الآية ٤٢ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٤٢ من سورة المائدة

سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 178 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٢ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٢ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر ، الخارجين عن طاعة الله ورسوله ، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله ، عز وجل ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) أي : أظهروا الإيمان بألسنتهم ، وقلوبهم خراب خاوية منه ، وهؤلاء هم المنافقون .

( ومن الذين هادوا ) أعداء الإسلام وأهله .

وهؤلاء كلهم ( سماعون للكذب ) أي : يستجيبون له ، منفعلون عنه ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) أي : يستجيبون لأقوام آخرين لا يأتون مجلسك يا محمد .

وقيل : المراد أنهم يتسمعون الكلام ، وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك ، من أعدائك ( يحرفون الكلم من بعد مواضعه ) أي : يتأولونه على غير تأويله ، ويبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ) قيل : نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا : تعالوا حتى نتحاكم إلى محمد فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال ، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه .

والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم ، من الأمر برجم من أحصن منهم ، فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة ، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين .

فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا فيما بينهم : تعالوا حتى نتحاكم إليه ، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ، واجعلوه حجة بينكم وبين الله ، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك ، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك .

وقد وردت الأحاديث بذلك ، فقال مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه قال : إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

" فقالوا : نفضحهم ويجلدون .

قال عبد الله بن سلام : كذبتم ، إن فيها الرجم .

فأتوا بالتوراة فنشروها ، فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها ، فقال له عبد الله بن سلام : ارفع يدك .

فرفع يده فإذا فيها آية الرجم ، فقالوا صدق يا محمد ، فيها آية الرجم !

فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة .

وأخرجاه وهذا لفظ البخاري .

وفي لفظ له : " فقال لليهود : ما تصنعون بهما؟

" قالوا : نسخم وجوههما ونخزيهما .

قال : ( فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) [ آل عمران : 93 ] فجاءوا ، فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور : اقرأ ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه ، قال : ارفع يدك .

فرفع ، فإذا آية الرجم تلوح ، قال : يا محمد إن فيها آية الرجم ، ولكنا نتكاتمه بيننا .

فأمر بهما فرجما .

وعند مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بيهودي ويهودية قد زنيا ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال : " ما تجدون في التوراة على من زنى؟

" قالوا : نسود وجوههما ونحملهما ، ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما ، قال : ( فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) قال : فجاءوا بها ، فقرأوها ، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم ، وقرأ ما بين يديها وما وراءها .

فقال له عبد الله بن سلام - وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - : مره فليرفع يده .

فرفع يده ، فإذا تحتها آية الرجم .

فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما .

قال عبد الله بن عمر : كنت فيمن رجمهما ، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه .

وقال أبو داود : حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني حدثنا ابن وهب حدثنا هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه ، عن ابن عمر قال : أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القف فأتاهم في بيت المدارس ، فقالوا : يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة ، فاحكم قال : ووضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة ، فجلس عليها ، ثم قال : " ائتوني بالتوراة " .

فأتي بها ، فنزع الوسادة من تحته ، ووضع التوراة عليها ، وقال : " آمنت بك وبمن أنزلك " .

ثم قال : " ائتوني بأعلمكم " .

فأتي بفتى شاب ، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك عن نافع .

وقال الزهري : سمعت رجلا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ، ونحن عند ابن المسيب عن أبي هريرة قال : زنى رجل من اليهود بامرأة ، فقال بعضهم لبعض : اذهبوا إلى هذا النبي ، فإنه بعث بالتخفيف ، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها ، واحتججنا بها عند الله ، قلنا : فتيا نبي من أنبيائك ، قال : فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا ؟

فلم يكلمهم كلمة حتى أتى بيت مدارسهم ، فقام على الباب فقال : " أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟

قالوا : يحمم ، ويجبه ويجلد .

والتجبية : أن يحمل الزانيان على حمار ، وتقابل أقفيتهما ، ويطاف بهما .

قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت ، ألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم النشدة ، فقال : اللهم إذ نشدتنا ، فإنا نجد في التوراة الرجم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فما أول ما ارتخصتم أمر الله؟

" قال : زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا ، فأخر عنه الرجم ، ثم زنى رجل في أثره من الناس ، فأراد رجمه ، فحال قومه دونه وقالوا : لا يرجم صاحبنا حتى تجيء بصاحبك فترجمه!

فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فإني أحكم بما في التوراة " فأمر بهما فرجما .

قال الزهري : فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) فكان النبي صلى الله عليه وسلم منهم .

رواه أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - وابن جرير وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي محمم مجلود ، فدعاهم فقال : " أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

" فقالوا : نعم ، فدعا رجلا من علمائهم فقال : " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

" فقال : لا والله ، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ، ولكنه كثر في أشرافنا ، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ، فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع ، فاجتمعنا على التحميم والجلد .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " .

قال : فأمر به فرجم ، قال : فأنزل الله عز وجل : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله : ( يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ) يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : في اليهود إلى قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال : في اليهود ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : في الكفار كلها .

انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه ، عن الأعمش به .

وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده : حدثنا سفيان بن عيينة عن مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي عن جابر بن عبد الله قال : زنى رجل من أهل فدك ، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة أن سلوا محمدا عن ذلك ، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه ، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه ، تسألوه عن ذلك ، قال : " أرسلوا إلي أعلم رجلين فيكم " .

فجاءوا برجل أعور - يقال له : ابن صوريا - وآخر ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : " أنتما أعلم من قبلكما؟

" .

فقالا قد دعانا قومنا لذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما : " أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟

" قالا : بلى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وظلل عليكم الغمام ، وأنجاكم من آل فرعون وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

" فقال أحدهما للآخر : ما نشدت بمثله قط .

قالا نجد ترداد النظر زنية والاعتناق زنية ، والقبل زنية ، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد ، كما يدخل الميل في المكحلة ، فقد وجب الرجم .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو ذاك " .

فأمر به فرجم ، فنزلت : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث مجالد به نحوه .

ولفظ أبي داود عن جابر قال : جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا ، فقال : " ائتوني بأعلم رجلين منكم " .

فأتوا بابني صوريا ، فنشدهما : " كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟

" قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما ، قال : " فما يمنعكم أن ترجموهما؟

" قالا ذهب سلطاننا ، فكرهنا القتل .

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود ، فجاءوا أربعة ، فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما .

ثم رواه أبو داود عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلا ولم يذكر فيه : " فدعا بالشهود فشهدوا " .

فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بموافقة حكم التوراة ، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته ; لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة ، ولكن هذا بوحي خاص من الله ، عز وجل إليه بذلك ، وسؤاله إياهم عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم ، مما تراضوا على كتمانه وجحده ، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه ، بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، وعدولهم إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم ، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به ، لهذا قالوا ) إن ) أوتيتم هذا والتحميم ( فخذوه ) أي : اقبلوه ( وإن لم تؤتوه فاحذروا ) أي : من قبوله واتباعه .

قال الله تعالى : ( ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم سماعون للكذب ) أي : الباطل ( أكالون للسحت ) أي : الحرام ، وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد أي : ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه؟

وأنى يستجيب له .

ثم قال لنبيه : ( فإن جاءوك ) أي : يتحاكمون إليك ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ) أي : فلا عليك ألا تحكم بينهم ; لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق ، بل ما وافق هواهم .

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي وزيد بن أسلم وعطاء الخراساني : هي منسوخة بقوله : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) [ المائدة : 49 ] ، ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) أي : بالحق والعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ( إن الله يحب المقسطين ) ثم قال تعالى - منكرا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة ، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم ، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدا ، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره ، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم - فقال : ( وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين ) ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) أي : لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ( والربانيون والأحبار ) أي : وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء ، والأحبار وهم العلماء ( بما استحفظوا من كتاب الله ) أي : بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ( وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ) أي : لا تخافوا منهم وخافوني ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) فيه قولان سيأتي بيانهما .

سبب آخر لنزول هذه الآيات الكريمة .

قال الإمام أحمد : حدثنا إبراهيم بن العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال : إن الله أنزل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) و ( فأولئك هم الظالمون ) [ المائدة : 45 ] ( فأولئك هم الفاسقون ) [ المائدة : 47 ] قال : قال ابن عباس : أنزلها الله في الطائفتين من اليهود كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق ، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، فذلت الطائفتان كلتاهما ، لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويومئذ لم يظهر ، ولم يوطئهما عليه ، وهو في الصلح ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة : أن ابعثوا لنا بمائة وسق ، فقالت الذليلة : وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد : دية بعضهم نصف دية بعض .

إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا ، وفرقا منكم ، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم ، ثم ذكرت العزيزة فقالت : والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم ، فدسوا إلى محمد : من يخبر لكم رأيه ، إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه .

فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله ، وما أرادوا ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) إلى قوله : ( الفاسقون ) ففيهم - والله - أنزل ، وإياهم عنى الله عز وجل .

ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد عن أبيه ، بنحوه .

وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا : حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن الآيات في " المائدة " ، قوله : ( فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ) إلى ( المقسطين ) إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف ، تؤدى الدية كاملة ، وأن قريظة كانوا يودون نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ذلك فيهم ، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك ، فجعل الدية في ذلك سواء - والله أعلم ؛ أي ذلك كان .

ورواه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن إسحاق .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا عبيد الله بن موسى عن علي بن صالح عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير وكانت النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودي مائة وسق تمر .

فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا فقالوا : بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فنزلت : ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في المستدرك ، من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه .

وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وابن زيد وغير واحد .

وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس : أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا ، كما تقدمت الأحاديث بذلك .

وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد ، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله ، والله أعلم .

ولهذا قال بعد ذلك : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ) إلى آخرها ، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وقوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو مجلز وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري وغيرهم : نزلت في أهل الكتاب - زاد الحسن البصري : وهي علينا واجبة .

وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال : نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضي الله لهذه الأمة بها .

رواه ابن جرير .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال : من السحت : قال : فقالا وفي الحكم ؟

قال : ذاك الكفر !

ثم تلا ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال السدي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) يقول : ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدا ، أو جار وهو يعلم ، فهو من الكافرين [ به ] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : من جحد ما أنزل الله فقد كفر .

ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق .

رواه ابن جرير .

ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب .

وقال عبد الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) قال : للمسلمين .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الصمد حدثنا شعبة عن ابن أبي السفر عن الشعبي : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : هذا في المسلمين ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) قال : هذا في اليهود ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) قال : هذا في النصارى .

وكذا رواه هشيم والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي .

وقال عبد الرزاق أيضا : أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال : سئل ابن عباس عن قوله : ( ومن لم يحكم [ بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ] ) قال : هي به كفر - قال ابن طاوس : وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله .

وقال الثوري عن ابن جريج عن عطاء أنه قال : كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، وفسق دون فسق .

رواه ابن جرير .

وقال وكيع عن سفيان عن سعيد المكي عن طاوس : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : ليس بكفر ينقل عن الملة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس عن ابن عباس في قوله : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) قال : ليس بالكفر الذي يذهبون إليه .

ورواه الحاكم في مستدركه ، عن حديث سفيان بن عيينة وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء اليهود الذين وصفتُ لك، يا محمد، صفتَهم، سَمَّاعون لقِيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعض: " محمد كاذب، ليس بنبي"، وقيل بعضهم: " إن حكم الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم "، وغير ذلك من الأباطيل والإفك= ويقبلون الرُّشَى فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه، (1) كما:- 11942 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل &; 10-319 &; قال، سمعت الحسن يقول في قوله: " سماعون للكذب أكَّالون للسحت "، قال: تلك الحكام، سمعوا كِذْبَةً وأكلوا رِشْوَةً.

11943 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " سماعون للكذب أكالون للسحت "، قال: كان هذا في حكّام اليهودِ بين أيديكم، كانوا يسمعون الكذب ويقبلون الرُّشَى.

11944 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " أكالون للسحت "، قال: الرشوة في الحكم، وهم يهود.

11945 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي وإسحاق الأزرق= وحدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن= عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: " أكالون للسحت "، قال: " السُّحت "، الرشوةُ.

11946 - حدثنا سفيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلى قالا حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لعبد الله: ما السحت؟

قال: الرشوة.

قالوا: في الحكم؟

قال: ذاك الكفر.

11947 - حدثنا سفيان قال، حدثنا غندر ووهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله قال: " السحت "، الرشوة.

11948 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن حريث، عن عامر، عن مسروق قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نرى " السحت " إلا الرشوة في الحكم!

قال عبد الله: ذاك الكُفْر.

11949 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله قال: &; 10-320 &; " السحت "، الرُّشَى؟

قال: نعم.

(2) 11950 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عمار الدُّهني، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: سألت عبد الله عن " السحت "، فقال: الرجل يطلب الحاجةَ للرجل فيقضيها، فيهدي إليه فيقبلُها.

11951 - حدثنا سوّار قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا شعبة، عن منصور وسليمان الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق، عن عبد الله أنه قال: " السحت "، الرشى.

11952 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله: " السحت "، قال: الرشوة في الدِّين.

11953 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة قال، قال عمر: [ما كان] من " السحت "، الرشى ومهر الزانية.

(3) 11954 - حدثني سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: " السحت "، الرشوة.

11955 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " أكالون للسحت "، قال: الرشى.

11956 - حدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي= عن طلحة، عن أبي هريرة قال: مهر البغي سُحْت، وعَسْبُ الفحل سحت، (4) وكسْبُ الحجَّام سحت، وثمن الكلب سُحْت.

11957 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جويبر، عن الضحاك قال: " السحت "، الرشوة في الحكم.

11958 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن " السحت "، قال: الرشى.

فقلت: في الحكم؟

قال: ذاك الكفر.

11959 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أكالون للسحت "، يقول: للرشى.

11960 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن مسروق، وعلقمة: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: هي السحت.

قالا في الحكم؟

قال: ذاك الكفر!

تم تلا هذه الآية: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (5) [سورة المائدة: 44].

11961 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن المسعودي، عن بكير بن أبي بكير، عن مسلم بن صبيح قال: شفع مسروق لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضب غضبًا شديدًا وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلَّمت في حاجتك، ولا أكلم فيما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: " من شفع شفاعة ليردّ بها حقًّا، أو يرفع بها ظلمًا، فأهدِيَ له &; 10-322 &; فقبل، فهو سحت "، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم!

قال: الأخذُ على الحكم كفر.

(6) 11962 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " سماعون للكذب أكالون للسحت "، وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم، وقضوا بالكذب.

11963 - حدثنا هناد قال، حدثنا عبيدة، عن عمار، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: سألت ابن مسعود عن " السحت "، أهو الرشى في الحكم؟

فقال: لا من لم يحكم بما أنـزل الله فهو فاسق.

ولكن " السحت "، يستعينك الرجل على المظلمة فتعينه عليها، فيهدي لك الهدية فتقبلُها.

11964 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن هبيرة السَّبائي قال: من السحت ثلاثة: مهرُ البغي، والرشوة في الحكم، وما كان يُعطى الكُهان في الجاهلية.

(7) 11965 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن مطيع، عن حماد بن سلمة، عن عطاء الخراساني، عن ضمرة، عن علي بن أبي طالب: أنه قال في كسب الحجام، &; 10-323 &; ومهر البغيّ، وثمن الكلب، والاستجْعَال في القضية، (8) وحلوان الكاهن، (9) وعسب الفحل، (10) والرشوة في الحكم، وثمن الخمر، وثمن الميتة: من السحت.

(11) 11966 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أكالون للسحت "، قال: الرشوة في الحكم.

11967 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الموال، عن عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كُلُّ لحم أنبَته السُّحت فالنار أولى به.

قيل: يا رسول الله، وما السحت؟

قال: الرشوة في الحكم.

(12) 11968 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عبد الجبار بن عمر، عن الحكم بن عبد الله قال: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرشوة، فإنها سحت= وكان أبوه على شُرَط المدينة.

(13) 11969 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن سالم، &; 10-324 &; عن مسروق، عن عبد الله قال: الرشوة سُحت.

قال مسروق: فقلنا لعبد الله: أفي الحكم؟

قال: لا ثم قرأ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [سورة المائدة: 44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [سورة المائدة: 45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [سورة المائدة: 47].

* * * وأصل " السحت ": كَلَبُ الجوع، يقال منه: " فلان مسحُوت المَعِدَة "، إذا كان أكولا لا يُلْفَى أبدًا إلا جائعًا، وإنما قيل للرشوة: " السحت "، تشبيهًا بذلك، كأن بالمسترشي من الشَّره إلى أخذ ما يُعطاه من ذلك، مثل الذي بالمسحوت المعدة من الشَّرَه إلى الطعام.

يقالُ منه: " سحته وأسحته "، لغتان محكيتان عن العرب، ومنه قول الفرزدق بن غالب: وَعَـضُّ زَمَـانٍ يَا ابْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَع مِــنَ الْمَـالِ إلا مُسْـحَتًا أَوْ مُجَـلَّفُ (14) يعني بِ" المسحت "، الذي قد استأصله هلاكًا بأكله إياه وإفساده، ومنه قوله تعالى: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ [سورة طه: 61].

وتقول العرب للحالق: " اسحت الشعر "، أي: استأصله.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرضْ عنهم "، إن جاء هؤلاء القوم الآخرون الذين لم يأتوك بعد =وهم قومُ المرأة البغيّة= محتكمين إليك، فاحكم بينهم إن شئت بالحقِّ الذي جعله الله حُكمًا له فيمن فعل فِعْل المرأة البغيَّة منهم= أو أعرض عنهم فدع الحكم بينهم إن شئت، والخيار إليك في ذلك.

* * * وبمثل الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11970 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أو أعرض عنهم "، يهودُ، زنى رجل منهم له نسبٌ حقير فرجموه، ثم زنى منهم شريف فحمَّمُوه، ثم طافوا به، ثم استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوافقهم.

قال: فأفتاهم فيه بالرجم، فأنكروه، فأمرهم أن يدعوا أحبارهم ورهبانهم، فناشدهم بالله: أتجدونه في التوراة؟

فكتموه، إلا رجلا من أصغرهم أعْوَرَ، فقال: كذبوك يا رسول الله، إنه لفي التوراة!

11971 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث، عن ابن شهاب: أنّ الآية التي في" سورة المائدة "،" فإن جاءوك فاحكم بينهم "، كانت في شأن الرجم.

11972 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: إنهم أتوه =يعني اليهود= &; 10-326 &; في امرأة منهم زنت، يسألونه عن عقوبتها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة؟

فقالوا: نؤمر برجم الزانية!

فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت، وقد قال الله تبارك وتعالى: " وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ".

11973 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، قال: كانوا يحدُّون في الزنا، إلى أن زنى شاب منهم ذو شرف، (15) فقال بعضهم لبعض: لا يدعكم قومه ترجمونه، ولكن اجلدوه ومثِّلوا به!

فجلدوه وحملوه على حمارِ إكافٍ، (16) وجعلوا وجهه مستقبِلَ ذنب الحمار= إلى أن زنى آخر وضيع ليس له شرف، فقالوا: ارجموه!

ثم قالوا: فكيف لم ترجموا الذى قبله؟

ولكن مثل ما صنعتم به فاصنعوا بهذا!

فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: سلوه، لعلكم تجدون عنده رخصة!

فنـزلت: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " إلى قوله: " إنّ الله يحب المقسطين ".

* * * وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية في قتيل قُتل في يهودَ منهم، قتله بعضهم.

ذكر من قال ذلك: 11974 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن الآيات في" المائدة "، قوله: " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، إلى قوله: " المقسطين "، إنما نـزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك أن قتلى بني النضير، وكان لهم شرف، (17) تؤدِّي الدية كاملة، وإن قريظة كانوا يؤدون &; 10-327 &; نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنـزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحقّ في ذلك، فجعل الدية في ذاك سواءً= والله أعلم أيُّ ذلك كان.

(18) 11975 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضيرُ أشرفَ من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير، قُتِل به.

وإذا قتل رجلٌ من النضير رجلا من قريظة، أدَّى مئة وَسْقِ تمرٍ.

(19) فلما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَتَل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا: ادفعوه إلينا!

فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم!

فنـزلت " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط".

(20) 11976 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب: للنّضِيريِّ ديتان، (21) والقرظيّ دية= لأنه كان من النضير.

قال: وأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما في التوراة، (22) قال: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [سورة المائدة: 45]، إلى آخر الآية.

قال: فلما رأت ذلك قريظة، لم يرضوا بحكم ابن أخطب، فقالوا: نتحاكم &; 10-328 &; إلى محمد!

فقال الله تبارك وتعالى: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، فخيرّه= وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ، الآية كلها.

وكان الشريف إذا زنى بالدنيئة رجموها هي، وحمَّموا وجهَ الشريف، وحملوه على البعير، وجَعلوا وجهه من قِبَل ذنب البعير.

وإذا زنى الدنيء بالشريفة رجموه، وفعلوا بها هي ذلك.

فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرجمها.

قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: من أعلمكم بالتوراة؟

قالوا: فلان الأعور!

فأرسل إليه فأتاه، فقال: أنت أعلمهم بالتوراة؟

قال: كذاك تزعم يهودُ!

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله وبالتوراة التي أنـزلها على موسى يوم طُور سَيْنَاء، ما تجد في التوراة في الزانيين؟

فقال: يا أبا القاسم، يرجمون الدنيئة، ويحملون الشريف على بعير، ويحمِّمون وجهه، ويجعلون وجهه من قبل ذنَبِ البعير، ويرجمون الدنيء إذا زنى بالشريفة، ويفعلون بها هي ذلك.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالله وبالتوراة التي أنـزلها على موسى يوم طُور سَيْناء، ما تجد في التوراة؟

فجعل يروغ، والنبي صلى الله عليه وسلم يَنْشُده بالله وبالتوراة التي أنـزلها على موسى يوم طور سيناء، حتى قال: يا أبا القاسم،الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ".

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهو ذاك، اذهبوا بهما فارجموهما.

قال عبد الله: (23) فكنت فيمن رجمهما فما زال يُجْنِئُ عليها، (24) ويقيها الحجارة بنفسه حتّى مات.

(25) * * * ثم اختلف أهل التأويل في حكم هذه الآية، هل هو ثابت اليوم؟

وهل للحكام من الخيار في الحكم والنظر بين أهل الذمّة والعهد إذا احتكموا إليهم، مثلُ الذي جعَل لنبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، أم ذلك منسوخ؟

فقال بعضهم: ذلك ثابتٌ اليوم، لم ينسخه شيء، وللحكام من الخيار في كلّ دهر بهذه الآية، مثلُ ما جعَله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ذكر من قال ذلك: 11977 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: إنْ رفع إليك أحد من المشركين في قَضَاءٍ، فإن شئت فاحكم بينهم بما أنـزل الله، وإن شئت أعرضت عنهم.

(26) 11978 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي وإبراهيم قالا إذا أتاك المشركون فحكَّموك، فاحكم بينهم أو أعرض عنهم.

وإن حكمت فاحكم بحكم المسلمين، ولا تعدُهُ إلى غيره.

11979 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= وحدثنا هناد قال، حدثنا وكيع= عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم.

11980 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم.

11981 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن محمد بن سالم، عن الشعبي قال: إذا أتاك أهل الكتاب بينهم أمر، فاحكم بينهم بحكم المسلمين، أو خَلِّ عنهم وأهلَ دينهم يحكمون فيهم، إلا في سرقة أو قتل.

11982 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق عن ابن &; 10-330 &; جريج قال، قال لي عطاء، نحن مخيَّرون، إن شئنا حكمنا بين أهل الكتاب، وإن شئنا أعرضنا فلم نحكم بينهم.

وإن حكمنا بينهم حكمنا بحكمنا بيننا، أو نتركهم وحكمهم بينهم= قال ابن جريج: وقال مثل ذلك عمرو بن شعيب.

وذلك قوله: " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ".

11983 - حدثنا يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة= وحدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن مغيرة= عن إبراهيم والشعبي في قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، قالا إذا جاءوا إلى حاكم المسلمين، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.

وإن حكم بينهم، حكم بينهم بما في كتاب الله.

11984 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم "، يقول: إن جاءوك فاحكم بينهم بما أنـزل الله، أو أعرض عنهم.

فجعل الله له في ذلك رُخْصة، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.

11985 - حدثنا هناد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم والشعبي قالا إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينهم، فاحكم بينهم بحكم المسلمين ولا تعدُه إلى غيره، أو أعرض عنهم وخلِّهم وأهلَ دينهم.

* * * وقال آخرون: بل التخيير منسوخٌ، وعلى الحاكم إذا احتكم إليه أهل الذمة أن يحكُم بينهم بالحق، وليس له ترك النظر بينهم.

ذكر من قال ذلك: 11986 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري" فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، نسخت بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

[سورة المائدة: 49].

11987 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن السدي قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

11988 - حدثنا ابن وكيع ومحمد بن بشار قالا حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن السدي قال: سمعت عكرمة يقول: نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

11989 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد: لم ينسخ من " المائدة " إلا هاتان الآيتان: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [سورة المائدة: 49]، وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ [سورة المائدة: 2]، نسختها: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [سورة التوبة: 5].

(27) 11990 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد قال: نسختها: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ .

11991 - حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن منهال قال، حدثنا همام، عن قتادة قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، يعني اليهود، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم، ورخَّص له أن يُعْرض عنهم إن شاء، ثم أنـزل الله تعالى ذكره الآية التي بعدها: وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ إلى قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [سورة المائدة: 48].

فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما أنـزل الله بعد ما رخَّص له، إن شاء، أن يُعْرض عنهم.

11992 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزريّ: أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عديّ بن عديّ: " إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم ".

11993 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن السدي، عن عكرمة قال: نسخت بقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [سورة المائدة: 48].

11994 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الزهري قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، قال: مضت السنة أن يُرَدُّوا قي حقوقهم ومواريثهم إلى أهلِ دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حدٍّ، يحكم بينهم فيه بكتاب الله.

11995 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما نـزلت: " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، كان النبي صلى الله عليه وسلم: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، ثم نسخها فقال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ، وكان مجبورًا على أن يحكم بينهم.

11996 - حدثنا محمد بن عمار قال، حدثنا سعيد بن سليمان قال، حدثنا عباد بن العوّام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد قال: آيتان نسختا من هذه السورة= يعني" المائدة "، آية القلائد، وقوله: " فاحكم بينهم أو أعرض عنهم "، فكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مخيَّرًا، إن شاء حكم، وإن شاء أعرض عنهم، فردّهم إلى احتكامهم، (28) أن يحكم بينهم بما في كتابنا.

(29) * * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: إن حكم هذه الآية ثابتٌ لم ينسخ، وأن للحكَّام من الخِيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا، وتركِ الحكم بينهم والنظر، مثلُ الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية.

وإنما قلنا ذلك أولاهما بالصواب، لأن القائلين إن حكم هذه الآية منسوخ، زَعموا أنه نسخ بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ [سورة المائدة: 49] وقد دللنا في كتابنا: " كتاب البيان عن أصول الأحكام ": أن النسخ لا يكون نسخًا، إلا ما كان نفيًا لحكمٍ غَيْرِه بكلِّ معانيه، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعًا على صِحّته بوجه من الوجوه= بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(30) وإذْ كان ذلك كذلك= وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، ومعناه: وأن أحكم بينهم بما أنـزل الله إذا حكمت بينهم، باختيارك الحكم بينهم، إذا اخترت ذلك، ولم تختر الإعراض عنهم، إذ كان قد تقدَّم إعلام المقول له ذلك من قائِله: إنّ له الخيار في الحكم وترك الحكم= (31) كان معلومًا بذلك أن لا دلالة في قوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ ، أنه ناسخٌ قوله: " فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، لما وصفنا من احتمال ذلك ما بَيَّنَّا، بل هو دليل على مثل الذي دلَّ عليه قوله: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط".

وإذْ لم يكن في ظاهر التنـزيل دليلٌ على نسخ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر= ولم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبٌر يصحُّ بأن أحدهما ناسخ صاحبَه= ولا من المسلمين على ذلك إجماعٌ= (32) صحَّ ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيِّد أحدهما صاحبه، ويوافق حكمُه حكمَه، ولا نسخ في أحدهما للآخر.

* * * وأما قوله: " وإن تُعْرِض عنهم فلن يضروك شيئًا "، فإن معناه: وإن تعرض يا محمد، عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب، فتدَع النظر بينهم فيما احتكموا فيه إليك، فلا تحكم فيه بينهم (33) =" فلن يضروك شيئًا "، يقول: فلن يقدِرُوا لك على ضُرَّ في دين ولا دنيا، فدع النظر بينهم إذا اخترت ترك النظر بينهم.

(34) * * * وأما قوله: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، فإن معناه: وإن اخترت الحكم والنَظَر، يا محمد، بين أهل العهدِ إذا أتوك=" فاحكم بينهم بالقسط"، وهو العدل، (35) وذلك هو الحكم بما جعله الله حكمًا في مثله على جميع خلقِه من أمة نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 11997 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم والشعبي: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، قالا إن حكم بينهم، حكم بما في كتاب الله.

11998 - حدثنا سفيان قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن العوَّام بن حوشب، عن إبراهيم: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، قال: أمر أن يحكم فيهم بالرجم.

11999 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن العوّام، عن إبراهيم التيمي في قوله: " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط"، قال: بالرجم.

21000 - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " بالقسط" بالعدل.

12001 - حدثنا هناد قال، حدثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي في قوله: " فاحكم بينهم بالقسط"، قال: أمر أن يحكم بينهم بالرجم.

* * * وأما قوله: " إن الله يحب المقسطين "، فمعناه: إن الله يحب العادلين في حكمهم بين الناس، (36) القاضين بينهم بحكم الله الذي أنـزله في كتابه وأمْرِه أنبياءَه صلوات الله عليهم.

(37) * * * يقال منه: " أقسط الحاكم في حكمه "، (38) إذا عدل وقضى بالحق،" يُقْسِط إقساطًا "= وأما " قسط"، فمعناه: الجور، (39) ومنه قول الله تعالى ذكره: وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا [سورة الجن: 15]، يعني بذلك: الجائرين عن الحق.

--------------- الهوامش : (1) في المخطوطة: "فيأكلوها" ، والصواب ما في المطبوعة.

(2) لعل الصواب"قيل: السحت ، الرشى "أو"سئل".

(3) ما بين القوسين ثابت في المخطوطة والمطبوعة ، وأنا في شك منه ، ولذلك وضعته بين قوسين ، فإن الكلام بغيره مستقيم.

وأخشى أن يكون تحريفًا لشيء لم أستطع أن أستظهر صوابه.

أو لعله سقط من الخبر شيء.

بعد قوله: [ما كان].

وانظر الآثار رقم: 11956 ، 11964 ، 11965 ، فربما كان ما سقط هنا: "ما كان يعطي الكهان في الجاهلية" ، كما في رقم: 11964.

(4) "عسب الفحل": طرق الفحل وضرابه.

يقال: "عسب الفحل الناقة يعسبها عسبًا" ، و"فحل شديد العسب".

و"العسب" بعد ذلك هو: الكراء الذي يؤخذ على ضراب الفحل.

وقد جاء في الحديث النهي عن عسب الفحل ، وهو كراء عسب الفحل.

أما إعارة الفحل للضراب ، فأمر مندوب إليه.

(5) الأثر: 11960-"علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي" ، صاحب ابن مسعود ، وكان أعلم الناس بحديث ابن مسعود.

مترجم في التهذيب.

و"مسروق" هو: "مسروق بن الأجدع" ، مضى برقم: 4242 ، 7216 ، وغيرهما.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "عن مسروق ، عن علقمة" ، والصواب ما أثبت ، فإن مسروقًا وعلقمة ، من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود.

والسياق يدل على صواب ما أثبت.

(6) الأثر: 11961-"بكير بن أبي بكير" ، لم أجد له ذكرًا في كتب التراجم التي بين يدي.

وأخشى أن يكون تحريفًا كالذي يليه.

وأما "مسلم بن صبيح الهمداني" ، فهو: "أبو الضحى" ، وقد سلفت ترجمته مرارًا ، منها: 5424 ، 7216 ، 8206.

ثقة كثير الحديث ، يروي عن مسروق بن الأجدع.

وانظر الأثر التالي: 11963.

وكان في المخطوطة: "هشام بن صبيح" ، وفي المطبوعة: "هاشم بن صبيح" ، وكلاهما خطأ محض ، والذي في المخطوطة تحريف"مسلم".

(7) الأثر: 11964-"يحيى بن سعيد" ، أظنه"يحيى بن سعيد بن حيان التيمي" ، "أبو حيان" ، روى عنه ابن فضيل.

مضى برقم: 5382 ، 5383.

و"عبد الله بن هبيرة السبائي" ، ثقة.

مضى برقم 1914 ، 5493 ، وكان في المطبوعة والمخطوطة هنا"عبيد الله بن هبيرة" ، وهو خطأ محض.

(8) "الاستجعال" ، يعني: أخذ الجعل (بضم فسكون) ، وهو الأجر ، واشتراطه لقضاء الحاجة.

ولم يذكر هذا الحرف من الاشتقاق في معاجم اللغة.

وإنما قالوا: "اجتعل" فهو"مجتعل" أي: أخذ جعلا.

و"فلان يجاعل فلانًا" ، أي: يصانعه برشوة.

(9) "الحلوان": ما يعطاه الكاهن عن كهانته أجرة.

(10) "عسب الفحل" ، مضى تفسيره ص: 320 ، تعليق: 3 ، وفي المطبوعة: "عسيب الفحل" ، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة.

(11) الأثر: 11965-"ضمرة" الذي يروي هنا عن علي بن أبي طالب ، لم أعرف من يكون.

وأخشى أن يكون فيه تحريف.

(12) الأثر: 11967-"عبد الرحمن بن أبي الموال" ، ويقال: "عبد الرحمن بن زيد بن أبي الموال" ، ويقال" بن أبي الموالي" ، ثقة.

مترجم في التهذيب.

و"عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب" ، ثقة.

مضى توثيقه برقم: 7819.

وهذا خبر مرسل ، خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 284 ، ونسبه لعبد بن حميد ، وابن مردويه مرفوعًا من حديث ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(13) الأثر: 11968-"عبد الحبار بن عمر الأيلي" ، ضعيف الحديث ، ليس محله الكذب.

ووثقه ابن سعد.

مضى برقم: 4608 ، 9057.

أما "الحكم بن عبد الله" ، وأبوه"عبد الله" الذي كان على شرط المدينة ، فلم أعلم من يكونان؟

(14) ديوانه: 556 ، والنقائض: 556 ، وطبقات فحول الشعراء: 19 ، والخزانة 2: 347 ، واللسان (سحت) (جلف) ، وسيأتي في التفسير 16: 135 ، وفي غيرها كثير.

والبيت من قصيدته المشهورة ، وقبل البيت: إِلَيْــكَ أمِـيرَ الْمُـؤْمِنِينَ رَمَـتْ بِنَـا هُمُـومُ الْمُنَـى والْهَوْجَـلُ الْمُتَعَسَّـفُ "الهوجل": البطن الواسع من الأرض.

و"المتعسف": المسلوك بلا علم ولا دليل ، فهو يسير فيها بالتعسف.

ويروى: "أو مجرف" ، وهو الذي جرفه الدهر ، أي: اجتاح ماله وأفقره.

ويروى في"إلا مسحت أو مجلف" بالرفع فيهما (كما سيأتي في 16: 135 ، من التفسير).

وقد تجرف النحاة هذا البيت إعرابًا وتأويلا.

(15) في المخطوطة: "إلى أن زنى الشاب منهم" ، والذي في المطبوعة أرجح.

(16) "الإكاف" مركب من المراكب ، مثل الرحال والأقتاب.

(17) في المطبوعة والمخطوطة: "كان لهم شرف" ، بغير واو ، فأثبتها من سيرة ابن هشام.

(18) الأثر: 11974- سيرة ابن هشام 2: 215 ، 216 ، وفي سيرة ابن هشام بين أن قوله"والله أعلم أي ذلك كان" ، من كلام ابن إسحق.

ورواه أحمد في المسند رقم: 3434 ، مختصرًا.

(19) "الوسق" (بفتح الواو وكسرها ، وسكون السين): هو حمل بعير ، وهو ستون صاعًا بصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(20) الأثر: 11975-"عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي" ، مضى مرارا.

انظر رقم: 2092 ، 2219 ، وغيرها إلى: 9456.

وكان في المطبوعة والمخطوطة"عبد الله بن موسى" ، وهو خطأ محض.

و"علي بن صالح بن صالح بن حي الهمداني" ، ثقة.

مضى برقم: 178.

وانظر خبرًا بمعنى بعضه فيما سلف رقم: 9896 ، ومسند أحمد رقم: 3212 ، 3434.

(21) في المطبوعة : "للنضري" ، والصواب من المخطوطة.

(22) في المخطوطة: "وأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم في التوراة" ، وما في المطبوعة أصح.

(23) كأنه يعني"عبد الله بن عمر" ، وإن لم يذكر في الخبر ، كما سيأتي في التخريج.

(24) "جنأ عليه" و"أجنأ عليه" و"جانأ عليه" و"تجانأ عليه": أكب عليها ومال ليقيها.

وهي في المطبوعة"يجني عليها" ، وهي صواب أيضًا ، والمخطوطة غير منقوطة."جنا عليه يجني" انثنى ، وحنى ظهره.

وجاء الحديث باللفظين.

(25) الأثر: 11976- خبر عبد الله بن عمر في رجم اليهودي اليهودية ، رواه مسلم في صحيحه 11: 208 ، 209 والبخاري ، في صحيحه (الفتح 12: 148- 152) وشرحه الحافظ شرحًا وافيًا ، وفي سنن أبي داود 4: 214 ، رقم: 4446.

(26) في المطبوعة: "أعرض عنهم" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(27) الأثر: 11989- انظر الأثر التالي رقم: 11996 ، والتعليق عليه.

(28) في المطبوعة: "فردهم إلى أن يحكم بينهم" ، حذف ما كان في المخطوطة: "فردهم إلى أحكامهم أن يحكم بينهم" ، وصواب قراءته ما أثبت.

(29) الأثر: 11996-"سعيد بن سليمان الضبي" ، هو"سعدويه" ، ثقة مأمون من شيوخ البخاري ، مضى برقم: 611 ، 2168.

و"عباد بن العوام الواسطي" ، ثقة ، من شيوخ أحمد ، مضى برقم: 2853 ، 5433.

و"سفيان بن حسين الواسطي" ، ثقة ، تكلموا في روايته عن الزهري.

مضى برقم: 3471 ، 6462 ، 10723.

و"الحكم" ، هو"الحكم بن عتيبة" ، تابعي ثقة فقيه مشهور ، مضى مرارًا كثيرة.

وهذا الخبر رواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ، من طريق سعيد بن سليمان بمثله ، مرفوعًا إلى ابن عباس ، ثم قال: "وهذا إسناد مستقيم ، وأهل الحديث يدخلونه في المسند".

(30) انظر قوله في"النسخ" فيما سلف 8: 12 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك.

(31) السياق: و"إذ كان ذلك كذلك ، وكان غير مستحيل...

كان معلوما".

(32) السياق: "وإذ لم يكن في ظاهر التنزيل دليل...

صح ما قلنا" ، وما بينهما عطف على صدر الكلام.

(33) انظر تفسير" الإعراض".

فيما سلف 9: 310 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(34) انظر تفسير" الضر" فيما سلف 7: 157.

(35) انظر تفسير"القسط" فيما سلف ص: 95 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(36) في المطبوعة والمخطوطة: "العاملين في حكمه بين الناس" ، وهو كلام فارغ المعنى.

وصواب قراءته ما أثبت ، إنما حرفه الناسخ بلا ريب.

(37) في المطبوعة: "وأمر أنبياءه" ، وهو اختلال في السياق ، صوابه من المخطوطة ، وصواب ضبطه ما رسمت ، "وأمره" مصدر معطوف على قوله: "في كتابه".

(38) انظر تفسير" أقسط" و"قسط" فيما سلف 6: 77 ، 270/7: 541/9: 301/10: 95 ، 325 (39) قوله: "وأما "قسط" ، فمعناه"الجور" ، هذه الجملة ليست في المخطوطة ، ولكن لا غنى عنها ، فلذلك رجحت إثباتها كما هي في المطبوعة.

وفي المطبوعة"وإقساطا به" ، بزيادة"به" ، ولا معنى لها ، وليست في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطينفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : سماعون للكذب كرره تأكيدا وتفخيما ، وقد تقدمالثانية : قوله تعالى : أكالون للسحت على التكثير ، والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة ; قال الله تعالى : فيسحتكم بعذاب ، وقال الفرزدق :[ ص: 130 ]وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلفاكذا الرواية .

أو مجلف بالرفع عطفا على المعنى ; لأن معنى لم يدع لم يبق .

ويقال للحالق : أسحت أي استأصل ، وسمي المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات أي : يذهبها ويستأصلها ، وقال الفراء : أصله كلب الجوع ، يقال رجل مسحوت المعدة أي : أكول ; فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم ، وقيل : سمي الحرام سحتا لأنه يسحت مروءة الإنسان .قلت : والقول الأول أولى ; لأن بذهاب الدين تذهب المروءة ، ولا مروءة لمن لا دين له .قال ابن مسعود وغيره : السحت الرشا ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رشوة الحاكم من السحت ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به قالوا : يا رسول الله ; وما السحت ؟

قال : الرشوة في الحكم ، وعن ابن مسعود أيضا أنه قال : السحت أن يقضي الرجل لأخيه حاجة فيهدي إليه هدية فيقبلها ، وقال ابن خويز منداد : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه ، وذلك أن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها ، ولا خلاف بين السلف أن أخذ الرشوة على إبطال حق أو ما لا يجوز سحت حرام ، وقال أبو حنيفة : إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل ، وبطل كل حكم حكم به بعد ذلك .قلت : وهذا لا يجوز أن يختلف فيه إن شاء الله ; لأن أخذ الرشوة منه فسق ، والفاسق لا يجوز حكمه .

والله أعلم ، وقال عليه الصلاة والسلام : لعن الله الراشي والمرتشي ، وعن علي رضي الله عنه أنه قال : السحت الرشوة وحلوان الكاهن والاستجعال في القضية ، وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له : الرشوة حرام في كل شيء ؟

فقال : لا ; إنما يكره من الرشوة أن ترشي لتعطى ما ليس لك ، أو تدفع حقا قد لزمك ; فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك فليس بحرام .

قال أبو الليث السمرقندي الفقيه : وبهذا نأخذ ; لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة .

وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان بالحبشة فرشا دينارين وقال : إنما الإثم على القابض دون الدافع ; قال المهدوي : ومن جعل كسب الحجام ومن ذكر معه سحتا فمعناه أنه يسحت مروءة آخذه .[ ص: 131 ] قلت : الصحيح في كسب الحجام أنه طيب ، ومن أخذ طيبا لا تسقط مروءته ولا تنحط مرتبته ، وقد روى مالك عن حميد الطويل عن أنس أنه قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حجمه أبو طيبة فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ; قال ابن عبد البر : هذا يدل على أن كسب الحجام طيب ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجعل ثمنا ولا جعلا ولا عوضا لشيء من الباطل ، وحديث أنس هذا ناسخ لما حرمه النبي صلى الله عليه وسلم من ثمن الدم ، وناسخ لما كرهه من إجارة الحجام .

وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطى الحجام أجره ، ولو كان سحتا لم يعطه ، والسحت والسحت لغتان قرئ بهما ; قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمتين ، والباقون بضم السين وحدها ، وروى العباس بن الفضل عن خارجة بن مصعب عن نافع " أكالون للسحت " بفتح السين وإسكان الحاء وهذا مصدر من سحته ; يقال : أسحت وسحت بمعنى واحد .

وقال الزجاج : سحته ذهب به قليلا قليلا .قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم هذا تخيير من الله تعالى ; ذكره القشيري ; وتقدم معناه أنهم كانوا أهل موادعة لا أهل ذمة ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وادع اليهود ، ولا يجب علينا الحكم بين الكفار إذا لم يكونوا أهل ذمة ، بل يجوز الحكم إن أردنا .

فأما أهل الذمة فهل يجب علينا الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا ؟

قولان للشافعي ; وإن ارتبطت الخصومة بمسلم يجب الحكم .

قال المهدوي : أجمع العلماء على أن على الحاكم أن يحكم بين المسلم والذمي ، واختلفوا في الذميين ; فذهب بعضهم إلى أن الآية محكمة وأن الحاكم مخير ; روي ذلك عن النخعي والشعبي وغيرهما ، وهو مذهب مالك والشافعي وغيرهما ، سوى ما روي عن مالك في ترك إقامة الحد على أهل الكتاب في الزنى ; فإنه إن زنى المسلم بالكتابية حد ولا حد عليها ، فإن كان الزانيان ذميين فلا حد عليهما ; وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وغيرهما ، وقد روي عن أبي حنيفة أيضا أنه قال : يجلدان ولا يرجمان ، وقال الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وغيرهم : عليهما الحد إن أتيا راضيين بحكمنا .

قال ابن خويز منداد : ولا يرسل الإمام إليهم إذا استعدى بعضهم على بعض ، ولا يحضر الخصم مجلسه إلا أن يكون فيما يتعلق بالمظالم التي ينتشر منها الفساد كالقتل ونهب المنازل [ ص: 132 ] وأشباه ذلك ، فأما الديون والطلاق وسائر المعاملات فلا يحكم بينهم إلا بعد التراضي ، والاختيار له ألا يحكم ويردهم إلى حكامهم .

فإن حكم بينهم حكم بحكم الإسلام ، وأما إجبارهم على حكم المسلمين فيما ينتشر منه الفساد فليس على الفساد عاهدناهم ، وواجب قطع الفساد عنهم ، منهم ومن غيرهم ; لأن في ذلك حفظ أموالهم ودمائهم ; ولعل في دينهم استباحة ذلك فينتشر منه الفساد بيننا ; ولذلك منعناهم أن يبيعوا الخمر جهارا وأن يظهروا الزنى وغير ذلك من القاذورات ; لئلا يفسد بهم سفهاء المسلمين ، وأما الحكم فيما يختص به دينهم من الطلاق والزنى وغيره فليس يلزمهم أن يتدينوا بديننا ، وفي الحكم بينهم بذلك إضرار بحكامهم وتغيير ملتهم ، وليس كذلك الديون والمعاملات ; لأن فيها وجها من المظالم وقطع الفساد .

والله أعلم .وفي الآية قول ثان : وهو ما روي عن عمر بن عبد العزيز والنخعي أيضا أن التخيير المذكور في الآية منسوخ بقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله وأن على الحاكم أن يحكم بينهم ; وهو مذهب عطاء الخراساني وأبي حنيفة وأصحابه وغيرهم ، وروي عن عكرمة أنه قال : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم نسختها آية أخرى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، وقال مجاهد : لم ينسخ من " المائدة " إلا آيتان ; قوله : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم نسختها وأن احكم بينهم بما أنزل الله ; وقوله : لا تحلوا شعائر الله نسختها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، وقال الزهري : مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حكم الله فيحكم بينهم بكتاب الله .

قال السمرقندي : وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة إنه لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا ، وقال النحاس في " الناسخ والمنسوخ " له : قوله تعالى : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم منسوخ ; لأنه إنما نزل أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود فيها يومئذ كثير ، وكان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم ، فلما قوي الإسلام أنزل الله عز وجل وأن احكم بينهم بما أنزل الله .

وقاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي ; وهو الصحيح من قول الشافعي ; قال في كتاب الجزية : ولا خيار له إذا تحاكموا إليه ; لقوله عز وجل : حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .

قال النحاس : وهذا من أصح الاحتجاجات ; لأنه إذا كان معنى قوله : وهم صاغرون [ ص: 133 ] أن تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردوا إلى أحكامهم ; فإذا وجب هذا فالآية منسوخة ، وهو أيضا قول الكوفيين أبي حنيفة وزفر وأبي يوسف ومحمد ، لا اختلاف بينهم إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام أنه ليس له أن يعرض عنهم ، غير أن أبا حنيفة قال : إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل ، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم .وقال الباقون : يحكم فثبت أن قول أكثر العلماء إن الآية منسوخة مع ما ثبت فيها من توقيف ابن عباس ; ولو لم يأت الحديث عن ابن عباس لكان النظر يوجب أنها منسوخة ; لأنهم قد أجمعوا أن أهل الكتاب إذا تحاكموا إلى الإمام فله أن ينظر بينهم ، وأنه إذا نظر بينهم مصيب عند الجماعة ، وألا يعرض عنهم فيكون عند بعض العلماء تاركا فرضا ، فاعلا ما لا يحل ولا يسعه .

قال النحاس : ولمن قال بأنها منسوخة من الكوفيين قول آخر ; منهم من يقول : على الإمام إذا علم من أهل الكتاب حدا من حدود الله عز وجل أن يقيمه وإن لم يتحاكموا إليه ويحتج بأن قول الله عز وجل : وأن احكم بينهم يحتمل أمرين :أحدهما : وأن احكم بينهم إذا تحاكموا إليك .والآخر : وأن احكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليك - إذا علمت ذلك منهم - قالوا : فوجدنا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يوجب إقامة الحق عليهم وإن لم يتحاكموا إلينا ; فأما ما في كتاب الله فقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ، وأما ما في السنة فحديث البراء بن عازب قال : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم فقال : أهكذا حد الزاني عندكم فقالوا : نعم .

فدعا رجلا من علمائهم فقال : سألتك بالله أهكذا حد الزاني فيكم فقال : لا .

الحديث ، وقد تقدم .

قال النحاس : فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث .

فإن قال قائل : ففي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ; قيل له : ليس في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم .

قال أبو عمر بن عبد البر : لو تدبر من احتج بحديث البراء لم يحتج ; لأن في درج الحديث تفسير قوله عز وجل : إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا يقول : إن أفتاكم بالجلد والتحميم فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ، دليل على أنهم حكموه ، وذلك بين في حديث ابن عمر وغيره .

فإن قال قائل : ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حكما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رضيا بحكمه .

قيل له : [ ص: 134 ] حد الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته .

ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم ، ويقيم حدودهم عليهم ، وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والله أعلم .قوله تعالى : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط روى النسائي عن ابن عباس قال كان قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة ودى مائة وسق من تمر ; فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا لنقتله ; فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط النفس بالنفس ، ونزلت:أفحكم الجاهلية يبغون

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } والسمع هاهنا سمع استجابة، أي: من قلة دينهم وعقلهم، أن استجابوا لمن دعاهم إلى القول الكذب.

{ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } أي: المال الحرام، بما يأخذونه على سفلتهم وعوامهم من المعلومات والرواتب، التي بغير الحق، فجمعوا بين اتباع الكذب وأكل الحرام.

{ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } فأنت مخير في ذلك.

وليست هذه منسوخة، فإنه-عند تحاكم هذا الصنف إليه- يخير بين أن يحكم بينهم، أو يعرض عن الحكم بينهم، بسبب أنه لا قصد لهم في الحكم الشرعي إلا أن يكون موافقا لأهوائهم، وعلى هذا فكل مستفت ومتحاكم إلى عالم، يعلم من حاله أنه إن حكم عليه لم يرض، لم يجب الحكم ولا الإفتاء لهم، فإن حكم بينهم وجب أن يحكم بالقسط، ولهذا قال: { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } حتى ولو كانوا ظلمة وأعداء، فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم.

وفي هذا بيان فضيلة العدل والقسط في الحكم بين الناس، وأن الله تعالى يحبه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة والكسائي " للسحت " بضم الحاء ، والآخرون بسكونها ، وهو الحرام ، وأصله الهلاك والشدة ، قال الله تعالى : ( فيسحتكم بعذاب ) ( طه ، 61 ) ، نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله ، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم .

قال الحسن : كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه ، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة .

وعنه أيضا قال : إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل عنك حقا .

فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا بأس ، فالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك ، وقال ابن مسعود : هو الرشوة في كل شيء ، وقال ابن مسعود : من يشفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما فأهدي له فقبل فهو سحت ، فقيل له : يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم ، فقال : الأخذ على الحكم كفر قال الله تعالى : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) " سورة المائدة ، 44 " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله الراشي والمرتشي " .

.

والسحت كل كسب لا يحل .

قوله عز وجل : ( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ) خير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك .

واختلفوا في حكم الآية اليوم هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا؟

فقال أكثر أهل العلم : هو حكم ثابت ، وليس في سورة المائدة منسوخ ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا ، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام ، وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة .

وقال قوم : يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم ، والآية منسوخة نسخها قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ( سورة المائدة ، 49 ) ، وهو قول مجاهد وعكرمة ، وروي ذلك عن ابن عباس وقال : لم ينسخ من المائدة إلا آيتان ، قوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله نسخها قوله تعالى : فاقتلوا المشركين وقوله : فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم " نسخها قوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله " فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما لا يختلف القول فيه ، لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة قوله ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ) أي : بالعدل ، ( إن الله يحب المقسطين ) أي : العادلين ، روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المقسطون عند الله على منابر من نور " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

هم «سماعون للكذب أكالون للسُّحُت» بضم الحاء وسكونها أي الحرام كالرشا «فإن جاؤك» لتحكم بينهم «فاحكم بينهم أو أعرض عنهم» هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى (وأن احكم بينهم) الآية فيجب الحكم بينهم إذا ترافعوا إلينا وهو أصح قولي الشافعي فلو ترافعوا إلينا مع مسلم وجب إجماعا «وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت» بينهم «فاحكم بينهم بالقسط» بالعدل «إن الله يحب المقسطين» العادلين في الحكم أي يثيبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

هؤلاء اليهود يجمعون بين استماع الكذب وأكل الحرام، فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم، فإن لم تحكم بينهم فلن يقدروا على أن يضروك بشيء، وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل.

إن الله يحب العادلين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم كشف - سبحانه - عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال - تعالى - : ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) .والسحت : هو كل ما خبث كسبه وقبح مصدره ، كالتعامل بالربا وأخذ الرشوة وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام .وقد بسط الإِمام القرطبي هذا المعنى فقال : والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة .قال - تعالى - ( فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ) أي : - فيهلككم ويستأصلكم بعذاب - ويقال للحالق : أسحت أي استأصل .

وقال الفراء : أصل السحت كلب الجوع .

يقال رجل مسحوت المعدة أي : أكول ، فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطي مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم .وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" " كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به " قالوا يا رسول الله وما السحت؟

قال : " الرشوة في الحكم " " .وقال بعضهم : من السحت أن يأكل الرجل بجاهه .

وذلك بأن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها .والمعنى : أن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم - أيضا - أنهم كثيروا السماع للكذب ، وكثيروا الأكل للمال الحرام بجميع صورة وألوانه .

ومن كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرا ، ولا تؤمل فيه رشدا .وقوله : ( سماعون ) خبر لمبتدأ محذوف أي : هم سماعون .

وكرر تأكيدا لما قبله ، وتمهيداً لما بعده وهو قوله : ( أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) .وجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأكالون - بصيغة المبالغة ، للإِيذان بأنهم محبون حبا جما لما يأباه الدين والخلق الكريم .

فهم يستمرئون سماع الباطل من القول ، كما يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل :إن اليهود بصفة خاصة قد اشتهروا في كل زمان بتقبل السحت ، وقد أرشد الله - تعالى - نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ما تحاكموا إليه فقال : ( فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) .أي : فإن جاءكم هؤلاء اليهود متحاكمين إليك - يا محمد - في قضاياهم ، فأنت مخير بين أن تحكم بما أراك الله ، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم ، وإن تعرض عنهم ، فيما احتكموا فيه إليك قاصدين مضرتك وإيذاءك فلا تبال بشيء من كيدهم ، لأن الله حافظك وناصرك عليهم ، وإن اخترت الحكم في قضاياهم ، فليكن حكمك بالعدل الذي أمرت به ، لأن الله - تعالى - يحب العادلين في أحكامهم .والفاء في قوله : ( فَإِن جَآءُوكَ ) للإِفصاح أي : إذا كان هذا حالهم وتلك صفاتهم فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات ( فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) .وجاء التعبير بإن المفيدة للشك - مع أنهم قد جاءوا إليه - للإيذان بأنهم كانوا مترددين في التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم وأنهم ما ذهبوا إليه ظنا منهم بأنه سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم ، فلما حكم فيهم بما هو الحق كبتوا وندموا على مجيئهم إليه .قال أبو السعود : وقوله : ( وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ ) بيان لحال الأمرين إثر تخييره صلى الله عليه وسلم بينهما .

وتقديم حال الإِعراض ، للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه ، حيث كان مظنة الضرر ، لما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم؛ فتشتد عداوتهم ومضارتهم له ، فأمنه الله بقوله : ( فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ) من الضر .وكان التعبير بإن أيضا في قوله ( وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُمْ ) للإشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ليس حريصاً على الحكم بينهم بل هو زاهد فيه ، لأنهم ليسوا طلاب حق وانصاف بل هم يريدون الحكم كما يهوون ويشتهون ، والدليل على ذلك أن التوراة التي بين أيديهم فيها حكم الله ، إلا أنهم جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤملين أن يقضي بينهم بغير ما أنزل الله ، فيشيعوا ذلك بين الناس ، ويعلنوا عدم صدقه في نبوته ، فلما حكم بما أنزل الله خاب أملهم وانقلبوا صاغرين .وقوله : ( إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) تذييل مقرر لما قبله من وجوب الحكم بينهم بالعدل إذا ما اختار أن يقضي بينهم .يقال : أقسط الحاكم في حكمه ، إذا عدل وقضى بالحق فهو مقسط أي عادل ومنه قوله - تعالى - ( إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ) .روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن .

وكلتا يديه يمين .

الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " .هذا ، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتي :1 - أن أكل السحت حرام سواء أكان عن طريق الرشوة أم عن طريق محرم سواها .ولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال .

وينفرون من الحرام ، بل ومن الشبهات ، وكانوا يرون أن تأييد الحق ودفع الباطل واجب عليهم ، وأنه لا يصح أن يأخذوا عليه أجرا .قال ابن جرير : شفع مسروق لرجل في حاجة فأهدى إليه جارية ، فغضب مسروق غضباً شديدا وقال : لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك ، ولا أكلمه فيما بقي من حاجتك .

سمعت ابن مسعود يقول : من شفع شفاعة ليرد بها حقا ، أو يرفع بها ظلما ، فأهدى له ، فقيل ، فهو سحت .وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " " كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به " قيل يا رسول الله وما السحت؟

قال صلى الله عليه وسلم : " الرشوة في الحكم " " .وعن الحكم بن عبد الله قال : قال لي أنس بن مالك : إذا انقلبت إلى أبيك فقل له : إياك والرشوة فإنها سحت .

وكان أبوه على شرط المدينة .قال بعض العلماء : والرشوة قد تكون في الحكم وهي محرمة على الراشي والمرتشي .

وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الراشي والمرتشي والذي يمشي بينهما " لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقاً من جهة أنه قبل الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به .

وإن حكم بالباطل كان فاسقا من جهة أنه أخذ الرشوة .

ومن جهة أنه حكم بالباطل .وقد تكون الرشوة في غير الحكم مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على معطيها ، فقد روى عن الحسن أنه قال :" لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه " وروى عن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا : " لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم " .وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة ، أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره ، فلم يرق ذلك العباس وقال شعرا يتضمن التعجيب من هذا التصرف .

فقال صلى الله عليه وسلم " اقطعوا لسانه " فزادوه حتى رضى .

فهذا نوع من الرشوة رخص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه يدفعه إلأى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه .2 - استدل بعض العلماء بقوله - تعالى - : ( فَإِن جَآءُوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مخيرا في الحكم بين أهل الكتاب أو الإِعراض عنهم ، وأن حكم التخيير غير منسوخ ، لأن ظاهر الآية يفيد ذلك .ويرى فريق من العلماء أن هذا التخيير قد نسخ بقوله - تعالى - بعد ذلك ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله ) قالوا : إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان أولا مخيرا ثم أمر بعد ذلك بإجراء الأحكام عليهم .وقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه الآية .أما قوله : ( وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ الله ) فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له .ويرى فريق ثالث من العلماء : أن التخيير ورد في المعاهدين الذين ليسوا من أهل الذمة كبني النضير وبني قريظة ، فهؤلاء كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخيرا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ثم قال تعالى: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي السحت بضم السين والحاء حيث كان، وقرأ ابن عامر ونافع وعاصم وحمزة برفع السين وسكون الحاء على لفظ المصدر من: سحته، ونقل صاحب الكشاف السحت بفتحتين، والسحت بكسر السين وسكون الحاء، وكلها لغات.

المسألة الثانية: ذكروا في لفظ السحت وجوهاً قال الزجاج: أصله من سحته إذا استأصله، قال تعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ  ﴾ وسميت الرشا التي كانوا يأخذونها بالسحت إما لأن الله تعالى يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم، أو لأنه مسحوت البركة، قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ الله الربا  ﴾ الثاني: قال الليث: إنه حرام يحصل منه العار، وهذا قريب من الوجه الأول لأن مثل هذا الشيء يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها، والثالث: قال الفرّاء: أصل السحت شدة الجوع، يقال رجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلقى إلا جائعاً أبداً، فالسحت حرام يحمل عليه شدة الشره كشره من كان مسحوت المعدة، وهذا أيضاً قريب من الأول، لأن من كان شديد الجوع شديد الشره فكأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام ويشتهيه.

إذا عرفت هذا فنقول: السحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستئجار في المعصية: روي ذاك عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم، ونقص بعضهم، وأصله يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة، ويكون في حصوله عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة، ومعلوم أن أخذ الرشوة كذلك، فكان سحتاً لا محالة.

المسألة الثالثة: في قوله: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ ﴾ وجوه: الأول: قال الحسن كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه، فكان يسمع الكذب ويأكل السحت.

الثاني: قال بعضهم: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية، فالفقراء كانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت الذي يأخذونه منهم.

الثالث: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله تعالى: ﴿ وَأَخْذِهِمُ الربا  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ فإن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ثم إنه تعالى خيّره بين الحكم فيهم والاعراض عنهم، واختلفوا فيه على قولين: الأول: أنه في أمر خاص، ثم اختلف هؤلاء، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: أنه في زنا المحصن وأن حده هو الجلد والرجم.

الثاني: أنه في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير، وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم دية كاملة، وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الدية سواء.

الثالث: أن هذا التخيير مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم، فإن شاء حكم فيهم وإن شاء أعرض عنهم.

القول الثاني: أن الآية عامة في كل من الكفار، ثم اختلفوا فمنهم من قال الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ، وهو قول النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم، ومنهم من قال: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله  ﴾ وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة.

ومذهب الشافعي أنه يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه، لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم، فأما المعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل يتخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية مخصوص بالمعاهدين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ والمعنى: أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأسهل والأخف، كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم شق عليهم إعراضه عنهم وصاروا أعداء له، فبيّن الله تعالى أنه لا تضره عداوتهم له.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين ﴾ .

أي فاحكم بينهم بالعدل والاحتياط كما حكمت بالرجم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ السحت ﴾ كل ما لا يحل كسبه، وهو من- سحته- إذا استأصله لأنه مسحوت البركة كما قال تعالى: ﴿ يَمْحَقُ الله الربا ﴾ [البقرة: 276] والربا باب منه.

وقرئ: ﴿ السحت ﴾ بالتخفيف والتثقيل.

والسحت بفتح السين على لفظ المصدر من سحته.

﴿ والسحت ﴾ ، بفتحتين.

﴿ والسحت ﴾ ، بكسر السين.

وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام.

وعن الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمه فأراها إياه وتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة ويسمع الكذب.

وحكى أن عاملاً قدم من عمله فجاءه قومه، فقدم إليهم العراضة وجعل يحدثهم بما جرى له في عمله، فقال أعرابي من القوم: نحن كما قال الله تعالى: ﴿ سماعون لِلْكَذِبِ أكالون لِلسُّحْتِ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «كل لحم أَنبته السحت فالنار أولى به» قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً- إذا تحاكم إليه أهل الكتاب- بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم.

وعن عطاء والنخعي والشعبي: أنهم إذا ارتفعوا إلى حكام المسلمين، فإن شاءوا حكموا وإن شاءوا أعرضوا.

وقيل: هو منسوخ بقوله: ﴿ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله ﴾ وعند أبي حنيفة رحمه الله: إن احتكموا إلينا حملوا على حكم الإسلام، وإن زنى منهم رجل بمسلمة أو سرق من مسلم شيئاً أقيم عليه الحدّ.

وأما أهل الحجاز فإنهم لا يرون إقامة الحدود عليهم، يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود.

ويقولون: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل نزول الجزية ﴿ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ لأنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم، كالجلد مكان الرجم.

فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة لهم، شقّ عليهم وتكرهوا إعراضه عنهم وكانوا خلقاء بأن يعادوه ويضاروه، فأمن الله سربه ﴿ بالقسط ﴾ بالعدل والاحتياط كما حكم بالرجم ﴿ وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ ﴾ تعجيب من تحكيمهم لمن لا يؤمنون به وبكتابه، مع أن الحكم منصوص في كتابهم الذي يدّعون الإِيمان به ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به ﴿ وَمَا أُوْلَئِكَ بالمؤمنين ﴾ بكتابهم كما يدّعون.

أو وما أولئك بالكاملين في الإيمان على سبل التهكم بهم.

فإن قلت: ﴿ فِيهَا حُكْمُ الله ﴾ ما موضعه من الإعراب؟

قلت: إمّا أن ينتصب حالاً من التوراة وهي مبتدأ خبره عندهم وإمّا أن يرتفع خبراً عنها كقولك: وعندهم في التوراة ناطقة بحكم الله وإمّا أن لا يكون له محل وتكون جملة مبنية، لأنّ عندهم ما يغنيهم عن التحكيم، كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب، فما تصنع بغيره؟

فإن قلت: لم أنثت التوراة؟

قلت: لكونها نظيرة لموماة ودوداة ونحوها في كلام العرب.

فإن قلت: علام عطف ثم يتولون؟

قلت: على يحكمونك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ.

﴿ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ أيِ الحَرامِ كالرِّشا مِن سَحَتَهُ إذا اسْتَأْصَلَهُ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِضَمَّتَيْنِ وهُما لُغَتانِ كالعُنُقِ والعُنْقِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ.

﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ تَخْيِيرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ  إذا تَحاكَمُوا إلَيْهِ بَيْنَ الحُكْمِ والإعْراضِ ولِهَذا قِيلَ: لَوْ تَحاكَمَ كِتابِيّانِ إلى القاضِي لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الحُكْمُ، وهو قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ والأصَحُّ وُجُوبُهُ إذا كانَ المُتَرافِعانِ أوْ أحَدُهُما ذِمِّيًّا لِأنّا التَزَمْنا الذَّبَّ عَنْهم ودَفْعَ الظُّلْمِ مِنهُمْ، والآيَةُ لَيْسَتْ في أهْلِ الذِّمَّةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ مُطْلَقًا.

﴿ وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ﴾ بِأنْ يُعادُوكَ لِإعْراضِكَ عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ.

﴿ وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ فَيَحْفَظُهم ويُعَظِّمُ شَأْنَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{سماعون لِلْكَذِبِ} كرر للتأكيد أي هم سماعون ومثله {أكالون للسحت} وهو كل مالا يحل كسبه وهو من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة وفي الحديث هو الرشوة في الحكم وكانوا يأخذون الرشا على الأحكام وتحليل الحرام وبالتثقيل مكي وبصري وعلي {فَإِن جاؤوك فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} قيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم بينهم وقيل نسخ التخيير بقوله وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله {وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً} فلن يقدروا على الإضرار بك لأن الله تعالى يعصمك من الناس {وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط} بالعدل {إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين} العادلين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ وقِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ) إلَخْ، أوْ تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، أوِ المُرادُ بِالكَذِبِ هُنا الدَّعْوى الباطِلَةُ، وفِيما مَرَّ ما يَفْتَرِيهِ الأحْبارُ، ويُؤَيِّدُهُ الفَصْلُ بَيْنَهُما.

﴿ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ أيِ الحَرامِ، مِن ( سَحَتَهُ ) إذا اسْتَأْصَلَهُ، وسُمِّيَ الحَرامُ سُحْتًا عِنْدَ الزَّجّاجِ؛ لِأنَّهُ يَعْقُبُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ والبَوارِ، وقالَ الجُبّائِيُّ: لِأنَّهُ لا بَرَكَةَ لِأهْلِهِ فَيُهْلِكُ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ غالِبًا، وقالَ الخَلِيلُ: لِأنَّ في طَرِيقِ كَسْبِهِ عارًا، فَهو يُسْحِتُ مُرُوءَةَ الإنْسانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا عَلى المَشْهُورِ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟

قالَ: الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ»».

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««هَدايا الأُمَراءِ سُحْتٌ»».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «أرَأيْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ أمِنَ السُّحْتِ هِيَ؟

قالَ: لا، ولَكِنْ كُفْرٌ، إنَّما السُّحْتُ أنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ جاهٌ ومُنْزِلَةٌ، ويَكُونُ لِلْآخَرِ إلى السُّلْطانِ حاجَةٌ فَلا يَقْضِي حاجَتَهُ حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ هَدِيَّةً».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -: «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ؟

فَقالَ: الرِّشا، فَقِيلَ لَهُ: في الحُكْمِ؟

قالَ: ذاكَ الكُفْرُ».

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ ذَلِكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««سِتُّ خِصالٍ مِنَ السُّحْتِ؛ رَشْوَةُ الإمامِ وهي أخْبَثُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وعَسْبُ الفَحْلِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ»» وعَدَّ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في رِوايَةِ ابْنِ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيِّ عَنْهُ أشْياءَ أُخَرَ.

قِيلَ: ولِعِظَمِ أمْرِ الرِّشْوَةِ اقْتَصَرَ عَلَيْها مَنِ اقْتَصَرَ، وجاءَ مِن طُرُقٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««لُعِنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي والرّائِشُ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما»».

ولِتَفاقُمِ الأمْرِ في هَذِهِ الأزْمانِ بِالِارْتِشاءِ صَدَرَ الأمْرُ مِن حَضْرَةِ مَوْلانا - ظِلُّ اللَّهِ تَعالى عَلى الخَلِيقَةِ، ومُجَدِّدُ نِظامِ رُسُومِ الشَّرِيعَةِ والحَقِيقَةِ - السُّلْطانُ العَدْلِيُّ مَحْمُودْ خانَ، لا زالَ مُحاطًا بِأمانِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُما كانَ - في السَّنَةِ الرّابِعَةِ والخَمْسِينَ بَعْدَ الألْفِ والمِائَتَيْنِ - بِمُؤاخَذَةِ المُرْتَشِي وأخَوَيْهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وحَدَّ لِلْهَدِيَّةِ حَدًّا لِئَلّا يُتَوَصَّلَ بِها إلى الِارْتِشاءِ، كَما يَفْعَلُهُ اليَوْمَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَراءِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««سَتَكُونُ مِن بَعْدِي وُلاةٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ، والنَّبِيذَ، والنَّجْشَ بِالصَّدَقَةِ، والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، والقَتْلَ بِالمَوْعِظَةِ، يَقْتُلُونَ البَرِيءَ؛ لِيُوَطِّئُوا العامَّةَ، يُمْلى لَهم فَيَزْدادُوا إثْمًا»».

هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: ( السُّحُتَ ) بِضَمَّتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ كالعُنْقِ والعُنُقِ.

وقُرِئَ ( السَّحْتُ ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لَفْظِ المَصْدَرِ، أُرِيدَ بِهِ المَسْحُوتُ، كالصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ، و( السَّحَتُ ) بِفَتْحَتَيْنِ، و( السِّحْتُ ) بِكَسْرِ السِّينِ.

﴿ فَإنْ جاءُوكَ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والفاءُ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ حالُهم كَما شُرِحَ ( فَإنْ جاءُوكَ ) مُتَحاكِمِينَ إلَيْكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ ﴿ فاحْكم بَيْنَهُمْ ﴾ بِما أراكَ اللَّهُ تَعالى ﴿ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ ولا مُكْتَرِثٍ، وهَذا كَما تَرى تَخْيِيرٌ لَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وهو مُعارِضٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ وتَحْقِيقُ المَقامِ عَلى ما ذَكَرَ الجَصّاصُ في كِتابِ الأحْكامِ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّخْيِيرَ مَنسُوخٌ بِالآيَةِ الأُخْرى، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ السَّلَفِ: قالُوا: إنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ أوَّلًا مُخَيَّرًا، ثُمَّ أُمِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِإجْراءِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ فِيمَن لَمْ يُعْقَدْ لَهُ ذِمَّةٌ، والأُخْرى في أهْلِ الذِّمَّةِ، فَلا نَسْخَ، وأثْبَتَهُ بَعْضُهم بِمَعْنى التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّ مَن أُخِذَتْ مِنهُ الجِزْيَةُ تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الإسْلامِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أيْضًا.

وقالَ أصْحابُنا: أهْلُ الذِّمَّةِ مَحْمُولُونَ عَلى أحْكامِ الإسْلامِ في البُيُوعِ والمَوارِيثِ وسائِرِ العُقُودِ، إلّا في بَيْعِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ فَإنَّهم يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، ويُمْنَعُونَ مِنَ الزِّنا كالمُسْلِمِينَ، فَإنَّهم نُهُوا عَنْهُ، ولا يُرْجَمُونَ لِأنَّهم غَيْرُ مُحْصَنِينَ، وخَبَرُ الرَّجْمِ السّابِقُ سَبَقَ تَوْجِيهُهُ.

واخْتُلِفَ في مُناكَحَتِهِمْ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: يُقَرُّونَ عَلَيْها، وخالَفَهُ في بَعْضِ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ وزُفَرُ، ولَيْسَ لَنا عَلَيْهِمُ اعْتِراضٌ قَبْلَ التَّراضِي بِأحْكامِنا، فَمَتى تَراضَوْا بِها وتَرافَعُوا إلَيْنا وجَبَ إجْراءُ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، وتَمامُ التَّفْصِيلِ في الفُرُوعِ.

﴿ وإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ بَيانٌ لِحالِ الأمْرَيْنِ بَعْدَ تَخْيِيرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ حالِ الإعْراضِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنَّهُ لا ضَرَرَ فِيهِ، حَيْثُ كانَ مَظِنَّةً لِتَرَتُّبِ العَداوَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّصَدِّي لِلضَّرَرِ، فَمَآلُ المَعْنى: إنْ تُعْرِضْ عَنْهم ولَمْ تَحْكم بَيْنَهم فَعادُوكَ وقَصَدُوا ضَرَرَكَ ﴿ فَلَنْ يَضُرُّوكَ ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿ شَيْئًا ﴾ مِنَ الضَّرَرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْفَظُكَ مِن ضَرَرِهِمْ.

﴿ وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ، وهو ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ، واشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ شَرِيعَةُ الإسْلامِ، وما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - مِن أنَّهُ قالَ: «لَوْ ثُنِّيَتْ لِي الوِسادَةُ لَأفْتَيْتُ أهْلَ التَّوْراةِ بِتَوْراتِهِمْ، وأهْلَ الإنْجِيلِ بِإنْجِيلِهِمْ» إنْ صَحَّ يُرادُ مِنهُ لازِمُ المَعْنى.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ﴾ أيِ العادِلِينَ، فَيَحْفَظُهم عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، ويُعَظِّمُ شَأْنَهُمْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي السحت بضم الحاء، وقرأ الباقون بضمة واحدة، وهما لغتان السُّحُتُ والسُّحْتُ، وهو الاستئصال.

يقال: أسحته وسَحَتَهُ، إذا استأصله، وكانوا يأكلون الرِّشا، وكان عاقبته الاستئصال، فسماه به كما قال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] «أي: يأكلون ما عاقبته نار» .

وقال النبي  : «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ بِالسُّحْتِ فَالنَّارُ أوْلَى بِهِ» ، قالوا يا رسول الله وما السحت؟

قال: «الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ» .

وقال-  -: «لَعَنَ الله الرَّاشِي وَالمُرْتَشِي» .

وروي عن وهب بن منبه، أنه قيل له: الرشوة حرام في كل شيء؟.

فقال: لا، إنما يكره من الرشوة أن ترشو لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقاً قد لزمك.

فأما إذا أردت أن ترشو لتدفع عن دينك، ودمك، ومالك، فليس بحرام.

قال الفقيه أبو الليث: وبهذا القول نأخذ لا بأس بأن يدفع الرجل عن نفسه وماله بالرشوة، وهذا كما روي عن عبد الله بن مسعود، أنه كان بالحبشة فرشى بدينارين، وقال: إنما الإثم على القابض دون الدافع.

ثم قال: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ، يعني: أهل الكتاب إذا خاصموا إليك فأنت بالخيار، إن شئت فاحكم بينهم وإن شئت فأعرض عنهم، ولا تحكم بينهم.

ثم قال: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ يعني: بالعدل، وهو الرجم، ولها وجه آخر، أن الصلح كان بينهم أن تكون جراحات بني قريظة نصفاً من جراحات بني النضير، وفي القتل كذلك، فأمر الله تعالى بأن يحكم بالعدل بينهم، وهو قوله عز وجل: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ يعني العادلين في الحكم.

وروي عن عكرمة أنه قال: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نسختها آية أخرى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: 49] وقال مجاهد: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان قوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نسختها وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: 49] وقوله: لاَ تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ نسختها قوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: 5] .

وقال الزهري: مضت السنة أن يرد أهل الكتاب في حقوقهم، ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين حكم الله، فيحكم بينهم بكتاب الله تعالى، وهذا القول يوافق قول أبي حنيفة: أن لا يحكم بينهم ما لم يتراضوا بحكمنا.

ثم قال <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جمهورُ العلماءِ على أَنَّ توبة السارق لا تُسْقِطُ عنه القَطْعَ، وقال الشافعيُّ: إذا تاب السارق قبل أنْ يتلبَّس الحُكَّام بأخْذه، فتوبته تَدْفَعُ عنه حُكْمَ القطع قياساً على توبة المُحَارِبِ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي: فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا معتَرِضَ عليه، يفعلُ ما يَشَاء لا إله إلا هو.

يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ...

الآية: تسليةٌ لنبيِّه- عليه السلام- وتقويةٌ لنفسه بسبب ما كان يلقى من طوائف المنافقين واليهود، والمعنى: قد وعَدْناك النصْرَ والظهورَ عليهم، فلا يحزنْكَ ما يقعُ منهم، ومعنى المسارعة في الكُفْرِ: البِدَارُ إلى نَصْره، والسعْيُ في كيد الإسلام، وإطفاءِ نوره، قال مجاهدٌ وغيره:

قوله تعالى: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ يراد به المنافقون «١» /.

وقوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يراد به اليهودُ، ويحتمل أن يراد به اليهود مع المنافقين لأن جميعهم يَسْمَعُ الكذبَ، بعضَهُم مِنْ بعض، ويقبلونه ولذلك جاءَتْ عبارة سَمَاعهم في صيغَةِ المبالغة إذِ المرادُ أنهم يُقْبِلُونَ ويستزيدون من ذلك.

وقوله سبحانه: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ: يحتمل أنْ يريد: يَسْمَعُون منهم، وذكر الطبريُّ «٢» عن جابر أن المراد بالقوم الآخرينَ يَهُودُ فَدَكَ «٣» ، وقيل: يهود خَيْبَر، ويحتمل أنْ يكون معنى سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ بمعنى: جواسيسَ مُسْتَرِقِينَ الكلامَ لينقلوه لقوم آخرينَ، وهذا مما يمكن أن يتصف به المنافقُونَ ويهودُ المدينة، قلْتُ: وهذا هو الذي نَصَّ عليه ابنُ إسحاق في السِّيَرِ «٤» .

قال ع «٥» : وقيل لسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هل جرى للجاسُوسِ ذكْرٌ في كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ؟

فقال: نعم، وتلا هذه الآية: سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.

وقوله سبحانه: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ: هذه صفةُ اليهود في معنى ما حرَّفوه من التوراةِ، وفيما يحرِّفونه من الأقوال عند كذبهم مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ، أي: من بعد أن وضع مواضعه، وقصدت به وجهه القويمة، يقولون إن أوتيتم هذا، فخذوه، روي أنَّ يهود فَدَك قالوا ليهودِ المدينةِ: استفتوا محمَّداً، فإن أفتاكم بما نَحْنُ عليه من الجَلْد والتَّجْبِيَةِ، فخذوه، وإن أفتاكم بالرَّجْم، فاحذروا الرجْمَ قاله الشعبيُّ وغيره «٦» وقيل غير هذا من وقائعهم، فالإشارة ب هذا إلى التحميمِ والجَلْدِ في الزنا، على قولٍ، ثم قال

تعالى لنبيِّه- عليه السلام- على جهة قَطْع الرجاء منهم: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ أي: محنَتَهُ بالكفر، فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الذين سَبَقَ لهم في علْمه ألاَّ يطهِّر قلوبَهُم، وأنْ يكونوا مُدَنَّسِينَ بالكُفْر، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ بالذِّلَّة والمَسْكَنة الَّتي ضُرِبَتْ عليهم في أقطار الأرْضِ، وفي كلِّ أُمَّة.

قال ص: سَمَّاعُونَ، أي: هم سمَّاعون، ومثله أكَّالون.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ: فعَّالون بناءُ مبالغة، أي: يتكرَّر أَكْلُهم، ويَكْثُر، والسُّحْت: كل ما لا يَحِلُّ كسبه من المال.

وقوله تعالى: فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ: تخييرٌ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ولحكَّامِ أُمَّتِهِ بعده، وقال ابنُ عباس وغيره: هذا التخْييرُ منسوخٌ بقوله سبحانه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «١» [المائدة: ٤٩] ، وقال كثيرٌ من العلماء: هي مُحْكَمَة، وهذا هو الأظهر إن شاء اللَّه، وفِقْهُ هذه الآية أنَّ الأَمَّة مُجْمِعَة فيما علمتُ على أنَّ حاكم المسلمين يحْكُمُ بيْنَ أهْل الذمَّة في تظالمهم، وأمَّا نوازل الأحْكَام التي لا تَظَالُمَ فيها، فالحاكمُ مخيَّر، وإذا رضي به الخَصْمان، فلا بد من رضا أساقِفَتِهِمْ أو أحبارهم قاله ابن القاسِمِ في «العتبية» ، قلت: وعبارة الداوديُّ قال مالك: ولا يَحْكُمُ بينهم، إذا اختار الحكم إلا في المظالم، فيحكم بينهم بما أنزل اللَّه، ولا يحكم فيهم في الزنا إلا أنْ يعلنوه، فيعاقَبُونَ بسبب إعلانه، ثم يردُّون إلى أساقفتهم، قال مالك: وإنما رجم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم اليهودِيَّيْنِ قبل أنْ تكون لهم ذمَّة.

انتهى.

وقال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» : إنما أَنْفَذَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الحُكْمَ بينهم ليحقِّق تحريفَهُم، وتبديلَهم، وكَذِبَهم، وكَتْمَهم ما في التوراة، / ومنه صفته صلّى الله عليه وسلّم فيها، والرجْمُ على زناتهم، وعنه أخبر اللَّه تعالى بقوله: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ١٥] فيكون ذلك من آياته الباهرةِ، وحُجَجِهِ البيِّنة، وبراهينِهِ القاطعةِ الدَّامغة للأَمَّة المُخْزية اليهودية.

انتهى.

وقوله تعالى: وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً: أمَّنَ اللَّه سبحانَهُ نبيَّه من ضررهم، إذا أعْرَضَ عنهم، وحقَّر في ذلك شأنهم، وَإِنْ حَكَمْتَ، أي: اخترت الحكْمَ في نازلةٍ مَّا، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، أيْ: بالعدل، ثم قال سبحانه:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ قالَ الحَسَنُ يَعْنِي حُكّامَ اليَهُودِ يَسْمَعُونَ الكَذِبَ مِمَّنْ يَكْذِبُ عِنْدَهم في دَعْواهُ، ويَأْتِيهِمْ بِرِشْوَةٍ فَيَأْخُذُونَها.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: هُمُ اليَهُودُ يَسْمَعُونَ الكَذِبَ، وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ كاذِبٌ، ولَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ رَجْمٌ، وهم يَعْلَمُونَ كَذِبَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: "السُّحُتَ" مَضْمُومَةَ الحاءِ مُثَقَّلَةً.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "السُّحْتَ" ساكِنَةَ الحاءِ خَفِيفَةً.

ورَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ نافِعٍ: أكّالُونَ لِلسَّحْتِ بِفَتْحِ السِّينِ وجَزْمِ الحاءِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: السُّحْتُ والسُّحُتُ لُغَتانِ.

وهُما اسْمانِ لِلشَّيْءِ المَسْحُوتِ، ولَيْسا بِالمَصْدَرِ، فَأمّا مَن فَتَحَ السِّينَ، فَهو مَصْدَرُ سَحَتَ، فَأوْقَعَ اسْمَ المَصْدَرِ عَلى المَسْحُوتِ، كَما أوْقَعَ الضَّرْبَ عَلى المَضْرُوبِ في قَوْلِهِمْ: هَذا الدِّرْهَمُ ضَرْبُ الأمِيرِ.

وفي المُرادِ بِالسُّحْتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ.

والثّانِي: الرِّشْوَةُ في الدِّينِ، والقَوْلانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ كَسْبٍ لا يَحِلُّ، قالَهُ الأخْفَشُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِهَذا الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اليَهُودِيّانِ اللَّذانِ زَنَيا، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: رَجُلانِ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ قَدْ جَعَلَ لِلنَّضِيرِيِّ دِيَتَيْنِ، والقُرَظِيِّ دِيَةً، لِأنَّهُ كانَ مِنَ النَّضِيرِ، فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: لا نَرْضى بِحُكْمٍ حُيَيٍّ، ونَتَحاكَمُ إلى مُحَمَّدٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: لِنَبِيِّهِ فَإنْ جاؤُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمُ الآيَةُ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا إذا تَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ  كانَ مُخَيَّرًا، إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهم، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهم، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ فَلَزِمَهُ الحُكْمُ، وزالَ التَّخْيِيرُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّ الإمامَ ونُوّابُهُ في الحُكْمِ مُخَيَّرُونَ إذا تَرافَعُوا إلَيْهِمْ، إنْ شاؤُوا حَكَمُوا بَيْنَهم، وإنْ شاؤُوا أعْرَضُوا عَنْهم، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخْعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وهو الصَّحِيحُ، لِأنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، لِأنَّ إحْداهُما: خَيَّرَتْ بَيْنَ الحُكْمِ وتَرْكِهِ.

والثّانِيَةَ: بَيَّنَتْ كَيْفِيَّةَ الحُكْمِ إذا كانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِن اللهُ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ  ﴾ ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أو أعْرِضْ عنهُمْ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْكَلِمِ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "اَلْكِلْمِ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ اللامِ؛ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ في "كَلِمَةٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ  ﴾ ؛ صِفَةٌ لِلْيَهُودِ فِيما حَرَّفُوا مِنَ التَوْراةِ؛ إذْ ذاكَ أخْطَرُ أمْرٍ حَرَّفُوا فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لَهم ولِلْمُنافِقِينَ فِيما يُحَرِّفُونَ مِنَ الأقْوالِ عِنْدَ كَذِبِهِمْ؛ لِأنَّ مَبادِئَ كَذِبِهِمْ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مِن أشْياءَ قِيلَتْ؛ أو فُعِلَتْ؛ وهَذا هو الكَذِبُ المُزَيَّنُ الَّذِي يَقْرُبُ قَبُولُهُ؛ وأمّا الكَذِبُ الَّذِي لا يُرْفَدُ بِمَبْدَإٍ فَقَلِيلُ الأثَرِ في النُفُوسِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ  ﴾ أيْ: "مِن بَعْدِ أنْ وُضِعَ مَواضِعَهُ؛ وقُصِدَتْ بِهِ وُجُوهُهُ القَوِيمَةُ؛ والإشارَةَ بِهَذا؛ قِيلَ: هي إلى التَحْمِيمِ والجَلْدِ في الزِنا؛ وقِيلَ: هي إلى قَبُولِ الدِيَةِ في أمْرِ القَتْلِ؛ وقِيلَ: إلى إبْقاءِ عِزَّةِ النَضِيرِ عَلى قُرَيْظَةَ؛ وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمِ في الآيَةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلى جِهَةِ قَطْعِ الرَجاءِ فِيهِمْ -: ﴿ وَمَن يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهُ شَيْئًا  ﴾ ؛ أيْ: لا تُتْبِعْ نَفْسَكَ أمْرَهُمْ؛ والفِتْنَةَ هُنا: اَلْمِحْنَةُ بِالكُفْرِ؛ والتَعْذِيبِ في الآخِرَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهُمُ الَّذِينَ سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ ألّا يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ؛ وأنْ يَكُونُوا مُدَنَّسِينَ بِالكُفْرِ؛ ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى لَهُمُ الخِزْيَ في الدُنْيا؛ والمَعْنى: بِالذِلَّةِ؛ والمَسْكَنَةِ الَّتِي انْضَرَبَتْ عَلَيْهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ؛ وفي كُلِّ أُمَّةٍ؛ وقَرَّرَ لَهُمُ العَذابَ في الآخِرَةِ بِكُفْرِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ  ﴾ ؛ إنْ كانَ الأوَّلُ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَهَذا تَكْرارُ تَأْكِيدٍ ومُبالَغَةٍ؛ وإنْ كانَ الأوَّلُ في المُنافِقِينَ؛ فَهَذا خَبَرٌ أيْضًا عن بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ ؛ "فَعّالُونَ"؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: يَتَكَرَّرُ أكْلُهم لَهُ؛ ويَكْثُرُ؛ والسُحْتُ: كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ مِنَ المالِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "اَلسُّحْتِ"؛ ساكِنَةَ الحاءِ؛ خَفِيفَةً؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اَلسُّحُّتِ"؛ مَضْمُومَةَ الحاءِ؛ مُثَقَّلَةً؛ ورُوِيَ عن خارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ ؛ عن نافِعٍ: "اَلسِّحْتِ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وسُكُونِ الحاءِ؛ واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: "سَحَتَ"؛ و"أسْحَتَ": إذا اسْتَأْصَلَ؛ وأذْهَبَ؛ فَمِنَ الثُلاثِيِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ  ﴾ ؛ ومِنَ الرُباعِيِّ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: .................

∗∗∗ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ والسُحْتُ؛ والسُحُّتُ - بِضَمِّ السِينِ وتَخْفِيفِ الحاءِ؛ وتَثْقِيلِها - لُغَتانِ في اسْمِ الشَيْءِ المَسْحُوتِ؛ والسَحْتُ - بِفَتْحِ السِينِ؛ وسُكُونِ الحاءِ - اَلْمَصْدَرُ؛ سُمِّيَ بِهِ المَسْحُوتُ؛ كَما سُمِّيَ المَصِيدُ "صَيْدًا"؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لا تَقْتُلُوا الصَيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ ؛ وكَما سُمِّيَ المَرْهُونُ "رَهْنًا"؛ وهَذا كَثِيرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَسُمِّيَ المالُ الحَرامُ سُحْتًا لِأنَّهُ يَذْهَبُ؛ وتَسْتَأْصِلُهُ النُوَبُ؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "مَن أصابَ مالًا مِن مَهاوِشَ أذْهَبَهُ اللهُ في نَهابِرَ"؛» وقالَ مَكِّيٌّ: سُمِّيَ المالُ الحَرامُ "سُحْتًا"؛ لِأنَّهُ يَذْهَبُ مِن حَيْثُ يُسْحِتُ الطاعاتِ؛ أيْ: يَذْهَبُ بِها قَلِيلًا قَلِيلًا؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: مِن حَيْثُ يُسْحِتُ أدْيانَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ السَيِّئاتِ لا تُحْبِطُ الحَسَناتِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّهُ يَشْغَلُ عَنِ الطاعاتِ؛ فَهو سُحْتُها مِن حَيْثُ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا طاعَةٌ حاصِلَةٌ فَلا يُقالُ هَذا فِيها؛ وقالَ المَهْدَوِيُّ: سُمِّيَ أجْرُ الحَجّامِ "سُحْتًا"؛ لِأنَّهُ يُسْحِتُ مُرُوءَةَ آخِذِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أشْبَهُ.

قالَ الطَبَرِيُّ: أصْلُ السُحْتِ: كَلَبُ الجُوعِ؛ يُقالُ: "فُلانٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ"؛ إذا كانَ لا يُلْفى أبَدًا إلّا جائِعًا؛ يَذْهَبُ ما في مَعِدَتِهِ؛ فَكانَ الَّذِي يَرْتَشِي بِهِ مِنَ الشَرَهِ ما بِالجائِعِ أبَدًا؛ لا يَشْبَعُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ بِأنَّ الرِشْوَةَ تَنْسَحِتُ؛ فالمَعْنى هو كَما قَدَّمْناهُ؛ وفي عِبارَةِ الطَبَرِيِّ بَعْضُ اضْطِرابٍ؛ لِأنَّ مَسْحُوتَ المَعِدَةِ هو مَأْخُوذٌ مِنَ الِاسْتِئْصالِ والذَهابِ؛ ولَيْسَ كَلَبُ الغَرَثِ أصْلًا لِلسُّحْتِ؛ والسُحْتُ الَّذِي عُنِيَ أنَّ اليَهُودَ يَأْكُلُونَهُ هو الرِشا في الأحْكامِ؛ والأوقافُ الَّتِي تُؤْكَلُ؛ ويُرْفَدُ أكْلُها بِقَوْلِ الأباطِيلِ؛ وخَدْعِ العامَّةِ؛ ونَحْوِ هَذا.

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "مَهْرُ البَغِيِّ سُحْتٌ؛ وعُسْبُ الفَحْلِ سُحْتٌ؛ وكَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ؛ وثَمَنُ الكَلْبِ والخَمْرِ سُحْتٌ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اَلسُّحْتُ أنْ يُهْدِيَ لَكَ مَن قَدْ أعنتَهُ في حاجَتِهِ؛ أو حَقِّهِ؛ فَتَقْبَلَ"؛ قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ: ما كُنّا نَعُدُّ السُحْتَ إلّا الرِشْوَةَ في الحُكْمِ؛ قالَ: "ذَلِكَ الكُفْرُ"؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وجَماعَةٍ كَثِيرَةٍ أنَّ السُحْتَ هو الرِشْوَةُ في الحُكْمِ؛ ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنارُ أولى بِهِ"؛ قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ وما السُحْتُ؟

قالَ: "اَلرِّشْوَةُ في الحُكْمِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُلُّ ما ذُكِرَ في مَعْنى السُحْتِ فَهو أمْثِلَةٌ؛ ومِن أعْظَمِها الرِشْوَةُ في الحُكْمِ؛ والأُجْرَةُ عَلى قَتْلِ النَفْسِ؛ وهو لَفْظٌ يَعُمُّ كُلَّ كَسْبٍ لا يَحِلُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أو أعْرِضْ عنهُمْ ﴾ ؛ تَخْيِيرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولِحُكّامِ أُمَّتِهِ بَعْدَهُ في أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم إذا تَراضَوْا في نَوازِلِهِمْ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والحَسَنُ: هَذا التَخْيِيرُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ  ﴾ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: نُسِخَ مِن [اَلْمائِدَةِ] آيَتانِ؛ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَلائِدَ  ﴾ ؛ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ أو أعْرِضْ عنهُمْ ﴾ ؛ نَسَخَتْها: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللهُ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: هي مُحْكَمَةٌ؛ وتَخْيِيرُ الحُكّامِ باقٍ؛ وهَذا هو الأظْهَرُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وفِقْهُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأُمَّةَ فِيما عَلِمَتْ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ حاكِمَ المُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بَيْنَ أهْلِ الذِمَّةِ في التَظالُمِ؛ ويَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ في تَغْيِيرِهِ؛ ويَنْفِرُ عن صُورَتِهِ كَيْفَ وقَعَ؛ فَيُغَيِّرُ ذَلِكَ؛ ومِنَ التَظالُمِ حَبْسُ السِلَعِ المَبِيعَةِ؛ وغَصْبُ المالِ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ فَأمّا نَوازِلُ الأحْكامِ الَّتِي لا ظُلْمَ فِيها مِن أحَدِهِمْ لِلْآخَرِ؛ وإنَّما هي دَعاوى مُحْتَمَلَةٌ؛ وطَلَبُ ما يَحِلُّ؛ وما لا يَحِلُّ؛ وطَلَبُ المَخْرَجِ مِنَ الإثْمِ في الآخِرَةِ؛ فَهَذِهِ هي الَّتِي الحاكِمُ فِيها مُخَيَّرٌ؛ وإذا رَضِيَ بِهِ الخَصْمانِ فَلا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن رِضا الأساقِفَةِ؛ أوِ الأحْبارِ؛ قالَهُ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ قالَ: وأمّا إنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ دُونَ الخَصْمَيْنِ؛ أوِ الخَصْمانِ دُونَ الأساقِفَةِ؛ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وانْظُرْ إنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ لِأشْكالِ النَوازِلِ عِنْدَهم دُونَ أنْ يَرْضى الخَصْمانِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ الخِلافَ؛ وانْظُرْ إذا رَضِيَ الخَصْمانِ؛ ولَمْ يَقَعْ مِنَ الأحْبارِ نَكِيرٌ فَحَكَمَ الحاكِمُ ؛ ثُمَّ أرادَ الأحْبارُ رَدَّ ذَلِكَ الحُكْمَ؛ وهَلْ تَسْتَوِي النَوازِلُ في هَذا؛ كالرَجْمِ في زانِيَيْنِ؛ والقَضاءِ في مالٍ يَصِيرُ مِن أحَدِهِما إلى الآخَرِ؟

وانْظُرْ إذا رَضِيَ الخَصْمانِ: هَلْ عَلى الحاكِمِ أنْ يَسْتَعْلِمَ ما عِنْدَ الأحْبارِ؛ أو يَقْنَعَ بِأنْ لَمْ تَقَعْ مِنهم مُعارَضَةٌ؟

ومالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - يَسْتَحِبُّ لِحاكِمِ المُسْلِمِينَ الإعْراضَ عنهم وتَرْكَهم إلى دِينِهِمْ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ جاءُوكَ ﴾ ؛ يَعْنِي أهْلَ نازِلَةِ الزانِيَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَتَناوَلُ سائِرَ النَوازِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي لتهوين تألّب المنافقين واليهود على الكذب والاضطراب في معاملة الرّسول صلى الله عليه وسلم وسوء طواياهم معه، بشرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم ممَّا عسى أن يحزنه من طيش اليهود واستخفافهم ونفاق المنافقين.

وافتتح الخطاب بأشرف الصّفات وهي صفة الرّسالة عن الله.

وسبب نزول هذه الآيات حدَث أثناء مدّة نزول هذه السّورة فعقّبت الآيات النّازلة قبلها بها.

وسبب نزول هذه الآية وما أشارت إليه هو ما رواه أبو داوود، والواحدي في «أسباب النّزول»، والطبري في «تفسيره» ما محصّله: أنّ اليهود اختلفوا في حدّ الزاني (حين زنى فيهم رجل بامرأة من أهل خيبر أو أهل فَدَك)، بَين أن يُرجم وبين أن يجلد ويحمَّم اختلافاً ألجأهم إلى أن أرسلوا إلى يهود المدينة أن يحكِّموا رسول الله في شأن ذلك، وقالوا: إنْ حكم بالتّحميم قبِلْنا حكمَه وإن حكم بالرجم فلا تقبلوه، وأنّ رسول الله قال لأحبارهم بالمدينة: " ما تجدون في التّوراة على من زنى إذا أحْصن "، قالوا: يحمّم ويُجلد ويطاف به، وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم كذّبهم وأعلمهم بأنّ حكم التّوراة هو الرّجم على من أحصَن، فأنكروا، فأمر بالتّوراة أن تنشر (أي تفتَح طيّاتها وكانوا يلفّونها على عود بشكل اصطواني) وجعَل بعضُهم يقرأها ويضع يده على آية الرجم (أي يقرؤها للّذين يفهمونها) فقال له رسول الله: ارفع يدك فرفع يده فإذا تحتها آية الرّجم، فقال رسول الله: " لأكونَن أوّل من أحيَى حُكم التّوراة " فحكم بأنّ يُرجم الرجل والمرأةُ.

وفي روايات أبي داوود أنّ قوله تعالى: ﴿ يأيّها الرّسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر ﴾ نزل في شأن ذلك، وكذلك روى الواحدي والطبري.

ولم يذكروا شيئاً يدلّ على سبب الإشارة إلى ذكر المنافقين في صدر هذه الآية بقوله: ﴿ من الّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ﴾ .

ولعلّ المنافقين ممّن يبطنون اليهوديّة كانوا مشاركين لليهود في هذه القضية، أو كانوا ينتظرون أن لا يوجد في التّوراة حكم رجم الزّاني فيتّخذوا ذلك عذراً لإظهار ما أبطنوه من الكفر بعلّة تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وأحسب أنّ التجاء اليهود إلى تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ليس لأنّهم يصدّقون برسالته ولا لأنّهم يعُدّون حكمهُ ترجيحاً في اختلافهم ولكن لأنّهم يَعدّونه ولي الأمر في تلك الجهة وما يتبعها.

ولهم في قواعد أعمالهم وتقادير أحْبارهم أن يطيعوا ولاة الحكم عَليهم من غير أهل ملّتهم.

فلمّا اختلفوا في حكم دينهم جعلوا الحكم لغير المختلفين لأنّ حكم وليّ الأمر مطاع عندهم.

فحكَم رسول الله حكماً جمع بين إلزامهم بموجب تحكيمهم وبين إظهار خَطَئهم في العدول عن حكم كتابهم، ولذلك سمّاه الله تعالى القسط في قوله: ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ .

ويحتمل أن يكون ناشئاً عن رأي من يثبت منهم رسالة محمّد صلى الله عليه وسلم ويقول: إنّه رسول للأميّين خاصّة.

وهؤلاء هم اليهود العيسوية، فيكون حكمه مؤيّداً لهم، لأنّه يعدّ كالإخبار عن التّوراة، ويؤيّده ما رواه أبو داوود عن أبي هريرة أنّ يهودياً زنى بيهوديّة فقال بعضهم لبعض: اذهبُوا بنا إلى محمّد فإنّه بُعث بالتّخفيف، فإن أفتى بالجلد دون الرجم قِبلنا واحتججنا بها عند الله وقلنا فُتْيَا نبيء من أنبيائك، وإمّا أن يكون ذلك من نوع الاعتضاد بموافقة شريعة الإسلام فيكون ترجيح أحد التأويلين بموافقته لشرع آخر.

ويؤيّده ما رواه أبو داوود والترمذي أنّهم قالوا: ذهب سلطاننا فكرهنا القتل؛ وإمّا أن يكونوا قد عدلوا عن حكم شريعتهم توقّفاً عند التّعارض فمالوا إلى التّحكيم.

ولعلّ ذلك مباح في شرعهم، ويؤيّده أنّه ورد في حديث البخاري وغيره أنّهم لمّا استفتوا النّبيء صلى الله عليه وسلم انطلق مع أصحابه حتّى جَاء المدارس وهو بيت تعليم اليهود وحاجَّهُم في حكم الرّجم، وأجابه حَبران منهم يُدعيان بابْنَي صوريا بالاعتراف بثبوت حكم الرجم، في التّوراة؛ وإمّا أن يكونوا حكّموا النّبيء صلى الله عليه وسلم قصداً لاختباره فيما يدّعي من العلم بالوحي، وكان حكم الرجم عندهم مكتوماً لا يعلمه إلاّ خاصّة أحبارهم، ومنسياً لا يذكر بين علمائهم، فلمّا حَكم عليهم به بهتوا، ويؤيّد ذلك ما ظهر من مرادهم في إنكارهم وجود حكم الرّجم.

ففي «صحيح البخاري» أنّهم أنكروا أن يكون حكم الرجم في التّوراة وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم جاء المدراس فأمر بالتّوراة فنشرت فجعل قارئهم يقرأ ويضع يده على آية الرجم وأنّ النّبيء صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ذلك فأمره أن يرفع يده وقرئت آية الرجم واعترف ابنَا صوريا بها.

وأيّامّا كان فهذه الحادثة مؤذنة باختلال نظام الشّريعة بين اليهود يومئذٍ وضعف ثقتهم بعلومهم.

ومعنى ﴿ لا يحزنك الّذين يسارعون ﴾ نهيه عن أن يحصل له إحزانٌ مسند إلى الّذين يسارعون في الكفر.

والإحزاننِ فِعل الّذين يسارعون في الكفر، والنّهي عن فعل الغير إنّما هو نهي عن أسبابه، أي لا تجعلْهم يحْزنونك، أي لا تهتمّ بما يفعلون ممّا شأنه أن يُدخِل الحزن على نفسك.

وهذا استعمال شائع وهو من استعمال المركّب في معناه الكِنائي.

ونظيره قولهم: لا أعرفَنَّك تفعل كذا، أي لا تفعل حتّى أعرفَه.

وقولهم: لا أُلفينّك هَهنا، ولاَ أرَيَنّك هنا.

وإسناد الإحزان إلى الّذين يسارعون في الكفر مجاز عقلي ليست له حقيقة لأنّ الّذين يسارعون سبب في الإحزان، وأمّا مثير الحزن في نفس المحزون فهو غير معروف في العرف؛ ولذلك فهو من المجاز الّذي ليست له حقيقة.

وأمّا كون الله هو موجد الأشياء كُلّها فذلك ليس ممّا تترتّب عليه حقيقة ومجاز؛ إذ لو كان كذلك لكان غالب الإسناد مجازاً عقلياً، وليس كذلك، وهذا ممّا يغلط فيه كثير من النّاظرين في تعيين حقيقة عقليّة لبعض موارد المجاز العقلي.

ولقد أجاد الشيخ عبد القاهر إذ قال في «دلائل الإعجاز» «اعلم أنّه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التّقدير إذا أنتَ نقلت الفعل إليه صار حقيقة فإنّك لا تجد في قولك: أقدمَني بَلَدَك حقّ لي على فلان، فاعلاً سوى الحقّ»، وكذلك في قوله: وصَيّرني هَوَاككِ وبِي *** لِحَيْني يُضرب المثَل و يزيدك وجهه حُسناً.

أنْ تزعم أن له فاعلاً قد نُقل عنه الفعل فجُعل للهوى وللوجه» اه.

ولقد وَهِمَ الإمام الرازي في تبيين كلام عبد القاهر فطفق يجلب الشّواهد الدّالة على أنّ أفعالاً قد أسندت لفاعل مجازي مع أنّ فاعلها الحقيقي هو الله تعالى، فإنّ الشّيخ لا يعزب عنه ذلك ولكنّه يبحث عن الفاعل الّذي يسند إليه الفعل حقيقة في عرف النّاس من مؤمنين وكافرين.

ويدلّ لذلك قوله: «إذا أنتَ نقلت الفعل إليه» أي أسندتَه إليه.

ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة وفي كلّ فرصة، فشبّه إظهاره المتكرّرُ بإسراع الماشي إلى الشيء، كما يقال: أسرع إليه الشيب، وقوله: إذا نهي السفيه جرى إليه.

وعدّي بفي الدالّة على الظرفية للدلالة على أنّ الإسراع مجاز بمعنى التوغّل، فيكون (في) قرينة المجاز، كقولهم: أسْرع الفساد في الشيء، وأسْرع الشيب في رأس فلان.

فجعل الكفر بمنزلة الظّرف وجعل تخبّطهم فيه وشدّة ملابستهم إيّاه بمنزلة جولان الشّيء في الظرف جولاناً بنشاط وسرعة.

ونظيره قوله ﴿ يسارعون في الإثم ﴾ [المائدة: 62]، وقوله: ﴿ نسارع لهم في الخيرات ﴾ المؤمنون: 56)، ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات ﴾ [المؤمنون: 61].

فهي استعارة متكرّرة في القرآن وكلام العرب.

وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله: ﴿ يسارعون فيهم ﴾ [المائدة: 52].

وقوله: ﴿ من الّذين قالوا آمنّا بأفواههم ﴾ إلخ بيان للّذين يسارعون في الكفر.

والّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون.

وقوله: ﴿ ومن الّذين هادوا ﴾ معطوف على قوله: ﴿ من الّذين قالوا آمنّا ﴾ والوقفُ على قوله: ﴿ ومن الّذين هادوا ﴾ .

وقوله: ﴿ سمّاعون للكذب ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هم سمّاعون للكذب.

والظاهر أنّ الضّمير المقدّر عائد على الفريقين: المنافقين واليهودِ، بقرينة الحديث عن الفريقين.

وحذفُ المسند إليه في مثل هذا المقام حذف اتّبع فيه الاستعمال، وذلك بعد أن يذكروا متحدّثاً عنه أو بعدَ أن يصدر عن شيء أمر عجيب يأتون بأخبار عنه بجملة محذوففٍ المبتدأ منها، كقولهم للّذي يصيب بدون قصد «رَمْيَة من غير رَام»، وقول أبي الرقَيش: سريع إلى ابن العمّ يلطُمُ وجهه *** وليس إلى داعي الندى بسريع وقول بعض شعراء الحماسة: فتى غير محجوب الغنى عن صديقه *** ولا مظهر الشكوى إذا النّعل زلّت عقب قوله: سأشكر عَمْراً إن تراختْ منيّتي *** أياديَ لم تُمنَنْ وإن هي جَلَّت والسمَّاع: الكثيرُ السمع، أي الاستماععِ لما يقال له.

والسَّمع مستعمل في حقيقته، أي أنّهم يُصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كَذِبا، أي أنّهم يحفلون بذلك ويتطلّبونه فيكثر سماعهم إيّاه.

وفي هذا كناية عن تفشّي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق، لأنّ كثرة السمع تستلزم كثرة القول.

والمراد بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أنّ حكم الزّنى في التّوراة التّحميمُ.

وجملة ﴿ سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ خبر ثان عن المبتدأ المحذوف.

والمعنى أنّهم يقبلون ما يأمرهم به قوم آخرون من كَتم غرضهم عن النّبيء صلى الله عليه وسلم حتّى إن حكم بما يهوَون اتّبعوه وإن حكم بما يخالف هواهم عصَوه، أي هم أتباع لقوم متستّرين هم القوم الآخرون، وهم أهل خيبر وأهل فَدَك الّذين بعثوا بالمسألة ولم يأت أحد منهم النّبيء صلى الله عليه وسلم واللام في ﴿ لِقوم ﴾ للتقوية لضعف اسم الفاعل عن العمل في المفعول.

وجملة ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ صفة ثانية ﴿ لقوم آخرين ﴾ أو حال، ولك أن تجعلها حالاً ﴿ من الّذين يسارعون في الكفر ﴾ .

وتقدّم الكلام في تحريف الكلم عند قوله تعالى: ﴿ من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ﴾ في سورة النّساء (46)، وأنّ التّحريف الميل إلى حرف، أي جانب، أي نقله من موضعه إلى طرف آخر.

وقال هنا مِن بعد مواضعه، وفي سورة النساء (46) عَن مواضعه، لأنّ آية سورة النّساء في وصف اليهود كلّهم وتحريفهم في التّوراة.

فهو تغيير كلام التّوراة بكلام آخر عن جهل أو قصد أو خطأ في تأويل معاني التّوراة أو في ألفاظها.

فكان إبعاداً للكلام عن مواضعه، أي إزالة للكلام الأصلي سواء عوّض بغيره أو لم يعوّض.

وأمّا هاته الآية ففي ذكر طائفة معيّنة أبطلوا العمل بكلام ثابتتٍ في التّوراة إذْ ألغوا حكم الرّجم الثّابت فيها دون تعويضه بغيره من الكلام، فهذا أشدّ جرأة من التّحريف الآخر، فكان قوله: من بعد مواضعه} أبلغَ في تحريف الكلام، لأنّ لفظ (بعد) يقتضي أنّ مواضع الكلم مستقرّة وأنّه أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التّوراة.

والإشارة الّتي في قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ إلى الكلم المحرّف.

والإيتاء هنا: الإفادة كقوله: ﴿ وآتاه الله المُلك والحكمة ﴾ [البقرة: 251].

والأخذ: القبول، أي إن أُجبتم بمثل ما تهوَون فاقبلوه وإن لم تجَابوه فاحذروا قبوله.

وإنّما قالوا: فاحذروا، لأنّه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم الّتي مَضَوْا عليها وفي حكّامهم الحاكمين بها.

وإرادة الله فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل، وعلامة ذلك التّقدير عدم إجداء الموعظة والإرشاد فيه.

فذلك معنى قوله: ﴿ فلَن تملك له من الله شيئاً ﴾ ، أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك الله به من الدّعوة للنّاس كافّة.

وهذا التّركيب يدلّ على كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر مّا.

ومدلول مفرداته أنّك لا تملك، أي لا تقدر على أقلّ شيء من الله، أي لا تستطيع نيل شيء من تيسير الله لإزالة ضلالة هذا المفتون، لأنّ مادّة المِلك تدلّ على تمام القدرة، قال قَيْس بن الخطيم: مَلكتُ بها كَفِّي فأنْهَر فَتْقَهَا *** أي شددت بالطعنة كفّي، أي ملكتها بكفّي، وقال النّبيء صلى الله عليه وسلم لعُيَينة بن حِصْن " أوَ أمْلِكُ لك أن نزع الله من قلبك الرّحمة " وفي حديث دعوة الرّسول صلى الله عليه وسلم عشيرته " فإنّي لا أغني عنكم من الله شيئاً " و ﴿ شيئاً ﴾ منصوب على المفعولية.

وتنكير ﴿ شيئاً ﴾ للتقليل والتّحقير، لأنّ الاستفهام لمّا كان بمعنى النّفي كان انتفاء ملك شيء قليللٍ مقتضياً انتفاءَ ملك الشيء الكثير بطريق الأولى.

والقول في قوله: ﴿ أولئك الّذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم ﴾ كالقول في قوله: ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ .

والمراد بالتطهير التهيئة لقبول الإيمان والهدَى أو أراد بالتطهير نفس قبول الإيمان.

والخزي تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ إلاّ خزي ﴾ في سورة البقرة (85)، وقوله: ﴿ ربنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته ﴾ في سورة آل عمران (192).

وأعاد سَمَّاعون للكذب } للتّأكيد وليرتّب عليه قوله ﴿ أكّالون للسحت ﴾ .

ومعنى ﴿ أكَّالون للسحت ﴾ أخَّاذون له، لأنّ الأكل استعارة لتمام الانتفاع.

والسحت بضمّ السين وسكون الحاء الشيء المسحوت، أي المستأصل.

يقال: سحته إذا استأصَله وأتلفه.

سمّي به الحرام لأنّه لا يُبارك فيه لصاحبه، فهو مسحوت وممحوق، أي مقدّر له ذلك، كقوله ﴿ يمحق الله الرّبا ﴾ [البقرة: 276]، قال الفرزدق: وعَضُّ زماننٍ يابنَ مروانَ لم يَدع *** من المال إلاّ مُسْحَت أو مجَنَّف والسحت يشمل جميع المال الحرام، كالربا والرّشوة وأكل مال اليتيم والمغصوب.

وقرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر، وخلف «سحْت» بسكون الحاء وقرأه الباقون بضمّ الحاء إتْباعاً لضمّ السّين.

تفريع على ما تضمّنه قوله تعالى: ﴿ سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ وقوله: ﴿ يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ﴾ ، فإنّ ذلك دلّ على حِوار وقع بينهم في إيفاد نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحكيم في شأن من شئونهم مالت أهواؤهم إلى تغيير حكم التّوراة فيه بالتّأويل أو الكتمان، وأنكر عليهم منكرون أو طالبوهم بالاستظهار على تأويلهم فطمعوا أن يجدوا في تحكيم النّبيء صلى الله عليه وسلم ما يعتضدون به.

وظاهر الشرط يقتضي أنّ الله أعلم رسوله باختلافهم في حكم حدّ الزّنا، وبعزمهم على تحكيمه قبل أن يصل إليه المستفتون.

وقد قال بذلك بعض المفسّرين فتكون هذه الآية من دلائل النّبوءة.

ويحتمل أنّ المراد: فإن جاؤوك مرّة أخرى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم.

وقد خيّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض عنهم.

ووجه التخيير تعارض السببين؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكمَ بينهم، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلاّ يعرّض الحكم النبوي للاستخفاف.

وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشقّ المقتضي أنّه يحكم بينهم إشارة إلى أنّ الحكم بينهم أولى.

ويؤيّده قوله بعد ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين ﴾ أي بالحقّ، وهو حكم الإسلام بالحدّ.

وأمّا قوله: ﴿ وإن تُعرض عنهم فلن يضرّوك شيئاً ﴾ فذلك تطمين للنّبيء صلى الله عليه وسلم لئلاّ يقول في نفسه: كيف أعرض عنهم، فيتّخذوا ذلك حجّة علينا.

يقولون: ركنّا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنّا فلا نسمع دعوتكم من بعد.

وهذا ممّا يهتمّ به النّبيء صلى الله عليه وسلم لأنّه يؤول إلى تنفير رؤسائِهم دهماءَهم من دعوة الإسلام فطمّنه الله تعالى بأنّه إنْ فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرّة.

ولعلّ في هذا التطمين إشعاراً بأنّهم لا طمع في إيمانهم في كلّ حال.

وليس المراد بالضرّ ضرّ العداوة أو الأذى لأنّ ذلك لا يهتمّ به النّبيء صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه منهم، خلافاً لما فسّر به المفسّرون هنا.

وتنكير ﴿ شيئاً ﴾ للتحقير كما هو في أمثاله، مثل ﴿ فلَن تملك له من الله شيئاً ﴾ وهو منصوب على المفعوليّة المطلقة لأنّه في نية الإضافة إلى مصدر، أي شيئاً من الضرّ، فهو نائب عن المصدر.

وقد تقدّم القول في موقع كلمة شيء عند قوله تعالى: ﴿ ولنبلونَّكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ في سورة البقرة (155).

والآية تقتضي تخيير حكّام المسلمين في الحكم بين أهل الكتاب إذا حكّموهم؛ لأنّ إباحة ذلك التخيير لغير الرسول من الحكّام مساو إباحته للرسول.

واختلف العلماء في هذه المسألة وفي مسألة حكم حكّام المسلمين في خصومات غير المسلمين.

وقد دلّ الاستقراء على أنّ الأصل في الحكم بين غير المسلمين إذا تنازع بعضهم مع بعض أن يحكم بينهم حكّام ملّتهم، فإذا تحاكموا إلى حكّام المسلمين فإن كان ما حدث من قبيل الظلم كالقتل والغصب وكلّ ما ينتشر منه فساد فلا خلاف أنّه يجب الحكم بينهم (وعلى هذا فالتخيير الذي في الآية مخصوص بالإجماع).

وإن لم يكن كذلك كالنزاع في الطلاق والمعاملات.

فمن العلماء من قال: حكم هذا التخيير مُحْكم غير منسوخ، وقالوا: الآية نزلت في قصّة الرجم (الّتي رواها مالك في الموطأ} والبخاري ومن بعده) وذلك أنّ يهودياً زنى بامرأة يهوديّة، فقال جميعهم: لنسأل محمّداً عن ذلك.

فتحاكموا إليه، فخيّره الله تعالى.

واختلف أصحاب هذا القول فقال فريق منهم: كان اليهود بالمدينة يومئذٍ أهل موادعة ولم يكونوا أهل ذمّة، فالتّخيير باق مع أمثالهم ممّن ليس داخلاً تحت ذمّة الإسلام، بخلاف الّذين دخلوا في ذمّة الإسلام، فهؤلاء إذا تحاكموا إلى المسلمين وجب الحكم بينهم.

وهو قول ابن القاسم في رواية عيسى بن دينار، لأنّ اليهوديين كانا من أهل خيبر أو فَدَك وهما يومئذٍ من دار الحرب في موادعة.

وقال الجمهور: هذا التخيير عام في أهل الذمّة أيضاً.

وهذا قول مالك ورواية عن الشافعي.

قال مالك: الأعراض أولى.

وقيل: لا يحكم بينهم في الحدود، وهذا أحد قولي الشافعي.

وقيل: التّخيير منسوخ بقوله تعالى بعد ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 49]، وهو قول أبي حنيفة، وقاله ابن عبّاس، ومجاهد، وعكرمة، والسديّ، وعمر بن عبد العزيز، والنخَعي، وعطاء، الخراساني، ويبعده أنّ سياق الآيات يقتضي أنّها نزلت في نسق واحد فيبعد أن يكون آخرها نسخاً لأوّلها.

وقوله: ﴿ وإنْ حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط ﴾ أي بالعدل.

والعدل: الحكم الموافق لشريعة الإسلام.

وهذا يحتمل أنّ الله نهى رسوله عن أن يحكم بينهم بما في التّوراة لأنّها شريعة منسوخة بالإسلام.

وهذا الّذي رواه مالك.

وعلى هذا فالقصّة الّتي حكّموا فيها رسول الله لم يحكم فيها الرسول على الزانيين ولكنّه قَصَر حكمه على أن بيّن لليهود حقيقة شرعهم في التّوراة، فاتّضح بطلان ما كانوا يحكمون به لعدم موافقته شرعهم ولا شرْع الإسلام؛ فهو حُكم على اليهود بأنّهم كتموا.

ويكون مَا وقع في حديث «الموطأ» والبخاري: أنّ الرجل والمرأة رُجما، إنّما هو بحكم أحبارهم.

ويحتمل أنّ الله أمره أن يحكُم بينهم بما في التّوراة لأنّه يوافق حكم الإسلام؛ فقد حكم فيه بالرجم قبل حدوث هذه الحادثة أو بعدها.

ويحتمل أنّ الله رخّص له أن يحكم بينهم بشرعهم حين حكَّموه.

وبهذا قال بعض العلماء فيما حكاه القرطبي.

وقائل هذا يقول: هذا نُسخ بقوله تعالى: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 49]، وهو قول جماعة من التّابعين.

ولا داعي إلى دعوى النسخ، ولعلّهم أرادوا به ما يشمل البيان، كما سنذكره عند قوله: ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [المائدة: 48].

والّذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيم: أنّ الأمّة أجمعت على أنّ أهل الذمّة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأنّ عهود الذمّة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعض بما حددتْ لهم شرائعهم.

ولذلك فالأمور الّتي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسام: القسم الأوّل: ما هو خاصّ بذات الذمّيّ من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها ممّا هو من الحلال والحرام.

وهذا لا اختلاف بين العلماء في أنّ أيمّة المسلمين لا يتعرّضون لهم بتعطيله إلاّ إذا كان فيه فساد عامّ كقتل النّفس.

القسم الثّاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواع من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال الّتي يستحلّونها ويحرّمها الإسلام.

وهذه أيضاً يقرّون عليها، قال مالك: لا يقام حَدّ الزنا على الذميّين، فإن زنى مسلم بكتابية يحدّ المسلم ولا تحدّ الكتابية.

قال ابن خُويز منداد: ولا يُرسل الإمام إليهم رسولاً ولا يُحضِر الخصمَ مجلسه.

القسم الثّالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض.

وقد أجمع علماء الأمّة على أنّ هذا القسم يجري على أحكام الإسلام، لأنّا لم نعاهدهم على الفسادِ، وقد قال تعالى: ﴿ والله لا يحبّ الفساد ﴾ [البقرة: 205]، ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرّمات.

القسم الرّابع: ما يجري بينهم من المعاملات الّتي فيها اعتداء بعضهم على بعض: كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين.

فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرّض لهم، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين.

فقال مالك: يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوباً، لأنّ في الاعتداء ضرباً من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمّد، وزفر.

وقال أبو حنيفة: لا يَحكم بينهم حتّى يتراضى الخصمان معاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي بِهِ المُنافِقِينَ المُظْهِرِينَ لِلْإيمانِ المُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ.

﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ عِنْدَهم إذا أتَوْا مِن بَعْدِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ أيْ قائِلُونَ لِلْكَذِبِ عَلَيْكَ.

وَ ﴿ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ يَعْنِي في قِصَّةِ الزّانِي المُحْصَنِ مِنَ اليَهُودِ الَّذِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ  فَأنْكَرُوهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إذا سَمِعُوا كَلامَ النَّبِيِّ  غَيَّرُوهُ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: هو تَغْيِيرُ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى في جَلْدِ الزّانِي بَدَلًا مِن رَجْمِهِ، وقِيلَ في إسْقاطِ القَوْدِ عِنْدَ اسْتِحْقاقِهِ.

﴿ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ حِينَ زَنى رَجُلٌ مِنهم بِامْرَأةٍ فَأنْفَذُوهُ إلى النَّبِيِّ  لِيَحْكُمَ بَيْنَهم وقالُوا: إنْ حَكَمَ عَلَيْكم بِالجَلْدِ فاقْبَلُوهُ وإنْ حَكَمَ عَلَيْكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوهُ، فَقامَ النَّبِيُّ  إلى مَدارِسِ تَوْراتِهِمْ وفِيها أحْبارُهم يَتْلُونَ التَّوْراةَ، فَأتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكانَ أعْوَرَ، وهو مِن أعْلَمِهِمْ فَقالَ لَهُ أسْألُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ بِطُورِ سَيْناءَ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ هَلْ في التَّوْراةِ الرَّجْمُ؟

فَأمْسَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى اعْتَرَفَ، فَأمَرَ بِهِما النَّبِيُّ  فَرُجِما، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وكُنْتُ فِيمَن رَجَمَهُ وأنَّهُ لَيَقِيها الأحْجارَ بِنَفْسِهِ حَتّى ماتَتْ»، ثُمَّ إنَّ ابْنَ صُورِيّا أنْكَرَ وفِيهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ في قَتِيلٍ مِنهم، قالَ الكَلْبِيُّ: قَتَلَتْ بَنُو النَّضِيرِ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وكانُوا يَمْتَنِعُونَ بِالِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ مِنَ القَوْدِ بِالدِّيَةِ، وإذا قَتَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ مِنهم رَجُلًا لَمْ يَقْنَعُوا إلّا بِالقَوْدِ دُونَ الدِّيَةِ، قالُوا: إنْ أفْتاكم بِالدِّيَةِ فاقْبَلُوهُ وإنْ أفْتاكم بِالقَوْدِ فَرُدُّوهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

﴿ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: عَذابُهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: إضْلالُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: فَضِيحَتُهُ، وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَمْ يُطَهِّرْها مِنَ الضِّيقِ والحَرَجِ عُقُوبَةً لَهم.

والثّانِي: لَمْ يُطَهِّرْها مِنَ الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُهُما: أنَّ السُّحْتَ الرِّشْوَةُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ.

والثّالِثُ: هو الِاسْتِعْجالُ في القَضِيَّةِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والرّابِعُ: ما فِيهِ الغارُّ مِنَ الأثْمانِ المُحَرَّمَةِ: كَثَمَنِ الكَلْبِ، والخِنْزِيرِ، والخَمْرِ وعَسَبِ الفَحْلِ، وحُلْوانِ الكاهِنِ.

وَأصْلُ السُّحْتِ الِاسْتِئْصالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ ﴾ أيْ يَسْتَأْصِلُكم، وقالَ الفَرَزْدَقُ وعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحِتًا أوْ مُجْلِفْ فَسُمِّيَ سُحْتًا لِأنَّهُ يَسْحَتُ الدِّينَ والمُرُوءَةَ.

﴿ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ فِيمَن أُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: اليَهُودِيّانِ اللَّذانِ زَنَيا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُما بِالرَّجْمِ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها في نَفْسَيْنِ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ فَخُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ  عِنْدَ احْتِكامِهِما إلَيْهِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ بِالقَوْدِ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

واخْتَلَفُوا في التَّخْيِيرِ في الحُكْمِ بَيْنَهم، هَلْ هو ثابِتٌ أوْ مَنسُوخٌ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ثابِتٌ وأنَّ كُلَّ حاكِمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ بَيْنَ أنْ يَحْكُمَ أوْ يَدَعَ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ، وإبْراهِيمَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ، وأنَّ الحُكْمَ بَيْنَهم واجِبٌ عَلى مَن تَحاكَمُوا إلَيْهِ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعِكْرِمَةَ، وقَدْ نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حُكْمُ اللَّهِ بِالرَّجْمِ.

والثّانِي: حُكْمُ اللَّهِ بِالقَوْدِ.

﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بَعْدَ حُكْمِ اللَّهِ في التَّوْراةِ.

والثّانِي: بَعْدَ تَحْكِيمِكَ.

﴿ وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أيْ في تَحْكِيمِكَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مَعَ جُحُودِهِمْ نُبُوَّتَكَ.

والثّانِي: يَعْنِي في تَوَلِّيهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ غَيْرَ راضِينَ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ ﴾ يَعْنِي بِالهُدى الدَّلِيلُ.

وَبِالنُّورِ البَيانُ.

﴿ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَماعَةُ أنْبِياءَ مِنهم مُحَمَّدٌ  .

والثّانِي: المُرادُ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ  وحْدَهُ وإنْ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ.

وَفِي الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ رَجْمَ الزّانِي المُحْصَنِ، والقَوَدَ مِنَ القاتِلِ العامِدِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الحُكْمُ بِجَمِيعِ ما فِيها مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ نَسْخٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هادُوا ﴾ يَعْنِي عَلى الَّذِينَ هادُوا، وهُمُ اليَهُودُ، وفي جَوازِ الحُكْمِ بِها عَلى غَيْرِ اليَهُودِ وجْهانِ: عَلى اخْتِلافِهِمْ في التِزامِنا شَرائِعَ مَن قَبْلَنا إذا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ يَنْسَخُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ ﴾ واحِدُ الأحْبارِ حَبْرٌ بِالفَتْحِ، قالَ الفَرّاءُ، أكْثَرُ ما سَمِعْتُ حِبْرٌ بِالكَسْرِ، وهو العالِمُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ اشْتِقاقًا مِنَ التَّحْبِيرِ، وهو التَّحْسِينُ لِأنَّ العالِمَ يُحَسِّنُ الحَسَنَ ويُقَبِّحُ القَبِيحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ في نَفْسِهِ حَسَنٌ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يَحْكُمُونَ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ والعُلَماءُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

وَفي ﴿ اسْتُحْفِظُوا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: اسْتُودِعُوا، وهو قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: العِلْمُ بِما حَفِظُوا، وهو قَوْلُ الكَلْبِيِّ.

﴿ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ ﴾ يَعْنِي عَلى حُكْمِ النَّبِيِّ  أنَّهُ في التَّوْراةِ.

﴿ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَلا تَخْشَوْهم في كِتْمانِ ما أنْزَلَتْ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: في الحُكْمِ بِما أنْزَلَتْ.

﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تَأْخُذُوا عَلى كِتْمانِها أجْرًا.

والثّانِي: مَعْناهُ لا تَأْخُذُوا عَلى تَعْلِيمِها أجْرًا.

﴿ وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ وفي اخْتِلافِ هَذِهِ الآيِ الثَّلاثِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها وارِدَةٌ في اليَهُودِ دُونَ المُسْلِمِينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةَ، والبَراءِ، وعِكْرِمَةَ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، وحُكْمُها عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وإبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالكافِرِينَ أهْلَ الإسْلامِ، وبِالظّالِمِينَ اليَهُودَ، وبِالفاسِقِينَ النَّصارى، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ جاحِدًا بِهِ، فَهو كافِرٌ، ومَن لَمْ يَحْكم مُقِرًّا بِهِ فَهو ظالِمٌ فاسِقٌ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت ﴾ وذلك أنهم أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت ﴾ قال: تلك أحكام اليهود يسمع كذبه ويأخذ رشوته.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: السحت الرشوة في الدين.

قال سفيان: يعني في الحكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمته أو يرد عليه حقاً، فاهدى له هدية فقبلها فذلك السحت.

فقيل: يا أبا عبد الرحمن إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم، فقال عبد الله: ذلك الكفر ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة: 44] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني في سننه عن ابن عباس أنه سئل عن السحت فقال: الرشا.

قيل: في الحكم؟

قال: ذلك الكفر، ثم قرأ ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [ المائدة: 44] .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود أنه سئل عن السحت، أهو الرشوة في الحكم؟

قال: لا.

﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ [ المائدة: 45] الفاسقون، ولكن السحت أن يستعينك رجل على مظلمة فيهدي لك فتقبله، فذلك السحت.

وأخرج ابن المنذر عن مسروق قال: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت الرشوة في الحكم، أمن السحت هي؟

قال: لا، ولكن كفراً، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون إلى السلطان حاجة، فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه هدية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رشوة الحكام حرام، وهي السحت الذي ذكر الله في كتابه» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به.

قيل: يا رسول الله، وما السحت؟

قال: الرشوة في الحكم» .

وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن ثابت.

أنه سئل عن السحت فقال: الرشوة.

وأخرج عبد بن حميد عن علي بن أبي طالب.

أنه سئل عن السحت فقال: الرشا.

فقيل له: في الحكم؟

قال: ذاك الكفر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر قال: بابان من السحت يأكلهما الناس.

الرشا في الحكم، ومهر الزانية.

وأخرج أبو الشيخ عن علي قال: أبواب السحت ثمانية: رأس السحت رشوة الحاكم، وكسب البغي، وعَسَبُ الفحل، وثمن الميتة، وثمن الخمر، وثمن الكلب، وكسب الحجام، وأجر الكاهن.

وأخرج عبد الرزاق عن طريف قال: مر علي برجل يحسب بين قوم بأجر، وفي لفظ: يقسم بين ناس قسماً فقال له علي: إنما تأكل سحتاً.

وأخرج الفريابي وابن جرير عن أبي هريرة قال: من السحت مهر الزانية، وثمن الكلب إلا كلب الصيد، وما أخذ من شيء في الحكم.

وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هدايا الأمراء سحت» .

وأخرج ابن مردويه والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ست خصال من السحت: رشوة الإمام وهي أخبث ذلك كله، وثمن الكلب، وعسب الفحل، ومهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن» .

وأخرج عبد بن حميد عن طاوس قال: هدايا العمال سحت.

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن سعيد قال: «لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى أهل خيبر أهدوا له فروة، فقال: سحت» .

وأخرج عبد الرزاق والحاكم والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن ثوبان قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش، يعني الذي يمشي بينهما» .

وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو كرهوا جيء به مغلولة يده، فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه، وإن حكم بغير ما أنزل الله ارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي في جهنم، فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام» .

وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون من بعدي ولاة يستحلون الخمر بالنبيذ، والبخس بالصدقة، والسحت بالهدية، والقتل بالموعظة، يقتلون البريء لتوطى العامة لهم فيزدادوا إثماً» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من السحت: كسب الحجام، وثمن الكلب، وثمن القرد، وثمن الخنزير، وثمن الخمر، وثمن الميتة، وثمن الدم، وعسب الفحل، وأجر النائحة، وأجر المغنية، وأجر الكاهن، وأجر الساحر، وأجر القائف، وثمن جلود السباع، وثمن جلود الميتة، فإذا دبغت فلا بأس بها، وأجر صور التماثيل، وهدية الشفاعة، وجعلة الغزو» .

وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن شقيق قال: هذه الرغف التي يأخذها المعلمون من السحت.

وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: آيتان نسختا من هذه السورة- يعني من المائدة- آية القلائد، وقوله: ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مخيراً، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم، فنزلت ﴿ وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتَّبع أهواءهم ﴾ [ المائدة: 49] قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ قال: نسختها هذه الآية ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ﴾ [ المائدة: 49] .

وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن شهاب.

أن الآية التي في سورة المائدة ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم ﴾ كانت في شأن الرجم.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس «أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ المقسطين ﴾ إنما أنزلت في الدية من بني النضير وقريظة، وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف يريدون الدية كاملة، وأن بني قريظة كانوا يريدون نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق، فجعل الدية سواء» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة أدى مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلاً من النضير قتل به، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلاً من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا نقتله، فقالوا: بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه، فنزلت ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ والقسط.

النفس بالنفس، ثم نزلت ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ [ المائدة: 50] .

وأخرج أبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ قال: يوم نزلت هذه الآية كان في سعة من أمره، إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم، ثم قال: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً ﴾ قال: نسختها ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ﴾ [ المائدة: 49] .

وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن الشعبي في قوله: ﴿ فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ قال: إن شاء حكم بينهم وإن شاء لم يحكم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن إبراهيم والشعبي قالا: إذا جاؤوا إلى حاكم من حكام المسلمين، إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم، وإن حكم بينهم حكم بما أنزل الله.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء في الآية قال: هو مخيَّر.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في أهل الذمة يرتفعون إلى حكام المسلمين قال: يحكم بينهم بما أنزل الله.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: أهل الذمة إذ ارتفعوا إلى المسلمين حكم عليهم بحكم المسلمين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن إبراهيم التيمي ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ قال: بالرجم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك في قوله: ﴿ إن الله يحب المقسطين ﴾ قال: المعدلين في القول والفعل.

وأخرج عبد الرزاق عن الزهري في الآية قال: مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم، إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه، فيحكم بينهم بكتاب الله، وقد قال لرسوله ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ مضى الكلام فيه (١) وقوله تعالى: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال الليث: السحت: كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار (٢) وأجمعوا على أن المراد بالسحت ههنا: الرشوة في الحكم، وقالوا: نزلت الآية في حكام اليهود، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم (٣) وقال الحسن في هذه الآية: تلك الحكام يسمعون الكذب ممن يكذب في دعواه عندهم، ويأتيهم برشوة فيأخذونها ويأكلونه، فسمعوا كذبه وأكلوا رشوته (٤) فأما اشتقاق السُّحت: فقال الزجاج: إن الرِّشَا التي يأخذونها يعاقبهم الله بها أن يسحتهم بعذاب، أي يستأصلهم (٥) وذكر عن الفراء أنه قال: (أصله (٦) (٧)  (٨) يدفع عنه جوفُه المَسْحوتُ (٩) أي: الجائع (١٠) فالسحت حرام يحمل عليه الشره كشره المسحوت المعدة، وعلى ما قال الليث، إنه حرام يلزم منه العار، يمكن أن يقال: سمي سُحْتا؛ لأنه يسحت مروءة الإنسان.

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

هذا تخيير للنبي  في الحكم بين أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه، إن شاء حكم، وإن شاء ترك (١١) واختلفوا في ثبوت هذا التخيير: فقال إبراهيم والشعبي وعطاء وقتادة: إنه ثابت اليوم لحكام المسلمين، إن شاءوا حكموا بينهم بحكم الإسلام، وإن شاءوا أعرضوا (١٢) وقال آخرون: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ  ﴾ .

وهو قول الحسن ومجاهد والكلبي وعكرمة والسدي (١٣) (١٤) ومذهب الشافعي أنه يجب على الحاكم منا أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه؛ لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغارًا لهم (١٥) فأما المُعاهدون الذين لهم مع المسلمين عهد إلى مدة، فليس بواجب على الحاكم أن يحكم بينهم، بل يخير في ذلك، وهذا التخيير الذي في هذه الآية إنما يثبت للحاكم بين المعاهدين (١٦) قال الشافعي: لما دخل رسول الله  المدينة وادع اليهود كافة (١٧) فأما إذا قبلوا الجزية ورضوا بجريان أحكامها عليهم، فليس للحاكم أن يُعرض عنهم إذا تحاكموا إليه (١٨) قال أبو عبيد: وهذا هو الأولى عندنا؛ لأن في ردهم إلى أحكامهم معونةً على جورهم وأخذهم الرشا في الحكم (١٩) (١) تقدم قريبًا.

(٢) "العين" 3/ 132، "تهذيب اللغة" 2/ 1637 (سحت).

(٣) انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 6/ 239، و"معاني الزجاج" 2/ 177، و"بحر العلوم" 1/ 438، و"معاني النحاس" 2/ 309، و"النكت والعيون" 2/ 40، البغوي في "تفسيره" 3/ 58.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 6/ 239، وانظر البغوي في "تفسيره" 3/ 58، "زاد المسير" 2/ 360.

(٥) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 177، "معاني النحاس" 2/ 309.

(٦) ما بين القوسين ساقط من (ج)، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 241.

(٧) هو رؤبة بن العجاج عبد الله بن رؤبة التميمي، من الشعراء الرجاز.

كان رأسًا في اللغة، قيل إنه توفي سنة 145 هـ.

انظر: "الشعر والشعراء" ص 394، "طبقات الشعراء" 33، "سير أعلام النبلاء" 6/ 162.

(٨) ساقطة من (ج).

(٩) عجز بيت من الرجز وصدره: والليل فوق الماء مستميت "ديوان رؤبة" ص 27، "تهذيب اللغة" 2/ 1638.

ويدفع رُوي بالبناء للمفعول، والمعنى: نحى الله جل وعز جوانب جوف الحوت عن يونس، وجافاه عنه فلا يصيبه منه أذى.

ورُوي بالبناء للفاعل يدفع والمعنى: أن جوف الحوت صار وقاية له من الغرق، وإنما دفع الله جل وعز عنه.

(١٠) لم أقف على قول الفراء، وانظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 241.

(١١) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 242، "معاني الزجاج" 2/ 177، "بحر العلوم" 1/ 438.

(١٢) أخرج أقوالهم الطبري في "تفسيره" 6/ 243 - 244، وانظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 293، "معاني النحاس" 2/ 310، "النكت والعيون" 2/ 41، البغوي في "تفسيره" 3/ 59، وبهذا القول قال الإِمام أحمد -رحمه الله- انظر: "زاد المسير" 2/ 361، ورجحه الطبري في "تفسيره" 6/ 246.

(١٣) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 134، والطبري في "تفسيره" 6/ 245 - 246، و"معاني النحاس" 2/ 310، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 294، 195، و"النكت والعيون" 2/ 45، والبغوي في "تفسيره" 3/ 59.

(١٤) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 134، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 294 بإسناد صحيح، وانظر المصادر السابقة.

(١٥) انظر: "الأم" 4/ 210، "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 2/ 296.

(١٦) انظر: "الأم" 4/ 210، والشافعي -رحمه الله- اعتبر هؤلاء: الموادعين، أما المعاهدون فلا خيار في حقهم وسيأتي قريبًا.

(١٧) "الأم" 6/ 210.

(١٨) انظر: "الأم" 4/ 210، وهؤلاء هم المعاهدون.

(١٩) انظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 242.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سماعون لِلْكَذِبِ ﴾ إن كان الأول في اليهود فكررها هنا تأكيداً، وإن كان الأول في المنافقين واليهود فهذا في اليهود خاصة ﴿ أكالون لِلسُّحْتِ ﴾ أي للحرام من الرشوة والربا وشبه ذلك ﴿ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ هذا تخيير للنبي صلى الله عليه وسلم في أن يحكم بين اليهود أو يتركهم وهو أيضاً يتناول الحاكم، وقيل إنه منسوخ بقوله: وأن أحكم بينهم بما أنزل الله ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ﴾ الآية: استبعاد لتحكيمهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يؤمنون به، مع أنهم يخالفون حكم التوراة التي يدعون الإيمان بها، فمعنى ثم يتولون من بعد ذلك أي: يتولون عن اتباع حكم الله في التوراة من بعد كون حكم الله فيها موجوداً عندهم، ومعلوماً في قضية الرجم وغيرها ﴿ وَمَآ أولئك بالمؤمنين ﴾ يعني: أنهم لا يؤمنون بالتوراة وبموسى عليه السلام، وهذا إلزام لهم لأن من خالف كتاب الله وبدّله فدعواه الإيمان به باطلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ السحت ﴾ بضمتين: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد وعلي.

الباقون بسكون العين.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع علي وافق أبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويزيد في ﴿ والجروح ﴾ بالرفع.

﴿ والأذن ﴾ وبابه بسكون العين: نافع.

﴿ وليحكم ﴾ بالنصب: حمزة.

الباقون بالجزم.

الوقوف: ﴿ قلوبهم ﴾ ج أي ومن الذين هادوا قوم سماعون، وإن شئت عطفت ﴿ ومن الذين هادوا ﴾ على ﴿ من الذين قالوا آمنا ﴾ ووقفت على ﴿ هادوا ﴾ واستأنفت بقوله ﴿ سماعون ﴾ راجعاً إلى الفئتين، والأول أجود لأن التحريف محكي عنهم وهو مختص باليهود ﴿ آخرين ﴾ لا لأن ما بعده صفة لهم.

﴿ لم يأتوك ﴾ ط ﴿ مواضعه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاسئناف ﴿ فاحذروا ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ للسحت ﴾ ط لأن المشروط غير مخصوص بما يليه ﴿ أعرض عنهم ﴾ ج ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ المقسطين ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط لتناهي الاستفهام ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ ونور ﴾ ج لاحتمال ما بعده/ الحال والاستئناف ﴿ شهداء ﴾ ط لاختلاف النظم مع فاء التعقيب ﴿ قليلاً ﴾ ط ﴿ الكافرون ﴾ ه ﴿ بالنفس ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والعين ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ بالسن ﴾ ط لمن قرأ ﴿ والجروح ﴾ بالرفع ﴿ قصاص ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ كفارة له ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ من التوراة ﴾ الأولى ص لطول الكلام ﴿ ونور ﴾ ط لأن الحال بعده معطوف على محل الجملة قبله الواقعة حالاً.

﴿ للمتقين ﴾ ط لمن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالنصب ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه.

التفسير: خاطب محمداً  بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ في مواضع ولم يخاطبه بقوله: ﴿ يا أيها الرسول ﴾ إلا ههنا وفي قوله: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك  ﴾ ولا شك أنه خطاب تشريف وتعظيم شرف به في هذه السورة التي هي آخر السورة نزولاً حيث تحققت رسالته في الواقع.

أما وجه النظم فهو أنه  لما بين بعض التكاليف والشرائع وكان قد علم مسارعة بعض الناس إلى الكفر فلا جرم صبر رسول الله  على تحمل ذلك ووعده أن ينصره عليهم ويكفيه شرهم.

والمراد بمسارعتهم في الكفر تهافتهم فيه وحرصهم عليه حتى إذا وجدوا فرصة لم يخطؤها.

﴿ آمنا بأفواههم ﴾ فيه تقديم وتأخير أي قالوا بأفواههم آمنا ﴿ سماعون للكذب ﴾ قابلون لما يفتعله أحبارهم من الكذب على الله وتحريف كتابه والطعن في نبوة محمد  من قولك: الملك يسمع كلام فلان أي يقبله ﴿ سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ﴾ أي قابلون من الأحبار ومن الذين لم يصلوا إلى مجلسك من شدة البغضاء وإفراط العداوة، ويحتمل أن يراد نفس السماع.

واللام في ﴿ للكذب ﴾ لام التعليل أي يسمعون كلامك لكي يكذبوا عليك ﴿ يحرّفون الكلم ﴾ مبدلين ومغيرين سماعون لأجل قوم آخرين وجوههم عيوناً وجواسيس ﴿ من بعد مواضعه ﴾ أي التي وضعها الله فيها من أمكنة الحل والحظر والفرض والندب وغير ذلك، أو من وجوه الترتيب والنظم فيهملوها بغير مواضع بعد أن كانت ذات موضع ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ المحرّف المزال عن موضعه ﴿ فخذوه ﴾ واعلموا أنه الحق واعملوا به ﴿ وإن لم تؤتوه ﴾ وأفتاكم محمد  بخلافه ﴿ فاحذروا ﴾ فهو الباطل.

عن البراء بن عازب قال: مُرّ على النبي  بيهودي محمم مجلود فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قالوا: نعم.

فدعا رجلاً من علمائهم فقال  : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟

قال: لا، ولولا أنك نشدتني لم أخبرك.

نجد حد الزاني في كتابنا الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم.

فقال رسول الله  : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه به فرجم" فأنزل الله الآية إلى قوله: ﴿ إن أوتيتم هذا ﴾ / يقولون ائتوا محمداً  فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوا به، إن أفتاكم بالرجم فاحذروا.

وفي رواية أخرى "أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة، فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطاً منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله  عن ذلك وقالوا: إن أمركم محمد  بالجلد والتحميم فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم فأبوا أن يأخذوا به فقال له جبريل  : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا فقال: هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟

قالوا.

نعم وهو أعلم يهودي على وجه الأرض ورضوا به حكماً.

فقال له رسول الله  : أنشدك الله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى ورفع فوقكم الطور وأنجاكم وأغرق آل فرعون.

والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟

قال: نعم.

فوثب عليه سفلة اليهود فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب.

ثم سأل رسول الله  عن أشياء كان يعرفها من أعلامه فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي العربي الذي بشر به المرسلون.

وأمر رسول الله  بالزانيين فرجما عند باب مسجده" .

قال العلماء القائلون برجم الثيب الذمي ومنهم الشافعي: إن كان الأمر برجم الثيب الذمي من دين الرسول  فهو المقصود، وإن كان مما ثبت في شريعة موسى  فالأصل بقاؤه إلى طريان الناسخ، ولم يوجد في شرعنا ما يدل على نسخه، وبهذا الطريق أجمع العلماء على أن قوله  : ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ﴾ حكمه باق في شرعنا ﴿ ومن يرد الله فتنته ﴾ ظاهر الآية أن المراد بالفتنة أنواع الكفر التي حكاها عن اليهود وغيرهم.

والمعنى ومن يرد الله كفره وضلالته فلن يقدر أحد على دفع ذلك.

ثم أكد هذا بقوله: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ وفيه دليل على أنه تعالى لا يريد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشك والشرك ولو فعل لآمن.

والمعتزلة فسروا الفتنة بالعذاب كقوله: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ أو بالفضيحة أو بالإضلال أي تسميته ضالاً، أو المراد ومن يرد الله اختباره فيما يبتليه من التكاليف ثم إنه يتركها ولا يقوم بأدائها ﴿ فلن تملك له من الله ﴾ ثواباً ولا نفعاً.

ثم قال: ﴿ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ﴾ بالألطاف لأنه  علم أنه لا فائدة في تلك الألطاف لأنها لا تنجع في قولهم، أو يطهر قلوبهم من الحرج والغم والوحشة الحالة على كفره، أو هو استعارة عن سقوط وقعه عند الله  وأنه غير ملتفت إليه بسبب قبح أفعاله وسوء أعماله.

ثم وصف اليهود بقوله: ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ وهو الحرام وكل ما لا يحل كسبه من سحته وأسحته أي استأصله لأنه مسحوت البركة، ومال مسحوت أي مذهب.

قال/ الليث: السحت حرام يحصل منه العار وذلك أنه يسحت فضيلة الإنسان ويستأصلها.

ورجل مسحوت المعدة إذا كان أكولاً لا يلفى إلاّ جائعاً أبداً كأنه يستأصل كل ما يصل إليه من الطعام.

والسحت الرشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستكساب في المعصية روي ذلك عن علي  وعمر عثمان وابن عباس وأبي هريرة ومجاهد، وزاد بعضهم ونقص بعضهم وكل ذلك يرجع إلى الحرام الخسيس الذي لا يكون فيه بركة ويكون فيه عار بحيث يخفيه صاحبه لا محالة.

قال الحسن: كان الحاكم في بني إسرائيل إذا أتاه من كان مبطلاً في دعواه برشوة سمع كلامه ولا يلتفت إلى خصمه فكان يسمع الكذب ويأكل السحت.

وقيل: كان فقراؤهم يأخذون من أغنيائهم مالاً ليقيموا على ما هم عليه من اليهودية فكانوا يسمعون أكاذيب الأغنياء ويأكلون السحت.

وقيل: سماعون للأكاذيب التي كانوا ينسبونها إلى التوراة، أكالون للربا لقوله  : ﴿ وأخذهم الربا  ﴾ ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ﴾ خيره الله  بين الحكم والإعراض.

فقيل: إن هذا الخبر مختص بالمعاهدين الذين لا ذمة لهم.

وقيل: إنه في أمر خاص وهو رجم المحصن قاله ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري: وقيل: في قتيل قتل من اليهود في بني قريظة والنضير وكان في بني النضير شرف وكانت ديتهم كاملة وفي قريظة نصف دية، فتحاكموا إلى النبي  فجعل الدية سواء.

وعن النخعي والشعبي وقتادة وعطاء وأبي بكر الأصم وأبي مسلم أن الآية عامة في كل ما جاء من الكفار، وأن الحكم ثابت في سائر الأحكام غير منسوخ.

وعن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وهو مذهب الشافعي أن هذا التخيير منسوخ في في حق غير المعاهدين بقوله  : ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله  ﴾ فيجب على حاكم المسلمين أن يحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إليه لأن في إمضاء حكم الإسلام عليهم صغاراً لهم.

وأهل الحجاز بعضهم لا يرون إقامة الحدود عليهم يذهبون إلى أنهم قد صولحوا على شركهم وهو أعظم من الحدود ويقولون: إن النبي  رجم اليهوديين قبل نزول الجزية، ثم إنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلاّ لطلب الأسهل والأخف كالجلد مكان الرجم، فإذا أعرض  عنهم وأبى الحكومة بينهم شق عليهم وعادوا فآمنه الله بقوله: ﴿ وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ بالعدل والاحتياط كما حكمت في الرجم ﴿ وكيف يحكمونك ﴾ تعجيب من الله لرسوله  من تحكيمهم لوجوه منها: عدولهم عن حكم كتابهم، ومنها رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدونه مبطلاً، ومنها إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه وهذا غاية الجهالة ونهاية العناد.

والواو/ في قوله: ﴿ وعندهم ﴾ للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.

أما قوله: ﴿ فيها حكم الله ﴾ فإما أن ينتصب حالاً من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره ﴿ عندهم ﴾ وإما أن يرتفع خبراً عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله فيكون ﴿ عندهم ﴾ متعلق بالخبر، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره.

وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث.

﴿ ثم يتولون ﴾ عطف على ﴿ يحكمونك ﴾ و "ثم" لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم ﴿ وما أولئك بالمؤمنين ﴾ إخبار بأنهم لا يؤمنون أبداً، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم.

ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ﴾ ونور العطف يقتضي التغاير فقيل: الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد.

وقال الزجاج: الهدى بيان الحكم الذي جاؤوا يستفتون فيه، والنور بيان أن أمر النبي  حق.

وقيل: فيها هدى يهدي للحق والعدل، ونور يبين ما استبهم من الأحكام، فهما عبارتان عن معبر واحد، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكراراً.

وأيضاً إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلاً فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج.

ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديماً وتأخيراً والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون.

أما قوله: ﴿ الذين أسلموا ﴾ فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف؟

وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديماً وحديثاً لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف الله وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوارة أخذ الرشا من العوام، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله: ﴿ للذين هادوا ﴾ أي يحكمون لأجلهم.

قال في الكشاف: قوله  : ﴿ الذين أسلموا للذين هادوا ﴾ مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام.

قلت: هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين.

ولقائل أن يقول: بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص؟

وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي: المراد بالنبيين هو محمد  كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء: وقيل: أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة.

فمن الأنبياء من لم تكن/ شريعتهم شريعة موسى.

والربانيون قد مر تفسيره في آل عمران.

والأحبار عن ابن عباس هم الفقهاء، الواحد حبر بالفتح من قولهم: فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلاً حسن الهيئة، أو حبر بالكسر من ذلك أيضاً لقولهم: حسن الحبر بالكسر أيضاً.

وفي الحديث: " "يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره" أي جماله وبهاؤه، وتحبير الخط والشعر تحسينه أو من هذا الحبر الذي يكتب به لكون العالم صاحب كتب.

قاله الفراء والكسائي وأبو عبيدة.

ثم إن ذكر الربانيين بعد النبيين يدل على أنهم أعلى حالاً من الأحبار فيشبه أن يكون الربانيون كالمجتهدين والأحبار كآحاد العلماء.

وقوله: ﴿ بما استحفظوا ﴾ إما أن يكون من صلة ﴿ يحكم ﴾ أي يحكم بها الربانيون والأحبار بسبب ما استحفظوا، أو يكون من صلة الأحبار أي العلماء بما استحفظوا بما سألهم أنبياؤهم حفظه.

و"من" في ﴿ من كتاب الله ﴾ للتبيين.

وقد أخذ الله  على العلماء أن يحفظوا كتابه من وجهين: أحدهما أن يحفظوه في صدورهم ويدرسوه بألسنتهم، والثاني أن لا يضيعوا أحكامه ولا يهملوا شرائعه, وكانوا أي هؤلاء النبيون والربانيون والأحبار عليه على أن كل ما جاء في التوراة حق من عند الله شهداء رقباء لئلا يبدل، ويحتمل أن يعود ضمير ﴿ استحفظوا ﴾ إلى النبيين وغيرهم جميعاً والاستحفاظ من الله أي كلفهم الله حفظه وأن يكونوا عليه شهداء.

ثم نهى اليهود المعاصرين عن التحريف لرهبة فقال: ﴿ فلا تخشوا الناس واخشوني ﴾ وعن التغيير لرغبة فقال: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ وهو الرشوة وابتغاء الجاه.

ثم عمم الحكم فقال: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ احتجت الخوارج بالآية على أن كل من عصى الله فهو كافر.

وللمفسرين في جوابهم وجوه: الأول انها مختصة باليهود وردّ بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب, ولا ريب أن لفظ "من" في معرض الشرط للعموم فلا وجه لتقدير ومن لم يحكم من هؤلاء المذكورين الذين هم اليهود لأنه زيادة في النص.

وقال عطاء: هو كفر دون كفر.

وقال طاوس: ليس بكفر الملة ولا كمن يكفر بالله واليوم الآخر.

فلعلهما أرادا كفران النعمة، وضعف بأن الكافر إذا أطلق يراد به الكافر في الدين.

وقال ابن الأنباري: المراد أنه يضاهي الكافر لأنه فعل فعلاً مثل فعل الكافر وزيف بأنه عدول عن الظاهر.

وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: معناه من أتى بضد حكم الله  في كل ما أنزل فيخرج الفاسق لأنه في الاعتقاد والإقرار موافق وإن كان في العمل مخالفاً.

واعترض بأن سبب النزول يخرج حينئذ لأنه نزل في مخالفة اليهود في الرجم فقط، ويمكن أن يقال: المحرّف داخل في الكل.

وقال عكرمة: إنما تتناول الآية من أنكر بقلبه وجحد بلسانه، أما العارف المقر إذا أخل بالعمل فهو حاكم بما أنزل الله  ولكنه تارك فلا تتناوله الآية.

ثم إنه  لما بيّن أن حكم الزاني المحصن في التوراة هو الرجم واليهود غيروه/ أراد ان يبين أن نص التوراة هو قتل النفس بالنفس وأنهم بدّلوه حيث فضلوا بني النضير على بني قريظة فقال: ﴿ وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين ﴾ من قرأ المعطوفات كلها بالنصب فظاهر، ومن قرأ ما سوى الأوّل بالرفع فللعطف على محل النفس إذ المعنى وكتبنا عليهم في التوراة النفس بالنفس إما لإجراء ﴿ كتبنا ﴾ مجرى "قلنا" وإما بطريق الحكاية كقولك: كتبت الحمد لله وقرأت سورة "إن أنزلناه" وإما على سبيل الاستئناف والمعنى على جميع التقادير.

فرضنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس إذا قتلتها بغير حق، والعين مفقوأة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن، والجروح ذات قصاص أي مقاصة.

وهذا تعميم للحكم بعد ذكر بعض التفاصيل والمراد منه كل ما يمكن المساواة فيه من الأطراف كالذكر والأنثيين والإليتين والقدمين واليدين، ومن الجراحات المضبوطة كالموضحة مثلاً وهي التي توضح العظم وتبدي وضحة وهو الضوء والبياض، وكذا منافع الأعضاء والأطراف كالسمع والبصر والبطش.

فأما الذي لا يمكن القصاص فيه كرض في لحم أو كسر في عظم أو خدش وإدماء في جلد ففي ذلك أرش أو حكومة وتفاصيلها فيكتب الفقه.

﴿ فمن تصدق به فهو كفارة له ﴾ الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى القصاص وفي ﴿ هو ﴾ إلى التصدق الدال عليه الفعل.

وفي ﴿ له ﴾ وجهان: أحدهما أنه يعود إلى العافي المتصدق لما روى عبادة بن الصامت ان رسول الله  قال: " "من تصدق من جسده بشيء كفر الله  عنه بقدره من ذنوبه" وعن عبد الله بن عمرو: " "يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به" والثاني أنه يعود إلى الجاني المعفو عنه أي لا يؤاخذه الله  بعد ذلك العفو، وأما العافي فأجره على الله  ﴿ وقفينا على آثارهم ﴾ أي على آثار النبيين ﴿ بعيسى ابن مريم ﴾ أي عقبناهم به، فتعديته إلى المفعول الثاني بالباء.

وقوله: ﴿ على آثارهم ﴾ يسدّ مسد الأول لأنه إذا قفي به على أثره فقد قفي به إياه ﴿ مصدّقاً لما بين يديه ﴾ أي مقراً بأن التوراة كتاب منزل من عند الله  وأنه كان حقاً واجب العمل به قبل ورود ناسخه وهو الإنجيل المصدق أيضاً لكونه مبشراً بمبعث محمد  كالتوراة.

وأما النور فبيان الأحكام الشرعية وتفاصيل التكاليف، والهدى الأول أصول الديانات كالتوحيد والنبوات والمعاد، والهدى الثاني اشتماله على البشارة بمجيء محمد  لأن ذلك سبب اهتداء الناس إلى نبوته، واشتمال الإنجيل على المواعظ والنصائح والزواجر ظاهر وخص الجميع بالمتقين لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن قرأ ﴿ وليحكم ﴾ بالجزم فإما إخبار عما قيل لهم في ذلك الوقت من الحكم بما تضمنه الإنجيل أي قلنا لهم ليحكموا بما فيه، وإما أمر مستأنف للنصارى بالحكم/ بما فيه كتابهم من الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، أو مما لم يصر منسوخاً بالقرآن.

ومن قرأ بالنصب فلأنه علة فعل محذوف يدل عليه ما تقدمه أي ولأجل حكمهم بما فيه آتيناهم كتابهم، وعلى هذا يجوز أن يكون هدى وموعظة أيضاً غرضين معطوفين للحكم والله أعلم.

أما قوله: ﴿ الكافرون ﴾ ﴿ الظالمون ﴾ ﴿ الفاسقون ﴾ فللمفسرين فيه خلاف.

قال القفال: هو كقولك من أطاع الله فهو المؤمن من أطاع الله فهو المتقي، لأن كل ذلك أوصاف مختلفة حاصلة لموصوف واحد، فهذه كلها نزلت في الكفار.

وقال آخرون: الأول من الجاحد، والثاني والثالث في المقر التارك.

وقال الأصم: الأول والثاني في اليهود، والثالث في النصارى.

التأويل: سماعون لكذبات الشيطان في وساوسه والنفس في هواجسها ﴿ سماعون لقوم آخرين ﴾ يسنون السنة السيئة لغيرهم ﴿ يحرفون ﴾ يغيرون قوانين الشريعة بتمويهات الطبيعة وهذه حال مؤوّلي القرآن والأحاديث على وفق أهوائهم ﴿ سماعون للكذب أكالون للسحت ﴾ لأن الأخلاق الردية أورثتهم الأعمال الدنية.

فالأخلاق نتائج الأعمال والأعمال نتائج الأخلاق وكلها من نتائج الاستعداد الفطري ﴿ فإن جاؤك فاحكم بينهم ﴾ مداوياً لدائهم إن رأيت التداوي سبباً لشفائهم أو أعرض عنهم إن تيقنت إعواز الشفاء لشقائهم ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾ داوهم على ما يستحقون من دائهم ﴿ بما استحفظوا من كتاب الله ﴾ الفرق بين بني إسرائيل وبين هذه الأمة أنهم استحفظوا التوراة فضيعوها وحرفوها، وقال في حقنا: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون  ﴾ ﴿ وكتبنا عليهم ﴾ كما أن في إهلاك النفس هلاك نفس المهلك ففي إحياء نفس الطالب بحياة الدين حياة نفس محييها، وفي معالجة عين قلبه وأنف قلبه وأذن قلبه وسن قلبه معالجة هذه الأعضاء بمزيد الإدراك.

﴿ فمن تصدق ﴾ بهذا الإحياء ﴿ فهو كفارة له ﴾ فيما فرط من إحياء نفسه ومعالجة قلبه طرفة عين.

﴿ ومن لم يحكم ﴾ على نفسه ﴿ بما أنزل الله ﴾ في تزكيتها وتحليتها فأولئك الذين ظلموا أنفسهم بوضع الحظوظ مقام الحقوق والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ...

﴾ الآية.

يحتمل وجوهاً: أحدها: ألا يحزنك كفر من كفر منهم.

ليس على النهي عن ذلك؛ ولكن ألا يحمل على نفسه بكفرهم ما يمنعه عن القيام بأمره، كقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات مما يشتد به الحزن بكفرهم؛ لشدة رغبته في إسلامهم.

ويحتمل قوله -  -: ﴿ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ ﴾ ، أي: لا يحزنك تمرد هؤلاء وتكذيبهم إياك؛ فإن الله ناصرك ومظفرك ويظفر لك عليهم.

ويحتمل: لا يحزنك صنيع هؤلاء الكفرة وسوء عملهم؛ فإنك لا تؤاخذ بصنيعهم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، [وكقوله -  -:] ﴿ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ  ﴾ .

وفي قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ دلالة تفضيل رسول الله  على غيره من الأنبياء والرسل؛ لأنه - عز وجل - في جميع ما خاطب رسول الله  قال: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ ﴾ ، و ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ﴾ ولم يُخَاطَبْ باسمه، وسائر الأنبياء - عليهم السلام - إنما خاطبهم بأسمائهم: ﴿ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ، و ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ  ﴾ ، و ﴿ يٰنُوحُ  ﴾ ، وجميع من خاطب منهم أو ذكر إنما ذُكِرَ بأسمائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ .

قال: قالوا: ﴿ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ ، ولم يقل: آمنوا بأفواههم؛ ليعلم أن القول به ليس هو من شرط الإيمان؛ إنما الإيمان هو تصديق القلب، لكن يعبر به اللسان عن قلبه؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، والإيمان: هو التصديق في اللغة؛ لأن ضده التكذيب؛ فيجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق.

والتصديق يكون بالقلب؛ حيث قال - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، لكن اللسان يعبر عن ضميره، فهو ترجمان القلب فيما بين الخلق؛ فهذا يدل أيضاً على أن الإيمان ليس هو المعرفة؛ لأن الإيمان لو كان معرفة لكان يجب أن يكون ضده جهلاً؛ فلما كان ضدُّ الإيمان تكذيباً وجب أن يكون ضد التكذيب: التصديق، والتصديق والإيمان في اللغة سواء؛ ولأن المعرفة قد تقع في القلب على غير اكتساب فعل وإنما والتصديق لا يكون إلا باكتساب ترك مضادته وهو التكذيب؛ لذلك قلنا: إن الإيمان ليس هو المعرفة، ولكنه تصديق.

ثم اختلف في هؤلاء: قال بعضهم: هم المنافقون الذين كانوا يظهرون الإيمان باللسان، وقلوبهم كافرة.

وقال آخرون: هم اليهود والمنافقون ﴿ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، وهو قول ابن عباس،  .

﴿ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

هذا يدل أن قوله -  -: ﴿ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ في المنافقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ .

يحتمل: سماعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبره، ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾ خبره بالكذب، ومعناه - والله أعلم -: أنهم كانوا يستمعون إلى رسول الله  خبره، وما يقول لهم، ثم يأتون الذين لم يأتوا رسول الله  فيخبرونهم خلاف خبره وغير ما سمعوا منه.

وقيل: إن رسول الله  كان يقول: "إن في التوراة كذا من الأحكام والشرائع؛ فإذا سمع هؤلاء منه ذلك أتوا أولئك الذين لم يأتوا رسول الله  فيقولون: إنه كاذب، وليس في التوراة ما يقول هو، ونحو ذا" .

وقيل: إنهم كانوا طلائع الكفرة وعيوناً لهم، فإذا أتى لهم منهم خبر يخبرون ضعفة أصحاب رسول الله  خلاف ما أتاهم؛ نحو قولهم: ﴿ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ  ﴾ ، كانوا يخشونهم؛ لئلا يغزوهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ .

يحتمل التحريف وجهين: يحتمل: تبديل الكتابة من الأصل؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ  ﴾ ويحتمل تغيير المعنى في العبارة على غير تدبيل الكتاب، يغيرون على السفلة، والذين لا يعرفون غير ما فهموا منه.

وقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ .

يعنون بـ"هذا": ما حرفوه وغيروه.

﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

عن ابن عباس -  - قال: نزلت الآية في رجل وامرأة من اليهود زنيا، وكان حكم الله في التوراة في الزنا: الرجم، وكانوا يرجمون الوضيع منهم إذا زنا، ولا يرجمون الشريف - وكانا في شرف وموضع، وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما، وفي كتابهم الرجم، وكانوا أرادوا أن يرتفع الرجم من بينهم، وأن يكون حدهم الجلد؛ فذلك قوله -  -: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا ﴾ - يعنون: الجلد - ﴿ فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ ، فكتبوا بذلك إلى رسول الله  وسألوا عن ذلك، فقالوا: "يا محمد، أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا: ما حَدُّهُمَا؟

وهل تجد فيهما الرجم فيما أنزل الله -  - عليك؟

فقال لهم رسول الله  : وَهَلْ تَرْضَوْنَ بِقَضَائِي فِي ذَلِكَ؟

قالوا: نعم؛ فنزل جبريل -  - بالرجم، وقال له: إن أبوا أن يأخذوا به، فاسألهم عن رجل منهم يقال له: ابن صوريا - وصفه له - فاجعله بينك وبينهم، فقال لهم رسول الله  : نَعَمْ، أَجِدُ فِيمَا أَنْزلَ اللهُ عَلَيَّ: أَنَّ الزَّانِيَةَ وَالزَّانِي إِذَا أُحْصِنَا وَفَجَرَا؛ فَإِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ، فنفروا عن ذلك؛ فقال لهم رسول الله  : أَتَعْرِفُونَ رَجُلاً شَابّاً صِفَتُهُ كَذَا، يُقَالُ لَهُ: ابنُ صُوريا؟

قالوا: نعم، قال: فَأَيُّ رَجُلٍ هُوَ فِيكُمْ؟

قالوا: هو أعلم يهودي على وجه الأرض بما أنزل الله على موسى، قال: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ ففعلوا؛ فأتاهم ابن صوريا، فقال له رسول الله  : أَنْتَ ابْنُ صُوريا؟

قال: نعم، قال: [وَأَنْتَ أَعْلَمُ اليَهُودِ؟]، قال: كذلك يزعمون، قال: اجْعَلُوهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قالوا: نعم، رضينا به إذا رضيت، قال: فقال رسول الله  : فَإِنِّي أَنْشُدُكَ باللهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى: هَلْ تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمُ الَّذِي أَتَاكُمْ بِهِ مُوسَى [فِي التَّوْرَاةِ]: الرَّجْمَ عَلَى مَنْ أُحْصِنَ؟

قال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني، ولولا خشية أن تحرقني النار إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك" .

ففي هذا وجوه من الدلائل: أحدها: أنه سألهم عما كتموا من الأحكام والحقوق التي بينهم وبين الله  ؛ ليظهر خيانتهم وكذبهم فيما كتموا من نعت رسول الله  وصفته؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، وفيه إثبات رسالته.

والثاني: أنهم طلبوا منه الرخصة والتخفيف في الحد؛ لأنهم عرفوا أنه [رسول الله  ]، لكنهم كابروا في الإنكار بعدما عرفوا أنه رسول الله حقّاً.

وفيه دلالة جواز شهادة بعضهم على بعض؛ لأنه قبل شهادة ابن صوريا عليهم حيث شهد بالرجم.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ...

﴾ الآية: إنها نزلت في قتيل قتل عمداً بين قبيلتين: بني قريظة، والنضير، وكان القتيل من بني قريظة، وكان بنو النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يعطوهم القود، ولكن يعطونهم الدية، [وإذا] قتل بنو قريظة من بني النظير لم يرضوا إلا بالقود؛ يتعززون عليهم، فقدم رسول الله  المدينة فأرادوا أن يرفعوا أمرهم إلى رسول الله  ؛ ليحكم بينهم، فقال رجل من المنافقين: إن قتيلكم قتل عمداً، وأنا أخشى عليكم القود، فإن كان محمد أمركم بالدية وقبل منكم فأعطوه، وإلا فكونوا على حذر، فأخبر الله - عز وجل - نبيه  بما قالوا؛ فقال: ﴿ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ ﴾ \[يعني: الدية\]، ﴿ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ ﴾ .

فلا ندري فيم كانت القصّة، وفيه من الدلائل ما ذكرنا من إثبات الرسالة والنبوة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ .

قيل: من يرد الله عذابه وإهلاكه؛ فلن يملك أحد دفع ذلك العذاب عنه.

وقيل: الفتنة: المحنة، أي: من يرد الله أن يمتحن بالرجم أو القتل؛ فلن يملك له أحد دفع ذلك عنه.

وقوله [- عز وجل -:] ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ قالت المعتزلة: قوله: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ تأويله يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: لم يطهر الله قلوبهم.

والثاني: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ بالشرك والكفر، وذلك بعيد؛ لأنه كيف يطهر بالكفر، وبالكفر يتنجس؟!.

لكن الوجه عندنا في قوله -  -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ أي: لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ إذ علم منهم أنهم يختارون ما اختاروا، ويريدون ما أرادوا، فإنما أراد ما كان علم منهم أنهم يريدون ويختارون؛ وكذلك قوله -  -: ﴿ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ ﴾ يريد فتنة من علم أنه يريدها ويختارها، فإنما يريد ما أراد هو ويختار.

وظاهر الآية على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، وهم يقولون: أراد أن يطهر قلوبهم.

وذلك ظاهر الخلاف بَيِّنٌ، وبالله العصمة.

[وقوله - عز وجل -:] ﴿ لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾ .

الخزي في الدنيا يحتمل: القتل، ويحتمل: العذاب والجزية ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ سَمَّاعُونَ ﴾ ، أي: مستمعون إلى رسول الله  ؛ ليعرفوا به فيكذبوا عليه.

ويحتمل قوله: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾ ، أي: قابلون لما ألقى إليهم من الكذب: كانوا يقبلون لما ألقى إليهم من الكذب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ .

قال بعضهم: كل حرام هو سحت، فإن كان السحت اسم كل حرام، فذلك يعم جميع الكفرة أو أكثرهم.

وقال آخرون: السحت: هو الرشوة في الحكم، فإن كان السحت هذا فذلك يرجع إلى رؤسائهم الذين يحكمون فيما بينهم، ويأخذون على ذلك رشوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ .

اختلف فيه.

قال بعضهم: هو على التخيير إذا رفعوا إلى الإمام: إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض ولم يحكم، لكنه منسوخ بقوله  : ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ  ﴾ ، أمر بالحكم بينهم إذا جاءوا، ونهى أن يتبع أهواءهم، وفي ترك الحكم بينهم اتباع هواهم، وقال: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ .

قالوا: هو منسوخ بهذه الآية، وأمكن الجميع بينهما، وهو أن قوله -  -: ﴿ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ في قوم من أهل الحرب دخلوا دار الإسلام بأمان، فرفعوا إلى الإمام أمرهم؛ فالإمام بالخيار: إن شاء ردهم إلى مأمنهم، أو نقض عليهم أمانهم، ولم يحكم بينهم، وإن شاء تركهم وحكم بينهم؛ فذلك معنى التخيير، والله أعلم.

وأما قوله: ﴿ وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ : فذلك في أهل الذمة الراضين بحكمنا، إذا رفعوا إلى الحاكم يجب أن يحكم بينهم، ولا يرد عليهم ما طلبوا منه من إجراء الحكم عليهم؛ [لأنه] ليس له فسخ ما أعطى لهم من العهود والمواثيق، وهم قد رضوا بحكمنا؛ لذلك لزم الحكم بينهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن يقع الإعراض عنهم موقع الجفاء، ويعدون ذلك جفاء؛ فأمن - عز وجل - نبيه -  - عن أن يلحقه ضرر منهم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً ﴾ أي: ليس عليك من ضرر ما هم فيه؛ فإنما ضرر ذلك عليهم؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ...

﴾ الآية [الأنعام: 52].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ .

أي: بالعدل؛ كقوله -  -: ﴿ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ  ﴾ وكقوله -  -: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ...

﴾ الآية [النساء: 58].

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ ﴾ .

أي: العادلين في الحكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ .

يُعَجِّبُ نبيه  شدة سفههم وتعنتهم بتركهم الحكم بالذي صدقوا، وطلب الحكم بما كذبوا؛ لأنهم صدقوا التوراة وما فيها من الحكم، وكذبوا ما أنزل على محمد  ، يقول - والله أعلم -: إنهم إذا لم يعملوا بالذي صدقوا، كيف يعملون بالذي كذبوا؟!

وذلك تعجيب منه إياه شدة السفه والتعنت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حكم الله الذي تنازعوا فيه وتشاجروا: رجماً [كان] أو قصاصاً أو ما كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: يتولون من بعد ما تحكم بينهم عما حكمت.

ويحتمل: يتولون من بعد ما عرفوا من الحكم عليهم بما في التوراة.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أخبرهم أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم سماهم كافرين في آخر الآية، بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ لم يجعل درجة ثالثة؛ فهذا ينقض قول من يجعل درجة ثالثة بين الإيمان والكفر، وهو قول المعتزلة.

وقوله: ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ .

هدى من الضلالة، ونور من العمى، هدى لمن استهدى به، ونور لمن استنار به من العمى.

وقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: الآية على التقديم والتأخير: يقول: يحكم بها النبيون الربانيون والأحبار الذين أسلموا، أو من الأحبار من قد أسلم.

أخبر أن النبيين والأحبار الذين أسلموا يحكمون بما في التوراة ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ ، أي: على الذين هادوا؛ ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ بمعنى: على الذين؛ وهذا جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا  ﴾ ، أي: فعليها.

وقيل: ﴿ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ ﴾ ، أي: أسلموا أمرهم وأنفسهم لله، وخضعوا له، حكموا بما فيها، وإن خافوا على أنفسهم الهلاك ﴿ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ إن أطاعوا الله، وقبلوا ما فيها من الحكم؛ فعند ذلك يحكم لهم.

وقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ .

هو طلب الحفظ، أي: بما جعل إليهم الحفظ.

﴿ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: شهداء على ما في التوراة من الحكم.

ويحتمل: شهداء على حكم رسول الله الذي حكم عليهم، أنه كذلك في التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ ﴾ فيما تحكم عليهم، ﴿ وَٱخْشَوْنِ ﴾ .

أمن رسوله  شرهم ونكبتهم، وأمر أن يخشوه؛ يكفيه شرهم وأذاهم.

ثم اختلف في الأحبار والربانيين: قال بعضهم: "الرَّبَّانِيُّون": علماء اليهود، "والأحبار": علماء النصارى.

وهما واحد سموا باسمين مختلفين.

وقيل: قوله: ﴿ فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ ﴾ إنما خاطب علماءهم، أي: لا [تخشوا الناس] أن تخبروهم بالحكم الذي في التوراة واخشون.

﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

لهم خرج الخطاب بهذا التأويل الثاني.

﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .

هكذا من جحد الحكم بما أنزل الله ولم يره حقّاً فهو كافر.

ذكر في القصَّة أن الآية نزلت في قتيل كان بين بني قريظة وبني النضير: أن بني النضير إذا قتلوا من بني قريظة لم يرضوا إلا بالقود، والأخرى إذا قتلت أحداً منهم كانوا لم يعطوهم القود، ولكن يعطوهم الدية، فنزل: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

هؤلاء اليهود كثيرو الاستماع للكذب، كثيرو الأكل للمال الحرام كالربا، فإن تحاكموا إليك -أيها الرسول- فافصل بينهم إن شئت، اترك الفصل بينهم إن شئت، فأنت مُخير بين الأمرين، وإن تركت الفصل بينهم فلن يستطيعوا أن يضروك بشيء، وإن فصلت بينهم فافصل بينهم بالعدل، وإن كانوا ظَلَمة وأعداء، إن الله يحب العادلين في حكمهم، ولو كان المتحاكمون أعداء للحاكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.yG0gj"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل