الآية ٢٤ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٢٤ من سورة المائدة

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًۭا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا نكول منهم عن الجهاد ، ومخالفة لرسولهم وتخلف عن مقاتلة الأعداء .

ويقال : إنهم لما نكلوا على الجهاد وعزموا على الانصراف والرجوع إلى بلادهم ، سجد موسى وهارون ، عليهما السلام ، قدام ملأ من بني إسرائيل إعظاما لما هموا به ، وشق " يوشع بن نون " و " كالب بن يوفنا " ثيابهما ، ولاما قومهما على ذلك ، فيقال : إنهم رجموهما .

وجرى أمر عظيم وخطر جليل .

وما أحسن ما أجاب به الصحابة ، رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير ، الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان فلما فات اقتناص العير ، واقترب منهم النفير ، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف ، في العدة والبيض واليلب ، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه ، فأحسن ، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أشيروا علي أيها المسلمون " .

وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ .

فقال سعد بن معاذ [ رضي الله عنه ] كأنك تعرض بنا يا رسول الله ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، وما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر في الحرب ، صدق في اللقاء ، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين ، فأشار إليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار : يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قالوا : إذا لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك .

ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد الطويل عن أنس به .

ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد به ، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى عن عبد الأعلى بن حماد عن معمر بن سليمان عن حميد به .

وقال ابن مردويه : أخبرنا عبد الله بن جعفر أخبرنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم حدثنا محمد بن شعيب عن الحسن بن أيوب عن عبد الله بن ناسخ عن عتبة بن عبد السلمي قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " ألا تقاتلون؟

" قالوا : نعم ، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .

وكان ممن أجاب يومئذ المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن مخارق بن عبد الله الأحمسي عن طارق - هو ابن شهاب - : أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر : يا رسول الله ، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون .

هكذا رواه أحمد من هذا الوجه ، وقد رواه من طريق أخرى فقال : حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال : قال عبد الله - هو ابن مسعود - رضي الله عنه : لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما عدل به : أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يدعو على المشركين ، فقال : والله يا رسول الله ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بين يديك ومن خلفك .

فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك ، وسره بذلك .

وهكذا رواه البخاري " في المغازي " وفي " التفسير " من طرق عن مخارق به .

ولفظه في " كتاب التفسير " عن عبد الله قال : قال المقداد يوم بدر : يا رسول الله ، إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكن [ نقول ] امض ونحن معك فكأنه سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم قال البخاري : ورواه وكيع عن سفيان عن مخارق عن طارق أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم : " إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت " .

فقال له المقداد بن الأسود : أما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم : ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون .

فلما سمعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك .

وهذا إن كان محفوظا يوم الحديبية ، فيحتمل أنه كرر هذه المقالة يومئذ كما قاله يوم بدر .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ذكره عن قول الملأ من قوم موسى لموسى، إذ رُغِّبوا في جهاد عدوِّهم، ووعِدوا نصر الله إيَّاهم إن هم ناهضوهم ودخلوا عليهم باب مدينتهم، أنهم قالوا له: " إنا لن ندخلها أبدًا " يعنون: إنا لن ندخل مدينتهم أبدًا.

و " الهاء والألف " في قوله: " إنا لن ندخلها "، من ذكر " المدينة ".

* * * ويعنون بقولهم: " أبدًا "، أيام حياتنا (1) =" ما داموا فيها "، يعنون: ما كان الجبارُون مقيمين في تلك المدينة التي كتبها الله لهم وأُمِروا بدخولها=" فاذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا هاهنا قاعدون "، لا نجيء معك يا موسى إن ذهبت إليهم لقتالهم، ولكن نتركك تذهب أنت وحدك وربُّك فتقاتلانهم.

* * * وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت، وليذهب معك ربك فقاتلا= ولكن معناه: اذهب أنت، يا موسى، وليعنك ربُّك.

وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب.

(2) وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له، لو كان الخبر عن قوم مؤمنين.

فأمّا قومٌ أهلُ خلافٍ على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل وافتروا عليه، إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم.

* * * وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلافَ ما قال قومُ موسى لموسى.

11682 - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن مخارق، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: " اذهب أنت ورَبك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون "، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.

(3) 11683 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صَدّ المشركون الهَدْيَ وحيل بينهم وبين مناسكهم: " إني ذاهب بالهَدْيِ فناحِرُه عند البيت!

فقال له المقداد بن الأسود: أمَا والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذْ قالوا لنبيهم: " اذهب أنت وربك فقاتِلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن: اذهب أنت وربك فقاتِلا إنّا معكم مقاتلون!

فلما سمعها أصحابُ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم تتابعوا على ذلك.

(4) * * * وكان ابن عباس والضحاك بن مزاحم وجماعة غيرهما يقولون: إنما قالوا هذا القول لموسى عليه السلام، حين تبيَّن لهم أمر الجبارين وشدّةُ بطشهم.

11684 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: أمر الله جل وعزّ بني إسرائيل أن يسيروا إلى الأرض المقدسة مع نبيهِّم موسى عليه السلام، فلما كانوا قريبًا من المدينة قال لهم موسى: " ادخلوها "، فأبوا وجبُنوا، وبعثوا اثنى عشر نقيبًا لينظروا إليهم، فانطلقوا فنظروا فجاءوا بحبة فاكهة من فاكهتهم بوِقْر الرجل، فقالوا: اقدُرُوا قوّة قوم وبأسُهم هذه فاكهتهم!

فعند ذلك قالوا لموسى: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ".

11685 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، نحوه.

--------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"أبدا" فيما سلف 9: 227.

(2) هذه مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 160 ، بمعناه ، وبغير لفظه.

(3) الأثر: 11682-"مخارق" ، هو: "مخارق بن عبد الله بن جابر البجلي الأحمسي" ، ويقال: "مخارق بن خليفة".

مترجم في التهذيب.

و"طارق هو"طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي" ، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى عنه مرسلا ، وروى عن الخلفاء الأربعة ، وهو من أصحاب عبد الله بن مسعود.

مترجم في التهذيب.

ومضى برقم: 9744.

وهذا الخبر روي من طريق طارق ، مطولا ومختصرًا.

رواه البخاري مختصرًا ، مرسلا وموصولا في صحيحه (الفتح 8: 205) ، ورواه مطولا موصولا (الفتح 7: 223-227) ، ورواه أحمد مطولا في مسند ابن مسعود برقم: 3698 ، 4070 ، 4376.

وهذا الخبر في مشورة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قبل بدر لما وصل الصفراء ، وبلغه أن قريشًا قصدت بدرًا ، وأن أبا سفيان نجا بما معه ، فاستشار الناس.

وانظر القصة مفصلة في كتب السير.

ثم انظر الخبر التالي ، وأن ذلك كان يوم الحديبية.

(4) الأثر: 11683- كرر في المخطوطة هذا الأثر بإسناده ونصه ، ففي المرة الأولى كتبه إلى قوله: "إنا معكم مقاتلون" ، ثم عاد فكتب الخبر نفسه بإسناده ، وأتمه على وجهه إلى آخره.

والظاهر أنه وقف عند هذا الموضع ، ثم عاد يكتب ، وكان الخبر قبله ينتهي أيضًا بقوله: "إنا معكم مقاتلون" ، فظن أن الذي كتب هو الخبر الأول ، فعاد فكتب الخبر بإسناده من أوله إلى تمامه.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قالوا لموسى : إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها وهذا عناد وحيد عن القتال ، وإياس من النصر .

ثم جهلوا صفة الرب تبارك وتعالى فقالوا فاذهب أنت وربك وصفوه بالذهاب والانتقال ، والله متعال عن ذلك ، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة ; وهو معنى قول الحسن ; لأنه قال : هو كفر منهم بالله ، وهو الأظهر في معنى الكلام ، وقيل : أي : أن نصرة ربك لك أحق من نصرتنا ، وقتاله معك - إن كنت رسوله - أولى من قتالنا ; فعلى هذا يكون ذلك منهم كفر ; لأنهم شكوا في رسالته .

وقيل المعنى : اذهب أنت فقاتل وليعنك ربك ، وقيل : أرادوا بالرب هارون ، وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه .

وبالجملة فقد فسقوا بقولهم ; لقوله تعالى : فلا تأس على القوم الفاسقين أي : لا تحزن عليهم .

إنا هاهنا قاعدون أي : لا نبرح ولا نقاتل ، ويجوز " قاعدين " على الحال ; لأن الكلام قد تم قبله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فلم ينجع فيهم هذا الكلام، ولا نفع فيهم الملام، فقالوا قول الأذلين: { يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } فما أشنع هذا الكلام منهم، ومواجهتهم لنبيهم في هذا المقام الحرج الضيق، الذي قد دعت الحاجة والضرورة إلى نصرة نبيهم، وإعزاز أنفسهم.

وبهذا وأمثاله يظهر التفاوت بين سائر الأمم، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم -حين شاورهم في القتال يوم "بدر" مع أنه لم يحتم عليهم: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ولو بلغت بنا برك الغماد ما تخلف عنك أحد.

ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى: { اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، من بين يديك ومن خلفك، وعن يمينك وعن يسارك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون ) أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول : لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به ، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين ، فقال : لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام : اذهب أنت وربك فقاتلا ، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك ، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره ما قال .

فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم وهمهم بيوشع وكالب غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربُّك فقاتلا» هم «إنا ها هنا قاعدون» عن القتال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال قوم موسى له: إنا لن ندخل المدينة أبدًا ما دام الجبارون فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلاهم، أما نحن فقاعدون هاهنا ولن نقاتلهم.

وهذا إصرارٌ منهم على مخالفة موسى عليه السلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولكن هذه النصيحة الحكيمة من هذين الرجلين المؤمنين ، لم تصادف من بني إسرائيل قلوبا واعية ، ولا آذانا صاغية بل قابلوها بالتمرد والعناد وكرروا لنبيهم موسى عليه السلام - نفيهم القاطع للإِقدام على دخول الأرض المقدسة ما دام الجبارون فيها فقالوا - كما حكى القرآن عنهم : ( ياموسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ) .أي : قالوا غير عابئين بالنصيحة .

بل معلنين العصيان والمخالفة : يا موسى إنا لن ندخل هذه الأرض التي أمرتنا بدخولها في أي وقت من الأوقات ، ما دام أولئك الجبارون يقيمون فيها ، لأننا لا قدرة لنا على مواجهتهم .وقد أكدوا امتناعهم عن دخول هذه الأرض في هذه المرة بثلاث مؤكدات ، هي : إن ، ولن ، وكلمة أبدا .أي : لن ندخلها بأي حال من الأحوال ما دام الجبارون على قيد الحياة ويسكنون فيها .ثم أضافوا إلى هذا القول الذي يدل على جبنهم وخورهم ، سلاطة في اللسان ، وسوء أدب في التعبير ، وتطاولا على نبيهم فقالوا : ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .أي : إذا كان دخول هذه الأرض يهمك أمره ، فاذهب أنت وربك لقتال سكانها الجبابرة وأخرجاهم منها لأنه - سبحانه - ليس ربا لهم - في زعمهم - إن كانت ربوبيته تكلفهم قتال سكان تلك الأرض .وقولهم : ( إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) تأكيد منهم لعدم دخولهم لتلك الأرض المقدسة .أي : إنا ها هنا قاعدون في مكاننا لن نبرجه ، ولن نتقدم خطوة إلى الأمام لأن كل مجد وخير يأتينا عن طريق قتال الجبارين فنحن في غنى عنه ، ولا رغبة لنا فيه .وإن هذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم ، ليدل على الخسة وسقوط الهمة ، لأن القعود في وقت وجوب النشاط للعمل الصالح يؤدي بصاحبه إلى المذمة ، والمذلة ، قال - تعالى - ذمٍّا لأمثالهم : ( وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين ) قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله - تعالى - حكاية عنهم : ( فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا ) قالوا ذلك استهانة واستهزاء به - سبحانه - وبرسوله موسى وعدم مبالاة .

وقصدوا ذهابهما حقيقة كما ينبئ عنه غاية جهلهم ، وقسوة قلوبهم والمقابلة : ( إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي قوله: ﴿ اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ وجوه: الأول: لعلّ القوم كانوا مجسمة، وكانوا يجوزون الذهاب والمجيء على الله تعالى.

الثاني: يحتمل أن لا يكون المراد حقيقة الذهاب بل هو كما يقال: كلمته فذهب يجيبني، يعني يريد أن يجيبني، فكأنهم قالوا: كن أنت وربك مريدين لقتالهم، والثالث: التقدير: اذهب أنت وربك معين لك بزعمك فأضمر خبر الابتداء.

فإن قيل: إذا أضمرنا الخبر فكيف يجعل قوله: ﴿ فَقَاتِلا ﴾ خبراً أيضاً؟

قلنا: لا يمتنع خبر بعد خبر، والرابع: المراد بقوله: ﴿ وَرَبُّكَ ﴾ أخوه هارون، وسموه رباً لأنه كان أكبر من موسى.

قال المفسرون: قولهم: ﴿ اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ إن قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر، وإن قالوه على وجه التمرد عن الطاعة فهو فسق، ولقد فسقوا بهذا الكلام بدليل قوله تعالى في هذه القصة ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين  ﴾ والمقصود من هذه القصة شرح خلاف هؤلاء اليهود وشدة بغضهم وغلوهم في المنازعة مع أنبياء الله تعالى منذ كانوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء ﴾ لأنه لم يبعث في أمّة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ لأنه ملكهم بعد فرعون ملكه، وبعد الجبابرة ملكهم: ولأنّ الملوك تكاثروا فيهم تكاثر الأنبياء.

وقيل: كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله، فسمِّي إنقاذهم ملكاً.

وقيل: الملك من له مسكن واسع فيه ماء جار.

وقيل: من له بيت وخدم.

وقيل: من له مال لا يحتاج معه إلى تكلّف الأعمال وتحمل المشاق ﴿ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين ﴾ من فلق البحر، وإغراق العدوّ، وتظليل الغمام، وإنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم ﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ يعني أرض بيت المقدس.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: الشام.

وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن.

وقيل: سمَّاها الله لإبراهيم ميراثاً لولده حين رفع على الجبل، فقيل له: انظر، فلك ما أدرك بصرك، وكان بيت المقدس قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ قسمها لكم وسماها، أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم ﴾ ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبناً وهلعاً، وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة رفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا: ليتنا متنا بمصر.

وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر.

ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بمخالفتكم أمر ربكم وعصيانكم نبيكم: فترجعوا خاسرين ثواب الدنيا والآخرة.

الجبار (فعال) من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما كالب ويوشع ﴿ مِنَ الذين يَخَافُونَ ﴾ من الذين يخافون الله ويخشونه، كأنه قيل: رجلان من المتقين.

ويجوز أن تكون الواو لبني إسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف تقديره: من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون، وهما رجلان منهم ﴿ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بالإيمان فآمنا، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها، فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم يشجعانهم على قتالهم.

وقراءة من قرأ: ﴿ يخافون ﴾ بالضم شاهدة له، وكذلك أنعم الله عليهما، كأنه قيل: من المخوفين.

وقيل: هو من الإخافة، ومعناه من الذين يخوفون من الله بالتذكرة والموعظة.

أو يخوّفهم وعيد الله بالعقاب.

فإن قلت: ما محل (أنعم الله عليهما)؟

قلت: إن انتظم مع قوله: (من الذين يخافون) في حكم الوصف لرجلان فمرفوع، وإن جعل كلاماً معترضاً فلا محلّ له.

فإن قلت: من أين علما أنهم غالبون؟

قلت: من جهة إخبار موسى بذلك.

وقوله تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ وقيل: من جهة غلبة الظن وما تبينا من عادة الله في نصرة رسله، وما عهدا من صنع الله لموسى في قهر أعدائه، وما عرفا من حال الجبابرة.

والباب: باب قريتهم ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَا ﴾ نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس.

و ﴿ أَبَدًا ﴾ تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول.

و ﴿ مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ بيان للأبد ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ يحتمل أن لا يقصدوا حقيقة الذهاب، ولكن كما تقول: كلمته فدهب يجيبني، تريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا: أريد قتالهم.

والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة بجهلهم وجفاهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل وسألوا بها رؤية الله عزّ وجلّ جهرة.

والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم ويحكى أنّ موسى وهارون عليهما السلام خرَّا لوجوههما قدَّامهم لشدة ما ورد عليهما، فهموا برجمهما.

ولأمر مّا قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ ﴾ [المائدة: 82] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ﴾ نَفَوْا دُخُولَهم عَلى التَّأْكِيدِ والتَّأْبِيدِ.

ما ﴿ دامُوا فِيها ﴾ بَدَلٌ مِن أبَدًا بَدَلُ البَعْضِ.

﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقِيلَ تَقْدِيرُهُ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ يُعِينُكَ.

﴿ قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ قالَهُ شَكْوى بَثِّهِ وحُزْنِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِما خالَفَهُ قَوْمُهُ وأيِسَ مِنهُمْ، ولَمْ يَبْقَ مَعَهُ مُوافِقٌ يَثِقُ بِهِ غَيْرُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والرَّجُلانِ المَذْكُورانِ وإنْ كانا يُوافِقانِهِ لَمْ يَثِقْ عَلَيْهِما لِما كابَدَ مِن تَلَوُّنِ قَوْمِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِأخِي مَن يُواخِينِي في الدِّينِ فَيَدْخُلانِ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلى نَفْسِي، أوْ عَلى اسْمِ أنَّ ورَفْعُهُ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ، أوْ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وجَرُّهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في نَفْسِي.

﴿ فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وتَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ، أوْ بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قالوا يا موسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا} هذا نفي لدخولهم في المستقبل على وجه التوكيد {أَبَدًا} تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول {مَّا دَامُواْ فِيهَا} بيان للأبد {فاذهب أنت وربك}

المائدة (٢٤ _ ٢٧)

من العلماء من حمله على الظاهر وقال إنه كفر منهم وليس كذلك إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً وكفروا به لحاربهم موسى ولم تكن مقاتلة الجبارين أولى من مقاتلة هؤلاء ولكن الوجه فيه أن يقال فاذهب أنت وربك يعينك على قتالك أو وربك أى وسيدك وهو

اخوك الأكبر هرون أو لم يرد به حقيقة الذهاب ولكن كما نقول كلمته فذهب يجيبني تريد معنى الإرادة كأنهم قالوا أريد قتالهم {فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ماكثون لا نقاتلهم لنصرة دينكم فلما عصوه وخالفوه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالُوا ﴾ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما وبِمَقالَتِهِما مُخاطِبِينَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إظْهارًا لِإصْرارِهِمْ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وتَصْرِيحًا بِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها ﴾ أيْ أرْضَ الجَبابِرَةِ، فَضْلًا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ وهم في بَلَدِهِمْ ﴿ أبَدًا ﴾ أيْ دَهْرًا طَوِيلًا، أوْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ كُلِّهِ ﴿ ما دامُوا فِيها ﴾ أيْ في تِلْكَ الأرْضِ، وهو بَدَلٌ مِن ( أبَدًا ) بَدَلُ البَعْضِ، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِوُقُوعِهِ بَيْنَ النَّكِرَتَيْنِ، ومِثْلُهُ في الإبْدالِ قَوْلُهُ: وأكْرِمْ أخاكَ الدَّهْرَ ما دُمْتُما مَعًا كَفى بِالمَماتِ فُرْقَةً وتَنائِيًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ما دُمْتُما بَدَلٌ مِنَ الدَّهْرِ.

﴿ فاذْهَبْ ﴾ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( فاذْهَبْ ﴿ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا ﴾ أيْ فَقاتِلاهم وأخْرِجاهم حَتّى نَدْخُلَ الأرْضَ، وقالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً واسْتِهْزاءً بِهِ سُبْحانَهُ وبِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَمَ مُبالاةٍ، وقَصَدُوا ذَهابَهُما حَقِيقَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ غايَةُ جَهْلِهِمْ وقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ، والمُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ .

وقِيلَ: أرادُوا إرادَتَهُما وقَصْدَهُما، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، كَأنَّهم قالُوا: فَأرِيدا قِتالَهم واقْصُداهم.

وقالَ البَلْخِيُّ: المُرادُ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ يُعِينُكَ، فالواوُ لِلْحالِ و( أنْتَ ) مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ولا يُساعِدُهُ ( فَقاتِلا ) ولَمْ يَذْكُرُوا أخاهُ هارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ولا الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قالا، كَأنَّهم لَمْ يَجْزِمُوا بِذَهابِهِمْ، أوْ لَمْ يَعْبَأُوا بِقِتالِهِمْ، وأرادُوا بِالقُعُودِ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ أيْضًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني: احفظوا منة الله عليكم ونعمته إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال في رواية الكلبي: يعني السبعين سوى موسى وهارون عليهما السلام، وهم الذين اختارهم موسى فانطلقوا معه إلى الجبل.

ويقال: إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ يعني في بني إسرائيل، فكان فيهم أربعة آلاف نبي- عليهم السلام- ثم قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني: بعد العبودية لفرعون.

قال ابن عباس: إن الرجل إذا لم يدخل عليه أحد في بيته إلا بإذنه فهو ملك.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً أي جعل لكم أزواجاً وخدماً وبيوتاً وبنين.

ويقال: من استغنى عن غيره فهو ملك.

وهذا كما قال النبي  : «مَنْ أَصْبَحَ آمِناً فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي بَدَنِهِ وَلَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» ثم قال: وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ يعني أعطاكم ما لم يعط أحداً من الخلق، وهو: المن والسلوى والغمام وغير ذلك.

ثم قال عز وجل: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ يعني المطهرة، والمقدسة في اللغة هو المكان الذي يتطهر فيه، فتأويله البيت الذي يتطهر فيه الإنسان من الذنوب.

ثم قال: الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي أمركم الله أن تدخلوها.

ويقال: التي وعد لإبراهيم أن يكون ذلك له ولذريته، وذلك أن الله وعد لإبراهيم أن يكون له مقدار ما يمد بصره فصار ذلك ميراثاً منه حين خرج إبراهيم-  - فقال له جبريل: انظر يا إبراهيم.

فنظر فقال: يعطي الله تعالى لك ولذريتك مقدار مد بصرك من الملك.

وهي أرض فلسطين وأردن وما حولهما.

فقال موسى لقومه: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني التي جعل لأبيكم إبراهيم-  - ولكم ميراث منه وقال القتبي: أصل الكتاب ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ، ثم يتفرع منه المعاني.

ويقال: كتب يعني قضى كما قال: قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا [التوبة: 51] ويقال: كتب أي فرض كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ أي فرض ويقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ أي جعل كما قال: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ويقال: كتب أي أمر.

كما قال: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني أمر الله لكم بدخولها.

قال: ويقال كتب هاهنا بمعنى جعل.

ثم قال تعالى: وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ يعني لا ترجعوا عما أمرتم به من الدخول فَتَنْقَلِبُوا أي فتصيروا خاسِرِينَ بفوات الدرجات ووجوب الدركات، أي مغبونين في العقوبة، فبعث موسى-  - اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً يأتيهم بخبر الجبارين، فلما أتوهم لقيهم بعض أصحاب تلك المدينة جاءوا وأخذوا أصحاب موسى، فجعل كل رجل رجلين من أصحاب موسى-  - في كمه، حتى جاءوا بهم إلى الملك.

ويقال: لقيهم رجل واحد اسمه «عوج» ، فاحتملهم في ثوبه وأتى بهم حتى ألقاهم بين يدي الملك فنظر إليهم وقال: هؤلاء يريدون أن يأخذوا مدينتنا.

فأراد قتلهم فقالت امرأته: أيش تصنع بقتل هؤلاء الضعفاء؟

ويكفيهم ما رأوا من أمر القوم وأمر هذه البلدة.

فأنعِم عليهم ودعهم حتى يرجعوا ويذهبوا إلى موسى وقومه بالخبر، فأرسلهم الملك وأعطاهم عنقوداً من العنب فحملوه على عمودين، فرجعوا إلى موسى-  - وقالوا فيما بينهم: لا تخبروا قوم موسى بهذا الخبر، فإنهم يجبنون عن القتال، والله تعالى قد وعد لموسى بأن يفتح عليهم هذه البلدة، ولا تخبروا أحداً سوى موسى.

فلما رجعوا أخبروا بخبرهم إلا اثنين منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا.

فلما أمر موسى قومه بدخول البلدة قالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ قال مقاتل: يعني طول كل رجل منهم ستة أذرع ونصف.

وقال الكلبي: طول كل رجل منهم ثمانون ذراعاً.

وقال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد.

ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها يعني من تلك البلدة، وهي الأرض المقدسة واسمها إيلياء.

ويقال مدينة أخرى يقال لها أريحا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ يعني يوشع بن نون وكالب مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإسلام، ويقال من الذين يخافون الجبارين أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فلم يخافا وصدقا في مقالتهما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وهي أريحا أو إيلياء فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ يعني أن القوم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، فتكونوا غالبين وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا يعني فثقوا بأنه ناصركم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني: مصدقين بوعد الله تعالى، فقال لهم موسى: ادخلوا عليهم قالُوا يَا مُوسى أتصدق اثنين وتكذب العشرة إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً مَّا دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا يعني: قل لربك أن ينصرك عليهم كما نصرك على فرعون.

وقال أبو عبيدة: يعني اذهب فقاتل وليقاتل معك ربك، وليتم أمرك كما أتم قبل ذلك فهو يعينك، فإنا لا نستطيع قتال الجبابرة.

ويقال: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ يعني أنت وسيدك هارون، لأن هارون كان أكبر منه بسنتين أو بثلاث سنين فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ فغضب موسى-  - مِنَ قولهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي هارون.

وقال الزجاج: لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يحتمل معنيين، أحدهما: لا أملك إلا نفسى، وأخي لا يملك إلا نفسه.

ويحتمل: لا أملك إلا نفسي وأخي، لأن أخاه كان مطيعاً له فهو يملك طاعته.

ثم قال: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني: اقضِ بيننا وبين القوم العاصين.

ثم قال الله تعالى: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ يعني الأرض المقدسة، دخولها محرم عليهم أَرْبَعِينَ سَنَةً ثم قال: يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ضلالاً يعني: يتحيرون فيها ولا يعرفون وجه الخروج منها ضلالاً في التيه.

ويقال: فإنها محرمة عليهم، وتم الكلام.

ثم قال أربعين سنة يتيهون في الأرض، فعمي عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار وسيّرهم بالليل، يسهرون ليلتهم ويصبحون حيث أمسوا، وكان التيه بين فلسطين وأيلة ست فراسخ في اثني عشر فرسخاً، فمكثوا فيها أربعين سنة لم يقدروا على الخروج منها.

قال بعضهم: لم يكن موسى وهارون عليهما السلام في التيه، لأن الأنبياء لا يعذبون وقال بعضهم: كانا فيه وسهل الله تعالى عليهما كما سهل على إبراهيم-  - النار، وجعلها برداً وسلاماً.

ويقال: إن موسى وهارون قد ماتا في التيه، وهلكت تلك العصابة ولم يبقَ منهم إلا يوشع وكالب، فخرج يوشع بذرياتهم إلى تلك المدينة، وفتحوها عند غروب الشمس.

وذكر في الخبر أن يوشع دعا بأن ترد الشمس فردت ثلاث ساعات حتى فتحوا البلدة، فاختلفت النجوم عن مجاريها من ذلك اليوم، فخفي على المنجمين، فلما بقوا في التيه ندم موسى على دعائه، فأوحى الله تعالى إليه فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ يعني لا تحزن على قوم سميتهم فاسقين.

وقال بعضهم: هذا الخطاب لمحمد  لا تحزن على قومك إن لم يؤمنوا.

ويقال: أَرْبَعِينَ سَنَةً صار نصباً بمعنى يتيهون لأن في التفسير، إن دخلوها لم يكن محرم عليهم أبداً.

كذا قاله ابن عباس  .

وإنما دخلها أولادهم.

وقال قوم: حرمت أربعين سنة فكانوا يتيهون أربعين سنة وفتحوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال «١» الطبريُّ: ولا يختلف أنَّها بيْنَ الفُرَاتِ وعريشِ مِصْرَ.

قال ع «٢» : وتظاهرت الرواياتُ أنَّ «دِمَشْقَ» هي قاعدةُ الجَبَّارِينَ، ثم حذَّرهم موسى الارتداد على الأدبار، وذلك هو الرجوعُ القهقرى، والخاسرُ: الذي قد نقص حظُّه، ثم ذكر عز وجل أنهم تعنّتوا ونكصوا، فقالوا: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ، والجَبَّار: من الجَبْر كأنه لِقُدْرته وغَشْمه وبَطْشه يَجْبُرُ الناس على إرادته، والنَّخْلَةُ الجُبَارَةُ: العاليةُ التي لا تُنَالُ بيدٍ، وكان من خبر الجَبَّارين أنهم كانوا أهلَ قوَّة، فلما بعث موسى الإثْنَيْ عَشَرَ نقيباً مُطَّلِعِينَ من أمر الجبَّارين، وأحوالهم، رأَوْا لهم قوةٌ وبطْشاً وتخيَّلوا أن لا طاقة لهم بهم، فتعاقدوا بينهم على أنْ يُخْفُوا ذلك مِنْ بني إسرائيل، وأنْ يعلموا به موسى ليرى فيه أمر ربه، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل، خان منهم عَشَرة، فعرَّفوا قراباتِهِمْ، ومَنْ وثِقُوا به، ففشا الخَبَر حتى اعوجّ أمر بني إسرائيل، وقالوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] ، ولم يفِ مِنَ النُّقَبَاء إلا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يوفتّا/، ويقال فيه: «كالوث» (بثاء مثلّثة) .

وقوله تعالى: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي: يخافُونَ اللَّه سبحانَهُ قال أكْثر المفسِّرين: الرجُلاَن يُوشَعُ بنُ نُونٍ، وهو ابنُ أخْتِ موسى، وكَالِبُ بْنُ يُوفَتَّا، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالإيمان الصحيحِ، ورَبْطِ الجَأْشِ، والثبوتِ، وقولهم: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ...

الآية: عبارةٌ تقتضي كفراً، وقيل: المعنى: فاذهب أنْتَ وربك يعينُكَ، وأنَّ الكلام معصية لا كُفْر، وذكر ابن إسحاق وغيره أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كلَّم النَّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَالَ لَهُمْ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ المِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَسْنَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، وَلَكِنْ نَقُولُ: اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ «٣» ، ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بنَحْوِ هذا المعنى» ، ولما

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالُوا لَهُ: انْظُرْ كَما صَنَعَ رَبُّكَ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، فَلْيَصْنَعْ بِهَؤُلاءِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: فاذْهَبْ أنْتَ وسَلْ رَبَّكَ النَّصْرَ.

وقالَ غَيْرُهُما: اذْهَبْ أنْتَ ولْيُعِنْكَ رَبُّكَ.

«قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ المِقْدادِ مَشْهَدًا لَأنْ أكُونَ صاحِبَهُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عُدِلَ بِهِ، أتى النَّبِيَّ  وهو يَدْعُو عَلى المُشْرِكِينَ، فَقالَ: لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَ قَوْمُ مُوسى لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنّا نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ، ومِن بَيْنِ يَدَيْكَ ومِن خَلْفِكَ.

فَرَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  أشْرَقَ لِذَلِكَ وجْهُهُ وسُرَّ بِهِ.» وقالَ أنَسٌ: «اسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ  النّاسَ يَوْمَ خَرَجَ إلى بَدْرٍ، فَأشارَ عَلَيْهِ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشارَهم، فَأشارَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَسَكَتَ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: إنَّما يُرِيدُكم، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ!

لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولَكِنْ واللَّهِ لَوْ ضَرَبْتَ أكْبادَها حَتّى تَبْلُغَ بِرَكَ الغِمادِ لَكُنّا مَعَكَ.» <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ وعَلى اللهُ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: "يُخافُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَخافُونَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: اَلرَّجُلانِ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ؛ وهو ابْنُ أُخْتِ مُوسى ؛ وكالِبُ بْنُ يُوقَنا؛ ويُقالُ فِيهِ: "كِلابٌ"؛ ويُقالُ: "كالُوثُ" بِثاءٍ مُثَلَّثَةٍ؛ ويُقالُ في اسْمِ أبِيهِ: "قافِيا"؛ وهو صِهْرُ مُوسى عَلى أُخْتِهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: اِسْمُ زَوْجَتِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ ؛ ومَعْنى "يَخافُونَ"؛ أيْ: اَللَّهَ؛ وأنْعَمَ عَلَيْهِما بِالإيمانِ الصَحِيحِ؛ ورَبْطِ الجَأْشِ؛ والثُبُوتِ في الحَقِّ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: يَخافُونَ العَدُوَّ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِما بِالإيمانِ؛ والثُبُوتِ؛ مَعَ خَوْفِهِما؛ ويُقَوِّي التَأْوِيلَ الأوَّلَ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما"؛ وأمّا مَن قَرَأ بِضَمِّ الياءِ فَلِقِراءَتِهِ ثَلاثَةُ مَعانٍ؛ أحَدُها: ما رُوِيَ مِن أنَّ الرَجُلَيْنِ كانا مِنَ الجَبّارِينَ؛ آمَنا بِمُوسى واتَّبَعاهُ؛ فَكانا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُخافُونَ؛ لَكِنْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ بِمُوسى؛ فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا؛ والمَعْنى الثانِي أنَّهُما يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ لَكِنَّهُما مِنَ الَّذِينَ يُوَقَّرُونَ ويُسْمَعُ كَلامُهُمْ؛ ويُهابُونَ لِتَقْواهُمْ؛ وفَضْلِهِمْ؛ فَهم يُخافُونَ بِهَذا الوَجْهِ؛ والمَعْنى الثالِثُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مِن "أخافَ"؛ والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ بِأوامِرِ اللهِ ونَواهِيهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وزَجْرِهِ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ مَدْحًا لَهم عَلى نَحْوِ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى  ﴾ ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِما ﴾ صِفَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ.

والبابُ: هو بابُ مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فِيما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ؛ والمَعْنى: "اِجْتَهِدُوا؛ وكافِحُوا؛ حَتّى تَدْخُلُوا البابَ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ ؛ ظَنٌّ مِنهُما؛ ورَجاءٌ وقِياسٌ؛ أيْ: إنَّكم بِذَلِكَ تَفُتُّونَ في أعَضادِهِمْ؛ ويَقَعُ الرُعْبُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَتَغْلِبُونَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "عَلَيْهِما ويْلَكُمُ ادْخُلُوا"؛ وقَوْلُهُما: ﴿ وَعَلى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّهُما اسْتَرابا بِإيمانِهِمْ حِينَ رَأياهم يَعْصُونَ الرَسُولَ؛ ويَجْبُنُونَ؛ مَعَ وعْدِ اللهِ تَعالى لَهم بِالنَصْرِ.

ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَجُّوا في عِصْيانِهِمْ؛ وسَمِعُوا مِنَ العَشَرَةِ النُقَباءِ الجَواسِيسِ الَّذِينَ خَوَّفُوهم أمْرَ الجَبّارِينَ؛ ووَصَفُوا لَهم قُوَّةَ الجَبّارِينَ؛ وعِظَمَ خَلْقِهِمْ؛ فَصَمَّمُوا عَلى خِلافِ أمْرِ اللهِ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ؛ وهَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي كُفْرًا؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ المَعْنى: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ورَبُّكَ يُعِينُكَ"؛ وأنَّ الكَلامَ مَعْصِيَةٌ؛ لا كُفْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُمْ: "فَقاتِلا"؛ يَقْطَعُ بِهَذا التَأْوِيلِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُرادَ بِالرَبِّ - هُنا - هارُونُ؛ لِأنَّهُ كانَ أسَنَّ مِن مُوسى؛ وكانَ مُعَظَّمًا في بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُحَبَّبًا لِسَعَةِ خُلُقِهِ؛ ورَحْبِ صَدْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: "اِذْهَبْ أنْتَ وكَبِيرُكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ؛ وهارُونُ إنَّما كانَ وزِيرًا لِمُوسى؛ وتابِعًا لَهُ في مَعْنى الرِسالَةِ؛ ولَكِنَّهُ تَأْوِيلٌ يُخَلِّصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الكُفْرِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَمّا عَزَمَ عَلى قِتالِ قُرَيْشٍ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ جَمَعَ العَسْكَرَ؛ وكَلَّمَ الناسَ في ذَلِكَ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: لَسْنا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ﴿ فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ﴾ ؛ لَكِنّا نَقُولُ: "اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ"؛» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ الأنْصارَ قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجَمِيعُ هَذا وهْمٌ؛ غَلِطَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ - في وقْتِ النازِلَةِ؛ وغَلِطَ النَقّاشُ في قائِلِ المَقالَةِ؛ والكَلامُ إنَّما وقَعَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ حِينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ذَفِرانَ؛ فَكَلَّمَ الناسَ وقالَ لَهُمْ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ؛ فَقالَ لَهُ المِقْدادُ هَذِهِ المَقالَةَ في كَلامٍ طَوِيلٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ تَكَلَّمَ مِنَ الأنْصارِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ بِنَحْوِ هَذا المَعْنى؛ ولَكِنْ سَبْقَهُ المِقْدادُ إلى التَمْثِيلِ بِالآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَمَثُّلُ المِقْدادِ بِها؛ وتَقْرِيرُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِذَلِكَ؛ يَقْتَضِي أنَّ الرَبَّ إنَّما أُرِيدَ بِهِ اللهُ تَعالى؛ ويُؤْنِسُ أيْضًا في إيمانِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المِقْدادَ قَدْ قالَ: اِذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا؛ ولَيْسَ لِكَلامِهِ مَعْنًى إلّا أنَّ اللهَ تَعالى يُعِينُكَ؛ ويُقاتِلُ مَعَكَ مَلائِكَتُهُ ونَصْرُهُ؛ فَعَسى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أرادَتْ ذَلِكَ؛ أيْ: "اِذْهَبْ أنْتَ؛ ويُخْرِجُهُمُ اللهُ بِنَصْرِهِ وقُدْرَتِهِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وحِينَئِذٍ نَدْخُلُها"؛ لَكِنْ قَبُحَتْ عِبارَتُهم لِاقْتِرانِ النُكُولِ بِها؛ وحَسُنَتْ عِبارَةُ المِقْدادِ لِاقْتِرانِ الطاعَةِ والإقْدامِ بِها.

ولَمّا سَمِعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قَوْلَهُمْ؛ ورَأى عِصْيانَهُمْ؛ تَبَرَّأ إلى اللهِ تَعالى مِنهُمْ؛ وقالَ داعِيًا عَلَيْهِمْ: ﴿ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي ﴾ ؛ يَعْنِي هارُونَ؛ وقَوْلُهُ: "وَأخِي"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ رَفْعًا؛ إمّا عَلى الِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: وأخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ؛ وإمّا عَلى العَطْفِ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي في "أمْلِكُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "لا أمْلِكُ أنا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُهُ نَصْبًا؛ عَلى العَطْفِ عَلى "نَفْسِي"؛ وذَلِكَ لِأنَّ هارُونَ كانَ يُطِيعُ مُوسى؛ فَلِذَلِكَ أخْبَرَ أنَّهُ يَمْلِكُهُ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "إلّا نَفْسِيَ وأخِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِما؛ وقَوْلُهُ: "فافْرُقْ بَيْنَنا"؛ دُعاءُ حَرَجٍ؛ قالَ السُدِّيُّ: هي عَجَلَةٌ عَجِلَها مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُما: اَلْمَعْنى: "اِفْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم بِحُكْمٍ؛ وافْتَحْ"؛ فالمَعْنى: "اُحْكم بِحُكْمٍ يُفَرِّقُ هَذا الِاخْتِلافَ؛ ويَلُمُّ الشَعَثَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في الدُعاءِ عَجَلَةٌ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: "فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَهم في الآخِرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ مَنزِلَةُ المُطِيعِ مُفارِقَةً لِمَنزِلَةِ العاصِي الفاسِقِ"؛ ويَحْتَمِلُ الدُعاءُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "فُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ"؛ بِمَعْنى أنْ يَقُولَ: "فَقَدْنا وُجُوهَهُمْ؛ وفُرِّقَ بَيْنَنا وبَيْنَهم حَتّى لا نَشْقى بِفِسْقِهِمْ"؛ وبِهَذا الوَجْهِ تَجِيءُ العَجَلَةُ في الدُعاءِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "فافْرِقْ" بِكَسْرِ الراءِ.

﴿ قالَ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ ﴾ ؛ اَلْمَعْنى: "قالَ اللهُ "؛ وأُضْمِرَ الفاعِلُ في هَذِهِ الأفْعالِ كُلِّها إيجازًا؛ لِدَلالَةِ مَعْنى الكَلامِ عَلى المُرادِ؛ وحَرَّمَ اللهُ تَعالى عَلى جَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ دُخُولَ تِلْكَ المَدِينَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ وتَرَكَهم خِلالَها يَتِيهُونَ في الأرْضِ؛ أيْ: في أرْضِ تِلْكَ النازِلَةِ؛ وهو فَحْصُ التِيهِ؛ وهو - عَلى ما يُحْكى - طُولَ ثَمانِينَ مِيلًا؛ في عَرْضِ سِتَّةِ فَراسِخَ؛ وهو ما بَيْنَ مِصْرَ والشامِ؛ ويُرْوى أنَّهُ اتَّفَقَ أنَّهُ ماتَ كُلُّ مَن كانَ قالَ: ﴿ إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ﴾ ؛ ولَمْ يَدْخُلِ المَدِينَةَ أحَدٌ مِن ذَلِكَ الجِيلِ إلّا يُوشَعُ؛ وكالُوثُ؛ ويُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ في فَحْصِ التِيهِ؛ في خِلالِ هَذِهِ المُدَّةِ؛ ولَمْ يُخْتَلَفْ في هَذا؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - ماتَ فِيهِ بَعْدَ هارُونَ بِثَمانِيَةِ أعْوامٍ؛ وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ ونَصْفٍ؛ وأنَّ يُوشَعَ نُبِّئَ بَعْدَ كَمالِ الأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وخَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ وقاتَلَ الجَبّارِينَ؛ وفَتَحَ المَدِينَةَ؛ وفي تِلْكَ الحَرْبِ وقَفَتْ لَهُ الشَمْسُ ساعَةً حَتّى اسْتَمَرَّ هَزْمُ الجَبّارِينَ؛ ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - عاشَ حَتّى كَمُلَتِ الأرْبَعُونَ؛ وخَرَجَ بِالناسِ؛ وحارَبَ الجَبّارِينَ؛ ويُوشَعُ وكالَبُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ؛ وأنَّهُ فَتَحَ المَدِينَةَ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ عُوجَ بْنَ عِناقٍ؛ يُقالُ: كانَ في طُولِ مُوسى عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وفي طُولِ عَصاهُ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وتَرامى مِنَ الأرْضِ في السَماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ؛ وحِينَئِذٍ لَحِقَ كَعْبَ عُوجٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ في كَعْبِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا؛ ويُرْوى أنَّ عُوجًا اقْتَلَعَ صَخْرَةً لِيَطْرَحَها عَلى عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَبَعَثَ اللهُ هُدْهُدًا بِحَجَرِ الماسِ؛ فَأدارَهُ عَلى الصَخْرَةِ فَتَقَوَّرَتْ؛ ودَخَلَتْ في عُنُقِ عُوجٍ؛ وضَرَبَهُ مُوسى؛ فَماتَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ طُولَ عُوجٍ ثَمانِمِائَةِ ذِراعٍ؛ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لَمّا خَرَّ كانَ جِسْرًا عَلى النِيلِ سَنَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنِيلُ لَيْسَ في تِلْكَ الأقْطارِ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ واللهُ أعْلَمُ؛ وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ أنَّ مُوسى وهارُونَ لَمْ يَكُونا في التِيهِ؛ والعامِلُ في "أرْبَعِينَ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "مُحَرَّمَةٌ"؛ أيْ: "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ ويَتِيهُونَ في الأرْضِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ تُفْتَحُ عَلَيْهِمْ؛ أدْرَكَ ذَلِكَ مَن أدْرَكَهُ؛ وماتَ قَبْلَهُ مَن ماتَ"؛ وخَطَّأ أبُو إسْحاقَ أنْ يَكُونَ العامِلُ "مُحَرَّمَةٌ"؛ وذَلِكَ مِنهُ تَحامُلٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ "يَتِيهُونَ"؛ مُضْمَرًا؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ "يَتِيهُونَ"؛ اَلْمُتَأخِّرُ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ ﴾ ؛ إخْبارٌ مُسْتَمِرٌّ؛ تَلَقَّوْا مِنهُ أنَّ المُخاطَبِينَ لا يَدْخُلُونَها أبَدًا؛ وأنَّهم - مَعَ ذَلِكَ - يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ يَمُوتُ فِيها مَن ماتَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أصْعَبُ مَوْقِفًا؛ وأحْضَرُ يَأْسًا؛ ورُوِيَ أنَّ مَن كانَ قَدْ جاوَزَ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يَعِشْ إلى الخُرُوجِ مِنَ التِيهِ؛ وأنَّ مَن كانَ دُونَ العِشْرِينَ عاشُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ لَمْ يَعِشِ المُكَلَّفُونَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ الزَجّاجُ.

والتِيهُ: اَلذَّهابُ في الأرْضِ إلى غَيْرِ مَقْصِدٍ مَعْلُومٍ؛ ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَرْحَلُونَ بِاللَيْلِ ويَسِيرُونَ لَيْلَهم أجْمَعَ في تَحْلِيقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ مِنَ التَرَدُّدِ؛ وقِلَّةِ اسْتِقامَةِ السَيْرِ؛ حَتّى إذا أصْبَحُوا وجَدُوا جُمْلَتَهم في المَوْضِعِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلَ اللَيْلِ؛ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: كانُوا يَسِيرُونَ النَهارَ أحْيانًا؛ واللَيْلَ أحْيانًا؛ فَيُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا؛ ويُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا؛ وذَلِكَ في مِقْدارِ سِتَّةِ فَراسِخَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تِيهُهم بِافْتِراقِ الكَلِمَةِ؛ وقِلَّةِ اجْتِماعِ الرَأْيِ؛ وأنَّ اللهَ تَعالى رَماهم بِالِاخْتِلافِ؛ وعَلِمُوا أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ فَتَفَرَّقَتْ مَنازِلُهم في ذَلِكَ الفَحْصِ؛ وأقامُوا يَنْتَقِلُونَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى غَيْرِ نِظامٍ واجْتِماعٍ؛ حَتّى كَمُلَتْ هَذِهِ المُدَّةُ؛ وأذِنَ اللهُ بِخُرُوجِهِمْ؛ وهَذا تِيهٌ مُمْكِنٌ؛ مُحْتَمَلٌ؛ عَلى عُرْفِ البَشَرِ؛ والآخَرُ الَّذِي ذَكَرَ مُجاهِدٌ إنَّما هو خَرْقُ عادَةٍ؛ وعَجَبٌ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى.

وفِي ذَلِكَ التِيهِ ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ ورُزِقُوا المَنَّ والسَلْوى؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُوِيَ مِن مَلابِسِهِمْ؛ وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ؛ مَعْناهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيِّهِمْ ∗∗∗ يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَجَمَّلِ وَمِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: فَقُلْتُ لَهم إنَّ الأسى يَبْعَثُ الأسى ∗∗∗ ∗∗∗ دَعُونِي فَهَذا كُلُّهُ قَبْرُ مالِكِ والخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - نَدِمَ مُوسى عَلى دُعائِهِ عَلى قَوْمِهِ؛ وحَزِنَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ لَهُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ ﴾ ؛ وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ بِهَذِهِ الألْفاظِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُرادُ بِالفاسِقِينَ مُعاصِرُوهُ؛ أيْ: هَذِهِ أفْعالُ أسْلافِهِمْ؛ فَلا تَحْزَنْ أنْتَ بِسَبَبِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ مَعَكَ؛ ورَدِّهِمْ عَلَيْكَ؛ فَإنَّها سَجِيَّةٌ خَبِيثَةٌ مَوْرُوثَةٌ عِنْدَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فُصلت هذه الجمل الأربع جرياً على طريقة المحاورة كما بيّنّاه سالفاً في سورة البقرة.

والرجلان هما يوشع وكالب.

ووُصف الرجلان بأنّهم ﴿ من الّذين يخافون ﴾ فيجوز أن يكون المراد بالخوف في قوله: ﴿ يخافون ﴾ الخوفُ من العدوّ؛ فيكون المراد باسم الموصول بني إسرائيل.

جعل تعريفهم بالموصولية للتعريض بهم بمذمّة الخوف وعدم الشجاعة، فيكون «مِن» في قوله: ﴿ من الذين يخافون ﴾ اتّصالية وهي الّتي في نحو قولهم: لستُ منك ولستَ منّي، أي ينتسبون إلى الذين يخافون.

وليس المعنى أنّهم متّصفون بالخوف بقرينة أنّهم حرّضوا قومهم على غزو العدوّ، وعليه يكون قوله: ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ أنّ الله أنعم عليهما بالشجاعة، فحذف متعلّق فعل «أنعم» اكتفاء بدلالة السياق عليه.

ويجوز أن يكون المراد بالخوف الخوفَ من الله تعالى، أي كان قولهما لقومها «ادخلوا عليهم الباب» ناشئاً عن خوفهما الله تعالى، فيكون تعريضاً بأنّ الذين عصوهما لا يخافون الله تعالى، ويكون قوله: ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ استئنافاً بيانياً لبيان منشأ خوفهما الله تعالى، أي الخوف من الله نعمة منه عليهما.

وهذا يقتضي أنّ الشجاعة في نصر الدّين نعمة من الله على صاحبها.

ومعنى ﴿ أنعم الله عليهما ﴾ أنعم عليهما بسلب الخوف من نفوسهم وبمعرفة الحقيقة.

و ﴿ الباب ﴾ يجوز أن يراد به مدخل الأرض المقدّسة، أي المسالك الّتي يسلك منها إلى أرض كنعان، وهو الثغر والمضيق الذي يسلك منه إلى منزل القبيلة يكون بين جبلين وعْرَيْن، إذ ليس في الأرض المأمورين بدخولها مدينة بل أرض لقوله: ﴿ ادخلوا الأرض المقدّسة ﴾ ، فأرادَا: فإذا اجتزتم الثغر ووطئتم أرض الأعداء غلبتموهم في قتالهم في ديارهم.

وقد يسمّى الثغر البحري باباً أيضاً، مثل باب المندب، وسمّوا موضعاً بجهة بخاري الباب.

وحمل المفسّرون الباب على المشهور المتعارف، وهو باب البلد الذي في سوره، فقالوا: أرادا باب قريتهم، أي لأنّ فتح مدينة الأرض يعدّ ملكاً لجميع تلك الأرض.

والظاهر أن هذه القرية هي (أريحا) أو (قادش) حاضرة العمالقة يومئذٍ، وهي المذكورة في سورة البقرة.

والباب بهذا المعنى هو دفّة عظيمة متّخذة من ألواح تُوصل بجزأيّ جدار أو سور بكيفية تسمح لأن يكون ذلك اللوح سادّاً لتلك الفرجة متى أريد سدّها وبأن تفتح عند إرادة فتحها؛ فيسمّى السَّد به غلقاً وإزالة السدّ فتحاً.

وبعد أن أمرا القوم باتّخاذ الأسباب والوسائل أمراهم بالتوكّل على الله والاعتماد على وعده ونصره وخبر رسوله، ولذلك ذيّلا بقولهما: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ، لأنّ الشكّ في صدق الرسول مبطل للإيمان.

وإنّما خاطبوا موسى عقبَ موعظة الرجلين لهم، رجوعاً إلى إبايتِهم الأولى الّتي شافهوا بها موسى إذ قالوا: ﴿ إنّ فيها قوماً جبّارين ﴾ ، أو لقلّة اكتراثهم بكلام الرجلين وأكّدوا الامتناع الثّاني من الدخول بعد المحاورة أشدّ توكيد دلّ على شدّته في العربيّة بثلاث مؤكدات: (إنّ)، و(لن)، وكلمة (أبداً).

ومعنى قولهم: ﴿ فاذهب أنت وربّك فقاتلا ﴾ إن كان خطاباً لموسى أنّهم طلبوا منه معجزة كما تعوّدوا من النصر فطلبوا أن يهلك الله الجبّارين بدعوة موسى.

وقيل: أرادوا بهذا الكلام الاستخفاف بموسى، وهذا بعيد، لأنّهم ما كانوا يشكّون في رسالته، ولو أرادوا الاستخفاف لكفروا وليس في كلام موسى الواقع جواباً عن مقالتهم هذه إلاّ وصفهم بالفاسقين.

والفسق يطلق على المعصية الكبيرة، فإنّ عصيان أمر الله في الجهاد كبيرة، ولذلك قال تعالى فلا تأس على القوم الفاسقين، وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى المقدادُ بن الأسود النبيءَ وهو يدعو على المشركين يوم بدر فقال: «يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل» ﴿ فاذْهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون ﴾ الحديث.

فَلا تَظُنَّنّ من ذلك أنّ هذه الآية كانت مقروءة بينهم يوم بدر، لأنّ سورة المائدة من آخر ما نزل، وإنّما تكلّم المقداد بخبر كانوا يسمعونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يُحدّثهم به عن بني إسرائيل، ثم نزلت في هذه الآية بذلك اللّفظ.

«قال» أي موسى، مناجياً ربّه أو بمسمع منهم ليوقفهم على عدم امتثالهم أمرَ ربّهم ﴿ ربّ إنّي لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ ، يجوز أن يكون المعنى لا أقدر إلاّ على نفسي وأخي، وإنّما لم يعُدّ الرجلين الذين قالا ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ ، لأنّه خشي أن يستهويهما قومهما.

والذي في كتب اليهود أنّ هارون كان قد توفّي قبل هذه الحادثة.

ويجوز أن يريد بأخيه يوشَع بنَ نون لأنّه كان ملازِمَه في شؤونه، وسمّاه الله فتاه في قوله: ﴿ وإذ قال موسى لفتاه ﴾ [الكهف: 60] الآية.

وعطفه هنا على نفسه لأنّه كان محرّضاً للقوم على دخول القرية.

ومعنى ﴿ افرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ أن لا تؤاخذنا بجرمهم، لأنّه خشي أن يصيبهم عذاب في الدنيا فيهلك الجميع فطلب النّجاة، ولا يصحّ أن يريد الفرق بينهم في الآخرة؛ لأنّه معلوم أنّ الله لا يؤاخذ البريء بذنب المجرم، ولأنّ براءة موسى وأخيه من الرضا بما فعله قومهم أمر يعلمه الله، ويجوز أن يراد بالفرق بينهم الحكم بينهم وإيقاف الضّالين على غلطهم.

وقوله الله تعالى له: ﴿ فإنّها محرّمة عليهم أربعين سنة ﴾ الخ جواب عن قول موسى ﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ ، وهو جواب جامع لجميع ما تضمّنه كلام موسى، لأنّ الله أعلم موسى بالعقاب الذي يصيب به الّذين عصوا أمره، فسكن هاجس خوفه أن يصيبهم عذاب يعمّ الجميع، وحصل العقاب لهم على العصيان انتصاراً لموسى.

فإن قلت: هذا العقاب قد نال موسى منه ما نال قومَه، فإنّه بقي معهم في التِيه حتّى توفّي.

قلت: كان ذلك هَيِّناً على موسى لأنّ بقاءه معهم لإرشادهم وصلاحهم وهو خصّيصة رسالته، فالتعب في ذلك يزيده رفع درجة، أمَّا هم فكانوا في مشقّة.

﴿ يتيهون ﴾ يضلّون، ومصدره التَّيْه بفتح التّاء وسكون الياء والتيه بكسر التّاء وسكون التحتية.

وسمّيت المفازة تيهاء وسمّيت تِيهاً.

وقد بقي بنو إسرائيل مقيمين في جهات ضيّقة ويسيرون الهوينا على طريق غير منتظم حتّى بلغوا جبل (نيبُو) على مقربَة من نهر (الأردن)، فهنالك توفّي موسى عليه السلام وهنالك دُفن.

ولا يُعرف موضع قبره كما في نصّ كتاب اليهود.

وما دَخلوا الأرض المقدسة حتّى عَبَروا الأرْدُن بقيادة يوشع بن نون خليفة موسى.

وقد استثناه الله تعالى هو وكالب بن يفنَّة، لأنّهما لم يقولا: لن ندخلها.

وأمّا بَقية الرّوّاد الذين أرسلهم موسى لاختبار الأرض فوافقوا قومهم في الامتناع من دخولها.

وقوله: ﴿ فلا تأس على القوم الفاسقين ﴾ تفريع على الإخبار بهذا العقاب، لأنّه علم أنّ موسى يحزنه ذلك، فنهاه عن الحزن لأنّهم لا يستأهلون الحزن لأجلهم لفسقهم.

والأسى: الحزن، يقال أسِي كفرح إذا حَزن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى.

﴿ وَجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِأنَّهم مَلَكُوا أنْفُسَهم بِأنْ خَلَّصَهم مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مَلَكَ نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ مِن بَنِي آدَمَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهم جُعِلُوا مُلُوكًا بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّ كُلَّ مَن مَلَكَ دارًا وزَوْجَةً وخادِمًا، فَهو مَلِكٌ مِن سائِرِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، والحَسَنِ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

وَقَدْ رَوى زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ [يَأْوِي إلَيْهِ وزَوْجَةٌ] وخادِمٌ، فَهو مَلِكٌ» .

﴿ وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المَنُّ والسَّلْوى والغَمامُ والحَجَرُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ والآياتِ الَّتِي جاءَتْهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: هي الشّامُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومَعْنى المُقَدَّسَةِ: المُطَهَّرَةُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ وإنْ قالَ: ﴿ فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ لِأنَّها كانَتْ هِبَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم ثُمَّ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِمْ.

﴿ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكُمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا تَرْجِعُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: لا تَرْجِعُوا عَنِ الأرْضِ الَّتِي أُمِرْتُمْ بِدُخُولِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ ﴾ والجَبّارُ: هو الَّذِي يَجْبُرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ إكْراهَهم عَلَيْهِ، ومِنهُ جَبْرُ العَظْمِ، لِأنَّهُ كالإكْراهِ عَلى الصَّلاحِ، ويُقالُ [لِلْأعْوادِ الَّتِي] تَحْمِلُهُ جُبارَةٌ، إذا قامَتِ اليَدُ طُولًا، لِأنَّها امْتَنَعَتْ كامْتِناعِ الجَبّارِ مِنَ النّاسِ.

وَقِيلَ بَلَغَ مِن جَبَرُوتِ هَؤُلاءِ القَوْمِ، أنَّ واحِدًا مِنهم، أخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، الَّذِينَ بَعَثَهم مُوسى، لِيُخْبِرُوهُ بِحَرْبِهِمْ، فَحَمَلَهم مَعَ فاكِهَةٍ حَمَلَها مِن بُسْتانِهِ، وجاءَ فَنَشَرَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، وقالَ: هَؤُلاءِ يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَقالَ المَلِكُ: ارْجِعُوا إلى صاحِبِكم فَأخْبِرُوهُ خَبَرَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُمْ: يَخافُونَ اللَّهَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّانِي: يَخافُونَ الجَبّارِينَ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِن قَوْلِ الحَقِّ.

﴿ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ.

والثّانِي: بِالإسْلامِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

وَفي هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما مِنَ النُّقَباءِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ بْنُ يُوقِنا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُما رَجُلانِ، كانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإسْلامِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنَّما قالُوهُ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ كَتَبَها لَهم.

والثّانِي: لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم عَلى أعْدائِهِ، ولَمْ يَمْنَعْهم خَوْفُهم مِنَ القَوْلِ الحَقِّ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ  : «لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم مَخافَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ الحَقَّ إذا رَآهُ أوْ عَلِمَهُ فَإنَّهُ لا يُبْعِدُ مِن رِزْقٍ ولا يُدْنِي مِن أجَلٍ» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن انس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قالوا: «لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن عتبة بن عبد السلمي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه «ألا تقاتلون؟

قالوا: نعم.

ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون» .

وأخرج أحمد عن طارق بن شهاب أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر «يا رسول الله، إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون» .

وأخرج البخاري والحاكم وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: «لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين قال: والله يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك» .

وأخرج ابن جريرعن قتادة قال: «ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم الحديبية حين صد المشركون الهدي وحيل بينهم وبين مناسكهم!

إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت.

فقال المقداد بن الأسود: اما والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم ﴿ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ » .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا ﴾ .

قال المفسرون: إن عشرة من النقباء نقضوا العهد، وقالوا لبني إسرائيل: إن الرجل الواحد من هؤلاء الجبارين يدخل المائة منا في كُمِّه، ورأينا حصونًا ممتنعة وجبابرة، فلا يدان لنا بهم، فجَبُن القوم وخافوا ولم يثقوا بنصر الله، وقالوا: إنا لسنا نقبل مشورةً في دخولها ولا أمرًا وفيها هؤلاء الجبارون، ولما أمرهم يوشع وكالب بدخول القرية عصوهما وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة، وقالوا: يا موسى نكذب عشرة ونصدق اثنين (١) وقوله تعالى: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ ﴾ .

قال أبو إسحاق: كلام العرب: اذهب أنت وزيد، ويستقبح النحويون: اذهب وزيد؛ لأنه يقبح العطف على المضمر والمضمر (في النية) (٢) (٣) وقال الفراء: ولو ألقيت (أنت) فقيل: اذهب وربك، كان صوابًا؛ لأنه في إحدى القراءتين: ﴿ إنه يراكم وقبيلُه  ﴾ ، واذهب أنت وربك أكثر في كلام العرب، وذلك أنه العطف على الاسم المضمر المرفوع؛ لأن المرفوع خفي في الفعل وليس كالمنصوب؛ لأن المنصوب يظهر، فتقول: ضربته وزيدًا، وضربتك وزيدًا.

وتقول في المرفوع: قام، وقاما، فلا ترى اسمًا منفصلًا في الأصل من الفعل، فلذلك أوثر إظهاره (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا  ﴾ .

قال الزجاج: وإنما جاز لأن المفعول يقوي الكلام كما يقوي الكلام دخول لا، قال الله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا  ﴾ (١٠) واختلفوا في معنى قوله: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا ﴾ ، فقال أصحاب المعاني: إن كانوا قالوه على وجه الذهاب من مكان إلى مكان فهو كفر؛ لأنه على وجه الجهل بالله عز وجل (١١) (١٢) وقال الحسن: هذا القول كفر منهم بالله (١٣) وإنما أخبر عنهم بهذا إنكارًا عليهم، وتعجيبًا من جهلهم.

وقال بعضهم: إنهم قالوه على المجاز، على تأويل: اذهب أنت وربك معينٌ لك، فأضمر خبر الابتداء (١٤) والأول أظهر لقيام قوله: ﴿ فَقَاتِلَا ﴾ مقام خبر الابتداء.

وحكى بعض المفسرين أنهم أرادوا بقولهم: ﴿ وَرَبُّكَ ﴾ أخاه هارون، قال: وكان أكبر من موسى (١٥) والظاهر أنهم قالوا هذا جهلًا منهم، وفسقوا بذلك؛ لأن الله تعالى قال في هذه القصة: ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ ، يريدهم (١٦) قال الزجاج: أعلم الله تعالى أن أهل الكتاب لم يزالوا غير قابلين من الأنبياء قبل النبي  وأن الخلاف شأنهم (١٧) (١) أخرجه بمعناه الطبري في "تفسيره" 6/ 179 - 180، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 428، والبغوي في "تفسيره" 3/ 37.

وقد سبق قريبًا كلام ابن كثير في "تفسيره" على مثل هذا الخبر.

(٢) في "معاني الزجاج" 2/ 164: في النية لا علامة له.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 304.

(٥) ما بين القوسين زيادة على "معاني القرآن".

(٦) أي الفراء.

(٧) في "معاني القرآن": ضربت زيدا وأنت.

(٨) في (ج): (زيدا).

(٩) في "معاني القرآن" 1/ 304: قمت أنا وأنت، وقمت وأنت قليل.

وقد أنتهى إلى هنا كلام الفراء، وما بعده من أمثله لعله من المؤلف.

(١٠) انتهى من "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 164.

(١١) قال الطبري في "تفسيره" 6/ 180: وكان بعضهم يقول في ذلك: ليس معنى الكلام: اذهب أنت وليذهب معك ربك فقاتلا، ولكن معناه: اذهب أنت يا موسى وليُعِنْك ربك، وذلك أن الله عز ذكره لا يجوز عليه الذهاب، ولعل الطبري في "تفسيره" يقصد بهذا القائل أبا عبيدة.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 160، ثم رد هذا القول بقوله: وهذا إنما كان يحتاج إلى طلب المخرج له لو كان الخبر عن مؤمنين، فأما قوم أهل خلاف على الله عز ذكره ورسوله، فلا وجه لطلب المخرج لكلامهم فيما قالوا في الله عز وجل، وافتروا عليه إلا بما يشبه كفرهم وضلالتهم.

وقد ذكر عن المقداد أنه قال لرسول الله  خلاف ما قال قوم موسى لموسى: حدثنا سفيان، عن طارق: أن المقداد بن الأسود قال للنبي  : إنا لا نقول كما قالت بنو إسرائيل: ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ ، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكم مقاتلون.

"جامع البيان" 6/ 180، وانظر ابن كثير في "تفسيره" 2/ 45.

(١٢) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 128.

(١٣) أورده المؤلف في "الوسيط" 3/ 850، وذكره القرطبي في "تفسيره" 6/ 128، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 456.

(١٤) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 160، و"بحر العلوم" 1/ 428، و"زاد المسير" 2/ 427، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128، و"البحر المحيط" 3/ 456.

(١٥) انظر: "بحر العلوم" 1/ 428، والقرطبي في "تفسيره" 6/ 128، و"البحر المحيط" 3/ 456.

(١٦) انظر القرطبي في "تفسيره" 6/ 128.

(١٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 163.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أرض بيت المقدس، وقيل: الطور، وقيل: دمشق ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي قضى أن تكون لكم ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ ﴾ يحتمل أن يريد الارتداد عن الدين والطاعة، والرجوع إلى الطريق الذي جاءوا منه؛ فإنه رُوي أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بدخول الأرض المقدسة خافوا من الجبارين الذين فيها، وهموا أن يقدموا على أنفسهم رئيساً ويرجعوا إلى مصر ﴿ قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ هم العمالقة ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ يَخَافُونَ ﴾ أي يخافون الله، وقيل: يخافون الجبارين، ولكن الله أنعم عليهم بالصبر والثبوت لصدق إيمانهما ﴿ ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب ﴾ أي باب المدينة ﴿ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ ﴾ إفراط في العصيان وسوء الأدب بعبارة تقتضي الكفر والاستهانة بالله ورسوله، وأين هؤلاء من الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ولكن نقول لكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ﴿ لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ قاله موسى عليه السلام؛ ليتبرأ إلى الله من قول بني إسرائيل، ويبذل جهده في طاعة الله ويعتذر إلى الله.

وإعراب أخي عطف على نفسي لأنه أخاه هارون كان يطيعه، وقيل: عطف على الضمير في لا أملك: أي لا أملك أنا إلا نفسي ولا يملك أخي إلا نفسه، وقيل: مبتدأ، وخبره محذوف أي أخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فافرق بَيْنَنَا ﴾ أي فارق بيننا وبينهم فهو من الفرقة، وقيل: افصل بيننا وبينهم بحكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ جبارين ﴾ بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو حيث كان ﴿ فلا تاس ﴾ بغير همزة حيث وقعت: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ ملوكاً ﴾ ز ﴿ جبارين ﴾ ق قد قيل لشبهة الابتداء بأن ولكن كسر ألف "إن" بمجيئه بعد القول معطوفاً على الأول.

﴿ حتى يخرجوا منها ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب.

﴿ داخلون ﴾ ه ﴿ الباب ﴾ ج لذلك.

﴿ غالبون ﴾ ه ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ قاعدون ﴾ ه ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ سنة ﴾ ج لأنها تصلح ظرفاً للتيه بعده والتحريم قبله ﴿ الفاسقين ﴾ ه.

التفسير: وجه النظم أنه  كأنه قال: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وذكرهم موسى نعم الله وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في الكل.

منّ الله عليهم بأمور ثلاثة: أوّلها قوله: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء ﴾ وذلك أنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء.

وثانيها قوله: ﴿ وجعلكم ملوكاً ﴾ قال السدي: أي جعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد ما استعبدكم القبط.

وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية وكان لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ومن كان كذلك كان ملكاً.

وقال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه.

وقيل: الملك هو الصحة والإسلام والأمن والفوز وقهر النفس.

وقيل: من كان مستقلاً بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجاً في مصالحه إلى أحد فهو ملك.

وقيل: كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء، وقد يقال لمن حصل فيهم ملوك إنهم ملوك مجازاً.

وقيل: كل نبي ملك لأنه يملك أمر أمته ينفذ فيهم حكمه.

وثالثها: ﴿ وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ من فلق البحر وإغراق العدوّ وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك من الخوارق والعظائم.

وقيل: أراد عالمي زمانهم.

روي أن إبراهيم  لما صعد جبل لبنان قال الله  له: انظر فما أدرك بصرك فهو مقدّس وميراث لذريتك.

وقيل: لما خرج قوم موسى من مصر وعدهم الله إسكان أرض الشام، فكان بنو إسرائيل يسمون أرض الشام أرض المواعيد.

ثم بعث موسى  اثني عشر نقيباً من الأمناء ليتجسسوا لهم عن أحوال تلك الأراضي.

فلما دخلوا تلك البلاد رأوا أجساماً عظيمة هائلة.

قال المفسرون: لما بعث موسى النقباء لأجل التجسس رآهم واحد من أولئك الجبارين فأخذهم وجعلهم في كمه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال متعجباً للملك: هؤلاء يريدون قتالنا.

فقال الملك: ارجعوا إلى صاحبكم/ وأخبروه بما شاهدتم.

فانصرف النقباء إلى موسى وأخبروه بالواقعة فأمرهم أن يكتموا ما شاهدوه فلم يقبلوا قوله إلاّ رجلان - هما كالب بن يوفنا من سبط يهودا، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف - فإنهما قالا هي بلاد طيبة كثيرة النعم وأجسامهم عظيمة إلاّ أن قلوبهم ضعيفة، وأما العشرة الباقية فإنهم أوقعوا الجبن في قلوب الناس حتى أظهروا الامتناع من غزوهم.

والأرض المقدسة هي المطهرة من الآفات، وقيل من الشرك.

وزيف بأنها لم تكن وقت الجبارين كذلك.

وأجيب بأنها كانت كذلك فيما قبل لأنها كانت مسكن الأنبياء.

ثم إنها ما هي؟

فعن عكرمة والسدي وابن زيد هي أريحاء.

وقال الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.

وقيل: الطور وما حوله.

وقيل: بيت المقدس.

وقيل: الشام ومعنى ﴿ كتب الله لكم ﴾ وهبها لكم أو خط في اللوح المحفوظ أنها لكم أو أمركم بدخولها.

قال ابن عباس: كانت هبة ثم حرمها عليهم بشؤم تمردهم وعصيانهم.

وقيل: المراد خاص أي مكتوب لبعضهم وحرام على بعضهم.

وقيل: إن الوعد كان مشروطاً بالطاعة فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط.

وقيل: حرمها عليهم أربعين سنة فلما مضى الأربعون حصل ما كتب.

وفي قوله: ﴿ كتب الله لكم ﴾ تقوية القلوب وأنّ الله سينصرهم مع ضعفهم على الجبارين مع قوّتهم.

﴿ ولا ترتدوا على أدباركم ﴾ لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوّة موسى  وإخباره بهذه النصرة، أو لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى التي خرجتم عنها.

فقد روي أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر ﴿ فتنقلبوا خاسرين ﴾ في الآخرة يفوت الثواب ولحوق العقاب، أو فترجعوا إلى الذل أو تموتوا في التيه غير واصلين إلى شيء من مطالب الدنيا ومنافع الآخرة.

والجبار "فعال" من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العاتي الذي يجبر الناس على ما يريد وهو اختيار الفراء والزجاج.

قال الفراء: لم أسمع "فعالاً" من "أفعل" إلاّ في حرفين: جبار من أجبر، ودراك من أدرك.

ويقال: نخلة جبارة إذا كانت طويلة مرتفعة لا تصل الأيدي إليها.

والقوم الاستبعاد ﴿ إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ﴾ كقوله  : ﴿ ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط  ﴾ ﴿ قال رجلان ﴾ هما يوشع وكالب ﴿ من الذين يخافون الله أنعم الله عليهما ﴾ أي بالهداية والثقة بقوله والاعتماد على نصره ومحل ﴿ أنعم الله ﴾ مرفوع صفة لرجلان.

ويحتمل أن يكون جملة معترضة.

قال القفال: يجوز أن يكون الضمير في ﴿ يخافون ﴾ لبني إسرائيل والعائد إلى الموصول محذوف تقديره من الذين يخافهم بنو إسرائيل وهم الجبارون فعلى هذا الرجلان من الجبارين/ ﴿ ادخلوا عليهم الباب ﴾ مبالغة في الوعد بالنصر والظفر كأنه قال: متى دخلتم باب بلدهم لم يبق منهم نافخ نار ولا ساكن دار ﴿ فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ﴾ علموه ظناً أو يقيناً من عادة الله في نصرة رسله عامة ومن صنعه لموسى  في قهر أعدائه خاصة ﴿ وعلى الله فتوكّلوا ﴾ الفاء للإيذان بتلازم ما قبلها وما بعدها.

والمعنى لما وعدكم الله النصر فلا ينبغي أن تصيروا خائفين من عظم أجسامهم بل توكلوا على الله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ مقرين بوجود الإله القدير، موقنين بصحة نبوّة موسى ﴿ قالوا إنّا لن ندخلها ﴾ نفوا دخولهم في المستقبل على وجه التأكيد المؤيس وزادوا في التأكيد بقولهم: ﴿ أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك ﴾ قال العلماء: لعلهم كانوا مجسمة يجوّزون الذهاب والمجيء على الله  أو أنهم لم يقصدوا حقيقة الذهاب كقولك: "كلمته فذهب يجيبني" يريد القصد والإرادة.

وقيل: المراد بالرب أخوه هارون وسموه رباً لأنه أكبر من موسى.

وقيل: التقدير اذهب وربك معين لك بزعمك ولكن لا يجاوبه.

قوله ﴿ فقاتلا ﴾ ولا يبقى لقوله أنت فائدة واضحة.

ولا يخفى أنّ هذا القول منهم كفر أو فسق فلهذا قال موسى على سبيل الشكوى والبث ﴿ ربي إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي ﴾ قال الزجاج: في إعرابه وجهان: الرفع على موضع إني والمعنى أنا لا أملك إلاّ نفسي وأخي كذلك، أو نسقاً على الضمير في ﴿ أملك ﴾ أي لا أملك أنا وأخي إلاّ أنفسنا.

والنصب على أنه نسق على الياء أي إني وأخي لا نملك إلاّ أنفسنا، أو على نفسي أي لا أملك إلاّ نفسي ولا أملك إلاّ أخي، لأنّ أخاه إذا كان مطيعاً له فهو مالك طاعته، وكأنه لم يثق بالرجلين كل الوثوق فلهذا لم يذكرهما، أو لعله قال ذلك تقليلاً لمن يوافقه، أو أراد من يؤاخيه في الدين.

﴿ فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ﴾ فباعد بيننا وبينهم وخلصنا من صحبتهم كقوله: ﴿ ونجني من القوم الظالمين  ﴾ أو المراد فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لكل منا بما يستحق وهو في معنى الدعاء عليهم بدليل فاء التسبيب في قوله: ﴿ فإنها ﴾ أي الأرض المقدسة ﴿ محرمة عليهم أربعين سنة ﴾ ثم يفتحها الله لهم من غير محاربة.

أو المراد أنهم يتيهون أربعين سنة ومعنى يتيهون يسيرون متحيرين.

عن مقاتل أن موسى  لما دعا عليهم فأخبره الله بأنهم يتيهون قالوا له: لم دعوت علينا وندم على ما عمل فأوحى الله إليه: ﴿ فلا تأس ﴾ أي لا تحزن ولا تندم ﴿ على القوم الفاسقين ﴾ فإنهم أحقاء بالعذاب لفسقهم.

وجوّز بعضهم أن يكون ذلك خطاباً لمحمد  أي لا تحزن على قوم لم تزل مخالفة الرسل هجيراهم.

واعلم أن المفسرين اختلفوا في أنّ موسى وهارون هل بقيا في التيه أم لا؟

فقال قوم: إنهما ما كانا في التيه لأنه دعا أن يفرق بينه وبينهم وكل نبي مجاب، ولأن التيه عذاب/ والأنبياء لا يعذبون، ولأنّ سبب ذلك العذاب التمرد وهما لم يتمرّدا.

وقال آخرون: إنهما كانا مع القوم إلاّ أنّ الله  سهل عليهم ذلك العذاب كما أن النار كانت على إبراهيم برداً وسلاماً.

ثم من هؤلاء من قال: إنّ هارون  مات في التيه ومات موسى  بعده فيه بسنة، ودخل يوشع  أريحاء بعد موته بثلاثة أشهر وكان ابن أخت موسى ووصيه بعد موته، ومات النقباء في التيه بغتة بعقوبات غليظة إلاّ كالب ويوشع.

ومنهم من قال: بل بقي موسى  بعد ذلك وخرج من التيه وحارب الجبارين وقهرهم وأخذ الأرض المقدسة والله  أعلم.

واختلفوا أيضاً في التيه وهي المفازة التي تاهوا فيها فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ.

وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخاً.

وقيل: ستة في اثني عشر.

وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.

ثم الأكثرون على أنّ قوله: ﴿ فإنها محرمة ﴾ تحريم منع كانوا يسيرون كل يوم على الاستدارة جادّين حتى إذا سئموا وأمسوا إذا هم بحيث ارتحلوا عنه، وكان مع ذلك نعمة الله عليهم من تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك متظاهرة كالوالد الشفيق يضرب ولده ويؤذيه ليتأدب ويتثقف ولكن لا يقطع عنه معروفه وإحسانه.

ويشكل هذا القول بأنه كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في ذلك القدر الصغير من المفازة سنين متطاولة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يهتدي طريقاً للتيه ولو بأمارات حركات النجوم؟

والجواب أنّ هذا من الخوارق التي يجب التصديق بها كسائر المعجزات التي يستبعد وقوعها.

وقال بعضهم: إنّ هذا التحريم تعبّد وإنه  أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة عقاباً لهم على سوء صنيعهم وعلى هذا فلا إشكال.

التأويل: أشار موسى الروح إلى القوى البدنية ادخلوا أرض القلب المقدسة التي كتبها الله  للإنسان المستعد في الفطرة، فهابوا تحمل أعباء المجاهدات ولزوم المخالفات والرياضات فقال لهم رجلان - النفسان اللوّامة والمطمئنة - إنكم غالبون إذا دخلتم باب الجدّ والطلب تستبدل الراحة بالتعب، فلم يعتدّوا بقولهما فحرّم الله  ذلك عليهم أربعين سنة هي مدة استيفاء حظوظ النفس الأمارة وانكسار سورة قواها في الأغلب كقوله: ﴿ حتى إذا بلغ اشدّه وبلغ أربعين سنة  ﴾ وفي الآية نكتة هي أنّ موسى  لما ظن أنه يملك نفسه ونفس أخيه ابتلاه الله في الحال بالدعاء على أمته لأنّ المرء إنما يملك نفسه إذا ملكها عند الغضب فشتان بينه وبين من قال حين شج رأسه وكسرت رباعيته "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" اللهم صلّ عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وآل كل بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...

﴾ الآية.

يحتمل قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ : ما ذكر من بعث الرسل والأنبياء - عليهم السلام - على فترة منهم، ويحتمل: ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ ؛ كأنه يقول: اشكروا نعمتي التي أنعمت عليكم من جعل الأنبياء فيكم، ولم يكن ذلك لأمة من الخلق، وجعلكم ملوكاً تستنصرون من الأعداء؛ لأن الملوك في بني إسرائيل هم الذين كانوا يتولون القتال وأمر الحرب مع الأعداء؛ كقوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فأخبر أنه جعل فيهم الأنبياء يعلمونهم أمور الدنيا والآخرة، ويحتاج غيرهم إلى معرفة ذلك، وإنما يعرفون ذلك بهم، وجعل فيهم ملوكاً يستنصرون من الأعداء ويقهرونهم؛ فيعزون ويشرفون في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: ما ذكر من جعل الأنبياء والملوك فيهم، ويحتمل: ما رزقهم في التيه من المنِّ والسلوى وغيره من النعم.

وقيل في قوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً ﴾ ، أي: جعلكم بحيث تملكون أنفسكم، وكنتم قبل ذلك يستعبدكم فرعون، ويتخذكم خولاً لنفسه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: قوله: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، أي: كتب الله عليكم قتال أهل تلك الأرض؛ ليسلموا، وهو كقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  ﴾ ، يعني: الكفر؛ فعلى ذلك قوله -  : ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ قتال أهلها؛ ليسلموا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكُمْ ﴾ ، أي: عليكم، وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: قوله: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ فَتْحَهَا، إن أطعتم أمر الله فيما أمركم به، وانتهيتم عما نهاكم عنه، وأجبتم رسوله إلى ما دعاكم إليه، أي: إذا فعلتم ذلك يفتح الله تلك الأرض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ﴾ ، قيل: هي الشام، وقيل: غيرها، ثم سماها مرة مقدسة، ومرة: مباركة، وهو كقوله: ﴿ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ بَارَكْنَا حَوْلَهُ  ﴾ بكثرة الثمار والفواكة، وسعة عيشها، وكثرة ريعها.

ويحتمل: أن سماها مباركة؛ لما كانت معدن العباد والزهاد ومنزهة عن الشرك وجميع الفواحش والمناكير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن الرجوع عن الدين؛ وهو كقوله -  -: ﴿ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً  ﴾ ، وإنما صار ذلك كناية عن الرجوع عن الدين - والله أعلم - لما ذكرنا في أحد التأويلين: أنه كتب عليهم قتال أهل تلك الأرض، فتركوا أمر الله وطاعته.

ويحتمل: أن وعد الله لهم فتح تلك الأرض، فلم يصدقوا رسوله فيما أخبر عن الله من الفتح لهم؛ فكفروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَٰسِرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون ذلك لهم في الآخرة، ويحتمل: في الدنيا منهزمين.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ ﴾ .

أي: لا ترجعوا وراءكم، ولكن ادخلوها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون هذا - والله أعلم - لما رأوا فرعون مع قربه وكثرة جنوده، مع ادعاء ما ادعى من الربوبية لنفسه - لعنة الله عليه وعلى آله - لم يقدر على فتح تلك الأرض، وعجز عن غلبة أهلها وقهرهم وجعلهم تحت يديه - فرأي هؤلاء ألا يقدرون على ذلك مع ضعفهم في أنفسهم، وقلة عددهم؛ وقصور أسبابهم؛ لذلك امتنعوا عن الدخول فيها إلا بعد خروج من فيها من الجبارين عنها؛ خوفاً منهم على أنفسهم، لكن موسى -  - كان وعد لهم الفتح والنصرة مع ضعفهم وقلة عددهم، إذا دخلوا فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ اختلف في الرجلين اللذين قالا ذلك لهم: قال قائلون: كان ذانك الرجلان من أولئك الذين بعثهم موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - إلى أهل تلك الأرض، وأمرهم بالدخول فيها، وهما ممن قد أنعم الله عليهما من تصديق ما وعد لهم موسى من الفتح والنصرة، فقال: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ صدقوا موسى بما وعد لهم من الفتح.

وقال قائلون: كان ذانك الرجلان اللذان قالا ذلك لهم هما من أهل تلك الأرض؛ لأنهم إذ سمعوا أن موسى قصد نحوهم خافوا من ذلك؛ فذلك معنى قوله: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالإسلام؛ فقالا: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ؛ لما علموا من خوف أهلها من موسى ومن معه وفزعهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: مصدقين بوعد موسى بالفتح لكم والنصر.

ويحتمل: وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين؛ فإن كل من توكل على الله ووثق به، نصره الله، وجعله غالباً على عدوه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ ﴾ : كأن المراد من الباب ليس نفس الباب؛ ولكن جهة من الجهات التي يكون الدخول عليهم من تلك الجهة أرفق وأهون؛ كأنه قال: ادخلوا عليهم جهة كذا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ .

من تعرض لرسول من الرسل بمثل ما تعرض هؤلاء لموسى: ﴿ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا ﴾ - يكفر؛ لأن موسى -  - قد وعد لهم النصر والفتح إذا دخلوها، فقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ لم يصدقوا موسى -  - فيما وعد لهم من الفتح والنصر، ومن كذَّب رسولاً من الرسل بشيء مخبر؛ فهو كافر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ...

﴾ الآية: دل - قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ على أن الأمر بالدخول فيها أمر بالقتال مع الأعداء، حين قال: ﴿ ٱدْخُلُوا ٱلأَرْضَ ٱلمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، وأن المكتوب عليهم القتال معهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ ، والله أعلم.

ثم قيل في قوله -  -: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ ﴾ بوجهين: قيل: اذهب أنت وربك فقاتل وحدك، وليعينك ربك وينصرك؛ لأنك تقول: إن الله قد وعدك فتحها والنصر عليهم، فالواحد والجماعة فيه سواء، إذا كان الله ناصرك ومعينك.

والثاني: اذهب أنت وأخوك بربك فقاتلا؛ لأنهما كانا جميعاً مأمورين بتبليغ الرسالة؛ لأنهما إذا قاتلا إنما قاتلا بربهما، وتجوز الإضافة إليه والنسبة لما كان يفعل به؛ كقوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ  ﴾ هم المباشرون للقتل والرمي في الحقيقة، لكنه أضيف إليه؛ لما بنصره ومعونته قتلوا ورموا؛ فعلى ذلك الأول - والله أعلم - أضيف إليه؛ لما بمعونته ونصره يقاتلون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .

أي: ليس يريد به القعود نفسه، ولكن - والله أعلم - إنا هاهنا منتظرون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي...

﴾ \[الآية\] يحتمل وجهين: يحتمل: أني لا أملك في الإجابة والطاعة لك إلا نفسي [وأخي - أيضاً -] لما عرفت بالعصمة التي أعطيت له أن يجيبني ويطيعني في ذلك، وأما هؤلاء: فإني لا أملك إجابتهم ولا طاعتهم، ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

ويحتمل: ﴿ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ لا يملك - أيضاً - إلا نفسه؛ على الإضمار؛ لأنهما كانا جميعاً رسولين مأمورين بتبليغ الرسالة بقوله -  -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً...

﴾ الآية [طه: 44].

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

قال قائلون: إنما طلب موسى -  - الفرقة بينه وبين الذين أبوا الدخول فيها، وقالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: إنما طلب [موسى] الفرقة بينهم وبين الجبابرة الذين كانوا في الأرض، التي أمروا بالدخول فيها والقتال معهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً...

﴾ الآية.

قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : من الحرمان والمنع، هو - والله أعلم - ليس على التحريم؛ كقوله -  -: ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ  ﴾ ليس هو من التحريم الذي هو تحريم حكم، ولكن من المنع والحرمان؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

وقال قائلون: محرمة عليهم أبداً لم يدخلوها حتى ماتوا، لكن ولد لهم أولاد؛ فلما ماتوا هم دخل أولادهم؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً ﴾ .

وقال قائلون: قوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: التوبة محرمة عليهم، لن يتوبوا أبداً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : فالمدة هاهنا للتيه - والله أعلم - لا لقوله  : ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

ثم اختلف في التيه: قال قائلون: لم يكن موسى وهارون - عليهما السلام - معهم في التيه؛ لأن ذلك لهم من الله كان عقوبة، ولا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعذب رسوله بذنب قومه؛ لأنه لم يعذب قوماً بتكذيب الرسول قط إلا من بعد ما أخرج الرسول من بين أظهرهم؛ فعلى ذلك لا يحتمل أن يكون موسى يعذب بعصيان قومه، والله أعلم.

وقال آخرون: كان موسى معهم في تلك الأرض مقيماً فيها، ولكن الحيرة والتيه كانت لقومه، قيل: كانوا يرتحلون ثم ينزلون من حيث أصبحوا أربعين سنة، وكان ماؤهم في الحجر الذي كان مع موسى -  - فكان إذا نزل [ضربه] موسى بعصاه، ﴿ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً  ﴾ ، لكل سبط عين، ولم يكن حل بموسى مما كان حل بقومه قليل ولا كثير؛ إنما أمر بالمقام فيها؛ فأقام من غير أن كان به حيرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قال قوم موسى من بني إسرائيل مُصِرِّينَ على مخالفة أمر نبيهم موسى -  -: إنا لن ندخل المدينة ما دام الجبارون فيها، فاذهب أنت -يا موسى- وربك فقاتلا الجبارين، أما نحن فسنبقى مقيمين في مكاننا متخلفين عن القتال معكما.

<div class="verse-tafsir" id="91.ma468"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر