الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ١٧ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 74 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخبرا وحاكما بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم - وهو عبد من عباد الله ، وخلق من خلقه - أنه هو الله الحكم بكفر النصارى ، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .
ثم قال مخبرا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه : ( قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ) أي : لو أراد ذلك ، فمن ذا الذي كان يمنعه ؟
أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟
ثم قال : ( ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ) أي : جميع الموجودات ملكه وخلقه ، وهو القادر على ما يشاء ، لا يسأل عما يفعل ، لقدرته وسلطانه ، وعدله وعظمته ، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .
القول في تأويل قوله عز ذكره : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قال أبو جعفر: هذا ذمٌّ من الله عز ذكره للنصارى والنصرانية، الذين ضلُّوا عن سبل السلام= واحتجاجٌ منه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في فِرْيتهم عليه بادّعائهم له ولدًا.
يقول جل ثناؤه: أقسم، لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم= و " كفرهم " في ذلك، تغطيتهم الحقّ في تركهم نفي الولد عن الله جل وعز، وادِّعائهم أن المسيح هو الله، فرية وكذبًا عليه.
(24) * * * وقد بينا معنى: " المسيح " فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(25) .
* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه، لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد، للنصارى الذين افتروا عليّ، وضلُّوا عن سواء السبيل بقيلهم: إنّ الله هو المسيح ابن مريم: " من يملك من الله شيئًا "، يقول: من الذي يطيق أن يدفع من أمر الله جل وعز شيئا، فيردّه إذا قضاه.
* * * = من قول القائل: " ملكت على فلان أمره "، إذا صار لا يقدر أن ينفذ أمرًا إلا به.
(26) * * * وقوله: " إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعًا "، يقول: من ذا الذي يقدر أن يرد من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعا.
(27) * * * يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون= أنّه هو الله، وليس كذلك= لقدر أن يردَّ أمرَ الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه.
وقد أهلك أمَّه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذْ نـزل ذلك.
ففي ذلك لكم معتَبرٌ إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بَشَر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يغلب ولا يقهر ولا يردُّ له &; 10-148 &; أمر، بل هو الحيُّ الدائم القيُّوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت.
* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ قال أبو جعفر: يعني تبارك وتعالى بذلك: والله له تصريف ما في السماوات والأرض وما بينهما (28) = يعني: وما بين السماء والأرض= يهلك من يشاء من ذلك ويبقي ما يشاء منه، ويوجد ما أراد ويعدم ما أحبّ، لا يمنعه من شيء أراد من ذلك مانع، ولا يدفعه عنه دافع، يُنْفِذ فيهم حكمه، ويُمضي فيهم قضاءه= لا المسيح الذي إن أراد إهلاكه ربُّه وإهلاكَ أمّه، لم يملك دفع ما أراد به ربُّه من ذلك.
* * * يقول جل وعز: كيف يكون إلهًا يُعبد من كان عاجزًا عن دفع ما أراد به غيره من السوء، وغير قادرٍ على صرف ما نـزل به من الهلاك؟
بل الإله المعبود، الذي له ملك كل شيء، وبيده تصريف كل من في السماءِ والأرض وما بينهما.
* * * فقال جل ثناؤه: " وما بينهما "، وقد ذكر " السموات " بلفظ الجمع، ولم يقل: " وما بينهن "، لأن المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء، كما قال الراعي: طَرَقَــا, فَتِلْـكَ هَمَـاهِمِي, أَقْرِيهِمَـا قُلُصًــا لَــوَاقِحَ كَالقِسِـيِّ وَحُـولا (29) فقال: " طرقا "، مخبًرا عن شيئين، ثم قال: " فتلك هَمَاهمي"، فرجع إلى معنى الكلام.
* * * وقوله: " يخلق ما يشاء "، يقول جل ثناؤه: وينشئ ما يشاء ويوجده، ويخرجُه من حال العدم إلى حال الوجود، ولن يقدر على ذلك غير الله الواحد القهَّار.
وإنما يعني بذلك، أنّ له تدبير السموات والأرض وما بينهما وتصريفه، وإفناءه وإعدامه، وإيجادَ ما يشاء مما هو غير موجود ولا مُنْشأ.
يقول: فليس ذلك لأحد سواي، فكيف زعمتم، أيها الكذبة، أنّ المسيح إله، وهو لا يطيق شيئا من ذلك، بل لا يقدر على دفع الضرَر عن نفسه ولا عن أمه، ولا اجتلابِ نفعٍ إليها إلا بإذني؟
* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) قال أبو جعفر: يقول عز ذكره: الله المعبودُ، هو القادر على كل شيء، والمالك كلَّ شيء، الذي لا يعجزُه شيء أراده، ولا يغلبه شيء طلبه، المقتدرُ على هلاك المسيح وأمه ومن في الأرض جميعًا = لا العاجز الذي لا يقدر على منع نفسه من ضُرّ نـزل به من الله، ولا منْعِ أمّه من الهلاك.
(30) * * * ----------------------- الهوامش : (24) انظر تفسير"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة.
(25) انظر تفسير"المسيح" فيما سلف 9: 417 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(26) هذا بيان قلما تصيبه في كتب اللغة.
(27) انظر تفسير"الإهلاك" فيما سلف 4: 239 ، 240/9: 430.
(28) انظر تفسير"الملك" فيما سلف 8: 48 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(29) من قصيدته في جمهرة أشعار العرب: 173 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160 ، يقول لابنته خليدة: لَمَّــا رَأَتْ أَرَقِــي وَطُـولَ تَلَـدُّدِي ذَاتَ الْعِشَــاء وَلَيْــلَيِ الْمَوْصُــولا قَـالَتْ خُـلَيْدَةُ: مَـا عَـرَاكَ، وَلَمْ تَكُنْ أَبَــدًا إِذَا عَــرَتِ الشُّـئُونُ سَـؤُولا أَخُــلَيْدَ، إِنَّ أَبَــاكِ ضَـافَ وِسَـادَهُ هَمَّــان باتَـــا جَنْبَــةً وَدَخِــيلا طَرَقَــا، فَتِلْــكَ هَمَــا هِــي....
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
"الهماهم": الهموم.
و"قلص" جمع"قلوص": الفتية من الإبل."لواقح": حوامل ، جمع"لاقح".
و"الحول" ، جمع"حائل" ، وهي الناقة التي لم تحمل سنة أو سنتين أو سنوات ، وكذلك كل حامل ينقطع عنها الحمل.
يقول: أجعل قرى هذه الهموم ، نوقًا هذه صفاتها ، كأنها قسى موترة من طول أسفارها ، فأضرب بها الفيافي.
والشاهد الذي أراده الطبري أنه قال: "فتلك هماهمي" ، وقد ذكر قبل"همان" ، ثم عاد بعد يقول: "أقريهما" ، وقد قال: "فتلك هماهمي" جمعًا.
وانظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 118 ، 160.
(30) انظر تفسير"قدير" فيما سلف من فهارس اللغة.
قوله : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قديرقوله تعالى : لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم تقدم في آخر " النساء " بيانه والقول فيه .
وكفر النصارى في دلالة هذا الكلام إنما كان بقولهم : إن الله هو المسيح ابن مريم على جهة الدينونة به ; لأنهم لو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا .
قل فمن يملك من الله شيئا أي : من أمر الله .
و ( يملك ) بمعنى يقدر ; من قولهم ملكت على فلان [ ص: 79 ] أمره أي اقتدرت عليه .
أي : فمن يقدر أن يمنع من ذلك شيئا ؟
فأعلم الله تعالى أن المسيح لو كان إلها لقدر على دفع ما ينزل به أو بغيره ، وقد أمات أمه ولم يتمكن من دفع الموت عنها ; فلو أهلكه هو أيضا فمن يدفعه عن ذلك أو يرده .
ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما والمسيح وأمه بينهما مخلوقان محدودان محصوران ، وما أحاط به الحد والنهاية لا يصلح للإلهية ، وقال وما بينهما ولم يقل وما بينهن ; لأنه أراد النوعين والصنفين كما قال الراعي :طرقا فتلك هماهمي أقريهما قلصا لواقح كالقسي وحولافقال : " طرقا " ثم قال : " فتلك هماهمي " .
يخلق ما يشاء عيسى من أم بلا أب آية لعباده .
لما ذكر تعالى أخذ الميثاق على أهل الكتابين، وأنهم لم يقوموا به بل نقضوه، ذكر أقوالهم الشنيعة.
فذكر قول النصارى، القول الذي ما قاله أحد غيرهم، بأن الله هو المسيح ابن مريم، ووجه شبهتهم أنه ولد من غير أب، فاعتقدوا فيه هذا الاعتقاد الباطل مع أن حواء نظيره، خُلِقَت بلا أم، وآدم أولى منه، خلق بلا أب ولا أم، فهلا ادعوا فيهما الإلهية كما ادعوها في المسيح؟
فدل على أن قولهم اتباع هوى من غير برهان ولا شبهة.
فرد الله عليهم بأدلة عقلية واضحة فقال: { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } فإذا كان المذكورون لا امتناع عندهم يمنعهم لو أراد الله أن يهلكهم، ولا قدرة لهم على ذلك - دل على بطلان إلهية من لا يمتنع من الإهلاك، ولا في قوته شيء من الفكاك.
ومن الأدلة أن { لِلَّهِ } وحده { مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } يتصرف فيهم بحكمه الكوني والشرعي والجزائي، وهم مملوكون مدبرون، فهل يليق أن يكون المملوك العبد الفقير، إلها معبودا غنيا من كل وجه؟
هذا من أعظم المحال.
ولا وجه لاستغرابهم لخلق المسيح عيسى ابن مريم من غير أب، فإن الله { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } إن شاء من أب وأم، كسائر بني آدم، وإن شاء من أب بلا أم، كحواء.
وإن شاء من أم بلا أب، كعيسى.
وإن شاء من غير أب ولا أم [كآدم] فنوع خليقته تعالى بمشيئته النافذة، التي لا يستعصي عليها شيء، ولهذا قال: { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }
قوله عز وجل : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ) وهم اليعقوبية من النصارى يقولون المسيح هو الله تعالى ، ( قل فمن يملك من الله شيئا ) أي : من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه؟
( إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير ) .
«لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسح ابن مريم» حيث جعلوه إلَها وهم اليعقوبية فرقة من النصارى «قل فمن يملك» أي يدفع «من» عذاب «الله شيئا إن أراد أن يُهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا» أي لا أحد يملك ذلك ولو كان المسيح إلَها لقدر عليه «ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء» شاءه «قدير».
لقد كفر النصارى القائلون بأن الله هو المسيح ابن مريم، قل -أيها الرسول- لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح إلهًا كما يدَّعون لقَدرَ أن يدفع قضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا، وقد ماتت أم عيسى فلم يدفع عنها الموت، كذلك لا يستطيع أن يدفع عن نفسه؛ لأنهما عبدان من عباد الله لا يقدران على دفع الهلاك عنهما، فهذا دليلٌ على أنه بشر كسائر بني آدم.
وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملك لله، يخلق ما يشاء ويوجده، وهو على كل شيء قدير.
فحقيقة التوحيد توجب تفرُّد الله تعالى بصفات الربوبية والألوهية، فلا يشاركه أحد من خلقه في ذلك، وكثيرًا ما يقع الناس في الشرك والضلال بغلوهم في الأنبياء والصالحين، كما غلا النصارى في المسيح، فالكون كله لله، والخلق بيده وحده، وما يظهر من خوارق وآيات مَرَدُّه إلى الله.
يخلق سبحانه ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وبعد أن أرشد - سبحانه - أهل الكتاب إلى الطريق القويم الذي يجب عليهم أن يسلكوه ، عقب ذلك ببيان ما عليه النصارى من ضلال وبطلان فقال :( لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ .
.
.
)اللام في قوله : ( لَّقَدْ كَفَرَ ) واقعة جواباً لقسم مقدر .والمراد بالكفر : ستر الحق وإنكاره ، والانغماس في الباطل والضلال .
والمعنى : أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبا وزورا : إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح عيسى ابن مريم .قال بعض العلما ما ملخصه : " لقد اتفق النصارى على أن يسوع عندهم فيه عنصر إلهي " وإذا كان الأمر المعروف عندهم أن يسوع ابن الله وفيه عنصر إلهي فقد قالوا : إن الألوهية قد حلت فيه .
ولازم ذلك القول أن يكون هو الله ، أو هو إله يعبد ومهما يكون فقد قالوا باتحاد عنصر الألوهية فيه .
وقد قال في ذلك البيضاوي : " هم الذين قالوا بالاتحاد منهم .
وقيل : لم يصرح به أحد منهم .
ولكنهم لما زعموا أن فيه لاهوتا ، وقالوا : لا إله إلا واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم " .وذلك بلا ريب ينتهي إلى القول بأنهم يعتقدون أن المسيح هو الله ، وإن لم يصرحوا بذلك ، فهو لازم قولهم باتحاد عنصر الأولوهية فيه مع الله .وإن ذلك الكلام تخريج على أن النصارى مذهب واحد في اعتقاد الألوهية وأنه ابن الله وبذلك يكون قوله - تعالى - في أواخر هذه السورة ( لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) متلاقيا مع هذا النص الكريم فهنا صرح بلازم قولهم وهناك صرح بذات قولهم .والحقيقة أن النصارى اليوم - وهم لا يزالون يغيرون ويبدلون - يصرحون بأن الأقانيم ثلاثة .
وأنها شيء واحد .
وينتهون إلى أن المسيح هو الله ، والله هو روح القدس .
فقد قال الدكتور بوست في تاريخ الكتاب المقدس : " طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر هي : الله الأب ، والله الإِبن والله الروح القدس فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن وإلى الابن الفداء ، وإلى الروح القدس التطهير .
غير أن ثلاثة الأقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء .
أما مسألة التثليث فغير واضحة في العهد القديم ، كما هي في العهد الجديد .وفي هذا الكلام يتبين أن النصارى يصرحون بأن الابن هو الله ، ولا يكون الكلام بطريق اللازم لقولهم ، بل بطريق الصريح منه .
فهم يصرحون بأن الله هو الابن ، كما أن الله هو الأب ، كما أن الله هو روح القدس .هذا ، وقد أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على أولئك الذين قالوا ( إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ ) بما يكشف عن جهلهم وضلالهم فقال - تعالى - :( فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ) .أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء النصارى الذين قالوا : ( إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ ) قل لهم على سبيل الإِنكار والتوبيخ والتجهيل : من ذا الذي يملك من أمر الله وإرادته شيئاً يدفع به الهلاك عن المسيح وعن أمه وعن سائر أهل الأرض ، إن أراد الله - سبحانه - أن يهلكهم ويبيدهم؟
لا شك أن أحد لن يستطيع أن يمنع إرادته - سبحانه - لأنه هو المالك لأمر الوجود كله ، ولا يملك أحد من أمره شيئاً يستطيع به أن يصرفه عن عمل يريده؛ أو يحمله على أمر لا يريده ، أو يستقل بعمل دونه .وما دام الأمر كذلك فدعوى أن الله هو المسيح ابن مريم ظاهرة البطلان ، لأن المسيح وأمه من مخلوقات الله التي هي قابلة لطروء الهلاك والفناء عليها .
وحاشا للمخلوق الفاني أن يكون إلها وإنما الألوهية لله الخالق الباقي ( أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين ) قال الإِمام الرازي ما ملخصه : " احتج - سبحانه - على فساد ما ذهب إليه النصارى بقوله : ( فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ) وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط .والتقدير : إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره .
وقوله ( فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ) أي : فمن يملك من أفعال الله شيئاً والملك هو القدرة .
يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله - تعالى - ومنع شيء من مراده .وقوله : ( وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ) يعني : أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال ، فلما سلم كونه - تعالى - خالقا للكل مدبراً للكل وجب أن يكون أيضاً خالقاً لعيسى .وفي توجيه الأمر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم للرد عليهم تثبيت له وتقوية لحجته حتى يبطل قولهم الفاسد إبطالا يزداد معه المؤمنون إيمانا بالحق الذي آمنوا به .قال أبو السعود : وإنما نفيت المالكية المذكورة بالاستفهام الإنكاري عن أحد مع تحقيق الإِلزام والتبكيت لا بنفيها عن المسيح فقط ، لتحقيق الحق بنفي الألوهية عن كل ما عداه - سبحانه - وإثبات المطلوب في ضمنه بالطريق البرهاني .وتعميم إرادة الإِهلاك للكل - مع حصول المطلوب بقصرها على المسيح - لتهويل الخطب ، وإظهار كمال العجز ببيان أن الكل تحت قهره - تعالى - وملكوته .
لا يقدر أحد على دفع ما أريد به .
فضلا عن دفع ما أريد بغيره .وللإِيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك ، كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز ، وعدم استحقاق الألوهية .وتخصيص الأم بالذكر مع اندارجها في عموم المعطوف ، لزيادة تأكيد عجز المسيح ، وأنه هو وأمه عبدان من عباد الله لا يقدران على رفع الهلاك عنهما .وعطف عليهما قوله ( وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً ) من باب عطف العام على الخاص ، ليكونا قد ذكرا مرتين .
مرة بالنص عليهما .
ومرة بالاندراج في العام ، وذلك على سبيل التوكيد والمبالغة في تعلق نفاذ الإِرادة فيهما .وقوله ( وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ) تأكيد لاختصاص الألوهية به - تعالى - إثر بيان انتفائها عما سواه .أي : والله - تعالى - وحده دون أن ينازعه منازع .
أو يشاركه مشارك ، ملك جميع الموجودات ، والتصرف المطلق فيها ، إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماته .
فهو المالك للسموات وما فيها وللأرض وما عليها ، ولما بينهما من فضاء تجري فيه السحب بأمره ، ويطير فيه الطير بإذنه وقدرته .
وما المسيح وأمه إلا من جملة ما في الأرض ، فهما عبدان من عباد الله يدينان له - سبحانه - بالعبادة والطاعة والخضوع .وقال - سبحانه - ( وَمَا بَيْنَهُمَا ) ولم يقل وما بينهن مع أن السموات بلفظ الجمع ، لأن المراد بالسموات والأرض النوعان أو الصنفان .أي : ولله - تعالى - وحده ملك السموات والأرض وما بين هذين النوعين من مخلوقات خاخضعة لمشيئة الله وقدرته .وقوله ( يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ) جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعترى النصارى من شبه في أمر المسيح لولادته من غير أب ، وإحيائه الموتى ، وإبرائه الأكمه والأبرص ، كل ذلك بإذن الله .أي أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء أن يخلقه من أنواع الخلق بالكيفية التي يريدها تبعا لمشيئته وإرداته .فتارة يخلق الإنسان من ذكر وأنثى كما هو المعتاد بين الناس ، وتارة يخلقه بدون أب أو أم كما هو الشأن في خلق آدم ، وتارة يخلقه بدون أب كما هو الشأن في خلق عيسى ، إلى ذلك من مخلوقاته التي ليست مقصورة على نوع واحد بل هي شاملة لهذا الكون بما فيه من إنسان وحيوان وجماد ، فكل ما تعلقت إرادته بإيجاده أوجده ، وكل ما تعلقت إرادته بإعدامه أعدمه ، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه ولا حائل دون نفاذ قدرته .وقوله : ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله .أي : والله - تعالى - قدير على كل شيء ومالك لكل شيء ومهيمن على كل شيء لا يغلبه شيء طلبه ، ولا يعجزه أمر أراده وما عيسى وأمه إلا من مخلوقاته وعبيده ، وحاشا للمخلوق العاجز أن يكون إلها من دون الله - عز وجل - .فهذه الآية الكريمة تحكي أقوال النصارى الباطلة في شأن عيسى - عليه السلام - وترد عليهم بما يزهق باطلهم ، ويثبت أن عيسى إنما هو عبد من عباد الله وأن العبادة إنما تكون لله الواحد القهار .
وقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ ﴾ في الآية سؤال، وهو أن أحداً من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به.
وجوابه: أن كثيراً من الحلولية يقولون: إن الله تعالى قد يحل في بدن إنسان معين، أو في روحه، وإذا كان كذلك فلا يبعد أن يقال: إن قوماً من النصارى ذهبوا إلى هذا القول، بل هذا أقرب مما يذهب إليه النصارى، وذلك لأنهم يقولون: أن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتاً أو صفة، فإن كان ذاتاً فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول.
وإن قلنا: إن الأقنوم عبارة عن الصفة، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول، ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم خلو ذات الله عن العلم، ومن لم يكن عالماً لم يكن إلها، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم، فثبت أن النصارى وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول إلاّ أن حاصل مذهبهم ليس إلاّ ذلك: ثم أنه سبحانه احتج على فساد هذا المذهب بقوله: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الارض جَمِيعاً ﴾ وهذه جملة شرطية قدم فيها الجزاء على الشرط.
والتقدير: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً، فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره، وقوله: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ أي فمن يملك من أفعال الله شيئاً، والملك هو القدرة، يعني فمن الذي يقدر على دفع شيء من أفعال الله تعالى ومنع شيء من مراده.
وقوله: ﴿ وَمَن فِي الارض جَمِيعاً ﴾ يعني أن عيسى مشاكل لمن في الأرض في الصورة والخلقة والجسمية والتركيب وتغيير الصفات والأحوال، فلما سلمتم كونه تعالى خالقاً للكل مدبراً للكل وجب أن يكون أيضاً خالقاً لعيسى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ إنما قال: ﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ بعد ذكر السموات والأرض، ولم يقل: بينهن لأنه ذهب بذلك مذهب الصنفين والنوعين.
ثم قال: ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء والله على كُلّ شَيء قَدِيرٌ ﴾ وفيه وجهان: الأول: يعني يخلق ما يشاء، فتارة يخلق الإنسان من الذكر والأنثى كما هو معتاد، وتارة لا من الأب والأم كما في خلق آدم عليه السلام، وتارة من الأم لا من الأب كما في حق عيسى عليه السلام، والثاني: يخلق ما يشاء، يعني أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فالله تعالى يخلق فيه اللحمية والحياة والقدرة معجزة لعيسى، وتارة يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص معجزة له، ولا اعتراض على الله تعالى في شيء من أفعاله.
<div class="verse-tafsir"
قولهم: ﴿ إِنَّ الله هُوَ المسيح ﴾ معناه بتّ القول، على أن حقيقة الله هو المسيح لا غير.
قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك.
وقيل: ما صرّحوا به ولكن مذهبهم يؤدي إليه، حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم ﴿ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً ﴿ إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ﴾ من دعوه إلها من المسيح وأمّه دلالة على أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد.
وأراد بعطف ﴿ مَن فِي الأرض ﴾ على (المسيح وأمّه) أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم في البشرية ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى من غير ذكر كما خلق عيسى، ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم.
أو يخلق ما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له، وكإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك.
فيجب أن ينسب إليه ولا ينسب إلى البشر المجرى على يده.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ هُمُ الَّذِينَ قالُوا بِالِاتِّحادِ مِنهُمْ، وقِيلَ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنهم ولَكِنْ لَمّا زَعَمُوا أنَّ فِيهِ لاهُوتًا وقالُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واحِدٌ لَزِمَهم أنْ يَكُونَ هو المَسِيحَ فَنَسَبَ إلَيْهِمْ لازِمَ قَوْلِهِمْ تَوْضِيحًا لِجَهْلِهِمْ وتَفْضِيحًا لِمُعْتَقَدِهِمْ.
﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ فَمَن يَمْنَعُ مِن قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ شَيْئًا.
﴿ إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ﴾ عِيسى ﴿ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ احْتُجَّ بِذَلِكَ عَلى فَسادِ عُقُولِهِمْ وتَقْرِيرُهُ: أنَّ المَسِيحَ مَقْدُورٌ مَقْهُورٌ قابِلٌ لِلْفَناءِ كَسائِرِ المُمْكَناتِ ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ.
﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ إزاحَةً لِما عُرِضَ لَهم مِنَ الشُّبْهَةِ في أمْرِهِ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى الإطْلاقِ يَخْلُقُ مِن غَيْرِ أصْلٍ كَما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، ومِن أصْلٍ كَخَلْقِ ما بَيْنَهُما فَيُنْشِئُ مِن أصْلٍ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ كَآدَمَ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ، ومِن أصْلٍ يُجانِسُهُ إمّا مِن ذَكَرٍ وحْدَهُ كَما خَلَقَ حَوّاءَ أوْ مِن أُنْثى وحْدَها كَعِيسى، أوْ مِنهُما كَسائِرِ النّاسِ.
<div class="verse-tafsir"
{لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مَرْيَمَ} معناه بت القول على أن الله هو المسيح لا غير قيل كان في النصارى قوم يقولون ذلك أو لأن مذهبم يؤدي إليه حيث إنهم اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً} فمن يمنع من قدرته ومشيئته شيئاً {إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح ابن مَرْيَمَ وأمه ومن في الأرض جميعا} رأى إن أراد أن
يهلك من دعوه إلهاً من المسيح وأمه يعني أن المسيح عبد مخلوق كسائر العباد وعطف من في الأرض جميعا
المائدة (١٧ _ ١٩)
على المسيح وأمه إبانة أنهما من جنسهم لا تفاوت بينهما وبينهم والمعنى أن من اشتمل عليه رحم الأمومية متى يفارقه نقص البشرية ومن لا حت عليه شواهد الحدثية أنى يليق به نعت الربوبية ٨ ولو قطع البقاء عن جميع ما أوجد لم يعد نقص إلى الصمدية {وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} أي يخلق من ذكر وأنثى ويخلق من أنثى بلا ذكر كما خلق عيسى ويخلق من ذكر من غير أنثى كما خلق حواء من آدم ويخلق من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم أو يخلق كما يشاء كخلق الطير على يد عيسى معجزة له فلا اعتراض عليه لأنه الفعال لما يريد {والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ لا غَيْرُ المَسِيحِ، كَما يُقالُ: الكَرَمُ هو التَّقْوى، وأنَّ اللَّهَ تَعالى هو الدَّهْرُ أيِ الجالِبُ لِلْحَوادِثِ لا غَيْرُ الجالِبِ، فالقَصْرُ هُنا لِلْمُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: زَيْدٌ هو المُنْطَلِقُ، فَإنَّ مَعْناهُ لا غَيْرُ زَيْدٍ، والقائِلُونَ لِذَلِكَ - عَلى ما هو المَشْهُورُ - هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ المُدَّعُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ يَحُلُّ في بَدَنِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ في رُوحِهِ.
وقِيلَ: لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَوْلِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى، ولَكِنْ لَمّا زَعَمُوا أنَّ فِيهِ لاهُوتًا مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِالوَحْدَةِ وقَوْلِهِمْ: لا إلَهَ إلّا واحِدٌ لَزِمَهم أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المَسِيحُ، فَنُسِبَ إلَيْهِمْ لازِمُ قَوْلِهِمْ تَوْضِيحًا لِجَهْلِهِمْ وتَفْضِيحًا لِمُعْتَقَدِهِمْ.
وقالَ الرّاغِبُ: فَإنْ قِيلَ: إنَّ أحَدًا لَمْ يَقُلِ: اللَّهُ تَعالى هو المَسِيحَ، وإنْ قالُوا: المَسِيحُ هو اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ أنَّ عِنْدَهم أنَّ المَسِيحَ مِن لاهُوتٍ وناسُوتٍ، فَيَصِحُّ أنْ يُقالَ: المَسِيحُ هو اللّاهُوتُ وهو ناسُوتٌ، كَما صَحَّ أنْ يُقالَ: الإنْسانُ هُوَ حَيَوانٌ مَعَ تَرَكُّبِهِ مِنَ العَناصِرِ، ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: اللّاهُوتُ هو المَسِيحُ كَما لا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: الحَيَوانُ هو الإنْسانُ؟
قِيلَ: إنَّهم قالُوا هو المَسِيحُ عَلى وجْهٍ آخَرَ غَيْرِ ما ذَكَرْتَ، وهو ما رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: «أنَّهُ لَمّا رُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اجْتَمَعَ طائِفَةٌ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ما تَقُولُونَ في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟
فَقالَ أحَدُهُمْ: أوَتَعْلَمُونَ أحَدًا يُحْيِي المَوْتى إلّا اللَّهَ تَعالى؟
فَقالُوا: لا، فَقالَ: أوَتَعْلَمُونَ أحَدًا يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ إلّا اللَّهَ تَعالى؟
قالُوا: لا، قالُوا: فَما اللَّهُ تَعالى إلّا مَن هَذا وصْفُهُ، أيْ: حَقِيقَةُ الإلَهِيَّةِ فِيهِ، وهَذا كَقَوْلِكَ: الكَرِيمُ زَيْدٌ، أيْ: حَقِيقَةُ الكَرَمِ في زَيْدٍ، وعَلى هَذا قَوْلُهُمْ: ( إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ) انْتَهى.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مَعَ دَعْوى أنَّ القائِلِينَ بِالِاتِّحادِ يَقُولُونَ بِانْحِصارِ المَعْبُودِ في المَسِيحِ كَما هو ظاهِرُ النَّظْمِ لا يَرِدُ شَيْءٌ.
﴿ قُلْ ﴾ يا مُحَمَّدُ؛ تَبْكِيتًا لَهُمْ، وإظْهارًا لِبُطْلانِ قَوْلِهِمُ الفاسِدِ، وإلْقامًا لَهُمُ الحَجَرَ، وقَدْ يُقالُ: الخِطابُ لِكُلِّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أوْ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، و( مَن ) اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والمِلْكُ الضَّبْطُ والحِفْظُ التّامُّ عَنْ حَزْمٍ، والمُرادُ هُنا: فَمَن يَمْنَعُ أوْ يَسْتَطِيعُ، كَما في قَوْلِهِ: أصْبَحْتُ لاأحْمِلُ السِّلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنَّ نَفَرا و( مِنَ اللَّهِ ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أوْ إنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ فَمَن يَمْنَعُ مِن قُدْرَتِهِ تَعالى وإرادَتِهِ شَيْئًا ﴿ إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ ومِن حَقِّ مَن يَكُونُ إلَهًا أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ ولا بِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، بَلْ بِشَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ قُدْرَةَ غَيْرِهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْجِزَ عَنْ دَفْعٍ شَيْءٍ مِنها عِنْدَ تَعَلُّقِها بِهَلاكِهِ، فَلَمّا كانَ عَجْزُهُ بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ ظَهَرَ كَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ عَمّا تَقُولُونَ فِيهِ.
والمُرادُ بِالإهْلاكِ الإماتَةُ والإعْدامُ مُطْلَقًا، لا عَنْ سُخْطٍ وغَضَبٍ، وإظْهارُ المَسِيحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَسَبُوا إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ حَيْثُ ذُكِرَتْ مَعَهُ الصِّفَةُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ بِعَيْنِها داخِلٌ تَحْتَ قَهْرِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: وصْفُهُ بِذَلِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ حادِثٌ، تَعَلَّقَتْ بِهِ القُدْرَةُ بِلا شُبْهَةٍ؛ لِأنَّهُ تَوَلَّدَ مِن أُمٍّ، وتَخْصِيصُ الأُمِّ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في عُمُومِ المَعْطُوفِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ عَجْزِ المَسِيحِ، ولَعَلَّ نَظْمَها في سَلْكِ مَن فُرِضَ إهْلاكُهم مَعَ تَحَقُّقِ هَلاكِها قَبْلُ لِتَأْكِيدِ التَّبْكِيتِ، وزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِ الكَلامِ بِجَعْلِ حالِها أنَمُوذَجًا لِحالِ بَقِيَّةِ مَن فُرِضَ إهْلاكُهُ، وتَعْمِيمُ إرادَةِ الإهْلاكِ مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ بِقَصْرِها عَلى عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وإظْهارِ كَمالِ العَجْزِ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ تَحْتَ قَهْرِهِ ومَلَكُوتِهِ تَعالى، لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِ ما أُرِيدَ بِهِ فَضْلًا عَمّا أُرِيدَ بِغَيْرِهِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ المَسِيحَ أُسْوَةٌ لِسائِرِ المَخْلُوقاتِ في كَوْنِهِ عُرْضَةً لِلْهَلاكِ، كَما أنَّهُ أُسْوَةٌ لَهم في العَجْزِ وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ، قالَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ.
و( جَمِيعًا ) حالٌ مِنَ المُتَعاطِفاتِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ( مَن ) فَقَطْ لِعُمُومِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ أيْ: ما بَيْنَ طَرَفَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، فَيَتَناوَلُ ما في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها، وما في أعْماقِ الأرْضِ والبِحارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، قِيلَ: تَنْصِيصٌ عَلى كَوْنِ الكُلِّ تَحْتَ قَهْرِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ إثْرَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ البَعْضِ كَذَلِكَ، أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، والتَّصَرُّفُ المُطْلَقُ فِيها إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، لا لِأحَدٍ سِواهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَهو تَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ انْتِفائِها عَمّا سِواهُ، وقِيلَ: دَلِيلٌ آخَرُ عَلى نَفْيِ أُلُوهِيَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ لَوْ كانَ إلَهًا كانَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، وقِيلَ: دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ابْنًا بِبَيانِ أنَّهُ مَمْلُوكٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ العُمُومِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَمْلُوكِيَّةَ تُنافِي البُنُوَّةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ والأُلُوهِيَّةِ عَلى وجْهٍ يُزِيحُ ما اعْتَراهم مِنَ الشُّبَهِ في أمْرِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِوِلادَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وإحْياءِ المَوْتى، و( ما ) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: يَخْلُقُ أيَّ خَلْقٍ يَشاؤُهُ، فَتارَةً يَخْلُقُ مِن غَيْرِ أصْلٍ، كَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلًا، وأُخْرى مِن أصْلٍ كَخَلْقِ بَعْضِ ما بَيْنَهُما، وذَلِكَ مُتَنَوِّعٌ أيْضًا، فَطَوْرًا يُنْشِئُ مِن أصْلٍ لَيْسَ مَن جِنْسِهِ كَخَلْقِ آدَمَ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ، وتارَةً مِن أصْلٍ يُجانِسُهُ، إمّا مِن ذَكَرٍ وحْدَهُ كَخَلْقِ حَوّاءَ، أوْ مِن أُنْثى وحْدَها كَخَلْقِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ مِنهُما كَخَلْقِ سائِرِ النّاسِ، ويَخْلُقُ بِلا تَوَسُّطِ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، وقَدْ يَخْلُقُ بِتَوَسُّطِ مَخْلُوقٍ آخَرَ، كَخَلْقِ الطَّيْرِ عَلى يَدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْجِزَةً لَهُ، وإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ كُلُّ ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى، لا مَن أُجْرِيَ عَلى يَدِهِ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.
وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ جِيءَ بِها ها هُنا مُبَيِّنَةٌ لِما هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ إلَخْ، بِحَسَبِ اقْتِضاءِ المَقامِ، و( ما ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْضًا، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ: يَخْلُقُ الَّذِي يَشاءُ أنْ يَخْلُقَهُ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعالى أوْسَعُ مِن عالَمِ الوُجُودِ.
وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ مِنَ التَّعْلِيلِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
<div class="verse-tafsir"
يَا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يعني محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ يعني: يكتمون ما بين في التوراة، وذلك أنهم كتموا آية الرجم وتحريم الخمر وأكل الربا ونعت محمد وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني يتجاوز عن كثير ولا يخبركم به، وذكر أن رجلاً من أحبارهم جاء إلى النبيّ ، فسأله فقال: ما هذا الذي عفوت عنا؟
فأعرض عنه رسول الله ولم يبين، وإنما أراد اليهودي أن يظهر مناقضة كلامه أنه لم يترك شيئاً، وقد بينه كله، فلما لم يبين له رسول الله قام من عنده وذهب، وقال لأصحابه: أرى أنه صادق فيما يقول، لأنه كان وجد في كتابه أنه لا يبين له ما سأله.
ثم قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعني ضياء من الضلالة، وهو محمد والقرآن، والنور هو الذي يبين الأشياء ويري الأبصار حقيقتها، فيسمى القرآن نوراً لأنه يقع في القلوب مثل النور، لأنه إذا وقع في قلبه يبصر به.
ثم قال: وَكِتابٌ مُبِينٌ يعني القرآن يبين لكم الحق من الباطل.
قوله تعالى: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ يعني بالقرآن مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ يعني مَنْ طلب الحق ورغب فيه سُبُلَ السَّلامِ يعني دين الله الإسلام، والسبل جماعة السبيل وهو الطريق، يعني به طريق الهدى، والسلام اسم من أسماء الله تبارك وتعالى، يعني هو دين الله تعالى.
ثم قال وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ يعني يخرج من قلوبهم حلاوة الكفر، ويدخل فيها حلاوة الإيمان ويوفقهم لذلك وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني يوفقهم إلى دين الإسلام.
قوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثم قال الله تعالى لمحمد : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول من يقدر أن يمنع من عذاب الله شيئا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعني: لَّوْ أَرَادَ الله أَن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق، ولا يقدر عيسى على ردّ ذلك، فكيف يكون إلهاً وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه.
ثم قال: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يعني خزائن السموات والأرض، وجميع الخلق عبيده وإماؤه وحكمه نافذ فيهم.
ثم قال: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشراً كان له أب، فأخبر الله تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقاً بغير أب وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من خلق عيسى وغيره.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فذكر الحديثَ.
وقوله: «لَمْ يدخُلاَ الجَنَّةَ» : ليس على ظاهره، أيْ: لم يدخُلاَ الجَنَّة أبداً حتى يقتصَّ لبعضهم من بعض، أو يقع العفو، أو تحلَّ الشفاعة حَسْبما هو معلومٌ في صحيح الآثار.
وقوله سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ ...
الآية: أهْلُ الكتابِ: لفظٌ يعمُّ اليهودَ والنصارى، ولكنْ نوازل الإخفاء كالرَّجْم وغيره، إنما حُفِظَتْ لليهود لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مهاجره، وفي إعلامه صلّى الله عليه وسلّم بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ، وهو أُمِّيٌّ لاَ يَكْتُبُ، ولا يَصْحَبُ القُرَّاءَ- دليلٌ على صحَّة نبوَّته لو ألهمهم اللَّه للخَيْر، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ: أي: لم يفْضَحْهم فيه إبقاءً عليهم، والضمير في يَعْفُوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ: هو محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وكِتابٌ مُبِينٌ: هو القُرآن، ويحتملُ أنْ يريدَ موسى- عليه السلام-، والتوراةُ: أي: لو اتبعتموها حقَّ الاِتِّباع، والأوَّل هو ظاهر الآية، وهو أظهر، وسُبُلَ السَّلامِ: أي: طُرُقَ السلامةِ والنَّجَاةِ، ويحتملُ أنْ يكون «السَّلاَم» هنا اسما من أسماءِ اللَّه عزّ وجلّ، فالمعنى: طرق الله، والظُّلُماتِ: الكفر، والنُّورِ: الإيمان، وباقي الآية بيِّن متكرِّر.
وقوله سبحانه: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ: أيْ: لا مَالِكَ، ولا رادَّ لإرادةِ اللَّه تعالى في المسيحِ، ولا في غَيْرِهِ.
وقوله سبحانه: يَخْلُقُ مَا يَشاءُ: إشارةٌ إلى خلقه المسيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ من غير
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ نَصارى أهْلِ نَجْرانَ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ إلَهًا ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ أيْ: فَمَن يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ مِن عَذابِهِ شَيْئًا ﴿ إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ أيْ: فَلَوْ كانَ إلَهًا كَما تَزْعُمُونَ لَقَدَرَ أنْ يَرُدَّ أمْرَ اللَّهِ إذا جاءَهُ بِإهْلاكِهِ أوْ إهْلاكِ أُمِّهِ، ولَمّا نَزَلَ أمْرُ اللَّهِ بِأُمِّهِ، لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَدْفَعَ عَنْها.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا لِلنَّبِيِّ: فَهاتِ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما بَيْنَهُنَّ؟
فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: وما بَيْنَ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الأشْياءِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَلامِ ويُخْرِجُهم مَنِ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهَ شَيْئًا إنَّ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والقُرْآنَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الألْفاظِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - والتَوْراةَ؛ أيْ: "وَلَوِ اتَّبَعْتُمُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنتُمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ؛ مُبَشِّرَةٌ بِهِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وسَلّامٌ؛ وحُمَيْدٌ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "بِهُ اللهُ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ حَيْثُ وقَعَ مِثْلُهُ.
و"اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ"؛ مَعْناهُ: بِالتَكَسُّبِ؛ والنِيَّةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والسُبُلُ: اَلطُّرُقُ؛ والقِراءَةُ في "رِضْوانَهُ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وبِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سُبْلَ"؛ ساكِنَةَ الباءِ؛ و"اَلسَّلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ اللهِ تَعالى الَّتِي أمَرَ بِها عِبادَهُ؛ وشَرَعَها لَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ كَـ "اَلسَّلامَةُ"؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ النَجاةِ والسَلامَةِ مِنَ النارِ".
وقَوْلُهُ: "وَيُخْرِجُهُمْ"؛ يَعْنِي المُتَّبَعِينَ الرِضْوانَ؛ فالضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن"؛ لا عَلى لَفْظِها؛ والظُلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإذْنِهِ"؛ أيْ: "يُمَكِّنُهم مِن أقْوالِ الإيمانِ؛ وأفْعالِهِ؛ ويَعْلَمُ فِعْلَهم لِذَلِكَ؛ والتِزامَهم إيّاهُ؛ فَهَذا هو حَدُّ الإذْنِ: اَلْعِلْمُ بِالشَيْءِ؛ والتَمْكِينُ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: هو دِينُ اللهِ ؛ وتَوْحِيدُهُ؛ وما تَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِن شَرْعِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكُفْرِ النَصارى القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ هو المَسِيحُ؛ وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنَ النَصارى؛ وكُلُّ فِرَقِهِمْ - عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ - يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ - حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِ "اَلْمَسِيحُ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا ﴾ ؛ أيْ: وَلا رادَّ لِإرادَةِ اللهِ تَعالى في المَسِيحِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ فَهَذا مِمّا تَقْضِي العُقُولُ مَعَهُ أنَّ مَن تَنْفُذُ الإرادَةُ فِيهِ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ ثُمَّ قَرَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مُلْكَهُ في السَماواتِ والأرْضِ؛ وما بَيْنَهُما؛ فَحَصَلَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أقَلَّ أجْزاءِ مُلْكِ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ المَسِيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ بَلِ اخْتِراعًا؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ زَكَرِيّا: ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ ؛ وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ؛ فِيما عَدا الذاتَ؛ والصِفاتِ؛ والمُحالاتِ؛ والشَيْءُ في اللُغَةِ هو المَوْجُودُ.
<div class="verse-tafsir"
هذا من ضروب عدم الوفاء بميثاق الله تعالى.
كان أعظمَ ضلال النّصارى ادّعاؤُهم إلهيّة عيسى عليه السلام، فإبطال زعمهم ذلك هو أهمّ أحوال إخراجهم من الظلمات إلى النّور وهديهم إلى الصراط المستقيم، فاستأنف هذه الجملة ﴿ لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾ استئنافَ البيان.
وتعيَّن ذكر الموصول هنا لأنّ المقصود بيان ما في هذه المقالة من الكفر لا بيان ما عليه النصارى من الضلال، لأنّ ظلالهم حاصل لا محالة إذا كانت هذه المقالة كفراً.
وحُكي قولهم بما تؤدّيه في اللغة العربيّة جملة ﴿ إنّ الله هو المسيحُ ابن مريم ﴾ ، وهو تركيب دقيق المعنى لم يعطه المفسّرون حَقّه من بيان انتزاع المعنى المراد به، من تركيبه، من الدلالة على اتّحاد مسمّى هذين الاسمين بطريق تعريف كلّ من المسند إليه والمسند بالعلَمية بقرينة السياق الدالّة على أنّ الكلام ليس مقصوداً للإخبار بأَحداث لِذواتتٍ، المسمّى في الاصطلاح: حملَ اشتقاق بل هو حمل مواطأة، وهو ما يسمّى في المنطق: حمل (هُوَ هُوَ)، وذلك حين يكون كلّ من المسند إليه والمسند معلوماً للمخاطب ويراد بيان أنّها شيء واحد، كقولك حين تقول: قال زياد، فيقول سامعك: من هو زياد، فتقول: زياد هو النّابغة، ومثله قولك: ميمون هو الأعشى، وابن أبي السّمْط هو مروان بن أبي حَفْصة، والمُرعَّث هو بشّار، وأمثال ذلك.
فمجرّد تعريف جزأي الإسناد كاف في إفادة الاتّحاد، وإقحام ضمير الفصل بين المسند إليه والمسند في مثل هذه الأمثلة استعمال معروف لا يكاد يتخلّف قصداً لتأكيد الاتّحاد، فليس في مثل هذا التّركيب إفادةُ قصر أحد الجزأين على الآخر، وليس ضمير الفصل فيه بمفيد شيئاً سوى التّأكيد.
وكذلك وجود حرف (إنّ) لزيادة التّأكيد، ونظيره قول رُوَيشد بن كثير الطائي من شعراء الحماسة: وَقُلْ لَهم بَادِروا بالعُذر والتمسوا *** قولاً يبرئكم إنّي أنَا الموت فلا يأتي في هذا ما لعلماء المعاني من الخلاف في أنّ ضمير الفصل هل يفيد قصر المسند إليه، وهو الأصحّ؛ أو العكس، وهو قليل، لأنّ مقام اتّحاد المسمَّيين يسوّي الاحتمالين ويصرف عن إرادة القصر.
وقد أشار إلى هذا المعنى إشارة خفية قول صاحب «الكشّاف» عقب قوله: ﴿ الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾ «معناه بتُّ القول على أنّ حقيقة الله هو المسيح لا غير».
ومحلّ الشاهد من كلام «الكشّاف» ما عدا قوله (لا غير)، لأنّ الظاهر أن (لا غير) يشير إلى استفادة معنى القصر من مثل هذا التّركيب، وهو بعيد.
وقد يقال: إنّه أراد أنّ معنى الانحصار لازم بمعنى الاتّحاد وليس ناشئاً عن صيغة قصر.
ويفيد قولهم هذا أنّهم جعلوا حقيقة الإله الحقّ المعلوم متّحدة بحقيقة عيسى عليه السلام بمنزلة اتّحاد الاسمين للمسمّى الواحد، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهيّة في ذات عيسى.
ولمّا كانت الحقيقة الإلهيّة معنونة عند جميع المتديّنين باسم الجلالة جَعَل القائلون اسم الجلالة المسندَ إليه، واسمَ عيسى المسند ليدلّوا على أنّ الله اتّحدَ بذات المسيح.
وحكاية القول عنهم ظاهرة في أنّ هذا قالوه صراحة عن اعتقاد، إذ سرى لهم القول باتّحاد اللاهوت بناسوتتِ عيسى إلى حدّ أن اعتقدوا أنّ الله سبحانه قد اتّحد بعيسى وامتزج وجود الله بوجود عيسى.
وهذا مبالغة في اعتقاد الحلول.
وللنّصارى في تصوير هذا الحلول أو الاتّحاد أصل، وهو أنّ الله تعالى جوهر واحد، هو مجموع ثلاثة أقانيم (جمع أقنوم بضمّ الهمزة وسكون القاف وهو كلمة رومية معناها: الأصل، كما في القاموس؛ وهذه الثلاثة هي أقنوم الذات، وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، وانقسموا في بيان اتّحاد هذه الأقانيم بذات عيسى إلى ثلاثة مذاهب: مذهب المَلْكانِيَّة وهم الجاثلقية (الكاثوليك)، ومذهب النَّسْطُورية، ومذهب اليَعقوبية.
وتفصيله في كتاب «المقاصد».
وتقدّم مفصّلاً عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فآمِنوا بالله ورسُله ولا تقولوا ثلاثة ﴾ في سورة [النّساء: 171].
وهذا قول اليعاقبة من النصارى، وهم أتباع يعقوب البرذعاني، وكان راهباً بالقسطنطينية، وقد حدثت مقالته هذه بعد مقالة المَلْكَانية، ويقال لِليعاقبة: أصحاب الطبيعة الواحدة، وعليها درج نصارى الحبشة كلّهم.
ولا شكّ أنّ نصارى نجران كانوا على هذه الطريقة.
ولقرب أصحابها الحبشة من بلاد العرب تصدّى القرآن لبيان ردّها هنا وفي الآية الآتية في هذه السورة.
وقد بيّنا حقيقة معتقد النصارى في اتّحاد اللاهوت بالناسوت وفي اجتماع الأقانيم عند قوله تعالى: ﴿ وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ﴾ في سورة [النساء: 171].
وبيّن الله لرسوله الحجّة عليهم بقوله: قل فمن يملك من الله شيئاً} الآية، فالفاء عاطفة للاستفهام الإنكاري على قولهم: إنّ الله هو المسيح، للدلالة على أنّ الإنكار ترتّب على هذا القول الشنيع، فهي للتعقيب الذِكري، وهذا استعمال كثير في كلامهم، فلا حاجة إلى ما قيل: إنّ الفاء عاطفة على محذوف دلّ عليه السياق، أي ليس الأمر كما زعمتم، ولاَ أنّها جواب شرط مقدّر، أي إن كان ما تقولون فمن يملك من الله شيئاً، إلخ.
ومعنى يملك شيئاً هنا يَقْدِر على شيء، فالمركّب مستعمل في لازم معناه على طريقة الكناية، وهذا اللازم متعدّد وهو المِلْك، فاستطاعةُ التحويل، وهو استعمال كثير ومنه قوله تعالى: ﴿ قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أرادَ بكم ضَرّا ﴾ الآية في سورة [الفتح: 11].
وفي الحديث قال رسول الله لعُيينة بن حِصْن أفأملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة لأنّ الذي يملك يتصرّف في مملوكه كيف شاء.
فالتنكير في قوله شيئاً} للتقليل والتحقير.
ولمّا كان الاستفهام هنا بمعنى النفي كان نفي الشيء القليل مقتضياً نفي الكثير بطريق الأولى، فالمعنى: فمن يقدر على شيء من الله، أي مِنْ فِعْله وتصرفِّه أنْ يحوّله عنه، ونظيره ﴿ وما أغني عنكم من الله من شيء ﴾ [يوسف: 67].
وسيأتي لمعنى «يملك» استعمال آخر عند قوله تعالى: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يَملك لكم ضرّاً ولا نفعاً ﴾ [المائدة: 76] في هذه السورة، وسيأتي قريب من هذا الاستعمال عند قوله تعالى: ﴿ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً في هذه السورة ﴾ [المائدة: 41].
وحرف الشرْط من قوله: ﴿ إن أراد ﴾ مستعمل في مجرّد التّعليق من غير دلالة على الاستقبال، لأنّ إهلاك أمّ المسيح قد وقع بلا خلاف، ولأنّ إهلاك المسيح، أي موته واقع عند المجادَلين بهذا الكلام، فينبغي إرخاءُ العنان لهم في ذلك لإقامة الحجّة، وهو أيضاً واقع في قول عند جمع من علماء الإسلام الّذين قالوا: إنّ الله أماته ورفعه دون أن يُمكَّن اليهودُ منه، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ [النساء: 157]، وقوله: ﴿ إنّي متوفّيك ورافعك إليّ ﴾ [آل عمران: 55].
وعليه فليس في تعليق هذا الشرط إشعار بالاستقبال.
والمضارع المقترن بأن وهو ﴿ أن يهلك ﴾ مستعمل في مجرّد المصدرية.
والمرادُ ب ﴿ مَن في الأرض ﴾ حينئذٍ من كان في زمن المسيح وأمِّه من أهل الأرض فقد هلكوا كلّهم بالضرورة.
والتّقدير: مَن يملَك أن يصدّ الله إذْ أراد إهلاك المسيح وأمّه ومن في الأرض يومئذٍ.
ولك أن تلتزم كون الشرط للاستقبال باعتبار جَعْل ﴿ من في الأرض جميعاً ﴾ بمعنى نوع الإنسان، فتعليق الشرط باعتبار مجموع مفاعيل ﴿ يُهلك ﴾ على طريقة التغليب؛ فإنّ بعضها وقع هلكه وهو أمّ المسيح، وبعضها لم يقع وسيقع وهو إهلاك من في الأرض جميعاً، أي إهلاك جميع النّوع، لأنّ ذلك أمر غير واقع ولكنّه مُمكن الوقوع.
والحاصل أنّ استعمال هذا الشرط من غرائب استعمال الشروط في العربية، ومرجعه إلى استعمال صيغة الشرط في معنى حقيقي ومعنى مجازي تغليباً للمعنى الحقيقي، لأنّ ﴿ مَنْ في الأرض ﴾ يعمّ الجميع وهو الأكثر.
ولم يعطه المفسّرون حقّه من البيان.
وقد هلكت مريم أمّ المسيح عليهما السلام في زمن غير مضبوط بعد رفع المسيح.
والتذييل بقوله: ﴿ ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ﴾ فيه تعظيم شأن الله تعالى.
وردّ آخر عليهم بأنّ الله هو الّذي خلق السماوات والأرض وملك ما فيها من قبل أن يَظهر المسيح، فالله هو الإله حقّاً، وأنّه يخلق ما يشاء، فهو الّذي خلق المسيح خلقاً غير معتاد، فكان موجِب ضلال من نسب له الألوهية.
وكذلك قوله: ﴿ والله على كلّ شيء قدير ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ في قَوْلِهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ اليَهُودِ حَذَّرَهُمُ النَّبِيُّ عِقابَ اللَّهِ، وخَوَّفَهم بِهِ، فَقالُوا لا تُخَوِّفْنا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوْحى إلى إسْرائِيلَ أنَّ ولَدَكَ بِكْرِيٌّ مِنَ الوَلَدِ، فَقالُوا، ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَقالَ الحَسَنُ: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عَلى مَعْنى قُرْبِ الوَلَدِ مِن والِدِهِ، وهو القَوْلُ الثّالِثُ.
وَأمّا النَّصارى، فَفي قَوْلِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِتَأْوِيلِهِمْ ما في الإنْجِيلِ مِن قَوْلِهِ: اذْهَبْ إلى أبِي وأبِيكم، فَقالُوا لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ الثّانِي: لِأجْلِ قَوْلِهِمْ في المَسِيحِ: ابْنُ اللَّهِ، وهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، فَجَعَلُوا نُفُوسَهم أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ مَنطِقَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ لِأنَّ الأبَ لِإشْفاقِهِ لا يُعَذِّبُ ابْنَهُ، ولا المُحِبُّ حَبِيبَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما أخبر الأعور سمويل بن صوريا الذي صدق النبي صلى الله عليه وسلم على الرجم أنه في كتابهم، وقال: لكنا نخفيه، فنزلت ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ وهو شاب أبيض طويل من أهل فدك.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يبين لكم كثيراً ﴾ يقول: يبين لكم محمد رسولنا كثيراً مما كنتم تكتمونه الناس؛ ولا تبينونه لهم مما في كتابكم، وكان مما يخفونه من كتابهم فبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: رجم الزانيين المحصنين.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسألونه عن الرجم، فقال: أيكم أعلم؟
فأشاروا إلى ابن صوريا، فناشده بالذي أنزل التوراة على موسى، والذي رفع الطور بالمواثيق التي أخذت عليهم، هل تجدون الرجم في كتابكم؟
فقال: إنه لما كثر فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم، فأنزل الله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ صراط مستقيم ﴾ .
وأخرج ابن الضريس والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب.
قال تعالى ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ قال: فكان الرجم مما أخفوا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ من ذنوب القوم جاء محمد باقالة منها وتجاوز إن اتبعوه.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ﴾ قال: سبيل الله الذي شرعه لعباده، ودعاهم إليه، وابتعث به رسله، وهو الإسلام الذي لا يقبل من أحد عمل إلا به، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية.
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ .
قال أهل المعاني: إنما حكم بكفرهم؛ لأنهم قالوا هذا القول على جهة التدين به، ولو قالوه على جهة الحكاية منكرين له لم يكفروا (١) فإن قيل: إنهم قالوا: هو ابن الله؟
قيل: هذا القول منهم كالقول إنه إله؛ لأنهم اتخذوه مع قولهم إنه ابن الله ربًا وجعلوه إلهًا (٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ .
قال الكلبي: فمن يقدر أن يدفع من عذاب الله شيئًا (٣) وهذا من قولهم: ملكت على فلان أمره، إذا اقتدرت عليه حتى لا يمكنه إنفاذ شيء من أمره إلا بك، وتقديره: من يملك من أمره شيئًا (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ .
قال الكلبي: إن أراد أن يعذب المسيح ابن مريم (٥) ووجه الاحتجاج بهذا على النصارى: أنه لو كان المسيح إلهًا لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره (٦) وفي هذه رد على القدرية، وبيان أنه لو أراد إهلاك النبيين وأهل طاعته أجمعين كان له ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .
أراد ما بين هذين الصنفين والنوعين (٧) (٨) فقال: (طرقا)، ثم قال: (فتلك هماهِمي)، ولم يقل: طرقن.
(١) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 119.
(٢) انظر: "البحر المحيط" 3/ 449.
(٣) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.
(٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 163، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 119.
(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 110.
(٦) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 163، و"تفسير الهواري" 1/ 458، و"بحر العلوم" 1/ 425، و"زاد المسير" 2/ 317.
(٧) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 159، 160، والطبري في "تفسيره" 6/ 163، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 119.
(٨) البيت من قصيدة للراعي في "جمهرة أشعار العرب" 3/ 930 وقبله: أخليد إن أباك ضاف وساده ...
همان باتا جنبة ودخيلا طرقا ..................
وقد استشهد به في "مجاز القرآن" 1/ 160، والطبري في "تفسيره" 6/ 163، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 119، ومعنى هماهم: الهموم، وقلصا: جمع قلوص وهي الفتية من الإبل، ولواقح: أي حوامل، والحول: جمع جائل وهي الناقة لم تحمل.
والشاهد منه أن الشاعر ذكر همين في البيت الذي قبله، ثم ذكر همومًا بقوله: فتلك هماهمي، مع أنه ثنى في قوله: باتا وطرقا وأقربهما .....
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً ﴾ الآية: رد على الذين قالوا: إن الله هو عيسى، وهم فرقة من النصارى ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ إشارة إلى خلقه عيسى من غير والد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ قسية ﴾ حمزة وعلي والمفضل.
الباقون ﴿ قاسية ﴾ .
الوقوف: ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج للعدول عن الإخبار إلى الحكاية مع اتحاد القصة.
﴿ نقيباً ﴾ ج للعدول عن الحكاية إلى الإخبار.
﴿ معكم ﴾ ط لأن ما بعده ابتداء قسم محذوف جوابه ﴿ لأكفرن ﴾ .
﴿ الأنهار ﴾ ج ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ قاسية ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال أي لعناهم محرفين ﴿ مواضعه ﴾ ط لأنا ما يتلوه حال أي وقد نسوا ﴿ ذكروا به ﴾ ج للعدول عن الماضي إلى المستقبل مع الواو.
﴿ واصفح ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ ذكروا به ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ يصعنون ﴾ ه ﴿ عن كثير ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لا لأن قوله: ﴿ يهدي ﴾ وصف الكتاب إلى آخر الآية.
﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ المسيح ابن مريم ﴾ الأول ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ وأحباؤه ﴾ ط ﴿ بذنوبكم ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الأخبار ﴿ ممن خلق ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ وما بينهما ﴾ ز للفصل بين ذكر الحال والمال.
﴿ المصير ﴾ ه ﴿ ولا نذير ﴾ ر للعطف مع وقوع العارض.
﴿ ونذير ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.
التفسير: إنه لما خاطب المؤمنين بذكر نعمته وميثاقه أردفه ذكر ميثاق بني إسرائيل ونقضهم إياه ثم لعنهم بسبب ذلك تحذيراً لهذه الأمة من مثل ما فعلوا وفعل بهم.
وبوجه آخر لما ذكر غدر اليهود وأنهم أرادوا إيقاع الشر بالنبي لولا دفع الله ، أردفه بذكر سائر فضائحهم ليعلم أن ذلك لم يزل هجيراهم.
والنقيب العريف "فعيل" بمعنى "فاعل" لأنه ينقب عن أحوال القوم فيكون شاهدهم وضمينهم.
وقال أبو مسلم: بمعنى "مفعول" يعني اختارهم على علم بهم.
وأصل النقب الطريق في الجبل.
ونقب البيطار سرة الدابة ليخرج منها ماء أصفر.
والمناقب الفضائل لأنها لا تظهر إلاّ بالنقب عنها.
ويقال: كلب نقيب وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرفع صوت نباحه، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف.
قال مجاهد والكلبي والسدي: إن الله اختار من كل سبط من أسباط بني إسرائيل رجلاً يكون نقيباً لهم وحاكماً فيهم.
ثم إنهم بعثوا إلى مدينة الجبارين لينقبوا عن أحوالهم فرأوا أجراماً عظيمة فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم وقد نهاهم موسى أن يحدثوهم فنكثوا الميثاق إلاّ رجلين منهم.
ومعنى ﴿ إني معكم ﴾ إني ناصركم ومعينكم والتقدير: وقال الله لهم.
فحذف الرابط للعلم به.
والخطاب للنقباء أو لكل بني إسرائيل.
والحاصل إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم وأعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم.
فهذه مقدمة معتبرة جداً في الترغيب والترهيب ثم ذكر بعدها جملة شرطية مقدمها مركب من خمسة أمور والجزاء هو قوله: ﴿ لأكفرن ﴾ وهو إشارة إلى إزالة العقاب.
وقوله: ﴿ ولأدخلنكم ﴾ وهو إشارة إلى إيصال الثواب.
واللام في ﴿ لئن أقمتم ﴾ موطئة للقسم وفي ﴿ لأكفرن ﴾ جواب له ولكنه سد مسد جواب الشرط أيضاً.
والعزر في اللغة الرد ومنه التعزير التأديب لأنه يرده عن القبيح ولهذا قال الأكثرون: معنى ﴿ عزرتموهم ﴾ نصرتموهم لأن نصر الإنسان رد أعدائه عنه.
ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله: ﴿ وتعزروه وتوقروه ﴾ تكراراً.
وههنا أسئلة: لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أن الإيمان مقدم على الأعمال؟
وأجيب بعد تسليم أن الواو للترتيب بأن اليهود كانوا معترفين بأن النجاة مربوطة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلاّ أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل فذكر أنه لا بد بعد الصلاة والزكاة من الإيمان بجميع الرسل وإلاّ لم يكن لتلك الأعمال أثر.
قلت: يحتمل أن يكون التقدير وقد آمنتم أو أخر الإيمان عن العمل تنبيهاً على أن الإيمان إنما يقع معتداً به إذا اقترن به العمل كقوله ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى ﴾ أو هو من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس، أو لعل اليهود كانوا مقصرين في الصلاة والزكاة فكان ذكرهما أهم.
سؤال آخر ما الفائدة في قوله: ﴿ وأقرضتم ﴾ بعد قوله: ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ ؟
وأجيب بأن الإقراض أريد به الصدقات المندوبة.
قال الفراء: ولو قال وأقرضتم الله إقراضاً حسناً لكان صواباً أيضاً إلاّ أنه أقيم الاسم مقام المصدر مثل ﴿ وأنبتها نباتاً حسناً ﴾ آخر لم قال: ﴿ فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ﴾ فإن من كفر قبل ذلك أيضاً فقد أخطأ الطريق المستقيم الذي شرعه الله لهم؟
والجواب أجل، ولكن الضلال بعد الشرط المؤكد المعلق به الوعيد العظيم أشنع فلهذا خص بالذكر.
﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ بتكذيب الرسل وقتلهم أو بكتمانهم صفة محمد أو بإخلال جملة الشروط المذكورة ﴿ لعناهم ﴾ قال عطاء: أخرجناهم من رحمتنا.
وقال الحسن ومقاتل: مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير.
قال ابن عباس: ضربنا الجزية عليهم ﴿ وجعلنا قلوبهم قاسية ﴾ من قرأ ﴿ قسية ﴾ / فبمعنى القاسية أيضاً إلا أنها أبلغ كعليم وعالم ومنه قولهم "درهم قسي" أي رديء مغشوش لما فيه من اليبس والصلابة بخلاف الدرهم الخالص فإن فيه ليناً وانقياداً.
قالت المعتزلة: معنى الجعل ههنا أنه أخبر عنها بأنها صارت قاسية كما يقال جعلت فلاناً فاسقاً أو عدلاً ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ بيان لقسوة قلوبهم لأنه لا قسوة أشد من الافتراء على الله وتغيير كلامه ﴿ ونسوا حظاً ﴾ تركوا نصيباً وافراً أو قسطاً وافياً ﴿ مما ذكروا به ﴾ من التوراة يريد أن تركهم التوراة وإعراضهم عن العمل بها إغفال حظ عظيم، أن فسدت نياتهم فحرفوا التوراة وزالت علوم منها عن حفظهم كما روي عن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية.
وقال ابن عباس: تركوا نصيباً مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد ثم بيّن أن نكث العهود والغدر لم يزل عادتهم خلفاً عن سلف فقال: ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة ﴾ أي خيانة كالعافية والحادثة أو صفة لمحذوف مؤنث أي على فعلة ذات خيانة أو على نفس أو فرقة خائنة أو التاء للمبالغة مثل "رجل راوية للشعر" ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين آمنوا منهم كعبد الله بن سلام وأمثاله، أو هم الذين بقوا على الكفر من غير غدر ونقض لعهودهم ﴿ فاعف عنهم واصفح ﴾ بعث على حسن العشرة معهم.
فقيل منسوخ بآية الجهاد ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ﴾ وقيل: المراد فاعف عن مؤمنهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم.
وقيل: بناء على أن القليل هم الباقون على العهد منهم أن المراد لا تؤاخذهم بالصغائر ما داموا باقين على العهد وهذا قول أبي مسلم ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ قال ابن عباس: معناه إذا عفوت فأنت محسن، وإذا كنت محسناً فقد أحبك الله.
وعلى قول أبي مسلم فالمراد بهؤلاء المحسنين هم القليلون الذين ما نقضوا عهد الله وفي هذا التفسير بعد والله أعلم.
ثم قال: ﴿ ومن الذين قالوا إنا نصارى ﴾ ولم يقل ومن النصارى لأنهم إنما سموا أنفسهم بهذا الاسم ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا لعيسى نحن أنصار الله وكانوا بالحقيقة أنصار الشيطان حيث اختلفوا وخالفوا الحق ﴿ أخذنا ميثاقهم ﴾ إن كان الضمير عائداً إلى الذين قالوا فالمعنى ظاهر، وإن عاد إلى اليهود فالمعنى أخذنا منهم مثل ميثاق اليهود في أفعال الخير والإيمان بالرسل ﴿ فأغرينا ﴾ ألصقنا وألزمنا ومنه الغراء الذي يلصق به وغرى بالشيء لزمه ولصق به ﴿ بينهم ﴾ بين فرق النصارى أو بينهم وبين اليهود.
ثم دعا اليهود والنصارى إلى الإيمان بمحمد فقال: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ ووحد الكتاب لأنه أخرج مخرج الجنس ﴿ مما كنتم تخفون من الكتاب ﴾ كصفة رسول الله وكصفة الرجم/ وهذا معجز لأنه لم يقرأ كتاباً وقد أخبرهم بأسرار كتابهم ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ مما تخفونه فلا يبينه مما لا تمس إليه حاجة في هذا الدين.
وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه بجرمه ﴿ قد جاءكم من الله نور ﴾ محمد أو الإسلام ﴿ وكتاب مبين ﴾ هو القرآن لإبانته ما كان خافياً على الناس من الحق، أو لأنه ظاهر الإعجاز، ويحتمل أن يكون النور والكتاب هو القرآن والمغايرة اللفظية كافية بين المعطوفين.
ولا شك أن القرآن نور معنوي تتقوى به البصيرة على إدراك الحقائق والمعقولات ﴿ يهدي به الله ﴾ أي بالكتاب ﴿ من اتبع رضوانه ﴾ من كان مطلوبه اتباع الدين الذي يرتضيه الله لا الذي ألفه بحسب هواه ﴿ سبل السلام ﴾ طرق السلامة أو طرق دار السلام أو سبيل دين الله ﴿ إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ بناء على جواز الحلول ﴿ فمن يملك من الله شيئاً ﴾ من الذي يقدر على دفع شيء من أفعاله الله ومنع شيء من مراده.
وقوله: ﴿ إن أراد ﴾ شرط جزاء آخر محذوف يدل عليه ما تقدمه والمعنى إن أراد ﴿ أن يهلك المسيح ﴾ المدعو إلها وغيره فمن الذي يقدر على أن يدفعه عن مراده ومقدوره؟
والمراد بعطف من في الأرض على المسيح وأمه أنهما من جنسهم وشكلهم في الصورةوالخلقة والجسمية والتركيب وسائر الأعراض.
فلما سلمتم كونه خالقاً لغيرهما وجب أن يكون خالقاً لهما ومتصرفاً فيهما.
وإنما قال: ﴿ وما بينهما ﴾ بعد ذكر السموات والأرض ولم يقل "بينهن" لأنه أراد الصنفين أو النوعين.
وفي قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وجهان: أحدهما يخلق تارة من ذكر وأنثى، وتارة من أنثى فقط كما في حق عيسى، وتارة من غير ذكر وأنثى كآدم .
وثانيهما أن عيسى إذا قدر صورة الطير من الطين فإن الله يخلق فيها اللحمية والحياة معجزة لعيسى، وكذا إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ قيل: عليه أن اليهود لا يقولون ذلك فكيف يجوز نقل ذلك عنهم؟
وأما النصارى فلا يقولون ذلك في حق أنفسهم.
وأجيب بأن المضاف محذوف أي نحن أبناء رسل الله أو أريد إن عناية الله بحالهم أكمل وأشد من اعتناء الأب بالابن، أو اليهود زعموا أن عزيراً ابن الله، والنصارى أن المسيح ابن الله.
وقد يقول أقارب الملوك وحشمه نحن الملوك وغرضهم كونهم مختصين بذلك الشخص الذي هو الملك.
عن ابن عباس أن النبي دعا جماعة من اليهود إلى دين الإسلام وخوفهم بعقاب الله فقالوا: كيف تخوفنا بعقاب الله ونحن أبناء الله أحباؤه؟
ومما يتلو النصارى في الإنجيل الذي لهم أن المسيح قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم.
ثم إنه أبطل عليهم دعواهم بقوله: ﴿ قل فلم يعذبكم بذنوبكم ﴾ فسئل أن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا فحينئذ تمكن المعارضة بوقعة أحد وبقتل أحباء الله كالحسن والحسين عليهما السلام أو عذاب الآخرة.
فالقوم ينكرون/ ذلك ولو كان مجرد إخبار محمد كافياً لكان مجرد إخباره بأنهم كذبوا في ادّعاء أنهم أحباء الله كافياً ويصير الاستدلال ضائعاً.
وأجيب بأن محل الإلزام عذاب عاجل، والمعارضة بيوم أحد ساقطة لأنهم وإن ادعوا أنهم الأحباء لكنهم لم يدعوا أنهم الأبناء.
أو عذاب آجل واليهود والنصارى يعترفون بذلك وأنهم تمسهم النار أياماً معدودة.
ويمكن أن يقال: المراد مسخهم قردة وخنازير بل هذا الجواب أولى ليكون الاحتجاج عليهم بشيء قد دخل في الوجوه فلا يمكنهم الإنكار.
﴿ بل أنتم بشر من ﴾ جملة ﴿ من خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ ليس لأحد عليه حق يوجب أن يغفر له ولا قدرة تمنعه من أن يعذبه، وباقي الآية تأكيد لهذا المعنى ﴿ يبيّن لكم ﴾ في محل النصب على الحال وفيه وجهان: أن يقدر المبين وهو الدين والشرائع وحسن حذفه لأن كل أحد يعلم أن الرسول إنما أرسل لبيان الشرائع، أو هو ما كنتم تخفون وحسن حذفه لتقدم ذكره وأن لا يقدر المبين.
والمعنى يبذل لكم البيان وحذف المفعول أعم فائدة.
وقوله: ﴿ على فترة ﴾ متعلق بـ ﴿ جاءكم ﴾ أو حال آخر.
قال ابن عباس: أي على حين فتور من إرسال الرسل وفي زمان انقطاع الوحي.
وسميت المدّة بين الرسولين من رسل الله فترة لفتور الدواعي في العمل بتلك الشرائع.
وكان بين عيسى ومحمد خمسمائة وستون أو ستمائة سنة.
وعن الكلبي: كان بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى ومحمد أربعة أنبياء، ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي.
وأما العنسي بالنون فهو المتنبىء الكاذب.
والمقصود أن الرسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وتطرق التحريف والتغير إلى الشرائع المتقدمة وكان ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات، لأن لهم أن يقولوا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادات ولكنا ما عرفنا كيف نعبدك، فمن الله عليهم بإزاحة هذه العلة وذلك قوله: ﴿ أن تقولوا ﴾ أي كراهة أن تقولوا: ﴿ ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم ﴾ أي لا تعتذورا فقد جاءكم.
والحاصل أن الفترة توجب الاحتياج إلى بعثة الرسل والله قادر على ذلك لأنه قادر على كل شيء، فكان يجب في حكمته ورحمته إرسال الرسل في الفترات إلزاماً للحجج وإقامة للبينات.
التأويل: جعل في أمة موسى اثني عشر نقيباً، وجعل في هذه الأمة من النجباء البدلاء أربعين رجلاً كما قال : "يكون في هذه الأمة أربعون على خلق إبراهيم وسبعة على خلق موسى وثلاثة على خلق عيسى وواحد على خلق محمد " وقال أبو عثمان المغربي: البدلاء أربعون, والأمناء سبعة، الخلفاء ثلاثة، والواحد هو القطب، والقطب عارف بهم جميعاً ويشرف عليهم ولا يعرفه أحد ولا يشرف عليه وهو إمام/ الأولياء، وهكذا حال الثلاثة مع السبعة والسبعة مع الأربعين، فإذا نقص من الأربعين واحد بدل مكانه واحد من غيرهم، وإذا نقص من السبعة واحد جعل مكانه واحد من الأربعين، وإذا نقص من الثلاثة واحد جعل مكانه واحد من السبعة، وإذا مضى القطب الذي به قوام أعداد الخلق جعل بدله واحد من الثلاثة هكذا إلى أن يأذن الله في قيام الساعة ﴿ لئن أقمتم الصلاة ﴾ بأن تجعلها معراجك إلى الحق في درجات القيام والركوع والسجود والتشهد.
فبالقيام تتخلص عن حجب أوصاف الإنسانية وأعظمها الكبر وهو من خاصية النار، وبالركوع تتخلص عن حجب صفات الحيوانية وأعظمها الشهوة وهو من خاصية الهواء، وبالسجود تتخلص عن حجب طبيعة النبات وأعظمها الحرص على الجذب للنشؤ والنماء وهو من خاصية الماء، وبالتشهد تتخلص عن حجب طبع الجماد وأعظمها الجمود وهو خاصية التراب، فإذا تخلصت من هذه الحجب فقد أقمت الصلاة مناجياً ربك مشاهداً له كما قال : " اعبد الله كأنك تراه" " ﴿ وآتيتم الزكاة ﴾ بأن تصرف ما زاد من روحانيتك بتعلق القالب في سبيل الله ﴿ وآمنتم برسلي ﴾ استسلمتم بالكلية لتصرفات النبوّة والرسالة ﴿ وأقرضتم الله ﴾ بالوجود كله ﴿ قرضاً حسناً ﴾ وهو أن يأخذ منكم وجوداً مجازياً فانياً ويعطيكم وجوداً حقيقاً باقياً كما يقول.
﴿ لأكفرن ﴾ لأسترن بالوجود الحقيقي ﴿ عنكم سيّآتكم ﴾ الوجود المجازي ﴿ ولأدخلنكم جنات ﴾ الوصلة ﴿ تجري من تحتها ﴾ أنهار العناية ﴿ ولا تزال تطلع على خائنة منهم ﴾ لأنّ العصيان يجر إلى العصيان ﴿ فأغرينا بينهم العداوة ﴾ حيث نسوا حظ الميثاق وأبطلوا الاستعداد الفطري صاروا كالسباع يتهارشون ويتجاذبون ﴿ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ يجعل أقوماً مظهر لطفه وفضله وآخرين مظهر قهره وعدله وهو أعلم بعباده.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ﴾ .
كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمُّه أكبر منه؛ فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلهاً لمن هو أكبر منه وربا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا الأصغر إله الأكبر وربّاً له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .
أي: لا أحد يملك من دون الله شيئاً، إن اراد إهلاك ﴿ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ...
﴾ الآية، أي: لو كان إلهاً - كما تقولون - لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهما في الأرض.
وقيل: فمن يملك أن يمنع من الله شيئاً من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح بعذاب، وأمَّه ومن في الأرض جميعاً بعذاب أو بموت؟!
وهما واحد.
ثم عظَّم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ ، فقال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر.
﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ \[الآية\].
يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعاً، ولكن كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله - -: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ كأن هذا القول: كان كل فريق نفي دخول الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعاً: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ .
ويحتمل: أن كان من النصارى ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ؛ لما ذكر في بعض القصة أن عيسى - - قال لقومه: "أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء"؛ فقالوا عند ذلك: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ ﴾ ، وكان من اليهود: "نحن أحباء الله".
ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعاً، قال كل واحد من الفريقين: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ .
وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند الله ، أي: لهم عند الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، فقال: قل يا محمد: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ﴾ .
إن كان ما تقولون حقّاً فلم يعذبكم؟!
حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا أحد من الخلق يحتمل قبله أن يكون ولده أو صديقه قرداً أو خنزيراً.
أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه - بذنب يذنبه - بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل.
ثم قال: ﴿ بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾ .
أي: من اتخذ ولداً وحبّاً أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فالله - - إنما خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك؟!.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ دليل أن من رفع أحداً من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته.
وقوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
أي: من تاب وأسلم.
﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ .
من دام على الكفر، ومات عليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ .
أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبّاً؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده، كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟!
والله أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة [نبينا] محمد ، لأنهم قالوا قولاً فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله بذلك؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ويحرفون؛ كقوله - -: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ مما [لكم وعليكم] من الأحكام والشرائع، ويحتمل: ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ ما كان عليه الأنبياء والرسل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ .
قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى - - لأنه قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عز وجل - أنه بعث محمداً على حين فترة من الرسل.
وقيل: ﴿ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتوراً.
يخبر - والله أعلم - أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف [أمورهم] ووقع فيما بينهم اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: ﴿ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ﴾ .
يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .
بشير بالجنة [لمن أطاع]، ونذير بالنار لمن عصاه.
فقد جاءكم بشير ونذير.
﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
يحتمل: ﴿ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
لقد كفر القائلون من النصارى بأن الله هو المسيح عيسى بن مريم، قل لهم -أيها الرسول-: من يقدر أن يمنع الله من إهلاك المسيح عيسى بن مريم ويهلك أمه، ويهلك من في الأرض كلهم إذا أراد إهلاكهم؟!
وإذا لم يقدر أحد أن يمنعه من ذلك دل ذلك على أنه لا إله إلا الله، وأن الجميع: عيسى بن مريم وأمه وسائر الخلق هم خَلْقُ الله، ولله ملك السماوات والأرض وملك ما بينهما، يخلق ما يشاء، وممن شاء خلقه: عيسى - -؛ فهو عبده ورسوله، والله على كل شيء قدير.
من فوائد الآيات تَرْك العمل بمواثيق الله وعهوده قد يوجب وقوع العداوة وإشاعة البغضاء والتنافر والتقاتل بين المخالفين لأمر الله تعالى.
الرد على النصارى القائلين بأن الله تعالى تجسد في المسيح - -، وبيان كفرهم وضلال قولهم.
من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى إن أراد أن يهلك المسيح وأمه - - وجميع أهل الأرض فلن يستطيع أحد رده، وهذا يثبت تفرده سبحانه بالأمر وأنه لا إله غيره.
من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى يُذَكِّر بكونه تعالى ﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ [المائدة: 17]، فهو يخلق من الأبوين، ويخلق من أم بلا أب كعيسى - -، ويخلق من الجماد كحية موسى - -، ويخلق من رجل بلا أنثى كحواء من آدم - -.
<div class="verse-tafsir" id="91.lXekr"