الآية ٤٠ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٠ من سورة المائدة

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ) أي : هو المالك لجميع ذلك ، الحاكم فيه ، الذي لا معقب لحكمه ، وهو الفعال لما يريد ( يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم يعلم هؤلاء= [يعني القائلين]: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، الزاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه (25) = أن الله مدبِّر ما في السموات وما في الأرض، ومصرفه وخالقه، لا يمتنع شيء مما في واحدة منهما مما أرادَه، لأن كل ذلك ملكه، وإليه أمره، ولا نسب بينه وبين شيء مما فيهما ولا مما في واحدة منهما، فيحابيه بسبب قرابته منه، فينجيه من عذابه، وهو به كافر، ولأمره ونهيه مخالف= أو يدخله النار وهو له مطيع لبعد قرابته منه، ولكنه يعذّب من يشاء من خلقه في الدنيا على معصيته بالقتل والخسف والمسخ وغير ذلك من صنوف عذابه، ويغفر لمن يشاء منهم في الدنيا بالتّوبة عليه من كفره ومعصيته، فينقذه من الهلكة، وينجيه من العقوبة =" والله على كل شيء قدير "، يقول: والله جل وعز على تعذيب من أرَاد تعذيبه من خلقه على معصيته، وغفرانِ ما أراد غفرانه منهم باستنقاذه من الهلكة بالتوبة عليه وغير ذلك من الأمور كلها= قادرٌ، لأن الخلق خلقُه، والملك ملكه، والعباد عباده.

* * * وخرج قوله: " ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض "، (26) خطابًا له صلى الله عليه وسلم، والمعنيُّ به من ذكرتُ من فرق بني إسرائيل الذين كانوا بمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حَوَاليها.

وقد بيَّنا استعمال العرب نظيرَ ذلك في كلامها بشواهده فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(27) ---------------- الهوامش : (25) كان في المطبوعة: "ألم يعلم هؤلاء القائلون...الزاعمون" ، وفي المخطوطة: "ألم يعلم هؤلاء القائلين...

الزاعمين" ، فأثبت ما في المخطوطة ، وزدت"يعني" بين قوسين ، فإني أرجح أنها سقطت من الناسخ.

(26) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من نظائرها ، في فهارس اللغة.

(27) انظر ما سلف 2: 484- 488.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قديرقوله تعالى : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض الآية .

خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره ; أي : لا قرابة بين الله تعالى وبين أحد توجب المحاباة حتى يقول القائل : نحن أبناء الله وأحباؤه ، والحدود تقام على كل من يقارف موجب الحد ، وقيل : أي : له أن يحكم بما يريد ; فلهذا فرق بين المحارب وبين السارق غير المحارب ، وقد تقدم نظائر هذه الآية والكلام فيها فلا معنى لإعادتها والله الموفق .

هذا ما يتعلق بآية السرقة من بعض أحكام السرقة ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وذلك أن لله ملك السماوات والأرض، يتصرف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ) الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع ، وقيل : معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطابا لكل أحد من الناس ، ( يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ) قال السدي والكلبي : يعذب من يشاء : من مات على كفره ، ويغفر لمن يشاء الكبيرة ، من تاب من كفره ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - يعذب من يشاء على الصغيرة ، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة ، ( والله على كل شيء قدير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ألم تعلم» الإستفهام فيه للتقرير «أن الله له ملك السماوات والأرض يعذَّب من يشاء» تعذيبه «ويغفر لمن يشاء» المغفرة له «والله على كل شيء قدير» ومنه التعذيب والمغفرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ألم تعلم -أيها الرسول- أن الله خالق الكون ومُدبِّره ومالكه، وأنه تعالى الفعَّال لما يريد، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، وهو على كل شيء قدير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - ما يدل على شمول قدرته ، ونفاذ إرادته بصيغة الاستفهام التقريري فقال - تعالى - : ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض ) بحيث يتصرف فيهما وفي غيرهما من خلقه تصرف المالك في ملكه بدون مدافع أو منازع .فالاستفهام هنا لتقرير العلم وتأكيده .

أي إنك تعلم أيها العاقل ذلك علما .

متيقتا ، فاعمل بمقتضى هذا العلم ، بأن تكون مطيعا لخالقك في كل ما أمر ونهى وبأن تدعو غيرك إلى هذه الطاعة .وقوله : ( يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ) تأكيد لشمول قدرته ونفاذ إرادته ، أي : هو - سبحانه - المالك لكل شيء ، والخالق لكل شيء وهو صاحب السلطان المطلق في خلقه ، فله - سبحانه - أن يعذب من يشاء تعذيبه وله أن يرحم من يشاء رحمته .قال الآلوسي : وكان الظاهر لحديث : " سبقت رحمتي غضبي " تقديم المغفرة على التعذيب ، وإنما عكس هنا ، لأن التعذيب للمصر على السرقة ، والمغفرة للتائب منها .

وقد قدمت السرقة في الآية أولا ثم ذكرت التوبة بعدها فجاء هذا اللاحق على ترتيب السابق .أو لأن المراد بالتعذيب القطع ، وبالمغفرة التجاوز عن حق الله - تعالى - والأول في الدنيا والثاني في الآخرة ، فجيء به على ترتيب الوجود .

ولأن المقام مقام الوعيد .وقوله : ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل مؤكد لما قبله ، ومقرر لشمول قدرته - سبحانه - على كل شيء .هذا وقد تكلم العلماء عن معنى السرقة ، وعن شروط إقامة حدها ، وعن طريقة إثباتها .وعن غير ذلك من المسائل المتعلقة بها ، تكلموا عن كل ذلك باستفاضة في كتب الفقه وفي بعض كتب التفسير .ونرى أنه لا بأس من ذكر خلاصة لبعض المسائل التي تحدثوا عنها فنقول :1 - عرف الفقهاء السرقة شرعا بأنها أخذ العاقل البالغ مقدارا مخصوصاً من المال على طريق الاستخفاء من حرز بمكان أو حافظ وبدون شبهة .2 - وقد ذهب بع الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئاً قطعت يده به ، سواء أكان قليلا أم كثيراً ، لعموم هذه الآية .ولكن جمهور الفقهاء يرون أنه لا تقطع يد السارق إلا إذا بلغ المسروق قدراً معيناً من المال ، وقد تفاوت أنظارهم في هذا القدر .فالأحناف يرون أنه لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعداً ، أو فيما قيمته عشرة دراهم .

ومن حججهم ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع فيما دون عشرة دراهم " .والمالكية والشافعية يرون أنه لا قطع إلا في ربع دينار أو فيما قيمته ذلك .ومن حججهم ما روى عن عائشة أنها قالت : " تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً " .قال القرطبي : وظاهر الآية العموم في كل سارق وليس كذلك لقوله صلى الله عليه وسلم " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً " فبين أنه إنما أراد بقوله ( والسارق والسارقة ) بعض السراق دون بعض ، فلا تقطع يد السارق في أقل من ربع دينار ، ويقطع في ربع دينار أو فيما قيمته ربع دينار أو في ثلاثة دراهم .

.

وقال أحمد : إن سرق ذهبا فربع دينار .

وإن سرق غير الذهب والفضة فالقيمة ربع دينار أو ثلاثة دراهم من الورق .وقال أبو حنيفة وصاحباه والثوري : لا تقطع يد السارق إلا في عشرة دراهم كيلا ، أو في دينار ذهباً عيناً أو وزناً .

ولا يطقع حتى يخرج بالمتاع من ملك صاحبه .

.

ثم قال : وتقطع اليد من الرسغ .

ولا خلاف في أن اليمنى هي التي تقطع أولا .3 - وقد اشترط الفقهاء في المال المسروق الذي تقطع فيه يد السارق أن يكون مالا محرزاً ، أي مصوناً محفوظاً معنيا بحفظه العناية اللائقة بمثله .قال القرطبي : الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس ، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله .

قال ابن المنذر : ليس في هذا الباب خبر ثابت لا مقال فيه لأهل العلم .

وإنما ذلك كالإِجماع من أهل العلم .

وحكى عن الحسن وأهل الظاهر أنهم لم يشترطوا الحرز .

وفي الموطأ لمالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا قطع في ثمر معلق - أي في ثمر على الأشجار - ولا حريسة جبل - أي ما يحرس بالجبل - فإذا أواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " .كذلك اشترطوا عدم الشبهة في المال المسروق لقوله صلى الله عليه وسلم : " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " .فلا يقطع من سرق مالا له فيه شركة ، أو سرق من مدينة مثل دينه ، ولا يقطع البعد إذا سرق من مال سيده .

ولا الأب إذا سرق من مال ابنه وما أشبه ذلك لوجود الشبهة .كذلك اشترطوا في المسروق الذي يجب فيه الحد أن يكون مالا متقوما .

أي : مما يتموَّ له الناس ، ويعدونه لمقاصدهم المختلفة فلا تقطع يد السارق إذا سرق شيئاً تافها ، أو سرق شيئاً مما لا يتمول كالتراب والطين والماء وما يشبه ذلك .كذلك اشترطوا فيه ألا يكون مما يحرم تناوله أو إستعماله .

فإا كان مما يحرم تناوله أو استعماله كالخمر أو الخنزير أو أدوات اللهو والمجون فإنه في تلك الأحوال لا تقطع يد السارق .وهكذا نرى أن الشريعة الإِسلامية وإن كانت قد شرعت العقوبات الشديدة لزجر العصاة والمفسدين والخائنين .

.

إلا أنها لا تطبق هذه العقوبات إلا على الذين يستحقونها ، وفي أضيق الحدود ، وبأدق الشروط ، عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم " ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم " .ولو أن المسلمين ساروا على هدى شريعة الله لنالوا الأمان والاطمئنان في دنياهم ، والفوز والرضا من الله - تعالى - في أخراهم .4 - كذلك أخذ أكثر الشافعية والحنابلة من قوله - تعالى - ( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ ) أن التوبة تمنع إقامة الحد .قالوا : لأن هذه الآية قد اقترنت بقوله - تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ) فكانت مخصصة للعموم في الأمر بالقطع ، وإلا ما اقترنت به ولأنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة أن التوبة تجب ما قبلها ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " التائب من الذنب كمن لا ذنب له " .ويرى الأحناف والمالكية أن التوبة لا تسقط الحد ، لأن الأمر بالقطع عام يشمل التائب وغير التائب ، والتوبة المنصوص عليها في هذه الآية هي ما يكون بعد إقامة الحد كما جاءت بذلك الأحاديث النبوية .قال ابن كثير : قوله - تعالى - ( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ) إلخ .

أي : من تاب بعد سرقته وأناب إلى الله إن الله يتوب عليه فيما بينه وبينه .

فأما أموال الناس فلابد من ردها إليهم أو رد بدلها .

وهذا عند الجمهور .وقال أبو حنيفة : متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد بدلها .وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بسارق قد سرق شملة فقال " " ما إخاله قد سرق " فقال السارق : بلى يا رسول الله .

فقال صلى الله عليه وسلم : " اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه ثم ائتوني به " فقطع فأتى به فقال : تب إلى الله ، فقال : تبت إلى الله .

فقال : " تاب الله عليك "- أي : قبل توبتك .وروى ابن ماجه عن ثعلبة الأنصاري : أن عمر بن سمرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا رسول الله ، إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني .

فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا افتقدنا جملا لنا .

فأمر به فقطعت يده وهو يقول : الحمد لله الذي طهرني منك .

أردت أن تدخلي جسدي النار " .روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمرو " أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بها الذين سرقتهم فقالوا : يا رسول الله : إن هذه المرأة سرقتنا ، قال قومها : فنحن نفديها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - " اقطعوا يدها .

فقطعت يدها اليمنى .

فقالت المرأة : هل لي من توبة يا رسول الله؟

قال : نعم .

أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك ، فأنزل الله - تعالى - : ( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ ) " الآية .هذه خلاصة لبعض المسائل والأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآيات الكريمة ، ومن أراد المزيد من ذلك فليرجع إلى ما كتبه الفقهاء في كتبهم ، وإلى ما كتبه بعض المفسرين في تفاسيرهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما أوجب قطع اليد وعقاب الآخرة على السارق قبل التوبة، ثم ذكر أنه يقبل توبته إن تاب أردفه ببيان أن له أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء، وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة تقدم السرقة على التوبة.

قال الواحدي: الآية واضحة للقدرية في التعديل والتجويز، وقولهم بوجوب الرحمة للمطيع، ووجوب العذاب للعاصي على الله، وذلك لأن الآية دالة على أن الرحمة مفوضة إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك.

وأقول: فيه وجه آخر يبطل قولهم، وذلك لأنه تعالى ذكر أولاً قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والارض ﴾ ثم رتب عليه قوله: ﴿ يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ﴾ وهذا يدل على أنه إنما حسن منه التعذيب تارة، والمغفرة أخرى، لأنه مالك الخلق وربهم وإلههم، وهذا هو مذهب أصحابنا فإنهم يقولون: إنه تعالى يحسن منه كل ما يشاء ويريد لأجل كونه مالكاً لجميع المحدثات، والمالك له أنه يتصرف في ملكه كيف شاء وأراد: أما المعتزلة فإنهم يقولون: حسن هذه الأفعال من الله تعالى ليس لأجل كونه إلها للخلق ومالكاً لهم، بل لأجل رعاية المصالح والمفاسد، وذلك يبطله صريح هذه الآية كما قررناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والسارق والسارقة ﴾ رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه، كأنه قيل: وفيما فرض عليكم السارق والسارقة أي حكمهما.

ووجه آخر وهو أن يرتفعا بالابتداء، والخبر ﴿ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ودخول الفاء لتضمنهما معنى الشرط، لأن المعنى: والذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما، والاسم الموصول يضمن معنى الشرط.

وقرأ عيسى بن عمر بالنصب، وفضلها سيبويه على قراءة العامّة لأجل الأمر لأنّ (زيداً فاضربه) أحسن من (زيد فاضربه) ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾ يديهما، ونحوه: ﴿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾ [التحريم: 4] اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف.

وأريد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد الله: ﴿ والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ﴾ ، والسارق في الشريعة: من سرق من الحرز: والمقطع.

الرسغ.

وعند الخوارج: المنكب.

والمقدار الذي يجب به القطع عشرة دراهم عند أبي حنيفة، وعند مالك والشافعي رحمهما الله ربع دينار.

وعن الحسن درهم وفي مواعظه: احذر من قطع يدك في درهم ﴿ جَزَاء ﴾ و ﴿ نكالا ﴾ مفعول لهما ﴿ فَمَن تَابَ ﴾ من السرّاق ﴿ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ من بعد سرقته ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ أمره بالتفصي عن التبعات ﴿ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ ويسقط عنه عقاب الآخرة.

وأمّا القطع فلا تسقطه التوبة عند أبي حنيفة وأصحابه وعند الشافعي في أحد قوليه تسقطه (مَن يَشَآءُ) من يجب في الحكمة تعذيبه والمغفرة له من المصرين والتائبين.

وقيل: يسقط حدّ الحربي إذا سرق بالتوبة، ليكون أدعى له إلى الإسلام وأبعد من التنفير عنه، ولا يسقطه عن المسلم: لأنّ في إقامته الصلاح للمؤمنين والحياة ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179] .

فإن قلت: لم قدّم التعذيب على المغفرة؟

قلت: لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.

﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ قَدَّمَ التَّعْذِيبَ عَلى المَغْفِرَةِ إيتاءً عَلى تَرْتِيبِ ما سَبَقَ، أوْ لِأنَّ اسْتِحْقاقَ التَّعْذِيبِ مُقَدَّمٌ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ القَطْعُ وهو في الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَلَمْ تَعْلَمْ} يا محمد أو يا مخاطب {أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُعَذّبُ مَن يَشَاء} من مات على الكفر {وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ} لمن تاب عن الكفر {والله على كُلّ شَىْء} من التعذيب والمغفرة وغيرهما {قَدِيرٌ} قادر وقدم التعذيب على المغفرة هنا لتقدم السرقة على التوبة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ أحَدٍ يَصْلُحُ لَهُ، واتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ - عَلى ما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ -: اتِّصالُ الحِجاجِ والبَيانِ عَنْ صِحَّةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: المُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِذَلِكَ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ، أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ، والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ، المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما، وفِيما اشْتَمَلا عَلَيْهِ إيجادًا وإعْدامًا، إحْياءً وإماتَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و( مُلْكُ السَّماواتِ ) مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ ( أنَّ ) وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ( تَعْلَمْ ) عِنْدَ الجُمْهُورِ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ إمّا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ سُبْحانَهُ، وإمّا خَبَرٌ آخَرُ لِـ( أنَّ ) وكانَ الظّاهِرُ لِحَدِيثِ: ««سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضْبِي»» تَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ، وإنَّما عُكِسَ هُنا لِأنَّ التَّعْذِيبَ لِلْمُصِرِّ عَلى السَّرِقَةِ، والمَغْفِرَةَ لِلتّائِبِ مِنها، وقَدْ قُدِّمَتِ السَّرِقَةُ في الآيَةِ أوَّلًا ثُمَّ ذُكِرَتِ التَّوْبَةُ بَعْدَها فَجاءَ هَذا اللّاحِقُ عَلى تَرْتِيبِ السّابِقِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالتَّعْذِيبِ القَطْعُ، وبِالمَغْفِرَةِ التَّجاوُزُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، والأوَّلُ في الدُّنْيا، والثّانِي في الآخِرَةِ، فَجِيءَ بِهِ عَلى تَرْتِيبِ الوُجُودِ، أوْ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ الوَعِيدِ، أوْ لِأنَّ المَقْصُودَ وصْفُهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ، والقُدْرَةُ في تَعْذِيبِ مَن يَشاءُ أظْهَرُ مِنَ القُدْرَةِ في مَغْفِرَتِهِ؛ لِأنَّهُ لا إباءَ في المَغْفِرَةِ مِنَ المَغْفُورِ، وفي التَّعْذِيبِ إباءٌ بَيِّنٌ.

﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ووَجْهُ الإظْهارِ كالنَّهارِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والارض، يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات.

ويقال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يحكم فيها ما يشاء، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ إذا أصرّ على ذنوبه، وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ إذا تاب ورجع، ومعناه: أن السارق إذا تاب، ورد المال لا يقطع ويتجاوز عنه، وإن لم يتب قطعت يده.

ألا ترى أن الله تعالى قال: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ إذا لم يتب ويتجاوز إذا تاب، فافعلوا أنتم مثل ذلك، لأن الله تعالى مع قدرته يتجاوز عن عباده، وهو قوله: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المغفرة والعذاب.

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ نزلت في شأن «أبي لبابة بن عبد المنذر» ، وذلك أن النبيّ  لما حاصر بني قريظة فأشار إليهم أبو لبابة، وكان حليفاً لهم، إنكم إن نزلتم من حصونكم قتلكم فلا تنزلوا، فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي يبادرون ويقعون في الكفر، مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ يعني ذلك بألسنتهم وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ في السر.

وقال الضحاك: نزلت الآية في شأن المنافقين، كانت علانيتهم تصديقاً، وسرائرهم تكذيباً.

قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ يعني: قوالون للكذب، وقال القتبي: تفسير سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أي: قابلون للكذب، لأن الرجل يسمع الحق والباطل، ولكن يقال: لا تسمع من فلان قولاً، أي: لا تقبله، ومعنى آخر إنهم يسمعون منك ليكذبوا عليك، لأنهم إنما جالسوه لكي يقولوا: سمعنا منه كذا وكذا، وإنما صار سَمَّاعُونَ رفعاً لأن معناه: هم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ من سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ يعني: أهل خيبر لم يأتوك، وذلك أن رجلاً وامرأة من أهل خيبر زنيا فكرهوا رجمهما، فكتبوا إلى يهود بني قريظة أن يذهبوا بهما إلى رسول الله  : فإن حكم بالجلد رضوا عنه بحكمه وإن حكم بالرجم لم يقبلوا.

وروى نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله  ، وذكروا له أن رجلاً وامرأة زنيا.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله  : «ما تجدون في التوراة فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟» .

فقالوا: يحممان ويجلدان، يعني: تُسَوَّدُ وجوههما.

فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة.

فأتوا بها فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، وقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم.

فقالوا: صدق عبد الله بن سلام، يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله  فرجما.

قال ابن عمر: فرأيت الرجل يحنو على المرأة يقيها الحجارة.

وروى الشعبي عن جابر بن عبد الله أنه قال: زنى رجل من أهل فَدَك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن يسألوا محمداً  عن ذلك، فإن أمركم بالحد فحدوه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه، فسألوه، فدعا ابن صوريا وكان عالمهم، وكان أعور، فقال له رسول الله  : «أنشُدُكَ الله كَيفَ تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُم» ؟.

فقال ابن صوريا: فأما إذ ناشدتني بالله، فإنا نجد في التوراة أن النظر زنية، والاعتناق زنية والقبلة زنية، فإن شهد أربعة بأنهم رأوه كالميل في المكحلة فقد وجب الرجم.

فقال النبيّ  : «هُوَ ذلك» .

وروي عن أبي هريرة قال: بينما نحن عند رسول الله  ، إذ جاء رجال من اليهود، وقد تشاوروا في صاحب لهم زنى بعد ما أُحْصن، قالوا: فانطلقوا فلنسأل هذا النبيّ  ، فإن أفتانا بفتوى فيها تخفيف، فاحتججنا عند الله تعالى بها، وإن أفتانا بما فرض الله علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك.

فقد تركنا ذلك في التوراة وهي أحق أن تطاع، فقالوا: يا أبا القاسم إنه زنى صاحبٌ لنا قد أحصن، فما ترى عليه من العقوبة؟.

فقام رسول الله  ، وقمنا معه، حتى أتى بيت مدراس اليهود، فوجدهم يتدارسون التوراة فقال لهم «يا مَعْشَرَ اليَهُودِ، أَنْشُدُكُمْ بالله الذي أَنْزَلَ التَّورَاة على موسى-  - ما تجدون في التوراة مِنَ العُقُوبَةِ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَد أَحْصَنَ» ؟.

فقالوا: إنا نجد أن يجلد ويحمم، وسكت حبرهم وهو في جانب البيت فأقبل النبيّ  ينشده، فقال له حبرهم: إذا ناشدتنا فإنا نجد عليه الرجم، فقال رسول الله  : «كَانَ أَوَّلَ مَا تَرَخَّصْتُمْ به أمر الله تَعَالَى» ؟، قال: إنه قد زنى رجل قد أحصن، وهو ذو قرابة لملك من ملوكنا فسجنه، وأخر عنه الحد، وزنى رجل آخر، فأراد الملك رجمه، فجاء قومه وقالوا: لا ترجمه حتى ترجم فلاناً، فاصطلحوا بينهم على عقوبة دون الرجم، وتركوا الرجم.

فقال النبيّ  : «فَإنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِمَا في التوراة» ، فنزل قوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ.

قال الزجاج: يعني: من بعد أن وضعه الله تعالى مواضعه، وأحل حلاله وحرم حرامه.

يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ يعني: إن أمركم بالجلد فاقبلوه واعملوا به، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يقولون: إن لم يوافقكم على ما تطلبون، ويأمركم بالرجم فلا تقبلوا منه.

قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ يعني: كفره، وشركه، ويقال: فضيحته، ويقال: اختباره، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يقول: لن تقدر أن تمنعه من عذاب الله شيئا.

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر، ولم يرد أن يدخل حلاوة الإيمان في قلوبهم، وخذلهم مجازاة لكفرهم، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ يعني: القتل، والسبي، والجزية، وهو قتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ أعظم مما كان في الدنيا.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وعْظٌ من اللَّه تعالى بعقب ذكر العقوبات النازلة بالمحاربين، وهذا من أبلغ الوعْظ لأنه يرد على النفوس، وهي خائفةٌ وجِلَةٌ وَابْتَغُوا: معناه: اطلبوا، والْوَسِيلَةَ: القربة، وأما الوسيلة المطلوبة لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فهي أيضاً من هذا لأن الدعاء له بالوسيلةِ والفضيلةِ إنما هو أنْ يُؤْتَاهُما في الدنيا، ويتَّصف بهما، ويكونُ ثمرةُ ذلك في الآخرةِ التشفيعَ في المَقَامِ المحمودِ، قلْتُ: وفي كلامه هذا ما لا يخفى، وقد فسر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الوسيلةَ التي كان يَرْجُوها من ربه، «وأَنَّهَا دَرَجَةٌ فِي الجَنَّةِ لاَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ ...

» «١» الحديث، وخص سبحانه الجهادَ بالذكْر، وإن كان داخلاً في معنى الوسيلة تشريفاً له إذ هو قاعدةُ الإسلام.

وقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ: إخبار بأنهم يتمنَّوْنَ هذا، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن: إذا فَارَتْ بهم النارُ، قَرُبُوا من حاشيتها، فحينئِذٍ يريدونَ الخُرُوجَ، ويطمعون به «٢» ، وتأوَّل هو وغيره الآية على هذا قلْتُ: ويؤيِّده ما خرّجه البخاريّ في رؤية النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «حَيْثُ أَتَاهُ آتيَانِ، فَأَخَذَا بِيَدِهِ» ، وفيه: «فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، رمى الرجل بِحَجَرٍ فِي فِيهِ» ، وفيه أيضاً: «فَانْطَلَقْنَا إلى ثُقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلاَهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارٌ، فَإذَا اقترب، ارتفعوا، فَإذَا خَمَدَتْ، رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟

فَقَالاَ: انطلق ...

» «٣» الحديث، وأخبر سبحانه عن هؤلاءِ الكفَّار أنهم ليسوا بخارجين من النار، بل عذابهم فيها مقيم مؤبّد.

وقوله سبحانه: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ...

الآيةَ: قلت «٤» :

المسروق: مال أو غيره.

فشرط المال: أنْ يكون نصاباً، بعد خروجه، مملوكاً لغير السارقِ، ملكاً محترماً، تامًّا، لا شُبهة «١» له فيه، مُحْرَزاً، مُخْرَجاً منه إلى ما ليس ...

بحرز «١» له، استسرارا.

فالنصاب: ربعُ دينارٍ أو ثلاثةُ دراهم، أو ما يساوي ثلاثة «١» دراهم، وقوله:

..

أَيْدِيَهُما يعني: أَيْمانَ النوعَيْن «١» ، والنَّكَال: العذابُ، والنِّكْل: القيد.

وقوله سبحانه: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ...

الآية:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ امْرَأةً كانَتْ قَدْ سَرَقَتْ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ، أيْ: سَرِقَتِهِ، وأصْلَحَ العَمَلَ، فَإنَّ اللَّهَ يَتَجاوَزُ عَنْهُ، إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لِما كانَ مِنهُ قَبْلَ التَّوْبَةِ، رَحِيمٌ لِمَن تابَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ اَلْمَعْنى عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ مَن تابَ مِنَ السَرِقَةِ فَنَدِمَ عَلى ما مَضى؛ وأقْلَعَ في المُسْتَأْنَفِ؛ وأصْلَحَ - بِرَدِّ الظُلامَةِ إنْ أمْكَنَهُ ذَلِكَ؛ وإلّا فَبِإنْفاقِها في سَبِيلِ اللهِ - وأصْلَحَ أيْضًا في سائِرِ أعْمالِهِ؛ وارْتَفَعَ إلى فَوْقَ؛ فَإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ حُكْمَ السَرِقَةِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى؛ وهو في المَشِيئَةِ مَرْجُوٌّ لَهُ الوَعْدُ؛ ولَيْسَ تُسْقِطُ عنهُ التَوْبَةُ حُكْمَ الدُنْيا مِنَ القَطْعِ؛ إنِ اعْتَرَفَ؛ أو شُهِدَ عَلَيْهِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلتَّوْبَةُ والإصْلاحُ هي أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَشْدِيدٌ؛ وقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الذُنُوبِ بابَيْنِ؛ أحَدُهُما الحَدُّ؛ والآخَرُ التَوْبَةُ؛ وقالَ الشافِعِيُّ: إذا تابَ السارِقُ؛ وقَبْلَ أنْ يَتَلَبَّسَ الحاكِمُ بِأخْذِهِ؛ فَتَوْبَتُهُ تَرْفَعُ عنهُ حُكْمَ القَطْعِ قِياسًا عَلى تَوْبَةِ المُحارِبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ألَمْ تَعْلَمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَوْقِيفٌ وتَنْبِيهٌ عَلى العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِإنْفاذٍ هَذِهِ الأوامِرِ في المُحارِبِينَ؛ والسَرِقَةِ؛ والإخْبارِ بِهَذا التَعْذِيبِ لِقَوْمٍ والتَوْبَةِ عَلى آخَرِينَ؛ وهي مِلْكُهُ تَعالى لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ فَهو بِحَقِّ المِلْكِ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ ولا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ ما كانَ يَلْقى مِن طَوائِفِ المُنافِقِينَ؛ وبَنِي إسْرائِيلَ؛ والمَعْنى: قَدْ وعَدْناكَ النَصْرَ والظُهُورَ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَحْزُنْكَ ما يَقَعُ مِنهم خِلالَ بَقائِهِمْ.

وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يَحْزُنْكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ و"حَزَنْتُهُ"؛ بِفَتْحِها؛ وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "يُحْزِنْكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ؛ لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ بِمَعْنى: "حَزَنْتُهُ"؛ وجَعَلْتُهُ ذا حُزْنٍ؛ وقَرَأ الناسُ: "يُسارِعُونَ"؛ وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ: "يُسْرِعُونَ"؛ دُونَ ألِفٍ؛ ومَعْنى المُسارَعَةِ في الكُفْرِ: اَلْبِدارُ إلى نَصْرِهِ؛ وإقامَةِ حُجَجِهِ؛ والسَعْيِ في إطْفاءِ الإسْلامِ بِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَرْتِيبِ مَعْنى الآيَةِ؛ وفِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "بِأفْواهِهِمْ"؛ وفي سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأمّا سَبَبُها فَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وجَماعَةٍ أنَّهم قالُوا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ الرَجْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ؛ وكانَ في التَوْراةِ رَجْمُ الزُناةِ؛ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ غَيَّرُوا ذَلِكَ؛ ورَدُّوهُ جَلْدًا؛ وتَحْمِيمَ وُجُوهٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا الرَجْمَ عَلى أشْرافِهِمْ؛ وأقامُوهُ عَلى صِغارِهِمْ في القَدْرِ؛ فاسْتَقْبَحُوا ذَلِكَ؛ وأحْدَثُوا حُكْمًا سَوَّوْا فِيهِ بَيْنَ الشَرِيفِ والمَشْرُوفِ؛ فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلىالمَدِينَةِ زَنى رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ بِامْرَأةٍ؛ فَرُوِيَ «أنَّ ذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في غَيْرِ المَدِينَةِ في يَهُودِ الحِجازِ؛ وبَعَثُوا إلى يَهُودِ المَدِينَةِ؛ وإلى حُلَفائِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عَنِ النازِلَةِ؛ وطَمِعُوا بِذَلِكَ أنْ يُوافِقَهم عَلى الجَلْدِ والتَحْمِيمِ؛ فَيَشْتَدَّ أمْرُهم بِذَلِكَ؛ فَلَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: عن ذَلِكَ نَهَضَ في جُمْلَةٍ مِن أصْحابِهِ إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ فَجَمَعَ الأحْبارَ هُنالِكَ؛ وسَألَهم عَمّا في التَوْراةِ؛ فَقالُوا: إنّا لا نُجِدُّ فِيها الرَجْمَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّ فِيها الرَجْمَ؛ فانْشُرُوها"؛ فَنُشِرَتْ؛ ووَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَجْمِ؛ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: اِرْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإذا آيَةُ الرَجْمِ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيها بِالرَجْمِ؛ وأنْفَذَهُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الحَدِيثِ اخْتِلافُ ألْفاظٍ؛ ورِواياتٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَرَّ عَلَيْهِ يَهُودِيٌّ ويَهُودِيَّةٌ زَنَيا؛ وقَدْ جُلِدا وحُمِّما؛ فَقالَ: "هَكَذا شَرْعُكم يا مَعْشَرَ يَهُودٍ؟"؛ فَقالُوا: نَعَمْ؛ فَقالَ: "لا"؛ ثُمَّ مَشى إلى بَيْتِ المِدْراسِ؛ وفَضَحَهُمْ؛ وحَكَمَ في ذَيْنِكَ بِالرَجْمِ؛ وقالَ: "لَأكُونَنَّ أوَّلَ مَن أحْيا حُكْمَ التَوْراةِ حِينَ أماتُوهُ".» ورُوِيَ أنَّ الزانِيَيْنِ لَمْ يَكُونا بِالمَدِينَةِ؛ وأنَّ يَهُودَ فَدَكَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا لِيَهُودِ المَدِينَةِ: اِسْتَفْتُوا مُحَمَّدًا؛ فَإنْ أفْتاكم بِما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الجَلْدِ والتَجْبِيَةِ؛ فَخُذُوهُ؛ وإنْ أفْتاكم بِالرَجْمِ فاحْذَرُوا الرَجْمَ؛ قالَهُ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ؛ وغَيْرُهُ: سَبَبُ الآيَةِ: ذَكَرَ اليَهُودُ أنَّ بَنِي النَضِيرِ كانُوا قَدْ غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ؛ فَكانَ النَضْرِيُّ إذا قَتَلَهُ قُرَظِيٌّ قُتِلَ بِهِ؛ وإذا قَتَلَ نَضْرِيٌّ قُرَظِيًّا أُعْطِيَ الدِيَةَ.

وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَضْرِيِّ؛ فَلَمّا جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ؛ إذْ هم أبْناءُ عَمٍّ؛ يَرْجِعانِ إلى جَدٍّ؛ وطَلَبَتِ الحُكُومَةَ إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَتِ النَضِيرُ بَعْضُها لِبَعْضٍ: إنْ حَكَمَ بِما كُنّا عَلَيْهِ فَخُذُوهُ؛ وإلّا فاحْذَرُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ النَوازِلُ كُلُّها وقَعَتْ؛ ووَقَعَ غَيْرُها؛ مِمّا يُضارِعُها؛ ويَحْسُنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُها لِفَضِيحَةِ اليَهُودِ في تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ؛ وتَحَرُّشِهِمْ بِالدِينِ؛ والرِواياتُ في هَذا كَثِيرَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ.

وقَدْ وقَعَ في بَعْضِ الطُرُقِ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ - في قِصَّةِ الرَجْمِ -: فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ وقُمْنا مَعَهُ"؛ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الأمْرَ كانَ في آخِرِ مُدَّةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ أبا هُرَيْرَةَ أسْلَمَ عامَ خَيْبَرَ؛ في آخِرِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وقَدْ كانَتِ النَضِيرُ أُجْلِيَتْ؛ وقُرَيْظَةُ وقُرَيْشٌ قُتِلَتْ؛ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ لا شَيْءَ؛ فَكَيْفَ كانَ لَهم بَيْتُ مِدْراسٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ؟

أو إنْ كانَ لَهم بَيْتٌ عَلى حالِ ذِلَّةٍ؛ فَهَلْ كانَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَحْتاجُ - مَعَ ظُهُورِ دِينِهِ - إلى مُحاجَّتِهِمْ تِلْكَ المُحاجَّةَ؟

وظاهِرُ حَدِيثِ بَيْتِ المِدْراسِ أنَّهُ كانَ في صَدْرِ الهِجْرَةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مَعَ عِزَّةِ كَلِمَتِهِ؛ مِن حَيْثُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ حُكْمَهم مِن أيْدِي أحْبارِهِمْ بِالحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِن كِتابِهِمْ؛ فَلِذَلِكَ مَشى إلى بَيْتِ مِدْراسِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهَذا عِنْدِي يَبْعُدُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الوَقْتَ يُحْزِنُونَهُ؛ ولا كانَ لَهم حالٌ يُسَلّى عنها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وأمّا اخْتِلافُ الناسِ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ فَقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ؛ أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ: ما الأمْرُ؟

وعَلامَ نَنْزِلُ مِنَ الحُكْمِ؟

فَأشارَ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ بِمَعْنى الذَبْحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وأبُو لُبابَةَ مِن فُضَلاءِ الصَحابَةِ؛ وهو وإنْ كانَ أشارَ بِتِلْكَ الإشارَةِ فَإنَّهُ قالَ: "فَواللهِ ما زالَتْ قَدَمايَ حَتّى عَلِمْتُ أنِّي خُنْتُ اللهَ ورَسُولَهُ"؛ ثُمَّ جاءَ إلى مَسْجِدِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ؛ وأقْسَمَ ألّا يَبْرَحَ كَذَلِكَ حَتّى يَتُوبَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ؛ ويَرْضى رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عنهُ؛ فَإنَّما كانَتْ تِلْكَ الإشارَةُ مِنهُ زَلَّةً؛ حَمَلَهُ عَلَيْها إشْفاقٌ ما عَلى قَوْمٍ كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَوَدَّةٌ ومُشارَكَةٌ قَدِيمَةٌ؛ - رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ وعن جَمِيعِ الصَحابَةِ.

وقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ أرادُوا سُؤالَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في أمْرِ رَجُلٍ مِنهم قَتَلَ آخَرَ؛ فَكَلَّفُوا السُؤالَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ؛ وقالُوا: إنْ أفْتى بِالدِيَةِ قَبِلْنا قَوْلَهُ؛ وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ عن قَتادَةَ في أمْرِ قَتْلِ النَضِيرِ؛ وقُرَيْظَةَ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ اليَهُودُ.

وأمّا تَرْتِيبُ مَعْنى الآيَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الأقْوالِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "يا أيُّها الرَسُولُ لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِنَ اليَهُودِ"؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ: "سَمّاعُونَ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ"؛ ووَصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا بِأفْواهِهِمْ؛ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ؛ إلْزامًا مِنهُ لَهُمْ؛ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهُمْ؛ وبَدَّلُوا أحْكامَها؛ فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَوْراةِ؛ وبِمُوسى؛ وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ؛ مِن حَيْثُ بَدَّلُوها؛ وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كُفْرٌ مِنهُمْ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَمِنهُمْ"؛ لَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ؛ مِن حَيْثُ الطائِفَةُ السَمّاعَةُ غَيْرُ الطائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَمّاعُونَ"؛ وقَرَأ النَحّاسُ: "سَمّاعِينَ"؛ ووَجْهُها عِنْدِي: نُصِبَ عَلى الذَمِّ؛ عَلى تَرْتِيبِ مَن يَقُولُ: "لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ مِن هَؤُلاءِ؛ سَمّاعِينَ"؛ وأمّا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمُنافِقِينَ؛ ولِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم يَسْمَعُ الكَذِبَ؛ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ؛ ويَقْبَلُونَهُ؛ وَلِذَلِكَ جاءَتْ عِبارَةُ سَماعِهِمْ في صِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ إذِ المُرادُ أنَّهم يَقْبَلُونَ ويَسْتَزِيدُونَ مِن ذَلِكَ المَسْمُوعِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: "لِلْكَذِبِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ؛ ويَنْقُلُوا حَدِيثَكَ؛ ويَزِيدُوا مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "لِلْكِذْبِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ الذالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَسْمَعُونَ مِنهُمْ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جابِرٍ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ الآخَرِينَ يَهُودُ فَدَكَ؛ وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ؛ وقِيلَ: أهْلُ الزانِيَيْنِ؛ وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ؛ والدِيَةِ؛ وهَؤُلاءِ القَوْمُ الآخَرُونَ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتُوا النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ"؛ بِمَعْنى: جَواسِيسَ مُسْتَرِقِينَ لِلْكَلامِ؛ لِيَنْقُلُوهُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ؛ وهَذا مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ ويَهُودُ المَدِينَةِ.

وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى لِلْجاسُوسِ ذِكْرٌ في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟

فَقالَ: نَعَمْ؛ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني، جواب لمن يسأل عن انقلاب حال السارق من العقاب إلى المغفرة بعد التّوبة مع عظم جرمه بأنّ الله هو المتصرّف في السماوات والأرض وما فيهما، فهو العليم بمواضع العقاب ومواضع العفو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما.

إنَّما بَدَأ اللَّهُ تَعالى في السَّرِقَةِ بِالسّارِقِ قَبْلَ السّارِقَةِ، وفي الزِّنى بِالزّانِيَةِ قَبْلَ الزّانِي، لِأنَّ حُبَّ المالِ عَلى الرِّجالِ أغْلَبُ، وشَهْوَةُ الِاسْتِمْتاعِ عَلى النِّساءِ أغْلَبُ، ثُمَّ جَعَلَ حَدَّ السَّرِقَةِ قَطْعَ اليَدِ لِتَناوُلِ المالِ بِها، ولَمْ يَجْعَلْ حَدَّ الزِّنى قَطْعَ الذَّكَرِ مَعَ مُواقَعَةِ الفاحِشَةِ بِهِ، لِثَلاثَةِ مَعانٍ: أحَدُها: أنَّ لِلسّارِقِ مِثْلَ يَدِهِ الَّتِي قُطِعَتْ فَإنِ انْزَجَرَ بِها اعْتاضَ بِالثّانِيَةِ، ولَيْسَ لِلزّانِي مِثْلُ ذَكَرِهِ إذا قُطِعَ فَلَمْ يَعْتَضْ بِغَيْرِهِ لَوِ انْزَجَرَ بِقَطْعِهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَدَّ زَجْرٌ لِلْمَحْدُودِ وغَيْرِهِ، وقَطْعُ اليَدِ في السَّرِقَةِ ظاهِرٌ، وقَطْعُ الذَّكَرِ في الزِّنى باطِنٌ، والثّالِثُ: أنَّ في قَطْعِ الذَّكَرِ إبْطالَ النَّسْلِ ولَيْسَ في قَطْعِ اليَدِ إبْطالُهُ.

وَقَدْ قُطِعَ السّارِقُ في الجاهِلِيَّةِ، وأوَّلُ مَن حَكَمَ بِقَطْعِهِ في الجاهِلِيَّةِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِقَطْعِهِ في الإسْلامِ، فَكانَ أوَّلُ سارِقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ  في الإسْلامِ الخِيارَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، ومِنَ النِّساءِ مُرَّةُ بِنْتُ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وقالَ: «لَوْ كانَتْ فاطِمَةُ لَقَطَعْتُ» .

وقَطَعَ عُمَرُ ابْنَ سَمُرَةَ أخا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ.

والقَطْعُ في السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ بَعْدَ عِلْمِ الإمامِ بِهِ، «لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ  في سارِقِ رِداءِ صَفْوانَ حِينَ أمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقالَ صَفْوانُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، فَقالَ النَّبِيُّ  : (هَلّا قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟

لا عَفا اللَّهُ عَنِّي إنْ عَفَوْتُ.

» ورُوِيَ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ أُتِيَ بِلُصُوصٍ فَقَطَعَهم حَتّى بَقِيَ واحِدٌ مِنهم فَقُدِّمَ لِيُقْطَعَ فَقالَ يَمِينِي أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أُعِيذُها بِعَفْوِكَ أنْ تَلْقى مَكانًا يَشِينُها ∗∗∗ يَدِي كانَتِ الحَسْناءَ لَوْ تَمَّ سَبْرُها ∗∗∗ ولا تَعْدَمُ الحَسْناءُ عابًا يَعِيبُها ∗∗∗ فَلا خَيْرَ في الدُّنْيا وكانَتْ حَبِيبَةً ∗∗∗ إذا ما شَمالِي فارَقَتْها يَمِينُها فَقالَ مُعاوِيَةُ: كَيْفَ أصْنَعُ وقَدْ قَطَعْتُ أصْحابَكَ، فَقالَتْ أُمُّ السّارِقِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اجْعَلْها مِن ذُنُوبِكَ الَّتِي تَتُوبُ مِنها، فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَكانَ أوَّلَ حَدٍّ تُرِكَ في الإسْلامِ.

وَلِوُجُوبِ القَطْعِ مَعَ ارْتِفاعِ الشُّبْهَةِ شَرْطانِ هُما: الحِرْزُ والقِدْرُ، وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في قَدْرِ ما تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ خِلافًا، كُتُبُ الفِقْهِ أوْلى.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ حِينَئِذٍ لِأجْلِ اسْتِثْناءِ القَطْعِ وشُرُوطِهِ عَمَّنْ سَرَقَ مِن غَيْرِ حِرْزٍ أوْ سَرَقَ مِنَ القِدْرِ الَّذِي تُقْطَعُ فِيهِ اليَدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما ﴾ هَلْ هو عامٌّ خُصَّ؟

أوْ مُجْمَلٌ فُسِّرَ عَلى وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ العُمُومُ الَّذِي خُصَّ.

والثّانِي: أنَّهُ المُجْمَلُ الَّذِي فُسِّرَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ جَزاءً بِما كَسَبا ﴾ فاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ مَعَ القَطْعِ غُرْمُ المَسْرُوقِ إذا اسْتُهْلِكَ عَلى مَذْهَبَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا غُرْمَ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: يَجِبُ فِيهِ الغُرْمُ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ سارِقِ الدِّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ في التَّوْبَةِ ها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها كالتَّوْبَةِ مِن سائِرِ المَعاصِي والنَّدَمِ عَلى ما مَضى والعَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ.

والثّانِي: أنَّها الحَدُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قالَ: «سَرَقَتِ امْرَأةٌ حُلِيًّا فَجاءَ الَّذِينَ سَرَقَتْهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ سَرَقَتْنا هَذِهِ المَرْأةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اقْطَعُوا يَدَها اليُمْنى فَقالَتِ المَرْأةُ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (أنْتِ اليَوْمَ مِن خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾ » قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَغْفِرُ لِمَن تابَ مِن كُفْرِهِ، ويُعَذِّبُ مَن ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وهَذا قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

الثّانِي: يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ في الدُّنْيا عَلى مَعاصِيهِمْ بِالقَتْلِ والخَسْفِ والمَسْخِ والآلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صُنُوفِ عَذابِهِ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم في الدُّنْيا بِالتَّوْبَةِ واسْتِنْقاذِهِمْ بِها مِنَ الهَلَكَةِ وخَلاصِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمر «أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها اليمنى.

فقالت: هل لي من توبة يا رسول الله؟

قال: نعم، أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك، فأنزل الله في سورة المائدة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ﴾ » .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ﴾ يقول: الحد كفارته.

وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن عن ثوبان قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل سرق شملة، فقال: ما أخاله سرق أو سرقت؟

قال: نعم.

قال: اذهبوا به فاقطعوا يده ثم احسموها ثم ائتوني به، فأتوه به فقال: تبت إلى الله؟

فقال: إني أتوب إلى الله.

قال: اللهم تب عليه.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن المنكدر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع رجلاً ثم أمر به فحسم وقال: تب إلى الله، فقال أتوب إلى الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن السارق إذا قطعت يده وقعت في النار، فإن عاد تبعها، وإن تاب استشلاها، يقول: استرجعها» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد على الذنب اليسير ﴿ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ الذنب العظيم (١) وبيان هذا ما قال الضحاك: (يعذب من شاء) على الصغير إذا أقام عليه، (ويغفر لمن يشاء) الكبير إذا نزع عنه (٢) وقال الكلبي: ﴿ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من مات على كفره، ﴿ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من تاب من كفره (٣) وقال السدي: يهدي من يشاء فيغفر له، ويعذب من يشاء، فيميته على كفره (٤) والآية بإطلاقها فاضحة للقدرية في التعديل والتجويز، وقولهم بوجوب الرحمة على الله للمطيع، ووجوب العذاب للعاصي، حيث فوض الأمر فيهما إلى المشيئة.

(١) ذكره بمعناه البغوي في "تفسيره" 3/ 55.

(٢) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 878 ولم أقف عليه، وقد ذكر أبو حيان له قولًا، كقول الكلبي بعده، انظر: "البحر المحيط" 3/ 485.

(٣) ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 55، ونسبه للسدي أيضًا.

(٤) ذكره المؤلف في "الوسيط" 3/ 878، ولم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ عموم الآية يقتضي قطع كل سارق؛ إلا أن الفقهاء اشترطوا في القطع شروطاً خصصوا بها العموم؛ فمن ذلك من اضطره الجوع إلى السرقة لم يقطع عند مالك؛ لتحليل الميته له، وكذلك من سرق مال والده أو سيده، أو من سرق من غير حرز، مكان محفوظ أو سرق أقل من النصاب، وهو عند مالك ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة، أو ما يساوي أحدهما، وأدلة التخصيص بهذه الأشياء في غير هذه الآية، وقد قيل: إن الحرز مأخوذ من هذه الآية، لأن ما أهمل بغير حرز أو ائتمن عليه، فليس أخذه سرقة وإنما هو اختلاس أو خيانة، وإعراب السارق عند سيبوية مبتدأ، وخبره محذوف: كأنه قال فيما يتلى عليكم السارق والسارقة، والخبر عند المبرد وغيره فاقطعوا أيديهما، ودخلت الفاء لتضمنها معنى الشرط ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾ الآية: توبة السارق هي أن يندم على ما مضى، ويقلع فيما يستقبل، ويردّ ما سرق إلى من يستحقه، واختلف إذا تاب قبل أن يصل إلى الحاكم، هل يسقط عنه القطع وهو مذهب الشافعي لظاهر الآية؟

أو لا يسقط عنه وهو مذهب مالك؛ لأن الحدود عنده لا تسقط بالتوبة إلا عن المحارب للنص عليه ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ قدم العذاب على المغفرة لأنه قوبل بذلك تقدم السرقة على التوبة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لأقتلنك ﴾ بالنون الخفيفة.

روى المعدّل عن زيد ﴿ يدي إليك ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع.

﴿ من أجل ﴾ بكسر النون: يزيد وقرأ ورش بفتح النون موصولة ﴿ رسلنا ﴾ بسكون السين حيث كان: أبو عمرو.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ م على أن "إذ" معمول اذكر محذوفاً ولو وصل لأوهم أنه معمول ﴿ اتل ﴾ وهو محال ﴿ من الآخر ﴾ ط ﴿ لأقتلنك ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ لأقتلك ﴾ ج لاحتمال إضمار اللام أو الفاء.

﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ ه ج لأجل الفاء ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ سوأة أخيه ﴾ ط ﴿ أخي ﴾ ج لطول ما اعترض من المعطوف/ والمعطوف عليه ﴿ النادمين ﴾ ه ج ﴿ من أجل ذلك ﴾ ج كذلك لأنّ قوله: ﴿ من أجل ﴾ يصلح أن يتعلق بـ ﴿ أصبح ﴾ وبـ ﴿ كتبنا ﴾ .

﴿ جميعاً ﴾ في الموضعين ط.

﴿ بالبينات ﴾ ز لأنّ "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ لمسرفون ﴾ ه ﴿ من الأرض ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ لا عليهم ﴾ ج لتناهي الاستثناء مع الجواب أي لا تعذب التائبين ﴿ فإنّ الله غفور رحيم ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ منهم ﴾ ج لتناهي الشرط مع اتحاد المقصود من الكلام ﴿ أليم ﴾ ه لاتحاد المقصود مع اختلاف الجملتين ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ يتوب عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه.

التفسير: في النظم وجوه منها: أنه راجع إلى قوله: ﴿ إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم  ﴾ فكأنه  ذكر لأجل تسلية نبيّه  قصصاً كثيرة كقصة النقباء وما انجرّ إليه الكلام من إصرار أهل الكتاب وتعنتهم بعد ظهور الدلائل القاطعة، ثم ختمها بقصة ابني آدم وأنّ أحدهما قتل الآخر حسداً وبغياً ليعلم أنّ الفضل كان محسوداً بكل أوان.

ومنها أنه عائد إلى قوله: ﴿ يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب  ﴾ فإنّ هذه القصة وكيفية إيجاب القصاص بسببها كانت من أسرار التوراة.

ومنها أنه من تمام قوله: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ أي لا ينفعهم كونهم من أولاد الأنبياء مع كفرهم كما لم ينفع قابيل.

والمراد اتل على الناس أو على أهل الكتاب خبر ابني آدم من صلبه - هابيل وقابيل - تلاوة ملتبسة بالحق والصحة من عند الله  ، أو ملتبسة بالصدق - لما في التوارة والإنجيل أو بالغرض الصحيح وهو تقبيح الحسد والتحذير من سوء عاقبة الحاسد.

أو اتل عليهم وانت محق صادق لا مبطل هازل كالأقاصيص التي لا غناء فيها ﴿ إذ قربا ﴾ قال في الكشاف: نصب بالنبا أي قصتهم في ذلك الوقت أو بدل من النبا أي نبأ ذلك الوقت على حذف المضاف والمقصود إذ قرب كل واحد منهما قرباناً إلاّ أنه جمعهما في الفعل اتكالاً على قرينة الحكاية، أو لأنّ القربان في الأصل مصدر، ثم سمي به ما يتقرب به إلى الله  من ذبيحة أو صدقة.

يروى أنّ آدم  كان يولد له في كل سنة بطن غلام وجارية، فكان يزوّج البنت من بطن بالغلام من بطن آخر فولد قابيل وتوأمته إقليما وبعدهما هابيل وتوأمته لبودا.

وكانت توأمه قابيل أحسن وأجمل فأراد آدم أن يزوّجها من هابيل فأبى قابيل وقال: أنا أحق بها وليس هذا من الله وإنما هو رأيك.

فقال آدم لهما: قرّبا قرباناً فمن أيكما قبل قربانه زوّجتها منه.

فقبل الله قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته فازداد قابيل سخطاً وقتل أخاه حسداً.

هذا ما عليه أكثر المفسرين وأصحاب الأخبار, وقال الحسن والضحاك: إنهما ما كانا ابني آدم لصلبه وإنما كانا رجلين من بني إسرائيل لقوله عزّ من /قائل: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل ﴾ ومن البين أنّ صدور الذنب من أحد ابني آدم لا يصلح أن يكون سبباً لإيجاب القصاص على بني إسرائيل، وزيف بأنّ الآية تدل على أنّ القاتل جهل ما يصنع بالمقتول حتى تعلم ذلك من عمل الغراب ولو كان من بني إسرائيل لم يخف عليه.

قال مجاهد: أكل النار علامة الرد.

وجمهور المفسرين على أنّ ذلك علامة القبول.

وقيل: ما كان في ذلك الوقت فقير يدفع إليه ما يتقرّب إلى الله فكانت النار تنزل من السماء فتأكله.

وإنما صار أحد القربانين مقبولاً والآخر مردوداً لأنّ حصول التقوى شرط في قبول الأعمال ولهذا قال  حكاية عن المحق في جواب المبطل: ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ وذلك لأنه لما كان الحسد هو الذي حمله على توعده بالقتل فكأنه قال له: ما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على طاعة الله  التي هي السبب في القبول؟

قيل في هذه القصة: إنّ أحدهما جعل قربانه أحسن ما كان معه وكان صاحب غنم، والآخر جعله أرادأ ما كان معه وكان صاحب زرع.

وقيل: إنه أضمر حين قرب أنه لا يزوّج أخته من هابيل سواء قبل أو لم يقبل.

وقيل: لم يكن قابيل من أهل التقوى وفي الكلام حذف فكأن هابيل قال في جواب المتوعد: لم تقتلني؟

قال: لأنّ قربانك صار مقبولاً.

فقال هابيل: وما ذنبي إنما يتقبل الله من المتقين.

ثم حكى الله  عن المظلوم أنه قال: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك ﴾ فذكر الشرط بلفظ الفعل والجزاء بلفظ اسم الفاعل مقروناً بالباء المزيدة لتأكيد النفي دلالة على أنه لا يفعل ما يكتسب به هذا الوصف الشنيع ألبتة.

قال مجاهد: كان أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرّج عن قتل أخيه واستسلم له خوفاً من الله لانّ الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت وهذا وجه قوله: ﴿ إني أخاف الله رب العالمين ﴾ وقيل: المعنى لا أبسط يدي إليك لغرض قتلك وإنما أبسط يدي إليك لغرض الدفع.

قال أهل العلم: الدافع عن نفسه يجب عليه أن يدفع بالأيسر فالأيسر وليس له أن يقصد القتل بل يجب عليه أن يقصد الدفع، ثم إن لم يندفع إلاّ بالقتل جاز له ذلك.

ثم قال: ﴿ إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ﴾ فسئل أنه كيف يعقل أن يرجع القاتل مع إثم المقتول ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى  ﴾ ؟

فقال ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة: أي تحمل إثم قتلي وإثمك الذي كان منك قبل قتلي.

وقال الزجاج: ترجع إلى الله بإثم قتلي وأثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك.

وقال في الكشاف: إنه يحتمل مثل الإثم المقدر كأنه قال إني أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي.

سؤال آخر: كيف جاز أن يريد معصية أخيه وكونه من أهل النار؟

والجواب أن هذا الكلام إنما دار بينهما عندما غلب على ظن المقتول أنه يريد قتله وكان ذلك قبل إقدام القاتل على إيقاع القتل فكأنه لما وعظه/ ونصحه قال له: إن كنت لا تنزجر عن هذه الكبيرة بسبب هذه النصيحة فلا بد أن تترصد لقتلي في وقت غفلة وحينئذٍ لا يمكنني أن أدفعك عن قتلي إلاّ إذا قتلتك ابتداء بمجرد الظن والحسبان وهذا مني كبيرة ومعصية، وإذا دار الأمر بين أن أكون فاعل هذه المعصية أنا وبين أن تكون أنت فأنا أحب أن تحصل هذه الكبيرة لك لا لي، ومن البين أن إرادة صدور الذنب عن الغير في هذه الحالة لا يكون حراماً بل هو عين الطاعة.

أو المراد أريد أن تبوء بعقوبة قتلي، ولا شك أنه يجوز للمظلوم أن يرد من الله  عقاب الظالم.

وروي أنّ الظالم إذا لم يجد يوم القيامة ما يرضي خصمه أخذ من سيئات المظلوم وحمل على الظالم، فعلى هذا يجوز أن يقال: إني أريد أن تبوء بإثمي الذي يحمل عليك يوم القيامة إذا لم تجد ما يرضيني، وبإثمك في قتلك إياي وهذا يصلح جواباً عن السؤال الأوّل أيضاً.

﴿ فطوّعت له نفسه قتل أخيه ﴾ وسعته ورخصته وسهلت من طاع له المرتع وأطاع إذا اتسع وله لأجل زيادة الربط كقول القائل: حفظت لزيد ماله.

ومنهم من قال: شجعته فقتله.

والتحقيق أن الإنسان يعلم أن القتل العمد العدوان من أعظم الذنوب فهذا الاعتقاد يكون صارفاً له عن فعله فلا يطاوع النفس الأمارة حتى إذا كثرت وساوسها انقاد لها وخضع.

وإضافة التطويع والتمرين إلى النفس لا ينافي كون الكل مضافاً إلى قضاء الله فتنبه.

يحكى أنّ قابيل لم يدر كيف يقتل هابيل فظهر له إبليس وأخذ طيراً وضرب رأسه بحجر فتعلّم قابيل ذلك منه.

ثم إنه وجد هابيل يوماً نائماً فضرب رأسه بصخرة فمات.

وعن النبي  أنه قال: " "لا تقتل نفس ظلماً إلاّ كان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها" ولذلك أنه أوّل من سن القتل ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ دنياه وآخرته لأنه أسخط والديه وبقي مذموماً إلى يوم القيامة ثم يلقى في النار خالداً.

قيل: لما قتل أخاه هرب من أرض اليمن إلى عدن فأتاه إبليس وقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل أنه كان يخدم النار ويعبدها.

فبنى بيت نار وهو أوّل من عبد النار.

وروي أن هابيل قتل وهو ابن عشرين سنة، وكان قتله عند عقبة حراء.

وقيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.

وروي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض فسأله آدم عن أخيه فقال: ما كنت عليه وكيلاً.

فقال: بل قتلته ولذلك اسودّ جسدك.

ومكث آدم بعده مائة سنة لم يضحك وإنه رثاه بشعر هو هذا: تغيرت البلاد ومن عليها *** فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم ولون *** وقل بشاشة الوجه المليح قال في الكشاف: إنه كذب بحت وقد صح أن الأنيباء معصومون عن الشعر وصدّقه في التفسير الكبير وقال: إنّ ذلك من غاية الركاكة بحيث لا يليق بالآحاد فضلاً من الأفراد وخصوصاً من علمه حجة على الملائكة.

وأقول: أما أن جميع الأنبياء معصومون عن الشعر فلعل دعوى العموم لا تمكن فيه وكأنه من خصائص نبينا محمد  ولهذا أثنى الله  عليه بقوله: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له  ﴾ وأما أنه من الركاكة بالحيثية المذكورة فمكابرة مع أن مقام البث والشكوى لا يحتمل الشعر المصنوع والله أعلم بحقيقة الحال.

قال المفسرون: إنه لما قتله تركه لا يدري ما يصنع به ثم خاف عليه السباع فحمله في جراب على ظهره سنة حتى تغيّر فبعث الله غراباً.

روى الأكثرون أنه بعث غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فحفر بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة فتعلم من الغراب.

وقال: الأصم: لما قتله وتركه بعث الله غراباً يحثى على المقتول فلما رأى القاتل أنّ الله  كيف يكرمه بعد موته ندم.

وقال أبو مسلم: عادة الغراب دفن الأشياء فجاء غراب فدفن شيئاً فتعلم ذلك منه ﴿ ليريه ﴾ أي الله أو الغراب أي ليعلمه وذلك أنه كان سبب تعليمه ﴿ كيف يواري ﴾ محله نصب على الحال من ضمير ﴿ يواري ﴾ والجملة منصوبة بيرى مفعولاً ثانياً أي ليريه كيفية مواراة سوأة أخيه أي عورته وهو ما لا يجوز أن ينكشف من جسده.

وقيل: أي جيفة أخيه.

والسوأة السوء الخلة القبيحة ﴿ يا ويلتي ﴾ كلمة عذاب.

يقال: ويل له وويله ومعناه الدعاء بالإهلاك وقد يقال في معرض الترحم.

وإنما طلب إقبال الويل ههنا على سبيل التعجب والندبة أي احضر حتى يتعجب منك ومن فظاعتك أو احضر فهذا أوان حضورك.

والألف بدل من ياء المتكلم ﴿ أعجزت ﴾ استفهام بطريق الإنكار ﴿ أن أكون ﴾ أي عن أن أكون ﴿ مثل هذا الغراب ﴾ أي في الفعلة المذكورة ولهذا قال: ﴿ فأواري ﴾ بالنصب على جواب الاستفهام ﴿ من النادمين ﴾ الندم وضع للزوم ومنه النديم لملازمته المجلس.

وإنما لم يكن ندمه توبة لأنه لما تعلم الدفن من الغراب صار من النادمين على أنّ حمله على ظهره سنة، أو ندم على قتل أخيه لأنه لم ينتفع بقتله بل سخط عليه أبواه وإخوته، أو ندم لأنه تركه بالعراء استخفافاً وتهاوناً وكان دون الغراب في الشفقة على مقتولة حتى صار الغراب دليلاً وقد قيل: إذا كان الغراب دليل قوم *** ﴿ من أجل ذلك ﴾ القتل قيل: هو من أجل شراً يأجله أجلاً إذا جناه ﴿ كتبنا على بني إسرائيل ﴾ إن كان القاتل والمقتول من بني إسرائيل فالمناسبة بين الواقعة وبين وجوب القصاص عليهم ظاهرة، وإن كانا ابني آدم من صلبه فالوجه أن يكون/ ذلك إشارة إلى ما في القصة من أنواع المفاسد كخسران الدارين وكالندم على الأمور المذكورة، أي من أجل ما ذكرنا في أثناء القصة من المفاسد الناشئة من القتل العمد والعدوان شرعنا القصاص في حق القاتل، ثم وجوب القصاص وإن كان عاماً في جميع الأديان والملل إلاّ أنّ التشديد المذكور في الآية - وهو أن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس - غير ثابت إلاّ على بني إسرائيل.

والغرض بيان قساوة قلوبهم فإنهم مع علمهم بهذا الحكم أقدموا على قتل الأنبياء والرسل فيكون فيه تسلية لرسول الله  في الواقعة التي عزموا فيها على قتله.

ثم القائلون بالقياس استدلوا بالآية على أنّ أحكام الله  قد تكون معللة بالعلل لأنه صرّح بأن الكتبة معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله: ﴿ من أجل ذلك ﴾ والمعتزلة أيضاً قالوا: إنها دلّت على أنّ الأحكام معللة بمصالح العباد.

ويعمل منه امتناع كونه  خالقاً للكفر والقبائح لأنّ ذلك ينافي مصلحة العبد.

والأشاعرة شنعوا عليهم بلزوم الاستكمال.

والتحقيق أنّ استتباع الفعل الغاية الصحيحة لا ينافي الكمال الذاتي وقد سبق مراراً.

﴿ بغير نفس ﴾ أي بغير قتل نفس وهو أن يقع لا على وجه الاقتصاص.

﴿ أو فساد ﴾ قال الزجاج: إنه معطوف على ﴿ نفس ﴾ بمعنى أو بغير فساد ﴿ في الأرض ﴾ كالكفر بعد الإيمان وكقطع الطريق وغيره من المهدّدات ﴿ فكأنما قتل الناس جميعاً ﴾ وههنا نكتة وهي أنّ التشبيه لا يستدعي التسوية بين المشبة والمشبه به من كل الوجوه، فلا يكون قتل النفس الواحدة قتل جميع الناس فإنّ الجزء لا يعقل أنه مساوٍ للكل.

فالغرض استعظام أمر القتل العمد العدوان واشتراك القتلين في استحقاق الإثم كما قال مجاهد: قاتل النفس جزاؤه جهنم وغضب الله والعذاب العظيم ولو قتل الناس جميعاً لم يزد على ذلك.

والتحقيق فيه أنه إذا أقدم على القتل العمد العدوان فقد رجح داعية الشهوة والغضب على داعية الطاعة، وإذا ثبت الترجيح بالنسبة إلى واحد ثبت بالنسبة إلى كل واحد بل بالإضافة إلى الكل لأنّ كل إنسان يدلي من الكرامة والحرمة بما يدلي به الآخر.

وفيه أن جد الناس واجتهادهم في دفع قاتل شخص واحد يجب أن يكون مثل جدّهم في دفعة لو علموا أنه يقصد قتلهم بأسرهم ﴿ ومن أحياها ﴾ استنقذها من مهلكة كحرق أو غرق أو جوع مفرط ونحو ذلك، والكلام في تشبيه إحياء البعض بإحياء الكل كما تقرر في القتل ﴿ ثم إنّ كثيراً منهم ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿ بعد ذلك ﴾ بعد مجيء الرسل ﴿ لمسرفون ﴾ في القتل لا يبالون بهتك حرمة.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة.

ثم إنه  بين أن الفساد في الأرض الموجب للقتل ما هو فقال: ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ استدل بالآية من جوز إرادة الحقيقة والمجاز معاً من لفظ واحد/ لأنّ محاربة الله عبارة عن المخالفة فقط لا يمكن حملها على حقيقة المحاربة.

ويحتمل أن يقال: إنا نحمل هذه المحاربة على مخالفة الأمر والتكليف.

والتقدير إنما جزاء الذين يخالفون أحكام الله وأحكام رسوله، أو المراد إنما جزاء الذين يحاربون أولياء الله وأولياء رسوله كما جاء في الخبر "من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ نصب على الحال أي مفسدين، أو على العلة أي للفساد، أو على المصدر الخاص نحو: رجع القهقرى.

لأنّ افساد نوع من السعي.

عن قتادة عن أنس "أن الآية نزلت في العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله  واستاقوا الذود، فبعث رسول الله  في آثارهم وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم ثم سمل أعينهم وتركهم حتى ماتوا" فكانت الآية ناسخة لتلك السنة.

وعند الشافعي لما لم يجز نسخ السنة بالقرآن كان الناسخ لتلك السنة سنة أخرى ونزل هذا القرآن مطابقاَ للسنة الناسخة.

وقيل: "نزلت في قوم أبي برزة الأسلمي - وكان بينه وبين رسول الله  عهد - فمرّ بهم قوم من كنانة يريدون الإسلام وأبو برزة غائب فقتلوهم وأخذوا أموالهم" .

وقيل: إنها في بني إسرائيل الذين حكى الله عنهم أنهم مسرفون في القتل.

وقيل: في قطّاع الطريق من المسلمين وهذا قول أكثر الفقهاء.

قالوا: ولا يجوز حمل الآية على المرتدين لأنّ قتل المرتد لا يتوقف على المحاربة وإظهار الفساد في الأرض، ولأنه لا يجوز الاقتصار في المرتد على قطع اليد أو النفي، ولأن حدّه يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه وبعدها، ولأنّ الصلب غير مشروع في حقه، ولأن اللفظ عام.

وشرطوا في هذا المحارب بعد كونه مسلماً مكلفاً أن يكون معتمد القوة في المغالبة مع البعد عن الغوث فيخرج الكفار والمراهقون والمعتمد على الهرب، وكذا المعترض للقادر على الاستعانة بمن يغيثه.

واتفقوا على أنّ هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كان قاطع الطريق، فأما في نفس البلد فكذلك عند الشافعي لعموم النص.

وخالف أبو حنيفة ومحمد لأنه يلحقه الغوث في الغالب فحكمه حكم السارق.

وللعلماء في لفظ "أو" في الآية خلاف.

فعن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد أنها للتخيير إن شاء الإمام قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى.

وعنه في رواية عطاء أنّ الأحكام تختلف بحسب الجنايات، فمن اقتصر على القتل قتل، ومن قتل وأخذ المال قدر نصاب السرقة قتل وصلب، ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف، ومن أخاف السبيل ولم يأخذ المال نفي من الأرض، وإليه ذهب الشافعي والأكثرون.

والذي يدل على ضعف القول الأول أنه ليس للإمام الاقتصار على النفي بالإجماع ولأن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وهذا لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي.

فتقدير الآية أن يقتلوا إن قتلوا، أو يصلبوا إن جمعوا بين القتل والأخذ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على الأخذ.

والتشديد في هذه الأفعال للتكثير.

﴿ أو ينفوا من الأرض ﴾ إن أخافوا السبيل والقياس الجلي أيضاً يؤيد هذا التفسير لأنّ القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق بالتحتم وعدم جواز العفو.

وأخذ المال يتعلق به قطع اليد فغلظ في حقه بقطع الطرفين ﴿ من خلاف ﴾ أي يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد فالباقيتان.

قيل: وإنما قطع هكذا لئلاّ يفوت جنس المنفعة.

قلت: هذا أيضاً من باب التغليظ لأنّ اليد اليمنى أعون في العمل والرجل اليسرى أعون في الركوب.

وإن جمعوا بين القتل والأخذ يجمع بين القتل والصلب، لأنّ بقاءه مصلوباً في ممر الطريق أشهر وأزجر.

وإن اقتصروا على مجرد الإخافة اقتصر الشرع على عقوبة خفيفة هي النفي.

قال أبو حنيفة: إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخيّر بين أن يقتل فقط أو يقطع ثم يقتل ويصلب.

وعندالشافعي لا بد من الصلب لأجل النص.

وكيفية الصلب أن يقتل ويصلّى عليه ثم يصلب مكفناً ثلاثة أيام.

وقيل: يترك حتى يتهرى ويسيل صديده أي صليبه وهو الودك.

وعند أبي حنيفة يصلب حياً ثم يمزق بطنه برمح حتى يموت أو يترك بلا طعام وشراب حتى يموت جوعاً، ثم إن أنزل غسل وكفن وصلّي عليه ودفن، وإن ترك حتى يتهرى فلا غسل ولا صلاة.

أما النفي فإنّ الشافعي حمله على معنيين: أحدهما أنهم إذا قتلوا وأخذوا المال فالإمام إن ظفر بهم أقام عليهم الحد، وإن لم يظفر بهم طلبهم أبداً.

فكونهم خائفين من الإمام هاربين من بلد إلى بلد هو المراد من النفي.

والثاني الذين يحضرون الواقعة ويعينونهم بتكثير السواد وإخافة المسلمين ولكنهم ما قتلوا وما أخذوا المال، فالإمام يأخذهم ويعزرهم ويحبسهم، فيكون المراد بنفيهم هو هذا الحبس.

وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحاق: النفي هو الحبس لأنّ الطرد عن جميع الأرض غير ممكن، وإلى بلدة أخرى استضرار بالغير، وإلى دار الكفر تعريض للمسلم بالردة، فلم يبق إلاّ أن يكون المراد الحبس لأنّ المحبوس لا ينتفع بشيء من طيبات الدنيا فكأنه خارج منها ولهذا قال صالح بن عبد القدوس حين حبسوه على تهمة الزندقة وطال لبثه: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها *** فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوماً لحاجة *** عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا ﴿ ذلك لهم خزي ﴾ ذل وفضيحة ﴿ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ﴾ استدل/ المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط.

وقالت الأشاعرة: بل بشرط عدم العفو ﴿ إلاّ الذين تابوا ﴾ قال الشافعي: إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذٍ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه.

قيل: يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف.

والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله  في الزنا ﴿ فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما  ﴾ وفي السرقة ﴿ فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ﴾ ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل.

فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حداً بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر، أما إذا محضناه حداً فلا شيء عليه، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل.

وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل.

وفي قطع اليد وجهان: الأظهر السقوط أيضاً بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق.

والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود.

ثم إنه  لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى الله وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ وأيضاً فإنهم قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين: لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ إشارة إلى ترك المنهيات وقوله: ﴿ وابتغوا إليه الوسيلة ﴾ عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضاً من جملة الوسائل إلاّ أن هذا التقرير مناسب، والفعل والترك أيضاً يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء، والأول مقدّم على الثاني، فما لم يفن عما سوى الله لم يرزق البقاء بالله.

والوسيلة "فعيلة" وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلاً والواسل الراغب إلى الله قال لبيد: ألا كل ذي لب إلى الله واسل *** والتوسيل والتوسل واحد يقال: وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه/ بعمل قالت التعليمية: إنه  أمر بابتغاء الوسيلة إليه فلا بد من معلم يعلمنا معرفته.

وأجيب بأن الأمر بالابتغاء مؤخر عن الإيمان لقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فعلمنا أن المراد بالوسائل هي العبادات والطاعات.

ثم إن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي لما كان شاقاً على النفس ثقيلاً على الطبع لأن العقل يدعو إلى خدمة الله والنفس تدعو إلى اللذات الحسيات والجمع بينهما كالجمع بين الضرتين والضدّين أردف التكليف المذكور بقوله: ﴿ وجاهدوا في سبيله ﴾ والمراد بهذا القيد أن تكون العبادة لأجلة لا لغرض سواه وهذه مرتبة السابقين.

ثم قال: ﴿ لعلكم تفلحون ﴾ والفلاح اسم جامع للخلاص من المكروه والفوز بالمحبوب وهذه دون الأولى لأن غرضه الرغبة في الجنة أو الرهبة من النار وكلتا المرتبتين مرضية.

ثم أشار إلى مرتبة الناقصين بقوله ﴿ إن الذين كفروا ﴾ وخبر "إن" مجموع الجملة الشرطية وهي قوله: ﴿ لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به ﴾ أي بالمذكور أو الواو بمعنى "مع" والعامل في المفعول معه وهو المثل ما في "إن" من معنى الفعل أي لو ثبت ﴿ من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ والغرض التمثيل وأن العذاب لازم لهم وقد مر مثله في سورة آل عمران.

وعن النبي  : " يقال للكافر يوم القيامة أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟

فيقول: نعم.

فيقال له: قد سئلت أيسر من ذلك" ﴿ يريدون أن يخرجوا ﴾ أي يتمنون الخروج من النار أو يقصدون ذلك.

قيل: إذا رفعهم لهب النار إلى فوق فهناك يتمنون الخروج.

وقيل: يكادون يخرجون منها لقوتها ورفعها إياهم.

عمم المعتزلة هذا الوعيد في الكفار وفي الفساق، وخصصه الأشاعرة بالكفار لدلالة الآية المتقدمة.

ثم إنه تعالى عاد إلى تتميم حكم أخذ المال من غير استحقاق وهو المأخوذ على سبيل الخفية لا المحاربة فقال: ﴿ والسارق والسارقة ﴾ وهما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف عند سيبويه والأخفش والتقدير فيما فرض أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمها.

وعند الفراء - وهو اختيار الزجاج - أن الألف واللام فيهما بمعنى الذي والتي وخبرهما: ﴿ فاقطعوا ﴾ ودخول الفاء لتضمنها معنى الشرط كأنه قيل: الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا أيديهما.

وقراءة عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على القراءة المشهورة لأن الإنشاء لا يحسن أن يقع خبراً إلاّ بتأويل وأما إذا نصبت فإنه يكون من باب الإضمار على شريطة التفسير والفاء يكون مؤذناً بتلازم ما قبلها وما بعدها مثل: ﴿ وربك فكبر  ﴾ وضعف قول سيبويه بأنه طعن ي قراءة واظب عليها رسول الله  وترجيح للقراءة الشاذة/ وفيه ما فيه على أن الإضمار الذي ذهب إليه هو خلاف الأصل.

والذي مال إليه الفراء أدل على العموم وأوفق لقوله  : ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ فإنه تصريح بأن المراد من الكلام الأول هو الشرط والجزاء.

أما البحث المعنوي في الآية فإن كثيراً من الأصوليين زعموا أنها مجملة لأنه لم يبين نصاب السرقة وذكر الأيدي وبالإجماع لا يجب قطع اليدين، ولأن اليد تقع على الأصابع بدليل أن من حلف لا يلمس فلاناً بيده فلمسه بأصابعه فإنه يحنث، وتقع على الأصابع مع الكف وعلى الأصابع والكف والساعدين إلى المرفقين وعلى كل ذلك إلى المنكبين.

وأيضاً الخطاب في: ﴿ فاقطعوا ﴾ إما لإمام الزمان كما هو مذهب الأكثرين أو لمجموع الأمة أو لطائفة مخصوصة فثبت بهذه الوجوه أن الآية مجملة.

وقال المحققون: مقتضى الآية ولا سيما في تقدير الفراء عموم القطع بعموم السرقة إلاّ أن السنة خصصته بالنصاب.

أو نقول: إن أهل اللغة لا يقولون لمن أخذ حبة بر إنه سارق.

والمراد بالأيدي اليدان مثل: ﴿ فقد صغت قلوبكما  ﴾ وقد انعقد الإجماع على أنه لا يجب قطعهما معاً ولا الابتداء باليسرى.

واليد اسم موضوع لهذا العضو إلى المنكب ولهذا قيد في قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق  ﴾ وقد ذهب الخوارج إلى وجوب قطع اليدين إلى المنكبين لظاهر الآية إلاّ أن السنة خصصته بالكوع.

والحاصل أن الآية عامة لكنها خصصت بدلائل منفصلة فتبقى حجة في الباقي، وهذا أولى من جعلها مجملة غير مفيدة أصلاً.

ثم إن جمهور الصحابة والفقهاء ذهبوا إلى أن القطع لا يجب إلاّ عند شروط كالنصاب والحرز، وخالف ابن عباس وابن الزبير والحسن وداود الأصفهاني والخوارج تمسكاً بعموم الآية، ولأن مقادير القلة والكثرة غير مضبوطة، فالذي يستقله الملك يستكثره الفقير.

وقد قال الشافعي: لو قال لفلان عليّ مال عظيم ثم فسره بالحبة يقبل لاحتمال أن يريد أنه عظيم في الحل أو عظيم عنده لشدة فقره.

ولما طعنت الملحدة في الشريعة بأن اليد كيف ينبغي أن تقطع في قليل مع أن قيمتها خمسمائة دينار من الذهب، أجيب عنه بأن ذلك عقوبة من الشارع له على دناءته.

وإذا كان هذا الجواب مقبولاً من الكل فليكن مقبولاً منا في إيجاب القطع على القليل والكثير.

وأيضاً اختلاف المجتهدين في قدر النصاب كما يجيء يدل على أن الأخبار المخصصة عندهم متعارضة فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

ودعوى الإجماع على أن القطع مخصوص بمقدار معين غير مسموعة لخلاف بعض الصحابة والتابعين كما قلنا.

واعلم أن الكلام في السرقة يتعلق بأطراف المسروق ونفس السرقة والسارق.

وأما المسروق فمن شروطه عند الأكثرين أن يكون نصاباً.

ثم قال الشافعي: إنه ربع دينار من الذهب الخالص وما سواه يقوم به وهو مذهب الإمامية لما روي أنه  قال: "لا/ قطع إلاّ في ربع دينار" وقال أبو حنيفة: النصاب عشرة دراهم لما روي أنه  قال: " "لا قطع إلا في ثمن المجن" والظاهر أن ثمن المجن لا يكون أقل من عشرة دراهم، وقال مالك: ربع دينار أو ثلاثة دراهم.

وعن أحمد روايتان كالشافعي وكمالك.

وقال ابن أبي ليلى: خمسة دراهم.

وعن الحسن: درهم.

وفي مواعظه: "احذر من قطع يدك في درهم".

ومنها أن يكون المسروق ملك غير السارق لدى الإخراج من الحرز.

فلو سرق مال نفسه من يد غيره كيد المرتهن والمستأجر أو اطرأ ملكه في المسروق قل إخراجه من الحرز بأن ورثه السارق أو اتهبه وهو فيه سقط القطع.

ومنها أن يكون محترماً لا كخمر وخنزير.

ومنها أن يكون الملك تاماً قوياً.

والمراد بالتمام أن لا يكون السارق فيه شركة أو حق كمال بيت المال، وبالقوّة أن لا يكون ضعيفاً كالمستولدة والوقف.

ومنها كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارق، فلو سرق رب الدين من مال المديون فإن أخذه لا على قصد استيفاء الحق أو على قصده والمديون غير جاحد ولا مماطل قطع، وإن أخذه على قصد استيفاء الحق وهو جاحد أو مماطل فلا يقطع سواء أخذ من جنس حقه أو لا من جنسه.

وإذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكان المال محرزاً عنه فعند أبي حنيفة لا يجب القطع.

وعند الشافعي ومالك وأحمد يجب.

ومنها كون المال محرزاً لقوله  : "لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" وحرز كل شيء على حسب حاله.

فالإصطبل حرز الدواب وإن كانت نفيسة وليس حرزاً للثياب والنقود.

والصفة في الدار وعرصتها حرزان للأواني وثياب البذلة دون الحلي والنقود فإن العادة فيها الإحراز في الصناديق والمخازن.

وعن أبي حنيفة أن ما هو حرز لمال فهو حرز لكل مال.

وأما السرقة فهي إخراج المال عن أن يكون محرزاً ولا بد من شرط الخفية فلا قطع على المختلس والمنتهب والمعتمد على القوة، ولا على المودع إذا جحد خلافاً لأحمد.

وأما السارق فيشترط فيه التكليف والتزام الأحكام والاختيار؛ فيقطع الذمي والمعاهد ولا يقطع المكره.

وإنما تثبت السرقة بثلاث حجج: باليمين المردودة أو بالإقرار أو بشهادة رجلين.

ويتعلق بها حكمان: الضمان والقطع.

وقال أبو حنيفة: القطع والغرم/ لا يجتمعان.

حجة الشافعي أن قوله  : " "على اليد ما أخذت حتى تؤدى " يوجب الضمان.

وقد اجتمع في هذه السرقة أمران، وحق الله لا يمنع حق العباد ولهذا يجتمع الجزاء والقيمة في الصيد المملوك، ولو كان المسروق باقياً وجب رده بالاتفاق.

حجة أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ والجزاء هو الكافي، فهذا القطع كاف في جناية السرقة.

ورد بلزوم رد المسروق عند كونه قائماً.

أما كيفية القطع فقد روي أنه  أتى بسارق فقطع يمينه.

قال الشافعي: فإن سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثاً فيده اليسرى، فإن سرق رابعاً فرجله اليمنى، وبه قال مالك.

وروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي  وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقطع في الثانية وما بعدها لما روي عن ابن مسعود أنه قرأ فاقطعوا أيمانهما، وضعفه الشافعي بأن القراءة الشاذة لا تعارض ظاهر القرآن المقتضي لتكرر القطع بتكرر السرقة.

واتفقوا على أنه يقطع اليد من الكوع، والرجل من المفصل بين الساق والقدم.

والسيد يملك إقامة الحد على مماليكه لعموم قوله: ﴿ فاقطعوا ﴾ ولم يجوّزه أبو حنيفة.

واحتج المتكلمون بالآية في أنه يجب على الأمة نصب الإمام لأن هذا التكليف لا يتم إلاّ به وما لا يتم الواجب إلاّ به وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب.

وانتصاب ﴿ جزاء ﴾ و ﴿ نكالاً ﴾ على أنه مفعول لهما، والعامل ﴿ اقطعوا ﴾ وإن شئت فعلى المصدر من الفعل الذي دل عليه: ﴿ فاقطعوا ﴾ أي جازوهم ونكلوا بهم ﴿ جزاء بما كسبا نكالاً من الله ﴾ .

﴿ فمن تاب ﴾ من السراق ﴿ من بعد ظلمه ﴾ أي سرقته ﴿ وأصلح ﴾ أي يتوب بنية صالحة وعزيمة صحيحة خالية من الأغراض الفاسدة ﴿ فإن الله يتوب عليه ﴾ وعند بعض الأئمة تسقط العقوبة أيضاً.

وعند الجمهور لا تسقط.

وباقي الآيات قد مر تفسيره.

وإنما قدم التعذيب على المغفرة طباقاً لتقدم السرقة على التوبة.

التأويل: إن آدم الروح بازدواجه مع حواء القالب ولد قابيل النفس وتوأمته إقليما الهوى، ثم هابيل القلب وتوأمته ليوذا العقل، فكان الهوى في غاية الحسن في نظر النفس فبه تميل إلى الدنيا ولذاتها.

وكان في نظر القلب أيضاً في غاية الحسن فبه يميل إلى طلب المولى، وكان العقل في نظر النفس في غاية القبح لأنها به تنزجر عن طلب الدنيا، وكذا في نظر القلب لأنه بالعقل يمتنع عن طلب الحق والفناء في الله ولهذا قيل: العقل عقيله الرجال، فحرم الله  الازدواج بين التوأمين لأن الهوى إذا كان قرين النفس أنزلها أسفل سافلين الطبيعة، وإذا كان قرين القلب كان عشقاً فيوصله إلى أعلى فراديس القرب، وإذا/ كان العقل قرين القلب صار عقالاً له، وإذا كان قرين النفس حرضها على العبودية فرضي هابيل القلب وسخط قابيل النفس وكان صاحب زرع أي مدبر النفس النامية وهي القوّة النباتية، فقرب طعاماً من إردإ زرعه وهي القوّة الطبيعية، وكان هابيل القلب راعياً لمواشي الأخلاق الإنسانية والصفات الحيوانية فقرب الصفة البهيمية وهي أحب الصفات إليه لاحتياجه إليها لضرورة التغذي والبقاء ولسلامتها بالنسبة إلى الصفات السبعية والشيطانية.

فوضعا قربانهما على جبل البشرية ثم دعا آدم الروح فنزلت نار المحبة من سماء الجبروت فحملت الصفة البهيمية لأنها حطب هذه النار ولم تأكل من قربان قابيل النفس شيئاً لأنها ليست من حطبها بل هي حطب نار الحيوانية ﴿ فتبوء بإثمي وإثمك ﴾ أي إثم وجودي وإثم وجودك، فإن الوجود حجاب بيني وبين محبوبي.

فقتل قابيل النفس هابيل القلب والنفس أعدى عدو القلب ﴿ فأصبح من الخاسرين ﴾ أما في الدنيا فبالحرمان عن الواردات والكشوف، وأما في الآخرة فبالبعد عن جنات الوصول ﴿ فبعث الله غراباً ﴾ هو الحرص في الدنيا ليشغل بذلك عن فعلتها.

وفي تعليم الغراب إشارة إلى أنه  قادر على تعليم العباد بأي طريق شاء فيزول تعجب الملائكة والرسل باختصاصهم بتعليم الخلق ﴿ في الأرض لمسرفون ﴾ أي في أرض البشرية ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون ﴾ أولياء الله ﴿ أن يقتلوا ﴾ بسكين الخذلان ﴿ أو يصلبوا ﴾ بحبل الهجران على جذع الحرمان ﴿ أو تقطع أيديهم ﴾ عن أذيال الوصال ﴿ وأرجلهم من خلاف ﴾ عن الاختلاف ﴿ أو ينفوا ﴾ من أرض القربة والائتلاف ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ جعل الفلاح الحقيقي في أربعة أشياء: في الإيمان وهو إصابة رشاش النور في بدو الخلقة وبه يخلص العبد من ظلمة الكفر، وفي التقوى وهو منشأ الأخلاق المرضية ومنبع الأعمال الشرعية وبه الخلاص عن ظلمة المعاصي، وفي ابتغاء الوسيلة وهو إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية وبه يخلص من ظلمه أوصاف الوجود، وفي الجهاد في سبيله وهو محو الأنانية في إثبات الهوية وبه يخلص من ظلمة أوصاف الوجود ويظفر بنور الشهود ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ لأنهم خلقوا مظاهر القهر ﴿ السارق والسارقة ﴾ كانا مقطوعي الأيدي عن قبول رشاش النور فكان تطاول أيديهما اليوم إلى أسباب الشقاوة من نتائج قصر أيديهما عن قبول تلك السعادة ﴿ جزاء بما كسبا ﴾ الآن في عالم الصورة ﴿ نكالاً من الله ﴾ تقديراً منه في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...

﴾ الآية.

عام في السراق، خاص في السرقة؛ لأنه يدخل جميع أهل الخطاب في ذلك، وإن كان يجوز أن يدرأ الحد عن بعض السراق، إذا سرقوا من محارمهم، أو ممن له تأويل الملك في ماله أو شبهة التناول منه؛ لأنه إذا سرق ممن ليس له ذلك التأويل ولا تلك الشبهة - قطع؛ فدل أنها عامة في السراق؛ وعلى هذا يخرج قول ابن عباس؛ حيث سئل عن قوله -  -: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ أخاص هو أم عام؟

فقال: "لا؛ بل عام" أي: عام في السراق؛ ألا ترى أنه قال في خبر آخر؛ حيث سئل عن ذلك فقال: "ما كان من الرجال والنساء قطع".

وأما قولنا: "خاص في السرقة"؛ لأنه لا يحتمل قلب أحد قطع اليد في الشيء التافه الخسيس الذي إذا أخذ [منه] دل أن الخطاب بذلك من الله - عز وجل - رجع إلى سرقة دون سرقة، لا إلى كل ما يقع عليه اسم السرقة؛ وكذلك الخطاب بقطع اليد رجع إلى بعض اليد، وهو الكف، وإن كان اسم اليد يقع من الأصابع إلى الإبط؛ لأن الناس مع اختلافهم - اتفقوا على أن اليد لا تقطع من الإبط ولا من المرفق، لكنهم اختلفوا فيما دون ذلك: فعلى قول بعضهم: تقطع الأصابع دون الكف، وعندنا: أنه تقطع الأصابع بالكف؛ لأنه بها يُقْبَضُ الشيءُ ويُؤْخذ؛ فمخرج الخطاب بالقطع عام، والمراد منه: رجع إلى بعض اليد دون بعض.

وكذلك قوله  : ﴿ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ مخرج الخطاب بالقطع عام، ليس فيه بيان من يتولى القطع، فالمراد منه: رجع إلى الولاة؛ فهذا كله يدل على أن ليس في مخرج عموم اللفظ دليل عموم المراد، ولا في مخرج خصوص اللفظ دليل خصوصه؛ بل يعرف ذلك كله بدليل: يقوم العموم بدليل العموم، والخصوص بدليل الخصوص؛ فهذا ينقض قول من يقول: إنه على العموم حتى يقوم دليل الخصوص، والله أعلم.

فإن قيل لنا: أيش الحكمة في إقامة الحد في السرقة على ما به تكتسب السرقة وهو اليد، ولم يقم الحد في سائر الحدود فيما به كان اكتسابها؛ من نحو القصاص والزنا وغيره، أنه إذا قتل آخر لم تقطع يده وبها كان اكتساب القتل؛ وكذلك الزنا لم يقم الحد على ما به كان الزنا، بل أقيم على غير ما به كان ذلك الفعل، وفي السرقة أقيم على ما به كان ذلك خاصة؟!

قيل: والله أعلم - لخلتين: إما لقصور في الاستيفاء من الحق، أو لخوف الزيادة في الاستيفاء على الحق؛ لأنه إذا قتل: لو قطعت يده بقيت له النفس، وقد تلفت نفس الآخر، فكان في ذلك قصور في استيفاء الحق.

وفي الزنا: لو أقيم به على الذي به كان اكتساب الفعل لخيف تلف نفسه به؛ فكان في ذلك استيفاء الزيادة على الحق.

وأما السرقة: فإنه أمكن استيفاء الحق مما كان به اكتسابها، على غير قصور يقع في الاستيفاء، ولا خوف الزيادة في الاستيفاء؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في قطع يد قيمتها ألوف بسرقة عشرة، وذلك مما لا يمثاله في الظاهر، وقد أخبر ألا يجزي إلا مثلها، كيف جزي هذا بأضعاف ذلك؟

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن جزاء الدنيا محنة يمتحن بها المرء، ولله أن يمتحن عباده بأنواع المحن ابتداء على غير جعل ذلك جزاء لكسب يكتسب، فمن له الامتحان بأنواع المحن على غير جعلها جزاء لشيء - كان له الامتحان بأن يجعل ما يساوي ألوفاً جزاء فلس أو حبة، وبالله العصمة والنجاة.

والثاني: أن ليس القطع في السرقة جزاء ما أخذ من المال؛ ولكنه جزاء ما هتك من الحرمة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَسَبَا ﴾ ، ولم يقل: جزاء بما أخذا من الأموال؟!

فيجوز أن يبلغ جزاء تلك الحرمة قطع اليد، وإن قصر علم البشر عن ذلك؛ لأن مقادير العقوبات إنما يعرف من يعرف مقادير الإجرام، وليس أحد من الخلائق يحتمل علمه مبلغ مقادير الإجرام، فإذا لم يحتمل علمهم مبلغ مقاديرها لم يحتمل معرفة مقادير عقوباتها، فإذا كان كذلك فحق القول فيه الاتباع والتسليم - بعد العلم في الاتباع - أن الله لا يجزي بالسيئة إلا مثلها، وبالله التوفيق.

ثم الكلام في قطع اليمين ما روي في حرف ابن مسعود -  -: "فاقطعوا أيمانهما".

وعن علي -  -: قال: "إذا سرق الرجل قطعت يده اليمنى"، وعلى ذلك اتفاق الأمة.

ثم المسألة في مقدار السرقة، وليس في الآية ذكر مقدارها، واختلف أهل العلم في ذلك: فقال بعضهم: تقطع في ربع دينار فصاعداً.

وقال أصحابنا: لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم فصاعداً أو دينار.

وقد روي من الأخبار ما احتج به كل فريق منهم: روي عن عائشة -  ا - أن النبي  كان يقطع في ربع دينار فصاعداً.

وعنها أن رسول الله  قال: "تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِداً" وعروة بن الزبير يقول: كانت عائشة -  ا - تحدث عن رسول الله  أنه قال: "لاَ تُقْطَعُ اليَدُ إِلاَّ فِي المِجَنِّ أَوْ فِي ثَمَنِهِ" وتزعم أن قيمة المجن أربعة دراهم؛ فدل قول عائشة أن النبي  كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن - أن قولها: "إن النبي  كان لا يقطع اليد إلا في ربع دينار" أن ثم المجن كان عندها ربع دينار أو لا يكون كذلك؛ وعلى ذلك ما روي عن ابن عمر -  ما -: "أن النبي  قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" .

في الخبر أنه قطع في مجن، وأما التقويم فإنما هو من عند عبد الله.

وعن أنس بن مالك -  ما - أن النبي  قطع في مجن، فقيل: يا أبا حمزة، كم كانت قيمته؟

قال: دون خمسة دراهم؛ هذا يدل على أن التقويم كان من أنس، فكان ذلك كتقويم ابن عمر وعائشة،  م.

وليس في التقويم حجة في واحد من المقومين؛ لمخالفة كل واحد منهم صاحبه، وإنما قوموه من قِبَلِ أنفسهم.

فأما إن كان في مِجَنَّيْنِ مختلفين: فهو على التناسخ، وأما إن كان في مجن واحد في وقتين مختلفين: فإن كان في وقتين مختلفين، لم يكن لمخالفنا فيه حجة؛ لما يحتمل الزيادة والنقصان على اختلاف الأوقات، وإن كان في مجنين مختلفين فهو على التناسخ فلم يظهر؛ فلا يقدم على القطع بالشك.

ثم الأخبار التي تمنع القطع بدون العشرة: ما روي عن عمرو بن شعيب قال: "دخلت على سعيد بن المسيب، فقلت له: إن أصحابك: عروة، ومحمد بن مسلم، وفلان - رجل آخر - يقولون: ثمن المجن خمسة دراهم أو ثلاثة؟

فقال: أما هذا فقد مضت السنة فيه عن رسول الله  عشرة دراهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ثمن المجن في عهد رسول الله  عشرة دراهم.

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله  : "أنه كان لا يقطع اليد إلا في ثمن المجن، وهو يومئذ يساوي عشرة دراهم" فلما اختلف المقومون في قيمة المجن رجعنا إلى ما روي عن سعيد بن المسيب؛ حيث قال: "مضت السنة من رسول الله  بعشرة دراهم" وإن كان مرسلاً؛ إذ لا معارض له، ويؤيد هذا ما روي عن نجباء الصحابة من نحو: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الله بن مسعود،  م.

وروي أن عمر أتى بسارق فأمر بقطعه؛ قال عثمان -  -: "سرقته لا تساوي عشرة دراهم"؛ فأمر بها فقومت ثمانية دراهم، فلم يقطعه.

وعن ابن مسعود قال: "لا تقطع يد السارق في أقل من عشرة دراهم".

وعن علي -  - قال: "لا تقطع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم".

وروي عن عائشة قالت: "لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله  في الشيء التافه"، فأخذ أصحابنا - رحمهم الله - بهذه الأخبار ولم يروا قطع اليد بدون العشرة؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن اليد تقطع في سرقة عشرة دراهم، واختلفوا في وجوب القطع فيما دون العشرة وهو حد قد روي؛ للإشكال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ...

﴾ \[الآية\]: يحتمل قوله: ﴿ نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي عظة وزجراً من الله لغيره؛ لأن من عاين آخر قطعت يده في سرقة - اتعظ به، وزجره ذلك على الإقدام عليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ...

﴾ الآية.

يحتمل: ﴿ تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ﴾ أي: تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال شركه.

﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وعد له المغفرة والرحمة؛ إذا تاب عن الشرك، وأصلح ما كان يفسده ويرتكبه في حال الشرك، حتى لم يؤاخذ بشيء مما كان يرتكبه في حال الشرك ويتعاطاه إذا أسلم؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، والمسلم في حال الإسلام إذا ارتكب حدوداً وتعاطاها، ثم تاب - أخذ بها؛ لوجهين: أحدهما: أن الكافر لو أُخِذَ بعدما أسلم بما كان ارتكب في حال الكفر وتعاطاه؛ فذلك يمنعه عن الإسلام ويزجره؛ فإذا كان كذلك فكان في إقامة ذلك والأخذ بها من الفساد أكثر من الصلاح.

وأما المسلم إذا لم يؤخذ بما ارتكب وتعاطى بعد التوبة - يدخل في ذلك من الفساد ما يفحش؛ وذلك أنه كلما أريد أن يقام عليه الحد تاب فسقط ذلك عنه، ثم عاد ثانياً، ثم ثالثاً ...

إلى ما لا يتناهى، فعمل في الأرض بكل الفساد من غير أن لحقه ضرر؛ لذلك أخذ به بعد التوبة، والكافر لا، والله أعلم.

والثاني: أن الكافر ما يرتكب ويتعاطى في حال الكفر - إنما يرتكبه تديناً يدين به؛ فإذا رجع عن ذلك الدين ودان بدين آخر ما يكون ذلك حراماً في دينه الذي تمسك به - ترك ما كان يرتكب في دينه الأول تديناً؛ فيظهر ذلك منه؛ فلم يقم عليه؛ لما يظهر منه ترك ما تعاطى قبل ذلك.

وأما المسلم: فليس يتعاطى ما يتعاطى تديناً يدين به؛ ولكن يتعاطاه شهوة، وذلك مما لا يظهر منه التوبة حقيقة؛ لذلك اختلفا، والله أعلم.

وفيه دليل جواز تأخر البيان؛ لأنه قال  : ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً ﴾ ، ولا يحتمل أن يبين له جميع شرائط السرقة التي يجب فيها القطع وقت قرع الخطاب السمع؛ فدل أنه إنما يبين له على قدر الحاجة بعد السؤال والبحث عنها، والله أعلم.

وكأن جميع ما ذكر من العقوبات إنما نزل في أهل الكفر؛ لأنهم هم الذين كانوا يتعاطون ذلك دون المسلمين، وترك عامة العبادات في المسلمين؛ لأنهم هم الذين يرغبون فيها: من ذلك قوله -  -: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية، وما ذكر في ابني آدم.

وقوله  : ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا...

﴾ الآية: ذكر عن ابن عباس أنه قال: "نزلت في طعمة بن أبيرق؛ سرق درع جاره؛ فنزلت الآية"، وعلى ذلك قال عامة أهل التأويل، ثم صار ذلك الحكم في المسلمين إذا ارتكبوا تلك الأجرام، وفيه دليل جواز القياس، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

ذكر هذا - والله أعلم - على أثر قوله: ﴿ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا ﴾ ، وعلى أثر قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...

﴾ الآية -: أن له ملك السماوات والأرض، وله أن يعذب من يشاء بعد التوبة وقبل التوبة، ويغفر لمن يشاء، ولا يعذب بعد التوبة؛ وذلك أن المحارب إذا تاب قبل أن يقدر عليه لم يقم عليه الحد الذي وجب في حال المحاربة، والسارق إذا تاب قبل أن يقدر عليه أخذ به.

أخبر أن له أن يعذب من يشاء [و] يغفر لمن يشاء.

وفي نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: الصغيرة مغفورة ليس له أن يعذب عليها، والكبيرة يخلد صاحبها في النار ليس له أن يعفو عنها.

فلو كان على ما قالوا لذهب معنى التخيير بقوله -  -: ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ إذا ما عفا: عفا ما عليه أن يعفو، وكذلك ما عذب: عذب ما عليه أن يعذب؛ فيذهب فائدة التخيير، وقد أخبر أنه ﴿ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد علمتَ -أيها الرسول- أن الله له ملك السماوات والأرض يتصرف فيهما بما يشاء، وأنه يعذب من يشاء بعدله، ويغفر لمن يشاء بفضله، إن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.0wnQz"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده