الآية ٥٦ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٥٦ من سورة المائدة

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ ٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 73 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٦ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة [ ومنصور في الدنيا والآخرة ] ; ولهذا قال [ الله ] تعالى في هذه الآية الكريمة : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) قال أبو جعفر: وهذا إعلامٌ من الله تعالى ذكره عبادَه جميعًا= الذين تبرأوا من حلف اليهود وخلعوهم رضًى بولاية الله ورسوله والمؤمنين، (78) والذين تمسكوا بحلفهم وخافوا دوائر السوء تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم= أنّ مَن وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، (79) ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادّهم، لأنهم حزب الله، وحزبُ الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان، كما:- 12215 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: أخبرهم= يعني الرب تعالى ذكره= مَنِ الغالب، فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة، فقال: " ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون "، و " الحزب "، هم الأنصار.

* * * ويعني بقوله: " فإن حزب الله "، فإن أنصار الله، (80) ومنه قول الراجز: (81) وَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلالٌ حِزْبِي!

(82) يعني بقوله: " أضوى "، أستضْعَفُ وأضام= من الشيء " الضاوي".

(83) ويعني بقوله: " وبلال حزبي"، يعني: ناصري.

------------------- الهوامش : (78) في المطبوعة: "الذين تبرأوا من اليهود وحلفهم رضى بولاية الله..." ، غير ما في المخطوطة إذ لم يحسن قراءته ، والذي أثبت هو صواب القراءة.

(79) في المطبوعة: "بأن من وثق بالله..." ، وفي المخطوطة مكان ذلك كله: "ووثقوا بالله".

والذي أثبت هو صواب المعنى.

(80) انظر تفسير"الحزب" فيما سلف 1: 244.

وهذا التفسير الذي هنا لا تجده في كتب اللغة.

(81) هو رؤبة بن العجاج.

(82) ديوانه: 16 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 169 ، من أرجوزة يمدح بها بلال ابن أبي بردة ، ذكر في أولها نفسه ، ثم قال يذكر من يعترضه ويعبي له الهجاء والذم: ذَاكِ، وإن عَبَّـــى لِــيَ المُعَبِّــي وَطِحْــطَحَ الجِــدُّ لِحَــاءَ القَشْـبِ أَلَقَيــتُ أَقْــوَالَ الرِّجَــالِ الكُـذْبِ فَكَــيْفَ أَضْــوَى وَبِـلالٌ حِــزْبِي!

ورواية الديوان: "ولست أضوي".

وفي المخطوطة: "وكيف أضرى" ، وهو تصحيف"طحطح الشيء" : فرقه وبدده وعصف به فأهلكه.

و"اللحاء": المخاصمة.

و"القشب" ، (بفتح فسكون): الكلام المفترى: ولو قرئت"القشب" (بكسر فسكون) ، فهو الرجل الذي لا خير فيه.

(83) "الضاوي": الضعيف من الهزال وغيره."ضوى يضوي ضوى": ضعف ورق.

وكان في المخطوطة: "أضرى" و"الضاري" ، وهو خطأ وتصحيف.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبونقوله تعالى : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا أي : من فوض أمره إلى الله ، وامتثل أمر رسوله ، ووالى المسلمين ، فهو من حزب الله ، وقيل : أي : ومن يتول القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين .

فإن حزب الله هم الغالبون قال الحسن : حزب الله جند الله ، وقال غيره : أنصار الله قال الشاعر :وكيف أضوى وبلال حزبيأي : ناصري ، والمؤمنون حزب الله ; فلا جرم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية ، والحزب الصنف من الناس ، وأصله من النائبة من قولهم : حزبه كذا أي : نابه ; فكأن المحتزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة عليها .

وحزب الرجل أصحابه ، والحزب [ ص: 163 ] الورد ; ومنه الحديث فمن فاته حزبه من الليل ، وقد حزبت القرآن ، والحزب الطائفة ، وتحزبوا اجتمعوا ، والأحزاب : الطوائف التي تجتمع على محاربة الأنبياء ، وحزبه أمر أي : أصابه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ْ} أي: فإنه من الحزب المضافين إلى الله إضافة عبودية وولاية، وحزبه هم الغالبون الذين لهم العاقبة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ْ} وهذه بشارة عظيمة، لمن قام بأمر الله وصار من حزبه وجنده، أن له الغلبة، وإن أديل عليه في بعض الأحيان لحكمة يريدها الله تعالى، فآخر أمره الغلبة والانتصار، ومن أصدق من الله قيلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ) يعني : يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : يريد المهاجرين والأنصار ، ( فإن حزب الله ) يعني : أنصار دين الله ، ( هم الغالبون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا» فيعينهم وينصرهم «فإن حزب الله هم الغالبون» لنصره إياهم أوقعه موقع فإنهم بيانا لأنهم من حزبه أي أتباعه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومن وثق بالله وتولَّى الله ورسوله والمؤمنين، فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون المنتصرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين يوالون الله ورسوله والمؤمنين فقال : ( وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ) .

والحزب معناه الجمع من الناس يجتمعون على رأي واحد من أجل أمر حَزَبهم أي أهمهم وشغلهم .والمعنى : ( وَمَن يَتَوَلَّ الله ) - تعالى - بأن يطيعه ويتوكل عليه ، ويتول ( رسوله ) بأن يتبعه ويتأسى به ، ويتول ( والذين آمَنُواْ ) بأن يناصرهم ويشد أزرهم ويتعاون معهم على البر والتقوى ، من يفعل ذلك لا شك في حسن عاقبته وظفره بالفلاح والنصر ( فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ) لغيرهم من الأحزاب الأخرى التي استحوذ عليها الشيطان .و ( من ) في قوله ( وَمَن يَتَوَلَّ الله ) شرطية ، وقوله : ( فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ) دليل على جواب الشرط .أي : ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا يكن من حزب الله المنتصر القوي ، فإن حزب الله هم الغالبون .وقال - سبحانه - فإن حزب الله ، ولم يقل حزب الله ورسوله ، للإِشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بأمر من الله - تعالى - وإنه صلى الله عليه وسلم لا يستمد العون والنصرة إلا منه - سبحانه - .وقال بعض العلماء : وقوله - تعالى - ( فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ) معناه : فإنهم الغالبون .فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى ( من ) دلالة على علة الغلبة .وهو أنهم حزب الله .

فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فهو حزب الله .وحزب الله هم الغالبون .

تنويها بذكرهم ، وتعظيما لشأنهم ، وتشريفا لهم بهذا الاسم ، وتعريضا لمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان .وبذلك ترى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين نهيا شديدا عن موالاة أعداء الله ، لأن موالاتهم قد تجر إلى الارتداد عن الدين الحق ، ومن يرتد عن الدين الحق فلن يضر الله شيئاً ، لأنه سبحانه - قادر على أن يأتي بقوم آخرين صادقين في إيمانهم بدل أولئك الذين ارتدوا على أعقابهم .

كما نراها قد أرشدت المؤمنين إلى من تجب موالاتهم ، وبشرتهم بالفلاح والنصر متى جعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإِخوانهم في العقيدة والدين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسألتان: المسألة الأولى: الحزب في اللغة أصحاب الرجل الذين يكونون معه على رأيه، وهم القوم الذين يجتمعون لأمر حزبهم، وللمفسرين عبارات.

قال الحسن: جند الله، وقال أبو روق: أولياء الله وقال أبو العالية: شيعة الله، وقال بعضهم: أنصار الله.

وقال الأخفش: حزب الله الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون ﴾ جملة واقعة موقع خبر المبتدأ، والعائد، غير مذكور لكونه معلوماً، والتقدير فهو غالب لكونه من جند الله وأنصاره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِنَّ حِزْبَ الله ﴾ من إقامة الظاهر مقام المضمر.

ومعناه: فإنهم هم الغالبون، ولكنهم بذلك جعلوا أعلاماً لكونهم حزب الله.

وأصل الحزب؟

القوم يجتمعون لأمر حزبهم.

ويحتمل أن يريد بحزب الله: الرسول والمؤمنين.

ويكون المعنى: ومن يتولهم فقد تولى حزب الله، واعتضد بمن لا يغالب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِما نَهى عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ مَن هو حَقِيقٌ بِها، وإنَّما قالَ ولِيُّكُمُ اللَّهُ ولَمْ يَقُلْ أوْلِياؤُكم لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الوِلايَةَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الأصالَةِ ولِرَسُولِهِ  ولِلْمُؤْمِنِينَ عَلى التَّبَعِ.

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ صِفَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا فَإنَّهُ جَرى مَجْرى الِاسْمِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ ويَجُوزُ نَصْبُهُ ورَفْعُهُ عَلى المَدْحِ.

﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ مُتَخَشِّعُونَ في صَلاتِهِمْ وزَكاتِهِمْ، وقِيلَ هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِيُؤْتُونَ، أيْ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ في حالِ رُكُوعِهِمْ في الصَّلاةِ حِرْصًا عَلى الإحْسانِ ومُسارَعَةً إلَيْهِ، وإنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صَلاتِهِ، فَطَرَحَ لَهُ خاتَمَهُ.

واسْتَدَلَّ بِها الشِّيعَةُ عَلى إمامَتِهِ زاعِمِينَ أنَّ المُرادَ بِالوَلِيِّ المُتَوَلِّي لِلْأُمُورِ والمُسْتَحِقُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيها، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ مَعَ أنَّ حَمْلَ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ أيْضًا خِلافَ الظّاهِرِ وإنْ صَحَّ أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ فَلَعَلَّهُ جِيءَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِتَرْغِيبِ النّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ فَيَنْدَرِجُوا فِيهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الفِعْلَ القَلِيلَ في الصَّلاةِ لا يُبْطِلُها وأنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً.

﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ.

﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ أيْ فَإنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، ولَكِنَّ وضْعَ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى البُرْهانِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَهم حِزْبُ اللَّهِ وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ وتَنْوِيهًا بِذِكْرِهِمْ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ وتَشْرِيفًا لَهم بِهَذا الِاسْمِ، وتَعْرِيضًا لِمَن يُوالِي غَيْرَ هَؤُلاءِ بِأنَّهُ حِزْبُ الشَّيْطانِ.

وأصْلُ الحِزْبِ القَوْمُ يَجْتَمِعُونَ لِأمْرٍ حَزَبَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا} يتخذه ولياً أو يكن ولياً {فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون} من إقامة الظاهر مقام الضمير أي فإنهم هم الغالبون أو المراد بحزب الله الرسول والمؤمنون صأى ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب وأصل الحزب القوم يجتمعون الأمر حزبهم أي أصابهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: ومَن يَتَّخِذُهم أوْلِياءَ، وأُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ؛ رِعايَةً لِما مَرَّ مِن نُكْتَةِ بَيانِ أصالَتِهِ تَعالى في الوِلايَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ حَيْثُ أُضِيفَ الحِزْبُ - أيِ الطّائِفَةُ والجَماعَةُ مُطْلَقًا، أوِ الجَماعَةُ الَّتِي فِيها شِدَّةٌ - إلَيْهِ تَعالى خاصَّةً، وفي هَذا - عَلى رَأْيِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ - أيْضًا العائِدُ إلى ( مَن ) أيْ: فَإنَّهُمُ الغالِبُونَ، لَكِنَّهم جُعِلُوا حِزْبَ اللَّهِ تَعالى؛ تَعْظِيمًا لَهم وإثْباتًا لِغَلَبَتِهِمْ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَإنَّهم حِزْبُ اللَّهِ تَعالى، وحِزْبُ اللَّهِ تَعالى هُمُ الغالِبُونَ، والجُمْلَةُ دَلِيلُ الجَوابِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُعْرِبِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة، وحلفوا أن لا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، بعيدة من المسجد، ولا نجد محدثاً دون هذا المسجد، فنزلت هذه الآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يقول: حافظكم وناصركم الله ورسوله وَالَّذِينَ آمَنُوا فقال: يا رسول الله رضينا بالله ورسوله، وبالمؤمنين.

وقال الضحاك: إن النبي  لما هاجر إلى المدينة، أتاه بنو أسد بن خزيمة، وهم سبعمائة رجالهم ونساؤهم.

فلما قدموا المدينة.

فقالوا: يا رسول الله اغتربنا وانقطعنا عن قبائلنا، وعشيرتنا فمن ينصرنا؟

فنزل إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا.

ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال ابن عباس: وذلك أن بلالاً لما أذّن، وخرج رسول الله  ، والناس في المسجد يصلون بين قائم وراكع وساجد، فإذا هو بمسكين يسأل الناس، فدعاه رسول الله  وقال: «هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شيئا؟» قال: نعم.

قال: «مَاذَا» ؟

قال: خاتم فضة.

قال: «وَمَنْ أَعْطَاكَ» ؟.

قال: ذلك المصلي.

قال: «فِي أيِّ حَالٍ أعْطَاكَ» ؟

قال: أعطاني وهو راكع.

فنظر، فإذا هو علي بن أبي طالب  .

فقرأ رسول الله  على «عبد الله بن سلام» الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ يعني: يتصدقون في حال ركوعهم حيث أشار بخاتمه إلى المسكين حتى نزع من أصبعه، وهو في ركوعه.

ويقال: يراد به جميع المسلمين أنهم يصلون ويؤدون الزكاة.

ثم قال: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني: يجعل الله ناصره ويجالس النبيّ  وأصحابه فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني: جند الله هُمُ الْغالِبُونَ.

قال محمد بن إسحاق: نزلت هذه الآية في «عبادة بن الصامت» ، حين تبرأ من ولاية اليهود يعني: يهود بني فينقاع، وتولى الله ورسوله، فأخبر الله تعالى أن العاقبة لمن يتولى الله ورسوله، فإن الله ينصر أولياءه، ويبطل كيد الكافرين، فذلك قوله تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ يعني: هم الظاهرون على أعدائه والعاقبة لهم وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يقول المؤمنون: أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا ...

الآية.

وتحتمل الآيةُ أنْ تكون حكايةً لقولِ المؤمنين في وقْتِ قولِ الذين في قلوبهم مرضٌ:

نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ: إذ فُهِمَ منهم أنَّ تمسُّكهم باليهودِ إنما هو إرصاد لِلَّهِ ولرسولِهِ، فمَقَتَهم النبيُّ- عليه السلام- والمؤمنون، وترك لهم النبيُّ- عليه السلام- بني قَيْنُقَاعٍ رغْبةً في المصلحة والأُلْفة، وأما قراءة أَبي عَمْرٍو: «وَيَقُولَ» - بالنصب-، فلا يتجه معها أَنْ يكون قولَ المؤمنين إلاَّ عند الفَتْح، وظُهورِ ندامة المنافقينَ، وفَضيحَتِهِمْ.

وقوله تعالى: جَهْدَ أَيْمانِهِمْ: نصْبُ «جَهْدَ» على المصدر المؤكِّد، والمعنى:

أهؤلاء هم المُقْسِمُون باجتهاد منهم في الأيمانِ إنهم لَمَعَكُمْ، قد ظهر الآنَ منهم مِنْ موالاة اليهودِ، وخَذْلِ الشريعةِ- ما يُكَذِّبُ أيمانهم.

وقوله: حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: يحتملُ أنْ يكون/ إخباراً من اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يكون مِنْ قول المؤمنين، ويحتمل أنْ يكون قوله: حَبِطَتْ دعاءً، أي: بطلت أعمالهم.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين إلى يوم القيامة، ومعنى الآية أَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ وعَدَ هذه الأمة أنَّ من ارتدَّ منها، فإنه يجيءُ سبحانه بقومٍ ينصُرُونَ الدِّين، ويُغْنُونَ عن المرتدِّين.

قال الفَخْر «١» : وقدَّم اللَّه تعالى محبَّته لهم على محبَّتهم له إذ لولا حُبُّه لهم، لما وفَّقهم أنْ صاروا محبِّين له.

انتهى، وفي كتاب «القصد إلى اللَّه سبحانه» للمُحَاسِبِيِّ، قُلْتُ للشيخ: فَهَلْ يَلْحَقُ المحبِّينَ للَّه عزَّ وجلَّ خَوْفٌ؟

قال: نَعَمِ، الخَوْفُ لازمٌ لهم كما لزمهم الإيمَانُ لا يزولُ إلاَّ بزَوَاله، وهذا هو خَوْفُ عذابِ التَّقْصيرِ في بدايتهم حتى إذا صاروا

إلى خَوْفِ الفَوْت، صاروا إلى الخوف الذي يكُونُ في أعلى حالٍ، فكان الخوف الأوَّلُ يطرقهم خطراتٍ، وصارِ خوْفُ الفَوْتِ وطنات، قلْتُ: فما الحالَةُ التي تَكْشِفُ عن قلوبهم شَدِيدَ الخَوْف والحُزْن؟

قال: الرجاءُ بحُسْن الظَّنِّ لمعرفتهم بسعة فَضْل اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَمَلُهُمْ منه أنْ يظفروا بمرادهم، إذا وَرَدُوا عليه، ولولا حُسْن ظنِّهم بربِّهم، لَتَقطَّعت أنفسهم حسراتٍ، وماتوا كَمَداً، قلْتُ: أيُّ شيءٍ أكثَرُ شُغْلِهِمْ، وما الغالبُ على قلوبِهِمْ في جميعِ أحوالهم؟

قال: كثرةُ الذِّكْر لمحبوبهم على طريق الدوامِ والاستقامةِ، لا يَمَلُّونَ، ولا يَفْتُرُون، وقد أجمع الحكماءُ أنَّ من أحَبَّ شيئاً، أكْثَرَ مِنْ ذكره، ثم قال: قال ذُو النُّونِ: مَا أُولِعَ أحَدٌ بذكْرِ اللَّه إلا أفاد منْهُ حُبَّ اللَّهِ تعالَى.

انتهى.

وفي الآية إنحاءٌ على المنافِقِينَ، وعلى من ارتد في مدة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال الفَخْر «١» : وهذه الآيةُ إخبارٌ بغَيْبٍ، وقد وقع الخَبَر على وَفْقِهِ فيكون معجزاً، وقد ارتدَّتِ العربُ وغيرهم أيام أبِي بَكْر، فنَصَر اللَّه الدِّين، وأتى بخَيْرٍ منهم.

انتهى.

وقوله سبحانه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، معناه: متذلِّلين مِنْ قِبَلِ أنفسهم، غَيْرَ متكبِّرين، وهذا كقوله عزَّ وجلَّ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وكقوله- عليه السلام-: «المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ» ، وفي قراءة «٢» ابن مسعودٍ: «أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ غُلَظَاءَ عَلَى الكَافِرِينَ» .

وقوله تعالى: وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ: إشارةٌ إلى الرَّدِّ على المنافقين في أَنَّهم يعتَذِرُونَ بممالأَة الأحْلاَفِ والمعارِفِ مِنَ الكفَّار، ويراعُونَ أمرهم، قُلْتُ: وخرَّج أبو بكرِ بْنُ الخطيبِ بسنده على أبي ذِر، قال: «أَوْصَانِي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بِسَبْعٍ: أوْصَانِي أَنْ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ دُونِي وَلاَ أَنْظُرَ إلى مَنْ هُوَ فَوْقِي- يعني: فِي شَأْنِ الدُّنْيَا-، وأوْصَانِي بِحُبِّ المَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَوْصَانِي أَنْ أَقُولَ الحَقَّ وَإنْ كَانَ مُرًّا، وَأَوْصَانِي أَنْ أَصِلَ رَحِمِي وَإنْ أَدْبَرَتْ، وَأَوْصَانِي أَلاَّ أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَأَوْصَانِي ألاَّ أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَوْصَانِي أَنْ أسْتَكْثِرَ مِنْ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ» «٣» .

انتهى.

وقوله سبحانه: ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ: الإشارةُ ب «ذلك» إلى كون القومِ يحبّون الله

عزّ وجلّ ويحبّهم، وواسع: ذو سَعَةٍ فيما يملكُ ويُعْطِي وينعم به سبحانه.

وقوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...

الآية: «إنما» في هذه الآية حاصرةٌ، وقرأ ابن مسعود «١» : «إنَّمَا/ مَوْلاَكُمُ اللَّهُ» ، والزكاةُ هنا: لفظٌ عامٌّ للزكاةِ المفروضةِ، والتطوُّعِ بالصدَقَةِ، ولكلِّ أفعالِ البِرِّ، إذ هي مُنَمِّيَةٌ للحسنات، مطَهِّرة للمَرْءِ مِنْ دَنَسِ السيِّئات، ثم وصفهم سبحانه بتَكْثير الركُوعِ، وخُصَّ بالذكْر لكونه مِنْ أعظم أركان الصلاة، وهي هيئَةُ تواضعٍ، فعبَّر عن جميعِ الصلاَةِ كما قال سبحانه: وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج: ٢٦] هذا هو الصحيحُ.، وهو تأويل الجمهورِ، ولكن اتفق مع ذلك أنَّ عليَّ بْنَ أبي طالِبٍ (رضي اللَّه عنه) أعطى خاتَمَهُ، وهو راكعٌ «٢» .

قال السُّدِّيُّ: وإن اتفَقَ ذلك لعليٍّ، فالآية عامَّة في جميعِ المؤمنين «٣» .

ثم أخبر تعالى: أنَّ مَنْ يتولَّى اللَّه ورسولَهُ والمؤمنين، فإنه غالبٌ كُلَّ مَنْ ناوأه، وجاءَتِ العبارةُ عامَّة في أنَّ حِزْبَ اللَّه هم الغالِبُون، ثم نهى سبحانه المؤمنينَ عنِ اتخاذ الَّذينَ اتخذوا دينَنَا هُزُواً ولعباً، وقد ثبت استهزاء الكُفَّار في قوله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] وثبت استهزاء أهْل الكتاب في لفظ هذه الآية، وثبت استهزاءُ المُنَافِقِينَ في قولهم لشياطينهم: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [البقرة: ١٤] .

ثم أمر سبحانه بتَقْواه، ونبَّه النفوسَ بقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

وقوله سبحانه: وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ...

الآية: إنحاءٌ على اليَهُودِ، وتبيينٌ لسوء فعلهم.

وقوله: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ: معنى المحاورةِ: هَلْ تَنْقِمُونَ منا إلا مجموعَ هذه الحالِ مِنْ أنا مؤمنون، وأنتم فاسقون كما تقول لمن تخاصمه: هل تَنْقِمُ مني إلاَّ أَنْ صَدَقْتُ أَنَا، وَكَذَبْتَ أَنْتَ، وقال بعضُ المتأوِّلين: وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ: معطوفٌ علَى ما كأَنَّه قال: إِلاَّ أَنْ آمنَّا باللَّهِ وبكُتُبِهِ، وبأنَّ أكثركم فاسقُونَ، وهذا مستقيم المعنى، وقال:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وأصْحابَهُ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ  وقالُوا: إنَّ قَوْمًا قَدْ أظْهَرُوا لَنا العَداوَةَ، ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نُجالِسَ أصْحابَكَ لِبُعْدِ المَنازِلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالُوا: رَضِينا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ، وأذَّنَ بِلالٌ بِالصَّلاةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ  فَإذا مِسْكِينٌ يَسْألُ النّاسَ، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ  : "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا"؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: "ماذا"؟

قالَ: خاتَمَ فِضَّةٍ.

قالَ: "مَن أعْطاكَهُ"؟

قالَ: ذاكَ القائِمُ، فَإذا هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، أعْطانِيهِ وهو راكِعٌ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ  هَذِهِ الآيَةَ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ.

والثّانِي: أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ لَمّا تَبَرَّأ مِن حُلَفائِهِ اليَهُودِ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن مَضى مِنَ المُسْلِمِينَ ومَن بَقِيَ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ، وهو تَصَدُّقُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخاتَمِهِ في رُكُوعِهِ.

والثّانِي: أنَّ مِن شَأْنِهِمْ إيتاءَ الزَّكاةِ وفِعْلَ الرُّكُوعِ.

وَفِي المُرادِ بِالرُّكُوعِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نَفْسُ الرُّكُوعِ عَلى ما رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهم في الرُّكُوعِ.

والثّانِي: أنَّهُ صَلاةُ التَّطَوُّعِ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وإنَّما أفْرَدَ الرُّكُوعَ بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والخُشُوعُ، وأنْشَدُوا: لا تُذِلَّ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرَ كَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا "حِزْبُ اللَّهِ" فَقالَ الحَسَنُ: هم جُنْدُ اللَّهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أنْصارُ اللَّهِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الأنْصارُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهَ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم والكُفّارَ أولِياءَ واتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللهُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَصارى أولِياءَ  ﴾ ؛ و"إنَّما"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ حاصِرَةٌ؛ يُعْطِي ذَلِكَ المَعْنى؛ و"وَلِيٌّ"؛ اِسْمُ جِنْسٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّما مَوْلاكُمُ اللهُ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ؛ أيْ: ومَن آمَنَ مِنَ الناسِ حَقِيقَةً لا نِفاقًا؛ وهُمُ الَّذِينَ ﴿ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ﴾ ؛ اَلْمَفْرُوضَةَ بِجَمِيعِ شُرُوطِها؛ ﴿ وَيُؤْتُونَ الزَكاةَ ﴾ ؛ وهي هُنا لَفَظٌ عامٌّ لِلزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ ولِلتَّطَوُّعِ بِالصَدَقَةِ؛ ولِكُلِّ أفْعالِ البِرِّ؛ إذْ هي تَنْمِيَةٌ لِلْحَسَناتِ؛ مَطْهَرَةٌ لِلْمَرْءِ مِن دَنَسِ الذُنُوبِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُؤْتُونَ مِن ذَلِكَ؛ كُلٌّ بِقَدْرِ اسْتِطاعَتِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "آمَنُوا والَّذِينَ يُقِيمُونَ"؛ بِواوٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ ؛ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ؛ ومَعْناها وصْفُهم بِتَكْثِيرِ الصَلاةِ؛ وخَصَّ الرُكُوعُ بِالذِكْرِ لِكَوْنِهِ مِن أعْظَمِ أرْكانِ الصَلاةِ؛ وهو هَيْئَةُ تَواضُعٍ؛ فَعَبَّرَ بِهِ عن جَمِيعِ الصَلاةِ؛ كَما قالَ: ﴿ والرُكَّعِ السُجُودِ  ﴾ ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ المُصَلِّينَ؛ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ؛ ولَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أعْطى صَدَقَةً وهو راكِعٌ؛ قالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ ولَكِنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - مَرَّ بِهِ سائِلٌ وهو راكِعٌ في المَسْجِدِ؛ فَأعْطاهُ خاتَمَهُ؛ ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خَرَجَ مِن بَيْتِهِ وقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَوَجَدَ مِسْكِينًا؛ فَقالَ لَهُ: "هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟"؛ فَقالَ: نَعَمْ؛ أعْطانِي ذَلِكَ الرَجُلُ الَّذِي يُصَلِّي خاتَمًا مِن فِضَّةٍ؛ وأعْطانِيهِ وهو راكِعٌ؛ فَنَظَرَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإذا الرَجُلُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "اَللَّهُ أكْبَرُ"؛ وتَلا الآيَةَ عَلى الناسِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ ؛ تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ؛ وفي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ؛ والصَحِيحُ ما قَدَّمْناهُ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ؛ وقَدْ قِيلَ لِأبِي جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيٍّ؛ فَقالَ: "عَلِيٌّ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ والواوُ - عَلى هَذا القَوْلِ - في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ واوُ الحالِ.

وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ مِن أوَّلِها بِسَبَبِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ ؛ وتُبَرِّئُهُ مِن بَنِي قَيْنُقاعٍ؛ وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ أسْلَمُوا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَجاؤُوا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ بُيُوتُنا بَعِيدَةٌ؛ ولا مُتَحَدَّثَ لَنا إلّا مَسْجِدُكَ؛ وقَدْ أقْسَمَ قَوْمُنا ألّا يُخالِطُونا؛ ولا يُوالُونا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً لَهم.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهُ غالِبٌ كُلَّ مَن ناوَأهُ؛ وجاءَتِ العِبارَةُ عامَّةً؛ ﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ؛ اِخْتِصارًا لِأنَّ المُتَوَلِّيَ هو مِن حِزْبِ اللهِ ؛ وحِزْبُ اللهِ غالِبٌ؛ فَهَذا الَّذِي تَوَلّى اللهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ غالِبٌ؛ و"وَمَن"؛ يُرادُ بِها الجِنْسُ؛ لا مُفْرَدٌ بِعَيْنِهِ؛ والحِزْبُ: اَلصّاغِيَةُ؛ والمُنْتَمُونَ إلى صاحِبِ الحِزْبِ؛ والمُعاوِنُونَ فِيما يَحْزُبُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - في حَمْنَةَ - وكانَتْ تُحارِبُ في أمْرِ الإفْكِ -: « "فَهَلَكَتْ فِيمَن هَلَكَ".» ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ اليَهُودِ والنَصارى أولِياءَ؛ فَوَسَمَهم بِوَسْمٍ يَحْمِلُ النُفُوسَ عَلى تَجَنُّبِهِمْ؛ وذَلِكَ اتِّخاذُهم دِينَ المُؤْمِنِينَ هُزُوًا ولَعِبًا؛ والهَزْءُ: اَلسُّخْرِيَةُ؛ والِازْدِراءُ؛ ويُقْرَأُ: "هُزُؤًا"؛ بِضَمِّ الزايِ والهَمْزِ؛ و"هُزْءًا"؛ بِسُكُونِ الزايِ؛ والهَمْزِ؛ ويُوقَفُ عَلَيْهِ "هُزًّا"؛ بِتَشْدِيدِ الزايِ المَفْتُوحَةِ؛ و"هُزُوًا"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ وتَنْوِينِ الواوِ؛ و"هُزًا"؛ بِزايٍ مَفْتُوحَةٍ؛ مُنَوَّنَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى جِنْسَ هَؤُلاءِ أنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ؛ اَلْيَهُودِ والنَصارى.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إعْرابِ: "والكُفّارَ"؛ فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "والكُفّارَ"؛ نَصْبًا؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "والكُفّارِ"؛ خَفْضًا؛ ورَوى حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ عن أبِي عَمْرٍو النَصْبَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّةُ مَن قَرَأ بِالخَفْضِ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أقْرَبِ العامِلِينَ؛ وهي لُغَةُ التَنْزِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ الكُفّارُ؛ عَلى قِراءَةِ الخَفْضِ؛ فِيمَنِ اتَّخَذَ دِينَ المُؤْمِنِينَ هُزُؤًا؛ وقَدْ ثَبَتَ اسْتِهْزاءُ الكُفّارِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ  ﴾ ؛ وثَبَتَ اسْتِهْزاءُ أهْلِ الكِتابِ في لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وثَبَتَ اسْتِهْزاءُ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِمْ لِشَياطِينِهِمْ: ﴿ إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ ؛ ومَن قَرَأ "والكُفّارَ"؛ بِالنَصْبِ؛ حَمَلَ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هُوَ: "لا تَتَّخِذُوا"؛ ويَخْرُجُ الكُفّارُ مِن أنَّ يَتَضَمَّنَ لَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ اسْتِهْزاءَهُمْ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَمِنَ الكُفّارِ"؛ بِزِيادَةِ "مِن"؛ فَهَذِهِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الخَفْضِ؛ وكَذَلِكَ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مِن قَبْلِكم مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا".

وفَرَّقَتِ الآيَةُ بَيْنَ الكُفّارِ؛ وبَيْنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ؛ مِن حَيْثُ الغالِبُ في اسْمِ الكُفّارِ أنْ يَقَعَ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللهِ إشْراكَ عِبادَةِ أوثانٍ؛ لِأنَّهم أبْعَدُ شَأْوًا في الكُفْرِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ  ﴾ ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ؛ إرادَةَ البَيانِ؛ والجَمِيعُ كُفّارٌ؛ وكانَ هَذا لِأنَّ عُبّادَ الأوثانِ هم كُفّارٌ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وهَذِهِ الفِرَقُ تَلْحَقُ بِهِمْ في حُكْمِ الكُفْرِ؛ وتُخالِفُهم في رُتَبٍ؛ فَأهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ؛ وبِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ والمُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ ونَبَّهَ النُفُوسَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ حَقُّ مُؤْمِنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ إلى آخرها متّصلة بجملة ﴿ يأيّها الّذين آمنوا لا تَتّخذوا اليهود والنّصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ﴾ [المائدة: 51] وما تفرّع عليها من قوله ﴿ فترى الّذين في قلوبهم مرض إلى قوله فأصبحوا خاسرين ﴾ [المائدة: 52، 53].

وقعت جملة ﴿ يأيّها الّذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه ﴾ [المائدة: 54] بين الآيات معترضة، ثُمّ اتّصل الكلام بجملة ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ .

فموقع هذه الجملة موقع التّعليل للنّهي، لأنّ ولايتهم لله ورسوله مقرّرة عندهم فمن كان اللّهُ وليّه لا تكون أعداءُ الله أولياءه.

وتفيد هذه الجملة تأكيداً للنّهي عن ولاية اليهود والنّصارى.

وفيه تنويه بالمؤمنين بأنّهم أولياء الله ورسوله بطريقة تأكيد النّفي أو النّهي بالأمر بضدّه، لأنّ قوله: ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ يتضمّن أمراً بتقرير هذه الولاية ودوامها، فهو خبر مستعمل في معنى الأمر، والقصر المستفاد من (إنّما) قصر صفة على موصوف قصراً حقيقياً.

ومعنى كون الّذين آمنوا أولياء للّذين آمنوا أنّ المؤمنين بعضُهم أولياء بعض، كقوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ [التوبة: 71].

وإجراء صفتي ﴿ يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة ﴾ على الذين آمنوا للثناء عليهم، وكذلك جملة ﴿ وهم راكعون ﴾ .

وقوله: ﴿ وهم راكعون ﴾ معطوف على الصفة.

وظاهر معنى هذه الجملة أنّها عين معنى قوله: ﴿ يقيمون الصّلاة ﴾ ، إذ المراد ب ﴿ راكعون ﴾ مصلّون لا آتُون بالجزء من الصلاة المسمّى بالركوع.

فوجه هذا العطف: إمّا بأنّ المراد بالركوع ركوع النّوافل، أي الّذين يقيمون الصّلوات الخمس المفروضة ويتقرّبون بالنوافل؛ وإمّا المرادُ به ما تدلّ عليه الجملة الإسميّة من الدوام والثّبات، أي الّذين يديمون إقامة الصّلاة.

وعقّبه بأنّهم يؤتون الزّكاة مبادرة بالتنويه بالزّكاة، كما هو دأب القرآن.

وهو الّذي استنبطه أبو بكر رضي الله عنه إذ قال: «لأقاتلنّ مَن فرّق بين الصّلاة والزّكاة».

ثم أثنى الله عليهم بأنّهم لا يتخلّفون عن أداء الصّلاة؛ فالواو عاطفة صفة على صفة، ويجوز أن تجعل الجملة حالاً.

ويراد بالركوع الخشوع.

ومن المفسّرين من جعل ﴿ وهم راكعون ﴾ حالاً من ضمير ﴿ يُؤتون الزّكاة ﴾ .

وليس فيه معنى، إذ تؤتى الزّكاة في حالة الركوع، وركّبوا هذا المعنى على خبر تعدّدت رواياته وكلّها ضعيفة.

قال ابن كثير: وليس يصحّ شيء منها بالكلّية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها.

وقال ابن عطيّة: وفي هذا القول، أي الرواية، نظر، قال: روى الحاكم وابن مردويه: جاء ابن سَلاَم (أي عبد الله) ونفَر من قومه الّذين آمنوا (أي من اليهود) فشكوا للرّسول صلى الله عليه وسلم بُعد منازلهم ومنابذة اليهود لهم فنزلت ﴿ إنّما وليّكم الله ورسوله ﴾ ثمّ إنّ الرسول خرج إلى المسجد فبصرُ بسائل، فقال له: هل أعطاك أحد شيئاً، فقال: نعم خاتم فضّة أعطانيه ذلك القائم يصلّي، وأشار إلى عليّ، فكبّر النّبيء صلى الله عليه وسلم ونزلت هذه الآية، فتلاها رسول الله.

وقيل: نزلت في أبي بكر الصديق.

وقيل: نزلت في المهاجرين والأنصار.

وقوله: ﴿ فإنّ حزب الله هم الغالبون ﴾ دليل على جواب الشرط بذكر علّة الجواب كأنّه قيل: فهم الغالبون لأنّهم حزب الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا مَعَهُ أهْلَ الرِّدَّةِ، قالَهُ: عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضِّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهم قَوْمُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ مِن أهْلِ اليَمَنِ لِأنَّهُ كانَ لَهم في نُصْرَةِ الإسْلامِ أثَرٌ حَسَنٌ، وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ  حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلَيْهِ أوْمَأ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ بِشَيْءٍ كانَ في يَدِهِ وقالَ: (هم قَوْمُ هَذا ).» قالَهُ مُجاهِدٌ وشُرَيْحٌ.

﴿ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ رِقَّةٍ عَلَيْهِمْ.

﴿ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ ﴾ يَعْنِي أهْلَ غِلْظَةٍ عَلَيْهِمْ، يُحْكى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وَهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ غُلُظٍ عَلى الكافِرِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن أسْلَمَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ حِينَ شَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ  ما أظْهَرَهُ اليَهُودُ مِن عَداوَتِهِمْ لَهم، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ حِينَ تَبَرَّأ مِن حِلْفِ اليَهُودِ وقالَ: أتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلِيٌّ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَهم راكِعُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ في رُكُوعِهِمْ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ وهم في رُكُوعِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ بِالرُّكُوعِ التَّنَفُّلَ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ الفَرْضَ مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ يَرْكَعُ إذا انْتَفَلَ بِالصَّلاةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ﴾ قال: أخبرهم من الغالب فقال: لا تخافوا الدولة ولا الدائرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ .

معناه: من يتول القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين.

قال ابن عباس: "يريد المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من بعدهم" (١) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ  ﴾ ، جملة واقعة موقع خبر المبتدأ، والعائد إلى الابتداء معناها، لأن المعنى: فهو غالب، وفيها جواب للشرط ولذلك دخلت الفاء (٢) (٣) (٤) وقال ابن الأعرابي: الحزب: الجماعة (٥) ﴿ حِزْبَ اللَّهِ ﴾ جند الله (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) وقال الكلبي في قوله: ﴿ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ "فقتلوا اليهود وأجلوهم من ديارهم، وبقي عبد الله بن سلام وأصحابه الذين تولوا الله ورسوله والذين آمنوا" (١١) (١) انظر: "الوسيط" 2/ 202، "تفسير البغوي" 3/ 73، "زاد المسير" 2/ 383.

(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 506.

(٣) "تهذيب اللغة" 1/ 800 (حزب) ونسبه لليث، انظر: "الصحاح" 1/ 109 (حزب).

(٤) من "تهذيب اللغة" نقلًا عن الفراء 1/ 801 (حزب).

(٥) "تهذيب اللغة" عنه 1/ 801 (حزب).

(٦) انظر: "الوسيط" 2/ 202، "زاد المسير" 2/ 384.

(٧) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 73، "زاد المسير" 2/ 384.

(٨) انظر: "الوسيط" 2/ 202.

(٩) لم أقف عليه.

(١٠) ليس في "معاني القرآن"، انظر: "بحر العلوم" 1/ 445.

(١١) انظر: "الوسيط" 2/ 202.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ﴾ ذكر الولي بلفظ المفرد إفراداً لله تعالى بهما، ثم عطف على اسمه تعالى الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قال إنما أولياؤكم لم يكن في الكلام أصل وتبع ﴿ وَهُمْ راكعون ﴾ قيل: نزلت في عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فإنه سأله سائل وهو راكع في الصلاة، فأعطاه خاتمه، وقيل: هي عامة، وذكر الركوع بعد الصلاة لأنه من أشرف أعمالها، فالواو على القول الأوّل واو الحال، وعلى الثاني للعطف ﴿ فَإِنَّ حِزْبَ الله ﴾ هذا من إقامة الظاهر مقام المضمر: معناه فإنهم هم الغالبون ﴿ والكفار ﴾ بالنصب عطف على الذين اتخذوا، وقرئ بالخفض عطف على الذين أوتوا الكتاب، ويعضده قراءة ابن مسعود: ومن الكفار، ويراد بهم المشركون من العرب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تبغون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر والخراز عن هبيرة.

الباقون بالياء.

﴿ ويقول ﴾ بالواو وبالرفع: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب بالنصب.

عياش: مخير.

الباقون ﴿ يقول ﴾ بدون واو العطف.

﴿ من يرتد ﴾ بالإظهار: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون بالإدغام.

﴿ والكفار ﴾ بالجر: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعلي.

الباقون بالنصب عطفاً على محل ﴿ الذين اتخذوا ﴾ وقرأ أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدوية وابن رستم الطبري عن نصير طريق ابن مهران بالإمالة.

الوقوف: ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ ومنهاجاً ﴾ ط ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ تختلفون ﴾ ه لا لعطف ﴿ وأن احكم ﴾ على ما قبله.

ومن وقف فلأنه رأس آية.

﴿ أنزل الله إليك ﴾ ط ﴿ ذنوبهم ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ يبغون ﴾ ط ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ه ليلزم النهي عن اتخاذ الأولياء مطلقاً ﴿ أولياء بعض ﴾ ط ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ دائرة ﴾ ط لتمام المقول.

﴿ نادمين ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويقول ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يأتي ﴾ .

﴿ جهد أيمانهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ إنهم ﴾ جواب القسم ﴿ لمعكم ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ ويحبونه ﴾ لا لأن ما بعده صفة قوم ﴿ الكافرين ﴾ ه لشبه الآية.

﴿ لائم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ راكعون ﴾ ه ﴿ الغالبون ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للعطف ولطول الكلام.

﴿ مؤمنين ﴾ ﴿ ولعباً ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

/التفسير: منّ الله  على نبينا  بإنزال القرآن إليه مصدقاً لما بين يديه من الكتاب أي جنسه وهو كل كتاب سوى القرآن نازل من السماء.

وفي المهيمن قولان: قال الخليل وأبو عبيدة: هيمن على الشيء يهيمن إذا كان رقيباً على الشيء وشاهداً ومصدقاً.

وقال الجوهري: أصله أأمن بهمزتين قلبت الثانية ياء لكراهة اجتماع الهمزتين، ثم الأولى هاء كما في هرقت وهياك.

والمعنى إنه أمين على الكتب التي قبله لأنه لا ينسخ ألبتة ولا يحرف لقوله: ﴿ وإنا له لحافظون  ﴾ ومن هنا قرىء: ﴿ ومهيمناً عليه ﴾ فتح الميم أي هو من عليه بأن حوفظ من التغيير والتبديل، والذي هيمن عليه عز وجل كما قلنا، أو الحفاظ في كل بلد والقراء المشهود لهم بالإجادة ﴿ فاحكم بينهم ﴾ بين اليهود بالقرآن ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ منحرفاً ﴿ عما جاءك من الحق ﴾ أو ضمن لا تتبع معنى لا تحزن.

قيل: لولا جواز المعصية على الأنبياء لم يجز هذا النهي.

والجواب أن ذلك مقدور له ولكن لا يفعله لمكان النهي.

أو الخطاب له والمراد غيره ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ أيها الناس أو الأمم أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد  لتقدم ذكر الثلاث ﴿ شرعة ومنهاجاً ﴾ قال ابن السكيت: الشرع مصدر شرعت الإهاب إذا شققته وملحته.

وقيل: إنه من الشروع في الشيء الدخول فيه، والشرعة مصدر للهيئة بمعنى الشريعة "فعيلة" بمعنى "مفعولة" وهي الأمور التي أوجب الله  على المكلفين أن يشرعوا فيها والمنهاج الطريق الواضح وهما عبارتان عن معبر واحد هو الدين والتكرير للتأكيد.

ويحتمل أن يقال: الشريعة عامة والمنهاج مكارم الشريعة، فالأولى أقدم وهذه تتلوها وهي الطريقة.

وقال المبرد: الشريعة ابتداء الطريق والطريقة المنهاج المستمر ﴿ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ﴾ جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي دين واحد لا خلاف فيه.

وفيه دليل على أن الكل بمشيئة الله تعالى.

والمعتزلة حملوه على مشيئته الإلجاء ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أي جعلكم مختلفين متخالفين ليعاملكم معاملة المختبر هل تعملون بالنواميس الإلهية وتذعنون للعقائد الحقة أم تقصرون في العمل وتتبعون الشبه ولذلك قال ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ سارعوا إليها وتسابقوا نحوها.

ويعني بالخيرات ههنا ما هو الحق من الاعتقادات والمحقق من التكاليف.

ثم علّل الاستئناف بقوله: ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم ﴾ فيخبركم بما لا تشكون معه من الجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعام والمقصر.

والمراد أن الأمر سيؤل إلى ما يحصل معه اليقين من مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿ وأن احكم ﴾ قيل معطوف على ﴿ الكتاب ﴾ أي وأنزلنا إليك أن احكم على أن "أن" المصدرية وصلت بالأمر لأنه فعل كسائر الأفعال، أو على قوله: ﴿ بالحق ﴾ أي أنزلناه بالحق وبأن احكم.

وأقول: يحتمل أن تكون "أن" مفسرة وفعل الأمر محذوف أي وأمرناك أن احكم.

وتكرار الأمر بالحكم إما للتأكيد/ وإما لأنهما حكمان لأنهم احتكموا إليه في زنا المحصنين ثم احتكموا في قتل كان بينهم.

وزعم بعض الأئمة أن هذه الآية ناسخة للتخيير في قوله: ﴿ فاحكم بينهم أو أعرض ﴾ وعن ابن عباس أن جماعة من اليهود منهم كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشماس بن قيس من أحبار اليهود قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد  لعلنا نفتنه عن دينه.

فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قوم خصومة ونحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله  وأنزل فيهم: ﴿ واحذرهم أن يفتنوك ﴾ محله نصب على أنه مفعول له أي مخافة أن يفتنوك، أو على أنه بدل اشتمال من مفعول احذر.

والمراد بالفتنة رده إلى أهوائهم فكل من صرف من الحق إلى الباطل فقد فتن.

قال بعض أهل العلم: في الآية دليل على أن الخطأ والنسيان جائزان على النبي  ، لأن التعمد في مثل هذا غير جائز فلم يبق إلاّ الخطأ والنسيان فلو لم يكونا جائزين أيضاً لم يكن للحذر فائدة، ﴿ فإن تولوا ﴾ عن الحكم المنزل أي فإن لم يقبلوا حكمك ﴿ فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم ﴾ أما الإصابة فالمراد بها قتلهم وإجلاؤهم، وأما ذكر بعض الذنوب فلأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدميرهم، أو أراد بالبعض ذنب التولي عن حكم الله.

وفيه أن لهم ذنوباً جمة وأن هذا الذنب عظيم جداً كقول لبيد: تراك أمكنة إذا لم أرضها *** أو يرتبط بعض النفوس حمامها أراد نفسه وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام فكأنه قال نفساً كبيرة لأن التنكير في معنى البعضية أيضاً.

﴿ لفاسقون ﴾ لمتمردون في الكفر.

وفيه أن التولي عن حكم الله فسق مؤكد جداً.

ثم استفهم منكراً لرأيهم فقال: ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ وفيه تعيير لليهود بأنهم أهل كتاب وعلم ومع ذلك يطلبون حكم الملّة الجاهلية التي هي محض الجهل وصريح الهوى.

وقال مقاتل: إن قريظة والنضير طلبوا إليه أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى.

فقال رسول الله  : القتلى بواء أي سواء.

فقال بنو النضير: نحن لا نرضى بذلك فنزلت.

وعن الحسن هو عام في كل من يبتغي غير حكم الله.

وسئل طاوس عن الرجل يفضل بعض ولده على بعض فتلا هذه الآية.

واللام في قوله: ﴿ لقوم يوقنون ﴾ للبيان كاللام في: ﴿ هيت لك  ﴾ أي هذا لخطاب وهذا الاستفهام لهم لأنهم الذين يعرفون أنه لا أحد أعدل من الله حكماً ولا أحسن منه بياناً.

قال عطية العوفي: "جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم حاضراً نصرهم/ وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولاية اليهود، أو إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود.

فقال رسول الله  : يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه.

قال: قد قبلت فأنزل الله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ " تعاشرونهم معاشرة المؤمنين.

ثم علل النهي بقوله: ﴿ بعضهم أولياء بعض ﴾ لأن الجنسية علة الضم.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ من جملتهم وحكمه حكمهم ولذلك قال ابن عباس: يريد أنه كافر مثلهم وفيه من التغليظ والتشديد ما فيه.

﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة فوضعوا الولاء في غير موضعه.

عن أبي موسى الأشعري قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: ما لك قاتلك الله ألا اتخذت حنيفاً؟

أما سمعت هذه الآية؟

قلت: له دينه ولي كتابته.

فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله.

قلت: لا قوام بالبصرة إلاّ به.

قال: مات النصراني والسلام يعني هب أنه قد مات فما كنت تكون صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن.

﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض ﴾ يعني أمثال عبدالله بن أبي ﴿ يسارعون فيهم ﴾ في موالاة اليهود والنصارى يهود بني قينقاع ونصارى نجران لأنهم كانوا أهل ثروة وكانوا يعينونهم على مهامهم ويقرضونهم ﴿ يقولون ﴾ يعتذرون عن الموالاة بقولهم: ﴿ نخشى أن تصيبنا دائرة ﴾ قال الواحدي: هي الدولة ومثلها صروف الزمان ونوائبه.

وقال الزجاج: نخشى أن لا يتم الأمر لمحمد فيدور الأمر كما كان قبل ذلك.

ثم سلى رسوله والمؤمنين بقوله: ﴿ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ﴾ فعسى من الله الكريم إطماع واجب.

والفتح إما فتح مكة أو مطلق دولة الإسلام وغلبة ذويه.

وقوله: ﴿ أو أمر من عنده ﴾ المراد به فعل لا يكون للناس فيه مدخل ألبتة كقذف الرعب في قلوب بني النضير وغيرهم من الكفار.

وقيل: هو أن يؤمر النبي  بإظهار المنافقين وقتلهم.

﴿ فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم ﴾ من النفاق والشك في أن أمر الرسول  يتم ﴿ نادمين ويقول الذين آمنوا ﴾ قال الواحدي: حذف الواو ههنا كإثباتها فلهذا جاء في مصاحف أهل الحجاز والشام بغير واو، وفي مصاحف أهل العراق بالواو، وذلك أن في الجملة المعطوفة ذكراً من المعطوف عليها، فإنقوله: ﴿ أهؤلاء ﴾ إشارة إلى الذين يسارعون، فلما حصل في كل من الجملتين ذكر من الأخرى حسن الوجهان.

ووجه العطف مع النصب ظاهر ووجه ذلك مع الرفع على أنه كلام مبتدأ أي ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت.

ووجه الفصل هو أن يكون جواب سائل يسأل فماذا يقول المؤمنون حينئذٍ وإنما يقولون هذا القول فيما بينهم تعجباً من حالهم وفرحاً بما/ منّ الله عليهم من التوفيق في الإخلاص، أو يقولونه لليهود الذين كانوا يحلفون لهم بالمعاضدة والنصرة كما حكى الله عنهم: ﴿ وإن قوتلتم لننصرنكم  ﴾ وقوله: ﴿ جهد أيمانهم ﴾ أي بإغلاظ الأيمان نصب على الحال أي يجتهدون جهد أيمانهم أو على المصدر من غير لفظه.

﴿ حبطت أعمالهم ﴾ من قول الله  أو من جملة قول المؤمنين أي بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها رياء.

وفيه معنى التعجب أي ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم حيث بقي عليهم التعب في الدنيا والعذاب في العقبى ﴿ من يرتدّ منكم عن دينه ﴾ أي من يتولّ الكفار منكم فيرتد فليعلم أن الله  يأتي بقوم آخرين ينصرون هذا الدين على أبلغ الوجوه.

وقال الحسن: علم الله  أن قوماً يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فأخبرهم أنه  سيأتي ﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ فتكون الآية إخباراً عن الغيب وقد وقع فيكون معجزاً.

روي في الكشاف أن أهل الردّة كانوا إحدى عشرة فرقة، ثلاث في عهد رسول الله  بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار الأسود العنسي وكان كاهناً تنبأ باليمن واستولى على بلاده وأخرج عمال رسول الله  فكتب رسول الله  إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي، بيته فقتله وأخبر رسول الله  بقتله ليلة قتل فسر المسلمون وقبض رسول الله  من الغد وأتى خبره في آخر شهر ربيع الأول.

وبنو حنيفة قوم مسليمة تنبأ وكتب إلى رسول الله  : من مسليمة رسول الله إلى محمد رسول الله  وأما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك.

فأجاب  : من محمد رسول الله  إلى مسيلمة الكذاب.

أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

فحاربه أبو بكر بجنود المسلمين وقتل على يدي وحشي قاتل حمزة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام.

أراد في جاهليتي وإسلامي.

وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله  خالداً فانهزم بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر: فزارة قوم عيينة بن حصن وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض بني تميم قوم سجاج بنت المنذر المتنبئة التي زوّجت نفسها مسيلمة الكذاب، وكندة قوم الأشعث بن قيس، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وحاربهم أبو بكر وكفى الله أمرهم على يديه.

وفرقة واحدة في عهد عمر غسان قوم جبلة بن الأيهم كان يطوف بالبيت ذات يوم بعد أن كان أسلم على يد عمر فرأى رجلاً جارّاً رداءه فلطمه فتظلم الرجل إلى عمر فقضى بالقصاص عليه.

فقال: أنا أشتريها بألف فأبى الرجل فلم يزل يزيد في الفداء إلى أن بلغ عشرة آلاف فأبى الرجل إلاّ القصاص فاستنظره فأنظره عمر فهرب إلى/ الروم وتنصر.

وتفسير المحبة قد مر في سورة البقرة في قوله: ﴿ يحبونهم كحب الله  ﴾ وإنما قدم محبته على محبتهم لأن محبتهم إياه نتيجة محبته الأزلية إياهم فتلك أصل وهذه فرع.

والراجع من الجزاء إلى الاسم المتضمن للشرط محذوف معناه فسوف يأتي الله بقوم مكانهم أو بقوم غيرهم ﴿ أذلة ﴾ جمع ذليل لأن ذلولاً من الذل نقيض الصعوبة لا يجمع على أذلة وإنما يجمع على ذلل.

وليس المراد أنهم مهانون عند المؤمنين بل المراد المبالغة في وصفهم بالرفق ولين الجانب، فإن من كان ذليلاً عند إنسان فإنه لا يظهر الكبر والترفع ألبتة.

ولتضمين الذل معنى الحنو العطف عدّي بعلى دون اللام كأنه قيل: عاطفين عليهم.

أو المراد أنهم مع شرفهم واستعلاء حالهم واستيلائهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ليضموا إلى منصبهم فضيلة التواضع ﴿ أعزة على الكافرين ﴾ يظهرون الغلظة والترفع عليهم من عزه يعزه إذا غلبه ونحو هذه الآية قوله: ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ أما الواو في قوله: ﴿ ولا يخافون ﴾ فإما أن تكون للحال أي يجاهدون وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين حيث يخافون لومة أوليائهم اليهود، وإما أن تكون للعطف كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** أي هم الجامعون بين المجاهدة لله وبين الصلابة في الدين إذا شرعوا في أمر من أمور الدين، لا يرعبهم اعتراض معترض.

وفي وحدة اللوم وتنكير اللائم مبالغتان كأنه قيل: لا يخافون شيئاً قط من لوم أحد من اللوام ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من نعوت الكمال من المحبة والذلة وغيرها ﴿ فضل الله ﴾ إحسانه وتوفيقه.

قالت الأشاعرة: إنه صريح في أن الأعمال مخلوقة لله  .

والمعتزلة حملوه على فعل الألطاف.

وضعف بأن اللطف عام في حق الكل فلا بد للتخصيص من فائدة ﴿ والله واسع عليم ﴾ تام القدرة كامل العلم يعلم أهل الفضل فيؤتيهم الفضل.

واعلم أن للمفسرين خلافاً في أن القوم المذكورين في الآية من هم.

قال الحسن وقتادة والضحاك وابن جريج: هم أبو بكر وأصحابه لأنهم الذين قاتلوا أهل الردة.

وقال السدي: نزلت في الأنصار.

وقال مجاهد: هم أهل اليمن لأنها لما نزلت أشار النبي  إلى أبي موسى الأشعري, وقال: هم قوم هذا.

وقال آخرون: هم الفرس لما روي "أنه  سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان وقال: هذا وذووه ثم قال: لو كان الدين معلقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس" .

وقالت الشيعة: نزلت في علي  وكرّم الله وجهه لما روي أنه  دفع الراية إلى علي يوم خيبر وكان قد قال: لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولأن ما بعد هذه الآية نازلة فيه باتفاق أكثر المفسرين قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه الآية من أدل الدلائل على فساد مذهب الإمامية لأن الذين اتفقوا على إمامة أبي بكر، لو كانوا أنكروا نصاً جلياً على إمامة علي  لكان كلهم مرتدين ثم لجاء الله بقوم تحاربهم وتردهم إلى الحق.

ولما لم يكن الأمر كذلك بل الأمر بالضد فإن فرقة الشيعة مقهورون أبداً حصل الجزم بعدم النص.

ولناصر مذهب الشيعة أن يقول: ما يدريك أنه  لا يجيء بقوم تحاربهم، ولعل المراد بخروج المهدي هو ذلك فإن محاربة من دان بدين الأوائل هي محاربة الأوائل وهذا إنما ذكرته بطريق المنع لا لأجل العصبية والميل فإن اعتقاد ارتداد الصحابة الكرام أمر فظيع والله أعلم.

ثم إنه  لما نهى في الآي المتقدمة عن موالاة الكفار أمر بعد ذلك بموالاة من يحق موالاته فقال: ﴿ إنما وليكم ﴾ ولم يقل أولياؤكم ليعلم أن ولاية الله أصل والباقي تبع ﴿ الله ورسوله والذين آمنوا ﴾ وفيه قولان: الأول أن المراد عامة المؤمنين لأنّ الآية نزلت على وفق ما مر من قصة عبادة من الصامت.

وروي أيضاً أن عبد الله بن سلام قال: يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل فنزلت هذه الآية.

فقالوا: رضينا بالله  وبرسوله وبالمؤمنين أولياء.

ثم قال: ﴿ الذين يقيمون الصلاة ﴾ ومحله رفع على البدل أو على هم الذين يقيمون، أو نصب بمعنى أخص أو أعني وفي الكل مدح والغرض تميز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان نفاقاً ومعنى ﴿ وهم راكعون ﴾ قال أبو مسلم: أي منقادون خاضعون لأوامر الله  ونواهيه.

وقيل: المراد ومن شأنهم إقامة الصلاة وخص الركوع بالذكر لشرفه.

وقيل: إنّ الصحابة كانوا عند نزول الآية مختلفين في هذه الصفات منهم من قد أتم الصلاة ومنهم من دفع المال إلى الفقير ومنهم من كان بعد الصلاة راكعاً فنزلت الآية على وفق أحوالهم.

القول الثاني أن المراد شخص معين وجيء به على لفظ الجمع ليرغب الناس في مثل فعله.

ثم إن ذلك الشخص من هو؟

روى عكرمة أنه أبو بكر وروى عطاء عن ابن عباس أنه علي  .

روي أن عبد الله بن سلام قال: "لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله أنا رأيت علياً تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع فنحن نتولاه" .

وروي عن أبي ذر أنه قال: " صليت مع رسول الله  يوماً صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد، فرفع السائل يده إلى السماء.

وقال: اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئاً وعليّ  كان راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم فرآه النبي  فقال: اللهم إن أخي موسى سألك فقال: ﴿ رب اشرح لي صدري ﴾ إلى قوله: ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ فأنزلت قرآناً ناطقاً ﴿ سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً  ﴾ اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي علياً اشدد به أزري.

قال أبو ذر: فوالله ما أتم رسول الله  هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ ﴿ إنما وليكم الله ﴾ الآية" .

فاستدلت الشيعة بها على أن الإمام بعد رسول الله  هو علي بن أبي طالب  لأن الولي هو الوالي المتصرف في أمور الأمة، وأنه علي  برواية أبي ذر وغيره.

وأجيب بالمنع من أن الولي ههنا هو المتصرف بل المراد به الناصر والمحب لأن الولاية المنهي عنها فيما قبل هذه الآية، وفيما بعدها هي بهذا المعنى فكذا الولاية المأمور بها.

وأيضاً إن علياً لم يكن نافذ التصرف حال نزول الآية وإنها تقتضي ظاهراً أن تكون الولاية حاصلة في الحال.

وأيضاً إطلاق لفظ الجمع على الواحد لأجل التعظيم مجاز والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالمراد بالذين آمنوا عامة المؤمنين وأن بعضهم يجب أن يكون ناصراً لبعض كقوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض  ﴾ وأيضاً الآية المتقدمة نزلت في أبي بكر كما مر من أنه هو الذي حارب المرتدين فالمناسب أن تكون هذه أيضاً فيه.

ثم إن علي بن أبي طالب  كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الإمامية فلو كانت الآية دالة على إمامة عليّ لاحتج بها كما احتج بما ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير وخبر المباهلة وجميع مناقبه وفضائله.

وهب أنها دالة على إمامته لكنه ما كان نافذ التصرف في حياة رسول الله  فلم يبق إلا أنه سيصير إماماً ونحن نقول بموجبه ولكنه بعد الشيوخ الثلاثة.

ومن أين قلتم إنها تدل على إمامته بعد رسول الله  من غير فصل؟

وأيضاً إنهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله فلا حاجة بهم إلى ذكر ذلك.

فالمراد بقوله: ﴿ إنما وليكم الله ورسوله ﴾ أن من كان الله ورسوله ناصرين له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة عن غيره، وإذا كان الولي مستعملاً بمعنى النصرة مرة امتنع أن يراد به معنى المتصرف لأنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في كلا مفهوميه معاً فكأنه  قسم المؤمنين قسمين وجعل أحدهما أنصاراً للآخر.

وأيضاً الزكاة اسم للواجب لا للمندوب، ومن المشهور أن علياً  ما كان يجب عليه الزكاة، ولو سلم فاللائق بحاله أن يكون في الصلاة مستغرق القلب بالله فلا يتفرغ لاستماع كلام السائل ولا إلى دفع الخاتم إليه لأنه عمل كثير، اللهم إلا أن يكون الخاتم سهل المأخذ أو كان قد أومأ به إلى السائل فأخذه السائل.

والحق أنه إن صحت الرواية فللآية دلالة قوية على عظم شأن/ علي  ، والمناقشة في أمثال ذلك تطويل بلا طائل إلا أن أصحاب المذاهب لما تكلموا فيها أوردنا حاصل كلامهم على سبيل الاختصار ﴿ ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ﴾ من إقامة المظهر مقام المضمر تشريفاً.

والمراد فإنهم هم الغالبون.

حزب الرجل أصحابه المجتمعون لأمر حزبهم.

وقال الحسن: جند الله.

أبو روق: أولياء الله.

أبو العالية: شيعة الله.

وقيل: أنصار الله.

الأخفش: هم الذين يدينون بدينه ويطيعونه فينصرهم.

صاحب الكشاف: يحتمل أن يراد بحزب الله الرسول والمؤمنون أي ومن يتولهم فقد تولى حزب الله واعتضد بمن لا يغالب.

ثم عمم النهي عن موالاة جميع الكفار فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ﴾ عن ابن عباس: كان رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث قد أظهرا الإسلام ثم نافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما فنزلت، يعني أن اتخاذهم دينكم هزواً ولعباً ينافي اتخاذكم إياهم أولياء بل يجب أن يقابل ذلك بالشنآن والبغضاء.

وإنما عطف الكفار على أهل الكتاب مع أن أهل الكتاب أيضاً كفار والعطف يقتضي المغايرة، لأنه أراد بالكفار المشركين الوثنيين خاصة لما أن كفرهم أغلظ فكانوا أحق باسم الكفر.

ومعنى تلاعبهم بالدين واستهزائهم به إظهارهم ذلك باللسان دون مواطأة الجنان.

﴿ واتقوا الله ﴾ في موالاة الكفار ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ حقاً لأن الإيمان الحقيقي يأبى موالاة أعداء الدين.

قال الكلبي: "كان منادي رسول الله  إذا نادى إلى الصلاة فقام المسلمون إليها قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ركعوا لا ركعوا على طريق الاستهزاء والضحك فنزل ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ﴾ " أي الصلاة والمناداة.

وهذا بعض ما اتخذوه من هذا الدين هزواًَ ولعباً، فلهذا أردفه بالآية المقدمة الكلية.

وقال السدي: "نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً رسول الله.

قال: حرق الكاذب.فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت واحترق هو وأهله" .

وقال آخرون: "إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله  فقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية.

فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك، ولو كان في هذا الأمر خير كان أولى الناس به الأنبياء والرسل قبلك، فمن أين لك صياح كصياح العنز؟

فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر.

فأنزل الله  هذه الآية" ، وأنزل: ﴿ ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ﴾ قال بعض العلماء: فيه دليل على ثبوت الآذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده.

وأقول: لو قيل إن أصل الأذان بالمنام والتقرير بنص الكتاب كان اصوب ذلك الاتخاذ.

﴿ بأنهم قوم لا يعقلون ﴾ ما في الصلاة من المنافع لأنها التوجه إلى الخالق والاشتغال بخدمة المعبود، أو لا يفهمون ما في اللعب والهزء من السفه/ والجهل.

قال بعض الحكماء: أشرف الحركات الصلاة وأنفع السكنات الصيام.

التأويل: ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ أي بالحقيقة لأنه أنزل على قلبه وأنزل سائر الكتب في الألواح والصحف فلهذا كان خلقه القرآن.

وكان مهيمناً على جميع الكتب تصديقاً عيانياً لا بيانياً بحيث يشاهد قلب المنزل عليه بنوره حقائق جميع الكتب وأسرارها بخلاف ما أنزل في الألواح فإن الألواح لا تشهد ولا تشاهد حقائق الكتب ومعانيها ﴿ لكل جعلنا منكم ﴾ معاشر الأنبياء ﴿ شرعة ﴾ يشرع فيها بالبيان ﴿ ومنهاجاً ﴾ يسلك فيه بالعيان ﴿ ولكن ليبلوكم ﴾ أيها الأمم ﴿ فيما آتاكم ﴾ من البيات والتبيان والحجج والبرهان والعزة والسلطان، فابتلاكم بزينة الدنيا واتباع الهوى ونيل المنى والرفعة بين الورى والنجاة في العقبى ليهتدي التائبون بالبيان، ويستفيد العاملون بالبرهان، ويحكم العارفون بالسلطان بل يقصد الزاهدون برفض الدنيا ويقدم العابدون بنهي الهوى، ويسلك المشتاقون بنفي المنى، ويجذب العارفون بترك الورى، ويسلب الواصلون بالسلو عن الدنيا والعقبى ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ من هذه المقامات ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ اختياراً بقدم الصدق أو اضطراراً بحلول الأجل ﴿ فإن تولوا ﴾ عن قبول الحق ﴿ فاعلم ﴾ بمطالعة القضاء ﴿ أنما يريد الله ﴾ في حكم القدر ﴿ أن يصيبهم ﴾ مصيبة الإعراض ﴿ ببعض ذنوبهم ﴾ وهو الاعتراض، فإن الحق  يلزم بشرط التكاليف ويقدمهم ويؤخرهم بعين التصريف.

فالتكليف فيما أوجب والتصريف فيما أوجدوا العبرة بالإيجاد لا بالإيجاب ﴿ لفاسقون ﴾ لخارجون عن جذبات العناية ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ﴾ أيطلبون منك أن تحيد عن المحجة المثلى بعد ما طلعت شموس الدنيا وسطعت براهين اليقين وانهتكت أستار الريب واستنار القلب بأنوار الغيب ﴿ يسارعون فيهم ﴾ لأن شبيه الشيء منجذب إليه ﴿ أن يأتي بالفتح ﴾ فتح عيون القلوب ﴿ أو أمر من عنده ﴾ وهو الجذبة التي توازي عمل الثقلين ﴿ ويقول الذين آمنوا ﴾ بأنوار الغيوب في أستار القلوب ﴿ فأصبحوا خاسرين ﴾ بإبطال الاستعداد الفطري.

﴿ بقوم يحبهم ويحبونه ﴾ هم أرباب السلوك أفناهم عنهم بسطوات يحبهم ثم أبقاهم به عند هبوب نفحات يحبونه، فإن محبة الله للعبد إفناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية، ومحبة العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة الناسوتية.

والشيخ نجم الدين الرازي المعروف بداية  قد عكس القضية، فلعله فهم غير ما فهمنا.

ثم قال إنه  يحب العبد بصفته ذاته أزلاً وهي الإرادة القديمة المخصوصة بالغاية، والعبد يحب الله بذات تلك الصفة أبداً ﴿ أذلة على المؤمنين ﴾ لارتفاع الأنانية ﴿ أعزه على الكافرين ﴾ ببقاء اللاهوتية وإثبات الوحدانية ﴿ يجاهدون في سبيل الله ﴾ في طلب الحق في البداية ببذل الوجود ﴿ ولا يخافون لومة لائم ﴾ عند غلبات الوجد في/ الوسط لدوام الشهود ذلك يعني صدق الطلب في البداية وغلبات الوجد في الوسط والاختصاص بالمحبة في النهاية ﴿ والله واسع ﴾ كرمه قادر على أن يتفضل على كل أحد لكنه ﴿ عليم ﴾ بحال كل أحد فلا يتفضل إلا على من يستأهله.

﴿ يقيمون الصلاة ﴾ يديمونها مراقبين حقوقها في الباطن بمراعاة السر ﴿ ويؤتون الزكاة ﴾ ما زكى من وجودهم وهو الفناء في الله ﴿ وهم راكعون ﴾ راجعون إلى الله بانحطاط.

فمن قيام البشرية إلى قيام القيومية هم الغالبون على أهوائهم وأنفسهم والدنيا والشيطان ﴿ الذين اتخذوا دينكم ﴾ يعني أهل الغفلة والسلو المستهزئين بأهل المحبة والقرب ﴿ من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي العلوم الظاهرة والكفار يعني الفلاسفة ومقلديهم لأنهم بمعزل عن العلوم اللدنية والكشفية ﴿ وإذا ناديتم إلى الصلاة ﴾ دعوتموهم إلى محل القرب والنجوى ولا يعقلون بالوهم والخيال لذاذة شهود ذلك الجمال.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ...

﴾ الآية.

قوله -  -: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ : إن قوله: ﴿ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ ﴾ - وإن كان حرف توحيد وتفريد - فإن المراد منه الجماعة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ ؟!

دل هذا على أن المراد منه الجماعة والعصابة، ولأن الواحد - والاثنين - إذا ارتد عن الإسلام يؤخذ ويحبس ويقتل إن أبى الإسلام، والجماعة إذا ارتدوا عن الإسلام احتيج إلى نصب الحرب والقتال؛ على ما نصب أبو بكر الحرب مع أهل الردة.

وفي الآية دلالة إمامة أبي بكر الصديق -  - لأن العرب لما ارتدت [عن الإسلام] بعد رسول الله  حاربهم؛ فكان هو ومن قام بحربهم ممن أحب الله وأحبه الله.

وعن الحسن -  -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ قال: هو - والله - أبو بكر وأصحابه،  م أجمعين.

وقوله -  -: ﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ ٱللَّهُ أَجْراً حَسَناً  ﴾ : يدل على إمامة أبي بكر -  - لأنه كان الداعي إلى حرب أهل الردة.

فإن قيل: يجوز أن يكون النبي  هو الذي دعاهم - قيل له: قال الله -  -: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً  ﴾ فمحال أن يدعوهم فيطيعوا، وقد قال الله -  -: إنهم لن يخرجوا معه أبداً.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون عمر -  - هو الذي دعاهم - قيل له: فإن كان، فإمامة عمر -  - ثابتة بدليل الآية، وإذا صحت إمامته صحت إمامة أبي بكر -  - لأنه المختار له والمستخلف.

فإن قيل: قد يجوز أن يكون علي -  - هو الذي دعاهم إلى محاربة من حارب - قيل له: قال الله -  -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ ، وهذه صفة من يُحَارَبُ من مشركي العرب الذين لا تقبل منهم الجزية، وعلي -  - إنما حارب أهل البغي وهم مسلمون، ولم يحارب أحد بعد النبي أهل الردة غير أبي بكر -  - فكانت الآية دليلا على صحة إمامته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ .

﴿ فَسَوْفَ ﴾ كقوله: ﴿ عَسَى ﴾ ، والعسى من الله واجب.

أخبر - عز وجل - أنه يأتي بقوم يحبهم؛ لبذلهم أنفسهم في مجاهدة [أعداء الله]، وتركهم في الله لومة لائم؛ فذلك لحبهم لله؛ لأنه لا أحد يبذل نفسه للهلاك، وترك لومة لائم - إلا لمن يحب الله، وأحبهم الله: لما أثنى عليهم بقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ﴾ ، وحبهم لله: لما بذلوا أنفسهم في مجاهدة أعدائه، وتركهم لومة لائم.

وفيه دلالة إثبات إمامة أبي بكر -  - لأنه - عز وجل - اثنى عليهم بخروجهم في سبيل الله ومجاهدة أعدائه؛ فلو كان غاصباً ذلك على عليٍّ -  - أو كان غير محق لذلك - لم يكن الله ليثني عليه بذلك؛ لأنه كان آخذاً ما ليس له أخذه ومضيعاً حقا لغيره، ومن كان هذا سبيله لم يكن يستوجب كل هذا الثناء في الله  ؛ فهذا ينقض على الروافض قولهم وما روي: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ" وغيره من الأخبار، وذلك في الوقت الذي طلب علي -  - الخلافة وحارب عليها؛ لأنه لا يحتمل أن يعلم أن له الخلافة في زمن أبي بكر -  - ويرى الحق لنفسه، ثم يترك طلبها؛ لأنه كان مضيعاً حق الله عليه؛ فدل سكوته وترك طلبه على أن الحق ليس له، ولكن كان لأبي بكر -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

أي: للمؤمنين، أي: ذوو رحمة ورأفة للمؤمنين.

﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي: شاقة شديدة على الكافرين، وهو ما وصفهم، عز وجل: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ الآية، بذلك وصفهم عز وجل.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك الجهاد في سبيل الله، أي: في طاعة الله ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقيل: ذلك الإسلام ﴿ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ .

﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا هذا في غير موضع.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ الآية.

قال بعض أهل التأويل: قوله -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هو صلة قوله: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ [وكذلك قوله -  -]: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ  ﴾ هو صلة ما تقدم [ذكره]: نهى المؤمنين أن يتخذوا الذين أوتوا الكتاب، والذين لم يؤتوا الكتاب أولياء في غير آي من القرآن، وأخبر أن الله ورسوله هو ولي الذين آمنوا، والمؤمنون - أيضاً - بعضهم أولياء بعض [كما في] قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ ، فإذا كان الله - عز وجل - ورسوله والذين آمنوا أولياء لمن آمن - لم ينبغ أن يتخذوا الكفار أولياء.

وذكر في بعض القصة أن عبد الله بن سلام قال للنبي  : إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل إسلامنا، وحلفوا ألا يكلمونا، ولا يخالطونا في شيء، ومنازلنا فيهم، وإنا لا نجد متحدثاً دون هذا المسجد؛ فنزلت الآية - فقالوا: قد رضينا بالله وبرسوله والمؤمنين أولياء.

ثم اختلف في نزوله: قال بعضهم: نزلت في شأن علي -  - تصدق بخاتمه وهو في الركوع.

ويقولون: "خرج النبي  فإذا هو بمسكين، فدعاه النبي  قال: هَلْ أَعْطَاكَ أَحَدٌ شَيْئاً، قال: نعم [يا رسول الله]، قال النبي  : ماذا؟

قال: خاتم فضة؟

قال: مَنْ أَعْطَاكَ؟

قال: ذلك الرجل القائم - يعني: عليا - قال النبي  : على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطانيه وهو راكع؛ فكبر النبي  ودعا له وأثنى عليه" .

فاحتج الروافض بهذه الآية على تفضيل علي بن أبي طالب -  - على أبي بكر وإثبات الخلافة له دون غيره.

ويقولون: نزلت في شأنه -  - لما روي عن أبي جعفر -  - قال: "تصدق علي بن أبي طالب -  - بخاتمه وهو راكع؛ فنزل: ﴿ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ .

فيقال لهم: هب أن الآية نزلت في شأنه، وليس فيها دلالة إثبات الخلافة له في زمن أبي بكر -  - لأنا قد ذكرنا في الآية الأولى ما يدل على إثبات الإمامة له في الوقت الذي كان هو إماماً، ونحن لا نجعل لعلي - كرم الله وجهه - الخلافة له في الوقت الذي لم ير لنفسه فيه الخلافة؛ لأنه روي عنه أنه قال: "إن أبا بكر هو خير الناس بعد رسول الله،  " أو كلام نحو هذا.

وفي الخبر عن النبي  أنه قال: "لَوْ وَلَّيْتُمْ أَبَا بَكْرٍ لَوَجَدْتُمُوهُ قَوِيّاً فِي دِينِهِ، ضَعِيفاً فِي بَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عُمَرَ لَوَجَدْتُمُوهُ قَويّاً فِي دِينِهِ وَبَدَنِهِ، وَإِنْ وَلَّيْتُمْ عَلِيّاً لَوَجَدْتُمُوهُ هَادِياً مَهْدِيّاً مُرْشِداً" فنقول: نحن على ما كان من علي وسائر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - من تسليم الأمور، إلى أبي بكر، وتفويضهم إليه من غير منازعة ظهرت من علي - كرم الله وجهه - في ذلك؛ فلو كان الحق له في ذلك الوقت، لظهرت منه المنازعة على ما ظهرت في الوقت الذي كان له.

فقالوا: لأن عليّاً -  - لم يكن له أنصار، وفي الوقت الذي ظهرت المنازعة منه والطلب كان له أنصار.

قيل: لا يحتمل أن يكون الحق له فيها ثم لا يطلب؛ لما لم يكن له أنصار؛ ألا ترى أن أبا بكر -  - مع ضعفه في بدنه، خرج وحده لحرب أهل الردة، حتى لما رأوه خرج وحده حيئنذ تبعوه؟!

فأبو بكر لم يترك طلب الحق لعدم الأنصار، مع ضعفه في بدنه، فعلي -  - مع شدته وقوته وفضل علمه بأمر الحرب؛ حتى لم يبارز أحداً من الأعداء إلا غلبه وأهلكه؛ فكيف توهمتم في ترك طلب الحق لفقد الأنصار له والأعوان في ذلك؟!

هذا لعمري لا يتوهم في أضعف أصحاب رسول الله  فضلا أن يتوهم في علي -  - فدل ترك طلب ذلك منه على أنه ترك؛ لما رأى الحق له، والله أعلم.

واحتجوا بما روي عن [رسول] الله  أنه قال لعلي: "أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي" ، وهارون كان خليفة موسى؛ فَلِمَ أنكرتم - أيضاً - أن عليّاً -  - كان خليفة رسول الله  ؟!

قيل: لهذا جوابان: أحدهما: أن قوله: "أَنْتَ مِنْي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى" يحتمل أن يكون في الأخوة التي كان آخاه رسول الله  وليس في إثبات الأخوة إثبات الخلافة له.

والثاني: أنه كانت له الخلافة في الوقت الذي كان هو، وليس في الخبر جعل الخلافة له في الأوقات كلها وهكذا جواب ما روي عنه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَليٌّ مَوْلاَهُ" والله أعلم.

ثم إن كان الحديث الذي روي عن أبي جعفر -  - صحيحاً؛ ففي الآية معنيان: أحدهما: فضيلة علي - كرم الله وجهه - وقد كان كثير الفضائل، مُسْتَكْمِلاً خصال الخير.

والآخر: أن العمل اليسير في الصلاة لا يفسدها، وقد روي في بعض الأخبار عن النبي  أنه خلع نعله في الصلاة، وأنه مس لحيته، وأنه أشار بيده، وغير ذلك من العمل اليسير فعله في صلاته؛ فيقاس كل عمل يسير على ما دل عليه الخبر على جواز الصلاة.

وفيه وجه آخر: وهو أن الصدقة التطوع تسمى زكاة؛ لأن صدقة علي -  - بالخاتم لم تكن صدقة مفروضة، بل كانت تطوعاً؛ فسماها الله زكاة وإن كانت تطوعاً؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ ٱللَّهِ  ﴾ ، فسماها [الله] زكاة، وإن كانت تطوعاً؛ كما تسمى صلاة الفرض والتطوع: صلاة، وصوم التطوع والفرض: صياماً؛ فعلى ذلك هذا.

وظاهر الآية في جملة المؤمنين، [و] ليس علي -  - أولى بها من غيره، فإن كان فيه نزل، فهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ ﴾ .

ظاهر هذا لو صرف إلى أبي بكر الصديق -  - كان أقرب؛ لأنه كان هو الغالب على أهل الردة من أول ما وقع بينهم إلى آخره، وعلي -  - إنما صار الأمر له في آخره حين حارب الخوارج، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً...

﴾ إلى آخره.

يحتمل النهي عن اتخاذ أولئك أولياء وجوهاً: يحتمل: النهي قبل أن يتخذوا؛ لئلا يتخذوا.

ويحتمل: النهي بعدما اتخذوا أولياء: لا في الدين، ولكن في بعض المكاسب.

ويحتمل: أن يكون النهي للمنافقين ألا يكونوا مع أولئك على المؤمنين، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

والحزب: هو العون والنصر في اللغة؛ قال الكسائي: تقول العرب: فلان حزبي، أي ناصري وعوني.

وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ﴾ .

يخبر نبيه  غاية سفههم بصنيعهم إذا نودي [إلى الصلاة]؛ لأنه ذكر في القصة: أنهم إذا سمعوا المنادي يقول: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله"، قالوا: حرق الكاذب، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين من هذه الأديان أقل حظّاً في الدنيا والآخرة منهم، يعنون: محمداً  وأصحابه -  م - فدخل خادمهم ليلة من الليالي بنار وهو نائم، فسقطت شرارة؛ فحرقت البيت واحترق هو وأهله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .

نفي عنهم العقل؛ لما لم ينتفعوا بما عقلوا؛ وإلا كانوا يعقلون؛ وعلى ذلك يخرج قوله ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، لما لم ينتفعوا بما سمعوا به وعقلوا، وكذلك قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...

﴾ الآية [البقرة: 18]: إنا نعلم أنهم كانوا يبصرون ويسمعون؛ لكن نفي عنهم لما لم ينتفعوا بالبصر والسمع واللسان؛ كمن ليس له ذلك في الأصل، والله أعلم.

ويحتمل وجها آخر: وهو أن شدة بغضهم وحسدهم [لنبينا محمد]  تمنعهم عن فهم ما خوطبوا به، وتحول بينهم وبين معرفة ذلك - فكانوا كمن ليس لهم ذلك رأساً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن يَتَوَلَّ الله ورسوله والمؤمنين بالنصرة فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون؛ لأن الله ناصرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.7kDJ9"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر