الآية ٢١ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢١ من سورة المائدة

يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مخبرا عن تحريض موسى عليه السلام لبني إسرائيل على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر أيام يوسف عليه السلام ، ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى [ عليه السلام ] فوجدوا فيها قوما من العمالقة الجبارين قد استحوذوا عليها وتملكوها ، فأمرهم رسول الله موسى عليه السلام ، بالدخول إليها ، وبقتال أعدائهم ، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم ، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره ، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين ، لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد ، مدة أربعين سنة ، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله [ تعالى ] فقال تعالى مخبرا عن موسى أنه قال : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة ) أي : المطهرة .

قال سفيان الثوري عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس في قوله : ( ادخلوا الأرض المقدسة ) قال : هي الطور وما حوله .

وكذا قال مجاهد وغير واحد .

وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال : هي أريحا .

وكذا ذكر غير واحد من المفسرين .

وفي هذا نظر ; لأن أريحا ليست هي المقصود بالفتح ، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوهم فرعون [ اللهم ] إلا أن يكون المراد بأريحا أرض بيت المقدس كما قاله - السدي فيما رواه ابن جرير عنه - لا أن المراد بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغور شرقي بيت المقدس .

وقوله تعالى : ( التي كتب الله لكم ) أي : التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل : أنه وراثة من آمن منكم .

( ولا ترتدوا على أدباركم ) أي : ولا تنكلوا عن الجهاد ( فتنقلبوا خاسرين)

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بني إسرائيل، وأمرِه إياهم =عن أمر الله إياه= بأمرهم بدخول الأرض المقدسة.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بـ" الأرض المقدَّسة ".

فقال بعضهم: عنى بذلك الطورَ وما حوله.

ذكر من قال ذلك: 11644 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الأرض المقدسة " الطور وما حوله.

11645 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

11646 - حدثني الحارث بن محمد قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: " ادخلوا الأرض المقدسة "، قال: الطور وما حوله.

* * * وقال آخرون: هو الشأم.

ذكر من قال ذلك: 11647 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " الأرض المقدسة " قال: هي الشأم.

* * * وقال آخرون: هي أرض أريحا.

ذكر من قال ذلك: 11648 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم " قال: أريحا.

11649 - حدثني يوسف بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: هي أريحا.

11650 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هي أريحا.

* * * وقيل: إن " الأرض المقدسة " دمشق وفلسطين وبعض الأرْدُنّ.

* * * وعنى بقوله: " المقدسة " المطهرة المباركة، (44) كما:- 11651 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " الأرض المقدسة "، قال: المباركة.

11652 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، بمثله.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: هي الأرض المقدّسة، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه، لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض، لا تُدرك حقيقةُ صحته إلا بالخبر، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به.

غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر، لإجماع جميع أهل التأويل والسِّير والعلماء بالأخبار على ذلك.

* * * ويعني بقوله: " التي كتب الله لكم " التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ومنازل دون الجبابرة التي فيها.

(45) * * * فإن قال قائل: فكيف قال: " التي كتب الله لكم "، وقد علمت أنَّهم لم يدخلوها بقوله: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ؟

فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم، ومحرمًا عليهم سكناها؟

قيل: إنها كتبت لبني إسرائيل دارًا ومساكن، وقد سكنوها ونـزلوها وصارت لهم، كما قال الله جل وعز.

وإنما قال لهم موسى: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم "، يعني بها: كتبها الله لبني إسرائيل، =وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل= ولم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم.

ولو قال قائل: قد كانت مكتوبة لبعضهم ولخاص منهم= فأخرج الكلام على العموم، والمراد منه الخاص، إذ كان يُوشع وكالب قد دخلا (46) وكانا ممن خوطب بهذا القول= كان أيضًا وجهًا صحيحًا.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق.

11653 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق،" التي كتب الله لكم "، التي وهب الله لكم.

* * * وكان السدي يقول: معنى " كتب " في هذا الموضع، بمعنى: أمر.

11654 - حدثنا بذلك موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم "، التي أمركم الله بها.

* * * القول في تأويل قوله جل ثناؤه : وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسى عليه السلام لقومه من بني إسرائيل، إذ أمرهم عن أمر الله عزّ ذكره إيّاه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضُوا، أيها القوم، لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة=" ولا ترتدوا " يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدّين (47) =" على أدباركم " يعني: إلى ورائكم، (48) ولكن امضوا قُدُمًا لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم، وأنّ الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنًا وقرارًا.

ويعني بقوله: " فتنقلبوا خاسرين "، أي: تنصرفوا خائبين هُلَّكًا.

(49) * * * وقد بينا معنى " الخسارة " في غير هذا الموضع، بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع.

(50) * * * فإن قال قائل: وما كان وجه قيل موسى لقومه، إذْ أمرهم بدخول الأرض المقدسة: " لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين "، أوَ يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضًا جعلت له؟

قيل: إن الله عز ذكره كان أمرهم بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها، (51) فاستوجب القوم الخسارة بتركهم إذًا فرض الله عليهم من وجهين: أحدُهما: تضييع فرض الجهاد الذي كان الله عز ذكره فرضه عليهم= والثاني: خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض، وقولهم لنبيهم موسى صلى الله عليه وسلم إذ قال لهم: ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ : " إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ".

* * * وكان قتادة يقول في ذلك بما: 11655 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أمروا بها، كما أمروا بالصلاة والزكاة والحجِّ والعُمْرة.

--------------------- الهوامش : (44) انظر تفسير"التقديس" فيما سلف 1: 475 ، 476/2: 322.

(45) انظر تفسير"كتب" فيما سلف 9: 262 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(46) في المطبوعة: "يوشع وكلاب" ، وانظر ما سلف ص: 113 تعليق: 2.

(47) انظر تفسير"ارتد" فيما سلف 3: 163/4: 316.

(48) انظر تفسير"الأدبار" فيما سلف 7: 109.

(49) انظر تفسير"انقلب" فيما سلف 3: 163/7: 414.

وكانت هذه العبارة في المخطوطة والمطبوعة: "أنكم تنصرفوا خائبين هكذا" ، ورجحت أن صواب قراءتها ما أثبت.

و"هلك" جمع"هالك".

وقد مر تفسيره"الخسارة" بمعنى"الهلاك".

(50) انظر تفسير"الخسارة" فيما سلف 9: 224 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(51) في المطبوعة: "كان أمره" ، والصواب من المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا ترتدوا على أدباركم أي : لا ترجعوا عن طاعتي وما أمرتكم به من قتال الجبارين ، وقيل : لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته ، والمعنى واحد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا قال: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ } أي: المطهرة { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } فأخبرهم خبرا تطمئن به أنفسهم، إن كانوا مؤمنين مصدقين بخبر الله، وأنه قد كتب الله لهم دخولها، وانتصارهم على عدوهم.

{ وَلَا تَرْتَدُّوا } أي: ترجعوا { عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } قد خسرتم دنياكم بما فاتكم من النصر على الأعداء وفتح بلادكم.

وآخرتكم بما فاتكم من الثواب، وما استحققتم -بمعصيتكم- من العقاب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) اختلفوا في الأرض المقدسة ، قال مجاهد : هي الطور وما حوله ، وقال الضحاك : إيليا وبيت المقدس ، وقال عكرمة والسدي : هي أريحاء ، وقال الكلبي : هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن ، وقال قتادة : هي الشام كلها ، قال كعب : وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه [ وبها أكثر ] عباده .

قوله عز وجل : ( كتب الله لكم ) يعني : كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم ، وقال ابن إسحاق : وهب الله لكم ، وقيل : جعلها لكم ، وقال السدي : أمركم الله بدخولها ، [ وقال قتادة ] أمروا بها كما أمروا بالصلاة ، أي : فرض عليكم .

( ولا ترتدوا على أدباركم ) أعقابكم بخلاف أمر الله ، ( فتنقلبوا خاسرين ) قال الكلبي : صعد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له : انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا قوم ادخلوا الأرض المقدَّسة» المطهرة «التي كتب الله لكم» أمركم بدخولها وهي الشام «ولا ترتدُّوا على أدباركم» تنهزموا خوف العدو «فتنقلبوا خاسرين» في سعيكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة -أي المطهرة، وهي "بيت المقدس" وما حولها- التي وعد الله أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار، ولا ترجعوا عن قتال الجبارين، فتخسروا خير الدنيا وخير الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التذكير بالنعم ، وجه إليهم نداء ثانيا طلب منهم فيه دخول الأرض المقدسة فقال - كما حكى القرآن عنه : ( يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) .ومعنى المقدسة : المطهرة المباركة بسبب أنها كانت موطنا لكثير من الأنبياء .والمراد بها .

بيت المقدس وقيل المراد بها : اريحاء وقيل : الطور وما حوله .قال ابن جرير : وهي لا تخرج عن أن تكون من الأرض التي ما بين الفرات وعريش مصر ، لإجماع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك .ومعنى ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) : قدر لكم سكناها ، ووعدكم إياها متى آمنتم به وأطعتم أنبياءه ، أو معناه : فرض عليكم دخولها وأمركم به كما أمركم بأداء الصلاة والزكاة - وسنفصل القول في هذه المسألة بعد تفسيرنا للآيات - .ومفعول ( كتب ) محذوف .

أي كتب لكم أن تدخلوها وفرض عليكم دخولها لإِنقاذكم من الأهوال التي نزلت بكم في أرض مصر من فرعون وجنده .وقد تعدى فعل ( كتب ) هنا باللام دون على ، للإِشارة إلى أن ما فرضه عليهم إنما هو لمنفعتهم ولعزتهم ورفعة شأنهم .وفي تكرير النداء من موسى لهم بقوله : ( يَاقَوْمِ ) مبالغة في حثهم على الامتثال لما يأمرهم به ، وتنبيه إلى خطر ما يدعوهم إليه وعظم شأنه .وقوله : ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) فيه حض شديد لهم على الاستجابة لأمره ، وإغراء لهم بالنصر والفوز ، لأن الذي كتب لهم أن يدخلوها متى آمنوا وأطاعوا هو الله الذي لا معقب لحكمه .قال الإِمام الرازي : في قوله : ( كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ) فائدة عظيمة .

وهي أن القوم كانوا جبارين إلا أن الله - تعالى - لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم ، فإن كان مؤمنين مقرين بصدق موسى - عليه السلام - علموا قطعا أن الله ينصرهم عليهم ، فلا بد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع " .وقوله - تعالى - : ( وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) تحذير لهم من الجبن والإِحجام ، بعد ترغيبهم الشديد في الشجاعة والإِقدام .وقوله ( ترتدوا ) من الارتداد وهو الرجوع إلى الخلف .و ( الأدبار ) جمع دبر وهو الظهر .وهذا التعبير استعارة تمثيلية فيها تشبيه حال من يرجع عن الجهاد بعد أن توافرت أسبابه ، يحال من يتراجع سائرا بظهره إلى الوراء ، بدل أن يسير بوجهه إلى الأمام .

وهذا التعبير يصور قبح الجبن والتخاذل حسا ومعنى .وقوله ( فتنقلبوا ) من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء وهو مجزوم عطفا على فعل النهي وهو ( وَلاَ تَرْتَدُّوا ) .والمعنى : أمضوا أيها القوم لأمر الله ، وسيروا خلفي لقتال الأعداء ودخول الأرض المقدسة التي أمركم - سبحانه - بدخولها ، ولا ترجعوا القهقري منصرفين عن القتال خوفا من أعدائكم ، ومبتعدين عن طاعتي وأمري ، فإن ذلك يؤدي بكم إلى الخسران في الدنيا والآخرة ، وإلى الحرمان من خيرات الأرض التي أوجب الله عليكم دخولها .قال ابن جرير : فإن قال قائل : وما كان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة : ( وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له؟

قيل : إن الله - تعالى - كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به ، وفرض عليهم دخولها ، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم فرض عليهم من وجهين :أحدهما : تضييع فرض الجهاد الذي كان الله فرضه عليهم .والثاني : مخالفتهم أمر الله في تركهم دخول الأرض المقدسة .هذا ، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة ، وهي قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ) تحمل طابع التحذير الشديد ، وتنذرهم بالخسران المبين إذا لم يستجيبوا لأمر الله بعد أن ساق سلهم موسى ألوانا من المشجعات والمرغبات في الجهاد ، وذلك لأنه - عليه السلام - كان متوقعاً منهم الإِحجام عن القتال ، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ونكوصهم على أعقابهم في مواطن كثيرة ، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض المقدسة يذكر لهم أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات وأقوى الضمانات وأشد التحذيرات لكي يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: روي أن إبراهيم عليه السلام لما صعد جبل لبنان قال له الله تعالى: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس، وهو ميراث لذريتك.

وقيل: لما خرج قوم موسى عليه السلام من مصر وعدهم الله تعالى إسكان أرض الشام، وكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد، ثم بعث موسى عليه السلام اثنى عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي، فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.

قال المفسرون: لما بعث موسى عليه السلام النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك، فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا، فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم وأخبروه بما شاهدتم، ثم انصرف أولئك النقباء إلى موسى عليه السلام فأخبروه بالواقعة، فأمرهم أن يكتموا ما عاهدوه فلم يقبلوا قوله، إلا رجلان منهم، وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، فإنهما سهلا الأمر وقالا: هي بلاد طيبة كثيرة النعم، والأقوام وإن كانت أجسادهم عظيمة إلا أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فقد أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم، فقالوا لموسى عليه السلام ﴿ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون  ﴾ فدعا موسى عليه السلام عليهم فعاقبهم الله تعالى بأن أبقاهم في التيه أربعين سنة.

قالوا: وكانت مدة غيبة النقباء للتجسس أربعين يوماً فعوقبوا بالتيه أربعين سنة، ومات أولئك العصاة في التيه، وأهلك النقباء العشرة في التيه بعقوبات غليظة.

ومن الناس من قال: إن موسى وهارون عليهما السلام ماتا أيضاً في التيه: ومنهم من قال: إن موسى عليه السلام بقي وخرج معه يوشع وكالب وقاتلوا الجبارين وغلبوهم ودخلوا تلك البلاد، فهذه هي القصة والله أعلم بكيفية الأمور.

المسألة الثانية: الأرض المقدسة هي الأرض المطهرة طهرت من الآفات.

قال المفسرون: طهرت من الشرك وجعلت مسكناً وقراراً للأنبياء، وهذا فيه نظر، لأن تلك الأرض لما قال موسى عليه الصلاة والسلام ﴿ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ ما كانت مقدسة عن الشرك، وما كانت مقراً للأنبياء، ويمكن أن يجاب بأنها كانت كذلك فيما قبل.

المسألة الثالثة: اختلفوا في تلك الأرض، فقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقيل الطور.

المسألة الرابعة: في قوله: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ وجوه: أحدها: كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم.

وثانيها: وهبها الله لكم.

وثالثها: أمركم بدخولها.

فإن قيل: لم قال: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

والجواب: قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.

وقيل: اللفظ وإن كان عاماً لكن المراد هو الخصوص، فصار كأنه مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.

وقيل: إن الوعد بقوله: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لا جرم لم يوجد المشروط، وقيل: إنها محرمة عليهم أربعين سنة، فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.

المسألة الخامسة: في قوله: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ فائدة عظيمة، وهي أن القوم وإن كانوا جبارين إلا أن الله تعالى لما وعد هؤلاء الضعفاء بأن تلك الأرض لهم، فإن كانوا مؤمنين مقرين بصدق موسى عليه السلام علموا قطعاً أن الله ينصرهم عليهم ويسلطهم عليهم فلابد وأن يقدموا على قتالهم من غير جبن ولا خوف ولا هلع، فهذه هي الفائدة من هذه الكلمة.

ثم قال: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ وفيه وجهان: الأول: لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى عليه السلام، وذلك لأنه عليه السلام لما أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم كان هذا وعداً بأن الله تعالى ينصرهم عليهم، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى عليه السلام فيصيروا كافرين بالإلهية والنبوّة.

والوجه الثاني: المراد لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها.

يروى أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر.

وقوله: ﴿ فَتَنقَلِبُواْ خاسرين ﴾ فيه وجوه: أحدها: خاسرين في الآخرة فإنه يفوتكم الثواب ويلحقكم العقاب.

وثانيها: ترجعون إلى الذل.

وثالثها: تموتون في التيه ولا تصلون إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء ﴾ لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم: ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء.

وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمِّي إنقاذهم ملكاً.

وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار.

وقيل: من له بيت وخدم.

وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمل المشاق ﴿ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين ﴾ من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم ﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ يعني أرض بيت المقدس.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: الشام.

وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن.

وقيل: سمَّاها الله لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل، فقيل له: انظر، فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر.

وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر.

ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.

الجبار (فعال) من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما كالب ويوشع ﴿ مِنَ الذين يَخَافُونَ ﴾ من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين.

ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم ﴿ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم على قتالهم.

وقراءة من قرأ: ﴿ يخافون ﴾ بالضم شاهدة له، وكذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: من المخوفين.

وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة.

أو يخوّفهم وعيد الله بالعقاب.

فإن قلت: ما محل (أنعم الله عليهما)؟

قلت: إن انتظم مع قوله: (من الذين يخافون) في حكم الوصف لرجلان فمرفوع، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له.

فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون؟

قلت: من جهة إخبار موسى بذلك.

وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة.

والباب: باب قريتهم ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَا ﴾ نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس.

و ﴿ أَبَدًا ﴾ تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول.

و ﴿ مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ بيان للأبد ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلمته فدهب يجيبني، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا: أريد قتالهم.

والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عزّ وجلّ جهرة.

والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أنّ موسى وهارون عليهما السلام خرَّا لوجوههما قدَّامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما.

ولأمر مّا قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ ﴾ [المائدة: 82] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرْضَ بَيْتِ المَقْدِسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ.

وقِيلَ: الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ.

وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ.

وقِيلَ الشّامُ.

﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ قَسَمَها لَكم أوْ كُتِبَ في اللَّوْحِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكُمْ، ولَكِنْ إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ لِقَوْلِهِ لَهم بَعْدَ ما عَصَوْا فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ ولا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ قِيلَ لَمّا سَمِعُوا حالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: لَيْتَنا مُتْنا بِمِصْرَ تَعالَوْا نَجْعَلْ عَلَيْنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ثَوابَ الدّارَيْنِ، ويَجُوزُ في فَتَنْقَلِبُوا الجَزْمُ عَلى العَطْفِ والنَّصْبُ عَلى الجَوابِ.

﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا تَتَأتّى مُقاوَمَتُهُمْ، والجَبّارُ فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ بِمَعْنى أجْبَرَهُ وهو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُهُ.

﴿ وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ ﴾ إذْ لا طاقَةَ لَنا بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا قوم ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ} أي المطهرة أو المباركة وهي

أرض بيت المقدس أو الشام {الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قسمها لكم أو سماها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم} ولا ترجعوا على أعقابكم مدبرين منهزمين من خوف الجبابرة جبناً أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم {فَتَنقَلِبُواْ خاسرين} فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ كُرِّرَ النِّداءُ مَعَ الإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ؛ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الأمْرِ، ومُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، و( الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ) هي كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ: بَيْتُ المَقْدِسِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: دِمَشْقُ، وفِلَسْطِينُ، والأُرْدُنُّ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هي أرْضُ الطُّورِ، وما حَوْلَهُ.

وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: هي ما بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.

والتَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ، ووُصِفَتْ تِلْكَ الأرْضُ بِذَلِكَ إمّا لِأنَّها مُطَهَّرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ، حَيْثُ جُعِلَتْ مَسْكَنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ لِأنَّها مُطَهَّرَةٌ مِنَ الآفاتِ، وغَلَبَةُ الجَبّارِينَ عَلَيْها لا يُخْرِجُها عَنْ أنْ تَكُونَ مُقَدَّسَةً، أوْ لِأنَّها طُهِّرَتْ مِنَ القَحْطِ والجُوعِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ مُقَدَّسَةً؛ لِأنَّ فِيها المَكانَ الَّذِي يُتَقَدَّسُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أيْ: قَدَّرَها وقَسَمَها لَكُمْ، أوْ كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكم.

رُوِيَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الخَلِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْ يَصْعَدَ جَبَلَ لُبْنانَ فَما انْتَهى بَصَرُهُ إلَيْهِ فَهو لَهُ ولِأوْلادِهِ، فَكانَتْ تِلْكَ الأرْضُ مَدى بَصَرِهِ.

وعَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ أنَّ المَعْنى: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِدُخُولِها، وفَرَضَهُ عَلَيْكُمْ، فالكَتْبُ هُنا مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ وذَهَبَ إلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والكَتْبُ عَلى أوَّلِهِما مَجازٌ، وعَلى ثانِيهِما حَقِيقَةٌ، وقَيَّدُوهُ بَإنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى لَهم بَعْدَما عَصَوْا: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ عَلى الِارْتِدادِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ الكَتْبِ بِالمُجاهَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيمانِ قَطْعًا، والأدْبارُ جَمْعُ دُبُرٍ، وهو ما خَلْفَهم مِنَ الأماكِنِ مِن مِصْرَ وغَيْرِها، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِن فاعِلِ ( تَرْتَدُوا ) أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ مَقْصِدِكم مُنْقَلِبِينَ، خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالِارْتِدادِ صَرْفَ قُلُوبِهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِقادِ صَرْفًا غَيْرَ مَحْسُوسٍ، أيْ: لا تَرْجِعُوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ بِاللَّهِ تَعالى، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا ﴾ إمّا مَجْزُومٌ بِالعَطْفِ، وهو الأظْهَرُ، وإمّا مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ، قالَ الشِّهابُ: عَلى أنَّهُ مِن قَبِيلِ: لا تَكْفُرْ تَدْخُلَ النّارِ، وهو مُمْتَنِعٌ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ، وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى، والمُرادُ بِالخُسْرانِ خُسْرانُ الدّارَيْنِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم ونعمته إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال في رواية الكلبي: يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل.

ويقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي- عليهم السلام- ثم قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني: بعد العبودية لفرعون.

قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين.

ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك.

وهذا كما قال النبي  : «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو: المن والسلوى والغمام وغير ذلك.

ثم قال عز وجل: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب.

ثم قال: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها.

ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم-  - فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم.

فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك.

وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما.

فقال موسى لقومه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم-  - ولكم ميراث منه وقال القتبي: أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.

ويقال: كتب يعني قضى كما قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي فرض ويقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي جعل كما قال: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ويقال: كتب أي أمر.

كما قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني أمر الله لكم بدخولها.

قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل.

ثم قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول فَتَنْقَلِبُوا أي فتصيروا خاسِرِينَ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى-  - اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى-  - في كمه، حتى جاءوا بهم إلى الملك.

ويقال: لقيهم رجل واحد اسمه «عوج» ، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك فنظر إليهم وقال: هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا.

فأراد قتلهم فقالت امرأته: أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء؟

ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة.

فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى-  - وقالوا فيما بينهم: لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى.

فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا.

فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف.

وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً.

وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد.

ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء.

ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ يعني يوشع بن نون وكالب مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وهي أريحا أو إيلياء فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يعني فثقوا بأنه ناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم قالُوا يَا مُوسى أتصدق اثنين وتكذب العشرة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَّا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا يعني: قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون.

وقال أبو عبيدة: يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة.

ويقال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى-  - مِنَ قولهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون.

وقال الزجاج: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يحتمل معنيين، أحدهما: لا أملك إلا نفسى، وأخي لا يملك إلا نفسه.

ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته.

ثم قال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني: اقضِ بيننا وبين القوم العاصين.

ثم قال الله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً ثم قال: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ضلالاً يعني: يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه.

ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام.

ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها.

قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم: كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم-  - النار، وجعلها برداً وسلاماً.

ويقال: إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس.

وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين.

وقال بعضهم: هذا الخطاب لمحمد  لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا.

ويقال: أَرْبَعِينَ سَنَةً صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً.

كذا قاله ابن عباس  .

وإنما دخلها أولادهم.

وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

سُكونٌ بعد حَرَكَةٍ في الأجرام، ويستعار ذلك للمعانِي، وقد قال- عليه السلام-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَةٌ، ولِكُلِّ شِرَةٍ فَتْرَةٌ» ، وفي الصحيح أنَّ الفترة التي كانت بين نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، وبين عيسى سِتُّمائةِ سَنَةٍ، وهذه الآية نزلَتْ بسبب قولِ اليهود: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ على بَشَرٍ بَعد موسى مِنْ شَيْءٍ قاله ابن عَبَّاس «١» .

وقوله: أَنْ تَقُولُوا: معناه: حِذَاراً أنْ تقولوا يوم القيامة: مَا جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ، وقامتِ الحُجَّة عليكم، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهو الهادي والمضلّ لا ربّ غيره.

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢)

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ ...

الآية: المعنى: واذكُرْ لهم، يا محمَّد على جهة إعلامهم بغيب كتبهم ليتحقَّقوا نبوَّتك، ثمَ عَدَّدَ عيُونَ تلك النِّعم، فقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ: أي: حاطةٌ، ومنقذون من النار، وشَرَفٌ في الدنيا والآخرة، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً، أي: فيكم ملوكاً لأن المُلْك شَرَفٌ في الدنيا، وحَاطَةٌ في نوائبها، وَآتاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ، قال مجاهد: هو المَنُّ والسلوى، والحَجَر، والغَمَام «٢» ، وقال غيره: كثرة الأنبياء وعلى هذا القول: فالعالَمُونَ على العموم، وعلى القول بأن المؤتى هو آيات موسى، فالعَالَمُونَ عالَمُ زمانهم لأنَّ ما أوتي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من آيات الله أكثر من ذلك، والْمُقَدَّسَةَ معناه:

المطهَّرة، قال ابن عباس: هي الطُّور وما حوله «٣» ، وقال قتادة: هي الشام «٤» ، ...

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

أحَدُهُما: المُطَهَّرَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَّجّاجُ.

قالَ: وقِيلَ: لِلسَّطْلِ: القَدَسُ، لِأنَّهُ يُتَطَهَّرُ مِنهُ، وسُمِّيَ بَيْتُ المَقْدِسِ، لِأنَّهُ يُتَطَهَّرُ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ.

وقِيلَ: سَمّاها مُقَدَّسَةً، لِأنَّها طُهِّرَتْ مِنَ الشِّرْكِ، وجُعِلَتْ مَسْكَنًا لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: أنَّ المُقَدَّسَةَ: المُبارَكَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي المُرادِ بِتِلْكَ الأرْضِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها أرِيحا، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ السُّدِّيُّ: أرِيحا: هي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ.

ورُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ إيلِياءُ وبَيْتُ المَقْدِسِ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَرَأْتُ في مُناجاةِ مُوسى أنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ اخْتَرْتَ مِنَ الأنْعامِ الضّائِنَةَ، ومِنَ الطَّيْرِ الحَمامَةَ، ومِنَ البُيُوتِ بَكَّةَ وإيلِياءَ، ومِن إيلِياءَ بَيْتَ المَقْدِسِ.

فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إيلِياءَ الأرْضُ الَّتِي فِيها بَيْتُ المَقْدِسِ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ أنَّ إيلِياءَ بَيْتُ المَقْدِسِ، وهو مُعَرَّبٌ.

قالَ الفَرَزْدَقُ: وبَيْتانِ بَيْتُ اللَّهِ نَحْنُ وُلاتُهُ وبَيْتٌ بِأعْلى إيلِياءَ مُشَرَّفُ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الطَّوْرُ وما حَوْلَهُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ.

والثّالِثُ: أنَّها دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّها الشّامُ كُلُّها، قالَهُ قَتادَةُ وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: أمَرَكم وفَرَضُ عَلَيْكم دُخُولَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: وهَبَها اللَّهُ لَكم، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَعَلَها لَكم.

والثّالِثُ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها مَساكِنُكم.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ، وقَدْ كَتَبَها لَهُمْ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إنَّما جَعَلَها لَهم بِشَرْطِ الطّاعَةِ، فَلَمّا عَصَوْا حَرَّمَها عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ كَتَبَها لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإلَيْهِمْ صارَتْ، ولَمْ يَعْنِ مُوسى أنَّ اللَّهَ كَتَبَها لِلَّذِينِ أُمِرُوا بِدُخُولِها بِأعْيانِهِمْ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خَرَجَ مُخْرَجَ العُمُومِ، وأُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ، فَتَكُونَ مَكْتُوبَةً لِبَعْضِهِمْ، وقَدْ دَخَلَها يُوشَعُ، وكالِبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: لا تَرْجِعُوا إلى الشِّرْكِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ ﴾ اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟

فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ وشَبِعَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ مِن قَلِيلِ الطَعامِ بِبَرَكَتِهِ؛ وانْشَقَّ لَهُ القَمَرُ؛ وعادَ العُودُ سَيْفًا؛ ورَجَعَ الحَجَرُ المُعْتَرِضُ في الخَنْدَقِ رَمْلًا مَهِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ المَقالَةُ مِن مُوسى تَوْطِئَةٌ لِنُفُوسِهِمْ؛ حَتّى يَتَعَزَّزَ؛ ويَأْخُذَ الأمْرُ بِدُخُولِ أرْضِ الجَبّارِينَ بِقُوَّةٍ؛ ويَنْفُذَ في ذَلِكَ نُفُوذُ مَن أعَزَّهُ اللهُ ورَفَعَ شَأْنَهُ؛ و"اَلْمُقَدَّسَةَ"؛ مَعْناهُ: اَلْمُطَهَّرَةَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُبارَكَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَرَكَةُ تَطْهِيرٌ مِنَ القُحُوطِ؛ والجُوعِ ونَحْوِهِ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِها؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي الطُورُ؛ وما حَوْلَهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: هي الشامُ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي أرِيحاءُ؛ وقالَهُ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وقالَ قَوْمٌ: هي الغُوطَةُ؛ وفِلَسْطِينُ؛ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ولا يُخْتَلَفُ أنَّها بَيْنَ الفُراتِ وعَرِيشِ مِصْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ دِمَشْقَ هي قاعِدَةُ الجَبّارِينَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: اَلَّتِي كَتَبَ اللهُ في قَضائِهِ؛ وقَدَرِهِ أنَّها لَكم تَرِثُونَها؛ وتَسْكُنُونَها؛ مالِكِينَ لَها؛ ولَكِنَّ فِتْنَتَكم في دُخُولِها بِفَرْضِ قِتالِ مَن فِيها عَلَيْكُمْ؛ تَمْحِيصًا وتَجْرِبَةً؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - الِارْتِدادَ عَلى الأدْبارِ؛ وذَلِكَ الرُجُوعُ القَهْقَرى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَوْلِيَةَ الدُبُرِ؛ والرُجُوعَ في الطَرِيقِ الَّذِي جِيءَ مِنهُ؛ والخاسِرُ: اَلَّذِي قَدْ نَقَصَ حَظُّهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - عن بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم تَعَنَّتُوا ونَكَصُوا؛ فَقالُوا: ﴿ إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ ؛ والجَبّارُ: "فَعّالٌ"؛ مِن "اَلْجَبْرُ"؛ كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ وغَشْمِهِ وبَطْشِهِ يَجْبُرُ الناسَ عَلى إرادَتِهِ؛ والنَخْلَةُ الجَبّارَةُ: اَلْعالِيَةُ الَّتِي لا تُنالُ بِيَدٍ؛ وكانَ مِن خَبَرِ الجَبّارِينَ أنَّهم كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ؛ فَلَمّا بَعَثَ مُوسى الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مُطَّلِعِينَ عَلى أمْرِ الجَبّارِينَ وأحْوالِهِمْ؛ رَأوا لَهم قُوَّةً وبَطْشًا؛ وتَخَيَّلُوا أنْ لا طاقَةَ لَهم بِهِمْ؛ فَجاؤُوا بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقَضُوا العَهْدَ في أنْ أخْبَرُوهم بِحالِ الجَبّارِينَ؛ حَسْبَما قَدَّمْناهُ في ذِكْرِ بَعْثِ النُقَباءِ؛ ولَمْ يَفِ مِنهم إلّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كَعُّوا؛ وجَبُنُوا؛ وقالُوا: كَوْنُنا عَبِيدًا لِلْقِبْطِ أسْهَلُ مِن قِتالِ هَؤُلاءِ؛ وهَمَّ كَثِيرٌ مِنهم أنْ يُقَدِّمُوا رَجُلًا عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ويَصِيرَ بِهِمْ إلى أرْضِ مِصْرَ؛ مُرْتَدِّينَ عَلى الأعْقابِ؛ ونَسُوا أنَّ اللهَ تَعالى إذا أيَّدَ الضَعِيفَ غَلَبَ القَوِيَّ؛ وأخْبَرُوا مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهم لَنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ ما دامَ الجَبّارُونَ فِيها؛ وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يُخْرِجَ اللهُ الجَبّارِينَ بِجُنْدٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحِينَئِذٍ يَدْخُلُ بَنُو إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف القصة على القصص والمواعظ.

وتقدّم القول في نظائر ﴿ وإذ قال ﴾ في مواضع منها قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربّك للملائكة ﴾ في البقرة (30).

ومناسبة موقع هذه الآيات هنا أنّ القصة مشتملة على تذكير بنعم الله تعالى عليهم وحثّ على الوفاء بما عاقدوا الله عليه من الطاعة تمهيداً لطلب امتثالهم.

وقدّم موسى عليه السلام أمره لبني إسرائيل بحرب الكنعانيين بتذكيرهم بنعمة الله عليهم ليُهيّئ نفوسهم إلى قبول هذا الأمر العظيم عليهم وليُوثقهم بالنصر إن قاتلوا أعداءهم، فذكر نعمة الله عليهم، وعَدّ لهم ثلاث نعم عظيمة: أولاها: } أنّ فيهم أنبياء، ومعنى جَعْل الأنبياء فيهم فيجوز أن يكون في عمود نسبهم فيما مضى مثل يوسف والأسباط وموسى وهارون، ويجوز أن يراد جعل في المخاطبين أنبياءَ؛ فيحتمل أنّه أراد نفسه، وذلك بعد موت أخيه هارون، لأنّ هذه القصّة وقعتْ بعد موت هارون؛ فيكون قوله ﴿ أنبياءَ ﴾ جمعاً أريد به الجنس فاستوى الإفراد والجمع، لأنّ الجنسية إذا أريدت من الجمع بطلت منه الجمعية، وهذا الجِنس انحصر في فرد يومئذٍ، كقوله تعالى ﴿ يحكم بها النبيئون الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ [المائدة: 44] يريد محمداً صلى الله عليه وسلم أو أراد من ظهر في زمن موسى من الأنبياء.

فقد كانت مريم أخت موسى نبيئة، كما هو صريح التوراة (إصحاح 15 من الخروج).

وكذلك ألْدَاد ومَيْدَاد كانا نبيئين في زمنَ موسى، كما في التّوراة (إصحاح11 سفر العدد).

وموقع النعمة في إقامة الأنبياء بينهم أنّ في ذلك ضمانَ الهدى لهم والجري على مراد الله تعالى منهم، وفيه أيضاً حسن ذكر لهم بين الأمم وفي تاريخ الأجيال.

والثانية: أنْ جعلهم ملوكاً، وهذا تشبيه بليغ، أي كالملوك في تصرّفهم في أنفسهم وسلامتهم من العبوديّة الّتي كانت عليهم للقبط، وجعلهم سادة على الأمم التي مرّوا بها، من الآموربين، والعَناقيين، والحشبونيين، والرفائيين، والعمالقة، والكنعانيين، أو استعمل فعل ﴿ جعلكم ﴾ في معنى الاستقبال مثل ﴿ أتى أمر الله ﴾ [النحل: 1] قصداً لتحقيق الخبر، فيكون الخبر بشارة لهم بما سيكون لهم.

والنعمة الثالثة: أنّه آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ومَا صدقُ (ما) يجوز أن يكون شيئاً واحداً ممّا خَصّ الله به بني إسرائيل، ويجوز أن يكون مجموع أشياء إذ آتاهم الشريعة الصحيحة الواسعة الهدى المعصومة، وأيّدهم بالنّصر في طريقهم، وساق إليهم رزقَهُم المنّ والسلوى أربعين سنة، وتولّى تربية نفوسهم بواسطة رُسله.

وقوله: ﴿ يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة ﴾ هو الغرض من الخطاب، فهو كالمقصد بعد المقدّمة، ولذلك كرّر اللفظ الذي ابتدأ به مقالته وهو النداء ب ﴿ يَا قَوم ﴾ لزيادة استحضار أذهانهم.

والأمر بالدخول أمر بالسعي في أسبابه، أي تهيَّأوا للدخول.

والأرض المقدّسة بمعنى المطهّرة المباركة، أي الّتي بارك الله فيها، أو لأنّها قُدّست بدفن إبراهيم عليه السلام في أوّل قرية من قراها وهي حَبْرون.

وهي هنا أرض كنعان من برية (صِين) إلى مدخل (حَمَاة وإلى حبرون).

وهذه الأرض هي أرض فلسطين، وهي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسّط وبين نهر الأردن والبحر الميت فتنتهي إلى (حماة) شمالاً وإلى (غَزّة وحبرون) جنوباً.

وفي وصفها ب ﴿ التي كتب الله ﴾ تحريض على الإقدام لدخولهَا.

ومعنى ﴿ كتب الله ﴾ قَضَى وقدّر، وليس ثمّة كتابة ولكنّه تعبير مجازي شائع في اللّغة، لأنّ الشيء إذا أكده الملتزم به كتبه، كما قال الحارث بن حلّزة: وهل ينقض ما في المهارق الأهواء *** فأطلقت الكتابة على ما لا سبيل لإبطاله، وذلك أنّ الله وعد إبراهيم أن يورثها ذرّيته.

ووعدُ الله لا يُخلف.

وقوله: ﴿ ولا ترتَدّوا على أدباركم ﴾ تحذير ممّا يوجب الانهزام، لأنّ ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال.

والارتداد افتعال من الردّ، يقال: ردّه فارتدّ، والردّ: إرجاع السائر عن الإمضاء في سيره وإعادته إلى المكان الذي سار منه.

والأدبار: جمع دُبُر، وهو الظهر.

والارتداد: الرجوع، ومعنى الرجوع على الأدبار إلى جهة الأدبار، أي الوراء لأنّهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي وهو قد كان من جهة ظهره، كما يقُولون: نكص على عقبيه، وركبوا ظهورهم، وارتدّوا على أدبارهم، وعلى أعقابهم، فعدّي ب ﴿ على ﴾ الدالّة على الاستعلاء، أي استعلاء طريق السير، نزّلت الأدبار الّتي يكون السير في جهتها منزلة الطريق الّذي يسار عليه.

والانقلاب: الرجوع، وأصله الرجوع إلى المنزل قال تعالى: ﴿ فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ﴾ [آل عمران: 174].

والمراد به هنا مطلق المصير.

وضمائر ﴿ فيها ﴾ و ﴿ منها ﴾ تعود إلى الأرض المقدّسة.

وأرادوا بالقوم الجبّارين في الأرض سكّانها الكنعانيين، والعمالقة، والحثيين، واليبوسيين، والأموريين.

والجبّار: القوي، مشتقّ من الجَبْر، وهو الإلزام لأنّ القويّ يجبر النّاس على ما يريد.

وكانت جواسيس موسى الاثنا عشر الّذين بعثهم لارتياد الأرض قد أخبروا القوم بجودة الأرض وبقوّة سكّانها.

وهذا كناية عن مخالفتهم من الأمم الذين يقطنون الأرض المقدّسة، فامتنعوا من اقتحام القرية خوفاً من أهلها، وأكّدوا الامتناع من دخول أرض العدوّ توكيداً قويّاً بمدلول (إنّ) و(لنْ) في ﴿ إنّا لن ندخلها ﴾ تحقيقاً لخوفهم.

وقوله: ﴿ فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون ﴾ تصريح بمفهوم الغاية في قوله: ﴿ وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا منها ﴾ لقصد تأكيد الوعد بدخولها إذا خلت من الجبّارين الذين فيها.

وقد أشارت هذه الآية إلى ما في الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد: «أنّ الله أمر موسى أن يرسل اثني عشر رجلاً جواسيس يتجسّسون أرض كنعان الّتي وعدَها الله بني إسرائيل من كلّ سبط رجلاً؛ فعيّن موسى اثني عشر رجلاً، منهم: يوشع بن نون من سبط أفرايم، ومنهم كالب بن يفنة من سبط يهوذا، ولم يسمّوا بقية الجواسيس.

فجاسوا خلال الأرض من برية صين إلى حماة فوجدوا الأرض ذات ثمار وأعناب ولبن وعسل ووجدوا سكّانها معتزّين، طوال القامات، ومُدنهم حصينة.

فلمّا سمع بنو إسرائيل ذلك وهلوا وبكوا وتذمّروا على موسى وقالوا: لوْ متنا في أرض مصر كان خيراً لنا من أن تغنم نساؤنا وأطفالنا، فقال يوشع وكالب للشعب: إن رَضي الله عنّا يدخلنا إلى هذه الأرض ولكن لا تعصوا الربّ ولا تخافوا من أهلها، فالله معنا.

فأبى القوم من دخول الأرض وغضب الله عليهم.

وقال لموسى: لا يدخل أحد مَن سِنُّه عشرون سنة فصاعداً هذه الأرض إلاّ يوشع وكالباً وكلّكم ستدفنون في هذا القفر، ويكون أبناؤكم رُعاة فيه أربعين سنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى.

﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِأنْ خَلَّصَهم مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَكَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ مِن بَنِي آدَمَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهم جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ دارًا وزَوْجَةً وخادِمًا، فَهو مَلِكٌ مِن سائِرِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

وَقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ [يَأْوِي إلَيْهِ وزَوْجَةٌ] وخادِمٌ، فَهو مَلِكٌ» .

﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَنُّ والسَّلْوى والغَمامُ والحَجَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: هي الشّامُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومَعْنى المُقَدَّسَةِ: المُطَهَّرَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وإنْ قالَ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ.

﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ والجَبّارُ: هو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ إكْراهَهم عَلَيْهِ، ومِنهُ جَبْرُ العَظْمِ، لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، ويُقالُ [لِلْأعْوادِ الَّتِي] تَحْمِلُهُ جُبارَةٌ، إذا قامَتِ اليَدُ طُولًا، لِأنَّها امْتَنَعَتْ كامْتِناعِ الجَبّارِ مِنَ النّاسِ.

وَقِيلَ بَلَغَ مِن جَبَرُوتِ هَؤُلاءِ القَوْمِ، أنَّ واحِدًا مِنهم، أخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى، لِيُخْبِرُوهُ بِحَرْبِهِمْ، فَحَمَلَهم مَعَ فاكِهَةٍ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ، وجاءَ فَنَشَرَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وقالَ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم فَأخْبِرُوهُ خَبَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمْ: يَخافُونَ اللَّهَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: يَخافُونَ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِن قَوْلِ الحَقِّ.

﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ.

والثّانِي: بِالإسْلامِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِنَ النُّقَباءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُما رَجُلانِ، كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإسْلامِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنَّما قالُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَها لَهم.

والثّانِي: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِنَ القَوْلِ الحَقِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ الأرض المقدسة ﴾ قال: هي المباركة.

وأخرج ابن عساكر عن معاذ بن جبل قال: الأرض ما بين العريش إلى الفرات.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ الأرض المقدسة ﴾ قال: هي الشام.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ التي كتب الله لكم ﴾ قال: أمركم الله بها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: أمر القوم كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾ الآية.

المقدسة معناها في اللغة: المُطهّرة (١) (٢) قال قتادة: هي الشام كلها (٣) (٤) (٥) وقال عكرمة والسدي وابن زيد: هي أريحا (٦) الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن (٧) وقوله تعالى: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد فرض عليكم دخولها (٨) وبه قال قتادة، قال: أمروا بها كما أمروا بالصلاة (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل تأويلين: أحدهما: لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله وإلى معصيته (١١) وإلى هذا أشار ابن عباس فقال (١٢) (١٣) والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها (١٤) (١) "معاني الزجاج" 2/ 162، و"بحر العلوم" 1/ 427.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 323.

(٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 172، وانظر: "زاد المسير" 2/ 323.

(٤) جاء هذا القول صريحًا عن مجاهد، انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 172.

(٥) انظر: "لسان العرب" 6/ 3550 (قدس).

(٦) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 172 عن ابن زيد والسدي، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 35.

وأريحا مدينة في الأردن بينها وبين بيت المقدس يوم.

انظر "معجم البلدان" 1/ 165.

(٧) البغوي في "تفسيره" 3/ 35، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 111.

وبهذا القول قال الزجاج.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 162، و"النكت والعيون" 2/ 25.

(٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 324.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 173، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36.

(١٠) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 173، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 36، و"زاد المسير" 2/ 324.

(١١) انظر: "النكت والعيون" 2/ 25، و"زاد المسير" 2/ 324، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 126.

(١٢) في (ش): (قال).

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 173، و"النكت والعيون" 2/ 25، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 126.

وقال القرطبي في "تفسيره" بعد أن ذكر الوجهين: والمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطور، وقيل: دمشق ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي قضى أن تكون لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ ﴾ يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة، والرجوع إلى الطريق الذي جاءوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهموا أن يقدموا على أنفسهم رئيساً ويرجعوا إلى مصر ﴿ قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ هم العمالقة ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ يَخَافُونَ ﴾ أي يخافون الله، وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت لصدق إيمانهما ﴿ ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب ﴾ أي باب المدينة ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ﴿ لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ قاله موسى عليه السلام؛ ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله.

وإعراب أخي عطف على نفسي لأنه أخاه هارون كان يطيعه، وقيل: عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا إلا نفسي ولا يملك أخي إلا نفسه، وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فافرق بَيْنَنَا ﴾ أي فارق بيننا وبينهم فهو من الفرقة، وقيل: افصل بيننا وبينهم بحكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جبارين ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان ﴿ فلا تاس ﴾ بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ ملوكاً ﴾ ز ﴿ جبارين ﴾ ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول.

﴿ حتى يخرجوا منها ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ داخلون ﴾ ه ﴿ الباب ﴾ ج لذلك.

﴿ غالبون ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ قاعدون ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ سنة ﴾ ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله ﴿ الفاسقين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم أنه  كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل.

منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.

وثانيها قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط.

وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً.

وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.

وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس.

وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.

وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً.

وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه.

وثالثها: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم.

وقيل: أراد عالمي زمانهم.

روي أن إبراهيم  لما صعد جبل لبنان قال الله  له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك.

وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد.

ثم بعث موسى  اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي.

فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.

قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا.

فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم.

فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم.

والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك.

وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك.

وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء.

ثم إنها ما هي؟

فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء.

وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: بيت المقدس.

وقيل: الشام ومعنى ﴿ كتب الله لكم ﴾ وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها.

قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.

وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.

وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.

وفي قوله: ﴿ كتب الله لكم ﴾ تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم.

﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى  وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها.

فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.

والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج.

قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك.

ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها.

والقوم الاستبعاد ﴿ إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ كقوله  : ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ ﴿ قال رجلان ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ﴾ أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل ﴿ أنعم الله ﴾ مرفوع صفة لرجلان.

ويحتمل أن يكون جملة معترضة.

قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ يخافون ﴾ لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار ﴿ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى  في قهر أعدائه خاصة ﴿ وعلى الله فتوكّلوا ﴾ الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها.

والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى ﴿ قالوا إنّا لن ندخلها ﴾ نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: ﴿ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ﴾ قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله  أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة.

وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى.

وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه.

قوله ﴿ فقاتلا ﴾ ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة.

ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث ﴿ ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في ﴿ أملك ﴾ أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا.

والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين.

﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين  ﴾ أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: ﴿ فإنها ﴾ أي الأرض المقدسة ﴿ محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة.

أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين.

عن مقاتل أن موسى  لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: ﴿ فلا تأس ﴾ أي لا تحزن ولا تندم ﴿ على القوم الفاسقين ﴾ فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم.

وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد  أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم.

واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟

فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا.

وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله  سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً.

ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون  مات في التيه ومات موسى  بعده فيه بسنة، ودخل يوشع  أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع.

ومنهم من قال: بل بقي موسى  بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله  أعلم.

واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ.

وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.

وقيل: ستة في اثني عشر.

وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.

ثم الأكثرون على أنّ قوله: ﴿ فإنها محرمة ﴾ تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه.

ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟

والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها.

وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه  أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال.

التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله  للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله  ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: ﴿ حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة  ﴾ وفي الآية نكتة هي أنّ موسى  لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.

وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله -  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.

ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً  ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.

ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى -  - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.

وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.

ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .

من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى -  - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى -  - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...

﴾ الآية: دل - قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.

ثم قيل في قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.

والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ  ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .

أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...

﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله -  -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...

﴾ الآية [طه: 44].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال قائلون: إنما طلب موسى -  - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...

﴾ الآية.

قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.

وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى -  - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال موسى: يا قوم، ادخلوا الأرض المطهرة: (بيت المقدس وما حوله) التي وعدكم الله بدخولها وقتال مَن فيها من الكافرين، ولا تنهزموا أمام الجبارين، فيكون مآلكم الخسران في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.wG4A9"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله