبَ المائِدَةَ لَكم إلى رَبِّكم فَلَمّا فَعَلَ وأنْزَلَها عَلَيْكم رَحْمَةً ورِزْقًا وأراكم فِيها الآياتِ والعِبَرَ كَذَّبْتُمْ بِها، وشَكَكْتُمْ فِيها فَأبْشِرُوا بِالعَذابِ فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم إلّا أنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ تَعالى، وأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنِّي آخُذُ المُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي وإنِّي مُعَذِّبٌ مِنهم مَن كَفَرَ بِالمائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِها ﴿ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ وأخَذُوا مَضاجِعَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسائِهِمْ آمِنِينَ وكانَ آخِرَ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى خَنازِيرَ وأصْبَحُوا يَتَّبَّعُونَ الأقْذارَ في الكُناساتِ وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكَمَ أنْ تَصُومُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم ما سَألْتُمْ فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عُمِلَ لَهُ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ قُلْتَ لَنا: إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عُمِلَ لَهُ وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنا ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ وسَبْعَةُ أرْغِفَةٍ حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ أوَّلُهم.

وجاءَ عَنْهُ أنَّ المائِدَةَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ المائِدَةَ كانَ يَقْعُدُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ فَإذا أكَلُوا شَيْئًا أبْدَلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَهُ مِثْلَهُ فَلَبِثُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وكان يوم الأحد، فصار ذلك اليوم عيداً لهم.

ويقال: عِيداً لَنَا يعني: حجة لنا وَآخِرِنا يعني: حجة لمن بعدنا وَآيَةً مِنْكَ يعني: نزولها علامة منك لنبوتك وَارْزُقْنا يعني: وأعطنا المائدة وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ من غيرك.

فأوحى الله تعالى إلى عيسى بقوله: قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ما سألتم من المائدة فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ يعني: بعد نزول المائدة مِنْكُمْ ويكفر بعيسى بعد أكله من المائدة فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني: أحداً من الخلق.

وقال بعضهم: هذه كلمة تهديد ولم ينزل عليهم المائدة.

وروي في بعض التفاسير أنهم قالوا لعيسى: رضينا بما في هذه الآية.

فقال عيسى لشمعون وكان أكبر الحواريين: هل معك شيء من الزاد؟

قال: نعم.

فجاءه بخمسة أرغفة، وسمكتين صغيرتين، فقطعهما قطعاً صغاراً ثم قال: اجلسوا رفقاء.

فقعدوا عشرة عشرة.

فألقى عيسى-  - بين كل رفقة قدر ما يحمله بإصبعيه، فجعل الطعام يزيد حتى جاوز ركبتهم فشبعوا.

وفضل خمسة.

ثم عاد من الغد ففعل مثل ما فعل بالأمس.

وروي أن الرغيف والسمكتين نزلت من السماء وهم ينظرون إليها.

وقيل: كانت مائدة من در وقيل: من بلور وقفت في الهواء.

فاجتمعوا يأكلون منها.

وروي أن المائدة كان عليها الفواكه، وكل شيء إلا الخبز واللحم.

وروي أن الجميع كانوا خمسة آلاف ونيفاً وروي اثني عشر ألفاً والله أعلم بالصواب.

وقال عامة المفسرين: إن المائدة قد أنزلت عليهم.

وروي عن سلمان الفارسي أن عيسى  قام ولبس جبة من شعر، وقام ووضع يمينه على يساره، وطأطأ رأسه خاشعاً لله تعالى، وبكى حتى سالت الدموع على لحيته وصدره، وهو يدعو ويتضرع، فنزلت مائدة من السماء فوقها منديل والناس ينظرون إليه، وعيسى  ينظر ويبكي ويقول: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة.

حتى استقرت المائدة بين يدي عيسى والناس حوله.

قال عيسى: بسم الله وكشف المنديل للناس، فإذا فيه سمكة مشوية لا شوك فيها.

والوَدَكُ يسيل منها، والخل عند رأسها، والملح عند ذنبها، وعليها أربعة أرغفة وعليها ألوان البقول إلا الكراث.

فقال: كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ فأكل منها ألف رجل.

ويقال: خمسة آلاف رجل.

ورجعت المائدة كما كانت.

وقال بعضهم: نزلت يوماً واحداً ولم تنزل أكثر من ذلك.

وقال بعضهم: ثلاثة أيام، وقال بعضهم: سبعة أيام.

وقال بعضهم: أكثر من ذلك.

فلما رجعوا عن ذلك الموضع شكوا فيه وكفروا، فمسخهم الله خنازير.

وروي عن ابن عمر أنه قال: أشد الناس عذاباً يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.

وروي عن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال: نزلت المائدة خبزاً وسمكة.

وعن عطية العوفي قال: كانت سمكة فيها طعم كل شيء.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ...

الآية، أي: أجابهم عيسى- عليه السلام- إلى ما سألوا، فيروى أنه لَبِسَ جُبَّة شَعْرٍ، ورداءَ شَعْرٍ، وقام يصلِّي، ويبْكِي، والعيدُ: المجتمعُ، وقوله: لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا، رُوِيَ عن ابن «١» عَبَّاس أن المعنى: يكون مجتمعاً لجميعنا أوّلِنا وآخرنا، قال: فأكل من المائدة حِينَ وُضِعَتْ أولُ النَّاس كما أكل آخرهم، وَآيَةً مِنْكَ، أيْ: وعلامةً على صِدْقي، فأجاب اللَّه تعالى دعوةَ عيسى- عليه السلام-، وقال: إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ، ثم شَرَطَ عليهم سبحانه شرْطَهُ المتعارَفَ في الأمم أنه مَنْ كَفَر بعد آية الاقتراح، عُذِّب أشدَّ عذابٍ، والجمهور أنَّ المائدة نزلَتْ كما أخبر اللَّه سبحانه، واختلفوا في كيفيَّة ذلك، فقال أبو عبد الرحمن السُّلَمي: نزلَتِ المائدةُ خُبْزاً وسَمَكاً، وقال عطية: المائدةُ سمكَةٌ فيها طَعْمُ كُلِّ طعامٍ، وقال ابنُ عبَّاس: نزل خُوَانٌ عليه خْبُزٍ وسَمَكٌ يأكلون منه أينما نَزَلُوا، إذا شاءوا «٢» ، وقال عمَّار بن ياسر: سألوا عيسى مائدةً يكون عليها طعامٌ لا ينفَذُ، فقيل لهم: إنها مقيمةٌ لكم ما لم تُخَبِّئُوا، أو تخونُوا، فإن فعلتم، عُذِّبتم، قال: فما مضى يومٌ حتى خَبَّئُوا، وخانوا، يعني: بني إسرائيل، فمُسِخُوا قردةً وخنازيرَ «٣» ، وقال ميسرة: كانَتِ المائدة، إذا وُضِعت لبني إسرائيل، اختلفت عليهم الأيدِي بكلِّ طعامٍ إلا اللحم «٤» ، وأكثَرَ الناسُ في قصص المائدةِ ممّا رأيت اختصاره لعدم سنده.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مُنَزِّلُها" بِالتَّشْدِيدِ، وقَرَأ الباقُونَ خَفِيفَةً.

وهَذا وعْدٌ بِإجابَةِ سُؤالِ عِيسى.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ نَزَلَتْ، أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

فَرَوى وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَمّا رَأى عِيسى أنَّهم قَدْ جَدُّوا في طَلَبِها لَبِسَ جُبَّةً مِن شَعْرٍ، ثُمَّ تَوَضَّأ، واغْتَسَلَ، وصَفَّ قَدَمَيْهِ في مِحْرابِهِ حَتّى اسْتَوَيا، وألْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وحاذى الأصابِعَ بِالأصابِعِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى فَوْقَ صَدْرِهِ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ خُضُوعًا، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ، فَما زالَتْ تَسِيلُ دُمُوعُهُ عَلى خَدِّهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ مِن دُمُوعِهِ حِيالَ وجْهِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، فَبَيْنَما عِيسى كَذَلِكَ، هَبَطَتْ عَلَيْنا مائِدَةٌ مِنَ السَّماءِ، سُفْرَةٌ حَمْراءُ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ مِن تَحْتِها، وغَمامَةٍ مِن فَوْقِها، وعِيسى يَبْكِي ويَتَضَرَّعُ، ويَقُولُ: إلَهِي اجْعَلْها سَلامَةً، لا تَجْعَلْها عَذابًا، حَتّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، والحَوارِيُّونَ مِن حَوْلِهِ، فَأقْبَلَ هو وأصْحابُهُ حَتّى قَعَدُوا حَوْلَها، وإذا عَلَيْهِمْ مِندِيلٌ مُغَطًّى، فَقالَ عِيسى: أيُّكم أوْثَقُ بِنَفْسِهِ وأقَلُّ بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ فَلْيَأْخُذْ هَذا المِندِيلَ، ولِيَكْشِفْ لَنا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ.

قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ أنْتَ أوْلانا بِذَلِكَ، فاكْشِفْ عَنْها، فاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وسَألَ رَبَّهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِالكَشْفِ عَنْها، ثُمَّ قَعَدَ إلَيْها، وتَناوَلَ المِندِيلَ، فَإذا عَلَيْها سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ فِيها شَوْكٌ، وحَوْلَها مِن كُلِّ البَقْلِ ما خَلا الكُرّاثَ، وعِنْدَ رَأْسِها الخَلُّ، وعِنْدَ ذَنَبِها المِلْحُ، وحَوْلَها خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى رَغِيفٍ تَمْرٌ، وعَلى رَغِيفٍ زَيْتُونٌ، وعَلى رَغِيفٍ خَمْسُ رُمّاناتٍ.

فَقالَ: شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ: يا رُوحَ اللَّهِ أمِن طَعامِ الدُّنْيا هَذا، أمِّنْ طَعامِ الجَنَّةِ؟

فَقالَ عِيسى: سُبْحانَ اللَّهِ أما تَنْتَهُونَ!

ما أخَوَفَنِي عَلَيْكم.

قالَ شَمْعُونُ: لا وإلَهِ بَنِي إسْرائِيلَ ما أرَدْتُ بِهَذا سُوءًا.

قالَ عِيسى: لَيْسَ ما تَرَوْنَ عَلَيْها مِن طَعامِ الدُّنْيا، ولا مِن طَعامِ الجَنَّةِ، إنَّما هو شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ، فَقالَ لَهُ: "كُنْ" فَكانَ أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ.

فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ إنَّما نُرِيدُ أنْ تُرِيَنا في هَذِهِ الآيَةِ آيَةً، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ!

ما اكْتَفَيْتُمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؟!

ثُمَّ أقْبَلَ عَلى السَّمَكَةِ فَقالَ: عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، فَعادَتْ تَضْطَرِبُ عَلى المائِدَةِ، ثُمَّ قالَ: عُودِي كَما كُنْتِ، فَعادَتْ مَشْوِيَّةً، فَقالَ: يا رُوحَ اللَّهِ كُنْ أنْتَ أوَّلَ مَن يَأْكُلُ مِنها، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ بَلْ يَأْكُلُ مِنها مَن سَألَها، فَلَمّا رَأوُا امْتِناعَهُ، خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها عُقُوبَةً، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ دَعا لَها الفُقَراءَ والزَّمْنى واليَتامى، فَقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم، ودَعْوَةِ نَبِيِّكم، لِيَكُونَ مَهْنَؤُها لَكم، وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكم، فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وسَبْعُمِائَةِ إنْسانٍ، يُصْدِرُونَ عَنْها شِباعًا وهي كَهَيْئَتِها حِينَ نَزَلَتْ، فَصَحَّ كُلُّ مَرِيضٍ، واسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فازْدَحَمُوا عَلَيْها، فَجَعَلَها عِيسى نُوَبًا بَيْنَهم، فَكانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلْ يَوْمًا وتَغِبْ يَوْمًا، وكانَتْ تَنْزِلُ عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَيَأْكُلُونَ مِنها حَتّى إذا قالُوا، ارْتَفَعَتْ إلى السَّماءِ وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بِكُرَةً وعَشِيَّةً، حَيْثُ كانُوا.

وقالَ غَيْرُهُ: نَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ مَرَّتَيْنِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ غُدْوَةَ وعَشِيَّةَ يَوْمِ الأحَدِ، فَلِذَلِكَ جَعَلُوهُ عِيدًا.

وفي الَّذِي كانَ عَلى المائِدَةِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خُبْزٌ ولَحْمٌ، رُوِيَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: "نَزَلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا" .» والثّانِي: أنَّها سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ، وخَمْسُ أرْغِفَةٍ، وتَمْرٌ، وزَيْتُونٌ، ورُمّانٌ، وقَدْ ذَكَرْناهُ عَنْ سَلْمانَ.

والثّالِثُ: ثَمَرٌ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، قالَهُ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.

وقالَ قَتادَةُ: ثَمَرٌ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وطَعامٌ مِن طَعامِها.

والرّابِعُ: خُبْزٌ، وسَمَكٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ.

والخامِسُ: قِطْعَةٌ مِن ثَرِيدٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْها كُلَّ شَيْءٍ إلّا اللَّحْمَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والسّابِعُ: سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ.

والثّامِنُ: خُبْزُ أُرْزٍ وبَقْلٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها لَمْ تَنْزِلْ، رَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المائِدَةَ لَمْ تَنْزِلْ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها.

ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: أُنْزِلَتْ مائِدَةٌ عَلَيْها ألْوانٌ مِنَ الطَّعامِ، فَعَرَضَها عَلَيْهِمْ، وأخْبَرَهم أنَّهُ العَذابُ إنْ كَفَرُوا، فَأبَوْها فَلَمْ تَنْزِلْ.

ورَوى لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعالى لِخَلْقِهِ، لِيَنْهاهم عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ﴾ أيْ: بَعْدَ إنْزالِ المائِدَةِ.

وَفِي العَذابِ المَذْكُورِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَسْخُ.

والثّانِي: جَنْسٌ مِنَ العَذابِ لَمْ يُعَذَّبْ بِهِ أحَدٌ سِواهم.

قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يُعَجَّلَ لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ.

وفي "العالَمِينَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ.

والثّانِي: عالَمُو زَمانِهِمْ.

وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ المائِدَةِ مُسِخُوا.

وفي سَبَبِ مَسْخِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا، فَخانُوا وادَّخَرُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، رَواهُ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّ عِيسى خَصَّ بِالمائِدَةِ الفُقَراءَ، فَتَكَلَّمَ الأغْنِياءُ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ، وشَكَّكُوا النّاسَ فِيها، وارْتابُوا، فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ بِها، وأخَذُوا مَضاجِعَهم، مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنازِيرَ، قالَهُ سَلْمانُ الفارِسِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ شاهَدُوا المائِدَةَ، ورَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، فَأخْبَرُوهم، فَضَحِكَ بِهِمْ مَن لَمْ يَشْهَدْ، وقالُوا: إنَّما سَحَرَ أعْيُنَكم، وأخَذَ بِقُلُوبِكم، فَمَن أرادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، ثَبَتَ عَلى بَصِيرَتِهِ، ومَن أرادَ بِهِ فِتْنَةً، رَجَعَ إلى كُفْرِهِ.

فَلَعَنَهم عِيسى، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، فَمَكَثُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ هَلَكُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرازِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ اللهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى عن عِيسى أنَّهُ أجابَهم إلى دُعاءِ اللهِ في أمْرِ المائِدَةِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ؛ ورِداءَ شَعْرٍ؛ وقامَ يُصَلِّي؛ ويَبْكِي؛ ويَدْعُو.

و ﴿ "اللهُمَّ"؛ ﴾ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أصْلُها: "يا اَللَّهُ"؛ فَجُعِلَتِ المِيمانِ بَدَلًا مِن "يا"؛ و"رَبَّنا"؛ مُنادًى آخَرُ؛ ولا يَكُونُ صِفَةً؛ لِأنَّ "اَللَّهُمَّ"؛ يُجْرى مُجْرى الأصْواتِ؛ مِن أجْلِ ما لَحِقَهُ مِنَ التَغْيِيرِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تَكُونُ لَنا"؛ ﴾ عَلى الصِفَةِ لِلْمائِدَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَكُنْ لَنا"؛ عَلى جَوابِ "أنْزِلْ".

و"اَلْعِيدُ": اَلْمُجْتَمَعُ؛ واليَوْمُ المَشْهُودُ؛ وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَنَةِ؛ أو بِالشَهْرِ؛ والجُمُعَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ وهو مِن "عادَ؛ يَعُودُ"؛ فَأصْلُهُ الواوُ؛ ولَكِنْ لَزِمَتْهُ الياءُ مِن أجْلِ كَسْرَةِ العَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِأوَّلِنا وآخِرِنا"؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ؛ والجَحْدَرِيُّ: "لِأُولانا وأُخْرانا".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وسُفْيانُ: "لِأوَّلِنا"؛ مَعْناهُ: لِأوَّلِ الأُمَّةِ؛ ثُمَّ لِمَن بَعْدَهُمْ؛ حَتّى لِآخِرِها؛ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ المَعْنى: "يَكُونُ مُجْتَمَعًا لِجَمِيعِنا؛ أوَّلِنا؛ وآخِرِنا"؛ قالَ: وأكَلَ مِنَ المائِدَةِ حِينَ وُضِعَتْ أوَّلُ الناسِ؛ كَما أكَلَ آخِرُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعِيدُ - عَلى هَذا - لا يُرادُ بِهِ المُسْتَدِيرُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "وَآيَةً مِنكَ"؛ ﴾ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِي؛ وتَشْرِيفِي؛ فَأجابَ اللهُ دَعْوَةَ عِيسى؛ وقالَ: ﴿ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ ثُمَّ شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطَهُ المُتَعارَفَ في الأُمَمِ؛ أنَّهُ مَن كَفَرَ بَعْدَ آيَةِ الِاقْتِراحِ عُذِّبَ أشَدَّ عَذابٍ.

وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "إنِّي مُنَزِّلُها"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وشَدِّ الزايِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزِلُها"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ والقِراءَتانِ مُتَّجَهَتانِ؛ "نَزَلَ"؛ و"أنْزَلَ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قالَ اللهُ إنِّي سَأُنْزِلُها عَلَيْكُمْ".

واخْتَلَفَ الناسُ في نُزُولِ المائِدَةِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ ومُجاهِدٌ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا الشَرْطَ في تَعْذِيبِ مَن كَفَرَ اسْتَعْفَوْها؛ فَلَمْ تَنْزِلْ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَهو مِثْلُ ضَرْبِهِ اللهُ تَعالى لِلنّاسِ لِئَلّا يَسْألُوا هَذِهِ الآياتِ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؛ فَرَوى الشَعْبِيُّ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ خُبْزًا؛ وسَمَكًا؛ وقالَ عَطِيَّةُ: اَلْمائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ طَعامٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ خُوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ؛ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا؛ إذا شاؤُوا؛ وقالَهُ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ ؛ قالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ؛ وسَبْعَةُ أحْواتٍ؛ قالَ: فَسَرَقَ مِنها بَعْضُهُمْ؛ فَرُفِعَتْ؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: سَألُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مائِدَةً يَكُونُ عَلَيْها طَعامٌ لا يَنْفَدُ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: فَإنَّها مُقِيمَةٌ لَكُمْ؛ ما لَمْ تُخَبِّئُوا؛ أو تَخُونُوا؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ عُذِّبْتُمْ؛ قالَ: فَما مَضى يَوْمٌ حَتّى خَبَّؤُوا؛ وخانُوا؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في المائِدَةِ أيْضًا -: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُما نَزَلُوا؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثِمارٌ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ؛ وقالَ مَيْسَرَةُ: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْها الأيْدِي بِكُلِّ طَعامٍ؛ إلّا اللَحْمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ المائِدَةِ بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ سَنَدِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: لا يَصِحُّ ألّا تُنَزَّلَ المائِدَةُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ مُنْزِلُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ الخَبَرَ مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ ﴾ ؛ وسائِغٌ ما قالَ الحَسَنُ؛ أما إنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ؛ وكَفَرَتْ جَماعَةٌ مِنهُمْ؛ فَمَسَخَهُمُ اللهُ خَنازِيرَ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: أشَدُّ الناسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ؛ والمُنافِقُونَ؛ وآلُ فِرْعَوْنَ؛ ويُذْكَرُ أنَّ شَمْعُونَ؛ رَأْسَ الحَوارِيِّينَ؛ قالَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى طَعامَ المائِدَةِ: يا رُوحَ اللهِ؛ أمِن طَعامِ الدُنْيا هُوَ؛ أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ؟

قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: "ألَمْ يَنْهَكُمُ اللهُ عن هَذِهِ السُؤالاتِ؟

هَذا طَعامٌ لَيْسَ مِن طَعامِ الدُنْيا؛ ولا مِن طَعامِ الآخِرَةِ؛ بَلْ هو بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ؛ قالَ اللهُ لَهُ: كُنْ؛ فَكانَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى المائِدَةِ بُقُولٌ؛ سِوى الثُومِ؛ والكُرّاثِ؛ والبَصَلِ؛ وقِيلَ: كانَ عَلَيْها زَيْتُونٌ؛ وتَمْرٌ؛ وحَبٌّ؛ ورُمّانٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن كان قوله: ﴿ إذ قال الحواريّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن ينزّل علينا مائدة من السماء ﴾ [المائدة: 112] من تمام الكلام الذي يلقيه الله على عيسى يوم يجمع الله الرسل كانت هذه الجملة وهي ﴿ قال عيسى ابن مريم اللهمّ ربّنا أنزل علينا مائدة ﴾ الخ...

معترضة بين جملة ﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريّين ﴾ [المائدة: 111] وجملة ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ﴾ [المائدة: 116] الآية.

وإن كان قوله: ﴿ إذ قال الحواريّون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك أن ينزّل ﴾ [المائدة: 112] الآية ابتداء كلام بتقدير فعل اذكر كانت جملة: ﴿ قال عيسى ابن مريم اللهم ربّنا ﴾ الآية مجاوبة لقول الحواريّين ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربّك ﴾ [المائدة: 112] الآية على طريقة حكاية المحاورات.

وقوله: ﴿ اللهمّ ربّنا أنزل علينا مائدة ﴾ اشتمل على نداءين، إذ كان قوله: ﴿ ربّنا ﴾ بتقدير حرففِ النداء.

كرّر النداء مبالغة في الضراعة.

وليس قوله: ﴿ ربّنا ﴾ بدلاً ولا بياناً من اسم الجلالة، لأنّ نداء ﴿ اللهمّ ﴾ لا يتبع عند جمهور النحاة لأنّه جار مجرى أسماء الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير حتى صار كأسماء الأفعال.

ومن النحاة من أجاز إتْباعه، وأيّاً ما كان فإنّ اعتباره نداء ثانياً أبلغ هنا لا سيما وقد شاع نداء الله تعالى ﴿ ربّنا ﴾ مع حذف حرف النداء كما في الآيات الخواتم من سورة آل عمران.

وجمع عيسى بين النداء باسم الذات الجامع لصفات الجلال وبين النداء بوصف الربوبية له وللحواريّين استعطافاً لله ليجيب دعاءهم.

ومعنى ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ أي يكون تذكّر نزولها بأن يجعلوا اليوم الموافق يوم نزولها من كلّ سنة عيداً، فإسناد الكون عيداً للمائدة إسناد مجازي، وإنّما العيد اليوم الموافق ليوم نزولها، ولذلك قال: ﴿ لأوّلنا وآخرنا ﴾ ، أي لأوّل أمّة النصرانية وآخرها، وهم الذين ختمت بهم النصرانية عند البعثة المحمدية.

والعيد اسم ليوم يعود كلّ سنة، ذكرى لنعمة أو حادثة وقعت فيه للشكر أو للاعتبار.

وقد ورد ذكره في كلام العرب.

وأشهر ما كانت الأعياد في العرب عند النصارى منهم، قال العجاج: كمَا يعُودُ العيدَ نصرانيّ *** مثل يوم السباسب في قول النابغة: يُحَيَّوْنَ بالرّيْحَان يوْمَ السَّبَاسب *** وهو عيد الشعانين عند النصارى.

وقد سمّى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفطر عيداً في قوله لأبي بكر لمَّا نهى الجواريَ اللاّء كنّ يغَنِّين عند عائشة «إنّ لكلّ قوم عيداً وهذا عيدنا» وسمّى يوم النحر عيداً في قوله: «شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجّة».

والعيد مشتقّ من العَوْد، وهو اسم على زنة فعل، فجعلت واوه ياء لوقوعها إثر كسرة لازمة.

وجمعوه على أعياد بالياء على خلاف القياس، لأنّ قياس الجمع أنّه يردّ الأشياء إلى أصولها، فقياس، جمعه أعواد لكنَّهم جمعوه على أعياد، وصغّروه على عُييد، تفرقة بينه وبين جمع عُودٍ وتصغيره.

وقوله: ﴿ لأوّلنا ﴾ بدل من الضمير في قوله ﴿ لنا ﴾ بدلَ بعض من كلّ، وعطف ﴿ وآخرنا ﴾ عليه يصيّر الجميع في قوة البدل المطابق.

وقد أظهر لام الجرّ في البدل، وشأن البدل أن لا يظهر فيه العامل الذي عمل في المبدل منه لأنّ كون البدل تابعاً للمبدل منه في الإعراب مناف لذكر العامل الذي عمل في المتبوع، ولهذا قال النحاة: إنّ البدل على نية تكرار العامل، أي العامل منوي غير مصرّح به.

وقد ذكر الزمخشري في «المفصّل» أنّ عامل البدل قد يصرّح به، وجعل ذلك دليلاً على أنّه منوي في الغالب ولم يقيّد ذلك بنوع من العوامل، ومثّله بقوله تعالى: ﴿ لجعلنا لمنْ يكفر بالرحمان لبيُوتهم سُقفاً من فضّة ﴾ [الزخرف: 33]، وبقوله في سورة الأعراف (75) ﴿ قال الملأ الذين استكبروا..

للذين استضعفوا لمَنْ آمن منهم ﴾ وقال في الكشاف في هذه الآية ﴿ لأوّلنا وآخرنا ﴾ بدل من ﴿ لَنَا ﴾ بتكرير العامل.

وجوّز البدل أيضاً في آية الزخرف ثم قال: ويجوز أن يكون اللاّمان بمنزلة اللاّمين في قولك: وهبت له ثوباً لقميصه.

يريد أن تكون اللام الأولى متعلّقة ب ﴿ تكون ﴾ والثانية متعلّقة ب ﴿ عيدا ﴾ .

وقد استقريْتُ ما بلغت إليه من موارد استعماله فتحصّل عندي أنّ العامل الأصيل من فعل وشبهه لا يتكرّر مع البدل، وأمّا العامل التكميلي لعامل غيره وذلك حرف الجرّ خاصّة فهو الذي ورد تكريره في آيات من القرآن من قوله تعالى: ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ﴾ في سورة الأعراف (75)، وآية سورة الزخرف، وقوله: ﴿ ومن النخل من طلعها قنوان دانية ﴾ [الأنعام: 99].

ذلك لأنّ حرف الجرّ مكمّل لعمل الفعل الذي يتعلّق هو به لأنّه يعدّي الفعل القاصر إلى مفعوله في المعنى الذي لا يتعدّى إليه بمعنى مصدره، فحرف الجرّ ليس بعامل قوي ولكنّه مكمّل للعامل المتعلّق هو به.

ثمّ إنّ علينا أن نتطلّب الداعي إلى إظهار حرف الجرّ في البدل في مواقع ظهوره.

وقد جعل ابن يعيش في «شرح المفصّل» ذلك للتأكيد قال: «لأن الحرف قد يتكرّر لقصد التأكيد».

وهذا غير مقنع لنا لأنّ التأكيد أيضاً لا بدّ من داع يدعو إليه.

فما أظهر فيه حرف الجرّ من هذه الآيات كان مقتضي إظهاره إمّا قصد تصوير الحالة كما في أكثر الآيات، وأمّا دفع اللبس، وذلك في خصوص آية الأعراف لئلاّ يتوهّم السامع أنّ من يتوهّم أنّ «من آمن» من المقول وأنّ «من» استفهام فيظنّ أنّهم يسألون عن تعيين من آمن من القوم، ومعنى التأكيد حاصل على كلّ حال لأنّه ملازم لإعادة الكلمة.

وأمّا ما ليس بعامل فهو الاستفهام وقد التزم ظهور همزة الاستفهام في البدل من اسم استفهام، نحو: أين تنزل أفي الدار أم في الحائط، ومنْ ذا أسعيد أم عَلِي.

وهذا العيد الذي ذكر في هذه الآية غير معروف عند النصارى ولكنّهم ذكروا أنّ عيسى عليه السلام أكل مع الحواريّين على مائدة ليلة عيد الفِصح، وهي الليلة التي يعتقدون أنّه صلب من صباحها.

فلعلّ معنى كونها عيداً أنّها صيّرت يوم الفصح عيداً في المسيحية كما كان عيداً في اليهودية، فيكون ذلك قد صار عيداً باختلاف الاعتبار وإن كان اليوم واحداً لأنّ المسيحيين وفّقوا لأعياد اليهود مناسبات أخرى لائقة بالمسيحية إعفاء على آثار اليهودية.

وجملة ﴿ قال الله إنّي منزّلها ﴾ جواب دعاء عيسى، فلذلك فصلت على طريقة المحاورة.

وأكّد الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ تحقيقاً للوعد.

والمعنى إنّي منزّلها عليكم الآن، فهو استجابة وليس بوعد.

وقوله: ﴿ فَمنْ يكفرْ ﴾ تفريع عن إجابة رغبتهم، وتحذير لهم من الوقوع في الكفر بعد الإيمان إعلاماً بأهمّية الإيمان عند الله تعالى، فجعل جزاء إجابته إيّاهم أن لا يعودوا إلى الكفر فإن عادوا عُذّبوا عذاباً أشدّ من عذاب سائر الكفَّار لأنّهم تعاضد لديهم دليل العقل والحسّ فلم يبق لهم عُذر.

والضمير المنصوب في قوله ﴿ لا أعذّبه ﴾ ضمير المصدر، فهو في موضع المفعول المطلق وليس مفعولاً به، أي لا أعذّب أحداً من العالمين ذلك العذاب، أي مثل ذلك العذاب.

وقد وقفت قصّة سؤال المائدة عند هذا المقدار وطُوي خبر ماذا حدث بعد نزولها لأنّه لا أثر له في المراد من القصّة، وهو العبرة بحال إيمان الحواريَّين وتعلّقهم بما يزيدهم يقيناً، وبقربهم إلى ربّهم وتحصيل مرتبة الشهادة على من يأتي بعدهم، وعلى ضراعة المسيح الدالّة على عبوديته، وعلى كرامته عند ربّه إذْ أجاب دعوته، وعلى سعة القدرة.

وأمّا تفصيل ما حوته المائدة وما دار بينهم عند نزولها فلا عبرة فيه.

وقد أكثر فيه المفسَّرون بأخبار واهية الأسانيد سوى ما أخرجه الترمذي في أبواب التفسير عن الحسن بن قزعة بسنده إلى عمّار بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً» الحديث.

قال الترمذي: هذا الحديث رواه غير واحد عن عمّار بن ياسر موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلاّ من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً.

واختلف المفسّرون في أنّ المائدة هل نزلت من السماء أو لم تنزل.

فعن مجاهد والحسن أنّهم لمّا سمعوا قوله تعالى: ﴿ فَمَن يكفر بعد منكم ﴾ الآية خافوا فاستعفوا من طلب نزولها فلم تنزل.

وقال الجمهور: نزلت.

وهو الظاهر لأنّ قوله تعالى: ﴿ إنّي منزّلها عليكم ﴾ وعد لا يخلف، وليس مشروطاً بشرط ولكنه معقّب بتحذير من الكفر، وذلك حاصل أثره عند الحواريّين وليسوا ممّن يخشى العود إلى الكفر سواء نزلت المائدة أم لم تنزل.

وأمّا النصارى فلا يعرفون خبر نزول المائدة من السماء، وكم من خبر أهملوه في الأناجيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ هَل تَّسْتَطِيع رَبَّكَ بِالتّاءِ والإدْغامِ، ورَبَّكَ بِالنَّصْبِ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعائِشَةُ.

وَقَرَأ الباقُونَ ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ بِالياءِ والإظْهارِ، وفي ذَلِكَ التَّأْوِيلِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ، فَكانَ هَذا السُّؤالُ في ابْتِداءِ أمْرِهِمْ قَبْلَ اسْتِحْكامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: مَعْناهُ هَلْ يَفْعَلُ رَبُّكَ، قالَهُ الحَسَنُ، لِأنَّهم سُمُّوا بِالحَوارِيِّينَ بَعْدَ إيمانِهِمْ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ لَكَ رَبُّكَ ويُطِيعُكَ.

﴿ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ، قالَ قُطْرُبٌ: والمائِدَةُ لا تَكُونُ مائِدَةً حَتّى يَكُونَ عَلَيْها طَعامٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ قِيلَ: خِوانٌ، وفي تَسْمِيَتِها مائِدَةً وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَمِيدُ ما عَلَيْها أيْ تُعْطِي، قالَ رُؤْبَةُ ...

...

...

∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادِ أيِ المُسْتَعْطِي.

والثّانِي: لِحَرَكَتِها بِما عَلَيْها مِن قَوْلِهِمْ: مادَ الشَّيْءُ إذا مالَ وتَحَرَّكَ، قالَ الشّاعِرُ لَعَلَّكَ باكٍ إنْ تَغَنَّتْ حَمامَةٌ ∗∗∗ يَمِيدُ غُصْنٌ مِنَ الأيْكِ مائِلُ ﴿ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي اتَّقُوا مَعاصِيَ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِهِ، وإنَّما أمَرَهم بِذَلِكَ لِأنَّهُ أوْلى مِن سُؤالِهِمْ.

والثّانِي: يَعْنِي اتَّقُوا اللَّهَ في سُؤالِ الأنْبِياءِ إمّا طَلبًا لِعَنَتِهِمْ وإمّا اسْتِزادَةً لِلْآياتِ مِنهم، إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِهِمْ ومُصَدِّقِينَ لَهم لِأنَّ ما قامَتْ بِهِ دَلائِلُ صِدْقِهِمْ يُغْنِيكم عَنِ اسْتِزادَةِ الآياتِ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ وهَذا اعْتِذارٌ مِنهم بَيَّنُوا بِهِ سَبَبَ سُؤالِهِمْ حِينَ نُهُوا عَنْهُ فَقالُوا: ﴿ نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا الأكْلَ مِنها لِلْحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها.

والثّانِي: أنَّهم أرادُوهُ تَبَرُّكًا بِها لا لِحاجَةٍ دَعَتْهم إلَيْها، وهَذا أشْبَهُ لِأنَّهم لَوِ احْتاجُوا لَمْ يُنْهَوْا عَنِ السُّؤالِ.

﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ بَعَثَكَ إلَيْنا نَبِيًّا.

والثّانِي: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ اخْتارَنا لَكَ أعْوانًا.

والثّالِثُ: تَطْمَئِنُّ إلى أنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْنا.

﴿ وَنَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ﴾ في أنَّكَ نَبِيٌّ إلَيْنا، وذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي: صَدَقْتَنا في أنَّنا أعْوانٌ لَكَ.

وَعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ: أنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْنا.

وَفي قَوْلِهِمْ ﴿ وَنَعْلَمَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ كانَ قَبْلَ اسْتِحْكامِ المَعْرِفَةِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اسْتَزادُوا بِذَلِكَ عِلْمًا إلى عِلْمِهِمْ ويَقِينًا إلى يَقِينِهِمْ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ كانَ بَعْدَ التَّصْدِيقِ والمَعْرِفَةِ.

﴿ وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: مِنَ الشّاهِدِينَ لَكَ عِنْدَ اللَّهِ بِأنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ ما بَعَثَكَ بِهِ إلَيْنا.

والثّانِي: مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن يَأْتِي مِن قَوَّمِنا بِما شاهَدْناهُ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّكَ نَبِيٌّ إلَيْهِمْ وإلَيْنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ إنَّما زِيدَتِ المِيمُ في آخِرِ اللَّهُمَّ مُثَقَّلَةً عِوَضًا عَنْ حَرْفِ النِّداءِ، فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النِّداءِ فَلا يُقالُ يا اللَّهُمَّ لِأنَّ المِيمَ المُعَوِّضَةَ مِنهُ أغْنَتْ عَنْهُ، فَأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أوْ هَلَّلْتِ يا اللَّهُمَّ ∗∗∗ أرْدِدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسْلِمًا ∗∗∗ فَإنَّنا مِن خَيْرِهِ لَنْ نُعْدَما فَلِأنَّ ضَرُورَةَ الشِّعْرِ جَوَّزَتْهُ.

سَألَ عِيسى رَبَّهُ، أنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ المائِدَةَ الَّتِي سَألُوهُ، وفي سُؤالِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالسُّؤالِ، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ بَعْدَ اسْتِحْكامِ المَعْرِفَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ رَغْبَةٌ مِنهُ إلى اللَّهِ تَعالى في إظْهارِ صِدْقِهِ لَهم، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ السُّؤالَ قَبْلَ اسْتِحْكامِ المَعْرِفَةِ.

﴿ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

وَقِيلَ: إنَّ المائِدَةَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ الأحَدِ غَداةً وعَشِيَّةً، ولِذَلِكَ جَعَلُوا الأحَدَ عِيدًا.

والثّانِي: مَعْناهُ عائِدَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا، وبُرْهانًا لَنا ولِمَن بَعْدَنا.

والثّالِثُ: يَعْنِي نَأْكُلُ مِنها جَمِيعًا، أوَّلُنا وآخِرُنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ وَآيَةً مِنكَ ﴾ يَعْنِي عَلامَةَ الإعْجازِ الدّالَّةَ عَلى تَوْحِيدِكَ وقِيلَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِكَ.

الشُّكْرُ عَلى ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن إجابَتِكَ، وقِيلَ: ارْزُقْنا ذَلِكَ مِن عِنْدِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ﴾ وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أجابَ بِهِ سُؤالَ عِيسى كَما كانَ سُؤالُ عِيسى إجابَةً لِلْحَوارِيِّينَ.

واخْتَلَفُوا في نُزُولِ المائِدَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِخَلْقِهِ، يَنْهاهم بِهِ عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم سَألُوا ووَعَدَهم بِالإجابَةِ، فَلِما قالَ لَهُمْ: ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ اسْتَعَفُّوا مِنها فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا فَأجابَهم، ولَمْ يَسْتَعِفُّوا، لِأنَّهُ ما حَكى الِاسْتِعْفاءَ عَنْهم، ثُمَّ أنْزَلَها عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ قَدْ وعَدَهم، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ وعْدَهُ.

وَمَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في الَّذِي كانَ عَلَيْها حِينَ نَزَلَتْ عَلى سِتَّةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ عَلَيْها ثِمارُ الجَنَّةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَلَيْها خُبْزٌ ولَحْمٌ، قالَهُ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كانَ عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ، قالَهُ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

والرّابِعُ: كانَ عَلَيْها سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ الطَّعامِ، قالَهُ عَطاءٌ، وعَطِيَّةُ.

والخامِسُ: كانَ عَلَيْها كُلُّ طَعامٍ إلّا اللَّحْمَ، قالَهُ مَيْسَرَةُ.

والسّادِسُ: رَغِيفانِ وحُوتانِ، أكَلُوا مِنها أرْبَعِينَ يَوْمًا في سُفْرَةٍ، وكانُوا ومَن مَعَهم نَحْوَ خَمْسَةِ آلافٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

وَأُمِرُوا أنْ يَأْكُلُوا مِنها ولا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَخانُوا وادَّخَرُوا فَرُفِعَتْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن عالِمِي زَمانِهِمْ.

والثّانِي: مِن سائِرِ العالِمِينَ كُلِّهِمْ.

وَفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو أنْ يَمْسَخَهم قِرَدَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ جِنْسٌ مِنَ العَذابِ لا يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُهم لِأنَّهم كَفَرُوا بَعْدَ أنْ رَأوْا مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَرَهُ غَيْرُهم، فَكانُوا أعْظَمَ كُفْرًا فَصارُوا أعْظَمَ عَذابًا.

وَهَلْ هَذا العَذابُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؟

قَوْلانِ: وفي الحَوارِيِّينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم خَواصُّ الأنْبِياءِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المَندُوبُونَ لِحِفْظِ شَرائِعِهِمْ إمّا بِجِهادٍ أوْ عِلْمٍ.

وَفي تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، تَشْبِيهًا بِما هم عَلَيْهِ مِن نَقاءِ سَرائِرِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهو بِلُغَةِ القِبْطِ حِوارِيٌّ.

والثّانِي: لِنَظافَةِ ثِيابِهِمْ وطَهارَتِها بِطَهارَةِ قُلُوبِهِمْ.

والثّالِثُ: بِجِهادِهِمْ عَنْ أنْبِيائِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ ؎ ونَحْنُ أُناسٌ نَمْلَأُ البِيدَ مَأْمَنًا ∗∗∗ ونَحْنُ حَوارِيُّونَ حِينَ نُزاحِفُ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك، إنما قالوا: هل تستطيع أنت، ربك هل تستطيع أن تدعوه.

وأخرج الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ أو تستطيع ربك؟

فقال؟

أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ بالتاء.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه قرأها ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ بالتاء ونصب ربك.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قرأها ﴿ هل تستطيع ربك ﴾ قال: هل تستطيع أن تسأل ربك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر الشعبي أن علياً كان يقرأها ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ قال: هل يعطيك ربك.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن وثاب وأبي رجاء أنهما قرآ ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ بالياء والرفع.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴾ قال: قالوا: هل يطيعك ربك إن سألته، فأنزل الله عليهم مائدة من السماء فيها جميع الطعام إلا اللحم، فأكلوا منها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ مائدة ﴾ قال: المائدة الخوان.

وفي قوله: ﴿ وتطمئن ﴾ قال: توقن.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ﴾ يقول: نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ﴾ قال: أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وأبو بكر الشافعي في فوائده المعروفة بالغيلانيات عن سلمان الفارسي قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جداً، وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها، فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ﴿ قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين ﴾ .

فلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها قام فألقى عنه الصوف، ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائماً مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا فألصق الكعب بالكعب، وحاذي الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره، وطأطأ رأسه خشوعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه وتقطر من أطراف لحيته حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا ﴾ تكون عظة منك لنا ﴿ وآية منك ﴾ أي علامة منك تكون بيننا وبينك، وارزقنا عليها طعاماً نأكله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ .

فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفاً للشروط التي اتخذ الله فيها عليهم، إنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين، وهو يدعو الله في مكانه ويقول: إلهي اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذاباً، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، إلهي أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضباً ورجزاً، إلهي اجعلها سلامة وعافية ولا تجعلها فتنة ومثلة، فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى، والحواريون وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجداً شكراً له بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة.

وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمراً عجباً أورثهم كمداً وغماً، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليه منديل مغطى قال عيسى: من أجرؤنا على كشف المنديل عن هذه السفرة وأوثقنا بنفسه وأحسننا بلاء عند ربه فليكشف عن هذه الآية حتى نراها، ونحمد ربنا، ونذكر باسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا، فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته، أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها.

فقام عيسى: فاستأنف وضوءاً جديداً، ثم دخل مصلاه فصلى بذلك ركعات، ثم بكى طويلاً ودعا الله أن يأذن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقاً، ثم انصرف وجلس إلى السفرة، وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، وإذا هو عليها سمكة ضخمة مشوية ليس عليها بواسير، وليس في جوفها سوك، يسيل منها السمن سيلاً، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟

فقال: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات وتنتهوا عن تنقير المسائل، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب هذه الآية.

فقال شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بها سوءاً يا ابن الصديقة.

فقال عيسى: ليس شيء مما ترون عليها من طعام الجنة ولا من طعام الدنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له كن فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم بسم الله، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر.

فقال يا روح الله وكلمته إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية.

فقال عيسى: سبحان الله..

!

أما اكتفيتم بما رأيتم من هذه الآية حتى تسألوا فيها آية أخرى!

ثم أقبل عيسى على السمكة فقال: يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت، فأحياها الله بقدرته فاضطربت وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحاسوا، فلما رأى عيسى ذلك منهم قال: ما لكم تسألون الآية فإذا أراكموها ربكم كرهتموها، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون!

يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت، فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.

فقالوا لعيسى: كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد.

فقال: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل كل من طلبها.

فلما رأى الحواريون وأصحابهم امتناع نبيهم منها خافوا أن يكون نزولها سخطة وفي أكلها مثلة فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى دعا لها الفقراء والزمنى وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، يكون مهناها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم بسم الله واختتموه بحمد الله ففعلوا، فأكل منها ألف وثلثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم شبعان يتجشأ.

ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئة إذ نزلت من السماء لم ينتقص منه شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون فاستغنى كل فقير أكل منها، وبريء كل زمن منهم أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صحاحاً حتى خرجوا من الدنيا، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سألت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات.

قال: فكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها من كل مكان يسعون يزاحم بعضهم بعضاً، الأغنياء والفقراء والنساء والصغار والكبار والأصحاء والمرضى يركب بعضهم بعضاً، فلما رأى عيسى ذلك جعلها نوباً بينهم، فكانت تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، فلبثوا في ذلك أربعين يوماً تنزل عليهم غباً عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم بإذن الله إلى جو السماء وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم.

فأوحى الله إلى عيسى أن اجعل رزقي في المائدة لليتامى والفقراء والزمنى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل الله ذلك ارتاب بها الأغنياء وغمصوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق فإنه ارتاب بها بشر منا كثير.

قال عيسى: كذبتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها الله عليكم رحمة ورزقاً وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله، وأوحى الله إلى عيسى إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين، فلما أمسى المرتابون بها وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة من نسائهم آمنين، فلما كان من آخر الليل مسخهم الله خنازير، وأصبحوا يتتبعون الأقذار في الكناسات.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس.

أنه كان يحدث عن عيسى ابن مريم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً؟

ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا، ﴿ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴾ إلى قوله: ﴿ أحداً من العالمين ﴾ فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.

وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً، وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد، فخانوا وادخروا ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن عمار بن ياسر موقوفاً مثله.

قال الترمذي: والوقف أصح.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: نزلت المائدة عليها ثمر من ثمر الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: المائدة سمكة وأريغفة.

وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لولا بنو إسرائيل ما خنز الخبز ولا أنتن اللحم، ولكن خَبَّأوه لغد فأُنتن اللحم وخنز الخبز» .

وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد عن أبي عبد الرحمن السلمي في قوله: ﴿ أنزل علينا مائدة من السماء ﴾ قال: خبزاً وسمكاً.

وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ في العظمة عن سعيد بن جبير قال: نزلت المائدة وهي طعام يفور، فكانوا يأكلون منها قعوداً، فأحدثوا فرفعت شيئاً فأكلوا على الركب، ثم أحدثوا فرفعت البتة.

وأخرج ابن الأنباري عن وهب بن منبه قال: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف فقالوا لقوم من وضعائهم: إن هؤلاء يلطخون ثيابنا علينا فلو بنينا لها دكاناً يرفعها، فبنوا لها دكاناً فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله عز وجل رفعها عنهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ عن عطية العوفي قال: المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة.

أن الخبز الذي أنزل مع المائدة كان من أرز.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: نزل على عيسى ابن مريم والحواريين خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما تولوا إذا شاؤوا.

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد من طريق عكرمة عن ابن عباس في المائدة قال: كان طعاماً ينزل عليهم من السماء حيثما نزلوا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: هو الطعام ينزل عليهم حيث نزلوا.

وأخرج ابن جرير عن إسحاق بن عبد الله.

أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات يأكلون منها ما شاؤوا، فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غداً فرفعت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري وأبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أنها كانت مائدة ينزل عليها الثمر من ثمار الجنة، وأمروا أن لا يخبئوا ولا يخونوا ولا يدخروا لغد بلاء أبلاهم الله به، وكانوا إذا فعلوا شيئاً من ذلك أنبأهم به عيسى، فخان القوم فيه فخبأوا وادَّخَروا لِغدٍ.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أنزل على المائدة كل شيء إلا اللحم.

والمائدة الخوان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن ميسرة وزاذان قالا: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت الأيدي فيها بكل طعام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه أنه سئل عن المائدة التي أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل؟

قال: كان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاؤوا من ضروب شتى، فكانت يقعد عليها أربعة آلاف، فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك بمثله، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أنزل علينا مائدة من السماء ﴾ قال: هو مثل ضرب ولم ينزل عليهم شيء.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: مائدة عليها طعام أبوها حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن ينزل عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن الحسن قال: لما قيل لهم ﴿ فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذاباً ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال: ذكر لنا أنهم لما صنعوا في المائدة ما صنعوا حوِّلوا خنازير.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بعد ما جاءته المائدة ﴿ فإني أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ يقول: أعذبه بعذاب لا أعذبه أحداً غير أهل المائدة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ إني منزلها ﴾ مثقلة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ وقرئ بالتشديد (١) ﴿ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾ فقال: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا ﴾ ليكون الجواب كالسؤال، ومن شدد فلأن نَزَّل وأنزل في القرآن قد استعمل كل واحد منهما موضع الآخر (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ﴾ بعد إنزال المائدة.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا ﴾ إلى أخر الآية قال، ابن عباس: يعني: مسخهم خنازير (٣) (٤) وقيل: أراد جنسًا من العذاب لا يعذب به غيرهم (٥) ﴿ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ يعني عالمي زمانهم (٦) قال الزجاج: جائز أن يكون هذا العذاب يعجل لهم في الدنيا، وجائز أن يكون في الآخرة (٧) واختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟: فقال الحسن: والله ما نزلت المائدة، وإن القوم لما سمعوا الشرط في قوله: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ ﴾ استعفوا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة لنا فيها.

ولو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة (٨) (٩) (١٠)  : "نزلت المائدة من السماء خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا ولا يُخبِّئوا ولا يدّخروا، فخان القوم وخّباوا وادّخروا فمسخوا قردة وخنازير" (١١) (١٢) قال أبو بكر بن الأنباري: والذي نختاره تصحيح نزول المائدة لتتابع الأخبار بذلك، ولأن قوله تعالى: ﴿ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ كلام تام وليس بجواب لشرط، وجواب الشرط قوله تعالى: ﴿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا ﴾ ، ولا يلزم قول الحسن: أنها لو نزلت لكانت عيدًا لنا إلى يوم القيامة؛ لأن وجه السؤال أن يكون يوم نزولها عيدًا لهم ولمن بعدهم ممكن كان على شريعتهم.

(١) قرأ بالتشديد نافع وعاصم وابن عامر، وقرأ الباقون بالتخفيف.

"الحجة للقراء السبعة" 3/ 282، و"حجة القراءات" ص 242.

(٢) "الحجة" 3/ 382.

(٣) "زاد المسير" 2/ 462.

(٤) أخرج ابن جرير عنه كقول ابن عباس: حولوا خنازير، الطبري 7/ 136.

"النكت والعيون" 2/ 86.

(٥) "النكت والعيون" 2/ 86، "زاد المسير" 2/ 462.

(٦) "تفسير الطبري" 7/ 136، "النكت والعيون" 2/ 86.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 7/ 136.

(٨) أخرجه الطبري 7/ 136، "النكت والعيون" 2/ 85.

(٩) أخرجه الطبري 7/ 135.

(١٠) "تفسير الطبري" 7/ 133، "النكت والعيون" 2/ 85، "زاد المسير" 2/ 459، ونسب هذا القول للجمهور.

(١١) أخرجه الترمذي (3061) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة مرفوعًا وموقوفًا ورجح الوقف ثم قال: "ولا نعلم للحديث المرفوع أصلاً"، وأخرجه الطبري 11/ 228، 229.

(١٢) وهذا اختيار الطبري 7/ 135، والبغوي 3/ 119، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 462، وابن كثير 2/ 135 وغيرهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا ﴾ أي أكلا نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ أي نعاين الآية فيصير إيماننا بالضرورة والمشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي تعرض في الاستدلال ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ ظاهره يقوي قول من قال إنهم إنما قالوا ذلك قبل تمكن إيمانهم، ويحتمل أن يكون المعنى نعلم علماً ضرورياً لا يحتمل الشك ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين ﴾ أي نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس ﴿ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ اللهم رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء ﴾ أجابهم عيسى إلى سؤال المائدة من الله، وروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر، وقام يصلي ويدعو ويبكي ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ قيل: نتخذ يوم نزولها عيداً يدور كل عام لأول الأمة، ثم لمن بعدهم، وقال ابن عباس: المعنى تكون مجتمعاً لجميعنا أوّلنا وآخرنا في يوم نزولها خاصة لا عيداً يدور ﴿ وَآيَةً مِّنْكَ ﴾ أي علامة على صدقي ﴿ قَالَ الله إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ﴾ أجابهم الله إلى ما طلبوا، ونزلت المائدة عليها سمك وخبز، وقيل زيتون وتمر ورمان وقال ابن عباس: كان طعام المائدة ينزل عليهم حيثما نزلوا وفي قصة المائدة قصص كثيرة غير صحيحة ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ عَذَاباً ﴾ عادة الله عز وجل عقاب من كفر بعد اقتراح آية فأعطيته، ولما كفر بعض هؤلاء مسخهم الله خنازير، قال عبد الله بن عمرو: أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون والمنافقون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.

الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.

﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.

سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.

الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.

﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.

﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.

﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله  فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.

فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟

فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟

فأعرض عنه رسول الله  حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله  : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.

وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟

فقال: في النار" .

ولما اشتد غضب الرسول  قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد  نبياً.

فأنزل الله هذه الآية.

فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.

وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ إلى تمام الآية.

وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون  ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.

وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".

وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".

وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.

ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.

والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.

فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله  : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله  فاقبلوه.

وقال أبو ثعلبة إن الله  فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.

ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.

فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.

وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.

وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.

وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.

والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه  ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.

وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.

والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى  فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى  فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد  سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.

ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.

ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.

والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.

وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.

قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.

وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.

يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.

وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.

وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.

وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.

فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.

قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.

فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟

فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله  فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.

وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.

﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

وقال رسول الله  في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.

ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.

فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.

قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله  بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.

ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.

تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.

وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.

فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله  يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .

وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله  ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك  ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.

وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.

وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله  لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله  الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.

وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه  ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.

ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله  عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .

وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.

ثم إنه  لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.

عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.

فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.

ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي  فنزلت.

ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.

وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.

وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.

وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.

وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.

والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.

وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.

وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.

قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.

فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله  بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.

والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه  أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.

وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.

وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.

ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله  ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم  ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله  وعلى رسله.

وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.

وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟

فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.

وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله  حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله  فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.

وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.

وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.

وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.

ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.

والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله  ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.

ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.

وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.

والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.

وفي التفسير الكبير أنه المال.

وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.

وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟

فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.

وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.

ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.

ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.

وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.

روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله  صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله  سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.

وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.

فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟

فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.

فرفعوا القصة إلى رسول الله  فأنزل الله  ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله  الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.

وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله  .

وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.

والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.

قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.

وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.

ثم إنه  ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.

و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.

وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.

ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ الآية مشكل.

فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.

ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.

وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟

فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.

وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.

وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.

وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.

وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.

وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.

ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى  واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله،  باتخاذ الصاحبة والولد.

وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.

ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.

وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.

﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.

وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.

﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله  برفعه إلى السماء.

﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.

واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.

وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله  .

وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.

وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟

ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه  حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟

وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.

ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟

ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.

ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟

يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.

قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.

وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.

وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.

وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية  ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.

قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.

وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب  ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله  فإنه يعطيكم.

وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.

وقرىء بالجزم جواباً للأمر.

كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.

والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.

وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.

فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.

وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.

اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.

وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.

وقيل: قردة.

وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.

﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.

واختلف في أن عيسى  سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.

أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.

وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه  وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.

روي أن عيسى  لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى  وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.

ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.

فقام عيسى  فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.

فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.

فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟

قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.

فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.

ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.

وقيل إن عيسى  كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.

والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى  نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.

﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.

قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى  وأمه مع القول بنفي إلهية الله  .

وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله  في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.

وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.

أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق  عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.

ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.

ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.

وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.

أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".

وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.

فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.

﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله  لا يغفر الشرك؟

والجواب أن قوله لعيسى  ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله  مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى  ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.

أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه  ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.

قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى  لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد  لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.

وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله  ﴿ يوم لا تملك  ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.

والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق  ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.

وفي هذا الكلام تصديق من الله  لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ {  م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.

﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.

واعلم أنه  افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!

وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن  مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد  ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.

وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله  أعلم بأسرار كتابه.

التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم  ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى  ﴾ وقال  : "أرنا الأشياء كما هي" .

وقال الخضر لموسى  ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء  ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني  ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.

وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.

﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.

﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.

﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.

فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.

﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.

﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.

﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.

﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.

﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.

﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.

إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.

ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.

﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال  "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته  أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟

﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.

ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

قال أهل التأويل: [بل] إنما يقولون ذلك؛ لفزعهم من هول ذلك اليوم وشدته، تطير قلوبهم، وتذهل أفئدتهم، فيقولون: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .

فلو كان ذلك منهم للهول والفزع على ما قاله أهل التأويل لكان لا يتهيأ لهم الإجابة، وقد قالوا: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ ؛ دل أنه لا لما ذكروا، ولكن للوجهين الآخرين، والله أعلم.

أحدهما: أن سألهم عن حقيقة إجابة قومهم لهم بالضمائر، أي: لم تطلعنا على علم الضمائر والغيوب، فأنت أعلم بذلك.

والثاني: أن أحدثوا أمورا وأبدعوها من دأب أنفسهم، فنسبوا ذلك إلى الرسل؛ كقوله -  -: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ  ﴾ كأنهم قالوا: إن عيسى -  - هو الذي دعاهم إلى ذلك، فيقول لهم: ماذا أجبتم؟

فقالوا: لا علم لنا فيما ادعوا علينا من الأمور التي أتوها، إنك أنت علام الغيوب بأنا لم نقل لهم، ولم نَدْعُهُمْ إلى ما ادَّعَوْا من الأمور.

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية، والله أعلم.

ومثل هذا السؤال لهم بما أخبر في آية أخرى: أنه يسألهم؛ كقوله: ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ  ﴾ يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج.

﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ وَٱلأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ بِإِذْنِيِ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ .

أما نعمه عليه ما ذكر على إثره: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً  وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ  ﴾ ، شهد في حال طفولته بوحدانية الله وربوبيته وإخلاص عبوديته له، وذلك من أعظم نعم الله عليه وأجل مننه، وما ذكره أيضاً: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي...

﴾ الآية.

إلى آخر ما ذكر من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكف بني إسرائيل عنه عند مجيء الآيات، وهو كقوله -  -: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ ففيه أعظم النعم عليه، وما ذكر - أيضاً - في بعض القصة - إن ثبت - أن عيسى لما دُفِعَ إلى الكُتَّابِ جعل المعلم يقول له: باسم، فيقول هو: باسم الله، وإذا قال المعلم: باسم الله، فيقول هو: الرحمن، وإذا قال: الرحمن، فيقول هو: الرحيم، فيقول المعلم: كيف أعلم من هو أعلم مني؟

ونحو هذا كثير مما يكثر ويطول ذكره، وأما ما أنعم الله على والدته هو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  ﴾ ، وما ذكر في قوله: ﴿ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ﴾ طهرها عن جميع ما تبلى به بنات آدم؛ فذلك من أعظم النعم، وأجل المنن، ثم أمر عيسى بشكر ما أنعم عليه وعلى والدته؛ حيث قال: ﴿ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ ﴾ وفي ذكر النعم شكرها، وأمر - أيضاً - بشكر ما أنعم على والدته ليعلم أن على المرء شكر ما أنعم على والدته، كما يلزم شكر ما أنعم على نفسه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: بروحه المبارك الذي أعطى في حال طفولته، به كان يدعو الناس إلى توحيد الله وعبادتهم له.

وقيل: إن روح القدس هو الدعاء المبارك الذي به كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص بدعائه.

وقال أهل التأويل: الروح: هو جبريل، والقدس هو الله؛ كقوله -  -: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ  ﴾ أي: جبريل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِوَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ قال الحسن: الكتاب والحكمة واحد، الكتاب هو الحكمة، والحكمة هي الكتاب؛ لأن جميع كتب الله كان حكمة.

وقال بعضهم: الكتاب: ما يكتب من العلم، والحكمة: هي ما يعطى الإنسان من العلم على غير تعلم.

وقال بعضهم: الكتاب: هو ما يحفظ، والحكمة هي الفقه، وهو واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي ﴾ .

قوله: ﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ ﴾ : أي: تصور وتقدر ﴿ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ ﴾ كان من عيسى التصوير والتقدير، وإلا كان التخليق من الله في الحقيقة؛ لأنه هو المنفرد به دون الخلق، غير أنه أجرى ذلك على يدي عيسى؛ ليكون له آية لصدقه ونبوته، وعلى ذلك الآيات التي يأتي بها الرسل، ليست الرسل يأتون بها في الحقيقة، بل كان الله هو الآتي بها، والمنشيء تلك الآيات حقيقة، لكنه يجريها على أيدي الرسل؛ لتكون آيات صدقهم، ودلالات رسالتهم، فأما أن يأتي الرسل بالآيات والحجج من عند أنفسهم فلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَخْلُقُ ﴾ ذكر التخليق؛ لما تسمي العرب تصوير الشيء وتقديره: تخليقاً؛ فعلى ذلك خرج الخطاب، وقد ذكرنا هذا فما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ ﴾ قيل: الأكمه: الذي يولد أعمى، وأما الأعمى فهو الذي يذهب بصره بعد ما كان بصيراً.

وقيل الأكمه: هو الذي لا حدقة له، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

قوله  : ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ والحواريون: قيل: هم خواصه، وكذلك أصحاب رسول الله  هم حواريوه، وقد ذكرنا هذا في سورة آل عمران [و] الاختلاف فيه.

ثم قوله: ﴿ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ ﴾ يحتمل الوحي إليهم وجهين: أحدهما: أنه أوحى إلى رسوله عيسى -  - فنسب ذلك إليهم وأضيف؛ لأن الوحي إلى عيسى كالوحي إليهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ  ﴾ وما أنزل علينا، وما أنزل على كذا ما أنزل إلى رسول الله كالمنزل إلينا، فعلى ذلك الوحي إلى عيسى هو كالوحي إليهم.

والثاني: أوحى إليهم وحي إلهام؛ كقوله: ﴿ وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ  ﴾ الآية، وقوله -  - ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ  ﴾ ونحوه، أنه وحي إلهام وقذف لا وحي إرسال، والقذف في القلب من غير تكلف ولا كسب، وهو الإخطار بالقلب على السرعة ﴿ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي ﴾ .

والخطر يكون من الله  ، ويكون من الشيطان، لكن ما يكون من الله  يكون خيراً، يتبين ذلك في آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أن قالوا لعيسى: واشهد أنت عند ربك بأننا مسلمون.

ويحتمل: أن سألوا ربهم: أن يكتبهم من الشاهدين؛ كقوله -  -: ﴿ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: إن قوماً من غير الحواريين سألوا الحواريين أن يسألوا عيسى -  - حتى يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ لأن الحواريين قد قلنا: إنهم كانوا خواص عيسى -  - فكان كمن بدت له حاجة إلى بعض الملوك؛ فإنه إنما يرفع أولا إلى خواصه؛ فهم الذين يتولون رفعها إلى الملك؛ فعلى ذلك رفعوا حاجتهم إلى الحواريين؛ ليسألوا هم نبي الله عيسى -  - ليسأل ربه.

وقال آخرون: لم يسألوا قومهم ذلك؛ ولكن الحواريين هم الذين سألوا عيسى -  - أن يسأل ربه حتى ينزل عليهم مائدة [من السماء]، لكن سؤالهم ذلك يحتمل وجوها: [الأول]: يحتمل سألوا ذلك؛ لما أرادوا أن يشاهدوا الآية، ولم يكونوا شاهدوا قبل ذلك؛ فاحبّوا أن يشاهدوها، وإن كانوا قد آمنوا به وصدقوه من قبل؛ ليزداد لهم بذلك طمأنينة ويقيناً، وهو كقول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي  ﴾ لما يحتمل أن نفسه كانت تحدث وتنازع في ذلك، وأحب أن يعاين ذلك ويشاهده؛ ليزداد له طمأنينة ويقيناً فعلى ذلك أولئك كانت أنفسهم تحدث وتنازع في مشاهدة الآيات؛ فأحبوا أن يريهم بذلك؛ ليزداد لهم طمأنينة ويقيناً وصلابة في التصديق، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن يكون عيسى يخبرهم أن لهم كرامة ومنزلة عند الله ؛ فأحبوا أن يعرفوا منزلتهم عند الله وكرامتهم.

والثالث: سألوا ذلك؛ ليعرفوا منزلة عيسى -  - عند الله وكرامته: هل يجيب ربه دعاءه إذا سأل ربه؟

والله أعلم.

وإن كان السؤال من قوم [غير] الحواريين؛ فهو لما بدت لهم من الحاجة إليها، [و] لا نعلم ذلك إلا بالخبر الصادق.

وقوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ يقرأ بالياء والتاء جميعاً: فمن قرأ بالتاء ذهب في التأويل إلى أن فيه إضماراً؛ كأنهم قالوا: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء.

ومن قرأ بالياء قال: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ ، أي: هل يجيب ربُّك دعاءك إذا دعوته أن ينزل علينا مائدة من السماء.

قال الفراء: قد يكون مثل هذا السؤال على غير الجهل من السائل بالمسئول؛ لأنه يجوز أن يقال في الكلام: هل يستطيع فلان أن يقوم في حاجتنا وفي أمرنا، على علم منه أنه يستطيع، ولكنه يسأل عنه: أيفعل أم لا؟

وذلك جائز في العربية؛ ألا ترى أن قراءة من قرأ بالتاء - وهو ابن عباس وعائشة: (هل تستطيع ربك) - على علم منهم أن عيسى يستطيع السؤال لربه؟!

لكنهم قالوا ذلك لما ذكرنا، وذلك جائز في اللغة.

ويجوز أن يراد بالاستطاعة: الإرادة، يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، وهو يقدر النظر، لكنه يريد بذلك: لا أريد أن أنظر إليه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ﴾ : هل يأذن لك ربُّك بالسؤال في ذلك، والله أعلم.

وقوله: - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: اتقوا الله، [و] لا تسألوا شيئاً لم يأذن لكم في ذلك ﴿ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ .

[قوله: ﴿ وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا ﴾ يدل على أنهم سألوا ذلك؛ لما كانت تحدث أنفسهم وتنازع في مشاهدة الآيات ومعاينتها، وإن كانوا صدقوا عيسى -  - فيما يقول لهم ويخبر عن الله؛ للمعنى الذي ذكرنا في إبراهيم  ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ﴾ .

اختلف في تلاوته وفي تأويله: قال بعضهم بالنصب ﴿ نعلم ﴾ ، فهي القراءة الظاهرة المشهورة، ومعناه: وأن نعلم ما قد صدقتنا.

والثاني: أن العلم بالشيء من جهة الخبر ربما يعترض الوساوس والشبه؛ فطلبوا آية من جهة الحس والعيان؛ ليكون ذلك أدفع لما يعترض من الشبه والوساوس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ .

أي: نكون عليها لمن أنكرها من الشاهدين: أنها نزلت.

قوله  : ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ .

أي: طعاماً دائماً.

قال بعضهم: قوله ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً ﴾ ، أي: مجتمعاً، وسمى يوم العيد؛ لاجتماع الخلق.

ثم قيل: نزلت يوم الأحد؛ فجعلوا ذلك اليوم يوم عيدهم.

ثم اختلف في نزول المائدة: قال الحسن: لم تنزل المائدة؛ لأنه سأل أن تكون لنا عيداً لأولنا وآخرنا، ونحن من آخرهم، فلم يكن لنا ما ذكر.

والثاني: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ وقد كفر منهم، ثم لم يظهر أنه عذبهم عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقال بعضهم: ليس فيه دلالة أنها لم تنزل؛ لأنه يجوز أن يكون قوله: ﴿ تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا ﴾ ما لم يأت النسخ، فكان لهم ذلك إلى أن بعث [نبيُّنا] محمد  فنسخ ذلك بيوم الجمعة.

وقالوا: قوله: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ذكر في بعض القصة أن من كفر منهم بعد ذلك مسخهم خنازير، فذلك تعذيب لم يعذبه أحداً من العالمين.

وقيل: يحتمل قوله -  -: ﴿ فَإِنِّيۤ أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ في الآخرة، والله أعلم بذلك كله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فاستجاب الله دعاء عيسى -  -، وقال: إني مُنَزِّلٌ هذه المائدة التي طلبتم إنزالها عليكم، فمن كفر بعد إنزالها فلا يلومن إلا نفسه، فسأعذبه عذابًا شديدًا لا أعذبه أحدًا؛ لأنه شاهد الآية الباهرة، فكان كفره كفر عناد، وحقَّقَ الله لهم وعده فأنزلها عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.kxqjO"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد