الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١١٨ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 115 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله ، عز وجل ، فإنه الفعال لما يشاء ، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله ، وعلى رسوله ، وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ، وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب ، وقد ورد في الحديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام بها ليلة حتى الصباح يرددها .
قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن فضيل ، حدثني فليت العامري ، عن جسرة العامرية ، عن أبي ذر ، - رضي الله عنه - ، قال : صلى رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - - ليلة فقرأ بآية حتى أصبح ، يركع بها ويسجد بها : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فلما أصبح قلت : يا رسول الله ، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟
قال : " إني سألت ربي ، عز وجل ، الشفاعة لأمتي ، فأعطانيها ، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئا " .
طريق أخرى وسياق آخر : قال أحمد : حدثنا يحيى ، حدثنا قدامة بن عبد الله ، حدثتني جسرة بنت دجاجة : أنها انطلقت معتمرة ، فانتهت إلى الربذة ، فسمعت أبا ذر يقول : قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة من الليالي في صلاة العشاء ، فصلى بالقوم ، ثم تخلف أصحاب له يصلون ، فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله ، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى ، فجئت فقمت خلفه ، فأومأ إلي بيمينه ، فقمت عن يمينه .
ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه ، فأومأ إليه بشماله ، فقام عن شماله ، فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه ، ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلو .
وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة .
فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود : أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟
فقال ابن مسعود بيده : لا أسأله عن شيء حتى يحدث إلي ، فقلت : بأبي أنت وأمي ، قمت بآية من القرآن ومعك القرآن ، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه ، قال : " دعوت لأمتي " .
قلت : فماذا أجبت؟
- أو ماذا رد عليك؟
- قال : " أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة " .
قلت : أفلا أبشر الناس؟
قال : " بلى " .
فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر .
فقال عمر : يا رسول الله ، إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة .
فناداه أن ارجع فرجع ، وتلك الآية : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) وقال ابن أبي حاتم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن بكر بن سوادة حدثه ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تلا قول عيسى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فرفع يديه فقال : " اللهم أمتي " .
وبكى ، فقال الله : يا جبريل ، اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله : ما يبكيه؟
فأتاه جبريل ، فسأله ، فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قال ، فقال الله : يا جبريل ، اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا ابن هبيرة أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول : حدثني سعيد بن المسيب ، سمعت حذيفة بن اليمان يقول : غاب عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما فلم يخرج ، حتى ظننا أن لن يخرج ، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها ، فلما رفع رأسه قال : " إن ربي ، عز وجل ، استشارني في أمتي : ماذا أفعل بهم؟
فقلت : ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك .
فاستشارني الثانية ، فقلت له كذلك ، فقال : لا أخزيك في أمتك يا محمد ، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفا ، مع كل ألف سبعون ألفا ، ليس عليهم حساب ، ثم أرسل إلي فقال : ادع تجب ، وسل تعط " .
فقلت لرسوله : أومعطي ربي سؤلي؟
قال : ما أرسلني إليك إلا ليعطيك ، ولقد أعطاني ربي ولا فخر ، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ، وأنا أمشي حيا صحيحا ، وأعطاني ألا تجوع أمتي ولا تغلب ، وأعطاني الكوثر ، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي ، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا ، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة ، وطيب لي ولأمتي الغنيمة ، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا ، ولم يجعل علينا في الدين من حرج " .
القول في تأويل قوله : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنْ تعذب هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، بإماتتك إياهم عليها =" فإنهم عبادك "، مستسلمون لك, لا يمتنعون مما أردت بهم، ولا يدفعون عن أنفسهم ضرًّا ولا أمرًا تنالهم به =" وإن تغفر لهم "، بهدايتك إياهم إلى التوبة منها، فتستر عليهم =" فإنك أنت العزيز "، (26) في انتقامه ممن أراد الانتقام منه، لا يقدر أحدٌ يدفعه عنه =" الحكيم "، في هدايته من هدى من خلقه إلى التوبة، وتوفيقه من وفَّق منهم لسبيل النجاة من العقاب، كالذي:- 13037 - حثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم " ، فتخرجهم من النصرانية، وتهديهم إلى الإسلام =" فإنك أنت العزيز الحكيم " .
وهذا قول عيسى في الدنيا.
13038 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " ، قال: والله ما كانوا طعَّانين ولا لعَّانين.
-------------------------- الهوامش : (26) انظر تفسير"العباد" ، و"المغفرة" ، و"العزيز" ، و"الحكيم" فيما سلف من فهارس اللغة (عبد) ، (غفر) ، (عزز) ، (حكم).
قوله تعالى : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيمقوله تعالى : إن تعذبهم فإنهم عبادك شرط وجوابه وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم مثله روى النسائي عن أبي ذر قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية ليلة حتى أصبح ، والآية : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم واختلف في تأويله فقيل : قاله على وجه الاستعطاف لهم ، والرأفة بهم ، كما يستعطف السيد لعبده ; ولهذا لم يقل : فإنهم عصوك ، وقيل : قاله على وجه التسليم لأمره والاستجارة من عذابه ، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر ، وقيل الهاء والميم في إن تعذبهم لمن مات منهم على الكفر ، والهاء والميم في وإن تغفر لهم لمن تاب منهم قبل الموت ; وهذا حسن ، وأما قول من قال : إن عيسى عليه السلام لم يعلم أن الكافر لا يغفر له فقول مجترئ على كتاب الله عز وجل ; لأن الأخبار من الله عز وجل لا تنسخ .
وقيل : كان عند عيسى أنهم أحدثوا معاصي ، وعملوا بعده بما لم يأمرهم به ، إلا أنهم على عمود دينه ، فقال : وإن تغفر لهم ما أحدثوا بعدي من المعاصي ، وقال : فإنك أنت العزيز الحكيم ولم يقل : فإنك أنت الغفور الرحيم على ما تقتضيه القصة من التسليم لأمره ، والتفويض لحكمه .
ولو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم لأوهم الدعاء بالمغفرة لمن مات على شركه وذلك مستحيل ; فالتقدير إن تبقهم على كفرهم [ ص: 292 ] حتى يموتوا وتعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تهدهم إلى توحيدك وطاعتك فتغفر لهم فإنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليك ما تريده ; الحكيم فيما تفعله ; تضل من تشاء وتهدي من تشاء ، وقد قرأ جماعة : " فإنك أنت الغفور الرحيم " وليست من المصحف .
ذكره القاضي عياض في كتاب " الشفا " وقال أبو بكر الأنباري : وقد طعن على القرآن من قال إن قوله : إنك أنت العزيز الحكيم ليس بمشاكل لقوله : وإن تغفر لهم لأن الذي يشاكل المغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم ، والجواب أنه لا يحتمل إلا ما أنزله الله ومتى نقل إلى الذي نقله إليه ضعف معناه ; فإنه ينفرد الغفور الرحيم بالشرط الثاني فلا يكون له بالشرط الأول تعلق ، وهو على ما أنزله الله عز وجل ، واجتمع على قراءته المسلمون مقرون بالشرطين كليهما أولهما وآخرهما ; إذ تلخيصه إن تعذبهم فإنك أنت عزيز حكيم ، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم في الأمرين كليهما من التعذيب والغفران ، فكان العزيز الحكيم أليق بهذا المكان لعمومه ; فإنه يجمع الشرطين ، ولم يصلح الغفور الرحيم إذ لم يحتمل من العموم ما احتمله العزيز الحكيم ، وما شهد بتعظيم الله تعالى وعدله والثناء عليه في الآية كلها والشرطين المذكورين أولى وأثبت معنى في الآية مما يصلح لبعض الكلام دون بعض .
خرج مسلم من غير طريق عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قوله عز وجل في إبراهيم رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقال عيسى عليه السلام : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فرفع يديه وقال : اللهم أمتي وبكى فقال الله عز وجل : ( يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك ) فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم .
فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) وقال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير ومعناه ، إن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك ، ووجه الكلام على نسقه أولى لما بيناه ، وبالله التوفيق .
{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } وأنت أرحم بهم من أنفسهم وأعلم بأحوالهم، فلولا أنهم عباد متمردون لم تعذبهم.
{ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } أي: فمغفرتك صادرة عن تمام عزة وقدرة، لا كمن يغفر ويعفو عن عجز وعدم قدرة.
الحكيم حيث كان من مقتضى حكمتك أن تغفر لمن أتى بأسباب المغفرة.
قوله تعالى : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) فإن قيل كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار ، وكيف قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة ، قيل : أما الأول فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان وهذا يستقيم على قول السدي : إن هذا السؤال قبل يوم القيامة لأن الإيمان لا ينفع في القيامة .
وقيل : هذا في فريقين منهم ، معناه : إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن منهم .
وقيل : ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده .
وأما السؤال الثاني : فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ، وكذلك هو في مصحفه ، وأما على القراءة المعروفة قيل فيه تقديم وتأخير تقديره : إن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم .
وقيل : معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في الملك الحكيم في القضاء لا ينقص من عزك شيء ، ولا يخرج من حكمك شيء ، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار ، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم : " رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني " ، الآية .
وقول عيسى عليه السلام : " إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " فرفع يديه وقال : اللهم أمتي وبكى فقال الله عز وجل : يا جبريل اذهب إلى محمد ، - وربك أعلم - فسله ما يبكيه؟
فأتاه جبريل فسأله ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال ، فقال الله تعالى : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل : إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك " .
«إن تعذبهم» أي من أقام على الكفر فيهم «فإنهم عبادك» وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك «وإن تغفر لهم» أي لمن آمن منهم «فإنك أنت العزيز» الغالب على أمره «الحكيم» في صنعه.
إنك يا ألله إن تعذبهم فإنهم عبادك -وأنت أعلم بأحوالهم-، تفعل بهم ما تشاء بعدلك، وإن تغفر برحمتك لمن أتى منهم بأسباب المغفرة، فإنك أنت العزيز الذي لا يغالَبُ، الحكيم في تدبيره وأمره.
وهذه الآية ثناء على الله -تعالى- بحكمته وعدله، وكمال علمه.
وبعد أن أجاب عيسى على سؤال ربه تلك الإِجابة الموفقة .
فوض الأمر إليه - سبحانه - في شأن قومه .
فقال - كما حكى القرآن عنه ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ) .أي : إن تعذب - يا إلهي - قومي ، فإنك تعذب عبادك الذين خلقتهم بقدرتك ، والذين تملكهم ملكا تاما ، والاعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بمملوكه .
وإن تغفر لهم ، وتستر سيئاتهم وتصفح عنهم فذلك إليك وحدك ، لأن صفحك عمن تشاء من عبادك هو صفح القوي القاهر الغالب الذي لا يعجزه شيء .
والذي يضع الأمور في مواضعها بمقتضى بحكمته السامية وقد قال بعض المفسرين هنا : كيف جاز لعيسى أن يقول : ( وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ) والله - تعالى - لا يغفر أن يشرك به؟وقد أجاب عن ذلك الإِمام القرطبي بقوله : قول عيسى ( وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ) قاله على وجه الاستعطاف لهم ، والرأفة بهم ، كما يستعطف السيد لعبده ، ولهذا لم يقل : فإنهم عصوك .
وقيل قاله على وجه التسليم لأمره ، والاستجارة من عذابه ، وهو يعلم أنه لا يغفر لكافر وقيل .
الهاء والميم في ( إِن تُعَذِّبْهُمْ ) أي : من أقام على الكفر منهم ( فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ) وأنت مالكهم تتصرف فيهم كيف شئت لا اعتراض عليك ( وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ) أي : لمن آمن منهم ( فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ) الغالب على أمره ( الحكيم ) في صنعه .ومع وجاهة هذا الوجه فإننا نرى أن الآية الكريمة حكاية للتفويض المطلق الذي فوضه عيسى إلى ربه - سبحانه - في شأن قومه ولهذا قال ابن كثير :هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله - تعالى - فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .
ويتضمن التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وكذبوا على رسوله ، وجعلوا لله ندا وصاحبه وولدا .وهذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب ، وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة حتى الصباح يرددها .فقد روى الإِمام أحمد عن أبي ذر قال : " صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة : فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ) الآية فلما أصبح قلت : يا رسول الله ألم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟
قال : إني سألت ربي - عز وجل .
الشفاعة لأمتي فأعطانيها - وهي نائلة - إن شاء الله - لمن لا يشرك بالله شيئا " .وبعد أن حكى القرآن الكريم ما رد به عيسى عليه السلام - على قول ربه وخالقه - سبحانه - ( أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ) وقد تضمن هذا الرد - كام سبق أن بينا - التنزيه المطلق لله - تعالى - ، والنفي التام لأن يكون عيسى قد قال هذا القول .
فيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية ظاهر، وفيه سؤال: وهو أنه كيف جاز لعيسى عليه السلام أن يقول: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ والله لا يغفر الشرك.
والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال لعيسى عليه السلام: ﴿ أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ علم أن قوماً من النصارى حكوا هذا الكلام عنه، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً حيث كذب في هذه الحكاية وغفران الذنب جائز، فلهذا المعنى: طلب المغفرة من الله تعالى، والثاني: أنه يجوز على مذهبنا من الله تعالى أن يدخل الكفار الجنة وأن يدخل الزُّهّاد والعُبّاد النار، لأن الملك ملكه ولا اعتراض لأحد عليه، فذكر عيسى هذا الكلام ومقصوده منه تفويض الأمور كلها إلى الله، وترك التعرض والاعتراض بالكلية، ولذلك ختم الكلام بقوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ يعني أنت قادر على ما تريد، حكيم في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، فمن أنا والخوض في أحوال الربوبية، وقوله إن الله لا يغفر الشرك فنقول: غفرانه جائز عندنا، وعند جمهور البصريين من المعتزلة قالوا: لأن العقاب حق الله على المذنب وفي إسقاطه منفعة للمذنب، وليس في إسقاطه على الله مضرة، فوجب أن يكون حسناً بل دلّ الدليل السمعي في شرعنا على أنه لا يقع، فلعل هذا الدليل السمعي ما كان موجوداً في شرع عيسى عليه السلام.
الوجه الثالث: في الجواب أن القوم قالوا هذا الكفر فعيسى عليه السلام جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه، فقال: ﴿ إن تعذبهم ﴾ علمت أن أولئك المعذبين ماتوا على الكفر فلك أن تعذبهم بسبب أنهم عبادك، وأنت قد حكمت على كل من كفر من عبادك بالعقوبة، وإن تغفر لهم علمت أنهم تابوا عن الكفر، وأنت حكمت على من تاب عن الكفر بالمغفرة.
الوجه الرابع: أنا ذكرنا أن من الناس من قال: إن قول الله تعالى لعيسى ﴿ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله ﴾ إنما كان عند رفعه إلى السماء لا في يوم القيامة، وعلى هذا القول فالجواب سهل لأن قوله: ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ يعني إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وان أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، وغفرت لهم ما سلف منهم فلك أيضاً ذاك، وعلى هذا التقدير فلا إشكال.
المسألة الثانية: احتج بعض الأصحاب بهذه الآية على شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم في حق الفساق قالوا: لأن قول عيسى عليه السلام ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ ليس في حق أهل الثواب لأن التعذيب لا يليق بهم، وليس أيضاً في حق الكفار لأن قوله: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ لا يليق بهم فدل على أن ذلك ليس إلا في حق الفساق من أهل الإيمان، وإذا ثبت شفاعة الفساق في حق عيسى عليه السلام ثبت في حق محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى لأنه لا قائل بالفصل.
المسألة الثالثة: روى الواحدي رحمه الله أن في مصحف عبد الله: ﴿ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ سمعت شيخي ووالدي رحمه الله يقول: ﴿ العزيز الحكيم ﴾ هاهنا أولى من الغفور الرحيم، لأن كونه غفوراً رحيماً يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة لكل محتاج، وأما العزة والحكمة فهما لا يوجبان المغفرة، فإن كونه عزيزاً يقتضي أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأنه لا اعتراض عليه لأحد فإذا كان عزيزاً متعالياً عن جميع جهات الاستحقاق، ثم حكم بالمغفرة كان الكرم هاهنا أتم مما إذا كان كونه غفوراً رحيماً يوجب المغفرة والرحمة، فكانت عبارته رحمه الله أن يقول: عز عن الكل.
ثم حكم بالرحمة فكان هذا أكمل.
وقال قوم آخرون: إنه لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه شفيعاً لهم، فلما قال: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه.
<div class="verse-tafsir"
(أن) في قوله ﴿ أَنِ اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة لم يكن لها بدّ من مفسر.
والمفسر إما فعل القول وإما فعل الأمر، وكلاهما لا وجه له.
أما فعل القول فيحكى بعده الكلام من غير أن يتوسط بينهما حرف التفسير، لا تقول: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله.
ولكن: ما قلت لهم إلا اعبدوا الله.
وأما فعل الأمر، فمسند إلى ضمير الله عزّ وجلّ.
فلو فسرته باعبدوا الله ربي وربكم لم يستقم؛ لأن الله تعالى لا يقول: اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها موصولة بالفعل لم تخل من أن تكون بدلاً من ما أمرتني به، أو من الهاء في به، وكلاهما غير مستقيم: لأن البدل هو الذي يقوم مقام المبدل منه.
ولا يقال: ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، بمعنى ما قلت لهم إلا عبادته؛ لأن العبادة لا تقال.
وكذلك إذا جعلته بدلاً من الهاء لأنك لو أقمت (أن اعبدوا الله) مقام الهاء، فقلت: إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله، لم يصح، لبقاء الموصول بغير راجع إليه من صلته.
فإن قلت: فكيف يصنع؟
قلت: يحمل فعل القول على معناه؛ لأن معنى (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به).
ما أمرتهم إلا بما أمرتني به، حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم.
ويجوز أن تكون (أن) موصولة عطف بيان للهاء لا بدلاً ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ رقيباً كالشاهد على المشهود عليه، أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويتدينوا به ﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأنزلت عليهم من البينات، وأرسلت إليهم من الرسل ﴿ إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الذين عرفتهم عاصين جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز ﴾ القوي القادر على الثواب والعقاب ﴿ الحكيم ﴾ الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.
فإن قلت: المغفرة لا تكون للكفار فكيف قال: (وإن تغفر لهم)؟
قلت: ما قال إنك تغفر لهم، ولكنه بنى الكلام على: إن غفرت، فقال: إن عذبتهم عدلت، لأنهم أحقاء بالعذاب، وإن غفرت لهم مع كفرهم لم تعدم في المغفرة وجه حكمة لأن المغفرة حسنة لكل مجرم في المعقول، بل متى كان الجرم أعظم جرماً كان العفو عنه أحسن.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا راجِعٍ، أوْ خَبَرُ مُضْمَرٍ أوْ مَفْعُولُهُ مِثْلُ هو أوْ أعْنِي، ولا يَجُوزُ إبْدالُهُ مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ فَإنَّ المَصْدَرَ لا يَكُونُ مَفْعُولَ القَوْلِ ولا أنْ تَكُونَ أنْ مُفَسِّرَةً لِأنَّ الأمْرَ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم والقَوْلُ لا يُفَسَّرُ بَلِ الجُمْلَةُ تُحْكى بَعْدَهُ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ القَوْلُ بِالأمْرِ فَكَأنَّ قِيلَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ.
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أيْ رَقِيبًا عَلَيْهِمْ أمْنَعُهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ويَعْتَقِدُوهُ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ.
﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ لِقَوْلِهِ: ﴿ إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ ﴾ والتَّوَفِّي أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها ﴾ ﴿ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ المُراقِبَ لِأحْوالِهِمْ فَتَمْنَعُ مَن أرْدْتَ عِصْمَتَهُ مِنَ القَوْلِ بِهِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ.
﴿ وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مُراقِبٌ لَهُ.
﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ أيْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ تُعَذِّبُ عِبادَكَ ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُ بِمُلْكِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ.
﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ فَلا عَجْزَ ولا اسْتِقْباحَ فَإنَّكَ القادِرُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ.
وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ بِمُقْتَضى الوَعِيدِ فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيَمْنَعَ التَّرْدِيدَ والتَّعْلِيقَ بِأنْ.
<div class="verse-tafsir"
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم} قال الزجاج علم عيسى عليه السلام أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر فقال في جملتهم إن تعذبهم أي إن تعذب من كفر منهم فإنهم عبادك الذين علمتهم جاحدين لآياتك مكذبين لأنبيائك وأنت العادل في ذلك فإنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم وإن تغفر لهم أي لمن أقلع منهم وآمن فذلك تفضل منك وأنت عزيز لا يمتنع عليك ما تريد حكيم في ذلك أو
المائدة (١١٩ _ ١٢٠)
عزير قوي قادر على الثواب حكيم لا يعاقب إلا عن حكمة وصواب
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ عَلى مَعْنى إنْ تُعَذِّبْهم لَمْ يَلْحَقْكَ بِتَعْذِيبِهِمُ اعْتِراضٌ لِأنَّكَ المالِكُ المُطْلَقُ لَهم ولا اعْتِراضَ عَلى المالِكِ المُطْلَقِ فِيما يَفْعَلُهُ بِمُلْكِهِ، وقِيلَ: عَلى مَعْنى (إنْ تُعَذِّبْهُمْ) لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ مِنهم عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهم عِبادُكَ الأرِقّاءِ في أسْرِ مُلْكِكَ وماذا تَبْلُغُ قُدْرَةُ العَبْدِ في جَنْبِ قُدْرَةِ مالِكِهِ، وقِيلَ: المَعْنى إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِأنَّهم عِبادُكَ وقَدْ عَبَدُوا غَيْرَكَ وخالَفُوا أمْرَكَ وقالُوا ما قالُوا، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو بَعِيدٌ عَنِ النَّظْمِ، نَعَمْ لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في النَّظْمِ إشارَةٌ إلَيْهِ ﴿ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ 811 - أيْ فَإنْ تَغْفِرْ لَهم ما كانَ مِنهم لا يَلْحَقُكَ عَجْزٌ بِذَلِكَ ولا اسْتِقْباحٌ فَإنَّكَ القَوِيُّ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المُقَدَّراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الثَّوابُ والعِقابُ (الحَكِيمُ) الَّذِي لا يُرِيدُ ولا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةً، والمَغْفِرَةُ لِلْكافِرِ لَمْ يُعْدَمْ فِيها وجْهُ حِكْمَةٍ لِأنَّ المَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ في المَعْقُولِ بَلْ مَتى كانَ المُجْرِمُ أعْظَمَ جُرْمًا كانَ العَفْوُ عَنْهُ أحْسَنَ لِأنَّهُ أُدْخِلَ في الكَرَمِ وإنْ كانَتِ العُقُوبَةُ أحْسَنُ في حُكْمِ الشَّرْعِ مِن جِهاتٍ أُخَرَ، وعَدَمُ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ بِحُكْمِ النَّصِّ والإجْماعِ لا لِلِامْتِناعِ الذّاتِيِّ فِيهِ لِيَمْتَنِعَ التَّرْدِيدُ والتَّعْلِيقُ بِـ(إنْ) وقَدْ نَقَلَ الإمامُ أنَّ غُفْرانَ الشِّرْكِ عِنْدَنا جائِزٌ.
وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ تَعالى عَلى المُذْنِبِ ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ مَضَرَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ مَعْنى الآيَةِ إنْ تُعَذِّبْهم فَتُمِيتَهم بِنَصْرانِيَّتِهِمْ فَيَحِقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَتُخْرِجَهم مِنَ النَّصْرانِيَّةِ وتَهْدِيهِمْ إلى الإسْلامِ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ وهَذا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا اهـ ولا يَخْفى أنَّهُ مُخالِفٌ لِما يَقْتَضِيهِ السِّباقُ والسِّياقُ، وقِيلَ: التَّرْدِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْقَتَيْنِ والمَعْنى إنْ تُعَذِّبْهم أيْ مَن كَفَرَ مِنهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم وتَعْفُ عَمَّنَ آمَنَ مِنهم فَإنَّكَ إلَخْ وهو بَعِيدٌ جِدًّا، وظاهِرُ ما قالُوهُ أنَّهُ لَيْسَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وإنْ تَغْفِرْ إلَخْ تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ المَغْفِرَةِ وإنَّما هو لِإظْهارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ، ولِذا قالَ سُبْحانَهُ (العَزِيزُ الحَكِيمُ) دُونَ الغَفُورِ الرَّحِيمِ مَعَ اقْتِضاءِ الظّاهِرِ لَهُما، وما جاءَ في الأخْبارِ مِمّا أخْرَجَهُ أحْمَدُ في المُصَنَّفِ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ لَيْلَةً فَقَرَأ بِالآيَةِ حَتّى أصْبَحَ يَرْكَعُ بِها ويَسْجُدُ بِها ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ إلَخْ فَلَمّا أصْبَحَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ حَتّى أصْبَحْتَ قالَ: إنِّي سَألْتُ رَبِّي سُبْحانَهُ الشَّفاعَةَ فَأعْطانِيها وهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ تَعالى شَيْئًا» وما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وابْنُ أبِي الدُّنْيا في حُسْنِ الظَّنِّ.
والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ.
وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ”«أنَّ النَّبِيَّ تَلا قَوْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ في عِيسى بْنِ مَرْيَمَ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ إلَخْ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وبَكى فَقالَ اللَّهُ جَلَّتْ رَحْمَتُهُ: يا جِبْرائِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إنّا سَنُقِرُّ عَيْنَكَ في أُمَّتِكَ وما نَسُوءُكَ“» وما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ”قُلْتُ لِلنَّبِيِّ : بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ قُمْتَ اللَّيْلَةَ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ يَعْنِي بِها هَذِهِ الآيَةَ ومَعَكَ قُرْآنٌ لَوْ فَعَلَ هَذا بَعْضُنا وجَدْنا عَلَيْهِ قالَ: دَعَوْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ لِأُمَّتِي قالَ: فَماذا أُجِبْتَ؟
قالَ: أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ اطَّلَعَ كَثِيرٌ مِنهم عَلَيْهِ تَرَكُوا الصَّلاةَ قُلْتُ: أفَلا أُبَشِّرُ النّاسَ؟
قالَ: بَلى فَقالَ عُمْرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ إنْ تَبْعَثْ إلى النّاسِ بِهَذا يَتَّكِلُوا ويَدَعُوا العِبادَةَ فَناداهُ أنِ ارْجِعْ فَرَجَعَ“» لا يَقُومُ دَلِيلًا عَلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ إذْ لا يَبْعُدُ مِنهُ الدُّعاءُ لِأُمَّتِهِ وطَلَبُ الشَّفاعَةِ لَهم بِهَذا النَّظْمِ لَكِنْ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ اقْتَبَسَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ مُؤَدِّيًا بِهِ مَقْصُودَهُ الَّذِي أرادَ ولَيْسَ ذَلِكَ أوَّلَ اقْتِباسٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ دُعاءَ التَّوَجُّهِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ والصَّلاةُ لا تُنافِي الدُّعاءَ، وما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ومَن مَعَهُ لَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن أنَّ ما ذُكِرَ آثارُ كَأمْنِ شَفَقَتِهِ عَلى أُمَّتِهِ فَدَعا لَهم بِما دَعا وذَلِكَ لا يَتَوَقَّفُ عَلى أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا لِسُؤالِ المَغْفِرَةِ لِلْكافِرِ، ثُمَّ أنَّ العُلَماءَ في بَيانِ سِرِّ ذِكْرِ ذَيْنِكَ الِاسْمَيْنِ الجَلِيلَيْنِ في الآيَةِ كَلامًا طَوِيلًا حَيْثُ أشْكَلَ وجْهُ مُناسَبَتِهِما لِسِياقِ ما قَرَنّا بِهِ حَتّى حُكِيَ عَنْ بَعْضِ القُرّاءِ أنَّهُ غَيَّرَهُما لِسَخافَةِ عَقْلِهِ فَكانَ يَقْرَأُ فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ إلى أنْ حُبِسَ وضُرِبَ سَبْعَ دُرَرٍ، ووَقْعَ لِبَعْضِ الطّاعِنِينَ في القُرْآنِ مِنَ المَلاحِدَةِ أنَّ المُناسِبَ ما وقَعَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الغَفُورُ) كَما نَقَلَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وقَدْ عَلِمْتَ أحَدَ تَوْجِيهاتِهِمْ لِذَلِكَ وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَهُما مِن بابِ الِاحْتِراسِ لِأنَّ تَرْكَ عِقابِ الجانِي قَدْ يَكُونُ لِعَجْزٍ في القُدْرَةِ أوْ لِإهْمالٍ يُنافِي الحِكْمَةَ فَدَفَعَ تَوَهُّمَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِما، وفي أمالِي العِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ أنَّ (العَزِيزُ) مَعْناهُ هُنا الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ، والمَعْنى وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ الَّذِي لا نَظِيرَ لَكَ في غُفْرانِكَ وسِعَةِ رَحْمَتِكَ، وأنْتَ أوْلى مَن رَحِمَ وأجْدَرُ مَن غَفَرَ وسَتَرَ (الحَكِيمُ) الَّذِي لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا في مُسْتَحِقِّهِ وهم مُسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ لِفَضْلِكَ وضَعْفِهِمْ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ في الآيَةِ تَعْرِيضًا بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ ولا أظُنُّكَ تَقُولُ بِهِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُما مُتَعَلِّقانِ بِالشَّرْطَيْنِ لا بِالثّانِي فَقَطْ، وحِينَئِذٍ وجْهُ مُناسَبَتِهِما لا سُتْرَةَ عَلَيْهِ فَإنَّ مَن لَهُ الفِعْلُ والتَّرْكُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وذُكِرَ أنَّ هَذا أنْسَبُ وأدَقُّ وألْيَقُ بِالمَقامِ <div class="verse-tafsir"
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني: يوم القيامة أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي روى أسباط عن السدي قال: لما رفع عيسى، وقالت النصارى ما قالت.
وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، سأله عن قولهم.
وقال الضحاك: يدعى بعيسى يوم القيامة، ويدعى بالنصارى، فيقفهم، ويسأله ليفضحهم على رؤوس الناس.
وقال الزجاج: هو سؤال التوبيخ للذين اعتدوا عليهم، لأنهم مجمعون أنه صادق وأنه لا يكذبهم الصادق عنده.
وذلك أوكد في الحجة عليهم وأبلغ في التوبيخ.
والتوبيخ ضرب من العقوبة.
ويقال: إن الله تعالى لما قال لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أخذته الرّعدة من هيبة ذلك القول حتى سمع صوت عظامه في نفسه قالَ سُبْحانَكَ فنزُّه الرب عن ذلك، أن يكون أمرهم بذلك.
فقال: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ يقول: ما ينبغي وما يجوز لى أَنْ أَقُولَ مَا ليس لى بحق.
يعني: ليس بعدل أن يعبدوا غيرك إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ يعني: إن قلت لهم ذلك القول فَقَدْ عَلِمْتَهُ فإنك تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي يعني: ما كان مني في الدنيا وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ يعني: ولا أطلع على غيبك وما كان منك.
وقال أهل اللغة: نفس الشيء: جملة الشيء، وحقيقته، وذاته فمعناه: تعلم ما في ضميري، وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِى حقيقتك وغيبك.
إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون.
وقيل: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي التي نسبت إلي، وأمرتني بالتسليم إليك.
وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ التي سلمت إليك، فأنت مالكها بجميع ما كان وما يكون منها، وأنت علام الغيوب قبل كونها وكون فعلها.
قرأ حمزة: الْغُيُوبِ بكسر الغين ومعناهما واحد.
وقرأ نافع وعاصم وابن عامر: إِنِّي مُنَزِّلُها بالتشديد.
وقرأ الباقون: بالتخفيف.
وهما لغتان نَزَل وأنْزَلَ بمعنى واحد.
ثم قال: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ يعني: في الدنيا بالتوحيد أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني: وحدوا الله وأطيعوه رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً يعني: على بني إسرائيل، أي: بلغتهم الرسالة.
ويقال: شهيداً يعني: حفيظاً بما أمرتهم مَّا دُمْتُ فِيهِمْ يعني: ما دمت مقيماً في الدنيا بين أظهرهم.
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يعني: رفعتني إلى السماء كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ يعني: الحفيظ والشاهد عليهم.
وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ من مقالتي ومقالتهم.
وما أدري ما أحدثوا بعدي إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قرأ ابن مسعود: فَإِنَّكَ أَنتَ الغفور الرحيم وقرأ غيره: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فإن قيل: وكيف سأل المغفرة للكفار.
قيل له: لأن عيسى علم أن بعضهم قد تاب ورجع عن ذلك.
فقال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ يعني: الذين ماتوا على الكفر، فإنهم عبادك وأنت القادر عليهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يعني: الذين أسلموا ورجعوا عن ذلك.
وقال بعضهم: احتمل أنه لم يكن في كتابه إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 116] فلهذا المعنى دعا لهم، ولكن التأويل الأول أحسن.
ويقال: إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ يعني: لكذبهم الذي قالوا عليّ خاصة، لا لشركهم.
وهذا التأويل ليس بسديد، والأول أحسن.
وروي عن أبي ذر الغفاري عن النبيّ أنه قرأ هذه الآية ذات ليلة، فردّدها حتى أصبح: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ الآية وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير ومعناه: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنك أنت العزيز الحكيم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فإنهم عبادك قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...
الآية: اختلف المفسِّرون في وَقْت وقوعِ هذا القَوْل، فقال السدي وغيره: لما رفَع اللَّه عيسى إلى السماء، قالَتِ النصارى ما قالَتْ، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى عَنْ قولهم، فقال: سُبْحانَكَ ...
«١» الآية، ويجيء على هذا قولُهُ:
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ، أي: في التوبة مِنَ الكُفْر لأن هذا قاله، وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس، وجمهورُ النَّاس: هذا القولُ مِنَ اللَّه إنما هو يَوْمَ القيامة يقوله اللَّه له على رءوس الخلائقِ، فَيَرَى الكفَّار تبرِّيَهُ منهم، ويعلَمُون أنّ ما كانوا فيه باطل، فقال «٢» على هذا التأويلِ بمعنى: «يَقُولُ» ونُزِّل الماضِي موضِعَ المستقبلِ لدلالته على كون الأمر وثبوته، وقولُه آخِراً: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ: معناه: إن عذَّبَتْ العالَمَ كلَّه، فبحقِّك، فهم عبادُكَ تصنعُ بحَقِّ المُلْكِ ما شِئْت لا اعتراض علَيْك، وإن غفَرْتَ وسبَقَ ذلك في عِلْمك فلأنك أهْلٌ لذلك لا معقِّب لحكمك، ولا مُنَازَعَ لك، فيقولُ عيسى هذا على جهة التسليمِ والتعزِّي عنهم، مع علمه بأنهم كَفَرةٌ قد حُتِمَ عليهم العذابُ، وهذا القولُ عنْدِي أَرجَحُ ويتقوَّى بما يأتي بعدُ، وهو قوله سبحانه: هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: ١١٩] .
وقوله: سُبْحانَكَ، أي: تنزيهاً لك عَنْ أن يقال هذا، ويُنْطَقَ به مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، أي: ما يكون/ لبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الألوهية، ثم قال: إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ لأنك أحطت بكلِّ شيء علماً، وأحصيتَ كلَّ شيء عدداً، فوفَّق اللَّه عيسى لهذه الحُجَّة البالغةِ، وقوله: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي، خصَّ النفْسَ بالذكْرِ لأنها مَظِنَّةُ الكَتْم والانطواء على المعلومات.
والمعنى: أن اللَّه- سبحانه- يعلم ما في نَفْسِ عيسى، ويعلم كل أَمْرِهِ مما عسى ألا يكون في نفسه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ قالَ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ: إنْ تُعَذِّبْهم، فَبِإقامَتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم، فَبِتَوْبَةٍ كانَتْ مِنهم.
وقالَ الزَّجّاجُ: عَلِمَ عِيسى أنَّ مِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أقامَ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ في جَمْلَتِهِمْ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ أيْ: إنْ تُعَذِّبْ مَن كَفَرَ مِنهم فَإنَّهم عِبادُكَ، وأنْتَ العادِلُ فِيهِمْ، لِأنَّكَ قَدْ أوْضَحْتَ لَهُمُ الحَقَّ، فَكَفَرُوا، وإنْ تَغْفِرْ لَهم، أيْ: وإنْ تَغْفِرْ لِمَن أقْلَعَ مِنهم، وآمَنَ، فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ لَكَ أنْ لا تَغْفِرَ لَهم بَعْدَ عَظِيمِ فِرْيَتِهِمْ، وأنْتَ في مَغْفِرَتِكَ لَهم عَزِيزٌ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الكَلامِ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْكَ، فَإنْ عَذَّبَتْهم، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْكَ، وإنْ غَفَرْتَ لَهم -وَلَسْتَ فاعِلًا إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ- فَلا اعْتِراضَ عَلَيْكَ.
وَقالَ غَيْرُهُ: العَفْوُ لا يُنْقِصُ عِزَّكَ، ولا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِكَ.
وقَدْ رَوى أبُو ذَرٍّ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ قِيامَ لَيْلَةٍ بِآيَةٍ يُرَدِّدُها: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَوْقِيفَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ إثْرَ رَفْعِهِ - مُسْتَقِيمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ قالَ عنهم هَذِهِ المَقالَةَ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا؛ وهو لا يَدْرِي عَلى ما يُوافُونَ.
وهِيَ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ التَوْقِيفَ هو يَوْمَ القِيامَةِ - بِمَعْنى: "إنْ سَبَقَتْ لَهم كَلِمَةُ العَذابِ؛ كَما سَبَقَتْ؛ فَهم عِبادُكَ؛ تَصْنَعُ بِحَقِّ المِلْكِ ما شِئْتَ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ؛ ﴿ وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ؛ بِتَوْبَةٍ؛ كَما غَفَرْتَ لِغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ في قُدْرَتِكَ؛ الحَكِيمُ في أفْعالِكَ؛ لا تُعارَضُ عَلى حالٍ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ يَكُنْ لَكَ في الناسِ مُعَذَّبُونَ فَهم عِبادُكَ؛ وإنْ يَكُنْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ فَعِزَّتُكَ؛ وحِكْمَتُكَ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ".
وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ الأرْجَحُ؛ ويُتَقَوّى بِما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا قَرَّرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ في عِبادِهِ ما يَشاءُ؛ مِن تَعْذِيبٍ؛ ومَغْفِرَةٍ؛ أظْهَرَ اللهُ لِعِبادِهِ ما كانَتِ الأنْبِياءُ تُخْبِرُهم بِهِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: "هَذا أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؛ وقَدْ خَلَصَ لِلرَّحْمَةِ مَن خَلَصَ؛ ولِلْعَذابِ مَن خَلَصَ"؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ العِبارَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ تَعالى؛ وكُلُّ ما كانَ اتَّقى فَهو أدْخَلُ في العِبارَةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُشِيرَةً إلى عِيسى في حالِهِ تِلْكَ؛ وصِدْقِهِ فِيما قالَ؛ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ في المَوْقِفِ شَرَفٌ عَظِيمٌ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ؛ وسِواهُ؛ وذَكَرَ تَعالى ما أعَدَّ لَهم بِرَحْمَتِهِ؛ وطَوْلِهِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "هَذا يَوْمَ"؛ بِنَصْبِ "يَوْمَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ "يَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ الَّذِي هو "هَذا"؛ و"يَوْمُ"؛ مُضافٌ إلى "يَنْفَعُ"؛ والمُبْتَدَأُ والخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأنَّهُ مَفْعُولُ القَوْلِ؛ إذِ القَوْلُ يَعْمَلُ في الجُمَلِ؛ وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "يَوْمَ"؛ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ هَذا القَصَصَ؛ أوِ الخَبَرَ؛ يَوْمَ...".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي مَعْنًى يُزِيلُ رَصْفَ الآيَةِ؛ وبَهاءَ اللَفْظِ.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ "قالَ"؛ حِكايَةً عَمّا قَبْلَها مِن قَوْلِهِ لِعِيسى ؛ إشارَةً إلَيْهِ؛ وخَبَرُ "هَذا"؛ مَحْذُوفٌ إيجازًا؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ: هَذا المُقْتَصُّ يَقَعُ؛ أو يَحْدُثُ؛ يَوْمَ يَنْفَعُ الصادِقِينَ...".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ - عَلى هَذا - لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وهَذا أشْبَهَ مِنَ الذِي قَبْلَهُ؛ والبارِعُ المُتَوَجَّهُ: قِراءَةُ الجَماعَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "يَوْمَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ؛ وإنَّما يَكْتَسِي البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَبْنِيًّا؛ نَحْوَ: ﴿ مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ ﴾ ؛ ولا يُشْبِهُ قَوْلَ الشاعِرِ: عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ: ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟
لِأنَّ الماضِيَ الَّذِي في البَيْتِ مَبْنِيٌّ؛ والمُضارِعَ الَّذِي في الآيَةِ مُعْرَبٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الشامِيُّ: "هَذا يَوْمٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ مِن ذَلِكَ؛ مُخاطَبٌ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ؛ وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ عَضُدُ ما قالَ عِيسى: "إنْ تُعَذِّبِ الناسَ فَإنَّهم عِبادُكَ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْمائِدَةِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ
﴿ وَإِذْ قَالَ الله ﴾ عطف على قوله: ﴿ إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك ﴾ [المائدة: 110] فهو ما يقوله الله يوم يجمع الرسل وليس ممّا قاله في الدنيا، لأنّ عبادة عيسى حدثت بعد رفعه، ولقوله: ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ .
فقد أجمع المفسّرون على أنّ المراد به يوم القيامة.
وأنّ قوله: ﴿ وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس ﴾ قول يقوله يوم القيامة.
وهذا مبدأ تقريع النصارى بعد أن فُرغ من تقريع اليهود من قوله: ﴿ إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك ﴾ [المائدة: 110] إلى هنا.
وتقريع النصارى هو المقصود من هذه الآيات كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ [المائدة: 109] الآية، فالاستفهام هنا كالاستفهام في قوله تعالى للرسل ﴿ ماذا أجبتم ﴾ [المائدة: 109] والله يعلم أنّ عيسى لم يقل ذلك ولكن أريد إعلان كذب من كفر من النصارى.
وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ يدلّ على أنّ الاستفهام متوجّه إلى تخصيصه بالخبر دون غيره مع أنّ الخبر حاصل لا محالة.
فقول قائلين: اتّخِذوا عيسى وأمّه إلهين، واقع.
وإنّما ألقي الاستفهام لعيسى أهو الذي قال لهم ذلك تعريضاً بالإرهاب والوعيد بتوجّه عقوبة ذلك إلى من قال هذا القول إن تنصّل منه عيسى فيعلم أحبارهم الذين اخترعوا هذا القول أنّهم المراد بذلك.
والمعنى أنّه إن لم يكن هو قائل ذلك فلا عذر لمن قاله لأنّهم زعموا أنّهم يتّبعون أقوال عيسى وتعاليمه، فلو كان هو القائل لقال: اتّخذوني وأمّي، ولذلك جاء التعبير بهذين اللفظين في الآية.
والمراد بالناس أهل دينه.
وقوله: ﴿ من دون الله ﴾ متعلّق بِ ﴿ اتّخذوني ﴾ ، وحرف ﴿ من ﴾ صلة وتوكيد.
وكلمة ﴿ دون ﴾ اسم للمكان المجاوز، ويكثر أن يكون مكاناً مجازياً مراداً به المغايرة، فتكون بمعنى (سوى).
وانظر ما تقدّم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرّاً ولا نفعاً ﴾ [المائدة: 76].
والمعنى اتّخذوني وأمّي إلهين سوى الله.
وقد شاع هذا في استعمال القرآن قال تعالى: ﴿ ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم كحبّ الله ﴾ [البقرة: 165]، وقال: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18]، وغير ذلك من الآيات التي خوطب بها المشركون مع أنّهم أشركوا مع الله غيره ولم ينكروا إلهيّة الله.
وذُكر هذا المتعلّق إلزاماً لهم بشناعة إثبات إلهية لغير الله لأنّ النصارى لمّا ادّعوا حلول الله في ذات عيسى توزّعت الإلهية وبطلت الوحدانية.
وقد تقدّم بيان هذا المذهب عند تفسير قوله تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾ في هذه السورة (17).
وجواب عيسى عليه السلام بقوله: ﴿ سبحانك ﴾ تنزيه لله تعالى عن مضمون تلك المقالة.
وكانت المبادرة بتنزيه الله تعالى أهمّ من تبرئته نفسه، على أنّها مقدّمة للتبرّي لأنّه إذا كان ينزّه الله عن ذلك فلا جرم أنّه لا يأمر به أحداً.
وتقدّم الكلام على ﴿ سبحانك ﴾ في قوله تعالى: ﴿ قالوا سبحانك لا علم لنا ﴾ في سورة البقرة (32).
وبرّأ نفسه فقال: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ؛ فجملة ﴿ ما يكون لي أن أقول ﴾ مستأنفة لأنّها جواب السؤال.
وجملة ﴿ سبحانك ﴾ تمهيد.
وقوله: ﴿ ما يكون لي ﴾ مبالغة في التبرئة من ذلك، أي ما يوجد لديّ قول ما ليس لي بحقّ، فاللام في قوله: ﴿ ما يكون لي ﴾ للاستحقاق، أي ما يوجد حقّ أن أقول.
وذلك أبلغ من لم أقله لأنّه نفى أن يوجد استحقاقه ذلك القول.
والباء في قوله ﴿ بحقّ ﴾ زائدة في خبر ﴿ ليس ﴾ لتأكيد النفي الذي دلّت عليه ﴿ ليس ﴾ .
واللام في قوله ﴿ ليس لي بحقّ ﴾ متعلّقة بلفظ ﴿ حقّ ﴾ على رأي المحقّقين من النحاة أنّه يجوز تقديم المتعلّق على متعلّقه المجرور بحرف الجرّ.
وقدّم الجارّ والمجرور للتنصيص على أنّه ظرف لغو متعلّق ﴿ بحقّ ﴾ لئلا يتوهّم أنّه ظرف مستقرّ صفة ل ﴿ حقّ ﴾ حتى يفهم منه أنّه نفى كون ذلك حقّاً له ولكنّه حقّ لغيره الذين قالوه وكفروا به، وللمبادرة بما يدلّ على تنصّله من ذلك بأنّه ليس له.
وقد أفاد الكلام تأكيدَ كون ذلك ليس حقّاً له بطريق المذهب الكلامي لأنّه نفى أن يباح له أن يقول ما لا يحقّ له، فعُلم أنّ ذلك ليس حقّاً له وأنّه لم يقله لأجل كونه كذلك.
فهذا تأكيد في غاية البلاغة والتفنّن.
ثم ارتقى في التبرّئ فقال: ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ ، فالجملة مستأنفة لأنّها دليل وحجّة لمضمون الجملة التي قبلها، فكانت كالبيان فلذلك فصلت.
والضمير المنصوب في ﴿ قلته ﴾ عائد إلى الكلام المتقدّم.
ونصْب القول للمفرد إذا كان في معنى الجملة شائع كقوله تعالى: ﴿ كلاّ إنّها كلمة هو قائلها ﴾ [المؤمنون: 100]، فاستدلّ على انتفاء أن يقوله بأنّ الله يعلم أنّه لم يقله، وذلك لأنّه يتحقّق أنّه لم يقله، فلذلك أحال على علم الله تعالى.
وهذا كقول العرب: يعلم الله أني لم أفعل، كما قال الحارث بن عبّاد: لَم أكُنْ من جُنَاتِعَا عَلِمَ الله وأني لِحرّها اليومَ صالٍ *** ولذلك قال: ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ ، فجملة ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ بيان لجملة الشرط ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ فلذلك فُصلت.
والنفس تطلق على العقل وعلى ما به الإنسان، إنسان وهي الروح الإنساني، وتطلق على الذات.
والمعنى هنا: تعلم ما أعتقده، أي تعلم ما أعلمه لأنّ النفس مقرّ العلوم في المتعارف.
وقوله: ﴿ ولا أعلم ما في نفسك ﴾ اعتراض نشأ عن ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ لقصد الجمع بين الأمرين في الوقت الواحد وفي كلّ حال.
وذلك مبالغة في التنزيه وليس له أثر في التبرّئ، والتنصّل، فلذلك تكون الواو اعتراضية.
وإضافة النفس إلى اسم الجلالة هنا بمعنى العلم الذي لم يُطلع عليه غيره، أي ولا أعلم ما تعلمه، أي ممّا انفردت بعمله.
وقد حسّنه هنا المشاكلة كما أشار إليه في «الكشاف».
وفي جواز إطلاق النفس على ذات الله تعالى بدون مشاكلة خلاف؛ فمن العلماء من منع ذلك وإليه ذهب السعد والسيد وعبد الحكيم في شروح «المفتاح» و«التخليص».
وهؤلاء يجعلون ما ورد من ذلك في الكتاب نحو ﴿ ويحذّركم الله نفسه ﴾ [آل عمران: 28] من قبيل المتشابه.
ومن العلماء من جوّز ذلك مثل إمام الحرمين كما نقله ابن عرفة في «التفسير» عند قوله تعالى: ﴿ كتب ربّكم على نفسه الرحمة ﴾ في سورة الأنعام (54)، ويشهد له تكرّر استعماله في القرآن وكلام النبي كما في الحديث القدسي فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي } .
وقوله: ﴿ إنّك أنت علاّم الغيوب ﴾ علّة لقوله: ﴿ تعلم ما في نفسي ﴾ ولذلك جيء بِ (إنّ) المفيدة التعليل.
وقد جمع فيه أربع مؤكّدات وطريقة حصر، فضمير الفصل أفاد الحصر، وإنّ وصيغة الحصر، وجمع الغيوب، وأداة الاستغراب.
وبعد أن تبرّأ من أن يكون أمرَ أمّته بما اختلقوه انتقل فبيّن أنّه أمرهم بعكس ذلك حسبما أمره الله تعالى فقال ﴿ ما قلت لهم إلاّ ما أمرتني به ﴾ ، فقوله: ﴿ ما قلت لهم ﴾ ارتقاء في الجواب، فهو استئناف بمنزلة الجواب الأول وهو ﴿ ما يكون لي أن أقول ﴾ الخ...
صرّح هنا بما قاله لأنّ الاستفهام عن مقاله.
والمعنى: ما تجاوزتُ فيما قلتُ حدّ التبليغ لما أمرتني به، فالموصول وصلته هومقول ﴿ ما قلت لهم ﴾ وهو مفرد دالّ على جُمل، فلذلك صحّ وقوعه منصوباً بفعل القول.
و ﴿ أنْ ﴾ مفسّرة ﴿ أمرتني ﴾ لأنّ الأمر فيه معنى القول دون حروفه وجملة ﴿ اعبدوا الله ربّي وربّكم ﴾ تفسيرية لِ ﴿ أمرتني ﴾ .
واختير ﴿ أمرتني ﴾ على (قلت لي) مبالغة في الأدب.
ولمّا كان ﴿ أمرتني ﴾ متضمّناً معنى القول كانت جملة ﴿ اعبدوا الله ربّي وربّكم ﴾ هي المأمورُ بأن يبلّغه لهم فالله قال له: قل لهم اعبدوا الله ربّي وربّكم.
فعلى هذا يكون ﴿ ربّي وربّكم ﴾ من مقول الله تعالى لأنّه أمره بأن يقول هذه العبارة ولكن لما عبّر عن ذلك بفعل ﴿ أمرتني به ﴾ صح تفسيره بحرف ﴿ أن ﴾ التفسيرية فالذي قاله عيسى هو عين اللفظ الذي أمره الله بأن يقوله.
فلا حاجة إلى ما تكلّف به في «الكشاف» على أنّ صاحب «الانتصاف» جوّز وجهاً آخر وهو أن يكون التفسير جرى على حكاية القول المأمور به بالمعنى، فيكون الله تعالى قال له: قل لهم أن يعبدوا ربّك وربّهم.
فلمّا حكاه عيسى قال: اعبدوا الله ربّي وربّكم اه.
وهذا التوجيه هو الشائع بين أهل العلم حتى جعلوا الآية مثالاً لحكاية القول بالمعنى.
وأقول: هو استعمال فصيح قال ابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿ مكنّاهم في الأرض ما لم نمكّن لكم ﴾ في سورة الأنعام (6) إذَا أخبرت أنّك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال له: فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها، فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة اه.
وعندي أنّه ضعيف في هذه الآية.
ثمّ تبرّأ من تبعتهم فقال وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم} أي كنت مشاهداً لهم ورقيباً يمنعهم من أن يقولوا مثل هذه المقالة الشنعاء.
و ﴿ ما دمت ﴾ (ما) فيه ظرفية مصدرية، و(دام) تامّة لا تطلب منصوباً، و ﴿ فيهم ﴾ متعلّق بِ ﴿ دمتُ ﴾ ، أي بينهم، وليس خبراً لِ (دام) على الأظهر، لأنّ (دام) التي تطلب خبراً هي التي يراد منها الاستمرار على فعل معيّن هو مضمون خبرها، أمّا هي هنا فهي بمعنى البقاء، أي ما بقيت فيهم، أي ما بقيت في الدنيا.
ولذلك فرّع عنه قوله: ﴿ فلمّا توفّيتني كنتَ أنتَ الرقيبَ عليهم ﴾ ، أي فلمّا قضيت بوفاتي، لأنّ مباشر الوفاة هو ملك الموت.
والوفاة الموت، وتوفّاه الله أماته، أي قضى به وتوفّاه ملك الموت قبض روحه وأماته.
وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى ﴿ إنّي متوفّيك ﴾ في سورة آل عمران (55).
والمعنى: أنّك لمّا توفّيتني قد صارت الوفاة حائلاً بيني وبينهم فلم يكن لي أن أنكر عليهم ضلالهم، ولذلك قال كنتَ أنتَ الرقيب عليهم } ، فجاء بتضير الفصل الدّال على القصر، أي كنت أنتَ الرقيب لا أنا إذ لم يبق بيني وبين الدنيا اتّصال.
والمعنى أنّك تعلم أمرهم وترسل إليهم من يهديهم متى شئت.
وقد أرسل إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم وهداهم بكلّ وجوه الاهتداء.
وأقصى وجوه الاهتداء إبلاغهم ما سيكون في شأنهم يوم القيامة.
وقوله: ﴿ وأنت على كلّ شيء شهيد ﴾ تذييل، والواو اعتراضية إذ ليس معطوفاً على ما تقدّم لئلاّ يكون في حكم جواب ﴿ لمّا ﴾ .
وقوله: ﴿ إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم ﴾ فوّض أمرهم إلى الله فهو أعلم بما يجازيهم به لأنّ المقام مقام إمساك عن إبداء رغبة لشدّة هول ذلك اليوم، وغاية ما عرّض به عيسى أنه جوّز المغفرة لهم رحمة منه بهم.
وقوله: ﴿ فإنّك أنت العزيز الحكيم ﴾ ذكر العزيز كناية عن كونه يغفر عن مقدرة، وذكر الحكيم لمناسبته للتفويض، أي المحكِم للأمور العالم بما يليق بهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةَ.
( إذْ ) ها هُنا بِمَعْنى (إذا ) كَما قالَ أبُو النَّجْمِ ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلا يَعْنِي إذا جَزى، فَأقامَ الماضِي مَقامَ المُسْتَقْبَلِ وهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ ﴾ .
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في مَعْنى هَذا السُّؤالِ ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ تَوْبِيخًا لِمَنِ ادَّعى ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِيَكُونَ إنْكارُهُ بَعْدَ السُّؤالِ أبْلَغَ في التَّكْذِيبِ وأشَدَّ في التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.
والثّانِي: أنَّهُ قَصَدَ بِهَذا السُّؤالِ تَعْرِيفَهُ أنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ.
فَإنْ قِيلَ: فالنَّصارى لَمْ تَتَّخِذْ مَرْيَمَ إلَهًا، فَكَيْفَ قالَ تَعالى فِيهِمْ ذَلِكَ؟
قِيلَ: لِما كانَ مِن قَوْلِهِمْ أنَّها لَمْ تَلِدْ بَشَرًا وإنَّما ولَدَتْ إلَهًا لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا إنَّها لِأجْلِ البَعْضِيَّةِ بِمَثابَةِ مَن ولَدَتْهُ، فَصارُوا حِينَ لَزِمَهم ذَلِكَ كالقائِلِينَ لَهُ.
وَفي زَمانِ هَذا السُّؤالِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ذَلِكَ لِعِيسى حِينَ رَفَعَهُ إلَيْهِ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ ومَيْسَرَةُ.
والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وهو أصَحُّ القَوْلَيْنِ.
﴿ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ أيِ أدَّعِي لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن شَأْنِها، يَعْنِي أنَّنِي مَرْبُوبٌ ولَسْتُ بِرَبٍّ، وعابِدٌ ولَسْتُ بِمَعْبُودٍ.
وَبَدَأ بِالتَّسْبِيحِ قَبْلَ الجَوابِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا أُضِيفَ إلَيْهِ.
الثّانِي: خُضُوعًا لِعِزَّتِهِ وخَوْفًا مِن سَطْوَتِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ﴾ فَرَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ تَعالى، وقَدْ كانَ اللَّهُ عالِمًا بِهِ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، ولَكِنْ قالَهُ تَقْرِيعًا لِمَنِ اتَّخَذَ عِيسى إلَهًا.
﴿ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ.
أحَدُهُما: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ.
والثّانِي: تَعْلَمُ ما أعْلَمُ ولا أعْلَمُ ما تَعْلَمُ.
وَفي النَّفْسِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الجُمْلَةِ كُلِّها.
والثّانِي: أنَّها عِبارَةٌ عَنْ بَعْضِهِ، كَقَوْلِهِمْ قَتَلَ فُلانٌ نَفْسَهُ.
﴿ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عالِمُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ.
والثّانِي: عالِمُ ما كانَ وما يَكُونُ.
وَفي الفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والعَلّامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَلّامَ الَّذِي تَقَدَّمَ عِلْمُهُ، والعالِمُ الَّذِي حَدَثَ عِلْمُهُ.
والثّانِي: أنَّ العَلّامَ الَّذِي يَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ، والعالِمَ الَّذِي يَعْلَمُ ما كانَ ولا يَعْلَمُ ما يَكُونُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ ﴾ لَمْ يَذْكُرْ عِيسى ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإخْبارِ بِهِ لِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِهِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَكْذِيبًا لِمَنِ اتَّخَذَ إلَهًا مَعْبُودًا.
والثّانِي: الشَّهادَةُ بِذَلِكَ عَلى أُمَّتِهِ فِيما أمَرَهم بِهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إعْلامُهم أنَّ اللَّهَ رَبَّهُ ورَبَّهم واحِدٌ.
والثّانِي: أنَّ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوا رَبًّا واحِدًا حَتّى لا يُخالِفُوا فِيما عَبَدُوهُ.
﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي شاهِدًا.
والثّانِي: شاهِدًا عَلَيْهِمْ.
﴿ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَفْعُهُ إلى السَّماءِ.
﴿ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحافِظُ عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: العالِمُ بِهِمْ.
﴿ وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: شاهِدًا لِما حَضَرَ وغابَ.
والثّانِي: شاهِدًا عَلى مَن عَصى، وأطاعَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ لَهم والرَّأْفَةِ بِهِمْ كَما يَسْتَعْطِفُ العَبْدُ سَيِّدَهُ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ رَبِّهِ والِاسْتِجارَةِ مِن عَذابِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد والنسائي وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي ذر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك...
﴾ الآية.
فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت؟!
قال: إني سألت ربي الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً» .
وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال: «قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية حتى أصبح يرددها ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ » .
وأخرج مسلم والنسائي وابن أبي الدنيا في حسن الظن وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص «أن نبي الله تلا قول الله في إبراهيم ﴿ رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني...
﴾ [ إبراهيم: 36] الآية.
وقال عيسى بن مريم ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي وبكى.
فقال الله: جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: «بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة يشفع لأمته، فكان يصلي بهذه الآية ﴿ إن تعذِّبهم فإنهم عبادك...
﴾ إلى آخر الآية.
كان بها يسجد، وبها يركع، وبها يقوم، وبها يقعد حتى أصبح» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر قال: «قلت للنبي صلى الله عليه وسلم بأبي أنت وأمي يا رسول الله قمت الليلة بآية من القرآن، ومعك قرآن لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه؟
قال: دعوت لأمتي.
قال: فماذا أجبت؟
قال: أجبت بالذي لو اطَّلع كثير منهم عليه تركوا الصلاة.
قال: أفلا أبشر الناس؟
قال: بلى.
فقال عمر: يا رسول الله إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة، فناداه أن ارجع فرجع، وتلا الآية التي يتلوها ﴿ إن تعذِّبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾ يقول: عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم ﴿ وإن تغفر لهم ﴾ أي من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض يقتل الدجال، فنزلوا عن مقالتهم ووحدوك، وأقروا إنا عبيد ﴿ وإن تغفر لهم ﴾ حيث رجعوا عن مقالتهم ﴿ فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾ يقول: إن تعذبهم تميتهم بنصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك ﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام ﴿ فإنك أنت العزيز الحكيم ﴾ هذا قول عيسى عليه السلام في الدنيا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية، تفسير هذه الآية واضح على قول من يقول إن هذه المخاطبة جرت بين الله تعالى وبين عيسى حين رفعه إلى السماء، يقول عيسى لله تعالى: (إن تعذبهم) على كفرهم ومعصيتهم (فإنهم عبادك وإن تغفر لهم) بتوبة تكون منهم، وهذا مذهب السدي، وقال في هذه الآية: ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ فتميتهم بنصرانيتهم فإنهم عبادك، ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فتخرجهم من النصرانية وترشدهم إلى الإِسلام (١) ﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ يريد تدعهم على المعاصي ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ ، ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ يريد تعصمهم فلا يتخذوا من دونك وليًّا ولا إلهًا ولا ربًا (٢) ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (العزيز) في ملكه (الحكيم) في أوليائه وأعدائه بالثواب والعقاب (٣) (٤) وأما الذين قالوا إن هذه المخاطبة تكون يوم القيامة يُسأَلُ عليهم فيقال: كيف جاز لعيسى أن يقول: (وان تغفر لهم) والله تعالى لا يغفر الشرك؟
والجواب عن هذا ما قال الحسن وأبو العالية: إن تعذبهم فبإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم فبتوبة كانت منهم (٥) (٦) وأما أهل المعاني فإنهم مختلفون في الجواب عن هذا: فقال أبو بكر الأنباري: لما قال الله تعالى لعيسى: ﴿ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ لم يقع له إلا أن النصارى حكت عنه الكذب فقال: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ الحكاية ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ لأنه ليس الحاكي للكفر كافرًا إذا لم يأخذ به، وليس في الآية أنهم اتخذوا عيسى وأمه إلهين، إنما هو استفهام عن عيسى هل أمر بذلك؟
وهل قال ذلك أم لا؟
وظاهر هذا الاستفهام يوجب أن النصارى حكوا عنه أنه أمر بذلك، فقال عيسى على اقتضاء هذا السؤال: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ما حكوه كذبا (٧) (٨) وقال ابن الأنباري أيضاً: هذا على التبعيض، أي: إن تعذب بعضهم الذين أقاموا على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لبعضهم الذين انتقلوا عن الكفر إلى الإِسلام، فأنت في ذلك قاهر غالب عادل، لا يعترض عليك فيه معترض (٩) والقول بالتبعيض في هذه الآية مذهب جماعة من المفسرين واختيار أبي إسحاق؛ لأنه قال: والذي عندي أن عيسى قد علم أن منهم من آمن ومنهم من أقام على الكفر، فقال عيسى في جملتهم: إن تعذب من كفر بك فإنهم عبادك، أنت العادل عليهم، ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ أي: لمن أقلع منهم وآمن فأنت في مغفرتك لهم (عزيز) لا يمتنع عليك ما تريد (حكيم) في ذلك (١٠) وذهب جماعة من أصحاب المعاني أن هذا على طريق تفويض الأمر إلى الله، إذ هو العالم بباطن أمرهم وظاهره، ومن أخلص التوبة منهم ومن أقام على كفره، ولم يشك عيسى في أنه يعذب الكفار، ولكن رد الأمر إلى مالكهم وإلههم، وتبرأ مما كان منهم؛ ليخرج نفسه من حالات المعترضين المقترحين، أي: إن عذبتهم يا رب لم يكن لي ولا لأحد الاعتراض عليك، وإن غفرت لهم ولست فاعلًا فذلك غير مردود عليك (١١) ﴿ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ دون الغفور الرحيم؛ لأنه ليس قوله: ﴿ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ على معنى مسألة الغفران لهم، وإنما هو على تسليم الأمر إلى من كان أملك بهم، ولو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم؛ لأوهم أنه دعا بالمغفرة، وهذا الذي ذكرنا من أن هذا على معنى التفويض مذهب الكلبي، فقد روى حبان عنه في هذه الآية قال: غبت عنهم وتركتهم على الحق فما أدري ما أحدثوا (١٢) (١) أخرجه الطبري 7/ 140، وكذا ابن حاتم وأبو الشيخ،"الدر المنثور" 2/ 616.
(٢) انظر: البغوي 3/ 122.
(٣) "تفسير الطبري" 7/ 140.
(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 469، والبغوي 1/ 123.
(٥) "تفسير الوسيط" 2/ 248.
(٦) عزاه في "الدر المنثور" 2/ 616 لأبي الشيخ، "زاد المسير" 2/ 465.
(٧) "معاني الزجاج" 2/ 223.
(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 223، 224.
(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224.
(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 224.
(١١) "زاد المسير" 2/ 465، ونسب نحو هذا القول لابن الأنباري.
(١٢) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنِ اعبدوا ﴾ أن حرف عبارة وتفسير أو مصدرية بدل من الضمير في به ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ فيها سؤالان الأول كيف قال وإن تغفر لهم وهم كفار والكفار لا يغفر لهم؟
والجواب أن المعنى تسليم الأمر إلى الله، وأنه إن عذب أو غفر فلا اعتراض عليه، لأن الخلق عباده، والمالك يفعل في ملكه ما يشاء، ولا يلزم من هذا وقوع المغفرة للكفار، وإنما يقتضي جوازها في حكمة الله تعالى وعزته، وفرق بين الجواز والوقوع، وأما على قول من قال: إن هاذ الخطاب لعيسى عليه السلام حين رفعه الله إلى السماء، فلا إشكال، لأن المعنى إن تغفر لهم بالتوبة، وكانوا حينئذ أحياء، وكل حيّ معرض للتوبة، السؤال الثاني: ما مناسبة قوله: فإنك أنت العزيز الحكيم، لقوله: وإن تغفر لهم والأليق مع ذكر المغفرة أن لو قيل: فإنك أنت الغفور الرحيم؟
والجواب من ثلاثة أوجه.
الأول: يظهر لي أنه لما قصد التسليم لله والتعظيم له، كان قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ أليق، فإن الحكمة تقتضي التسليم له، والعزة تقتضي التعظيم له، فإن العزيز هو الذي يفعل ما يريد، ولا يغلبه غيره، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فاقتضى الكلام تفويض الأمر إلى الله في المغفرة لهم أو عدم المغفرة؛ لأنه قادر على كلا الأمرين لعزته وأيهما فعل فهو جميل لحكمته.
الجواب الثاني: قاله شيخنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: إنما لم يقل الغفور الرحيم؛ لئلا يكون في ذلك تعريض في طلب المغفرة لهم.
فاقتصر على التسليم والتفويض دون الطلب.
إذ لا تطلب المغفرة للكفار، وهذا قريب من قولنا.
الثالث: حكى شيخنا الخطيب أبو عبد الله بن رشيد عن شيخه إمام البلغاء في وقته حازم بن حازم أنه كان يقف على قوله: ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ ويجعل فإنك أنت العزيز استئنافاً وجواب إن في قوله فإنهم عبادك كأنه قال إن تعذبهم وإن تغفر لهم فإنهم عبادك على كل حال.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: أبو عمرو وابن كثير وسهل ويعقوب ﴿ شهادة ﴾ بالتنوين ﴿ آلله ﴾ بالمد: روح وزيد.
الباقون بالإضافة."استحق" على البناء للفاعل: حفص والأعشى في اختياره الباقون على البناء للمفعول.
﴿ الأولين ﴾ جمع الأول نقيض الآخر.
سهل ويعقوب وحمزة وخلف وعاصم غير حفص والأعشى في اختياره الباقون ﴿ الأوليان ﴾ تثنية الأولى الأحق ﴿ الغيوب ﴾ بكسر الغين حيث كان: حمزة وحماد وأبو بكر غير الشموني والبرجمي والخزاعي عن ابن فليح في ﴿ ساحر ﴾ وكذلك في هود والصف: حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ سحر ﴾ ﴿ هل تستطيع ﴾ بتاء الخطاب ﴿ ربك ﴾ بالنصب:علي والأعشى في اختياره، الباقون بالياء وبالرفع ﴿ أن ينزل ﴾ بالتخفيف من الإنزال: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.
الباقون بالتشديد ﴿ منزلها ﴾ بالتشديد: عاصم وأبو جعفر نافع وابن عامر.
الباقون بالتخفيف ﴿ فإني أعذبه ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع ﴿ وأمي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص ﴿ لي أن ﴾ بالفتح: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الباقون بالسكون ﴿ يوم ينفع ﴾ بفتح الميم: نافع.
الباقون بالرفع.
الوقوف: ﴿ تسؤكم ﴾ ج لابتداء شرط آخر مع واو العطف.
﴿ تبدلكم ﴾ ط ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ ولا حام ﴾ لا للاستدراك.
﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ آبائنا ﴾ ط ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ أنفسكم ﴾ ج لاحتمال الاستئناف أو الحال أي احفظوا أنفسكم غير مضرورين ﴿ إذا اهتديتم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ مصيبة الموت ﴾ ط ﴿ قربى ﴾ ز لأن وقوله ﴿ ولا نكتم ﴾ من جواب القسم.
﴿ شهادة ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلله ﴾ بالمد ﴿ الآثمين ﴾ ه ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز لظاهر "إن" والوصل أجوز لتعلق "إذا" بقوله ﴿ وما اعتدينا ﴾ ز ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ أيمانهم ﴾ ط لابتداء الأمر ﴿ واسمعوا ﴾ ط ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ أجبتم ﴾ ط ﴿ لنا ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ والدتك ﴾ لا لئلا يوهم أنه ظرف لا ذكر بل عامله محذوف والتقدير: واذكر إذا أيدتك ﴿ وكهلاً ﴾ ج ﴿ والإنجيل ﴾ ج ﴿ والأبرص بإذني ﴾ ج ﴿ الموتى ﴾ ج لأن "إذ" يجوز تعلقه تعلق به "إذ" الأول، ويمكن تعلق كل واحد بمحذوف آخر لتفصيل النعم ﴿ سحر مبين ﴾ ه ﴿ وبرسولي ﴾ ط لاحتمال أن قالوا مستأنف أو عامل في ﴿ إذ أوحيت ﴾ ﴿ مسلمون ﴾ ﴿ من السماء ﴾ الأولى ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ وآية منك ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ الرازقين ﴾ ه ﴿ عليكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ ما ليس لي ﴾ ط قد قيل وهو تعسف لأن المنكر لا يقسم به والقسم لا يجاب بالشرط بل الوقف على ﴿ بحق ﴾ ﴿ علمته ﴾ ط ﴿ نفسك ﴾ ط ﴿ الغيوب ﴾ ه ﴿ وربكم ﴾ ج على أن الواو للاستئناف أو الحال أي وقد كنت ﴿ فيهم ﴾ ط لأن عامل "لما" متأخر وفاء التعقيب دخلتها ﴿ عليهم ﴾ ط لأن الواو لا يحتمل الحال للتعميم في كل شيء ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ عبادك ﴾ ج لابتداء الشرط مع الواو ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ صدقهم ﴾ ط لاختلاف الجملتين بلا عطف ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ عنه ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ وما فيهن ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: "عن أنس أنهم سألوا رسول الله فأكثروا المسألة فقام على المنبر فقال: فاسألوني فوالله لا تسألوني عن شيء ما دمت في مقامي هذا إلا حدثتكم به.
فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه فقال: يا نبي الله من أبي؟
فقال: أبوك حذافة بن قيس وقال سراقة بن مالك" - "ويروى عكاشة بن محصن - يا رسول الله الحج علينا في كل عام؟
فأعرض عنه رسول الله حتى أعاد مرتين أو ثلاثاً فقال رسول الله : ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله إن قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لتركتم، ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.
وقام آخر فقال: يا رسول الله أين أبي؟
فقال: في النار" .
ولما اشتد غضب الرسول قام عمر فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً.
فأنزل الله هذه الآية.
فهي عائدة إلى قوله ﴿ ما على الرسول إلا البلاغ ﴾ كأنه قال: ما آتاكم الرسول فخذوه ولا تخوضوا في غيره فلعله يجيبكم بما يشق عليكم.
وأيضاً كان المشركون يطالبونه بعد ظهور المعجزات بمعجزات أخر كقوله حاكياً عنهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ إلى تمام الآية.
وكان لبعض المسلمين أيضاً ميل إلى ظهورها فمنعوا ذلك لأن طلب الزيادة بعد ثبوت الرسالة من باب التحكم، ولعلها لو ظهرت ثم أنكرت استحق المنكر العقاب العاجل، ويحتمل أن يكون وجه النظم قوله ﴿ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون ﴾ فاتركوا الأمور على ظواهرها ولا تسألوا عن أشياء مخفية إن تبد لكم تسؤكم.
وللنحويين في منع صرف أشياء وجوه، فقال الخليل وسيبويه: أصلها "شياء" على وزن " حمراء" فهو اسم جمع لشيء استثقلوا الهمزتين في آخره فنقلوا الهمزة التي هي لام الفعل إلى أوّل الكلمة فصار وزنه "لفعاء".
وقال الفراء: أصلها "أفعلاء" بناء على أن "شيا" مخفف شيء يقال "هين" في "هين" وقد يجمع "فيعل" على "أفعلاء" كنبي وأنبياء، لكنهم استثقلوا اجتماع الياء والهمزتين فحذفوا اللام فبقي "أشياء" على وزن "أفعاء".
وقال الكسائي: وزنها "أفعال" ومنع الصرف تشبيهاً له بحمراء.
ولا يلزم منه منع صرف "أبناء" و"أسماء" لأن ما ثبت على خلاف الدليل لا يلزم اطراده ولكنه يكون مقصوراً على المسموع.
والحاصل أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتب عليه تكاليف شاقة صعبة.
فالذي سأل عن أبيه لم يأمن أن يلحق بغير أبيه فيفتضح، والسائل عن الحج كاد أن يوجبه في كل عام وقد قال الرسول الله : "إن أعظّم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته" وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فاستحلوه وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها فذلك عفو من الله فاقبلوه.
وقال أبو ثعلبة إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدوداً فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.
ثم لما رتب المساءة على السؤال ذكر أن الإبداء سيكون لأن الوحي غير منقطع فقال ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي في زمان الوحي لأن الرسول بين أظهركم ﴿ تبد لكم ﴾ تلك الأمور أو التكاليف.
فالحالصل أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم وإن أبديت لهم ساءتهم فيلزم من المقدمتين أنهم إن سألوا عنها ساءتهم.
وقيل: السؤال قسمان: أحدهما السؤال عن شيء لم يجر ذكره في الكتاب والسنة فنهى عنه بقوله ﴿ لا تسألوا ﴾ والثاني السؤال عن شيء نزل به القرآن لكن السامع لم يفهمه كما ينبغي وهذا السؤال غير مذموم فأشار إلى هذا القسم بقوله: ﴿ وإن تسألوا ﴾ رفعاً للحرج وتميزاً لهذا القسم من الأوّل.
وإنما حسن عود الضمير في "عنها " إلى الأشياء وإن كانا في الحقيقة نوعين مختلفين، لأن كلاً منهما مسؤول عنه في الجملة.
وقيل: المعنى وإن تسألوا عن تلك السؤالات هل هي جائزة أم لا تبد لكم.
والمراد أن تطلب الرخصة في السؤال أولاً ثم يسأل ﴿ عفا الله عنها ﴾ أي عما سلف من مسألتكم وإغضابكم الرسول فلا تعودوا " إليها، أو المراد بالعفو أنه ما أظهر عند تلك المسائل ما يشق عليهم من التكاليف.
وقيل: إن الجملة صفة أخرى للأشياء كما أن الجملة الشرطية والمعطوف عليها صفة لها.
والمعنى لا تسألوا عن أشياء أمسك الله عنها وكف عن ذكرها كما جاء في الحديث " "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" أي خفف عنكم بإسقاطها ﴿ قد سألها ﴾ يعني المسألة التي دل عليها لا تسألوا ﴿ قوم من قبلكم ﴾ سأل الناقة قوم صالح فعقروها، وسأل الرؤية قوم موسى فصار وبالاً عليهم، وسأل المائدة قوم عيسى فكفروا بها، ويحتمل أن يعود الضمير في سألها إلى الأشياء فكأن أمة محمد سألوا عن أحوال الأشياء والمتقدمين سألوا نفس الأشياء كالناقة والمائدة والرؤية فلما اختلفت الأسئلة اختلفت العبارة إلا أن كل واحد من القسمين يشتركان في وصف هو الخوض في الفضول والشروع فيما لا يعني فتوجه الذم عليهما جميعاً.
ولما منعهم عن أمور تكلفوا البحث عنها ذم سيرة قوم تكلفوا التزام أمور لم يؤمروا بها.
ومعنى ﴿ ما جعل ﴾ ما حكم بذلك ولا شرع.
والبحيرة "فعيلة" من البحر الشق.
وبحر ناقته إذا شق أذنها وهي بمعنى المفعول.
قال أبو عبيدة والزجاج: كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن وكان آخرها ذكراً شقوا أذن الناقة ومنعوا ركوبها وسيبوها لآلهتهم لا تنحر ولا يحمل على ظهرها ولا تطرد عن ماء ولا تردّ عن مرعى ولا ينتفع بها حتى لو لقيها المعي لا يركبها تحرجاً.
وأما السائبة فإنها فاعلة من "ساب" إذا جرى على وجه الأرض.
يقال ساب الماء وسابت الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت، قال أبو عبيدة: كان الرجل إذا مرض أو قدم من سفر أو نذر نذراً أو شكر نعمة سيب بعيره فكان بمنزلة البحيرة في أحكامها.
وقيل: هي أم البحيرة كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث سيبت فلم تركب ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت، فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعاً وبحرت أذن بنتها الأخيرة وكانت بمنزلة أمها في أنها سائبة.
وقال ابن عباس: السائبة هي التي تسيب الأصنام أي تعتق لها وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها أبناء السبيل.
وقيل هي العبد يعتق على أن يكون عليه ولاء ولا ميراث وأما الوصيلة فإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم، إن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
فالوصيلة بمعنى الموصولة كأنها بغيرها أو بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.
وأما الحامي فيقال: حماه يحميه إذا حفظه.
قال السدي: هو الفحل الذي يضرب في الإبل عشر سنين فيخلى وقيل: إن الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى إلى أن يموت.
فإن قيل إذا جاز إعتاق العبيد والإماء فام لا يجوز إعتاق البهائم من الذبح والإيلام؟
فالجواب أن الإنسان خلق لعبادة الله فإذا أزيل الرق عنه كان ذلك معيناً له على ما خلق لأجله، أما العجم من الحيونات فإنما خلقت لمنافع المكلفين فتركها يقتضي تفويت كمالها عليها.
وأيضاً الإنسان إذا أعتق قدر على تحصيل المنافع ودفع المضار بخلاف البهائم فإنها عاجزة عن جذب الملائم ودفع المنافي في الأغلب، فإعتاقها يفضي إلى ضياعها فظهر الفرق.
﴿ ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ﴾ قال ابن عباس: يريد عمرو بن لحى وأصحابه كان قد ملك مكة شرفها الله وكان أوّل من غير دين إسماعيل فاتخذ الأصنام ونصب الأوثان وشرع البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
وقال رسول الله في حقه "لقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه" والقصب الأمعاء هذا حال رؤسائهم ﴿ وأكثرهم لا يعقلون ﴾ يعني العوام والأتباع.
ثم رد على أهل التقليد بقوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة.
فنفى العقل عنهم هناك والعلم ههنا مع نفي الاهتداء في الموضعين وفيه دليل على أن الاقتداء لا يجوز إلا بالعاقل العالم المهتدي لابتناء قوله على الحجة والدليل لا على التقليد والأضاليل.
قال أهل البرهان: العلم أبلغ درجة من العقل ولهذا يوصف الله بالعلم ولا يوصف بالعقل، وكان دعواهم ههنا أبلغ لقولهم ﴿ حسبنا ما وجدنا ﴾ فناسب أن ينفي عنهم العلم الذي هو أبلغ.
ثم ذكر أن هؤلاء الجهال مع ما تقدم من أنواع المبالغة في الإعذار والإنذار والترغيب والترهيب لم ينتفعوا بشيء منه بل أصروا على جهالتهم وضلالتهم فلا تبالوا بهم أيها المؤمنون، فإن جهلهم لا يضركم إذا كنتم منقادين لتكاليف الله مطيعين لأوامره ونواهيه.
تقول العرب: عليك زيداً وعندك عمراً يعدّونهما إلى المفعول كأنه قيل: خذ زيداً فقد علاك أي أشرف عليك وحضرك عمرو فخذه.
وليس المراد في عليك أنه حرف جر مع مجروره متعلق بمحذوف، بل الجار والمجرور معاً منقول الى معنى الفعل نقل الأعلام ولهذا سمي أسم فعل.
فإن قيل: ظاهر الآية يوهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس بواجب، فالجواب المنع فإن الآية لا تدل إلا على أن المطيع لربه غير مؤاخذ بذنب العاصي وهذا خطب أبو بكر فقال: إنكم تقرؤن هذه الآية وتضعونها في غير موضوعها وإني سمعت رسول الله يقول: " إذا رأوا المنكر فلم ينكروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب" .
وعن عبد الله بن المبارك أن هذه الآية آكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن معنى ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ احفظوها والزموا صلاحها بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات ﴿ لا يضركم ﴾ ضلال ﴿ من ضل إذا اهتديتم ﴾ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فإنكم خرجتم عن عهدة تكليفكم كما قال الله لرسوله ﴿ فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ﴾ وقيل: إن الآية مخصوصة بما إذا خاف الأنسان عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نفسه أو على عرضه أو على ماله.
وكان ابن شبرمة يقول: من فرَّ من اثنين فقد فر ومن فر من ثلاثة فلم يفر.
وقيل: إنها مختصة بالكفار الذين علم الله أنه لا ينفعهم الوعظ، يؤكده ما روي في سبب النزول عن ابن عباس أن رسول الله لما أقر مجوس هجر بالجزية قال منافقو العرب: عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قد قبل من مشركي أهل هجر ما رد على مشركي العرب فأنزل الله الآية أي لا يضركم ملامة اللائمين إذا كنتم على الهدى والحق.
وقيل: كان المؤمنون تذهب أنفسهم حسرة على أهل العناد من الكفرة فنزلت تسلية لهم كما قال لنبيه ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ وعن ابن مسعود أن الآية قرئت عنده فقال: إن هذا في آخر الزمان.
ومثله ما روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه سئل عن ذلك فقال للسائل: سألت عنها خبيراً سألت رسول الله عنها فقال: " ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا ما رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام، وإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن كقبض على الجمر للعامل منهم مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله" .
وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك ولاموه فنزلت.
ثم إنه لما أمر بحفظ النفس في قوله ﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أمر بحفظ المال.
عن ابن عباس أن تميماً الداري وأخاه عدياً - وكانا نصرانيين -، خرجا إلى الشام ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص - وكان مسلماً مهاجراً - خرجوا للتجارة.
فلما قدموا الشام مرض بديل فكتب كتاباً فيه نسخة جميع ما معه وأخفاه بين الأقمشة ولم يخبر صاحبيه بذلك، ثم أوصى إليهما وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات.
ففتشا متاعه فأخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب ودفعا باقي المتاع إلى أهله لما قدما، فأصاب أهل بديل الصحيفة فطالبوهما بالإناء فجحدا فرفعوهما إلى النبي فنزلت.
ومعنى ﴿ شهادة بينكم ﴾ شهادة ما بينكم أي من التنازع والتشاجر.
وإنما أضيفت الشهادة إلى التنازع لأن الشهود إنما يحتاج إليهم عند النزاع ﴿ وإذا حضر ﴾ ظرف للشهادة ﴿ حين الوصية ﴾ بدل منه.
وفي هذا دليل أن الوصية مما لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم عند ظهور أمارات الموت فكأنّ وقتيهما واحد وهما متلازمان.
وارتفع ﴿ اثنان ﴾ على أنه قام مقام الخبرية أي شهادة بينكم أن يشهد اثنان.
وفي قوله اثنين، أو على أنه فاعل فعل محذوف والتقدير شهادة ما بينكم أن يشهد اثنان.
وفي قوله ﴿ منكم ﴾ و ﴿ من غيركم ﴾ قولان: فعن الحسن والزهري وعليه جمهور الفقهاء أن ﴿ منكم ﴾ أي من أقاربكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من الأجانب.
والمعنى إن وقع الموت في السفر ولم يكن معكم أحد من أقاربكم فاستشهدوا على الوصية أجنبيين.
وجعل الأقارب أولى لأنهم أعلم بحال الميت وأرأف به.
وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وشريح ومجاهد وابن جريج وابن سرين أن ﴿ منكم ﴾ أي من أهل ملتكم و ﴿ من غيركم ﴾ أي من كافر كان يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً أو عابد وثن.
قال الشافعي: مرض رجل من المسلمين في الغربة فلم يجد أحد من المسلمين يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة وأتيا أبا موسى الأشعري وكان والياً عليها فأخبراه بالواقعة.
فقال أبو موسى: هذا أمر لم يقع بعد النبي صلىالله عليه وسلم فحلفهما في مسجد رسول الله بعد العصر بالله العظيم أنهما ما كذبا وما بدلا وأجاز شهادتهما.
والذاهبون إلى هذا القول احتجوا بأن الخطاب في ﴿ منكم ﴾ لجميع المؤمنين فيلزم أن يكون غيرهم كافرين، وبأن هذين الشاهدين لو كانا مسلمين لم يكن الاستشهاد بهما مشروطاً بالسفر لجواز ذلك في الحضر أيضاً بالاتفاق، وبأنه أوجب الحلف عليهما والشاهد المسلم لا يجب تحليفه ألبته، وبأن الشاهدين في سبب النزول كانا نصرانيين وبأن أبا موسى قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، وبأن الضرورات تبيح المحظورات كالتيمم والإفطار وأكل الميتة، والمسلم إذا قرب أجله ولم يجد مسلماً ولا تقبل شهادة الكفار ضاع أكثر مهماته فقد يكون عليه زكوات وكفارات وديون ولديه ودائع وله مصالح ولمثل هذه الضرورة جوّزنا شهادة النساء فيما يتعلق بأحوال النساء كالحيض والحبل والولادة.
وللأولين أن يجيبوا بأن حذف المضاف غير عزيز وبأن ذكر السفر ليس لأجل اشتراط قبول الشهادة ولكن لأجل أن الغالب في السفر فقدان الأقارب ووجود الأجانب، وبأن التحليف مشروط بالريبة وقد روي عن علي كرم الله وجهه أنه كان يحلف الشاهد والراوي إذا اتهمهما، وبأن سبب النزول لا يلزم أن ينطبق على الحكم حذو القذة بالقذة.
وبأن قصة أبي موسى خبر الواحد، وبأن الضرورة كانت في أوّل الإسلام لقلة المسلمين وتعذرهم في السفر غالباً.
ومما يصلح أن يكون مؤكداً لهذه الآية وإن لم يجز أن يكون ناسخاً لها عند من يرى أن المائدة من آخر القرآن نزولاً قوله ﴿ وأشهدوا ذوى عدل منكم ﴾ وليس المراد من العدالة الاحتراز عن الكذب في النطق فقط بل في الدين والاعتقاد، ولا كذب أعظم من الفرية على الله وعلى رسله.
وإنما تقبل شهادة أهل البدع والأهواء من هذه الأمة احتشاماً لكلمة الإسلام.
وموقع ﴿ تحبسونهما ﴾ أي توقفونهما وتصيرونهما استئناف كأنه قيل: فكيف نعمل إن ارتبنا؟
فقيل ﴿ تحبسونهما من بعد الصلاة ﴾ قال ابن عباس: من بعد صلاة دينهما.
وقال عامة المفسرين: من بعد صلاة العصر لأن هذا الوقت كان معروفاً عندهم بالتحليف بعده، ولفعل رسول الله حيث دعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بعد صلاة العصر، ولأن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ويحترزون عن الحلف الكاذب، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس وغروبها.
وقال الحسن: المراد بعد الظهر وبعد العصر لأن أهل الحجاز كانوا يقعدون للحكومة بعدهما.
وقيل: بعد أي صلاة كانت لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم بالزمان والمكان، فيحلف بعد العصر بمكة بين الركن والمقام وبالمدينة عند المنبر، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في أشرف المساجد.
وقد تغلظ بالتكرير والتعديل كما في القسامة واللعان أو بزيادة الأسماء والصفات، وقال أبو حنيفة: يحلف من غير التغليظ بزمان أو مكان.
ولا يخفى أن قول الشافعي أوفق للآية.
والمقسم عليه قوله ﴿ لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى ﴾ وقوله ﴿ إن ارتبتم ﴾ اعتراض، والضمير في ﴿ به ﴾ ، للقسم وفي كان للمقسم له يعني لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضاً من الدنيا ولو كان من يقسم له قريباً منا، أرادوا أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً كقوله ﴿ شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ وخص ذا القربى بالذكر لأن الميل إليهم أتم والمداهنة بينهم أكمل ﴿ ولا نكتم شهادة الله ﴾ التي أمر بحفظها وتعظيمها وأدائها ﴿ إنا إذاً لمن الآثمين ﴾ أي إذا كتمناها كنا من الآثمين.
ونقل عن الشعبي أنه وقف على قول الله عز وجل ﴿ شهادة ﴾ ثم ابتدأ ﴿ الله ﴾ بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه.
وروى عنه بغير مدّ على ما ذكره سيبويه أن منهم من يقول: الله لقد كان كذا والمعنى بالله ﴿ فإن عثر ﴾ قال الليث: عثر الرجل يعثر عثوراً إذا هجم على أمر لم يهجم عليه غيره وقريب منه العثار لأن العاثر إنما يعثر بشيء كان لا يراه.
والمعنى فإن حصل الإطلاع على أنهما استحقا إثماً - وهو كناية عن الخيانة والحنث في الحلف - ﴿ فآخران ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أو فاعل فعل محذوف، أو صفة مبتدأ محذوف أي فالشاهدان أو فليشهد أو فشاهدان آخران ﴿ يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ﴾ قال في الكشاف: أي الإثم ومعناه من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته.
وفي التفسير الكبير أنه المال.
وإنما وصف موالي الميت بذلك لأنه أخذ مالهم وكل من أخذ ماله غيره فقد حاول ذلك الغير أن يكون تعلقه بذلك المال مستعلياً على تعلق مالكه به فصح أن يوصف المالك بأنه قد استحق عليه ذلك المال.
وارتفع ﴿ الأوليان ﴾ على أنهما خبر مبتدأ محذوف فكأنه قيل: ومن الآخران؟
فقيل: هما الأوليان، ويجوز أن يكون بدلاً من الضمير في ﴿ يقومان ﴾ أو من ﴿ آخران ﴾ ويجوز أن يرتفع بـ ﴿ استحق ﴾ أي من الذين استحق عليهم انتداب الأولين منهم للشهادة لاطلاعهم على حقيقة الحال - قاله في الكشاف - ومعنى الأوليان الأقربان إلى الميت أو الأوليان الأحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما، أو الأحقان باليمين إما على تقدير الرد وذلك عند الشافعي وكل من يرى رد اليمين على المدعي، وإما لانقلاب القضية عند من لا يرى ذلك كأبي حنيفة وأصحابه، فإن من أقر لآخر بدين ثم ادعى أنه قضاه حكم برد اليمين إلى الذي ادّعى الدين أوّلاً لأنه صار مدعى عليه أنه قد استوفاه.
وفي هذه القصة ادعى الوصيان أن الميت باع منهما الإناء، والورثة أنكروا فكان اليمين حقاً لهم.
ومن قرأ ﴿ الأوّلين ﴾ على الجمع فعلى أنه نعت لـ ﴿ الذين استحق عليهم ﴾ أو منصوب على المدح.
ومعنى الأوّلية التقدم على الأجانب في الشهادة أو التقدم في الذكر في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ وكذلك ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ ذكرا قبل قوله قرأ ﴿ أو آخران من غيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ استحق ﴾ على البناء للفاعل ﴿ عليهم الأوليان ﴾ فقد قال في الكشاف: معناه من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين.
وفي التفسير الكبير أن الوصيين اللذين ظهرت خيانتهما هما أولى من غيرهما بسبب أن الميت عينهما للوصية، ولما خانا في مال الوصية صح أن يقال: إن الورثة قد استحق عليهم الأوليان أي خان في مالهم الأوليان.
روي أنه لما نزلت الآية الأولى صلى رسول الله صلاة العصر ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو إنه لم يجد منا خيانة في هذا المال فخلى رسول الله سبيلهما وكتما الإناء مدة، ثم باعاه فوجد بمكة.
وقيل: لما طالت المدة أظهراه فبلغ ذلك ورثته فطلبوه منهما فقالا: كنا قد اشتريناه.
فقالوا: ألم نقل لكم هل باع صاحبنا شيئاً فقلتم لا؟
فقالا: لم يكن عندنا بينة فكرهنا أن نقر وكتمنا.
فرفعوا القصة إلى رسول الله فأنزل الله ﴿ فإن عثر على أنهما استحقا ﴾ الآية فقام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة فحلفا بالله بعد العصر ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ﴾ في طلب هذا المال وفي نسبتهم الى الكذب والخيانة، فدفع رسول الله الإناء اليهما وإلى أولياء الميت.
وكان تميم الداري يقول بعد إسلامه: صدق الله وصدق رسوله أنا أخذت الإناء فأتوب الى الله .
وعن ابن عباس أنه بقيت تلك الواقعة مخفية إلى أن أسلم تميم الداري فقال: حلفت كذباً وقد بعت الإناء أنا وصاحبي بألف وقسمنا الثمن، ثم دفع خمسمائة من نفسه ونزع من صاحبه خمسمائة أخرى ودفع الألف إلى أولياء الميت ﴿ ذلك ﴾ الحكم الذي شرعناه والطريق الذي نهجناه أقرب إلى ﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي كما هو في الواقع ﴿ أو يخافوا أن تردّ ﴾ في مثل هذه القضية ﴿ أيمان ﴾ على الورثة ﴿ بعد أيمانهم ﴾ وهذا تفسير من يرى ردّ اليمين، وأما من لا يرى ذلك فالمعنى عنده أن تكرّ أيمان شهود آخرين لانقلاب المدعى عليه مدعياً وعلى التقديرين يظهر كذبهم.
والحاصل أن هذا الحكم يصير باعثاً للشهود على أداء حق الشهادة للداعي أو الصارف ﴿ واتقوا الله ﴾ في الأيمان ﴿ واسمعوا ﴾ مواعظه سماع قبول ﴿ والله لا يهدي القوم الفاسقين ﴾ الخارجين عن مناهج شرائعه وأحكامه وفيه من الوعيد ما فيه.
قال المفسرون: هذه الآية في غاية الصعوبة إعراباً ونظماً وحكماً.
وروى الواحدي في البسيط عن عمر بن الخطاب أن هذه الآية أعضل ما في هذه السورة من الأحكام، ولهذا ذهب أكثر الفقهاء إلى أن الحكم هذه الآية منسوخ.
ثم إنه ختم الأحكام بوصف أحوال القيامة وذكر بعض ما سيجري هناك من الخطاب والعتاب جرياً على عادته في هذا الكتاب من خلط التكاليف بالإلهيات والنبوّات وأحوال المعاد فقال ﴿ يوم يجمع الله الرسل ﴾ قال الزجاج: تقديره واتقوا الله يوم كذا لا على أنه ظرف لأنهم غير مأمورين بالتقوى في ذلك اليوم ولكن على أنه بدل أشتمال من اسم الله، ويجوز أن يكون ظرفاً لقوله ﴿ لا يهدي ﴾ أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذٍ، أو منصوباً بإضمار"اذكر"، أو ظرفاً لما يجيء بعده وهو ﴿ قالوا ﴾ وعلى هذين الوجهين تكون الآية منقطعة عما قبلها.
و"ماذا" منصوب بـ"أجبتم" ولكن انتصاب المصدر على معنى أيّ إجابة أجبتم، ولو أريد الجواب لقيل: بماذا أجبتم.
وفائدة السؤال توبيخ قومهم كما كان سؤال الموؤدة توبيخاً للوائد.
ثم ظاهر قوله ﴿ لا علم لنا ﴾ يدل على أن الأنبياء لا يشهدون لأممهم، فالجمع بين هذا وبين قوله ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ الآية مشكل.
فقال جمع من المفسرين: إن القيامة زلازل وأهوالاً تزيل العقول؛ فالأنبياء عندها ينسون أكثر الأمور فهنالك يقولون: لا علم لنا، فإذا عادت إليهم عقولهم شهدوا للأمم.
ولا يرد عليه قوله ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر ﴾ ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ لأن مواقف القيامة مختلفة، ولأن عدم الخوف من العاقبة لا ينافي الحيرة والدهشة أوّلاً.
وقال آخرون المراد منه المبالغة في توبيخ الكفرة فإن ذلك هو المقصود من السؤال كما يقول الواحد لغيره: ما تقول في فلان؟
فيقول: أنت أعلم به مني فكأنك قلت: لا يحتاج فيه الى شهادة لظهوره.
وفيه مع التوبيخ إظهار لتشكي الأنبياء ممن كذبوهم وعادوهم.
وقال ابن عباس: نفوا العلم عن أنفسهم عند علام الغيوب ليعلم أن علمهم هناك كلا علم.
وقيل: المراد نفي العلم بخاتمة أحوالهم وما كان منهم بعد وفاتهم وإنما الأمور بخواتيمها.
وقال في التفسير الكبير: إن الذي عرفوه منهم في الدنيا كان مبنياً على ظاهر أحوالهم كما قال: نحن نحكم بالظاهر وكان ظناً غالباًوالأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأمور وبواطنها فلهذا نفوا العلم فإن الظن لا عبرة به في القيامة من أن السكوت وتفويض الأمر إلى الأعلم الأعدل أقرب إلى الأدب.
وقرىء ﴿ علام الغيوب ﴾ بالنصب على أن الكلام قد تم عند قوله ﴿ أنت ﴾ أي أنت الموصوف بالجلال والكبرياء، ثم نصب ﴿ علام الغيوب ﴾ على الاختصاص أو على النداء.
ثم عدّد أنواع نعمه على عيسى واحدة فواحدة تنبيهاً على أنه عبد وليس بإله وتوبيخاً للمتمردين من الأمم، وأولى الأمم بذلك النصارى الطاعنون في ذات الله، باتخاذ الصاحبة والولد.
وموضع ﴿ إذ قال ﴾ رفع بالابتداء على معنى ذاك إذ قال الله أو نصب بإضمار "اذكر"، أو هو بدل من ﴿ يوم يجمع ﴾ وإنما ذكر القول بلفظ الماضي دلالة على قرب القيامة حتى كأنها قد قامت ووقعت كما يقال: الجيش قد أتى إذا قرب إتيانهم، أو ورد على الحكاية كقول الرجل لصاحبه: كأنك بنا وقد دخلنا بلدة كذا فصنعنا كذا.
ومحل ﴿ يا عيسى ﴾ مضموم على أنه منادى مفرد معرفة، أو مفتوح لأنه وصف بابن مضاف إلى علم وهو المختار للتخفيف وكثرة الاستعمال ﴿ نعمتي عليك ﴾ أراد الجمع ووحدت لأنه مضاف يصلح للجنس.
وإنما قال: ﴿ وعلى والدتك ﴾ لأن النعمة على الولد نعمة على أبويه، ولأن مكارم الأخلاق دليل على طيب الأعراق.
﴿ إذ أيدتك ﴾ بدل ﴿ من نعمتي ﴾ أي قوّيتك ﴿ بروح القدس ﴾ أي بجبريل والقدس هو الله كأنه أضافه إلى نفسه تعظيماً له، أو بالروح الطاهرة المقدسة وقد تقدم في البقرة ﴿ تكلم الناس ﴾ حكاية حال ماضية ﴿ في المهد وكهلاً ﴾ في هاتين الحالتين من غير تفاوت ﴿ وإذ علمتك الكتاب ﴾ الخط أو جنس الكتب ﴿ والحكمة ﴾ النظرية والعلمية ﴿ والتوراة والإنجيل ﴾ يعني الإحاطة بالأسرار الإلهية بعد العلوم المتداولة ﴿ فتنفخ فيها ﴾ الضمير للكاف لا للهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ولا نفخه في شيء، وكذلك الضمير في ﴿ فتكون ﴾ والكاف مؤنث بحسب المعنى لدلالتها على الهيئة التي هي كهيئة الطير ومذكر في الظاهر فلهذا عاد الضمير إليه مذكراً تارة كما في آل عمران، ومؤنثاً أخرى كما في هذه السورة.
وكرر ﴿ بإذني ﴾ أي بتسهيلي ليعلم أن الكل بأقدار الله تعالى وتمكينه وإظهاره الخوارق على يديه وإلا فهو عبد كسائر عبيده.
﴿ وإذ كففت ﴾ يروى أنه لما أظهر هذه المعجزات العجيبة قصد اليهود قتله فخلصه الله برفعه إلى السماء.
﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ من قرأ بغير ألف أشار إلى ما جاء به أو أراد أنه ذو سحر فأطلق عليه الحدث مبالغة، ومن قرأ بالألف أشار الى الرجل.
واللام في ﴿ البينات ﴾ يحتمل أن تكون للجنس ويحتمل أن يراد بها المعجزات المذكورة.
وذكر قول الكفار في حقه ﴿ إن هذا إلا سحر مبين ﴾ يحتمل ان يكون من تمام القصة استطراداً، ويمكن أن يراد بذلك تعداد النعم أيضاً لأن كل ذي نعمة محسود، فطعن الكفار فيه يدل على علو شأنه وسموّ مكانه.
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني كامل ولابتهاجه بهذه النعم الجسام والمنن العظام كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئاً لغد يقول مع كل يوم رزقه، لم يكن له بيت فيخرب، ولا ولد فيموت، أينما أمسى بات.
﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا ﴾ إن كانوا أنبياء فظاهر وإلا فالوحي بمعنى الإلهام كقوله ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ وهذا أيضاً من جملة النعم لأن كون الإنسان مقبول القول عند الناس محبوباً في قلوبهم من أعظم نعم الله .
وقدم الإيمان على الإسلام ليعلم أنهم آمنوا بقلوبهم.
وانقادوا بظواهرهم ﴿ هل يستطيع ربك ﴾ من قرأ بالتاء وبالنصب فظاهر والمراد هل تستطيع سؤال ربك أي هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عن سؤاله؟
ومن قرأ بالياء وبالرفع فمشكل لأنه حكى عنهم أنهم قالوا آمنا فكيف يتصوّر مع الإيمان شك في اقتدار الله تعالى؟
وأجيب بوجوه منها: أن حكاية الإيمان عنهم لا يوجب كمالهم وإخلاصهم في ذلك ولهذا قال لهم عيسى ﴿ اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ﴾ ومنها أنهم طلبوا مزيد الإيقان والطمأنينة ولهذا قالوا ﴿ وتطمئن قلوبنا ﴾ ومنها أنهم أرادوا هل هو جائز في الحكمة أم لا، وهذا على أصول المعتزلة من وجوب رعاية الأصلح، أو أرادوا هل قضي بذلك وعلم وقوعه أم لا، فإن خلاف معلومه غير مقدور وهذا عند الأشاعرة.
ومنها قول السدّي إن السين زائدة وكذا التاء أي هل يطيع ربك؟
ومنها لعل المراد بالرب جبريل لأنه كان يربيه.
ومنها أن المراد بالاستفهام التقرير كمن يأخذ بيد ضعيف ويقول: هل يقدر السلطان على إشباع هذا؟
يريد أن ذلك أمر جلي لا يجوز للعاقل أن يشك فيه.
قال الزجاج: المائدة فاعلة من ماد يميد إذا تحرك فكأنها تميد بما عليها.
وذلك أنها لا تسمى مائدة إلا إذا كان عليها طعام فإذا لم يكن عليها طعام فهي خوان.
وقال ابن الأنباري: هي من مادة إذا أعطاه كأنها تعطي من تقدم إليه.
وقال أبو عبيدة: هي بمعنى "مفعولة" مثل ﴿ عشية راضية ﴾ أي مرضية كأن صاحبها أعطاها الحاضرين.
قال عيسى ﴿ اتقوا الله ﴾ في تعيين المعجزة فإنه كالتحكم.
وأيضاً اقتراح معجزة بعد ظهور معجزات كثيرة تعنت، أو أمرهم بالتقوى ليتوسلوا بها إلى المطلوب ﴿ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ﴾ فأجاب الحواريون بأنا لا نطلب هذه المعجزة بمجردها ولكنا نريد أن نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا ولا نجد طعاماً آخر - يروى أنهم سألوها في مفازة على غير ماء ولا طعام - وأن نزداد يقيناً وعرفاناً وطمأنينة فإن التي شاهدناها منك معجزات أرضية وهذه سماوية فتكون أعجب وأغرب، وأن نعلم صدقك في دعوى النبوّة أو فيما وعدتنا وذلك أنه كان قال لهم: صوموا ثلاثين يوماً، وإذا تم صومكم فكل ما سألتموه الله فإنه يعطيكم.
وإذا شاهدنا المعجزة كنا عليها من الشاهدين للذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو نكون من الشاهدين لله تعالى بالقدرة ولك بالنبوة ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ صفة للمائدة أو استئناف.
وقرىء بالجزم جواباً للأمر.
كان نزولها يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً.
والعيد ما يعود إليك في وقت معلوم ومنه العيد لأنه يعود كل سنة بفرح جديد ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ بدل من لنا بتكرير العامل أي لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، أو يأكل منها آخر الناس كما يأكل أوّلهم، أو للمقدّمين منا والأتباع.
وقرىء ﴿ لأولانا وأخرانا ﴾ بمعنى الأمة أو الجماعة.
فقول عيسى ﴿ ربنا ﴾ ابتداء بذكر الحق ﴿ وأنزل علينا ﴾ انتقال من الذات إلى الصفات، وقوله ﴿ تكون لنا عيداً ﴾ إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة لا من حيث إنها بل من حيث إنها صادرة عن المنعم.
وقوله ﴿ وآية منك ﴾ إشارة إلى كون المائدة دليلاً لأصحاب النظر والاستدلال وقوله ﴿ وارزقنا ﴾ إشارة إلى حصة النفس فالحواريون قدّموا غرض النفس وأخروا الأغراض الدينية، وأن عيسى بدأ بالأشراف حتى انتهى إلى الأخس ثم قال ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ وهو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، وعند هذا يظهر التفاوت بين النفوس الكاملة والناقصة والمشرقة والمظلمة.
اللهم اجعلنا من أهل الكمال والإشراق بعميم فضلك وجسيم طولك ﴿ منزلها ﴾ بالتخفيف والتشديد بمعنى.
وقيل: بالتشديد للتكثير وبالتخفيف مرة واحدة ﴿ عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين ﴾ قال ابن عباس: يريد مسخهم خنازير.
وقيل: قردة.
وقيل جنساً من العذاب لا يكون مؤخراً إلى الآخرة.
﴿ وعذاباً ﴾ نصب على المصدر أي تعذيباً والضمير في ﴿ لا أعذبه ﴾ للمصدر، ولو أريد بالعذاب ما يعذب به لم يكن بد من الباء في الموضعين، فقيل: أعذبه بعذاب لا أعذب به أحداً، وأراد بالعالمين عالمي زمانهم.
واختلف في أن عيسى سأل المائدة لنفسه أو سألها لقومه وإن كان أضافها إلى نفسه في الظاهر وكلاهما محتمل.
أما نزولها فقد قال مجاهد والحسن: إن المائدة ما نزلت بل القوم لما سمعوا العذاب استغفروا وقالوا: لا نريدها وأكدوا هذا القول بأنه وصف المائدة بكونها عيداً لأولهم وآخرهم، فلو نزلت لبقي العيد إلى يوم القيامة.
وقال جمهور المفسرين: إنها نزلت لأنه وعد إنزالها بقوله ﴿ إني منزلها عليكم ﴾ ثم إن يوم نزولها كان عيداً لهم ولمن بعدهم ممن كان على شرعهم.
روي أن عيسى لما أراد الدعاء لبس الصوف ثم قال: اللهم أنزل علينا فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة فوقها وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.
ثم قال لهم: ليقم أحسنكم عملاً يكشف عنها ويذكر اسم الله عليها ويأكل منها، فقال شمعون رأس الحواريين: أنت أولى بذلك.
فقام عيسى فتوضأ وصلى وبكى ثم كشف المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين.
فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً، وعند رأسها ملح، وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد.
فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة؟
قال:ليس منهما ولكن شيء اخترعه الله بالقدرة العالية، كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله.
فقال الحواريون: يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال: يا سمكة احيي بإذن الله فاضطربت ثم قال لها: عودي كما كنت فعادت مشوية.
ثم طارت المائدة ثم عصوا الله بعدها فمسخوا قردة وخنازير.
وقيل إن عيسى كان شرط عليهم أن لا يسرفوا في الأكل ولا يدخروا فعصوا وادخروا فمسخوا، ﴿ وإذ قال الله ﴾ معطوف على مثله.
والصحيح أن هذا القول أيضاً يوم القيامة لقوله عقيب ذلك ﴿ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴾ وقيل: هذا عند رفع عيسى نظراً إلى أن "إذ" للماضي وقد مر توجيه ذلك.
﴿ أأنت قلت ﴾ استفهام بطريق الإنكار والغرض منه توبيخ النصارى.
قال بعض المشككين: إن أحداً من النصارى لم يذهب إلى القول بإلهية عيسى وأمه مع القول بنفي إلهية الله .
وأجيب بأن الإله هو الخالق وأنهم يعتقدون أن خالق المعجزات والكرامات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى ومريم وليس لقدرة الله في ذلك مدخل، فبهذا التأويل صح ما حكي عنهم.
وأقول: يشبه أن يكون المراد بقوله ﴿ من دون الله ﴾ أي بعد الله فيكون التوبيخ على التثليث.
أو المراد أنه لما دل البرهان على نفي تعدد الإله فمن قال بإلهية عيسى أو أمه لزمه القول بنفي المعبود الحق عن ذلك ولهذا قال عيسى ﴿ سبحانك ﴾ أي أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك.
ثم لم يجب بأني قلت أو ما قلت لأن ذلك يجري مجرى الطهارة والتبرئة بل أجاب بقوله ﴿ ما يكون ﴾ أي ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله إظهاراً لغاية الخضوع والاستكانة.
ثم فوّض الأمر إلى علمه المحيط بالكل فقال ﴿ أن كنت قلته فقد علمته ﴾ ثم علل ذلك بقوله ﴿ تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ﴾ أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك.
وذكر النفس ثانياً لأجل المشاكلة وهو من فصيح الكلام، أو تعلم ما أخفي ولا أعلم ما تخفي، أو تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل - عبارات للمفسرين - ثم أكد ما ذكر بقوله ﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ "أن" في قوله ﴿ أن اعبدوا الله ﴾ إن جعلتها مفسرة فالمفسر إما فعل القول أو فعل الأمر ولا وجه لكليهما.
أما فعل القول فيحكى بعده الكلام بلا "أن" فيقال: مما قلت لهم إلا اعبدوا الله اللهم إلا أن يقال: إن المضاف محذوف والتقدير ما أمرتني بقوله، فيكون التفسير الصريح القول المقدر، وصريح القول المقدّر كالفعل المؤوّل بالقول في عدم الظهور حتى يجوز توسيط "أن".
وأما فعل الأمر فمسند إلى ضمير الله، فلو فسرته بـ ﴿ اعبدوا الله ﴾ لم يستقم لأن الله لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم، وإن جعلتها مصدرية عند من يجوّز دخولها على الطلبية، فإن كان بدلاً من ﴿ ما أمرتني ﴾ والمبدل في حكم السقوط كان المعنى ما قلت لهم إلا عبادته ولا يستقيم، لأن العبادة لا تقال، وإن جعلته بدلاً من الهاء في ﴿ به ﴾ لم يصح أيضاً لأنه يؤل المعنى بعد طرح المبدل إلى قولك إلا ما أمرتني بأن اعبدوا الله فيبقى الموصول بلا عائد.
فإذن الوجه أن يحمل فعل القول على معناه فيكون أصل المعنى ما أمرتهم إلا بما أمرتني به حتى يستقيم تفسيره بأن اعبدوا الله ربي وربكم إلا أنه وضع القول موضع الأمر رعاية للأدب كيلا يجعل نفسه وربه آمرين ودل على الأصل بذكر"أن" المفسرة.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون "أن " مصدرية عطف بيان للهاء لا بدلاً، وحينئذ يبقى العائد بحاله ﴿ وكنت عليهم شهيداً ﴾ كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من التدين بما يوجب التفكير ﴿ ما دمت فيهم ﴾ مدة دوامي فيما بينهم ﴿ فلما توفيتني ﴾ بالرفع إلى السماء ﴿ كنت أنت الرقيب ﴾ الحافظ ﴿ عليهم ﴾ المراقب لأحوالهم ﴿ وأنت على كل شيء شهيد ﴾ من الشهادة أو من الشهود بمعنى الحضور.
﴿ وإن تغفر لهم ﴾ فيه سؤال وهو أنه كيف جاز لعيسى هذا القول والله لا يغفر الشرك؟
والجواب أن قوله لعيسى ﴿ أأنت قلت الناس ﴾ مبني على أن قوماً من النصارى حكوا عنه هذا الكلام، والحاكي لهذا الكفر عنه لا يكون كافراً بل يكون مذنباً فقط، ولو سلم أنه أشرك فغفران الشرك جائز عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة لأن العقاب حق الله على المذنب وليس في إسقاطه على الله مضرة، بل كلما كان الجرم أعظم كان العفو أحسن، إلا أن الدليل السمعي في شرعنا دل على أنه لا يكون فلعل هذا الدليل السمعي لم يكن موجوداً في شرع عيسى ، أو لعل عيسى جوّز أن يكون بعضهم قد تاب عنه.
أما من زعم أن هذه المناظرة والمحاورة إنما كانت عند رفعه إلى السماء فلا إشكال أصلاً لأن المراد إن توفيتهم على هذا الكفر وعذبتهم فإنهم عبادك فلك ذاك، وإن أخرجتهم بتوفيقك من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان وغفرت لهم ما سلف منهم ﴿ فإنك أنت العزيز ﴾ القادر على ما تريد ﴿ الحكيم ﴾ في كل ما تفعل لا اعتراض لأحد عليك، وفي مصحف عبد الله ﴿ فإنك أنت الغفور الرحيم ﴾ وضعفه العلماء لأن ذلك يشعر بكونه شفيعاً لهم لا على تفويض الأمر بالكلية إلى حكمه ، والمقام هذا لا ذاك، وعن بعضهم أن ذكر الغفور والرحيم يشبه الحالة الموجبة للمغفرة والرحمة، وأما العزة والحكمة فلا يوجبان إلا التعالي عن جميع جهات الاستحقاق، فحصول المغفرة بعد ثبوت هذا الاستغناء والعزة يكون أدل على كمال العفو والرحمة فإن العفو عند المقدرة.
قال بعض العلماء: في الآية نوع شفاعة من عيسى لفساق أمته، فلأن يثبت ذلك من محمد لفساق أمته أولى ﴿ هذا يوم ينفع ﴾ من قرأ بالرفع فظاهر وأنه في تقدير الإضافة أي هذا يوم منفعة الصادقين، ومن قرأ بالنصب فإما على أنه ظرف لـ ﴿ قال ﴾ ، وإما على أن هذا مبتدأ والظرف خبر أي هذا الذي ذكرنا من كلام عيسى واقع في هذا اليوم كقولك: القتال يوم السبت.
وقال الفراء: يوم أضيف إلى ما ليس باسم فبني على الفتح كما في "يومئذ" وخطأه البصريون وقالوا: إنما يبنى الظرف إذا أضيف إلى المبنى كالماضي في قول النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبا *** أو مثل "لا" في قوله ﴿ يوم لا تملك ﴾ وأجمعوا على أن هذا اليوم يوم القيامة.
والمراد أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في القيامة كما قال قتادة: متكلمان تكلما يوم القيامة: أما إبليس فقال ﴿ إن الله وعدكم وعد الحق ﴾ فصدق وكان قبل ذلك كاذباً فلم ينفعه، وأما عيسى فكان صادقاً في الدنيا وفي الآخرة فنفعه صدقه.
وفي هذا الكلام تصديق من الله لعيسى في قوله ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾ { م ورضوا عنه} هما متلازمان لأن رضا الله عن العبد في رعاية وظائف العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وإذا صحح الإنسان نسبة العبودية علم أن العبد لا يكون له إرادة واختيار فتكون إرادته مغمورة في إرادة ربه.
﴿ ذلك الفوز العظيم ﴾ إشارة إلى جميع المذكورات أو إلى الجزء الأشرف الأقرب وهو الرضوان ﴿ ما فيهن ﴾ لم يقل "ومن فيهن" ليكون أدل على العموم، ولينبه على أن عقول ذوي العقول وعلوم أرباب العلوم بالنسبة إلى علمه كلا علم، وإنما هم وغيرهم تحت قهره وتسخيره سواء.
واعلم أنه افتتح السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وهو الشريعة والبداية وختم السورة بهذه الآية الدالة على فناء الكل في جنب جلاله وكبريائه وهو الحقيقة والنهاية، فما أحسن هذا النسق!
وأيضاً في السورة بيان الشرائع والأحكام الكثيرة والمناظرة مع اليهود والنصارى، فهذا الاختتام ذكر فيه أن مالك لجميع الممكنات والكائنات موجد لجميع الأرواح والأجساد ليصح التكليف على أيّ وجه أراد، وليكون رداً على اليهود بحكم المالكية في نسخ شريعة موسى ووضع شريعة محمد ، وليكون رداً على النصارى في أن عيسى ومريم عليهما السلام داخلان في المخلوقات موجودان بإيجاد الله ولا معنى للعبودية إلا هذا.
وأيضاً لما أخبر عن فناء وجودهم المجازي لم يبق هناك مجيب فأجاب بنفسه ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ كقوله ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ ولعل في هذه الخاتمة من الأسرار أضعاف ما عثرنا عليه والله أعلم بأسرار كتابه.
التأويل: أخبر عن كثرة السؤال أنها تورث الملال وذلك أن علوم القال غير علوم الحال، والصنف الأول يحمد فيه السؤال والثاني يذم فيه ذلك إذ يحصل بالعيان لا بالبرهان كما كان حال الأنبياء عليهم السلام مع الله ﴿ وكذلك نرى إبراهيم ﴾ ﴿ لقد رأى من آيات ربه الكبرى ﴾ وقال : "أرنا الأشياء كما هي" .
وقال الخضر لموسى ﴿ فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء ﴾ وقال موسى في الثالثة ﴿ إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني ﴾ فإن تعلم العلم اللدني بالحال في الصحبة والمتابعة والتسليم.
وفي السؤال الانقطاع عن الصحبة ﴿ وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ﴾ أي إن كان لا بد لكم من السؤال عن حقائق فاسألوا عنها بعد نزول القرآن ليخبركم عن حقائقها على قدر عقولكم.
﴿ والله غفور ﴾ لمن تاب من طلب علوم الحقائق بالقال ﴿ حليم ﴾ لمن يطلب بالحال فيصدر عنه في أثناء الطلب سؤال ﴿ قد سألها قوم من قبلكم ﴾ كقدماء الفلاسفة أعرضوا عن متابعة الأنبياء وأقبلوا على مجرد القيل والقال، فوقعوا في أودية الشبهات والضلال ﴿ ما جعل الله من بحيرة ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين: المعروف بداية هم الحيدرية والقلندرية يشقون آذانهم وذكورهم ويجعلون فيها حلق الحديد ويحلقون لحيتهم ﴿ ولا سائبة ﴾ هم الذين يضربون في الأرض خليعي العذار بلا لجام الشريعة وقيد الطريقة ويدعون أنهم أهل الحقيقة ﴿ ولا وصيلة ﴾ هم أهل الإباحة الذين يتصلون بالأجانب بطريق المؤاخاة والاتحاد ويرفضون صحبة الأقارب لأجل العصبية والعناد ﴿ ولا حام ﴾ وهو المغرور بالله يظن أنه بلغ مقام الحقيقة فلا يضره مخالفات الشريعة.
﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله ﴾ من الأحكام ﴿ وإلى الرسول ﴾ لمتابعته ﴿ قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ﴾ أي مشايخنا وأهل صحبتنا ﴿ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئاً ﴾ من الشريعة والطريقة ﴿ ولا يهتدون ﴾ إلى الحقيقة.
﴿ عليكم أنفسكم ﴾ أي اشتغلوا أوّلاً بتزكية نفوسكم ثم بإرشاد الغير فإن الفريق الذي لم يتعلم السباحة إذا تشبث به مثله هلكا معاً ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ فللطالبين بجذبات العناية وللمضلين بسلاسل القهر والنكاية ﴿ إذا حضر أحدكم الموت ﴾ أي النفس تموت عن صفاتها الذميمة بالرياضة والمجاهدة فتوصي بصفاتها لورثتها وهم القلب وأوصافه والوصيان ﴿ اثنان ذوا عدل منكم ﴾ هما العقل والسر من الروحانيات، ﴿ أو آخران ﴾ من غير الروحانيات هما الوهم والخيال من النفسانيات.
فالعقل والسر يشهدان الحق وإن كان على ذي قرابة من الروحانيات، والوهم والخيال شهادتهما الصدق والكذب.
﴿ إن أنتم ضربتم في الأرض ﴾ أي سافرتم في السفليات ﴿ فأصابتكم مصيبة الموت ﴾ أي فتصيب النفس جذبة الحق فتموت ﴿ تحبسونهما ﴾ إن كنتم في بعد من الروحانيات ﴿ من بعد الصلاة ﴾ من بعد حضورهما مع الله وتوجيههما إلى الحق ومراقبة تامة، فيشدد على الشاهدين بالقسم والتخويف بالله أن يؤديا شهادة الحق ويدفعا تركة النفس وهي صفاتها إلى ورثتها وهم القلب وصفاته، ولا يصرفانها في شيء من السفليات فإن كل خلق إذا استعملته النفس كان صفة ذميمة، فإذا استعمله القلب صار وصفاً محموداً كالحرص إذا استعملته النفس في طلب الدنيا ولذتها كان وصفاً مذموماً، وإذا استعمله القلب في طلب العلوم والكمالات صار ممدوحاً.
﴿ فإن عثر على أنهما استحقا إثماً ﴾ بأن مالا إلى حظ من الحظوظ السفلية ﴿ فآخران ﴾ من صفات القلب هما: التذكر والفكر الصائب ينظران في عواقب الأمور ويشهدان على أن الآخرة خير من الدنيا والباقي خير من الفاني ﴿ لشهادتنا أحق من شهادتهما ﴾ لأن الوهم والخيال مالا إلى الحظوظ بكتمان الحقوق، والتذكر والتفكر مالا إلى حفظ الحقوق بترك الحظوظ.
﴿ أن يأتوا بالشهادة على وجهها ﴾ أي العقل والسر يأتيان في بدو الأمر باستعمال صفات النفس في السعادات الأخروية، أو يخافان عواقب الأمور بأن يشددوا على أنفسهم بالاستمهال وتضييع الأعمال وإفساد الاستعداد، ثم بالتفكر والتذكر يردّ الأمر إلى وجوب رعاية الحقوق فيحتاجان إلى كثرة الرياضة.
﴿ ماذا أجبتم قالوا ﴾ وهم مستغرقون في بحر الشهود.
﴿ لا علم لنا ﴾ اي ببواطن الأمور وحقائقها.
﴿ وإذ أوحيت إلى الحواريين ﴾ أي في عالم الأرواح يوم الميثاق قالوا بسبب ذلك التعارف في عالم الأشباح آمنا.
إن بعض الحواريين المقلدين في الإيمان قالوا ﴿ يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ﴾ فما راعوا الأدب مع نبيهم حيث لم يقوموا يا رسول الله أو يا روح الله، ولا مع ربهم حيث تشككوا في كمال قدرته.
ثم أظهروا دناءة همتهم حيث طلبوا بواسطة مثل عيسى من واهب المواهب مائدة جسمانية لا فائدة روحانية فقال عيسى ﴿ اللهم ربنا أنزل علينا مائدة ﴾ الأسرار والحقائق من سماء العناية عليها أطعمة الهداية ﴿ تكون لنا ﴾ أي لأهل الحق والصدق ﴿ عيداً ﴾ نفرح بها ﴿ لأولنا وآخرنا ﴾ أي لأول أنفاسنا وآخرها فإن أهل الحق يراقبون الأنفاس لتصعد مع الله وتهوي مع الله ﴿ وأنت خير الرازقين ﴾ لأن الذي ترزق رزق منك والذي يرزق ظاهراً من غيرك فهو أيضاً منك بالواسطة، وما بالذات خير مما بالواسطة.
﴿ فمن يكفر بعد منكم ﴾ بأن لا يقوم بحقها ويجعلها شبكة يصطاد بها الدنيا فأني أرده من المراتب الروحانية إلى المهالك الحيوانية وهو المسخ الحقيقي، ويوم القيامة أيضاً بحيث يحشرون على صفاتهم التي ماتوا عليها كما قال "يموت المرء على ما عاش فيه ويحشر على ما مات عليه" ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ الخطاب مع الأمة إلا أن من سنته أن لا يكلم الكفار فكلم عيسى بدلاً منهم، أو المراد بالقول أمر التكوين فالمعنى أأنت خلقت فيهم اتخاذك وأمك الهين أم أنا خلقت ذلك فيهم خذلاناً لهم؟
﴿ إنك أنت علام الغيوب ﴾ الغيب ما غاب عن الخلق.
ويحتمل أن سيعلمه الخلق، وغيب الغيب ما غاب عنهم ولا يمكنهم أن يعلموه، والله حسبي ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ...
﴾ \[الآية\].
يحتمل هذا القول أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن كان هذا القول منه في الوقت الذي كان عيسى بين أظهرهم؛ ليكون ذلك آية وحجة لمن تبعه على من زاغ عن طريقه، وضل عن سبيل الهدى؛ لأنه تبرأ أن يكون قال لهم ذلك.
ويحتمل: أن يكون قال ذلك له وقت رفعه إلى السماء: قرر عنده أن قومه يقولون ذلك القول بعد مفارقته قومه.
وقيل: إنه يقول ذلك له يوم القيامة ويكون "قال" بمعنى: "يقول"؛ كقوله - -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ﴾ ، وكقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ أي: يقولون، وذلك جائز "قال" بمعنى: "يقول"، وذلك في القرآن كثير.
واتخاذهم عيسى وأمه إلهين قول متناقض؛ لأنهم سمَّوها: أم عيسى؛ فإذا ثبتت لها الأمومة بطل أن تكون إلهاً؛ وكذلك عيسى: إذا ظهر أنه كان ابنا لها، بطل أن يكون إلها؛ لأنه لا يكون ابن غيره إلهاً، لكنهم قوم سفهاء، يقولون ذلك عن سفه.
﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ .
أي: لا ينبغي لي أن أقول ما ليس ذلك بحق.
﴿ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ﴾ .
يتكلم في النفس على وجهين: أحدهما: يراد ما يضمر.
والثاني: على إرادة الذات؛ فإن كان الله يتعالى عن أن يوصف بالذات كما يوصف الخلق؛ دل أنه إنما يراد بذلك غيره، وهو أن يقال: تعلم ما عندي ولا أعلم ما عندك، أو يقول: تعلم ما كان مني ولا أطلع على غيبك.
﴿ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ ﴾ .
أي: إنك أنت علام ما غاب عن الخلق.
قوله : ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ .
أي: ما دعوتهم إلا إلى ما أمرتني أن أدعوهم إليه من التوحيد والعبادة لك.
وقوله: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ .
أي: شاهداً عليهم.
هذا يدل على أن ذلك القول كان منه وقت رفعه إلى السماء، أو يكون يوم القيامة.
ويقال: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ أي: كنت عليهم حفيظاً ما كنتُ بين أظهرهم.
﴿ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ﴾ .
أي: الحفيظ عليهم.
﴿ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ .
بما أمرتهم من التوحيد والعبادة لك، وشاهداً عليهم بما قالوا من البهتان.
وذكر في بعض القصة: لما قال الله - - لعيسى: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ - قيل: فَأُرْعِدَتْ مفاصله، وخشي أن يكون قالها؛ فقال: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...
﴾ الآية.
وذكر - أيضاً - متكلمان يتكلمان يوم القيام: نبي الله عيسى ابن مريم - - وعدو الله إبليس - لعنه الله -: فأما كلام عيسى - - يقول الله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فقال عيسى ابن مريم - -: ﴿ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
وأما كلام اللعين: فيقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ...
﴾ الآية [إبراهيم: 22].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
اختلف فيه: عن الحسن قال: يقول ذلك في الآخرة: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ إن تعذب من مات على ما كان منه من القول الوخش في الله، ﴿ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ أي: وإن تغفر لمن أكرمت له بالإسلام والهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ ؛ لأن منهم من قد آمن بعد هذا القول الوخش في الله.
وقال آخرون: هذا القول كان من عيسى في الدنيا: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ ﴾ ، يقول: إن تعذب من مات على الكفر الذي كان منهم ﴿ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ ﴾ من أكرمت له الهدى ﴿ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ أي: أنت العزيز وهم عبادك أذلاء.
وفي حرف ابن مسعود - -: (فإنك أنت الغفور الرحيم) [و] هو ظاهر؛ لأنه ذكر أنه غفور على إثر المغفرة.
وروي في الخبر أن نبي الله - - كان أحيا ليله بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ به قام، وبه سجد، وبه قعد، فهو - والله أعلم - على التشفع والتضرع إليه، كأنه قال: إن خذلتهم فمن الذي ينصرهم ويدفع ذلك عنهم دونك، وهم عبادك أذلاء؟!
وإن أكرمتهم فمن الذي يمنعك عن إكرامهم؟!.
والثاني: إن تعذبهم فلك سلطان عليهم، ولست أنت في تعذيبك إياهم جائرا؛ لأنهم عبادك؛ لأن الجور هو المجاوزة عن الحد الذي له إلى الحد الذي ليس له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا ﴾ .
قيل: "قال..." بمعنى: "يقول الله يوم القيامة" ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ﴾ ، أي: اليوم ينفع الصادقين صدقهم في الدنيا، وينفع صدق الصادق - أيضاً - في الدنيا؛ لأنه إذا عرف بالصدق قُبِلَ قوله، وإن لم يظهر صدقه في قوله.
ثمَّ اختلف في الصادقين من هم؟: قال بعضهم: هم المؤمنون جملة، أي: يومئذ ينفع إيمان المؤمنين، وتوحيد الموحدين في الدنيا؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: الصادقون: هم الأنبياء، عليهم السلام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .
قد ذكرناه فيما تقدم.
﴿ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .
و"خالدين" و"أبداً" واحد؛ لكنه يذكر على التأكيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ .
لسعيهم في الدنيا.
﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ .
بالثواب لسعيهم.
ويحتمل: ﴿ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ بما وفقهم على سعيهم المحمود في الدنيا ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .
لأنه ليس بعده خوف الهلاك، ولا خوف الفوت؛ فهو الفوز العظيم، ليس كفوز الدنيا؛ لأنه لا يذهب عنه خوف الهلاك، ولا خوف الفوت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ للَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ﴾ .
[كأن] هذا خرج على إثر قوله: ﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: كيف يتخذ أرباباً وولداً وله ملك السماوات والأرض وملك ما فيهن من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه؟!.
﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
لا يعجزه شيء، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم].
إنْ تعذبهم -يا رب- فإنهم عبادك تفعل بهم ما تشاء، وإن تَمْنُن على من آمن منهم بالمغفرة فلا مانع لك من ذلك، فانت العزيز الذي لا يُغَالَب، الحكيم في تدبيرك.
<div class="verse-tafsir" id="91.2jk9P"