الآية ١٣ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٣ من سورة المائدة

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 134 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عما أحل بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده ، فقال : ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ) أي : فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم لعناهم ، أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى ، ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) أي : فلا يتعظون بموعظة لغلظها وقساوتها ، ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) أي : فسدت فهومهم ، وساء تصرفهم في آيات الله ، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله ، وحملوه على غير مراده ، وقالوا عليه ما لم يقل ، عياذا بالله من ذلك ، ( ونسوا حظا مما ذكروا به ) أي : وتركوا العمل به رغبة عنه .

قال الحسن : تركوا عرى دينهم ووظائف الله التي لا يقبل العمل إلا بها .

وقال غيره : تركوا العمل فصاروا إلى حالة رديئة ، فلا قلوب سليمة ، ولا فطر مستقيمة ، ولا أعمال قويمة .

( ولا تزال تطلع على خائنة منهم ) يعني : مكرهم وغدرهم لك ولأصحابك .

وقال مجاهد وغيره : يعني بذلك تمالؤهم على الفتك بالنبي ، صلى الله عليه وسلم .

( فاعف عنهم واصفح ) وهذا هو عين النصر والظفر ، كما قال بعض السلف : ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه .

وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق ، ولعل الله أن يهديهم ; ولهذا قال تعالى : ( إن الله يحب المحسنين ) يعني به : الصفح عمن أساء إليك .

وقال قتادة : هذه الآية ( فاعف عنهم واصفح ) منسوخة بقوله : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر [ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ] ) [ التوبة : 29 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ قال أبو جفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك، ونكثوا العهدَ الذي بينك وبينهم، غدرًا منهم بك وبأصحابك، فإن ذلك من عاداتهم وعادات سَلَفهم، ومن ذلك أنَّي أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى صلى الله عليه وسلم على طاعتي، وبعثت منهم اثني عشر نقيبًا وقد تُخُيِّرُوا من جميعهم ليتحسَّسُوا أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصرَ عليهم، وأن أورثهم أرضَهم وديارهم وأموالهم، بعد ما أريتهم من العِبَر والآيات- بإهلاك فرعون وقومِه في البحر، وفلق البحر لهم، وسائر العبر- ما أريتهم، (85) فنقضوا مِيثاقهم الذي واثقوني ونكثوا عهدي، فلعنتهم بنقضهم ميثاقهم.

فإذْ كان ذلك من فعل خيارهم مع أياديَّ عندهم، فلا تستنكروا مثله من فعل أرَاذلهم.

* * * =وفى الكلام محذوف اكتُفِي بدلالة الظاهر عليه، وذلك أن معنى الكلام: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ - فنقضوا الميثاق، فلعنتهم=" فبما نقضْهم ميثاقهم لعناهم " فاكتفى بقوله: " فبما نقضهم ميثاقهم " من ذكر " فنقضوا ".

(86) * * * ويعني بقوله جل ثناؤه: " فبما نقضهم ميثاقهم "، فبنقضهم ميثاقهم، كما قال قتادة.

11584 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم " يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعناهم.

(87) 11585 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: " فبما نقضهم ميثاقهم " قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه.

* * * وقد ذكرنا معنى " اللعن " في غير هذا الموضع.

(88) * * * و " الهاء والميم " من قوله: " فبما نقضهم " عائدتان على ذكر بني إسرائيل قبل.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة أهلِ المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: (قَاسِيَةً) بالألف= * * * =على تقدير " فاعلة " من " قسوة القلب "، من قول القائل: " قَسَا قلبه، فهو يقسُو وهو قاسٍ"، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابسًا صلبًا (89) كما قال الراجز: وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِي (90) * * * =فتأويل الكلام على هذه القراءة: فلعنَّا الذين نقضوا عهدي ولم يفُوا بميثاقي من بني إسرائيل، بنقضهم ميثاقهم الذي واثقوني=" وجعلنا قلوبهم قاسية "، غليظة يابسةً عن الإيمان بي، والتوفيق لطاعتي، منـزوعةً منها الرأفةُ والرحمة.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ).

* * * ثم اختلف الذين قرأوا ذلك كذلك في تأويله.

فقال بعضهم: معنى ذلك معنى " القسوة "، لأن " فعيلة " في الذم أبلغ من " فاعلة "، فاخترنا قراءتها " قسية " على " قاسية " لذلك.

* * * وقال آخرون منهم: بل معنى " قسِيَّة " غير معنى " القسوة "، وإنما " القسية " في هذا الموضع: القلوبُ التي لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كُفْر، كالدراهم " القَسِيَّة "، وهي التي يخالط فضّتها غشٌّ من نحاس أو رَصاص وغير ذلك، كما قال أبو زُبَيْد الطائي: لَهَـا صَـوَاهِلُ فِـي صُـمِّ السِّلامِ كَمَا صَـاحَ القَسِـيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيارِيفِ (91) يصف بذلك وقع مَسَاحي الذين حفروا قبر عثمان على الصخور، وهي" السِّلام ".

* * * قال أبو جعفر: وأعجبُ القراءتين إليّ في ذلك، قراءة من قرأ: ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ) على " فعيلة "، لأنها أبلغ في ذم القوم من " قاسية ".

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: " فعيلة " من " القسوة "، كما قيل: " نفس زكيّة " و " زاكية "، و " امرأة شاهدة " و " شهيدة "، لأن الله جل ثناؤه وصف القوم بنقضهم ميثاقَهم وكفرِهم به، ولم يصفهم بشيء من الإيمان، فتكون قلوبهم موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التي يخالط فضَّتها غشٌّ.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهودَنا من بني إسرائيل قَسِيَّة، منـزوعا منها الخير، مرفوعًا منها التوفيق، فلا يؤمنون ولا يهتدون، فهم لنـزعِ الله عز وجل التوفيقَ من قلوبهم والإيمانَ، يحرّفون كلام ربِّهم الذي أنـزله على نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، وهو التوراة، فيبدّلونه، ويكتبون بأيديهم غير الذي أنـزله الله جل وعز على نبيهم، ثم يقولون لجهال الناس: (92) " هذا هو كلام الله الذي أنـزله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، والتوراة التي أوحاها إليه ".

(93) وهذا من صفة القرون التي كانت بعد موسى من اليهود، ممن أدرك بعضُهم عصرَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عزّ ذكره أدخلهم في عِدَاد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرَك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم في الكذب على الله، والفرية عليه، ونقض المواثيق التي أخذها عليهم في التوراة، كما:- 11586 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " يحرّفون الكلم عن مواضعه " يعني: حدود الله في التوراة، ويقولون: إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني تعالى ذكره بقوله: " ونسوا حظًّا " وتركوا نصيبا، وهو كقوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [سورة التوبة: 67] أي: تركوا أمر الله فتركهم الله.

(94) * * * وقد مضى بيان ذلك بشواهده في غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته.

(95) * * * وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11587 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ونسوا حظًّا مما ذكروا به " يقول: تركوا نصيبًا.

11588 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: " ونسوا حظًّا مما ذكروا به " قال: تركوا عُرَى دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التي لا تُقْبل الأعمال إلا بها.

(96) .................................................

................................................

(97) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ قال أبو جعفر: يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال يا محمد تَطَّلع من اليهود= الذين أنبأتك نبأهم، من نقضهم ميثاقي، ونكثهم عهدي، مع أياديَّ عندهم، ونعمتي عليهم= على مثل ذلك من الغدر والخيانة=" إلا قليلا منهم "، إلا قليلا منهم [لم يخونوا].

(98) * * * و " الخائنة " في هذا الموضع: الخيانة، وُضع وهو اسمٌ- موضع المصدر، كما قيل: " خاطئة "، للخطيئة (99) و " قائلة " للقيلولة.

* * * وقوله: " إلا قليلا منهم "، استثناء من " الهاء والميم " اللتين في قوله: " على خائنة منهم ".

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11589 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولا تزال تطلع على خائنة منهم " قال: على خيانة وكذب وفجور.

11590 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله جل وعزّ: " ولا تزال تطلع على خائنة منهم " قال: هم يهودُ مِثْلُ الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل حائطهم.

11591 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بنحوه.

11592 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال مجاهد وعكرمة قوله: " ولا تزال تطلع على خائنة منهم " من يهود مثلُ الذي همُّوا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم.

* * * وقال بعض القائلين: (100) معنى ذلك: ولا تزال تطلع على خائن منهم، قال: والعرب تزيد " الهاء " في آخر المذكر كقولهم: " هو راوية للشعر "، و " رجل علامة "، وأنشد: (101) حَـدَّثْتَ نَفْسَـكَ بِالوَفَـاءِ ولَـمْ تَكُـنْ لِلغَــدْرِ خَائِنَــةً مُغِــلَّ الإصْبَـعِ (102) فقال: " خائنة "، وهو يخاطب رجلا.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من التأويل في ذلك، القولُ الذي رويناه عن أهل التأويل.

لأنّ الله عنى بهذه الآية، القوم من يهود بني النضير الذين همُّوا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية العامريّين، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد همُّوا به.

ثم قال جل ثناؤه بعد تعريفِه أخبار أوائلهم، وإعلامه منهج أسلافهم، وأنَّ آخرهم على منهاج أوّلهم في الغدر والخيانة، لئلا يكبُر فعلُهم ذلك على نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فقال جل ثناؤه: ولا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة وغدرٍ ونقضِ عهد= ولم يرد أنّه لا يزال يطلع على رجل منهم خائنٍ.

وذلك أن الخبر ابتُدِئ به عن جماعتهم فقيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ، ثم قيل: " وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ"، فإذ كان الابتداء عن الجماعة، فالختْمُ بالجماعة أولى.

(103) * * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) قال أبو جعفر: وهذ أمر من الله عز ذكره نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود.

يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه.

(104) * * * وكان قتادة يقول: هذه منسوخة.

ويقول: نسختها آية " براءة ": قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الآية [سورة التوبة: 29].

11593 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فاعف عنهم واصفح "، قال: نسختها: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ .

11594 - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا همام، عن قتادة: " فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحب المحسنين "، ولم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح.

ثم نسخ ذلك في" براءة " فقال: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [سورة التوبة: 29]، وهم أهل الكتاب، فأمر الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يقرُّوا بالجزية.

11595 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال، قرأت على ابن أبي عروبة، عن قتادة، نحوه.

* * * قال أبو جعفر: والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانهُ، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيًا كلَّ معاني خلافهِ الذي كان قبله، فأمَّا ما كان غير نافٍ جميعَه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز أو من رسوله صلى الله عليه وسلم.

وليس في قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ دلالةٌ على الأمر بنفي معاني الصَّفح والعفو عن اليهود.

وإذ كان ذلك كذلك= وكان جائزًا مع إقرارهم بالصَّغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمرُ بالعفو عنهم في غَدْرة همُّوا بها، أو نكثةٍ عزموا عليها، ما لم يَنْصِبُوا حربًا دون أداء الجزية، (105) ويمتنعوا من الأحكام اللازمَتِهم (106) = لم يكن واجبا أن يحكم لقوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ الآية، بأنه ناسخ قوله: " فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ".

* * * ------------------- الهوامش : (85) السياق: "بعد ما أريتهم من العبر والآيات..

ما أريتهم" ، وما بين الخطين فصل مفسر.

(86) انظر تفسير"النقص" فيما سلف 9: 363.

(87) الأثر: 11584- في المطبوعة والمخطوطة: "حدثنا كثير ، قال حدثنا يزيد" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في التفسير.

(88) انظر تفسير"اللعن" فيما سلف 9: 213 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(89) انظر تفسير"القسوة" فيما سلف 2: 233.

(90) مر تخريجه فيما سلف 2: 233 ، وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 158.

(91) المعاني الكبير: 1024 ، 1025 ، وأمالي القالى 1: 28 ، وسمط اللآلئ: 128 ، 931 ، واللسان (أمر) (صهل) من قصيدته في رثاء أمير المؤمنين المقتول ظلمًا ، ذي النورين عثمان بن عفان ، يقول فيها: يَـا لَهْـفَ نَفْسِـي إنْ كَانَ الَّذِي زَعَمُوا حَقًّـا، وَمَـاذَا يَـرُدُّ الْيَـومَ تَلْهِيفِـي!!

إِنْ كَـانَ عُثْمَــانُ أَمْسَـى فَوْقَـهُ أَمَرٌ كَـرَاقِبِ العُـونِ فَـوْقَ القُنَّـةِ المُوفِي "الأمر" (بفتحتين): الحجارة.

و"العون" جمع"عانة" ، وهي حمر الوحش."وراقب العون": الفحل الذي يحوطها ويحرسها على مربأة عالية ، ينتظر مغيب الشمس فيرد بها الماء.

ثم يقول بعد ذلك: يَـا بُـؤْسَ لْلأرْضِ، مَا غَالَـتْ غَوَائِلُهَا مِـنْ حُـكْمِ عَدْلٍ وَجُودٍ غَيْرِ مَكْفُوفِ!!

عــلى جَنَابَيْـهِ مِـنْ مَظَلُومَـةٍ قِيَـمٌ تَعَاوَرَتْهَــا مَسَــاحٍ كَالْمَنَاسِــيفِ لَهَـا صَـوَاهَلُ فِـي صُـمِّ السِّلامِ، كَمَا صَـاحَ القَسِـيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ كَــأنَّهُنَّ بِــأَيْدِي الْقَـوْمِ فِـي كَبَـدٍ طَـيْرٌ تَكَشـفُ عَـنْ جُـونٍ مَزَاحِيفِ قوله: "جنابيه" أي: جانبيه."مظلومة": حفرت ولم تكن حفرت من قبل ، يعني أرض لحده."قيم" جمع"قامة": يعني ما ارتفع من ركام تراب القبر.

و"المساحي" جمع"مسحاة": وهي المجرفة من الحديد.

و"المناسيف" جمع"منسفة" ، وهي آلة يقلع بها البناء وينسف ، أصلب وأشد من المسحاة.

و"الصواهل" جمع"صاهلة" مصدر على"فاعلة" ، بمعنى"الصهيل": وهو صوت الخيل الشديد ، وكل صوت يشبهه.

و"الصم" جمع"أصم" ، يعني أنها حجارة صلبة تصهل منها المساحي.

و"السلام" (بكسر السين) الصخور.

و"الصياريف"هم"الصيارف" ، وزاد الياء للإشباع.

و"الكبد": الشدة.

و"الجون": السود.

و"مزاحيف" ، تزحف من الإعياء ، يعني إبلا قد هلكت من الإعياء.

شبه المساحي بأيدي القوم وهم يحفرون قبره ، بنسور تقع على الإبل المعيية ، ثم تنهض ، ثم تعود فتسقط عليها.

وكان قبر عثمان في حرة المدينة ذات الحجارة السود ، فلذلك قال: "عن جون مزاحيف".

(92) في المطبوعة: "ويقولون" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(93) انظر تفسير"تحريف الكلم عن مواضعه" فيما سلف 2: 248/8: 430-432.

(94) انظر تفسير"النسيان" فيما سلف 2: 9 ، 476/5: 164/6: 133- 135.

(95) انظر التعليق السالف ، وتفسير"حظ" فيما سلف من فهارس اللغة.

(96) "الوظائف" جمع"وظيفة" ، وهي من كل شيء ، ما يقدر له في كل يوم من رزق أو طعام أو علف أو شراب.

ثم قالوا: "وظف الشيء على نفسه توظيفا" ، أي: ألزمها إياه ، وقالوا: "عليه كل يوم وظيفة من عمل" ، أي: ما ألزم عمله في يومه هذا.

وعنى الحسن بقوله"وظائف الله" ، فروضه التي ألزمها عباده في الإيمان به ، وطاعته ، وإخلاص النية له سبحانه.

وهذا حرف ينبغي تقييده في كتب اللغة ، من كلام الحسن رضي الله عنه.

(97) وضعت هذه النقط دلالة على سقط أو خرم في نسخ ناسخ المخطوطة.

وذلك أنه كتب في أول تفسير هذا الجزء من الآية: "ونسوا حظًا" ، ثم ساق كلام أبي جعفر إلى آخر الخبر رقم: 11588.

ثم بدأ بعد ذلك هكذا: "القول في تأويل قوله عز ذكره: "مما ذكروا به" = ثم ساق تفسير الجزء التالي من الآية ، وهو: "ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم".

ولم يكتب هذا الجزء من الآية ، والتفسير تفسيرها.

فاتضح من ذلك أن الناسخ نسى تفسير"مما ذكروا" فسقط منه.

ولم يذكر الآية التي يفسرها كلام أبي جعفر.

هذا ، وانظر معنى"التذكير" فيما سلف 5: 580/6: 62-65 ، 211.

(98) في المطبوعة ، وقف عند قوله: "إلا قليلا منهم" ، وأسقط: "إلا قليلا منهم لم يخونوا".

وفي المخطوطة سقط من الناسخ"لم يخونوا" فكتب"إلا قليلا منهم ، إلا قليلا منهم".

واستظهرت"لم يخونوا"ووضعتها بين قوسين ، من قوله بعد: إنه استثناء من الهاء والميم في"خائنة منهم".

(99) في المطبوعة: "خاطئة ، للخطأة" ، كأنه استنكرها ، وسيأتي في تفسير أبي جعفر 29: 33 (بولاق) في تفسير قوله تعالى: "والموتفكات بالخاطئة" ، قال ، "بالخاطئة ، يعني بالخطيئة".

وهكذا كتب أبو جعفر كما ترى ، وإن كان لا يعجبني هذا التمثيل ، بل كنت أوثر أن يقول إنه مصدر جاء على فاعلة ، مثل"العافية".

إلا أن يكون أبو جعفر أراد أن"الخطيئة" مصدر على"فعيلة" كالشبيبة والفضيحة ، وأشباهها ، وهي قليلة.

(100) ما أشد استنكار أبي جعفر لمقالات أبي عبيدة معمر بن المثنى ، حتى يذكره مجهلا بأساليب مختلفة!!

وهذا الآتي هو نص كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 158.

(101) هو رجل من السواقط ، من بني أبي بكر بن كلاب.

و"السواقط" هم الذين يردون اليمامة لامتياز التمر.

(102) الكامل للمبرد 1: 211 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 158 ، وإصلاح المنطق: 295 ، واللسان (صبع) (غلل) (خون).

وهذا من شعر له خبر.

وذلك أن هذا الشاعر لما ورد اليمامة كان معه أخ له جميل ، فنزل جارا لعمير بن سلمى ، فقال قرين أخو عمير للكلابي: "لا تردن أبياتنا بأخيك هذا" ، مخافة جماله ، فرآه قرين بين أبياتهم بعد ، وأخوه عمير غائب ، فقتله.

فجاء الكلابي قبر سلمى (أبي عمير ، وقرين) فاستجار به وقال: وَإِذَا اسْـتَجَرْتَ مِـنَ الْيَمَامَـةِ فَاسْتَجِرْ زَيْــدَ بــن يَرْبُــوعٍ وَآلَ مُجَـمِّعِ وَأَتَيْــتُ سُــلْمِيَّا فَعُــذْتُ بِقَـبْرِهِ وَأَخُــو الزَّمَانَــةِ عَــائِذٌ بِـالأمْنَعِ أَقَــرِينُ إِنَّـكَ لَـوْ رَأَيْـتَ فَوَارِسِـي بِعَمَــايَتَيْنَ إِلَــى جَـوَانِبِ ضَلْفَـعِ حَــدَّثْتَ نَفْسَــك ..................

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

فلجأ قرين إلى وجوه بني حنيفة (وهم زيد بن يربوع ، وآل مجمع) ، فحملوا إلى الكلابي ديات مضاعفة ، فأبى أن يقبلها.

فلما قدم عمير ، فقالت له أمه: "لا تقتل أخاك ، وسق إلى الكلابي جميع ماله" ، فأبى الكلابي أن يقبل.

فأخذ عمير أخاه قرينًا فقتله ، وقال: قَتَلْنَــا أَخَانَــا لِلْوَفَــاءِ بِجَارِنَــا وَكَــانَ أَبُونَـا قَـدْ تُجِـيرُ مَقـابِرُهْ وقالت أم عمير لعمير: تَعُــدُّ مَعَــاذِرًا لا عُــذْرَ فِيهَــا وَمَــنْ يَقْتُــلْ أَخَــاهُ فَقَـدْ أَلاَمَـا وقوله: "أخو الزمانة" ، هي العاهة ، يريد ضعفه عن درك ثأره.

و"عمايتان" و"ضلفع" مواضع من بلاد هذا الكلابي.

وقوله"مغل الإصبع" ، كناية عن الخيانة والسرقة."أغل يغل": خان الأمانة خلسة.

ويقول بعضهم: "مغل الإصبع" ، منصوب على النداء.

(103) في المطبوعة: "فلتختم بالجماعة أولى" ، ولست أدري فيم يغير الصواب المستقيم!

(104) انظر تفسير"العفو" فيما سلف من فهارس اللغة = وتفسير"الصفح" فيما سلف 2: 503 = وتفسير"المحسنين" ، فيما سلف من فهارس اللغة.

(105) في المطبوعة: "ما لم يصيبوا حربًا" ، والصواب المحض من المخطوطة.

يقال: "نصب له الحرب نصبًا": وضعها وأظهرها ، وأعلنها.

و"ناصبه الحرب والعداوة": أي أظهرها ولج في إظهارها.

(106) في المطبوعة: "اللازمة منهم" ، غير صواب المخطوطة ، إلى ما درج عليه كلام أمثاله ، وقد مضى مثل ذلك مرارًا ، ومضى مثل ذلك من فعل الناشر.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين[ ص: 75 ] قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم أي : فبنقضهم ميثاقهم ، " ما " زائدة للتوكيد ، عن قتادة وسائر أهل العلم ; وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم ، ومن جهة تكثيره للتوكيد ; كما قال :لشيء ما يسود من يسودفالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير .

لعناهم قال ابن عباس : عذبناهم بالجزية .

وقال الحسن ومقاتل : بالمسخ .

عطاء : أبعدناهم ; واللعن الإبعاد والطرد من الرحمة .

وجعلنا قلوبهم قاسية أي : صلبة لا تعي خيرا ولا تفعله ; والقاسية والعاتية بمعنى واحد ، وقرأ الكسائي وحمزة : " قسية " بتشديد الياء من غير ألف ; وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب ، والعام القسي الشديد الذي لا مطر فيه ، وقيل : هو من الدراهم القسيات أي : الفاسدة الرديئة ; فمعنى " قسية " على هذا ليست بخالصة الإيمان ، أي : فيها نفاق .

قال النحاس : وهذا قول حسن ; لأنه يقال : درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره .

يقال : درهم قسي ( مخفف السين مشدد الياء ) مثال شقي أي : زائف ; ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد : ( الشاعر هو : أبو زيد الطائي )لها صواهل في صم السلام كما صاح القسيات في أيدي الصياريفيصف وقع المساحي في الحجارة ، وقال الأصمعي وأبو عبيد : درهم قسي كأنه معرب قاشي .

قال القشيري : وهذا بعيد ; لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ، بل الدرهم القسي من القسوة والشدة أيضا ; لأن ما قلت نقرته يقسو ويصلب ، وقرأ الأعمش : " قسية " بتخفيف الياء على وزن فعلة نحو عمية وشجية ; من قسى يقسي لا من قسا يقسو ، وقرأ الباقون على وزن فاعلة ; وهو اختيار أبي عبيد ; وهما لغتان مثل العلية والعالية ، والزكية والزاكية .

قال أبو جعفر النحاس : أولى ما فيه أن تكون قسية بمعنى قاسية ، إلا أن فعيلة أبلغ من فاعلة .

فالمعنى : جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي ; لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر ، كالدراهم القسية التي خالطها غش .

قال الراجز :قد قسوت وقست لداتييحرفون الكلم عن مواضعه أي : يتأولونه على غير تأويله ، ويلقون ذلك إلى العوام ، وقيل : معناه يبدلون حروفه .

و ( يحرفون ) في موضع نصب ، أي : جعلنا قلوبهم قاسية [ ص: 76 ] محرفين ، وقرأ السلمي والنخعي " الكلام " بالألف وذلك أنهم غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم .

ونسوا حظا مما ذكروا به أي : نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبيان نعته .

ولا تزال تطلع أي : وأنت يا محمد لا تزال الآن تقف على خائنة منهم والخائنة الخيانة ; قال قتادة ، وهذا جائز في اللغة ، ويكون مثل قولهم : قائلة بمعنى قيلولة ، وقيل : هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة ، وقد تقع خائنة للواحد كما يقال : رجل نسابة وعلامة ; فخائنة على هذا للمبالغة ; يقال : رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة .

قال الشاعر :حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الإصبعقال ابن عباس : على خائنة أي : معصية ، وقيل : كذب وفجور ، وكانت خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ; كيوم الأحزاب وغير ذلك من همهم بقتله وسبه .

إلا قليلا منهم لم يخونوا فهو استثناء من الهاء والميم اللتين في خائنة منهم .

فاعف عنهم واصفح في معناه قولان : فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل الذمة ، والقول الآخر أنه منسوخ بآية السيف ، وقيل : بقوله عز وجل وإما تخافن من قوم خيانة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ْ} أي: بسببه عاقبناهم بعدة عقوبات: الأولى: أنا { لَعَنَّاهُمْ ْ} أي: طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا، حيث أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة، ولم يقوموا بالعهد الذي أخذ عليهم، الذي هو سببها الأعظم.

الثانية: قوله: { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ْ} أي: غليظة لا تجدي فيها المواعظ، ولا تنفعها الآيات والنذر، فلا يرغبهم تشويق، ولا يزعجهم تخويف، وهذا من أعظم العقوبات على العبد، أن يكون قلبه بهذه الصفة التي لا يفيده الهدى, والخير إلا شرا.

الثالثة: أنهم { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ ْ} أي: ابتلوا بالتغيير والتبديل، فيجعلون للكلم الذي أراد الله معنى غير ما أراده الله ولا رسوله.

الرابعة: أنهم { نسوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ْ} فإنهم ذكروا بالتوراة، وبما أنزل الله على موسى، فنسوا حظا منه، وهذا شامل لنسيان علمه، وأنهم نسوه وضاع عنهم، ولم يوجد كثير مما أنساهم الله إياه عقوبة منه لهم.

وشامل لنسيان العمل الذي هو الترك، فلم يوفقوا للقيام بما أمروا به، ويستدل بهذا على أهل الكتاب بإنكارهم بعض الذي قد ذكر في كتابهم، أو وقع في زمانهم، أنه مما نسوه.

الخامسة: الخيانة المستمرة التي { لا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ ْ} أي: خيانة لله ولعباده المؤمنين.

ومن أعظم الخيانة منهم، كتمهم [عن] من يعظهم ويحسن فيهم الظن الحق، وإبقاؤهم على كفرهم، فهذه خيانة عظيمة.

وهذه الخصال الذميمة، حاصلة لكل من اتصف بصفاتهم.

فكل من لم يقم بما أمر الله به، وأخذ به عليه الالتزام، كان له نصيب من اللعنة وقسوة القلب، والابتلاء بتحريف الكلم، وأنه لا يوفق للصواب، ونسيان حظ مما ذُكِّر به، وأنه لا بد أن يبتلى بالخيانة، نسأل الله العافية.

وسمى الله تعالى ما ذكروا به حظا، لأنه هو أعظم الحظوظ، وما عداه فإنما هي حظوظ دنيوية، كما قال تعالى: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ْ} وقال في الحظ النافع: { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ْ} وقوله: { إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ْ} أي: فإنهم وفوا بما عاهدوا الله عليه فوفقهم وهداهم للصراط المستقيم.

{ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ْ} أي: لا تؤاخذهم بما يصدر منهم من الأذى، الذي يقتضي أن يعفى عنهم، واصفح، فإن ذلك من الإحسان { إن اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ْ} والإحسان: هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.

وفي حق المخلوقين: بذل النفع الديني والدنيوي لهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فبما نقضهم ) أي : فبنقضهم ، و " ما " صلة ، ( ميثاقهم ) قال قتادة : نقضوه من وجوه لأنهم كذبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيعوا فرائضه ( لعناهم ) قال [ عطاء ] أبعدناهم من رحمتنا ، قال الحسن ومقاتل : عذبناهم بالمسخ ، ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير ألف ، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : قاسية أي : يابسة .

وقيل : غليظة لا تلين ، وقيل معناه : إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق ، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة .

( يحرفون الكلم عن مواضعه ) قيل : هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : تحريفهم بسوء التأويل ، ( ونسوا حظا مما ذكروا به ) أي : وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته ، ( ولا تزال ) [ يا محمد ] ( تطلع على خائنة منهم ) أي : على خيانة ، فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية ، وقيل : هو بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة مثل [ رواية ] ونسابة وعلامة وحسابة ، وقيل : على فرقة خائنة ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : على خائنة أي : على معصية ، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمه ، ونحوهما من خياناتهم التي ظهرت ، ( إلا قليلا منهم ) لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب ، ( فاعف عنهم واصفح ) أي : أعرض عنهم ولا تتعرض لهم ، ( إن الله يحب المحسنين ) وهذا منسوخ بآية السيف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبما نقضهم» ما زائدة «ميثاقهم لعناهم» أبعدناهم عن رحمتنا «وجعلنا قلوبهم قاسية» لا تلين لقبول الإيمان «يحرِّفون الكلم» الذي في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وغيره «عن مواضعه» التي وضعه الله عليها أي يبدلونه «ونسوا» تركوا «حظّاً» نصيبا «مما ذكروا» أمروا «به» في التوراة من اتباع محمد «ولا تزال» خطاب للنبي صلى الله علي وسلم «تطَّلع» تظهر «على خائنة» أي خيانة «منهم» بنقض العهد وغيره «إلا قليلا منهم» ممن أسلم «فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين» وهذا منسوخ بآيه السيف.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة طردناهم من رحمتنا، وجعلنا قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان، يبدلون كلام الله الذي أنزله على موسى، وهو التوراة، وتركوا نصيبًا مما ذُكِّروا به، فلم يعملوا به.

ولا تزال -أيها الرسول- تجد من اليهود خيانةً وغَدرًا، فهم على منهاج أسلافهم إلا قليلا منهم، فاعف عن سوء معاملتهم لك، واصفح عنهم، فإن الله يحب مَن أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه.

(وهكذا يجد أهل الزيغ سبيلا إلى مقاصدهم السيئة بتحريف كلام الله وتأويله على غير وجهه، فإن عجَزوا عن التحريف والتأويل تركوا ما لا يتفق مع أهوائهم مِن شرع الله الذي لا يثبت عليه إلا القليل ممن عصمه الله منهم).

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد بين - سبحانه - جانبا من رذائلهم ، ومن العقوبات التي عاقبهم بها بسبب فسوقهم عن أمره فقال : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ) .والفاء في قوله : ( فَبِمَا نَقْضِهِم ) للتفريع على ما تقدم من الحديث عنهم ، والباء للسبيبة و " ما " مزيدة لتوكيد الكلام وتمكينه في النفس والجار والمجرور - متعلق بقوله : ( لَعنَّاهُمْ ) .وقوله : ( وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ) معطوف على ما قبله .وقوله : ( قَاسِيَةً ) بوزن فاعلة - من القسوة بمعنى الصلابة واليبوسة يقال : قسا قلبه يقسو فهو قاس ، إذا غلظ واشتد وصار يابسا صلبا .وقساوة القلب هنا مجاز عن عدم تأثره بالمواعظ والترغيب والترهيب .أي فبسبب جرائمهم الشديدة أبعدناهم من رحمتنا وجعلنا قلوبهم يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق ولا تتأُر بالمواعظ والنذر .وقرأ حمزة والكسائي : ( وجعلنا قلوبهم قسية ) بتشديد الياء من غير ألف على وزن فعيلة .وللمفسرين في معناها رأيان :أحدهما : ( قسية ) بمعنى قاسية ، غير أن فيها مبالغة ، إذ هي على وزن فعيلة ، وهذه الصفة تدل على تمكن صفة القسوة من قلوبهم .والثاني : أن معنى ( قسية ) هنا غير معنى قاسية ، لأن قسية في هذا الموضع مأخوذة من قولهم : درهم قسى - على وزن شقى - أي : فاسد رديء لأنه مغشوش بنحاس أو غيره مما يخلو منه الدرهم السليم .والمعنى على هذا الوجه : وجعلنا قلوبهم إيمانها ليس خالصا وإنما يخالطه كفر ونفاق كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش من نحاس أو رصاص أو غيرهما .وقد رجح ابن جرير الرأي الأول - وهو أن قسية بمعنى قاسية غير أن فيها مبالغة - فقال ( وأولى التأويلين عندي بالصواب تأويل من تأول فعيلة من القسوة كما قيل : نفس زكية وزاكية ، وامرأة شاهدة وشهيدة ، لأن الله - تعالى - وصف القوم بنقضهم ميثاقهم ، وكفرهم به ، ولم يصفهم بشيء من الإِيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها يخالطه كفر كالدراهم القسية التي يخالط فضتها غش ) .وأما صاحب الكشاف فقد رد التفسير الثاني إلى الأول وجعل بينهما تعانقا وتلازماً في المعنى فقال : وقرأ عبد الله ( قسية ) أي : ردية مغشوشة .

من قولهم : درهم قسى وهو من القسوة ، لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وصلابة .وقوله : ( يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ ) استئناف مبين لشدة قساوة قلوبهم ، فإنه لا قسوة أشد من تحريف كلام الله - تعالى - والميل به عن الحق والصواب .أي : أنهم بلغ بهم الحال في قسوة قلوبهم ، وعدم تأثرها بوعيد الله أنهم يميلون كلامه - سبحانه - عن الموضع الذي نزل فيه ولأجله عن طريق التأويل الباطل ، أو التفسير الفاسد ، أو التبديل للألفاظ بالزيادة تراة وبالنقصان أخرى ، على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم الممقوتة .وعبر - سبحانه - بقوله : ( يُحَرِّفُونَ ) بصيغة الفعل المضارع ، لاستحضار صورة هؤلاء المحرفين .

والدلالة على أن أبناءهم قد نهجوا نهج آبائهم في هذا الخلق الذميم .فإن هذا التحريف الذي حكاه الله - تعالى - في هذه الآية قد كان من بني إسرائيل بعد عهد موسى - عليه السلام - واستمروا على ذلك دون أن يصدهم عنه ما كان من نصح النبي صلى الله عليه وسلم لهم ومن تحذيره إياهم .والمراد بالنسيان في قوله : ( وَنَسُواْ حَظَّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ) الترك والإِهمال قال الراغب : ( النسيان : ترك الإِنسان ضبط ما استودع .

إما لضعف قلبه ، وإما عن غفلة ، وإما عن قصد حتى يزول عن القلب ذكره ) .والأنواع الثلاثة التي ذكرها الراغب كأسباب للنسيان قد فعلها بنو إسرائيل فهم قد أصابتهم الغفلة عن تدبر كتابهم والعمل بما فيه بسبب ضعف قلوبهم ، واستيلاء المطامع والشهوات عليها وأهملوا أمر دينهم وشريعتهم ولم يقيدوا أنفسهم بها عن تعمد وإصرار ، لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على دين الله وهذا ما تأباه نفوسهم الجامحة وشهواتهم العارمة .والتنكير في قوله ( حَظَّا ) للتكثير والتهويل .

أي : تركوا نصيبا كبيراً مما أمرتهم به شريعتهم وذكرتهم به توراتهم من وجوب اتباعهم للحق وإيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - عند ظهوره .وهذه الجملة الكريمة وما يشبهها مما أورده القرآن في هذا المعنى تعتبر من المعجزات الدالة على صدق القرآن الكريم فإن الناس قبل البعثة النبوية الشريفة لم يكونوا يعرفون أن اليهود نسوا حظا كبيرا مما ذكرتهم به توراتهم ، فلما بين القرآن ذلك ، عرفوا ما لم يكونوا يعرفونه من قبل .ولما كانت أخلاق الآباء كثيراً ما يتوارثها الأبناء ، فقد رأينا القرآن الكريم يحذر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود المعاصرين له ، والذين ورثوا رذائل آبائهم فقال : ( وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ) .وقوله ( خَآئِنَةٍ ) بمعنى الخيانة أي عدم الوفاء بالعهد .

فهي مصدر على وزن فاعله كالعافية والطاغية .

قال - تعالى - ( فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية ) أي بالطغيان .

ويحتمل أن يكون قوله ( خائنة ) صفة لموصوف محذوف أي على فرقة خائنة أو طائفة .والمعنى : ولا تزال - أيها الرسول الكريم - ترى في هؤلاء اليهود المعاصرين لك صورة السابقين في الغدر والخيانة .

وإن تباعدت الأزمان فهؤلاء الذين يعاصرونك فيهم خيانة أسلافهم ، وغدرهم ونقضهم لعهودهم .

إلا قليلا منهم دخلوا في الإِسلام فوفوا بعهودهم ولم يكونوا ناقضين لها .وفي هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم عما لقيه من اليهود المعاصرين له من كيد ومكر وخيانة .

فكأنه الله - تعالى - يقول له إن ما تراه منهم من غدر وخداع ليس شيئاً مستبعداً ، بل هو طبيعة فيهم ورثوها عن آبائهم منذ زمن بعيد : وفيها - أيضاً - تحذير له صلى الله عليه وسلم من شرورهم ومن مسالكم الخبيثة لكيد الإِسلام والمسلمين فإن التعبير بقوله ( وَلاَ تَزَال ) المفيد للدوام والاستمرار يدل على استمرار خيانتهم ودوام نقضهم لعهودهم ومواثيقهم .وقوله : ( إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ) استثناء من الضمير المجرور في قوله ( خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ) والمراد بهذا العدد القليل منهم ، أولئك الذين دخلوا في الإِسلام ، واتبعوا الحق كعبد الله بن سلام وأمثاله .ثم ختم سبحانه - الآية بقوله : ( فاعف عَنْهُمْ واصفح إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ) والعفو عدم مقابلة الإِساءة بمثلها .والصفح : ترك اللوم والمعاتبة .

ولذا قالوا : الصفح أعلى رتبة من العفو ، لأن العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهراً .

أما الصفح فهو يتناول السماحة النفسية واعتبار الإِساءة كأن لم تكن في الظاهر والباطن .وللعلماء أقوال في المراد بالذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح عنه :1 - فيرى بعضهم أن المراد بهم ، القلة اليهودية التي أسلمت ، واستثناها الله بقوله ( إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ) وهذا الرأي مردود بأنهم ما داموا قد آمنوا ، فقد عصموا دماءهم وأموالهم ، ولم يصبح للعفو والصفح عنهم موضع .2 - ويرى آخرون أن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو والصفح عنهم هم كافة اليهود ، إلا أن الآية نسخت بآية التوبة وهي قوله ( قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) وهذا الرأي ضعيف لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين وهو غير متعذر - كما سنبين .3 - ويرى أبو مسلم أن المراد بهم اليهود الذين بقوا على كفرهم ولكنهم لم ينقضوا عهودهم .والذي نراه أولى أن العفو والصفح عام لليهود ، وأن من مظاهر ذلك مسالمتهم ومساكنتهم ، ومجادلتهم بالتي هي أحسن ومعاملتهم بمبدأ لهم ما لنا وعليهم ما علينا ، مع العفو عن زلاتهم التي لا تؤثر على كيان الدعوة الإِسلامية .فإذا ما نقضوا عهودهم وخانوا الله ورسوله والمؤمنين ، وأصبح العفو عنهم فيه مضرة بالمسلمين ففي هذه الحالة تجب معاملتهم بالطريقة التي تقى المسلمين شرورهم ، لأن العفو عنهم - عند استلزام قتالهم للدفاع عن النفس وعن العقيدة - يكون إلقاء بالنفس إلى التهلكة ويكون قد وضع العفو في غير موضعه .

وهذا القول يقارب ما ذهب إليه أبو مسلم .

وربما اعتبر توضيحاً له .

فكأن الله - تعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم فاعف عن هؤلاء اليهود الذين ورثوا الخيانة عن آبائهم ، واصفح عن زلاتهم التي لا تؤثر في سير الدعوة الإِسلامية إلى الوقت المناسب لمحاسبتهم ، إن الله تعالى يحب المحسنين .وبذلك نرى السورة الكريمة قد بينت جانباً مما أخذ الله على بني إسرائيل من عهود ومواثيق ، ورغَّبتهم في الوفاء بها وحذرتهم .

من نقضها ، كما بينت بعض العقوبات التي عاقبتهم الله بها بسبب فسوقهم عن أمره ورسمت للنبي صلى الله عليه وسلم طريق معالجتهم ومعاملتهم بما يقي المسلمين من شرورهم ومكرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في نقضهم الميثاق وجوه: الأول: بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء.

الثاني: بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم.

الثالث: مجموع هذه الأمور.

المسألة الثانية: في تفسير اللعن وجوه: الأول: قال عطاء: لعناهم أي أخر جناهم من رحمتنا.

الثاني: قال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكساي (قسية) بتشديد الياء بغير ألف على وزن فعلية، والباقون بالألف والتخفيف، وفي قوله (قسية) وجهان: أحدهما: أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسي أبلغ من القاسي، كما يقال: قادر وقدير، وعالم وعليم، وشاهد وشهيد، فكما أن القدير أبلغ من القادر فكذلك القسي أبلغ من القاسي.

الثاني: أنه مأخوذ من قولهم: درهم قسي على وزن شقي، أي فاسد رديء.

قال صاحب الكشاف وهو أيضاً من القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين، والمغشوش فيه يبس وصلابة، وقرئ (قسية) بكسر القاف للاتباع.

المسألة الثانية: قال أصحابنا ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ أي جعلناها نائبة عن قبول الحق منصرفة عن الانقياد للدلائل.

وقالت المعتزلة ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال: فلان جعل فلاناً فاسقاً وعدلاً.

ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال: ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه ﴾ وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل، ويحتمل تغيير اللفظ، وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ.

ثم قال تعالى: ﴿ وَنَسُواْ حَظَّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ قال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ ﴾ وفي الخائنة وجهان: الأول: أن الخائنة بمعنى المصدر، ونظيره كثير، كالكافية والعافية، وقال تعالى: ﴿ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية  ﴾ أي بالطغيان.

وقال: ﴿ لَّيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ  ﴾ أي كذب.

وقال: ﴿ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية  ﴾ أي لغواً.

وتقول العرب: سمعت راغية الإبل.

وثاغية الشاء يعنون رغاءها وثغاءها.

وقال الزجاج: ويقال عافاه الله عافية، والثاني: أن يقال: الخائنة صفة، والمعنى: تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو على فعلة ذات خيانة.

وقيل: أراد الخائن، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة.

قال صاحب الكشاف وقرئ على خيانة منهم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ ﴾ وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه.

وقيل: يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على العهد ولم يخونوا فيه.

ثم قال: ﴿ فاعف عَنْهُمْ واصفح ﴾ وفيه قولان: الأول: أنه منسوخ بآية السيف، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف.

والقول الثاني: أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان: أحدهما: المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم، والثاني: أنا إذا حملنا القليل عن الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد، وهو قول أبي مسلم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ وفيه وجهان: الأول: قال ابن عباس: إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.

والثاني: أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ ﴾ وهم الذين نقضوا عهد الله، والقول الأول أولى لأن صرف قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ على القول الأول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول، ولا شك أن الأول أولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما استقر بنو إسرائيل بمصر بعد هلاك فرعون أمرهم الله بالمسير إلى أريحاء أرض الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إني كتبتها لكم داراً قراراً، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإني ناصركم، وأمر موسى عليه السلام بأن يأخذ من كل سبط نقيباً يكون كفيلاً على قومه بالوفاء بما أمروا به توثقة عليهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل، وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون، فرأوا أجراماً عظيمة وقوّة وشوكة فهابوا ورجعوا وحدّثوا قومهم وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم، فنكثوا الميثاق، إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا، ويوشع بن نون من سبط أفراثيم بن يوسف، وكانا من النقباء.

والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها، كما قيل له: عريف، لأنه يتعرفها ﴿ إِنّى مَعَكُمْ ﴾ أي ناصركم ومعينكم ﴿ وعزرتموهم ﴾ نصرتموهم من أيدي العدوّ.

ومنه التعزير، وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد.

وقرئ بالتخفيف يقال: عزرت الرجل إذا حطته وكنفته.

والتعزير والتأزير من واد واحد.

ومنه: لأنصرنك نصراً مؤزراً، أي قوياً.

وقيل معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والتوحيد وبعثنا منهم اثني عشر ملكاً يقيمون فيهم العدل ويأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر.

واللام في ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأَكَفِّرَنَّ ﴾ جواب له، وهذا الجواب سادّ مسدّ جواب القسم والشرط جميعاً ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم.

فإن قلت: من كفر قبل ذلك أيضاً فقد ضلّ سواء السبيل.

قلت: أجل، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم، لأنّ الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة، فإذازادت النعمة زاد قبح الكفر وتمادى ﴿ لعناهم ﴾ طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا.

وقيل: مسخناهم.

وقيل: ضربنا عليهم الجزية ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قاسية ﴾ خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم.

أو أملينا لهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى قست.

وقرأ عبد الله: ﴿ قسيَّة ﴾ ، أي ردية مغشوشة، من قولهم: درهم قسيّ وهو من القسوة؛ لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين والمغشوش فيه يبس وصلابة، والقاسي والقاسح- بالحاء- أخوان في الدلالة على اليبس والصلابة وقرئ: ﴿ قسية ﴾ ، بكسر القاف للإتباع ﴿ يُحَرّفُونَ الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم، لأنه لا قسوة أشدّ من الافتراء على الله وتغيير وحيه ﴿ وَنَسُواْ حَظَّا ﴾ وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً ﴿ مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ من التوراة، يعني أن تركهم وإعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو قست قلوبهم وفسدت فحرّفوا التوراة وزالت أشياء منها عن حفظهم.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وتلا هذه الآية.

وقيل: تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ ﴾ أي هذه عادتهم وهجيراهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ينكثون عهودك ويظاهرون المشركين على حربك ويهمون بالفتك بك وأن يسموك ﴿ على خَائِنَةٍ ﴾ على خيانة، أو على فعلة ذات خيانة، أو على نفس، أو فرقة خائنة.

ويقال: رجل خائنة، كقولهم: رجل راوية للشعر للمبالغة.

قال: حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُن ** لِلْغَدْرِ خَائِنَةً مَضَلَّ الأُصْبُعِ وقرئ على خيانة ﴿ مّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ ﴾ وهم الذين آمنوا منهم ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ بعث على مخالفتهم.

وقيل هو منسوخ بآية السيف.

وقيل: فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ ﴾ طَرَدْناهم مِن رَحْمَتِنا، أوْ مَسَخْناهم أوْ ضَرَبْنا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ.

﴿ وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ لا تَنْفَعِلُ عَنِ الآياتِ والنُّذُرِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «قَسِيَّةً» وهي إمّا مُبالَغَةُ قاسِيَةً أوْ بِمَعْنى رَدِيئَةً مِن قَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ قَسِيٌّ إذا كانَ مَغْشُوشًا، وهو أيْضًا مِنَ القَسْوَةِ فَإنَّ المَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ وقُرِئَ «قِسِيَّةً» بِإتْباعِ القافِ لِلسِّينِ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا قَسْوَةَ أشَدَّ مِن تَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِ لَعَنّاهم لا مِنَ القُلُوبِ إذْ لا ضَمِيرَ لَهُ فِيهِ.

﴿ وَنَسُوا حَظًّا ﴾ وتَرَكُوا نَصِيبًا وافِيًا.

﴿ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، أوْ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى أنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ وتَرَكُوا حَظَّهم مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَنالُوهُ، وقِيلَ مَعْناهُ أنَّهم حَرَّفُوها فَزَلَّتْ بِشُؤْمِهِ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ، لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.

﴿ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ ﴾ خِيانَةً مِنهُمْ، أوْ فِرْقَةٍ خائِنَةٍ أوْ خائِنٍ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.

والمَعْنى أنَّ الخِيانَةَ والغَدْرَ مِن عادَتِهِمْ وعادَةِ أسْلافِهِمْ لا تَزالُ تَرى ذَلِكَ مِنهم.

﴿ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ لَمْ يَخُونُوا وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ، وقِيلَ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴿ فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ ﴾ إنْ تابُوا وآمَنُوا أوْ عاهَدُوا والتَزَمُوا الجِزْيَةَ.

وقِيلَ: مُطْلَقٌ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّفْحِ وحَثٌّ عَلَيْهِ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَفْوَ عَنِ الكافِرِ الخائِنِ إحْسانٌ فَضْلًا عَنِ العَفْوِ عَنْ غَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فبما نقضهم ميثاقهم} ما مريد لإفادة تفخيم الأمر {لعناهم} طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية {وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} يابسة لا رحمة فيها ولا لين قسيّة حمزة وعلي أي رديئة من قولهم درهم قسى أى ردئ {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مواضعه} يفسرونه على غير ما أنزل وهو بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير وحيه {وَنَسُواْ حَظَّا} وتركوا نصيباً جزيلاً وقسطاً وافياً {مّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ} من التوراة يعنى إن تركهم واعارضهنم عن التوراة إغفال حظ عظيم أو قست قلوبهم وفسدت فحرفوا التوراة وزلت أشياء منها عن حفظهم عن ابن مسعود رضى الله

عنه قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية وقيل تركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته {وَلاَ تَزَالُ} يا محمد {تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ} أي هذه عادتهم وكان عليها أسلافهم كانوا يخونون الرسل وهؤلاء يخونونك ويهمون بالفتك بك وقوله على خائنة أي خيانة أو على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائية ويقال رجل خائنة كقولهم رجل راوية للشعر للمبالغة {إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ} وهم الذين آمنوا منهم {فاعف عَنْهُمْ} بعث على مخالفتهم أو فاعف عن مؤمنيهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم {واصفح إن الله يحب المحسنين}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ أيْ: بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمُ المُؤَكَّدَ لا بِشَيْءٍ آخَرَ اسْتِقْلالًا وانْضِمامًا، فالباءُ سَبَبِيَّةٌ و( ما ) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ الكَلامِ وتَمْكِينِهِ في النَّفْسِ، أوْ بِمَعْنى شَيْءٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَنّاهُمْ ﴾ أيْ: طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم مِن رَحْمَتِنا عُقُوبَةً لَهُمْ، قالَهُ عَطاءٌ وجَماعَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ ومُقاتِلٍ أنَّ المَعْنى: مَسَخْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَذَّبْناهم بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ.

ولا يَخْفى أنَّ ما قالَهُ عَطاءٌ أقْرَبُ إلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ اللَّعْنِ في اللُّغَةِ الطَّرْدُ والإبْعادُ، فاسْتِعْمالُهُ في المَعْنَيَيْنِ الأخِيرَيْنِ مَجازٌ بِاسْتِعْمالِهِ في لازِمِ مَعْناهُ، وهو الحَقارَةُ بِما ذُكِرَ لَكِنَّهُ لا قَرِينَةَ في الكَلامِ عَلَيْهِ، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُبَيَّنَ بَعْدُ بَيانُ تَحَقُّقِ اللَّعْنِ والنَّقْضِ، بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: فَنَقَضُوا مِيثاقَهم فَلَعَنّاهم ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ هِلْيَةُ الشَّيْءِ البَسِيطَةُ عَلى هِلْيَتِهِ المُرَكَّبَةِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - لِلْإيذانِ بِأنَّ تَحَقُّقَهُما أمْرٌ جَلِيٌّ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ ﴿ وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ يابِسَةً غَلِيظَةً، تَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، ولا تَلِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وقِيلَ: المُرادُ سَلَبْناهُمُ التَّوْفِيقَ واللُّطْفَ الَّذِي تَنْشَرِحُ بِهِ صُدُورُهُمْ، حَتّى رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِغَيْرِكَ: أفْسَدْتَ سَيْفَكَ إذا تُرِكَ تَعاهُدُهُ حَتّى صَدِئَ، وجَعَلْتَ أظافِيرَكَ سِلاحَكَ إذا لَمْ يَقُصَّها.

وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى بَيَّنّا عَنْ حالِ قُلُوبِهِمْ وما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ، وحَكَمْنا بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولا تَنْفَعُ فِيهِمْ مَوْعِظَةٌ ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ، وما دَعا إلَيْهِ إلّا الِاعْتِزالُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) وهي إمّا مُبالَغَةُ قاسِيَةٍ لِكَوْنِهِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، أوْ بِمَعْنى رَدِيَّةٍ مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ إذا كانَ مَغْشُوشًا، وهو أيْضًا مِنَ القَسْوَةِ فَإنَّ المَغْشُوشَ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ، وقِيلَ: إنَّ ( قَسِيَ ) غَيْرُ عَرَبِيٍّ، بَلْ مُعَرَّبٌ، وقُرِئَ: ( قِسِيَّةً ) بِكَسْرِ القافِ لِلْإتْباعِ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَرْتَبَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا مَرْتَبَةَ أعَظَمُ مِمّا يَنْشَأُ عَنْهُ الِاجْتِراءُ عَلى تَحْرِيفِ كَلامِ رَبِّ العالَمِينَ، والِافْتِراءُ عَلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْحِكايَةِ، واسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولِ ( لَعَنّاهم ) أوْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ في ( قُلُوبَهم ) وضُعِّفَ بِما ضُعِّفَ وجَعْلُهُ حالًا مِنَ القُلُوبِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في ( قاسِيَةً ) - كَما قِيلَ - لا يَصِحُّ لِعَدَمِ العائِدِ مِنهُ إلى ذِي الحالِ، وجَعْلُ القُلُوبِ بِمَعْنى أصْحابِها مِمّا لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ أصْحابُها ﴿ ونَسُوا حَظًّا ﴾ أيْ: تَرَكُوا نَصِيبًا وافِيًا، واسْتِعْمالُ النِّسْيانِ بِهَذا المَعْنى كَثِيرٌ ﴿ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، أوْ مِمّا أُمِرُوا بِهِ فِيها مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقِيلَ: حَرَّفُوا التَّوْراةَ فَسَقَطَتْ بِشُؤْمِ ذَلِكَ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وأحْمَدُ في الزُّهْدِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «إنِّي لَأحْسَبُ الرَّجُلَ يَنْسى العِلْمَ كانَ يَعْلَمُهُ بِالخَطِيئَةِ يَعْمَلُها» وفي مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: شَكَوْتُ إلى وكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي فَأرْشَدَنِي إلى تَرْكِ المَعاصِي وأخْبَرَنِي بِأنَّ العِلْمَ نُورٌ ∗∗∗ ونُورُ اللَّهِ لا يُهْدى لِعاصِي ( ولاتَزالُ تَطْلُعُ عَلى خائِنَةِ مِنهم ) أيْ: خِيانَةٍ، كَما قُرِئَ بِهِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ فاعِلَةٍ كالكاذِبَةِ واللّاغِيَةِ، أوْ فَعْلَةٍ ( خائِنَةٍ ) أيْ: ذاتِ خِيانَةٍ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أوْ فِرْقَةٍ ( خائِنَةٍ )، أوْ نَفْسٍ ( خائِنَةٍ )، أوْ شَخْصٍ ( خائِنَةٍ ) عَلى أنَّهُ وصْفٌ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ، لَكِنَّها في ( فاعِلٍ ) قَلِيلَةٌ، و( مِنهم ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، خَلا أنَّ ( مِن ) عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ: عَلى خِيانَةٍ أوْ فَعْلَةٍ ذاتِ خِيانَةٍ كائِنَةٍ مِنهم صادِرَةٍ عَنْهُمْ، وعَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ تَبْعِيضِيَّةٌ، والمَعْنى إنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهم ولِأسْلافِهِمْ، كَما يُعْلَمُ مِن وصْفِهِمْ بِالتَّحْرِيفِ وما مَعَهُ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَتْرُكُونَها أوْ يَكْتُمُونَها، فَلا تَزالُ تَرى ذَلِكَ مِنهم ﴿ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( مِنهم ) والمُرادُ بِالقَلِيلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأضْرابِهِ، الَّذِينَ نَصَحُوا لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْتِثْناءً مِن ( خائِنَةٍ ) عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فالمُرادُ بِالقَلِيلِ الفِعْلُ القَلِيلُ، و( مِن ) ابْتِدائِيَّةٌ كَما مَرَّ، أيْ: إلّا قَلِيلًا كائِنًا مِنهُمْ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ).

﴿ فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ ﴾ أيْ: إذا تابُوا أوْ بَذَلُوا الجِزْيَةَ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وجَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، فَضَمِيرُ ( عَنْهم ) راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ نَظائِرُهُ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهُ عائِدٌ عَلى القَلِيلِ المُسْتَثْنى، أيْ: فاعْفُ عَنْهم ما دامُوا عَلى عَهْدِكَ، ولَمْ يَخُونُوكَ، وعَلى القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مُحْكَمَةٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى ما اخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهي مُطْلَقَةٌ، إلّا أنَّها نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ الآيَةَ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ﴾ ، ﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وحَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَفْوَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ الإحْسانِ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ ) أمْرٌ بِالتَّطْهِيرِ لِمَن أرادَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكَبِيرِ - جَلَّ شَأْنُهُ وعَظُمَ سُلْطانُهُ - وبَدَأ بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى نَقَشَهُ بِنَقْشِ خاتَمِ صِفاتِهِ، وفي الفُتُوحاتِ لا خِلافَ في أنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فَرْضٌ، وحُكْمُهُ في الباطِنِ المُراقَبَةُ والحَياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مُطْلَقًا، ثُمَّ اخْتُلِفَ الحُكْمُ في الظّاهِرِ في أنَّ تَحْدِيدَ غَسْلِ الوَجْهِ في الوُضُوءِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِنها: البَياضُ الَّذِي بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ، والثّانِي ما سُدِلَ مِنَ اللِّحْيَةِ، والثّالِثُ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، فَأمّا البَياضُ المَذْكُورُ فَمِن قائِلٍ بِوُجُوبِ إمْرارِ الماءِ عَلَيْهِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّهُ لا يَجِبُ، وكَذَلِكَ تَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، فَمِن قائِلٍ بِوُجُوبِهِ، ومِن قائِلٍ بِأنَّهُ لا يَجِبُ، وحُكْمُ ذَلِكَ في الباطِنِ، أمّا غَسْلُ الوَجْهِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَحْدِيدِ الأمْرِ في ذَلِكَ فَإنَّ فِيهِ ما هو فَرْضٌ، وفِيهِ ما هو لَيْسَ بِفَرْضٍ، فَأمّا الفَرْضُ فالحَياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَراكَ حَيْثُ نَهاكَ، أوْ يَفْقِدَكَ حَيْثُ أمَرَكَ، وأمّا السُّنَّةُ مِنهُ فالحَياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ تَنْظُرَ إلى عَوْرَتِكَ أوْ عَوْرَةِ امْرَأتِكَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ أُبِيحَ لَكَ، لَكِنِ اسْتِعْمالُ الحَياءِ فِيها أفْضَلُ وأوْلى، فَما يَتَعَيَّنُ مِنهُ فَهو فَرْضٌ عَلَيْكَ، وما لا يَتَعَيَّنُ فَفَعَلْتَهُ فَهو سُنَّةٌ واسْتِحْبابٌ، فَيُراقِبُ الإنْسانُ أفْعالَهُ ظاهِرًا وباطِنًا، ويُراقِبُ رَبَّهُ في باطِنِهِ، فَإنَّ وجْهَ قَلْبِهِ هو المُعْتَبَرُ، ووَجْهُ الإنْسانِ عَلى الحَقِيقَةِ ذاتُهُ، يُقالُ: وجْهُ الشَّيْءِ أيْ: حَقِيقَتُهُ وعَيْنُهُ وذاتُهُ، فالحَياءُ خَيْرٌ كُلُّهُ، والحَياءُ مِنَ الإيمانِ، ولا يَأْتِي إلّا بِخَيْرٍ.

وأمّا البَياضُ الَّذِي بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ وهو الحَدُّ الفاصِلُ بَيْنَ الوَجْهِ والأُذُنِ فَهو الحَدُّ بَيْنَ ما كُلِّفَ الإنْسانُ مِنَ العَمَلِ في وجْهِهِ والعَمَلِ في سَماعِهِ، فالعَمَلُ في ذَلِكَ إدْخالُ الحَدِّ في المَحْدُودِ، فالأوْلى بِالإنْسانِ أنْ يَصْرِفَ حَيائَهُ في سَمْعِهِ كَما صَرَفَهُ في بَصَرِهِ، فَكَما أنَّ الحَياءَ غَضُّ البَصَرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴾ كَذَلِكَ يَلْزَمُ الحَياءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ لا يَسْمَعَ ما لا يَحِلُّ لَهُ غَيْبَةٍ وسُوءِ قَوْلٍ مِن مُتَكَلِّمٍ بِما لا يَنْبَغِي، فَإنَّ ذَلِكَ البَياضَ هو بَيْنَ العِذارِ والأُذُنِ وهو مَحَلُّ الشُّبْهَةِ، وهو أنْ يَقُولَ: أصْغَيْتُ إلَيْهِ لِأرُدَّ عَلَيْهِ، وهَذا مَعْنى العِذارِ، فَإنَّهُ مِنَ العُذْرِ، أيِ الإنْسانُ يَعْتَذِرُ إذا قِيلَ لَهُ: لِمَ أصْغَيْتَ إلى هَذا القَوْلِ بِأُذُنِكَ؟

فَيَقُولُ: إنِّي أرَدْتُ أنْ أُحَقِّقَ سَماعَ ما قالَ حَتّى أنْهاهُ عَنْهُ، فَكَنّى عَنْهُ بِالعِذارِ، فَمَن رَأى وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ غَسَلَهُ، ومَن لَمْ يَرَ وُجُوبَ ذَلِكَ إنْ شاءَ غَسَلَ وإنْ شاءَ تَرَكَ.

وأمّا غَسْلُ ما اسْتُرْسِلَ مِنَ اللِّحْيَةِ وتَخْلِيلُها فَهي الأُمُورُ العَوارِضُ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ شَيْءٌ يَعْرِضُ في الوَجْهِ، ولَيْسَتْ مِن أصْلِهِ، فَكُلُّ ما يَعْرِضُ لَكَ في وجْهِ ذَلِكَ مِنَ المَسائِلِ فَأنْتَ فِيها بِحُكْمِ ذَلِكَ العارِضِ، فَإنْ تَعَيَّنَ عَلَيْكَ طَهارَةُ ذَلِكَ العارِضِ فَهو قَوْلُ مَن يَقُولُ بِوُجُوبِ غَسْلِهِ، وإنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْكَ طَهارَتُهُ فَطَهَّرْتَهُ اسْتِحْبابًا أوْ تَرَكْتَهُ لِكَوْنِهِ ما تَعَيَّنَ عَلَيْكَ فَهو قَوْلُ مَن لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الطَّهارَةِ فِيهِ، وقَدْ بُيِّنَ أنَّ حُكْمَ الباطِنِ يُخالِفُ الظّاهِرَ بِأنَّ فِيهِ وجْهًا إلى الفَرِيضَةِ ووَجْهًا إلى السُّنَّةِ والِاسْتِحْبابِ، فالفَرْضُ مِن ذَلِكَ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ، وغَيْرُ الفَرْضِ عَمَلُهُ أوْلى مِن تَرْكِهِ، وذَلِكَ سارٍ في جَمِيعِ العِباداتِ، انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذا قامُوا عَنْ نَوْمِ الغَفْلَةِ، وقَصَدُوا صَلاةَ الحُضُورِ والمُناجاةِ الحَقِيقِيَّةِ، والتَّوَجُّهَ إلى الحَقِّ أنْ يُطَهِّرُوا وُجُوهَ قُواهم بِماءِ العِلْمِ النّافِعِ الطّاهِرِ المُطَهِّرِ مِن عِلْمِ الشَّرائِعِ والأخْلاقِ والمُعامَلاتِ، الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِإزالَةِ المَوانِعِ عَنْ لَوْثِ صِفاتِ النَّفْسِ.

وأوَّلُ هَذا الأيْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ( وأيْدِيَكم ) بِالقُوى والقَدْرُ أيْ: طَهِّرُوا أيْضًا قُواكم وقَدْرَكم عَنْ دَنَسِ تَناوُلِ الشَّهَواتِ والتَّصَرُّفاتِ في مَوادِّ الرِّجْسِ ( إلى المَرافِقِ ) أيْ: قَدْرِ الحُقُوقِ والمَنافِعِ، وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قُدِّسَ سِرُّهُ -: أجْمَعَ النّاسُ عَلى غَسْلِ اليَدَيْنِ والذِّراعَيْنِ، واخْتَلَفُوا في إدْخالِ المَرافِقِ في هَذا الغَسْلِ، فَمِن قائِلٍ بِوُجُوبِ إدْخالِهِما، ومِن قائِلٍ بِعَدَمِ الوُجُوبِ، لَكِنْ لَمْ يُنازَعْ بِالِاسْتِحْبابِ، وحُكْمُ الباطِنِ في ذَلِكَ أنَّ غَسْلَ اليَدَيْنِ والذِّراعَيْنِ إشارَةٌ إلى غَسْلِهِما بِالكَرَمِ والجُودِ والسَّخاءِ والهِباةِ والِاعْتِصامِ والتَّوَكُّلِ، فَإنَّ هَذا وشِبُهَهُ مِن نُعُوتِ اليَدَيْنِ والمَعاصِمِ لِلْمُناسَبَةِ.

بَقِيَ غَسْلُ المَرافِقِ وهي رُؤْيَةُ الأسْبابِ الَّتِي يَرْتَفِقُ العَبْدُ ويَأْنَسُ بِها لِنَفْسِهِ، فَمَن رَأى إدْخالَ المَرافِقِ في نَفْسِهِ رَأى أنَّ الأسْبابَ إنَّما وضَعَها اللَّهُ تَعالى حِكْمَةً مِنهُ في خَلْقِهِ، فَلا يُرِيدُ أنْ تُعَطَّلَ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى لا عَلى طَرِيقِ الِاعْتِمادِ عَلَيْها، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في اعْتِمادِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، ومَن رَأى عَدَمَ إيجابِها في الغَسْلِ رَأى سُكُونَ النَّفْسِ إلى الأسْبابِ، وأنَّهُ لا يَخْلُصُ لَهُ مَقامُ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ تَعالى مَعَ وُجُودِ رُؤْيَةِ الأسْبابِ، وكُلُّ مَن يَقُولُ بِأنَّهُ لا يُجِبُ غَسْلُها يَقُولُ: يُسْتَحَبُّ، كَذَلِكَ رُؤْيَةُ الأسْبابِ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الجَمِيعِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ أحْكامُهم فِيها، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى رَبَطَ الحِكْمَةَ في وجُودِها.

( وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم ) قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أيْ: بِجِهاتِ أرْواحِكم عَنْ قَتامِ كُدُورَةِ القَلْبِ وغُبارِ تَغَيُّرِهِ بِالتَّوَجُّهِ إلى العالَمِ السُّفْلى، ومَحَبَّةِ الدُّنْيا بِنُورِ الهُدى، فَإنَّ الرُّوحَ لا يَتَكَدَّرُ بِالتَّعَلُّقِ، بَلْ يَحْتَجِبُ نُورُهُ عَنِ القَلْبِ فَيَسْوَدُّ القَلْبُ ويُظْلِمُ، ويَكْفِي في انْتِشارِ نُورِهِ صَقْلُ الوَجْهِ العالِي الَّذِي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ؛ فَإنَّ القَلْبَ ذُو وجْهَيْنِ: أحَدُهُما إلى الرُّوحِ، والرَّأْسُ هُنا إشارَةٌ إلَيْهِ.

والثّانِي إلى النَّفْسِ وقُواها، وأحْرى بِالرِّجْلِ أنْ تَكُونَ إشارَةً إلَيْهِ.

وقالَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اخْتِلافَ العُلَماءِ في القَدْرِ الَّذِي يَجِبُ مَسْحُهُ: وأمّا حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ في الباطِنِ فَأصْلُهُ مِنَ الرِّياسَةِ وهي العُلُوُّ والِارْتِفاعُ، ولَمّا كانَ أعَلى ما في البَدَنِ في ظاهِرِ العَيْنِ وجَمِيعِ البَدَنِ تَحْتَهُ سُمِّيَ رَأْسًا، فَإنَّ الرَّئِيسَ فَوْقَ المَرْءُوسِ، ولَهُ جِهَةُ فَوْقٍ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى عِبادِهِ بِصِفَةِ القَهْرِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ فَكانَ الرَّأْسُ أقْرَبَ عُضْوٍ في الجَسَدِ إلى الحَقِّ تَعالى لِمُناسِبَةِ الفَوْقِيَّةِ، ثُمَّ لَهُ الشَّرَفُ الآخَرُ في المَعْنى الَّذِي بِهِ رَأسَ عَلى البَدَنِ كُلِّهِ، وهو أنَّهُ مَحَلُّ جَمِيعِ القُوى كُلِّها الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ، فَلَمّا كانَتْ لَهُ هَذِهِ الرِّياسَةُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ سُمِّيَ رَأْسًا، ثُمَّ إنَّ العَقْلَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى أشْرَفَ ما في الإنْسانِ جُعِلَ مَحَلُّهُ اليافُوخُ، وهو أعْلى مَوْضِعٍ في الرَّأْسِ، فَجَعَلَهُ سُبْحانَهُ مِمّا يَلِي جانِبَ الفَوْقِيَّةِ، ولَمّا كانَ مَحَلًّا لِجَمِيعِ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ ولِكُلِّ قُوَّةِ حُكْمٍ وسُلْطانٍ وفَخْرٍ يُورِثُها ذَلِكَ عِزَّةً عَلى غَيْرِها، وكانَ مَحَلُّ هَذِهِ القُوى مِنَ الرَّأْسِ مُخْتَلِفَةً، فَعَمَّتِ الرَّأْسَ كُلَّهُ، وجَبَ مَسْحُ كُلِّهِ في هَذِهِ العِبارَةِ لِهَذِهِ الرِّياسَةِ السّارِيَةِ فِيهِ كُلِّهِ مِن جِهَةِ هَذِهِ القُوى بِالتَّواضُعِ والإقْناعِ، فَيَكُونُ لِكُلِّ قُوَّةٍ مَسْحٌ مَخْصُوصٌ مِن مُناسَبَةِ دَعْواها، وهَذا مَلْحَظُ مَن يَرى وُجُوبَ مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ.

ومَن رَأى تَفاوُتَ القُوى بِالرِّياسَةِ فَإنَّ القُوَّةَ المُصَوَّرَةَ مَثَلًا لَها سُلْطانٌ عَلى القُوَّةِ الخَيالِيَّةِ، فَهي الرَّئِيسَةُ عَلَيْها، وإنْ كانَتْ لِلْقُوَّةِ الخَيالِيَّةِ رِياسَةٌ قالَ: الواجِبُ عَلَيْهِ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأْسِ، وهو المُقْسَمُ بِالأعْلى.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هَذا البَعْضِ، فَكُلُّ عارِفٍ قالَ بِحَسَبِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الإدْراكِ في مَراتِبِ هَذِهِ القُوى، فَيَمْسَحُ بِحَسَبِ ما يَرى، ومَعْنى المَسْحِ هو التَّذَلُّلُ وإزالَةُ الكِبْرِياءِ والشُّمُوخِ بِالتَّواضُعِ والعُبُودِيَّةِ؛ لِأنَّ المُتَوَضِّئَ بِصَدَدِ مُناجاةِ رَبِّهِ وطَلَبِ صِلَتِهِ، والعَزِيزُ الرَّئِيسُ إذا دَخَلَ عَلى مَن ولّاهُ تِلْكَ العِزَّةَ يَنْعَزِلُ عَنْ عِزَّتِهِ ورِياسَتِهِ بِعِزِّ مَن دَخَلَ عَلَيْهِ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ وُقُوفَ العَبِيدِ في مَحَلِّ الإذْلالِ، لا بِصِفَةِ الإذْلالِ، فَمَن غَلَبَ عَلى خاطِرِهِ رِياسَةُ بَعْضِ القُوى عَلى غَيْرِها وجَبَ عَلَيْهِ مَسْحُ ذَلِكَ البَعْضِ مِن أجْلِ الوَصْلَةِ الَّتِي تُطْلَبُ بِهَذِهِ العِبادَةِ، ولِهَذا لَمْ يُشْرَعْ مَسْحُ الرَّأْسِ في التَّيَمُّمِ؛ لِأنَّ وضْعَ التُّرابِ عَلى الرَّأْسِ مِن عَلاماتِ الفِراقِ، فَتَرى الفاقِدُ حَبِيبَهُ بِالمَوْتِ يَضَعُ التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ، وتَفْصِيلُ رِياساتِ القُوى مَعْلُومٌ عَنْ أهْلِ هَذا الشَّأْنِ، وأمّا التَّبْعِيضُ في اليَدِ المَمْسُوحِ بِها واخْتِلافُهم في ذَلِكَ فاعْمَلْ فِيهِ كَما تَعْمَلُ في المَسْمُوحِ سَواءً؛ فَإنَّ المُزِيلَ لِهَذِهِ الرِّياسَةِ أسْبابٌ مُخْتَلِفَةٌ في القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، ومَحَلُّ ذَلِكَ اليَدُ، فَمِن مُزِيلٍ بِصِفَةِ القَهْرِ، ومِن مُزِيلٍ بِسِياسَةٍ وتَرْغِيبٍ، إلى آخِرِ ما قالَ.

( وأرْجُلَكم ) أُشِيرَ بِها إلى القُوى الطَّبِيعِيَّةِ البَدَنِيَّةِ المُنْهَمِكَةِ في الشَّهَواتِ والإفْراطِ بِاللَّذّاتِ، وغَسْلُها بِماءِ عِلْمِ الأخْلاقِ وعِلْمِ الرِّياضِيّاتِ، حَتّى تَرْجِعَ إلى الصَّفاءِ الَّذِي يَسْتَعِدُّ بِهِ القَلْبُ لِلْحُضُورِ والمُناجاةِ.

وفِي الفُتُوحاتِ اخْتَلَفُوا في صِفَةِ طَهارَتِها بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّها مِن أعْضاءِ الوُضُوءِ، هَلْ ذَلِكَ بِالغَسْلِ أوْ بِالمَسْحِ أوْ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُما، ومَذْهَبُنا التَّخْيِيرُ، والجَمْعُ أوْلى، وما مِن قَوْلٍ إلّا وبِهِ قائِلٌ، والمَسْحُ بِظاهِرِ الكِتابِ، والغَسْلُ بِالسُّنَّةِ، ومُحْتَمَلُ الآيَةِ بِالعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ مِنها، وأمّا حُكْمُ ذَلِكَ في الباطِنِ فاعْلَمْ أنَّ السَّعْيَ إلى الجَماعاتِ وكَثْرَةَ الخُطا إلى المَساجِدِ والثَّباتَ يَوْمَ الزَّحْفِ مِمّا تُطَهَّرُ بِهِ الأقْدامُ، فَلْتَكُنْ طَهارَةُ رِجْلَيْكَ بِما ذَكَرْناهُ وأمْثالِهِ، ولا تَتَمَثَّلْ بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النّاسِ، ولا تَمْشِ مَرَحًا، واقْصِدْ في مَشْيِكَ، واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ، ومِن هَذا ما هو فَرْضٌ بِمَنزِلَةِ المَرَّةِ الواحِدَةِ في غَسْلِ عُضْوِ الوُضُوءِ الرِّجْلِ وغَيْرِهِ، ومِنهُ ما هو سُنَّةٌ وهو ما زادَ عَلى الفَرْضِ، وهو مَشْيُكَ فِيما نَدَبَكَ الشَّرْعُ إلَيْهِ، وما أوْجَبَهُ عَلَيْكَ، فالواجِبُ عَلَيْكَ نَقْلُ الأقْدامِ إلى مُصَلّاكَ، والمَندُوبُ والمُسْتَحَبُّ والسُّنَّةُ - وما شِئْتَ فَقُلْ مَن ذَلِكَ - نَقَلُ الأقْدامِ إلى المَساجِدِ مِن قُرْبٍ وبُعْدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواجِبٍ، وإنْ كانَ الواجِبُ مِن ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ مَسْجِدًا لا بِعَيْنِهِ، وجَماعَةً لا بِعَيْنِها، فَعَلى هَذا يَكُونُ غَسْلُ رِجْلَيْكَ في الباطِنِ مِن طَرِيقِ المَعْنى.

واعْلَمْ أنَّ الغَسْلَ يَتَضَمَّنُ المَسْحَ، فَمَن غَسَلَ فَقَدْ أدْرَجَ المَسْحَ فِيهِ كانْدِراجِ نُورِ الكَواكِبِ في نُورِ الشَّمْسِ، ومَن مَسَحَ لَمْ يَغْسِلْ إلّا في مَذْهَبِ مَن يَرى، ويُنْقَلُ عَنِ العَرَبِ أنَّ المَسْحَ لُغَةٌ في الغَسْلِ فَيَكُونُ مِنَ الألْفاظِ المُتَرادِفَةِ، والصَّحِيحُ في المَعْنى في حُكْمِ الباطِنِ أنْ يُسْتَعْمَلَ المَسْحُ فِيما يَقْتَضِي الخُصُوصَ مِنَ الأعْمالِ، والغَسْلُ فِيما يَقْتَضِي العُمُومَ، ولِهَذا كانَ مَذْهَبُنا التَّخْيِيرَ بِحَسَبِ الوَقْتِ، فَإنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَسْعى لِفَضِيلَةٍ خاصَّةٍ في حاجَةِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ المَسْحِ، وقَدْ يَسْعى لِلْمَلِكِ في حاجَةٍ تَعُمُّ الرَّعِيَّةَ فَيَدْخُلُ ذَلِكَ الشَّخْصُ في هَذا العُمُومِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الغَسْلِ الَّذِي انْدَرَجَ فِيهِ المَسْحُ، انْتَهى.

﴿ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا ﴾ الجَنابَةُ غُرْبَةُ العَبْدِ عَنْ مَوْطِنِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ، ولَيْسَ إلّا العُبُودِيَّةُ، وتَغْرِيبُ صِفَةٍ رَبّانِيَّةٍ عَنْ مَوْطِنِها، وكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّطْهِيرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى ﴾ إلَخْ، قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.

وفِي الفُتُوحاتِ: اخْتُلِفَ في حَدِّ الأيْدِي المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الطَّهارَةِ، فَمِن قائِلٍ: حَدُّها مِثْلُ حَدِّ الوُضُوءِ.

ومِن قائِلٍ: هو الكَفُّ فَقَطْ، وبِهِ أقُولُ.

ومِن قائِلٍ: إنَّ الِاسْتِحْبابَ إلى المِرْفَقَيْنِ، والفَرْضَ الكَفّانِ.

ومِن قائِلٍ: إنَّ الفَرْضَ إلى المَناكِبِ.

والِاعْتِبارُ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ التُّرابُ في الأرْضِ أصْلَ نَشْأةِ الإنْسانِ وهو تَحْقِيقُ عُبُودِيَّتِهِ وذِلَّتِهِ أُمِرَ بِطَهارَةِ نَفْسِهِ مِنَ التَّكَبُّرِ بِالتُّرابِ، وهو حَقِيقَةُ عُبُودِيَّتِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ في أصْلِ خَلْقِهِ، ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ ما يَدَّعِيهِ الِاقْتِدارُ والعَطاءُ مَعَ أنَّهُ مَجْبُولٌ عَلى العَجْزِ والبُخْلِ - وهَذِهِ الصِّفاتُ مِن صِفاتِ الأيْدِي - قِيلَ لَهُ عِنْدَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ ورُؤْيَةِ نَفْسِهِ في الِاقْتِدارِ الظّاهِرِ مِنهُ، والكَرَمِ والعَطاءِ: طَهِّرْ نَفْسَكَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَظَرِكَ فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن ضَعْفِكَ، ومِن بُخْلِكَ، فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ﴾ ، ﴿ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ، ﴿ وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ فَإذا نَظَرَ إلى هَذا الأصْلِ زَكَتْ نَفْسُهُ، وتَطَهَّرَتْ مِنَ الدَّعْوى.

واخْتَلَفُوا في عَدَدِ الضَّرَباتِ عَلى الصَّعِيدِ لِلتَّيَمُّمِ، فَمِن قائِلٍ: واحِدَةٌ.

ومِن قائِلٍ: اثْنَتانِ.

والقائِلُونَ بِذَلِكَ مِنهم مَن قالَ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، ومِنهم مَن قالَ: وضَرْبَتانِ لِلْيَدِ وضَرْبَتانِ لِلْوَجْهِ.

ومَذْهَبُنا أنَّهُ مَن ضَرَبَ واحِدَةً أجْزَأهُ، ومَن ضَرَبَ اثْنَتَيْنِ أجْزَأهُ، وحَدِيثُ الضَّرْبَةِ الواحِدَةِ أثْبَتُ، والِاعْتِبارُ في ذَلِكَ التَّوَجُّهِ إلى ما يَكُونُ بِهِ هَذِهِ الطَّهارَةُ، فَمَن غَلَّبَ التَّوْحِيدَ في الأفْعالِ قالَ بِالضَّرْبَةِ الواحِدَةِ، ومَن غَلَّبَ حُكْمَ السَّبَبِ الَّذِي وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى، ونَسَبَ الفِعْلَ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ تَعْرِيَتِهِ عِنْهُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ فَأثْبَتَ ونَفى قالَ بِالضَّرْبَتَيْنِ، ومَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ في كُلِّ فِعْلٍ قالَ بِالضَّرْبَتَيْنِ لِكُلِّ عُضْوٍ، انْتَهى.

وقَدْ أطالَ الشَّيْخُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - الكَلامَ في أنْواعِ الطِّهارَةِ، وأتى فِيهِ بِالعَجَبِ العُجابِ.

( ﴿ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ﴾ ) أيْ: ضِيقٍ ومَشَقَّةٍ بِكَثْرَةِ المُجاهَداتِ ( ﴿ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾ ) مِنَ الصِّفاتِ الخَبِيثَةِ.

وعَنْ سَهْلٍ: الطَّهارَةُ عَلى سَبْعَةِ أوْجُهٍ: طَهارَةُ العِلْمِ مِنَ الجَهْلِ، وطَهارَةُ الذِّكْرِ مِنَ النِّسْيانِ، وطَهارَةُ اليَقِينِ مِنَ الشَّكِّ، وطَهارَةُ العَقْلِ مِنَ الحُمْقِ، وطَهارَةُ الظَّنِّ مِنَ التُّهْمَةِ، وطَهارَةُ الإيمانِ مِمّا دُونَهُ، وطَهارَةُ القَلْبِ مِنَ الإراداتِ.

وقالَ: إسْباغُ طَهارَةِ الظّاهِرِ تُورِثُ طَهارَةَ الباطِنِ، وإتْمامُ الصَّلاةِ يُورِثُ الفَهْمَ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والطَّهارَةُ تَكُونُ في أشْياءَ: في صَفاءِ المَطْعَمِ، ومُبايَنَةِ الأنامِ، وصِدْقِ اللِّسانِ، وخُشُوعِ السِّرِّ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعِ مُقابِلٌ لِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَطْهِيرِهِ وغَسْلِهِ مِنَ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: البَواطِنُ مَواضِعُ نَظَرِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكم ولا إلى أعْمالِكُمْ، ولَكِنْ يَنْظُرُ إلى قُلُوبِكم»» فَمَوْضِعُ نَظَرِ الحَقِّ جَلَّ وعَلا أحَقُّ بِالطَّهارَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِإزالَةِ أنْواعِ الخِياناتِ، والمُخالَفاتِ، وفُنُونِ الوَساوِسِ، والغِشِّ، والحِقْدِ، والرِّياءِ، والسُّمْعَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَناهِي، ولَيْسَ شَيْءٌ عَلى العارِفِينَ أشَدَّ مِن جَمْعِ الهَمِّ وطَهارَةِ السِّرِّ، وفي إضافَةِ التَّطْهِيرِ إلَيْهِ تَعالى ما لا يَخْفى مِنَ اللُّطْفِ.

( ﴿ ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ ) بِالتَّكْمِيلِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إتْمامُ النِّعْمَةِ لِقَوْمٍ نَجاتُهم بِتَقْواهُمْ، وعَلى آخَرِينَ نَجاتُهم عَنْ تَقْواهُمْ، فَشَتّانَ بَيْنَ قَوْمٍ وقَوْمٍ ( ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ) نِعْمَةَ الكَمالِ بِالِاسْتِقامَةِ والقِيامِ بِحَقِّ العَدالَةِ عِنْدَ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ ( ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ ) بِالهِدايَةِ إلى طَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ( ﴿ ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ ﴾ ) وهو عُقُودُ عَزائِمِهِ المَذْكُورَةِ ( ﴿ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا ﴾ ) أيْ: إذا قَبِلْتُمُوها مِن مَعْدِنِ النُّبُوَّةِ بِصَفاءِ الفِطْرَةِ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى هِدايَتُهُ سُبْحانَهُ السّابِقَةُ في الأزَلِ لِأهْلِ السَّعادَةِ، وبِالمِيثاقِ المِيثاقُ الَّذِي واثَقَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ أنْ لا يَشْتَغِلُوا بِغَيْرِهِ عَنْهُ سُبْحانَهُ، وقالَ أبُو عُثْمانَ: النِّعَمُ كَثِيرَةٌ، وأجَلُّها المَعْرِفَةُ بِهِ سُبْحانَهُ، والمَواثِيقُ كَثِيرَةٌ وأجَلُّها الإيمانُ.

( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ ﴾ ) أيْ: مِن قُوى نُفُوسِكُمُ المَحْجُوبَةِ وصِفاتِها ( ﴿ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ ﴾ ) بِالِاسْتِيلاءِ والقَهْرِ لِتَحْصِيلِ مَآرِبِها ومَلاذِّها ( ﴿ فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ ) أيْ: فَمَنَعَها عَنْكُمْ، بِما أراكم مِن طَرِيقِ التَّطْهِيرِ والتَّنْزِيهِ ( ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ) واجْعَلُوهُ سُبْحانَهُ وِقايَةً في قَهْرِها ومَنعِها ( ﴿ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ) بِرُؤْيَةِ الأفْعالِ كُلِّها مِنهُ، عَزَّ وجَلَّ.

( ﴿ ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ ) وهم في الأنْفُسِ الحَواسُّ الخَمْسُ الظّاهِرَةُ والخُمْسُ الباطِنَةُ والقُوَّةُ العاقِلَةُ النَّظَرِيَّةُ والقُوَّةُ العَمَلِيَّةُ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِن سادَتِنا الصُّوفِيَّةِ أنَّ النُّقَباءَ أحَدُ أنْواعٍ: الأوْلِياءُ: نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِبَرَكاتِهِمْ، فَفي الفُتُوحاتِ: ومِنهُمُ النُّقَباءُ وهُمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا في كُلِّ زَمانٍ، لا يَزِيدُونَ ولا يَنْقُصُونَ، عَلى عَدَدِ بُرُوجِ الفَلَكِ الِاثْنَيْ عَشَرَ بُرْجًا، كُلُّ نَقِيبٍ عالِمٌ بِخاصِّيَّةِ كُلِّ بُرْجٍ، وبِما أوْدَعَ اللَّهُ تَعالى في مَقامِهِ مِنَ الأسْرارِ والتَّأْثِيراتِ، وما يُعْطى لِلنُّزَلاءِ فِيهِ مِنَ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ والثَّوابِتِ، فَإنَّ لِلثَّوابِتِ حَرَكاتٍ وقَطْعًا في البُرُوجِ لا يُشْعَرُ بِهِ في الحِسِّ؛ لِأنَّهُ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ إلّا في آلافٍ مِنَ السِّنِينَ، وأعْمارُ الرَّصْدِ تَقْصُرُ عَنْ مُشاهَدَةِ ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ بِأيْدِي هَؤُلاءِ النُّقَباءِ عُلُومَ الشَّرائِعِ المُنَزَّلَةِ، ولَهُمُ اسْتِخْراجُ خَبايا النُّفُوسِ وغَوائِلِها، ومَعْرِفَةُ مَكْرِها وخِداعِها، وإبْلِيسُ مَكْشُوفٌ عِنْدَهُمْ، يَعْرِفُونَ مِنهُ ما لا يَعْرِفُهُ مِن نَفْسِهِ، وهم مِنَ العِلْمِ بِحَيْثُ إذا رَأى أحَدُهم أثَرَ وطْأةِ شَخْصٍ في الأرْضِ عَلِمَ أنَّها وطْأةُ سَعِيدٍ أوْ شَقِيٍّ، مِثْلَ العُلَماءِ بِالآثارِ والقِيافَةِ، وبِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ مِنهم كَثِيرٌ، يُخْرِجُونَ الأثَرَ في الصُّخُورِ، وإذا رَأوْا شَخْصًا يَقُولُونَ: هَذا الشَّخْصُ هو صاحِبُ ذَلِكَ الأثَرِ، ولَيْسُوا بِأوْلِياءَ، فَما ظَنَّكُ بِما يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعالى لِهَؤُلاءِ النُّقَباءِ مِن عُلُومِ الآثارِ؟!

انْتَهى.

وقَدْ عَدَّ الشَّيْخُ - قُدِّسَ سِرُّهُ - فِيها أنْواعًا كَثِيرَةً، والسَّلَفِيُّونَ يُنْكِرُونَ أكْثَرَ تِلْكَ الأسْماءِ، فَفي بَعْضِ فَتاوى ابْنِ تَيْمِيَّةَ: وأمّا الأسْماءُ الدّائِرَةُ عَلى ألْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النُّسّاكِ والعامَّةِ، مِثْلُ الغَوْثِ الَّذِي بِمَكَّةَ، والأوْتادِ الأرْبَعَةِ، والأقْطابِ السَّبْعَةِ، والأبْدالِ الأرْبَعِينَ، والنُّجَباءِ الثَّلاثِمِائَةٍ فَهي لَيْسَتْ مَوْجُودَةً في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، ولا هي مَأْثُورَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لا بِإسْنادٍ صَحِيحٍ ولا ضَعِيفٍ مُحْتَمَلٍ، إلّا لَفْظُ الأبْدالِ، فَقَدْ رُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ شامِيٌّ مُنْقَطِعُ الإسْنادِ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: ««إنَّ فِيهِمْ - يَعْنِي أهْلَ الشّامِ - الأبْدالَ أرْبَعِينَ رَجُلًا، كُلَّما ماتَ رَجُلٌ أبْدَلَ اللَّهُ تَعالى مَكانَهُ رَجُلًا»» ولا تُوجَدُ أيْضًا في كَلامِ السَّلَفِ، انْتَهى.

وأنا أقُولُ: وما أنا إلّا مِن غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ ( ﴿ وقالَ اللَّهُ ﴾ ) تَعالى ( ﴿ إنِّي مَعَكُمْ ﴾ ) بِالتَّوْفِيقِ والإعانَةِ ( ﴿ لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ ﴾ ) وتَحَلَّيْتُمْ بِالعِباداتِ البَدَنِيَّةِ ( ﴿ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ ﴾ ) وتَخَلَّيْتُمْ عَنِ الصِّفاتِ الذَّمِيمَةِ مِنَ البُخْلِ والشُّحِّ فَزَهِدْتُمْ وآثَرْتُمْ ( ﴿ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ ) جَمِيعِهِمْ مِنَ العَقْلِ، والإلْهاماتِ، والأفْكارِ الصّائِبَةِ، والخَواطِرِ الصّادِقَةِ مِنَ الرُّوحِ والقَلْبِ، وإمْدادِ المَلَكُوتِ ( ﴿ وعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ ) أيْ: وعَظْتُمُوهم بِأنْ سَلَّطْتُمُوهم عَلى شَياطِينِ الوَهْمِ، وقَوَّيْتُمُوهم ومَنَعْتُمُوهم مِنَ الوَساوِسِ، وإلْقاءِ الوَهْمِيّاتِ والخَيالاتِ والخَواطِرِ النَّفْسانِيَّةِ ( ﴿ وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ) بِأنْ تَبَرَّأْتُمْ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ، وأسْنَدْتُمْ كُلَّ ذَلِكَ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ، بَلْ ومِنَ الأفْعالِ والصِّفاتِ جَمِيعِها، بَلْ ومِنَ الذّاتِ بِالمَحْوِ والفَناءِ وإسْلامِها إلى بارِيها جَلَّ وعَلا ( ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ ) الَّتِي هي الحُجُبُ والمَوانِعُ لَكم ( ﴿ ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ ﴾ ) مِمّا عِنْدِي ( ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ ) وهي أنْهارُ عُلُومِ التَّوَكُّلِ والرِّضاءِ والتَّسْلِيمِ والتَّوْحِيدِ، وتَجَلِّياتِ الأفْعالِ والصِّفاتِ والذّاتِ ( ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ ) العَهْدِ وبَعْثِ النُّقَباءِ مِنكم ( ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ﴾ ) وهَلَكَ مَعَ الهالِكِينَ.

( ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ ) الَّذِي وثَّقُوهُ ( ﴿ لَعَنّاهُمْ ﴾ ) وطَرَدْناهم عَنِ الحَضْرَةِ ( ﴿ وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ ) بِاسْتِيلاءِ صِفاتِ النَّفْسِ عَلَيْها، ومَيْلِها إلى الأُمُورِ الأرْضِيَّةِ ( ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ ) حَيْثُ حُجِبُوا عَنْ أنْوارِ المَلَكُوتِ والجَبَرُوتِ الَّتِي هي كَلِماتُ اللَّهِ تَعالى، واسْتَبْدَلُوا قُوى أنْفُسِهِمْ بِها، واسْتَعْمَلُوا وهْمِيّاتِهِمْ وخَيالاتِهِمْ بَدَلَ حَقائِقَها ( ﴿ ونَسُوا حَظًّا ﴾ ) نَصِيبًا وافِرًا ( ﴿ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ ) في العَهْدِ اللّاحِقِ، وهو ما أُوتُوهُ في العَهْدِ السّابِقِ مِنَ الكِمالاتِ الكامِنَةِ في اسْتِعْداداتِهِمُ المَوْجُودَةِ فِيها بِالقُوَّةِ ( ﴿ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ ﴾ ) مِن نَقْضِ عَهْدٍ، ومَنعِ أمانَةٍ؛ لِاسْتِيلاءِ شَيْطانِ النَّفْسِ عَلَيْهِمْ، وقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ ( ﴿ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ ) وهو مَن جَرَّهُ اسْتِعْدادُهُ إلى ما فِيهِ صَلاحُهُ ( ﴿ فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ ) إلى عِبادِهِ بِاللُّطْفِ والمُعامَلَةِ الحَسَنَةِ، جَعَلَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاكم مِنَ المُحْسِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني في التوراة من الإيمان بالله تعالى وبأنبيائه وأن يعملوا بما في التوراة، ثم قال: وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً قال مقاتل: يعني شهداء على قومهم، بعث الله تعالى من كل سِبْطٍ منهم رجلاً ليأخذ كل رجل منهم على سبطه الميثاق، يكونوا شهداء على قومهم.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً قال: من كل سبط من بني إسرائيل رجلاً، أرسلهم موسى-  - إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم، ولا يحمل عنقود عنبهم إلا خمسة منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبة منه خمسة أنفس أو أربعة، فرجع النقباء كلهم ينهون سبطهم عن القتال إلا يوشع بن نون، وكالب بن يافن، ويقال كالوب بن يوقنا، أمرا قومهما بالقتال.

وقال القتبي: النقيب الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة شبه العرافة.

ويقال: نقيباً يعني أميناً.

وقال ابن عباس: نقيباً يعني ملكاً، حين بعثهم موسى إلى بيت المقدس جعل موسى-  - عليهم اثني عشر ملكاً، على كل سبط منهم ملك قالَ اللَّهُ تعالى للنقباء: إِنِّي مَعَكُمْ ويقال: قال الله لبني إسرائيل حين أخذ عليهم الميثاق في التوراة: إِنِّي مَعَكُمْ أي معينكم وحافظكم وناصركم لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ يعني: ما دمتم أقمتم الصّلاة وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي يعني: صدقتم برسلي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ يعني: أعنتموهم.

وقال القتبي: أي عظمتموهم والتعزير التعظيم.

وقال السدي: يعني نصرتموهم بالسيف.

وقال الأخفش: يعني وقَّرْتموهم وقَوَّيتموهم.

وقال الضحاك: شرفتموهم بالنبوة كما شرفهم الله تعالى.

ويقال: آمنتم برسلي أي أمرتم قومكم، حتى يؤمنوا برسلي ونصرتموهم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي تأمرون قومكم بذلك.

ثم بيّن جزاءهم وثوابهم إن فعلوا ذلك فقال: لَأُكَفِّرَنَّ أي لأمحونَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعني ذنوبكم وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثم قال: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ العهد والميثاق مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ يعني أخطأ قصد الطريق.

ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ يعني لما أخذ عليهم الميثاق نقضوا الميثاق، فبنقضهم ميثاقهم لَعَنَّاهُمْ أي لعنهم الله، يعني طردهم من رحمته.

ويقال: لَعَنَّاهُمْ يعني عذبناهم بالمسخ.

ويقال: بالجزية.

ثم قال: وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يعني يابسة، ويقال: خالية عن حلاوة الإيمان.

قرأ حمزة والكسائي قاسِيَةً بغير ألف، وقرأ الباقون قاسِيَةً ومعناهما واحد ويقال: قست فهي قاسية وقسية.

ثم قال: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ والكلم جمع كلمة، يعني يغيرون صفة محمد  عَنْ مَواضِعِهِ يعني في كتابهم مما وافق القرآن، يعني عن صفة رسول الله  في كتابهم، ويقال: استحلوا ما حرم الله تعالى عليهم ولم يعملوا به، فكان ذلك تغيير الكلم عن مواضعه.

ثم قال: وَنَسُوا حَظًّا يعني تركوا نصيباً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني مما أمروا به في كتابهم وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ يعني لا يزال يظهر لك منهم الخيانة ونقض العهد.

وقال القتبي عن أبي عبيدة: إن العرب تضع لفظ الفاعل في موضع المصدر، كقولهم للخوان مائدة، وإنما يميد بهم ما في الخوان فيجوز أن يكون الهاء صفة للخائن، كما يقال رجل طاغية وراوية للحديث.

ثم قال: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ يعني: مؤمنيهم لم ينقضوا العهد فَاعْفُ عَنْهُمْ يعني اتركهم ولا تعاقبهم وَاصْفَحْ عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الذين يعفون عن الناس، وهذا قبل الأمر بقتال أهل الكتابين.

قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى وذلك أن الله تعالى لما ذكر حال اليهود ونقضهم الميثاق، فقال على أثر ذلك إن النصارى لم يكونوا أحسن معاملة من اليهود، ثم بيّن معاملتهم فقال: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ في الإنجيل، بأن يتبعوا قول محمد  فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ يعني تركوا نصيباً مما أمروا به في الإنجيل من اتباع قول محمد  ، ويقال: نقضوا العهد كما نقض اليهود، ويقال إنما سموا أنفسهم النصارى لأنهم نزلوا قرية يقال لها «ناصرة» ، نزل فيها عيسى-  - فنزلوا هناك وتواثقوا بينهم، ويقال: إنما سموا النصارى لقول عيسى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [آل عمران: 52، والصف: 14] .

ثم قال: فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ يعني ألقينا بينهم العداوة وَالْبَغْضاءَ ويقال: الإغراء في أصل اللغة الإلصاق، يقال: أغريت الرجل إغراءً إذا ألصقت به.

ويقال: إن أصل العداوة التي كانت بينهم ألقاها إنسان يقال له «بولس» ، كان بينه وبين النصارى قتال، وكان يهودياً فقتل منهم خلقاً كثيراً، فأراد أن يحتال بحيلة يلقي بينهم القتال ليقتل بعضهم بعضاً، فجاء إلى النصارى، وجعل نفسه، أعور وقال لهم: أتعرفوني؟

فقالوا: أنت الذي قتلت منا وفعلت ما فعلت، فقال: قد فعلت ذلك كله وأنا تائب، لأني رأيت عيسى ابن مريم في المنام نزل من السماء، فلطم وجهي لطمة وفقأ عيني.

فقال: أي شيء تريد من قومي؟

فتبت على يده، وإنما جئتكم لأكون بين ظهرانيكم، وأعلمكم شرائع دينكم، كما علمني عيسى في المنام فاتخذوا له غرفة، فصعد تلك الغرفة وفتح كوة إلى الناس في الحائط، وكان يتعبد في الغرفة، وربما كانوا يجتمعون إليه ويسألونه ويجيبهم من تلك الكوة، وربما يأمرهم حتى يجتمعوا ويناديهم من تلك الكوة، ويقول لهم بقول كان في الظاهر منكراً وينكرون عليه، فكان يفسر ذلك القول بتفسير يعجبهم ذلك، فانقادوا كلهم له وكانوا يقبلون قوله بما يأمرهم به.

فقال لهم يوماً من الأيام: اجتمعوا قد حضرني علم، فاجتمعوا، فقال لهم: أليس قد خلق الله تعالى هذه الأشياء في الدنيا كلها لمنفعة بني آدم؟

قالوا: نعم، فقال لم تحرمون على أنفسكم هذه الأشياء؟

يعني الخمر والخنزير وقد خلق لكم مَّا فِى الارض جميعاً، فأخذوا بقوله واستحلوا الخمر والخنزير، فلما مضى على ذلك أيام دعاهم وقال: حضرني علم.

فاجتمعوا وقال لهم: من أي ناحية تطلع الشمس؟

فقالوا: من قبل المشرق.

فقال: ومن أي ناحية يطلع القمر والنجوم؟

فقالوا: من قبل المشرق.

فقال: ومن يرسلهم من قبل المشرق؟

قالوا: الله تعالى: فقال: فاعلموا أنه من قبل المشرق فإن صليتم له فصلوا إليه، فحول صلاتهم إلى المشرق، فلما مضى على ذلك أيام دعا طائفةً منهم وأمرهم بأن يدخلوا عليه في الغرفة.

وقال لهم: إني أريد أن أجعل نفسي الليلة قرباناً لأجل عيسى، وقد حضرني علم وأريد أن أخبركم في السر لتحفظوا عني وتدعوا الناس إلى ذلك.

ويقال أيضاً إنه أصبح يوماً وفتح عينه الأخرى ثم دعاهم وقال لهم: جاءني عيسى الليلة، وقال: قد رضيت عنك، فمسح يده على عيني فبرئت، فالآن أريد أن أجعل نفسي قرباناً.

ثم قال لهم: هل يستطيع أحد أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص إلا الله تعالى؟

فقالوا: لا.

فقال: إن عيسى قد فعل هذه الأشياء، فاعلموا بأنه هو الله.

فخرجوا من عنده.

ثم دعا طائفة أخرى فأخبرهم بذلك أيضاً، وقال: إنه كان ابنه ثم دعا بطائفة ثالثة وأخبرهم بأنه ثالث ثلاثة، وأخبرهم بأنه يريد أن يجعل نفسه الليلة قرباناً، فلما كان في بعض الليل خرج من بين ظهرانيهم، فأصبحوا وجعلوا كل فريق منهم يقول: قد علمني كذا وكذا.

وقال الفريق الآخر: أنت كاذب بل علمني كذا وكذا، فوقع بينهم القتال فاقتتلوا وقتلوا خلقاً كثيراً وبقيت العداوة بينهم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ ثلاث فرق، فرقة بينهم النسطورية قالوا المسيح ابن الله.

وصنف منهم يقال: لهم المار يعقوبية قالوا: إن الله هو المسيح.

وصنف يقال لهم: الملكانية، قالوا: إن الله ثالث ثلاثة المسيح وأمه والله.

فأغرى بَيْنَهُمُ العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة.

ويقال: ألقى بينهم العداوة بالجدال والخصومات في الدين، وذلك يحبط الأعمال.

وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات في الدين، فإنها تحبط الأعمال.

ثم قال: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ يعني: ينبئهم في الآخرة الذي هو على الحق.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وأمته، والجمهورُ أنَّ سبب هذه الآية أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، لمَّا استعان بيَهُودَ في ديةِ الرَّجُلَيْنِ اللذَيْن قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وصاحِبُه، قالوا: نَعَمْ، يَا أَبَا القَاسِمِ، انزل حتى نَصْنَعَ لَكَ طَعَامَاً، وَنَنْظُرَ فِي مَعُونَتِكَ، فَنَزَلَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم فِي ظِلِّ جِدَارٍ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَتَآمَرَتْ يَهُودُ فِي قَتْلِهِ، وَقَالُوا: مَنْ رَجْلٌ يَظْهَرُ عَلَى الحَائِطِ، فَيَصُبُّ عَلَيْهِ حجرا يشدخه، فجاء جبريل، فأخبر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الخبر، فقام صلّى الله عليه وسلّم مِنَ المَكَانِ، وَتَوَجَّهَ إلَى المَدِينَةِ، ونزلَتِ الآيةُ في ذلِكَ ويترجَّح هذا القولُ بما يأتِي بَعْدُ من الآياتِ في وَصْفِ غَدْر يهودَ، ونقضهم المواثيق.

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً: هذه الآيةُ المتضمِّنة للخَبَرِ عن نَقْضِهِمْ مواثيقَ اللَّه تعالى- تُقَوِّي أنَّ الآية المتقدِّمة في كَفِّ الأَيْدِي، إنَّما كانَتْ في/ أمر بني النَّضِيرِ، والإجماعُ على أنَّ النقيب كَبِيرُ القَوْمِ، القائمُ بأمورهم، قال قتادة وغيره: هؤلاءِ النُّقَبَاءُ قوْمٌ كبارٌ مِنْ كُلِّ سبْطٍ، تكَفَّل بكلِّ واحدٍ سِبْطُهُ، بأنْ يؤمنوا ويلتزموا التقوى «١» .

قال ع «٢» : ونحو هذا كانَتِ النقباءُ ليلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ، مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والضميرُ في مَعَكُمْ، لبني إسرائيل، أيْ: معكم بنَصْري، وحِيَاطَتِي، وتأييدي، واللام في قوله:

لَئِنْ: هي المُؤْذِنَةُ بمجيء القَسَمِ، ولامُ القَسمِ هي قوله: لَأُكَفِّرَنَّ والدليل على أنَّ هذه اللام إنما هي مؤذنةٌ: أنَّهَا قد يستغنى عنها أحياناً، ويتمُّ الكلامُ دونها، ولو كانَتْ لاَمَ قَسَمٍ، لم يترتَّب ذلك، وإقامةُ الصلاةِ: توفيةُ شروطها، والزكاةُ هنا: شَيْءٌ من المالِ كان مفروضاً عليهم فيما قال بعضُ المفسِّرين، وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: معناه: وقّرتموهم، وعظّمتموهم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَنَقَضُوا، فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم.

وفي المُرادِ بِهَذِهِ اللَّعْنَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها التَّعْذِيبُ بِالجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّعْذِيبُ بِالمَسْخِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ والثّالِثُ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قاسِيَةً" بِالألْفِ، يُقالُ: قَسَتْ، فَهي قاسِيَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "قَسِيَّةً" بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ، لِأنَّهُ قَدْ يَجِيءُ فاعِلٌ وفَعِيلٌ، مِثْلَ شاهِدٍ وشَهِيدٍ، وعالِمٍ وعَلِيمٍ، و "القَسْوَةُ": خِلافُ اللِّينِ والرِّقَّةِ.

وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في (البَقَرَةِ) .

وفي تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَغْيِيرُ حُدُودِ التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: تَغْيِيرُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: تَفْسِيرُهُ عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ مُبَيَّنٌ في سُورَةِ (النِّساءِ) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ "النِّسْيانُ" هاهُنا: التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ.

و "الحَظُّ": النَّصِيبُ.

قالَ مُجاهِدٌ: نَسُوا كِتابَ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ.

وقالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا نَصِيبَهم مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ.

وفي مَعْنى (ذُكِّرُوا بِهِ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أُمِرُوا.

والثّانِي: أُوصُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى خِيانَةٍ مِنهم "قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ: الخِيانَةُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْخائِنِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ طاغِيَةٌ، وراوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ مِثْلُ نَقْضِ قُرَيْظَةَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ، وخُرُوجِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ إلى أهْلِ مَكَّةَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  ﴿ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.

وقِيلَ: بَلِ القَلِيلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ ﴾ واخْتَلَفُوا في نَسْخِها عَلى قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها آيَةُ السَّيْفِ.

والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ  ﴾ والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً  ﴾ والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ  عَهْدٌ، فَغَدَرُوا، وأرادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ  ، فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.

ولَمْ تُنْسَخْ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يُعْفى عَنْهم في غَدْرَةٍ فَعَلُوها، ما لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا، ولَمْ يَمْتَنِعُوا مِن أداءِ الجِزْيَةِ والإقْرارِ بِالصَّغارِ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عنهم واصْفَحْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" زائِدَةً؛ والتَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا نَكِرَةً أُبْدِلَ مِنهُ النَقْضَ؛ عَلى بَدَلِ المَعْرِفَةِ مِنَ النَكِرَةِ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِفِعْلٍ هو نَقْضُهم لِلْمِيثاقِ؛ وهَذا هو المَعْنى في هَذا التَأْوِيلِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في "اَلنِّساءِ"؛ نَظِيرُ هَذا؛ و"لَعَنّاهُمْ"؛ مَعْناهُ: أبْعَدْناهم مِنَ الخَيْرِ أجْمَعِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "قاسِيَةً"؛ بِالألِفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قَسِيَّةً"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وزْنُها "فَعِيلَةً"؛ فَحُجَّةُ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ ؛ والقَسْوَةُ: غِلَظُ القَلْبِ؛ ونَبْوُهُ عَنِ الرِقَّةِ والمَوْعِظَةِ؛ وصَلابَتُهُ؛ حَتّى لا يَنْفَعِلَ لِخَيْرٍ.

ومَن قَرَأ "قَسِيَّةً"؛ فَهو مِن هَذا المَعْنى: "فَعِيلَةً"؛ بِمَعْنى "فاعِلَةً"؛ كَـ "شاهِدٌ"؛ و"شَهِيدٌ"؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ؛ وحَكىالطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: "قَسِيَّةً"؛ لَيْسَتْ مِن مَعْنى القَسْوَةِ؛ وإنَّما هي كالقَسِيِّ مِنَ الدَراهِمِ؛ وهي الَّتِي خالَطَها غِشٌّ وتَدْلِيسٌ؛ فَكَذا القُلُوبُ؛ لَمْ تَصْفُ لِلْإيمانِ؛ بَلْ خالَطَها الكُفْرُ؛ والفَسادُ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ: لَها صَواهِلُ في صُمِّ السَلامِ كَما ∗∗∗ صاحَ القَسِيّاتُ في أيْدِي الصَيارِيفِ وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَما زَوَّدانِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخَمْسِمِئٍ مِنها قَسِيٌّ وزائِفُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ اللَفْظَةُ مُعَرَّبَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ ﴾ ؛ فَقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ -: تَحْرِيفُهم هو بِالتَأْوِيلِ؛ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَبْدِيلِ الألْفاظِ في التَوْراةِ؛ ولا يُتَمَكَّنُّ لَهم ذَلِكَ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَقاءُ آيَةِ الرَجْمِ؛ واحْتِياجُهم إلى أنْ يَضَعَ القارِئُ يَدَهُ عَلَيْها.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ حَرَّفُوا الكَلامَ وبَدَّلُوهُ أيْضًا؛ وفَعَلُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا بِحَسَبِ ما أمْكَنَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وألْفاظُ القُرْآنِ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ  ﴾ ؛ يَقْتَضِي التَبْدِيلَ؛ ولا شَكَّ أنَّهم فَعَلُوا الأمْرَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْكَلِمَ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "اَلْكَلامَ"؛ بِالألِفِ؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "اَلْكِلْمَ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ اللامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ ؛ نَصٌّ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ؛ أيْ: قَدْ كانَ لَهم حَظٌّ عَظِيمٌ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ؛ فَنَسُوهُ؛ وتَرَكُوهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ - تَبارَكَ وتَعالى- نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ لا يَزالُ في مُؤْتَنَفِ الزَمانِ يَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ؛ وغائِلَةٍ؛ وأُمُورٍ فاسِدَةٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى: "خائِنَةٍ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "خائِنَةٍ": مَصْدَرٌ؛ كَـ "اَلْعاقِبَةُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ  ﴾ ؛ فالمَعْنى: عَلى خِيانَةٍ.

وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: عَلى فِرْقَةٍ خائِنَةٍ؛ فَهي اسْمُ فاعِلٍ؛ صِفَةُ المُؤَنَّثِ؛ وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: "عَلى خائِنٍ"؛ فَزِيدَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفاءِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِلْغَدْرِ خائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى خِيانَةٍ مِنهُمْ"؛ ثُمَّ اسْتَثْنى - تَبارَكَ وتَعالى- مِنهُمُ القَلِيلَ؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في الأشْخاصِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الأفْعالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاعْفُ عنهم واصْفَحْ ﴾ ؛ مَنسُوخٌ بِما في "بَراءَةٌ"؛ مِنَ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ حَتّى يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ؛ وباقِي الآيَةِ وعْدٌ عَلى الإحْسانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم ﴾ قد تقدّم الكلام على نظيره في قوله تعالى: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرِهم ﴾ [النساء: 155]، وقوله: ﴿ فبظلم من الّذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات ﴾ في سورة النّساء (160).

واللعن هو الإبعاد، والمراد هنا الإبعادُ من رحمة الله تعالى ومن هديه إذ استوجبوا غضب الله لأجل نقض الميثاق.

وجَعلنا قلوبهم قاسية } قساوة القلب مجاز، إذْ أصلها الصلابة والشدّة، فاستعيرت لعدم تأثّر القلوب بالمواعظ والنذر.

وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿ ثمّ قست قلوبكم من بعد ذلك ﴾ [البقرة: 74].

وقرأ الجمهور: ﴿ قاسية ﴾ بصيغة اسم الفاعل.

وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ قَسِيَّة ﴾ فيكون بوزن فَعِيلة من قَسَا يَقْسو.

وجملة ﴿ يُحرّفون الكَلِم عن مواضعه ﴾ استئناف أو حال من ضمير ﴿ لَعنّاهم ﴾ .

والتحريف: الميل بالشيء إلى الحرف، والحرف هو الجانب.

وقد كثر في كلام العرب استعارة معاني السير وما يتعلّق به إلى معاني العمل والهُدى وضدّه؛ فمن ذلك قولهم: السلوك، والسيرة؛ والسعي؛ ومن ذلك قولهم: الصراط المستقيم، وصراطاً سوياً، وسواء السبيل، وجادّة الطريق، والطريقة الواضحة، وسواء الطريق؛ وفي عكس ذلك قالوا: المراوغة، والانحراف، وقالوا: بنيَّات الطريق، ويعْبُد الله على حرف، ويشعِّبُ الأمور.

وكذلك ما هنا، أي يعدلون بالكلم النبويّة عن مواضعها فيسيرون بها في غير مسالكها، وهو تبديل معاني كتبهم السماوية.

وهذا التحريف يكون غالباً بسوء التأويل اتّباعاً للهوى، ويكون بكتمان أحكام كثيرة مجاراة لأهواة العامّة، قيل: ويكون بتبديل ألفاظ كتبهم.

وعن ابن عبّاس: ما يدلّ على أنّ التحريف فساد التأويل.

وقد تقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى: ﴿ من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ﴾ في سورة النساء (46).

وجيء بالمضارع للدلالة على استمرارهم.

وجملة ونسوا حظّاً } معطوفة على جملة ﴿ يحرّفون ﴾ .

والنسيان مراد به الإهمال المفضي إلى النسيان غالباً.

وعبّر عنه بالفعل الماضي لأنّ النسيان لا يتجدّد، فإذا حصل مضى، حتّى يُذكّره مُذكِّر.

وهو وإن كان مراداً به الإهمال فإنّ في صوغه بصيغة الماضي ترشيحاً للاستعارة أو الكناية لتهاونهم بالذكرى.

والحظّ النصيب، وتنكيره هنا للتعظيم أو التكثير بقرينة الذمّ.

وما ذكّروا به هو التّوراة.

وقد جمعت الآية من الدلائل على قلّة اكتراثهم بالدّين ورقّة اتِّباعهم ثلاثة أصول من ذلك: وهي التعمّد إلى نقض ما عاهدوا عليه من الامتثال، والغرور بسوء التأويل، والنسيان الناشئ عن قلّة تعهّد الدّين وقلّة الاهتمام به.

والمقصود من هذا أن نعتبر بحالهم ونتّعظ من الوقوع في مثلها.

وقد حاط علماء الإسلام رضي الله عنهم هذا الدّين من كلّ مسارب التحريف، فميّزوا الأحكام المنصوصة والمقيسة ووضعوا ألقاباً للتمييز بينها، ولذلك قالوا في الحكم الثابت بالقياس: يجوز أن يقال: هو دين الله، ولا يجوز أن يُقال: قاله الله.

وقوله: ﴿ ولا تزال تطّلع على خائنة منهم ﴾ انتقال من ذكر نقضهم لعهد الله إلى خيسهم بعهدهم مع النّبيء صلى الله عليه وسلم وفِعل ﴿ لا تزال ﴾ يدلّ على استمرار، لأنّ المضارع للدلالة على استمرار الفعل لأنّه في قوة أن يقال: يدوم اطّلاعك.

فالاطّلاع مجاز مشهور في العلم بالأمر، والاطّلاع هنا كناية عن المطّلع عليه، أي لا يزالون يخونون فتطّلع على خيانتهم.

والاطّلاع افتعال من طَلع.

والطلوع: الصعود.

وصيغة الافتعال فيه لمجرّد المبالغة، إذ ليس فعله متعدّياً حتّى يصاغ له مطاوع، فاطّلع بمنزلة تطّلع، أي تكلّف الطلوع لقصد الإشراف.

والمعنى: ولا تزال تكشف وتشاهد خائنة منهم.

والخائنة: الخيانة فهو مصدر على وزن الفاعلة، كالعاقبة، والطاغية.

ومنه ﴿ يعلم خائنة الأعين ﴾ [غافر: 19].

وأصْل الخيانة: عدم الوفاء بالعهد، ولعلّ أصلها إظهار خلاف الباطن.

وقيل: ﴿ خائنة ﴾ صفة لمحذوف، أي فرقة خائنة.

واستثنى قليلاً منهم جُبلوا على الوفاء، وقد نقض يهود المدينة عهدهم مع رسول الله والمسلمين فظاهروا المشركين في وقعة الأحزاب، قال تعالى: ﴿ وأنزَل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ﴾ [الأحزاب: 26].

وأمْره بالعفو عنهم والصفح حمل على مكارم الأخلاق، وذلك فيما يرجع إلى سوء معاملتهم للنّبيء صلى الله عليه وسلم وليس المقام مقام ذكر المناواة القومية أو الدّينية، فلا يعارض هذا قوله في براءة ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ [التوبة: 29] لأنّ تلك أحكام التصرّفات العامّة، فلا حاجة إلى القول بأنّ هذه الآية نسخت بآية براءة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي نَصَرْتُمُوهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

الثّانِي: عَظَّمْتُمُوهم، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

وَأصْلُهُ المَنعُ، قالَ الفَرّاءُ: عَزَّرْتُهُ عُزْرًا إذا رَدَدْتَهُ عَنِ الظُّلْمِ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن مُعاوَدَةِ القُبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ ﴾ وتَقْدِيرُهُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم، و (ما) صِلَةٌ زائِدَةٌ.

﴿ وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً ﴾ مِنَ القَسْوَةِ وهي الصَّلابَةُ.

وَقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( قَسِيَّةً ) وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أبْلَغُ مِن قاسِيَةٍ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى قاسِيَةٍ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ﴾ يَعْنِي بِالتَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، وسُوءِ التَّأْوِيلِ.

﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي نَصِيبَهم مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ.

أحَدُهُما: يَعْنِي خِيانَةً مِنهم.

والثّانِي: يَعْنِي فِرْقَةً خائِنَةً.

﴿ إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في الصَّفْحِ والعَفْوِ إذا رَآهُ.

والثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ، وفي الَّذِي نَسَخَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ  ﴾ وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ  ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ قال: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ يقول: فبنقضهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ﴾ قال: اجتنبوا نقض الميثاق، فإن الله قدم فيه وأوعد فيه، وذكره في آي من القرآن تقدمة ونصيحة وحجة، وإنما بعظم عظمها الله به عند أولي الفهم والعقل وأهل العلم بالله، وانا ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض الميثاق.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ يحرِّفون الكلم عن مواضعه ﴾ يعني حدود الله في التوراة يقول: ان أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونسوا حظاً مما ذكروا به ﴾ قال: نسوا الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ونسوا حظاً مما ذكروا به ﴾ قال: نسوا الكتاب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ونسوا حظاً مما ذكروا به ﴾ قال: كتاب الله إذا نزل عليهم.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ونسوا حظاً مما ذكروا به ﴾ قال: عرى دينهم ولطائف الله التي لا يقبل الأعمال إلا بها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: نسوا كتاب الله بين أظهرهم، وعهده الذي عهده إليهم، وأمره الذي أمرهم به، وضيعوا فرائضه، وعطلوا حدوده، وقتلوا رسله، ونبذوا كتابه.

وأخرج ابن المبارك وأحمد في الزهد عن ابن مسعود قال: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ قال: هم يهود مثل الذي هموا به من النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل عليهم حائطهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تزال تطَّلع على خائنة منهم ﴾ يقول: على خيانة وكذب وفجور.

وفي قوله: ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ قال: لم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمرهم الله أن يعفو عنهم ويصفح، ثم نسخ ذلك في براءة فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر...

﴾ [ التوبة: 29] الآية.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾ الآية.

قد مضى الكلام في مثل هذا في سورة النساء.

قال قتادة: ونقضهم أنهم كذّبوا الرسل بعد موسى، وقتلوا الأنبياء، ونبذوا كتاب الله، وضيعوا فرائضه (١) قال أهل المعاني: تقدير الكلام: فنقضوا فلعناهم بنقضهم؛ لأنه لما ذكر أخذ الميثاق عليهم اقتضى ذكر الوفاء به (أو (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ لَعَنَّاهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: عذبناهم بالجزية (٤) وقال مقاتل: عذبناهم بالمسخ (٥) (٦) وقال عطاء: أخرجناهم (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .

القسوة: الصلابة، والشدة في كل شيء، يقال: قسا: يقسو (٩) (١٠) (١١) وقرأ حمزة والكسائي: (قَسِيَّة) على وزن، فعيلة، وقد يجيء فاعل وفعيل، مثل: شاهد وشهيد، وعالم وعليم، وعارف وعريف (١٢) وقال شَمر: العام القسِيّ الشديد لا مطر فيه (١٣) وذهب بعضهم: إلى أن هذا من الدراهم القسَيّة وهي الفاسدة الردية (١٤) قال الأصمعي: درهم قسِيّ، مخفف السين مشدد الياء، على مثال: شقيّ (١٥) (١٦) لها صواهِلُ في صُمِّ السِّلام كَما ...

صاح القَسِيَّاتُ في أيدي الصياريفِ (١٧) وما زوَّدوني غيرَ سَحقِ عِمامَةٍ ...

وخَمس مِئي منها قَسِيٌّ وزائِفُ (١٨) قال الأصمعي: وكأنه إعراب قاس.

قال أبو علي: إذا كان القَسِيّ من الدراهم معربًا لم يكن من القَسِيّ العربي، ألا ترى أن قابوس وإبليس وجالوت وطالوت، ونحو ذلك من الأسماء الأعجمية التي من ألفاظها يوجد العربي لا تكون مشتقة من باب القبس والإبلاس، يدل على ذلك منعهم الصرف (١٩) قال ابن عباس: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ يابسة عن الإيمان (٢٠) وقال الحسن: طبع عليها (٢١) وقوله تعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يغيرون كلام الله عن مواضعه من صفة محمد  في كتابهم (٢٢) ونحو ذلك قال مقاتل (٢٣) وقال السدي: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ آية الرجم (٢٤) وقال الزجاج: تأويل ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ : يفسرون على غير ما أنزل، وجائز أن يكون: يلفظون به على غير ما أنزل (٢٥) وتحريفهم يحتمل تأويلين على ما قال: أحدهما: سوء التأويل، والآخر: التغيير والتبدل، وهذا مما فسرنا في سورة النساء (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ .

قال ابن عباس: تركوا نصيبًا مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد (٢٧) وقال عطاء عنه: تركوا حظًا مما وعظوا به (٢٨) ونحوه قال مقاتل، وزاد: من إيمان بمحمد، ولو آمنوا به لكان ذلك لهم حظًا (٢٩) وقال قتادة: نسوا عهد الله الذي عهد إليهم، وأمر الله الذي أمرهم (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ .

يقال: لا زال يفعل كذا، كقولك: ما ينفك، وما زلت أفعل، والمضارع لا يزال لا غير، وقيل ما يتكلم به إلا بحرف نفي.

وأما الخائنة، يقال: رجل خائنة، إذا بالغت في وصفه بالخيانة (٣١) (٣٢) وقد تكون الخائنة مصدرًا على فاعلة، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ  ﴾ ، وكثير من المصادر في القرآن جاء على: فاعله، نحو قوله: ﴿ لاغية ﴾ (٣٣) (٣٤) قال الزجاج: وفاعلة في أسماء المصادر كثيرة نحو: عافاه الله عافية، و ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ  ﴾ ، و ﴿ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ  ﴾ (٣٥) وعلى هذا دل كلام المفسرين، فقال (٣٦) (٣٧) وقال مقاتل: يعني بالخائنة الغش للنبي  وقال: إيمان على كذب وفجور.

(٣٨) وقال عطاء: ﴿ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾ مثل ما خانوك حين هموا بقتلك (٣٩) قال الزجاج: ويجوز أن يكون والله أعلم ﴿ عَلَى خَائِنَةٍ ﴾ علي فرقة خائنة (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني من أسلم منهم، عبد الله وأصحابه، ولم ينقضوا العهد (٤١) وقال مقاتل: والقليل أيضًا منهم كفار (٤٢) وعلى هذا القليل مستثنى من الخيانة، يريد إلا قليلًا منهم لم يخونوا، والظاهر أن المراد بالمستثنى: مؤمنو أهل الكتاب.

وقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ .

منسوخ بآية السيف (٤٣) ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

قال عطاء: يريد المتجاوزين (٤٤) وقال ابن عباس: فإذا عفوت فأنت محسن (٤٥) (١) ذكره عن قتادة: البغوي في "تفسيره" 3/ 31، وأورد السيوطي نحوه في "الدر المنثور" 2/ 473، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٢) في (ش): (و).

(٣) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 154.

(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 422، و"زاد المسير" 2/ 313، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٥) "تفسيره" 1/ 461، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 313.

(٦) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 456، و"بحر العلوم" 1/ 422، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"زاد المسير" 2/ 313.

(٧) انظر: "زاد المسير" 2/ 313.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 159.

(٩) في (ش)، (ج): (يقسوا).

(١٠) علق هنا في هامش (ج) بـ: (قسوا).

والمراد المصدر.

(١١) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 158، والطبري في "تفسيره" 6/ 154، و"معاني الزجاج" 2/ 160، و"تهذيب اللغة" 3/ 2955 (قسو).

(١٢) من "الحجة" 3/ 216، 217، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 327، و"الكشف" 1/ 470.

(١٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2955، وانظر: "اللسان" 6/ 3633 (قسو).

(١٤) انظر: "معاني القراءات" 1/ 327، و"الكشف" 1/ 408، والبغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"اللسان" 6/ 3633 (قسو).

(١٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2955، وانظر: "اللسان" 6/ 3633 (قسو).

(١٦) هو المنذر بن حرملة، وقيل حرملة بن المنذر، الطائي، شاعر جاهلي معمر، أدرك الإسلام ولم يسلم، ومات نصرانيًا بعد الستين للهجرة.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 185، و"طبقات الشعراء" ص 185، و"الأعلام" 7/ 293.

(١٧) "الأمالي" 1/ 28، و"تهذيب اللغة" 3/ 2955 (قسو) واستشهدوا به الطبري في "تفسيره" 6/ 155 ونسبه الأزهري في "معاني القراءات" 1/ 328، إلى الشامخ، وليس في "ديوانه".

وانظر: "اللسان" 6/ 3633 (قسو).

والشاهد أن قسي جاء على وزن: شقي.

والسلام: الحجارة، والصيارف: الصيارفة، أي للمساحي أصوات إذا وقعت على الحجارة كأصوات الدراهم إذاً انتقدها الصياريف.

(١٨) نسبه في "اللسان" 6/ 3633 (قسو) لمزرد.

(١٩) "الحجة" 1/ 317، 318.

(٢٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٢١) لم أقف عليه.

(٢٢) بمعناه في "تفسيره" ص 173، والطبري في "تفسيره" 6/ 155.

(٢٣) "تفسيره" 1/ 461، وانظر: "زاد المسير" 2/ 313 (٢٤) لم أقف عليه.

(٢٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 160.

(٢٦) لعله عند الآية 46 من سورة النساء وتفسيرها من القسم المفقود.

(٢٧) انظر: "تفسيره" ص 173، والطبري في "تفسيره" 6/ 155، و"بحر العلوم" 1/ 422.

(٢٨) لم أقف عليه.

(٢٩) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 461.

(٣٠) أورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 474 بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(٣١) "تهذيب اللغة" 1/ 970 (خون)، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 139، و"اللسان" 3/ 1294 (خون).

(٣٢) جزء من بيت لرجل من بني كلاب يخاطب قرينا أخا عمير الحنفي، وكان له عنده دم وتمام البيت: حدَّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ...

للغدر خائنة مغل الإصبع "مجاز القرآن" 1/ 158، والطبري في "تفسيره" 6/ 156، و"معاني الزجاج" 2/ 160، و"اللسان" 3/ 1294 (خون).

ومغل الإصبع: كناية عن الخيانة والسرقة.

(٣٣) من قوله تعالى: ﴿ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً  ﴾ .

(٣٤) "تهذيب اللغة" 1/ 971، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 31، و"اللسان" 3/ 1295 (خون).

(٣٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 160.

(٣٦) في (ش): (وقال).

(٣٧) انظر البغوي في "تفسيره" 3/ 31، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 116، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٣٨) بلفظه الأول في "تفسيره" 1/ 461، وبنحو هذا القول قال مجاهد وقتادة، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 156، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 116، و"الدر المنثور" 2/ 474.

(٣٩) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 457، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 116.

وهذا معنى قول مجاهد، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 156، و"الدر المنثور" 2/ 474.

(٤٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 161، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 21.

(٤١) انظر البغوي في "تفسيره" 1/ 31، و"زاد المسير" 2/ 314، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 109.

(٤٢) ليس في "تفسيره"، وانظر: "زاد المسير" 2/ 314.

(٤٣) هذا قول ابن عباس وقتادة وكثر من المفسرين.

انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 191، والطبري في "جامع البيان" 6/ 157، و"الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 273، و"تفسير الهواري" 1/ 457، == و"بحر العلوم" 1/ 423، و"النكت والعيون" 2/ 21، والبغوي في "معالم التنزيل" 3/ 32، وقد استبعد الطبري في "تفسيره" والنحاس النسخ، وانظر: "البرهان" للزركشي 2/ 43، 44.

(٤٤) لم أقف عليه.

(٤٥) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ اثني عَشَرَ نَقِيباً ﴾ النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي بنصري، والخطاب لبني إسرائيل، وقيل: للنقباء ﴿ يُحَرِّفُونَ الكلم ﴾ اختلف هل أريد تحريف الألفاظ أو المعاني؟

﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ أي على خيانة فهو مصدر كالعاقبة، وقيل: على طائفة خائنة، وهو إخبار بأمر مستقبل ﴿ فاعف عَنْهُمْ ﴾ منسوخ بالسيف والجزية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.

الباقون ﴿ قاسية ﴾ .

الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.

﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.

﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .

﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.

﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.

﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.

﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.

﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.

وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي  لولا دفع الله  ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.

والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.

وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.

وأصل النقب الطريق في الجبل.

ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.

والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.

ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.

قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله  اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.

ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى  أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.

ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.

فحذف الرابط للعلم به.

والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.

والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.

فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.

وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.

واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.

والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.

ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه  ﴾ تكراراً.

وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟

وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.

قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى  ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.

سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟

وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.

قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً  ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟

والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.

﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد  أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.

وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.

قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.

قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.

وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد  ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.

فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.

وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.

وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.

ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى  نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.

ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد  فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله  وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.

وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.

ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.

وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟

والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.

فلما سلمتم كونه  خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.

وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.

وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم  .

وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله  يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟

وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.

وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله  بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.

وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.

عن ابن عباس أن النبي  دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟

ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.

ثم إنه  أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.

فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد  كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.

وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.

أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.

ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.

﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.

والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.

وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.

قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.

وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.

وكان بين عيسى  ومحمد  خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.

وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى  ومحمد  أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.

وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.

والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله  عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.

والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.

التأويل: جعل في أمة موسى  اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال  : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى  وواحد على خلق محمد  " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله  في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.

فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال  : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.

﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ .

هذا - والله أعلم - تعليم من الله -  - هذه الأمة وإنباء من أنه قد أخذ العهود والمواثيق على الأمم السالفة، كما أخذ منكم؛ لأنه ذكر أنه: قد أخذ من هؤلاء الميثاق بقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية.

ثم أعلمهم بما وعد لهم من الثواب إن وفوا بتلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم، وبما أوعد لهم من العقاب إن نقضوا العهود التي أخذ عليهم؛ ليكونوا على حذر من نقضها، وليقيموا على وفائها.

أو أن يقال: إنه إنما ذكر ما أخذ على أولئك من العهود والمواثيق؛ ليكون ذلك آية من آيات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه إخبار عن الأمم السالفة، وهو لم يشهدها ولا حضرها؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله.

ثم تحتمل تلك العهود والمواثيق التي أخذت عليهم: ما ذكر على أثرها وسياقها، وهو قوله -  -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

ويحتمل ما قال ابن عباس: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ﴾ في التوراة: ألاَّ تشركوا به شيئا، وبالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإحلال ما أحل الله، وتحريم ما حرم الله، وحسن مؤازرتهم.

﴿ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ ، يعني: ملكاً، وهم الذين بعثهم موسى إلى بيت المقدس؛ ليعلموا له علمها.

ويحتمل: أن يكونوا اختاروا من بينهم أولئك، فسألوا موسى أن يجعلهم عليهم قدوة يقتدون بهم ويعلمونهم الدين والأحكام، ويأخذ عليهم المواثيق والعهود؛ فيكون ما أخذ على أولئك من المواثيق والعهود عليهم، والله أعلم.

ثم اختلف في النقيب: قال بعضهم: النقيب: هو الملك، وهو قول ابن عباس.

وقال أبو عوسجة: النقيب: هو المنظور إليه، والمصدور عن رأيه، وهو من وجوه القوم، وجمعه: النقباء، مثل العرفاء.

وقال أبو عبيد: النقيب: الأمير والضامن على القوم.

وقال الكسائي والفراء يقال منه: نقبت عليه، أنقب، نقابة، وهو فرق العريف؛ يقال من العريف: عرفت عليهم عرافة، وهم النقباء والعرفاء.

والمناكب، واحدهم: منكب، وهم كالعون يكون مع العريف.

وقال القتبي: النقيب: الكفيل على القوم، والنقابة والنكابة: شبيهة بالعرافة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ ، قال بعضهم: قال للنقباء: إني معكم في النصر والدفع عنكم، ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...ِ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وهو قول ابن عباس،  .

ويحتمل أن يكون هذا الوعد لكل من قام بوفاء ذلك: النقباء وغير النقباء، وما ذكر من الوعيد في الآية التي هي على أثر هذه على كل من نقض [ذلك] العهد: النقيب وغير النقيب.

ثم قوله: ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بالصلاة: الخضوع والثناء له، وبالزكاة: تزكية النفس وطهارتها، وذلك في العقل على كل أحد القيام به في كل وقت.

ويحتمل: أن يكون أراد بالصلاة والزكاة: الصلاة المعروفة المعهودة، والزكاة المعروفة؛ ففيه دليل وجوب الصلاة والزكاة على الأمم السالفة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي ﴾ .

يحتمل: أن تؤمنوا برسلي جميعاً، ولا تفرقوا بينهم: أن تكفروا ببعض وتؤمنوا ببعض؛ كقولهم: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ .

قال القتبي وأبو عوسجة: وعزرتموهم، قالا: وعظمتموهم، والتعزير: التعظيم.

وقال بعضهم: نصرتموهم.

وعن ابن عباس -  - قال: "وعزرتموهم: أعنتموهم"، يعني: الأنبياء، عليهم السلام.

[{وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً.

أي: صادقا من كل أنفسكم، ابتغى به وجه الله.

وقال بعضهم]: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي: محتسباً طيبة بها نفسه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ، أي اجعلوا عند الله لأنفسكم أيادي محاسنَ؛ تستوجبون بذلك الثواب الجزيل، ثم قال: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ .

وعد لهم تكفير ما ارتكبوا من المآثم إذا قاموا بوفاء ما أخذ الله عليهم من المواثيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ .

قال بعضهم: فمن كفر بعد ذلك، أي: بعد المواثيق والعهود التي أخذ عليهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ، أي: من كفر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيل ﴾ ، أي: أخطأ قصد السبيل.

وقوله -  -: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ .

أي: فبنقضهم، قيل: ما زائدة، فبنقضهم ميثاقهم.

﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: طردناهم، والملعون: هو المطرود عن كل خير.

ويحتمل: ﴿ لَعنَّاهُمْ ﴾ ، أي: دعونا عليهم باللعن.

﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾ .

بما نزع منها الرحمة والرأفة؛ إذا نقضوا العهود وتركوا أمر الله؛ لأن الله -  - أخبر أنه جعل في قلوب الذين اتبعوا أمر الله وأطاعوا رسوله الرحمة والرأفة بقوله -  -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً  ﴾ ؛ فإذا نزعت الرحمة من قلوبهم صارت قاسية يابسة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل أن يكونوا يغيرون تأويله ويقولون: هذا من عند الله.

ويحتمل التحريف: تحريف النظم والمتلو، ومحوه، ويكتبون غيره.

﴿ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

قيل: ضيعوا كتاب الله بين أظهرهم، ونقضوا عهده الذي عهد إليهم، وتركوا أمره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: وعظوا به، وقيل: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم من اتباع محمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ﴾ .

إخبار عن تمردهم في المعاندة، وكونهم في الخيانة، وإياس عن إيمانهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ ﴾ .

وهم الذين أسلموا منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ .

ولا تكافئهم لما آذوك.

ثم قال بعضهم: هو منسوخ بآية القتال في سورة براءة، وهو قوله -  -: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

ويحتمل ﴿ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ﴾ إلى أن تؤمر بالقتال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ ﴾ .

عن الحسن قال: قال للنصارى: ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فقالوا: بل نكون نصارى؛ فذلك قوله: ﴿ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ : ما من أحد يعقل إلا وقد أخذ الله - عز وجل - عليه العهد والميثاق، وقد أخذ الميثاق على المؤمنين بقوله -  -: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ...

﴾ الآية، وأخذ الميثاق على اليهود بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية، وأخبر - أيضاً - أنه قد أخذ الميثاق على النصارى في هذه الآية بقوله -  -: ﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ ، وقد تقدم ذكر الميثاق ومعناه في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أي تركوا حظهم مما أمروا به من التوحيد بالله، والإيمان بالرسل كلهم، والتمسك بكتاب الله -  وتعالى - والوفاء بالعهود التي عهد إليهم، فتركوا ذلك كله وضيعوا.

ويحتمل: ﴿ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ﴾ ، أي: لم يحفظوا ما وعظوا به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

قيل: ﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾ : ألقينا بينهم العداوة والبغضاء، قال الحسن: من حكم الله -  - أن يلقى بينهم العداوة والبغضاء، وأن يجعل قلوبهم قاسية، ومن حكمه أن يكون بين المسلمين رأفة ورحمة.

وقال بعض المعتزلة: قوله -  -: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ ، أي: خذلناهم، وتركناهم.

لكن هذا كله منهم احتيال، وفرار عما يلزمهم من سوء القول وقبحه؛ فيقال لهم: إن شئتم جعلتم خذلاناً، وإن شئتم تركاً، اجعلوا ما شئتم، ولكن هل كان من الله في ذلك صنع، أو أضاف ذلك [إلى نفسه] ولا صنع له في ذلك، وذلك الحرف على غير إثبات الفعل فيه أو شيء، حرف ذم لا يجوز أن يضيف ذلك إلى نفسه ولا فعل له في ذلك، ولا صنع؛ فدل أن له فيه صنعاً، وهو ما ذكرنا أن خلق ذلك منهم؛ وكذلك فيما أضاف إلى نفسه من جعل الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين؛ فلو لم يكن له في ذلك صنع لكان لا يضيف ذلك إلى نفسه، وذلك الحرف حرف الحمد والمدح؛ فدل أن له صنعاً، وهو أن خلق الرأفة والرحمة في قلوب المؤمنين، وخلق القساوة والعداوة في قلوب أولئك الكفرة، وبالله التوفيق.

وفي الآية دلالة إثبات رسالة نبينا محمد  ؛ لأنه أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وأخبر ألا تزال تطلع على خائنة منهم، وكان كما قال، على علم منهم أنه لا يطلع على [ما في] قلوبهم من الخيانة والقساوة، وغير ذلك من الأمور؛ فدل أنه علم بالله ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ .

في الآخرة.

﴿ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ في الدنيا، وهو قول ابن عباس.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فبسبب نقضهم العهد المأخوذ عليهم طردناهم من رحمتنا، وصيرنا قلوبهم غليظة صلبة لا يصل إليها خير، ولا تنفعها موعظة، يُحَرِّفُونَ الكلم عن مواضعه بالتبديل لألفاظه، وبالتأويل لمعانيه بما يوافق أهواءهم، وتركوا العمل ببعض ما ذُكِّرُوا به، ولا تزال -أيها الرسول- تكتشف منهم خيانة لله ولعباده المؤمنين، إلا قليلًا منهم وَفَّوْا بما أخذ عليهم من عهد، فاعفُ عنهم ولا تؤاخذهم، واصفح عنهم؛ فإن ذلك من الإحسان، والله يحب المحسنين.

من فوائد الآيات من عظيم إنعام الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن حماهم وكف عنهم أيدي أهل الكفر وضررهم.

أن الإيمان بالرسل ونصرتهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الوجه المطلوب، سببٌ عظيم لحصول معية الله تعالى وحدوث أسباب النصرة والتمكين والمغفرة ودخول الجنة.

نقض المواثيق الملزمة بطاعة الرسل سبب لغلظة القلوب وقساوتها.

ذم مسالك اليهود في تحريف ما أنزل الله إليهم من كتب سماوية.

<div class="verse-tafsir" id="91.0NKOo"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر