الآية ٦٦ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٦٦ من سورة المائدة

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 110 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ) قال ابن عباس وغيره : يعني القرآن .

( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) أي : لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء ، على ما هي عليه ، من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل ، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ; فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لا محالة .

وقوله : ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( لأكلوا من فوقهم ) يعني : لأرسل [ السماء ] عليهم مدرارا ( ومن تحت أرجلهم ) يعني : يخرج من الأرض بركاتها .

وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والسدي كما قال [ تعالى ] ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض [ ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ] ) [ الأعراف : 96 ] ، وقال : ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس [ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ] ) [ الروم : 41 ] .

وقال بعضهم : معناه ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) يعني : من غير كد ولا تعب ولا شقاء ولا عناء .

وقال ابن جرير : قال بعضهم : معناه : لكانوا في الخير ، كما يقول القائل : " هو في الخير من قرنه إلى قدمه " .

ثم رد هذا القول لمخالفة أقوال السلف وقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) حديث علقمة ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يوشك أن يرفع العلم " .

فقال زياد بن لبيد : يا رسول الله ، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟!

قال ثكلتك أمك يا ابن لبيد !

إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله " ثم قرأ ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) هكذا أورده ابن أبي حاتم حديثا معلقا من أول إسناده ، مرسلا في آخره .

وقد رواه الإمام أحمد بن حنبل متصلا موصولا فقال : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد عن زياد بن لبيد قال : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال : " وذاك عند ذهاب العلم " .

قال : قلنا : يا رسول الله ، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟

قال : " ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء " وكذا رواه ابن ماجه ، عن أبى بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع بإسناده نحوه وهذا إسناد صحيح .

وقوله : ( منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) كقوله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) [ الأعراف : 159 ] ، وكقوله عن أتباع عيسى : ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم [ وكثير منهم فاسقون ] ) [ الحديد : 27 ] .

فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد ، وهو أوسط مقامات هذه الأمة ، وفوق ذلك رتبة السابقين كما في قوله تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها ) الآية [ فاطر : 32 ، 33 ] .

والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة .

وقد قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا أحمد بن يونس الضبي ، حدثنا عاصم بن علي ، حدثنا أبو معشر ، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة ، عن زيد بن أسلم ، عن أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة ، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة ، وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة ، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار ، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعا .

واحدة في الجنة ، وثنتان وسبعون في النار " .

قالوا : من هم يا رسول الله؟

قال : " الجماعات الجماعات " .

قال يعقوب بن يزيد كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلا فيه قرآنا : ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ) إلى قوله تعالى : ( منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) وتلا أيضا : ( وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) [ الأعراف : 181 ] يعني : أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه وبهذا السياق .

وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة ، وقد ذكرناه في موضع آخر .

ولله الحمد والمنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ولو أنهم أقامُوا التوراة والإنجيلَ"، ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل (3) =" وما أنـزل إليهم من ربهم "، يقول: وعملوا بما أنـزل إليهم من ربهم من الفرقانِ الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * فإن قال قائل: وكيف يقيمون التوراة والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، مع اختلاف هذه الكتب، ونسخِ بعضها بعضًا؟

قيل: إنها وإن كانت كذلك في بعض أحكامها وشرائعها، فهي متَّفِقة في الأمر بالإيمان برُسُل الله، والتصديق بما جاءت به من عند الله.

فمعنى إقامتهم التوراةَ والإنجيل وما أنـزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم: تصديقُهُم بما فيها، والعملُ بما هي متفقة فيه، وكل واحد منها في الحين الذي فرض العمل به.

(4) * * * وأما معنى قوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، فإنه يعني: لأنـزل الله عليهم من السماء قَطْرَها، فأنبتت لهم به الأرض حبها ونباتها، فأخرج ثمارَها.

* * * وأما قوله: " ومن تحت أرجلهم "، فإنه يعني تعالى ذكره: لأكلوا من برَكة ما تحت أقدامِهم من الأرض، وذلك ما تخرجه الأرض من حَبِّها ونباتها وثمارِها، وسائرِ ما يؤكل مما تخرجه الأرض.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12257 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربّهم لأكلوا من فوقهم "، يعني: لأرسل السماءَ عليهم مدرارًا=" ومن تحت أرجلهم "، تخرج الأرض برَكتها.

12258 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: إذًا لأعطتهم السماء برَكتها والأَرْضُ نَباتها.

12259 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: لو عملوا بما أنـزل إليهم مما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، لأنـزلنا عليهم المطرَ، فلأنبت الثَّمر.

(5) 12260 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم "، أمّا " إقامتهم التوراة "، فالعمل بها= وأما " ما أنـزل إليهم من ربهم "، فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنـزل عليه.

يقول: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، أما " من فوقهم "، فأرسلت عليهم مطرًا، وأما " من تحت أرجلهم "، يقول: لأنبتُّ لهم من الأرض من رزقي ما يُغْنيهم.

12261 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، قال: بركات السماء والأرض= قال ابن جريج: " لأكلوا من فوقهم "، المطر=" ومن تحت أرجلهم "، من نبات الأرض.

12262 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينـزل من السماء=" ومن تحت أرجلهم "، يقول: من الأرض.

* * * وكان بعضهم يقول (6) إنما أريد بقوله: " لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم "، التَّوْسِعَة، كما يقول القائل: " هو في خير من قَرْنه إلى قدمه ".

(7) وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيدًا على فساده.

* * * القول في تأويل قوله : مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " منهم أمة "، منهم جماعة (8) =" مقتصدة "، يقول: مقتصدة في القول في عيسى ابن مريم، قائلةٌ فيه الحقَّ أنه رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، لا غاليةٌ قائلةٌ: إنه ابن الله، تعالى الله عما قالوا من ذلك، ولا مقصرة قائلةٌ: هو لغير رِشْدَة=" وكثير منهم "، يعني: من بني إسرائيل من أهل الكتابِ اليهودِ والنصارى =" ساء ما يعملون "، يقول: كثير منهم سيئ عملهم، (9) وذلك أنهم يكفرون بالله، فتكذب النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وتزعُم أن المسيحَ ابن الله= وتكذِّب اليهود بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما.

فقال الله تعالى فيهم ذامًّا لهم: " ساء ما يعملون "، في ذلك من فعلهم.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 12264 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " منهم أمة مقتصدة "، وهم مسلمة أهل الكتاب=" وكثير منهم ساءَ ما يعملون ".

(10) 12265 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثنا عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهدًا يقول: تفرَّقت بنو إسرائيل فِرَقًا، فقالت &; 10-466 &; فرقة: " عيسى هو ابن الله "، وقالت فرقة: " هو الله "، وقالت فرقة: " هو عبد الله وروحه "، وهي المقتصدة، وهي مسلمةُ أهل الكتاب.

12266 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال الله: " منهم أمة مقتصدة "، يقول: على كتابه وأمره.

ثم ذمّ أكثر القوم فقال: " وكثير منهم ساء ما يعملون ".

12267 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " منهم أمة مقتصدة "، يقول: مؤمنة.

12268 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون " قال: المقتصدة، أهلُ طاعة الله.

قال: وهؤلاء أهل الكتاب.

12269 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله: " منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون "، قال: فهذه الأمة المقتصدة، الذين لا هم جَفَوا في الدين ولا هم غلوا.

(11) قال: و " الغلو "، الرغبة [عنه]، و " الفسق "، التقصير عنه.

(12) ---------------- الهوامش: (3) انظر تفسير"الإقامة" فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) مثل"إقامة الصلاة".

(4) في المطبوعة: "وكل واحد منهما في الخبر الذي فرض العمل به" ، وهي جملة لا معنى لها ، صوابها من المخطوطة.

(5) في المطبوعة: "فأنبتت الثمر" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب محض.

(6) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1: 315.

(7) في المطبوعة: "من فرقه إلى قدمه" ، وأثبت ما في المخطوطة ، ومعاني القرآن للفراء و"القرن": حد الرأس وجانبها ، ورأس كل عال قرنه.

(8) انظر تفسير"أمة" فيما سلف 7: 106 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(9) انظر تفسير"ساء" فيما سلف 9: 205 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(10) سقط من الترقيم ، رقم: 12263 سهوًا.

(11) في المطبوعة: "الذين لا هم فسقوا في الدين" ، وهي كذلك في الدر المنثور 2: 297 ، والذي في المخطوطة هو ما أثبته ، وهو الصواب إن شاء الله ، وفي الحديث: "وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي" ، وفيه أيضا: "اقرأوا القرآن ولا تجفوا عنه" ، أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته.

(12) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، استظهرتها من الأثر السالف رقم: 10853 ، من تفسير الربيع بن أنس أيضا لآية سورة النساء: 171.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإقامة التوراة والإنجيل العمل بمقتضاهما وعدم تحريفهما ; وقد تقدم هذا المعنى في ( البقرة ) مستوفى .

وما أنزل إليهم من ربهم أي القرآن ، وقيل : كتب أنبيائهم .

لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم قال ابن عباس وغيره : يعني المطر والنبات ; وهذا يدل على أنهم كانوا في جدب .

وقيل : المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم وأكلوا أكلا متواصلا ; وذكر فوق وتحت للمبالغة فيما يفتح عليهم من الدنيا ; ونظير هذه الآية ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ، وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض فجعل تعالى التقى من أسباب الرزق كما في هذه الآيات ، ووعد بالمزيد لمن شكر فقال : لئن شكرتم لأزيدنكم ، ثم أخبر تعالى أن منهم مقتصدا .

المؤمنون منهم كالنجاشي وسلمان وعبد الله بن سلام اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما ، وقيل : أراد بالاقتصاد قوما لم يؤمنوا ، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين ، والله أعلم ، والاقتصاد الاعتدال في العمل ; وهو من القصد ، والقصد إتيان الشيء ; تقول : قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى .

ساء ما يعملون أي : بئس شيء عملوه ; كذبوا الرسل ، وحرفوا الكتب وأكلوا السحت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ ْ} أي: قاموا بأوامرهما ونواهيهما، كما ندبهم الله وحثهم.

ومن إقامتهما الإيمان بما دعيا إليه، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فلو قاموا بهذه النعمة العظيمة التي أنزلها ربهم إليهم، أي: لأجلهم وللاعتناء بهم { لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ْ} أي: لأدر الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء، وأنبت لهم الأرض كما قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ْ} { مِنْهُمْ ْ} أي: من أهل الكتاب { أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ْ} أي: عاملة بالتوراة والإنجيل، عملا غير قوي ولا نشيط، { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ْ} أي: والمسيء منهم الكثير.

وأما السابقون منهم فقليل ما هم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ) يعني : أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما ، ( وما أنزل إليهم من ربهم ) يعني : القرآن ، وقيل : كتب أنبياء بني إسرائيل ، ( لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) قيل : من فوقهم هو المطر ، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض .

وقال الفراء أراد به التوسعة في الرزق كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه ، ونظيره قوله تعالى : " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " ( الأعراف ، 96 ) .

( منهم أمة مقتصدة ) يعني : مؤمني أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام وأصحابه ، مقتصدة أي عادلة غير غالية ، ولا مقصرة جافية ، ومعنى الاقتصاد في اللغة : الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير .

( وكثير منهم ) كعب بن الأشرف وأصحابه ( ساء ما يعملون ) بئس شيئا عملهم ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : عملوا القبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل» بالعمل بما فيهما ومنه الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم «وما أنزل إليهم» من الكتب «من ربِّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم» بأن يوسع عليهم الرزق ويفيض من كل جهة «منهم أمَّة» جماعة «مقتصدة» تعمل به وهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه «وكثير منهم ساء» بئس «ما» شيئا «يعملونـ» ـه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أنَّهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أُنْزِل عليك أيها الرسول - وهو القرآن الكريم - لرُزِقوا من كلِّ سبيلٍ، فأنزلنا عليهم المطر، وأنبتنا لهم الثمر، وهذا جزاء الدنيا.

وإنَّ مِن أهل الكتاب فريقًا معتدلا ثابتًا على الحق، وكثير منهم ساء عملُه، وضل عن سواء السبيل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأما سعادات الدنيا فقد ذكرها في قوله بعد ذلك : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة ) .وكرر - سبحانه - اللام في قوله : ( لَكَفَّرْنَا ) ( وَلأَدْخَلْنَاهُمْ ) لتأكيد الوعد .

وفيه تنبيه إلى كثرة ذنوبهم ومعاصيهم وإلى أن الإِسلام يجب ما قبله من ذنوب مهما كثرت .وفي إضافة الجنات إلى النعيم إشارة إلى ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا .وجمع - سبحانه - بين الإِيمان والتقوى ، للإِيذان بأن الإِيمان الذي ينجى صاحبه ، ويرفع درجاته ، هو ما كان نابعا عن يقين وإخلاص وخشية من الله ، لا إيمان المنافقين الذين يدعون الإِيمان وهو منهم برئ .والضمير في قوله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل ) يعود إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين فتح الله لهم باب الإِيمان ليدخلوا فيه كي ينالوا رضاه .والمراد بإقامة التوراة والإِنجيل : العمل بما فيهما من بشارات بصدق النبي صلى الله عليه وسلم وحضهم على الإِيمان به عند ظهوره وتنفيذ ما اشتملا عليه من أحكام أيدتها تعاليم الإِسلام ، وأصل الإِقامة الثبات في المكان .

ثم استعير في إقامة الشيء لتوفية حقه .والمراد بما أنزل إليهم من ربهم القرآن الكريم ، لأنهم مخاطبون به ، وليسوا خارجين عن دائرة التكاليف التي دعا إليها .قال - تعالى - ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ) أي : لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به أيضاً جميع من بلغه هذا الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم .وقيل : المراد بما أنزل إليهم من ربهم .

وكتب أنبيائهم السابقين مثل كتاب شعياء ، وكتاب حزقيل ، وكتاب دانيال .

فإنها مشتملة أيضاً على البشارة بالنبي صلى الله عليه وسلم .والمراد بقوله : ( لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ) المبالغة في شرح ما ينعم الله به عليهم من خيرات وأرزاق تعمهم من كل جهة من الجهات لا أن هناك فوقا وتحتا .أي : لأكلوا أكلا متصلا وفيراً ، ولعمهم الخير والرزق من كل جهة بأن تعطيهم السماء مطرها وبركتها ، وتعطيهم الأرض نباتها وخيرها ، فيعيشوا في رغد من العيش؛ وفي بسطة من الرزق .وفي ذلك دلالة على أن الاستقامة على شرع الله ، تأتي بالرزق الرغيد ، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في آيات كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى - :( وَأَلَّوِ استقاموا عَلَى الطريقة لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً ) وقال - تعالى - حكاية عن هود أنه قال لقومه : ( وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ ) والمعنى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ ) أي اليهود والنصارى ( أَقَامُواْ التوراة والإنجيل ) بأن عملوا بما فيهما من أقوال تدعوهم إلى الإِيمان بالدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وتركوا تحريف الكلم عن مواضعه .ولو أنهم - أيضاً آمنوا بما ( أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ ) من قرآن مجيد فيه هدايتهم وسعادتهم لو أنهم فعلوا ذلك لأتاهم الرزق الواسع من كل ناحية ولعمهم الخير من كل جهة ، ولعاشوا آمنين مطمئنين .والمراد بالأكل الانتفاع مطلقاً ، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم الانتفاعات ويستتبع سائرها .ومفعول " كلوا " محذوف لقصد التعميم .

أو القصد إلى نفس العفل كما في قولهم : فلان يعطي ويمنع .وقوله : ( مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ) مدح للقلة التي تستحق المدح من أهل الكتاب وذم للكثيرين منهم الذين قبح عملهم وفسدت نفوسهم .والأمة : الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد .

أو جنس واحد .

أو مكان واحد .ومقتصدة من الاقتصاد وهو الاعتدال في كل شيء والمراد به هنا : السير على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الحق والخير ، وهو طريق الإِسلام .والمعنى : من أهل الكتاب جماعة مستقيمة على طريق الحق ، وهم قلة آمنت بالنبي - صلى الله عليه وسلم إلى جوار هذه الجماعة القليلة المستقيمة عدد كبير من أهل الكتاب ساء عملهم ، وأعوج سلوكهم ، وكان من حالهم ما يثير العجب والدهشة .والمراد بهذه الأمة المقتصدة من أهل الكتاب من دخل منهم في الإِسلام واتبع ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم .وبذلك نرى هاتين الآيتين قد بشرت أهل الكتاب بالسعادة الدنيوية والأخروية متى آمنوا بالله تعالى - واتبعوا ما جاء به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .وبعد أن حكى الله - تعالى - في الآيات السابقة ما كان عليه أعداء الإِسلام - وخصوصاً اليهود - من محاولات لفتنة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن دسائس حاكوها لعرقلة سير الدعوة الإِسلامية ، ومن استهزاء بتعاليم الإِسلام ومن حقد على المؤمنين لإِيمانهم برسل الله وكتبه ومن سوء أدب مع خالقهم ورازقهم .

بعد أن حكى - سبحانه - كل ذلك ، أتبعه بتوجيه نداء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أمره فيه بأن يمضي في تبليغ رسالته إلى الناس دون أن يلتفت إلى مكر الماكرين ، أو حقثد الحاقدين .

فإنه - سبحانه - قد حماه وعصمه منهم فقال :( ياأيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الآخرة، بيّن في هذه الآية أيضاً أنهم لو آمنوا لفازوا بسعادات الدنيا ووجدوا طيباتها وخيراتها، وفي إقامة التوراة والإنجيل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يعملوا بما فيها من الوفاء بعهود الله فيها، ومن الاقرار باشتمالها في الدلائل الدالة على بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

وثانيها: إقامة التوراة إقامة أحكامها وحدودها كما يقال: أقام الصلاة إذا قام بحقوقها، ولا يقال لمن لم يوف بشرائطها: أنه أقامها.

وثالثها: أقاموها نصب أعينهم لئلا يزلوا في شيء من حدودها، وهذه الوجوه كلها حسنة لكن الأول أحسن.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ ففيه قولان: الأول: أنه القرآن، والثاني: أنه كتب سائر الأنبياء: مثل كتاب شعياء ومثل كتاب حيقوق، وكتاب دانيال، فإن هذه الكتب مملوءة من البشارة بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام.

وأما قوله تعالى: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ فاعلم أن اليهود لما أصروا على تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام أصابهم القحط والشدة، وبلغوا إلى حيث قالوا: ﴿ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ ﴾ فالله تعالى بيّن أنهم لو تركوا ذلك الكفر لانقلب الأمر وحصل الخصب والسعة، وفي قوله: ﴿ لاَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ وجوه: الأول: أن المراد منه المبالغة في شرح السعة والخصب، لا أن هناك فوقا وتحتا، والمعنى لأكلوا أكلاً متصلاً كثيراً، وهو كما تقول: فلان في الخير من فرقه إلى قدمه، تريد تكاثف الخير وكثرته عنده.

الثاني: أن الأكل من فوق نزول القطر، ومن تحت الأرجل حصول النبات، كما قال تعالى في سورة الأعراف ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض  ﴾ الثالث: الأكل من فوق كثرة الأشجار المثمرة، ومن تحت الأرجل الزروع المغلة، والرابع: المراد أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فيجتنون ما تهدل من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم، والخامس: يشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على اليهود من بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.

ثم قال تعالى: ﴿ مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير، وأصله القصد، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيراً، تارة يذهب يميناً وأخرى يساراً، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان: أحدهما: أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب: كعبدالله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، فهم على القصد من دينهم، وعلى المنهج المستقيم منه، ولم يميلوا إلى طرفي الافراط والتفريط.

والثاني: المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ﴾ وفيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، والمراد: منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ﴾ مع ما عددنا من سيآتهم ﴿ ءامَنُواْ ﴾ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به.

وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان ﴿ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ ﴾ تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين الجنة.

وفيه إعلام بعظهم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيآتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى، كما قال الحسن: هذا العمود فأين الإطناب ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل ﴾ أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ من سائر كتب الله، لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها، فكأنها أنزلت إليهم؛ وقيل: هو القرآن.

لوسع الله عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا.

وقوله: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ عبارة عن التوسعة.

وفيه ثلاث أوجه: أن يفيض عليهم بركات السماء وبركات الأرض وأن يكثر الأشجار المثمرة والزروع المغلة أن يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض من تحت أرجلهم ﴿ مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ طائفة حالها أمم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: هي الطائفة المؤمنة عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى، و ﴿ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ﴾ فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، وقيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا ﴾ بِمُحَمَّدٍ  وبِما جاءَ بِهِ.

﴿ واتَّقَوْا ﴾ ما عَدَدْنا مِن مَعاصِيهِمْ ونَحْوَهُ.

﴿ لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ الَّتِي فَعَلُوها ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها.

﴿ وَلأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ وجَعَلْناهم داخِلِينَ فِيها.

وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ مَعاصِيهِمْ وكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وإنْ جَلَّ وأنَّ الكِتابِيَّ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ما لَمْ يُسْلِمْ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ بِإذاعَةِ ما فِيهِما مِن نَعْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والقِيامُ بِأحْكامِها.

﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي سائِرَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّهم مُكَلَّفُونَ بِالإيمانِ بِها كالمُنْزَلِ إلَيْهِمْ، أوِ القُرْآنِ ﴿ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهم بِأنْ يَفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، أوْ يُكْثِرُ ثَمَرَةَ الأشْجارِ وغَلَّةِ الزُّرُوعِ، أوْ يَرْزُقُهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارَ.

فَيَجْتَنُونَها مِن رَأْسِ الشَّجَرِ ويَلْتَقِطُونَ ما تَساقَطَ عَلى الأرْضِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ ما كَفَّ عَنْهم بِشُؤْمِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ لا لِقُصُورِ الفَيْضِ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا وأقامُوا ما أُمِرُوا بِهِ لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ لَهم خَيْرَ الدّارَيْنِ.

﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ عادِلَةٌ غَيْرُ غالِيَةٍ ولا مُقَصِّرَةٍ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ  .

وقِيلَ مُقْتَصِدَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ في عَداوَتِهِ.

﴿ وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ ﴾ أيْ بِئْسَ ما يَعْمَلُونَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ أيْ ما أسْوَأ عَمَلَهم وهو المُعانَدَةُ وتَحْرِيفُ الحَقِّ والإعْراضُ عَنْهُ والإفْراطُ في العَداوَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل} أي أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبِّهِمْ} من سائر كتب الله لأنهم مكلفون الإيمان بجميعها فكأنها أنزلت إليهم وقيل هو القرآن {لأَكَلُواْ مِن فوقهم} يعنى الثمار من فوق رءوسهم {وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} يعني الزروع وهذه عبارة عن التوسعة كقولهم فلان في النعمة من فرقه إلى قدمه ودلت الآية على أن العمل يطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق وهو كقوله تعالى {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مِّنَ السماء والأرض} {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ من حيث لا يحتسب} {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا} الآيات

وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} طائفة حالها أُمَمٌ في عداوة رسول الله عليه السلام وقيل هي الطائفة المؤمنة وهم عبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون من النصارى {وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} فيه معنى التعجب كأنه قيل وكثير منهم ما أسوأ عملهم وقيل هم كعب بن الأشرف وأصحابه وغيرهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ أيْ وفَّوْا حَقَّهُما بِمُراعاةِ ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَواهِدُ نُبُوَّتِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومُبَشِّراتُ بِعْثَتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مُراعاةَ جَمِيعِ ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ مَنسُوخَةً كانَتْ أوْ غَيْرَها؛ فَإنْ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الإقامَةِ في شَيْءٍ ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ مِنَ القُرْآنِ المَجِيدِ، المُصَدِّقِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، كَكِتابِ شَعْيا، وكِتابِ حِزْقِيلَ، وكِتابِ حَبْقُوقَ، وكِتابِ دانْيالَ، فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ بِالبَشائِرِ بِمَبْعَثِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ما يَعُمُّ ذَلِكَ، والقُرْآنَ العَظِيمَ.

وإنْزالُ الكِتابِ إلى أحَدٍ مُجَرَّدُ وُصُولِهِ إلَيْهِ، وإيجابُ العَمَلِ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الوَحْيُ نازِلًا عَلَيْهِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ القُرْآنِ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ إقامَتِهِ عَلَيْهِمْ لِنُزُولِهِ إلَيْهِمْ، ولِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن عَدَمِ نُزُولِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَقْدِيمُ ( إلَيْهِمْ ) لِما مَرَّ آنِفًا، وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الإقامَةِ.

﴿ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ أيْ: لَأعْطَتْهُمُ السَّماءُ مَطَرَها وبَرَكَتَها، والأرْضُ نَباتَها وخَيْرَها، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقِيلَ: المُرادُ: لانْتَفَعُوا بِكَثْرَةِ ثِمارِ الأشْجارِ، وغِلالِ الزُّرُوعِ، وقِيلَ: بِما يَهْدِلُ مِنَ الثِّمارِ مِن رُءُوسِ الأشْجارِ، وما يَتَساقَطُ مِنها عَلى الأرْضِ، وقِيلَ: بِما يَأْتِيهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ ومُلُوكِهِمْ، وما يُعْطِيهِ لَهم سَفَلَتُهم وعَوامُّهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ المُبالَغَةُ في شَرْحِ السَّعَةِ والخَصْبِ لا تَعْيِينُ الجِهَتَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَأكَلُوا مِن كُلِّ جِهَةٍ، وجَعَلَهُ الطَّبَرْسِيُّ نَظِيرَ قَوْلِكَ: فُلانٌ في الخَيْرِ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، أيْ يَأْتِيهِ الخَيْرُ مِن كُلِّ جِهَةٍ يَلْتَمِسُهُ مِنها، والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ مُطْلَقًا، وعُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِهِ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ الِانْتِفاعاتِ، ويَسْتَتْبِعُ سائِرَها، ومَفْعُولُ ( أكَلُوا ) مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، و( مِن ) في المَوْضِعَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ.

وسَنُشِيرُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في بابِ الإشارَةِ إلى سِرِّ ذِكْرِ الأرْجُلِ، وفي الشَّرْطِيَّةِ الأُولى تَرْغِيبٌ بِأمْرٍ أُخْرَوِيٍّ، وفي الثّانِيَةِ تَرْغِيبٌ بِأمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما أصابَ أُولَئِكَ الفَجَرَةَ مِنَ الضَّنْكِ والضِّيقِ إنَّما هو مِن شُؤْمِ جِناياتِهِمْ لا لِقُصُورٍ في فَيْضِ الفَيّاضِ، وتَقْدِيمُ التَّرْغِيبِ بِالأمْرِ الأُخْرَوِيِّ لِأنَّهُ أهَمُّ؛ إذْ بِهِ النَّجاةُ السَّرْمَدِيَّةُ، والنَّعِيمُ المُقِيمُ، وخُولِفَ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ فَقِيلَ أوَّلًا: ( آمَنُوا واتَّقَوْا ) وثانِيًا: ( أقامُوا ) ذا وذا سُلُوكًا لِطَرِيقِ البَلاغَةِ، قِيلَ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ ( ما ) في الشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ إشارَةٌ إلى ما جَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَّضِيرِ مِن قَطْعِ نَخِيلِهِمْ، وإفْسادِ زُرُوعِهِمْ، وإجْلائِهِمْ عَنْ أوْطانِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ في حَقِّهِمْ: لَوْ أنَّهم أقامُوا في دِيارِهِمْ وانْتَفَعُوا بِنَخِيلِهِمْ وزُرُوعِهِمْ!

لَكِنَّهم تَعَدَّوْا عَنِ الإقامَةِ فَحُرِمُوا وتاهُوا في مَهامِهِ الضَّنْكِ إذْ ظَلَمُوا.

وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ بِأنَّ الأُولى مُتَحَقِّقَةُ اللُّزُومِ في أهْلِ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ إذا آمَنَ كِتابِيٌّ واتَّقى كَفَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وأدْخَلَهُ - جَلَّ شَأْنُهُ - في رَحْمَتِهِ، سَواءٌ في ذَلِكَ مُعاصِرُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرُهُ، ولا كَذَلِكَ الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ؛ فَإنَّ الظّاهِرَ اخْتِصاصُ تَحَقُّقِ اللُّزُومِ في المُعاصِرِ، إذْ نَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ الكِتابِ اليَوْمَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الإقامَةِ المَذْكُورَةِ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِمّا وُسِّعَ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ أقامَ، ونَرى الكَثِيرَ أيْضًا مِنهم يُقِيمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ، ويُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ وهو في ضَنْكٍ مِنَ العَيْشِ قَبْلُ، ولا يَتَغَيَّرُ حالُهُ، ورُبَّما كانَ في رَفاهِيَةٍ حَتّى إذا أقامَ وقَفَتْ بِهِ سَفِينَةُ العَيْشِ، فَوَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ.

وجَعْلُها كالشَّرْطِيَّةِ الأُولى، وحَمْلُ التَّوْسِعَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ التَّوْسِعَةِ الصُّورِيَّةِ الظّاهِرَةِ والتَّوْسِعَةِ المَعْنَوِيَّةِ - كَأنْ يَرْزُقُهم سُبْحانَهُ القَناعَةَ والرِّضا بِما في أيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ عِنْدَهم كالكَثِيرِ وإنْ كانَ قَلِيلًا - لا أظُنُّهُ يَأْخُذُ مَحَلًّا مِن فُؤادِكَ، ولا أحْسَبُهُ حاسِمًا لِما يُقالُ، والقَوْلُ بِأنَّها كالأُولى - إلّا أنَّ المُلازَمَةَ بَيْنَ إقامَتِهِمْ بِأسْرِهِمْ ما تَقَدَّمَ، وانْتِفاعُهم كَذَلِكَ، أيْ لَوْ أنَّهم كُلَّهم أقامُوا التَّوْراةَ إلَخْ، لَأكَلُوا كُلُّهم مِن فَوْقِهِمْ إلَخْ، لا لَوْ أقامَ بَعْضُهم - لا أُراهُ إلّا مُنْكَرًا مِنَ القَوْلِ وزُورًا.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ بَعْضًا فَسَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( لَأكَلُوا ) إلَخْ، بِقَوْلِهِ: لَوُسِّعَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، وفَسَّرَ التَّوْسِعَةَ بِأوْجُهٍ ذَكَرَها، ولَمْ يَجْعَلْهُ شامِلًا لِرِزْقِ الدّارَيْنِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى التَّرَقِّي وتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في الأوَّلِ شَرْطًا وجَزاءً لَكانَ وجْهًا، انْتَهى.

وبِهَذا الوَجْهِ أقُولُ، وإلَيْهِ أتَوَجَّهُ، وإنّى أُراهُ كالمُتَعَيَّنِ، إلّا أنَّ الشَّرْطِيَّتَيْنِ عَلَيْهِ لَيْسَتا سَواءً، والإشْكالُ فِيهِ باقٍ مِن وجْهٍ، ولا مُخَلِّصَ عَنْهُ عَلى ما أُرى إلّا بِالذَّهابِ إلى اخْتِلافِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ، ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - إلى تَحْقِيقِ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ، فَتَدَبَّرْ.

﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ أيْ: طائِفَةٌ عادِلَةٌ غَيْرُ غالِيَةٍ ولا مُقَصِّرَةٍ، كَمًّا رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، وتابَعُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كَما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وأُولَئِكَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ مِنَ اليَهُودِ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِحَرْفِ الِامْتِناعِ، الدّالَّتَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ والِاتِّقاءِ والإقامَةِ المَذْكُوراتِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كُلُّهم مَصْرُوفٌ عَلى عَدَمِ الإيمانِ وأخَوَيْهِ؟

فَقِيلَ: ( مِنهم ) إلَخْ، وتَفْسِيرُ الِاقْتِصادِ بِالتَّوَسُّطِ في العَداوَةِ بِعِيدٌ، ﴿ وكَثِيرٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ الأجْلافُ المُتَعَصِّبُونَ؛ كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأشْباهِهِ والرُّومِ.

﴿ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ العِنادِ، والمُكابَرَةِ، وتَحْرِيفِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنْهُ.

وقِيلَ: مِنَ الإفْراطِ في العَداوَةِ، و( كَثِيرٌ ) مُبْتَدَأٌ و( مِنهم ) صِفَتُهُ، و( ساءَ ) كَبِئْسَ لِلذَّمِّ.

وعَنْ بَعْضِ النُّحاةِ أنَّ فِيها مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَقَضْوِ زَيْدٍ، أيْ: ما أقْضاهُ، فالمَعْنى هُنا: ما أسْوَأ عَمَلَهُمْ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هي لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ، والتَّعَجُّبُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَقامِ، وتَمْيِيزُها مَحْذُوفٌ، و( ما ) مَوْصُولَةٌ فاعِلٌ لَها، أيْ: ساءَ عَمَلًا الَّذِي يَعْمَلُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ( ما ) نَكِرَةً في مَوْضِعِ التَّمْيِيزِ، والجُمْلَةُ الإنْشائِيَّةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ( ﴿ إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ ) أيْ صَلاةَ الشُّهُودِ والحُضُورِ الذّاتِيِّ ( ﴿ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ ) أيْ زَكاةَ وجُودِهِمْ ( ﴿ وهم راكِعُونَ ﴾ ) أيْ خاضِعُونَ في البَقاءِ بِاللَّهِ.

والآيَةُ عِنْدَ مُعْظَمِ المُحَدِّثِينَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - والإمامِيَّةُ - كَما عَلِمْتَ - يَسْتَدِلُّونَ بِها عَلى خِلافَتِهِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِلا فَصْلٍ، وقَدْ عَلِمْتَ مِنّا رَدَّهم - والحَمْدُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ - رَدَّ كَلامٍ، وكَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم - يُشِيرُ إلى القَوْلِ بِخِلافَتِهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِلا فَصْلٍ أيْضًا، إلّا أنَّ تِلْكَ الخِلافَةَ عِنْدَهم هي الخِلافَةُ الباطِنَةُ الَّتِي هي خِلافَةُ الإرْشادِ والتَّرْبِيَةِ والإمْدادِ والتَّصَرُّفِ الرُّوحانِيِّ، لا الخِلافَةُ الصُّورِيَّةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ إقامَةِ الحُدُودِ الظّاهِرَةِ، وتَجْهِيزِ الجُيُوشِ، والذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الإسْلامِ، ومُحارَبَةِ أعْدائِهِ بِالسَّيْفِ والسِّنّانِ، فَإنْ تِلْكَ عِنْدَهم عَلى التَّرْتِيبِ الَّذِي وقَعَ كَما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، والفَرْقُ عِنْدَهم بَيْنَ الخِلافَتَيْنِ كالفَرْقِ بَيْنَ القِشْرِ واللُّبِّ، فالخِلافَةُ الباطِنَةُ لُبُّ الخِلافَةِ الظّاهِرَةِ، وبِها يُذَبُّ عَنْ حَقِيقَةِ الإسْلامِ، وبِالظّاهِرَةِ يُذَبُّ عَنْ صُورَتِهِ، وهي مَرْتَبَةُ القُطْبِ في كُلِّ عَصْرٍ، وقَدْ تَجْتَمِعُ مَعَ الخِلافَةِ الظّاهِرَةِ، كَما اجْتَمَعَتْ في عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أيّامَ إمارَتِهِ، وكَما تَجْتَمِعُ في المَهْدِيِّ أيّامَ ظُهُورِهِ، وهي والنُّبُوَّةُ رَضِيعا ثَدْيٍ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما يَرْوُونَهُ عِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ««خُلِقْتُ أنا وعَلِيٌّ مِن نُورٍ واحِدٍ»» وكانَتْ هَذِهِ الخِلافَةُ فِيهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ.

ومِن هَنا كانْتْ سَلاسِلُ أهْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُنْتَهِيَةً إلَيْهِ، إلّا ما هو أعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ؛ فَإنَّهُ يَنْتَهِي إلى الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - كَسِلْسِلَةِ ساداتِنا النَّقْشَبَنْدِيَّةِ - نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِعُلُومِهِمْ - ومَعَ هَذا تَرِدُ عَلَيْهِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - أيْضًا.

وبِتَقْسِيمِ الخِلافَةِ إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ جَمَعَ بَعْضُ العارِفِينَ بَيْنَ الأحادِيثِ المُشْعِرَةِ أوِ المُصَرِّحَةِ بِخِلافَةِ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى التَّرْتِيبِ المَعْلُومِ وبَيْنَ الأحادِيثِ المُشْعِرَةِ أوِ المُصَرِّحَةِ بِخِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِلا فَصْلٍ، فَحَمَلَ الأحادِيثَ الوارِدَةَ في خِلافَةِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ عَلى الخَلافَةِ الظّاهِرَةِ، والأحادِيثَ الوارِدَةَ في خِلافَةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الخِلافَةِ الباطِنَةِ، ولَمْ يُعَطِّلْ شَيْئًا مِنَ الأخْبارِ، وقالَ بِحَقِيقَةِ خِلافَةِ الأرْبَعِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مُشْعِرٌ بِأفْضَلِيَّةِ الأمِيرِ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - عَلى الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ، وبَعْضُهم يُصَرِّحُ بِذَلِكَ، ويَقُولُ بِجَوازِ خِلافَةِ المَفْضُولِ خِلافَةً صُورِيَّةً مَعَ وُجُودِ الفاضِلِ، لَكِنْ قَدْ قَدَّمْنا عَنِ الشَّيْخِ الأكْبَرِ - قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى سِرَّهُ - أنَّهُ قالَ: لَيْسَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - رَجُلٌ، ولَيْسَ مَقْصُودُهُ سِوى بَيانِ المَرْتَبَةِ في الفَضْلِ، فافْهَمْ.

( ﴿ ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ) فَإنَّهُ مِن حِزْبِ اللَّهِ تَعالى، أيْ أهْلِ خاصَّتِهِ القائِمِينَ مَعَهُ عَلى شَرائِطِ الِاسْتِقامَةِ ( ﴿ فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ ﴾ ) عَلى أعْدائِهِمُ الأنْفَسِيَّةِ والأفّاقِيَّةِ، وقَدْ صَحَّ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم عَلى ذَلِكَ»».

( ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ ﴾ ) أيْ حالَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ في السَّيْرِ والسُّلُوكِ ( ﴿ هُزُوًا ولَعِبًا ﴾ ) فَطَعَنُوا فِيهِ ( ﴿ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ ) وهُمُ المُقْتَصِرُونَ عَلى الظّاهِرِ فَقَطْ، كاليَهُودِ، أوْ عَلى الباطِنِ فَقَطْ كالنَّصارى ( ﴿ والكُفّارَ ﴾ ) الَّذِينَ حُجِبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الحَقِّ ( ﴿ أوْلِياءَ ﴾ ) لِلْمُبايَنَةِ في الأحْوالِ ( ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ) بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ ( ﴿ وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ ) أيِ الحُضُورِ في حَضْرَةِ الرَّبِّ ( ﴿ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ) الأسْرارَ، ولَمْ يَفْهَمُوا ما في الصَّلاةِ مِن بُلُوغِ الأوْطارِ، فَقَدْ صَحَّ: ««حُبِّبَ لِي مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ»».

( ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ ﴾ ) وتُنْكِرُونَ ( ﴿ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ ﴾ ) فَجَمَعْنا بَيْنَ الظّاهِرِ والباطِنِ، وطِرْنا بِهَذَيْنِ الجَناحَيْنِ إلى الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ ( ﴿ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ﴾ ) أيْ بَدَّلَنا صِفاتِهِمْ بِصِفاتِ هاتِيكَ الحَيَواناتِ مِنَ الحِيَلِ والحِرْصِ والشَّهْوَةِ وقِلَّةِ الغَيْرَةِ ( ﴿ وعَبَدَ الطّاغُوتَ ﴾ ) وهو كُلُّ ما يَطْغى مِمّا سِوى اللَّهِ تَعالى، أيْ أنَّهُمُ انْقادُوا إلَيْهِ وخَضَعُوا لَهُ، ومِن أُولَئِكَ مَن هو عابِدُ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ ( ﴿ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ﴾ ) لِأنَّهم أبْطَلُوا اسْتِعْدادَهُمُ الفِطْرِيَّ، وضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا ( ﴿ وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ ) أيْ يَقْدَمُونَ بِسُرْعَةٍ عَلى جَمِيعِ الرَّذائِلِ لِاعْتِيادِهِمْ لَها، وتَدَرُّبِهِمْ فِيها، وكَوْنِها مَلَكاتٍ لِنُفُوسِهِمْ، فالإثْمُ رَذِيلَةُ القُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ، والعُدْوانُ رَذِيلَةُ القُوى الغَضَبِيَّةِ، وأكْلُ السُّحْتِ رَذِيلَةُ القُوى الشَّهَوِيَّةِ، ( ﴿ وقالَتِ اليَهُودُ ﴾ ) لِحِرْمانِهِمْ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أهْلُ الظّاهِرِ ( يَدُ اللَّهِ ) تَعالى عَمّا يَقُولُونَ ( ﴿ مَغْلُولَةٌ ﴾ ) فَلا يُفِيضُ غَيْرَ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ العُلُومِ الظّاهِرَةِ ( ﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ ) وحُرِمُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَنْ تَناوُلِ ثِمارِ أشْجارِ الأسْرارِ ( ﴿ ولُعِنُوا ﴾ ) أيْ أُبْعِدُوا عَنِ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ ( ﴿ بِما قالُوا ﴾ ) مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ ( ﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ ﴾ ) بِهِما ( ﴿ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ ) فَيُفِيضُ حَسَبَ الحِكْمَةِ مِن أنْواعِ العُلُومِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ عَلى مَن وجَدَهُ أهْلًا لِذَلِكَ، وإلى الظّاهِرِ والباطِنِ أشارَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فِيما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ: ««يَدُ اللَّهِ تَعالى مَلْأى لا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ»».

( ﴿ ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا ﴾ ) الإيمانَ الحَقِيقِيَّ ( ﴿ واتَّقَوْا ﴾ ) شِرْكَ أفْعالِهِمْ وصِفاتِهِمْ وذَواتِهِمْ، ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِالعُلُومِ الظّاهِرَةِ، واتَّقَوُا الإنْكارَ والِاعْتِراضَ عَلى مَن رَوى مِنَ العُلُومِ الباطِنَةِ، وسَلَّمُوا لَهم أحْوالَهم كَما قِيلَ: وإذا لَمْ تَرَ الهِلالَ فَسَلِّمْ لِأُناسٍ رَأوْهُ بِالأبْصارِ ( ﴿ لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ﴾ ) الَّتِي ارْتَكَبُوها ( ﴿ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ ﴾ ) في مُقابَلَةِ إيمانِهِمْ واتِّقائِهِمْ ( ﴿ ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ ﴾ ) بِتَحَقُّقِ عُلُومِ الظّاهِرِ، والقِيامِ بِحُقُوقِ تَجَلِّياتِ الأفْعالِ، والمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِها في المُعامَلاتِ ( ﴿ والإنْجِيلَ ﴾ ) بِتَحَقُّقِ عُلُومِ الباطِنِ، والقِيامِ بِحُقُوقِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، والمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِها في المُكاشَفاتِ ( ﴿ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ ) مِن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ، وتَوْحِيدِ المُلْكِ والمَلَكُوتِ مِن عالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ الَّذِي هو عالَمُ الأسْماءِ ( ﴿ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ) أيْ لَرُزِقُوا مِنَ العالَمِ الرُّوحانِيِّ العُلُومَ الإلَهِيَّةَ والحَقائِقَ العَقْلِيَّةَ والمَعارِفَ الحَقّانِيَّةَ ( ﴿ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ ) أيْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ الجُسْمانِيِّ العُلُومَ الطَّبِيعِيَّةَ والإدْراكاتِ الحِسِّيَّةَ، وبِالأوَّلِ يَهْتَدُونَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَةِ المُلْكِ والجَبَرُوتِ، وبِالثّانِي يَهْتَدُونَ إلى مَعْرِفَةِ عالَمِ المُلْكِ، فَيَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعالى إذا تَمَّ لَهُمُ الأمْرانِ بِاسْمِهِ الباطِنِ والظّاهِرِ، بَلْ بِجَمِيعِ الأسْماءِ والصِّفاتِ.

ولِلطِّيبِيِّ هُنا كَلامٌ طَيِّبٌ يَصْلُحُ لِهَذا البابِ، فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ حَكى عَنِ البَعْضِ أنَّهُ قالَ في ( ﴿ لأكَلُوا ﴾ ) إلَخْ، أيْ لَوُسِّعَ عَلَيْهِمْ خَيْرُ الدّارِينَ، وقُلْتُ: هَذا في حَقِّ مَن عَدَّدَ سَيِّئاتِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ إذا أقامُوا مُجَرَّدَ حُدُودِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِالعارِفِ السّالِكِ إذا قَمَعَ هَوى النَّفْسِ وانْكَمَشَ مِن هَذا العالَمِ إلى مَعالِمِ القُدْسِ مُعْتَصِمًا بِحَبْلِ اللَّهِ تَعالى وسُنَّةِ حَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلى قَلْبِهِ سِجالَ فَضائِلِهِ وسَحائِبَ بَرَكاتِهِ، فَكَمَنَ فِيهِ كُمُونَ الأمْطارِ في الأرْضِ، فَتَظْهَرُ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ.

وفِي تَعْلِيقِ الأكْلِ مِن فَوْقِ ومِن تَحْتِ الأرْجُلِ عَلى الإقامَةِ بِما ذُكِرَ، واخْتِصاصِ ( مِنَ ) الِابْتِدائِيَّةِ ما يَلُوحُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»» لِأنَّهم إذا أقامُوا العَمَلَ بِكِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ اسْتَنْزَلَ ذَلِكَ مِن فَوْقِهِمُ البَرَكاتِ، فَإذا اسْتَجْدَوُا العَمَلَ لِتِلْكَ البَرَكاتِ المُنَزَّلَةِ وقامُوا عَلَيْها بِثَباتِ أقْدامِهِمُ الرّاسِخَةِ اسْتَنْزَلَ ذَلِكَ لَهم مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بَرَكاتٍ هي أزْكى مِنَ الأُولى، فَلا يَزالُ العِلْمُ والعَمَلُ يَتَناوَبانِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ السّالِكُ إلى مَقامِ القُرْبِ ومَنازِلِ العارِفِينَ، وفي ذِكْرِ الأرْجُلِ إشارَةٌ إلى حُصُولِ ثَباتِ القَدَمِ ورُسُوخِ العِلْمِ، وفي اقْتِرانِها مَعَ ( تَحْتِ ) دَلالَةٌ عَلى مَزِيدِ الثَّباتِ، وأنَّهم مِنَ الرّاسِخِينَ المُقْتَبِسِينَ عُلُومَهم مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ دُونَ المُتَزَلْزِلِينَ الَّذِينَ أخَذُوا عُلُومَهم مِنَ الأوْهامِ، ولِذا كَتَبَ بَعْضُ العارِفِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الإمامِ إرْشادًا لَهُ إلى مَعْرِفَةِ طَرِيقِ أهْلِ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ، انْتَهى.

وقَدْ وجَّهَ بَعْضُ أهْلِ العِبارَةِ - مِمَّنْ هو مِنِّي في مَوْضِعِ التّاجِ مِنَ الرَّأْسِ لا زالَ باقِيًا - ذِكْرَ الأرْجُلِ هُنا بِأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ) الأُمُورُ السُّفْلِيَّةُ الحاصِلَةُ بِالسَّعْيِ والِاكْتِسابِ، كَما أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ الأُمُورُ الحاصِلَةُ بِمُجَرَّدِ الفَيْضِ، وحِينَئِذٍ يَقْوى الطِّباقُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.

ولَعَلَّكَ تَسْتَنْبِطُ مِمّا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ غَيْرَ هَذا الوَجْهِ مِمّا يُوافِقُ أيْضًا مَشْرَبَ أهْلِ الظّاهِرِ، فَتَدَبَّرْ.

( ﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ ) قِيلَ: عادِلَةٌ واصِلَةٌ إلى تَوْحِيدِ الأسْماءِ والصِّفاتِ ( ﴿ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ ﴾ ) وهُمُ المَحْجُوبُونَ بِالكُلِّيَّةِ، الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إلى تَوْحِيدِ الأفْعالِ بَعْدُ، فَضْلًا عَنْ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ، واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ يعني: اليهود والنصارى، آمَنُوا يعني: صدّقوا بتوحيد الله تعالى وبمحمد  والقرآن وَاتَّقَوْا الشرك والمعاصي، لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يعني: غفرنا ذنوبهم، وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ في الآخرة.

ثم قال: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني: أقرّوا بما فيهما، وبيّنوا ما كتموا، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ يعني: بما أنزل إليهم من ربهم، يعني: عملوا بما أنزل إليهم من ربهم في كتابهم ويقال: القرآن.

لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعني: يرزقهم الله تعالى المطر من فوقهم، في الوقت الذي ينفعهم، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني: النبات من الأرض، وقال الزجاج: هذا على وجه التوسعة.

يقال: فلان خيره من فوقه إلى قدمه، يعني: لو أنهم فعلوا ما أمروا لأعطاهم الله الخير مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أرجلهم، يعني: صاروا في الخير في الدنيا والآخرة.

وروي أبو موسى الأشعري عن رسول الله  أنه قال: أيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه، وآمن بمحمد  فله أجران.

ثم قال: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ يعني عصبة وجماعة عادلة، وهم مؤمنو أهل الكتاب، من أهل التوراة والإنجيل وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ الذين لم يصدقوا ولم يؤمنوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

مجاهد: معنى الآيةِ: كلَّما أوقدوا ناراً لحَرْبِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أطفأها اللَّه «١» ، فالآيةُ بشارةٌ لنبيِّنا محمد- عليه السلام- وللمؤمنين، وباقي الآية بيّن.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)

وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا ...

الآية: هذه الآية تحتملُ أنْ يراد بها معاصرو النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتحتملُ أنْ يراد بها الأسلافُ، والمعاصِرُونَ.

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ، أي: أظهروا أحْكَامها، فهي كإقامةِ السُّوق، وإقامةِ الصَّلاةِ.

وقوله سبحانه: وَالْإِنْجِيلَ: يقتضي دخُولَ النصارى في لفظُ أهْلِ الكتابِ في هذه الآية، قلْتُ: وقال مكِّيٌّ: معنى: أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ: أيْ: عملوا بما فيهما، وأقروا بصفة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبنبوَّته.

انتهى من «الهداية» .

وقوله: وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: معناه: مِنْ وحْيٍ وسُنَنٍ على ألْسِنَةِ الأنبياء- عليهم السلام-، واختُلِفَ في معنى: مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فقال ابن عباس وغيره: المعنى: لأعطتهم السماءُ مطَرها، والأرض نباتَهَا بفَضْلِ اللَّه تعالى «٢» ، وقال الطبريُّ «٣» وغيره: إن الكلام استعارة ومبالغةٌ في التوسِعَةِ كما يقالِ: فُلاَنٌ قد عمَّهُ الخَيْرُ مِنْ قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ.

وقوله سبحانه: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ: معناه: معتدِلَةٌ، والقَصْد والاقتصاد: الاعتدال والرفْقُ والتوسُّط الحَسَن في الأقوال والأفعال، قال ابنُ زَيْد: وهؤلاءِ هُمْ أهْل طاعَةِ اللَّه من

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِلُوا بِما فِيهِما.

وفِيما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.

والثّانِي: القُرْآنُ لِأنَّهم لَمّا خُوطِبُوا بِهِ كانَ نازِلًا إلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَأكَلُوا بِقَطْرِ السَّماءِ، ونَباتِ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى لَوُسِّعَ عَلَيْهِمْ، كَما يُقالُ: فَلانٌ في خَيْرٍ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ، ذَكَرَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا أنَّ التَّقْوى سَبَبٌ في تَوْسِعَةِ الرِّزْقِ كَما قالَ: ﴿ لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ  ﴾ وقالَ: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ  ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ يَعْنِي: مِن أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

وقالَ القُرَظِيُّ: هُمُ الَّذِينَ قالُوا: المَسِيحُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ.

و "الِاقْتِصادُ" الِاعْتِدالُ في القَوْلِ والعَمَلِ مِن غَيْرِ غُلُوٍّ ولا تَقْصِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَعِيمِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِن الناسِ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها مُعاصِرُو مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والأظْهَرُ أنَّهُ يُرادُ بِها الأسْلافُ؛ والمُعاصِرُونَ داخِلُونَ في هَذِهِ الأحْوالِ بِالمَعْنى؛ والغَرَضُ الإخْبارُ عن أُولَئِكَ الَّذِينَ أطْفَأ اللهُ نِيرانَهم وأذَلَّهم بِمَعاصِيهِمْ؛ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وكِتابِهِ؛ واتَّقَوْا في امْتِثالِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ لَكُفِّرَتْ سَيِّئاتُهُمْ؛ أيْ: سُتِرَتْ وأُذْهِبَتْ؛ ولَأُدْخِلُوا الجَنَّةَ.

﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَوْراةَ ﴾ ؛ أيْ: أظْهَرُوا أحْكامَها؛ فَهي كَإقامَةِ السُوقِ؛ وإقامَةِ الصَلاةِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ تَشْبِيهٌ بِالقائِمِ مِنَ الناسِ؛ إذْ هي أظْهَرُ هَيْئاتِ المَرْءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والإنْجِيلَ"؛ ﴾ يَقْتَضِي دُخُولَ النَصارى في لَفْظِ أهْلِ الكِتابِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِن وحْيٍ؛ وسُنَنٍ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ".

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى: ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ: اَلْمَعْنى: "لَأعْطَتْهُمُ السَماءُ مَطَرَها؛ وبَرَكَتَها؛ والأرْضُ نَباتَها؛ بِفَضْلِ اللهِ تَعالى"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ ؛ والزَجّاجُ ؛ وغَيْرُهُما أنَّ الكَلامَ اسْتِعارَةٌ؛ ومُبالَغَةٌ في التَوْسِعَةِ؛ كَما يُقالُ: "فُلانٌ قَدْ عَمَّهُ الخَيْرُ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ"؛ وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ المَعْنى: "لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ"؛ أيْ: مِن رِزْقِ الجَنَّةِ؛ و"وَمِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ"؛ أيْ: مِن رِزْقِ الدُنْيا؛ إذْ هو مِن نَباتِ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ ؛ مَعْناهُ: مُعْتَدِلَةٌ؛ والقَصْدُ والِاقْتِصادُ: اَلِاعْتِدالُ؛ والرِفْقُ؛ والتَوَسُّطُ الحَسَنُ في الأقْوالِ؛ والأفْعالِ.

قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن هو مُقْتَصِدٌ في عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ يَقُولُونَ: "هُوَ عَبْدُ اللهِ ورَسُولٌ؛ ورُوحٌ مِنهُ"؛ والأكْثَرُ مِنهم غَلا فِيهِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: "هُوَ إلَهٌ"؛ وعَلى هَذا مَشى الرُومُ؛ ومَن دَخَلَ بِآخِرَةٍ في مِلَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقالَ بَعْضُهم - وهُمُ الأكْثَرُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ -: "هُوَ آدَمِيٌّ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ"؛ فَكَفَرَ الطَرَفانِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُقْتَصِدَةُ: مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ؛ قَدِيمًا؛ وحَدِيثًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا يُتَخَرَّجُ قَوْلُ الطَبَرِيِّ ؛ ولا يَقُولُ في عِيسى: "إنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ"؛ إلّا مُسْلِمٌ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم أهْلُ طاعَةِ اللهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وهَذا هو المُتَرَجَّحُ؛ وقَدْ ذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّهُ يَعْنِي بِالمُقْتَصِدَةِ: اَلطَّوائِفَ الَّتِي لَمْ تُناصِبِ الأنْبِياءَ مُناصَبَةَ المُتَهَتِّكِينَ المُجاهِرِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَوَجَّهُ أنْ تُوصَفَ بِالِاقْتِصادِ؛ بِالإضافَةِ إلى المُتَمَرِّدَةِ؛ كَما يُقالُ في أبِي البُحْتُرِيِّ بْنِ هِشامٍ: "إنَّهُ مُقْتَصِدٌ؛ بِالإضافَةِ إلى أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ - لَعَنَهُ اللهُ ".

ثُمَّ وصَفَ تَعالى الكَثِيرَ مِنهم بِسُوءِ العَمَلِ عُمُومًا؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ في تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ؛ وكُفْرِ اليَهُودِ بِعِيسى والجَمِيعُ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

و"ساءَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ هي المُتَصَرِّفَةُ؛ كَما تَقُولُ: "ساءَ الأمْرُ؛ يَسُوءُ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "ساءَ"؛ اِسْتِعْمالَ "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ ساءَ مَثَلا  ﴾ ؛ فَتِلْكَ غَيْرُ هَذِهِ؛ يُحْتاجُ في هَذِهِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ ساءَ مَثَلا  ﴾ ؛ مِنَ الإضْمارِ؛ والتَقْدِيرِ؛ إلى ما يُحْتاجُ في "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ وفي هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ مِنَ اللهِ لرَسُولِهِ بِالتَبْلِيغِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ؛ لِأنَّهُ قَدْ كانَ بَلَّغَ؛ فَإنَّما أُمِرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِألّا يَتَوَقَّفَ عن شَيْءٍ مَخافَةَ أحَدٍ؛ وذَلِكَ أنَّ رِسالَتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَضَمَّنَتِ الطَعْنَ عَلى أنْواعِ الكَفَرَةِ؛ وبَيانِ فَسادِ حالِهِمْ؛ فَكانَ يَلْقى مِنهم عَنَتًا؛ ورُبَّما خافَهم أحْيانًا قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ اللهُ لَهُ ﴿ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ ﴾ ؛ أيْ: كامِلًا؛ مُتَمَّمًا؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ﴾ ؛ أيْ: "إنَّكَ إنْ تَرَكْتَ شَيْئًا؛ فَكَأنَّما قَدْ تَرَكْتَ الكُلَّ؛ وصارَ ما بَلَّغْتَ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ"؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَإنْ لَمْ تَسْتَوْفِ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ: سُئِلْتَ فَلَمْ تَمْنَعْ ولَمْ تُعْطِ نائِلًا ∗∗∗ فَسِيّانِ لا ذَمٌّ عَلَيْكَ ولا حَمْدُ أيْ: ولَمْ تُعْطِ ما يُعَدُّ نائِلًا؛ وإلّا يَتَكاذَبِ البَيْتُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ"؛ عَلى الإفْرادِ؛ وقَرَؤُوا في "اَلْأنْعامِ": "حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ": "بِرِسالاتِي"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ في المَواضِعِ الثَلاثَةِ؛ بِإفْرادِ الرِسالَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ: "رِسالاتِهِ"؛ بِالجَمْعِ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأنْعامِ"؛ وأفْرَدَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ ؛ بِجَمْعِ الرِسالَةِ في المَواضِعِ الثَلاثَةِ؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ الإفْرادَ في "اَلْعُقُودِ"؛ و"اَلْأنْعامِ"؛ والجَمْعَ في "اَلْأعْرافِ"؛ فَمَن أفْرَدَ "اَلرِّسالَةَ"؛ فَلِأنَّ الشَرْعَ كُلُّهُ شَيْءٌ واحِدٌ؛ وَجُمْلَةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؛ ومَن جَمَعَ فَمِن حَيْثُ الشَرْعُ مَعانٍ كَثِيرَةٌ؛ ووَرَدَ دُفَعًا في أزْمانٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقالَتْ عائِشَةُ - أُمُّ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ؛ واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ يا أيُّها الرَسُولُ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ".

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَقِيقٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَعَقَّبُهُ أصْحابُهُ؛ يَحْرُسُونَهُ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ خَرَجَ فَقالَ: "يا أيُّها الناسُ الحَقُوا بِمَلاحِقِكم فَإنَّ اللهَ قَدْ عَصَمَنِي"؛» وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ بِسَبَبِ الأعْرابِيِّ الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَقْتُلَهُ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: هو غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ ؛ والقِصَّةُ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَهابُ قُرَيْشًا؛ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ الناسِ ﴾ ؛ اِسْتَلْقى ؛ وقالَ: "مَن شاءَ فَلْيَخْذُلْنِي"؛» مَرَّتَيْنِ؛ أو ثَلاثًا.

و"يَعْصِمُكَ"؛ مَعْناهُ: يَحْفَظُكَ؛ ويَجْعَلُ عَلَيْكَ وِقايَةً؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ  ﴾ ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَقُلْتُ عَلَيْكم مالِكًا إنَّ مالِكًا ∗∗∗ ∗∗∗ سَيَعْصِمُكم إنْ كانَ في الناسِ عاصِمُ وهَذِهِ العِصْمَةُ الَّتِي في الآيَةِ هي مِنَ المَخاوِفِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُوقَفَ عن شَيْءٍ مِن التَبْلِيغِ؛ كالقَتْلِ؛ والأسْرِ؛ والأذى في الجِسْمِ؛ ونَحْوِهِ؛ وأمّا أقْوالُ الكُفّارِ؛ ونَحْوُها فَلَيْسَتْ في الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ﴾ ؛ إمّا عَلى الخُصُوصِ فِيمَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ؛ وإمّا عَلى العُمُومِ؛ عَلى أنْ لا هِدايَةَ في الكُفْرِ؛ ولا يَهْدِي اللهُ الكافِرَ في سُبُلِ كُفْرِهِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَقُولَ لِأهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ مَعَهُ: ﴿ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ ﴾ ؛ أيْ: "عَلى شَيْءٍ مُسْتَقِيمٍ؛ حَتّى تُقِيمُوا التَوْراةَ والإنْجِيلَ"؛ وفي إقامَةِ هَذَيْنِ الإيمانُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّهُ سَيَطْغى كَثِيرٌ مِنهم بِسَبَبِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَزِيدُهُ نُزُولُ القُرْآنِ؛ والشَرْعِ؛ كُفْرًا؛ وحَسَدًا؛ ثُمَّ سَلّاهُ عنهُمْ؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ؛ أيْ: لا تَحْزَنْ إذْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ ولا تُبالِ بِهِمْ؛ والأسى: اَلْحُزْنُ؛ يُقالُ: "أسِيَ الرَجُلُ؛ يَأْسى؛ أسًى"؛ إذا حَزِنَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رافِعُ بْنُ جارِيَةَ؛ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ؛ ومالِكُ بْنُ الصَيْفِ ؛ ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ؛ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ وأنَّكَ تُؤْمِنُ بِالتَوْراةِ؛ وبِنُبُوَّةِ مُوسى؛ وأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَقٌّ؟

قالَ: "بَلى؛ ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ؛ وغَيَّرْتُمْ؛ وكَتَمْتُمْ"؛ فَقالُوا: إنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا؛ فَإنَّهُ الحَقُّ؛ ولا نُصَدِّقُكَ؛ ولا نَتَّبِعُكَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ ﴾ اَلْآيَةُ.» <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ لاََكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ .

إقامة الشيء جعْله قائماً، كما تقدّم في أول سورة البقرة.

واستعيرت الإقامة لعدم الإضاعة لأنّ الشيء المضاع يكون مُلْقى، ولذلك يقال له: شَيْء لَقًى، ولأنّ الإنسان يكون في حال قيامه أقْدَر على الأشياء، فلذا قالوا: قامتْ السوق.

فيجوز أن يكون معنى إقامة التّوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غَضَبه فلأغْدَق عليهم نعمَه، فاليهود آمنوا بالتَّوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدّم آنفاً، وكفروا بالإنجيل ورفضوه، وذلك أشدّ في عدم إقامَته، وبالقرآننِ.

وقد أوْمأت الآية إلى أنّ سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التّوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن، أي فتحتّمت عليهم النقمة بعد نزول القرآن.

ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي بالاعتراف بما في التّوراة والإنجيل من التبْشير ببعثة محمّد صلى الله عليه وسلم حتّى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة.

ويؤيّده ما روي في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وقالت اليهود الله يد مغلولة ﴾ [المائدة: 64] كما تقدّم.

ومعنى ﴿ لأكلوا مِن فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ تعميم جهات الرزق، أي لرُزقوا من كلّ سبيل، فأكلوا بمعنى رزقوا، كقوله: ﴿ وتأكلون التراث أكْلاً لَمَّا ﴾ [الفجر: 19].

وقيل: المراد بالمأكول من فوق ثمارُ الشجر، ومن تحت الحُبوبُ والمقاثي، فيكون الأكل على حقيقته، أي لاستمرّ الخصب فيهم.

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿ ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بَركَات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ﴾ في سورة الأعراف (96).

واللام في قوله: لأكلوا من فوقهم} إلخ مثل اللام في الآية قبلها.

﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ .

إنصاف لفريق منهم بعد أن جرت تلك المذامّ على أكثرهم.

والمقتصد يطلق على المطيع، أي غيرُ مسرف بارتكاب الذنوب، واقف عند حدود كتابهم، لأنّه يقتصد في سَرف نفسه، ودليل ذلك مقابلته بقوله في الشقّ الآخر ﴿ ساء ما يعملون ﴾ .

وقد علم من اصطلاح القرآن التعبير بالإسراف عن الاسترسال في الذنوب، قال تعالى: ﴿ قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ [الزمر: 53]، ولذلك يقابل بالاقتصاد، أي الحذر من الذنوب، واختير المقتصد لأنّ المطيعين منهم قبل الإسلام كانوا غير بالغين غاية الطاعة، كقوله تعالى: ﴿ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مُقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ﴾ [فاطر: 32].

فالمراد هنا تقسيم أهل الكتاب قبل الإسلام لأنّهم بعد الإسلام قسمان سيّء العمل، وهو من لم يسلم؛ وسابق في الخيرات، وهم الّذين أسلموا مثل عبد الله بن سَلاَم ومخيريق.

وقيل: المراد بالمقتصد غير المُفْرطين في بغض المسلمين، وهم الّذين لا آمنوا معهم ولا آذوْهم، وضدّهم هم المسيئون بأعمالهم للمسلمين مثل كعب بن الأشرف.

فالأوّلون بغضهم قلبي، والآخرون بغضهم بالقلب والعمل السيّء.

ويطلق المقتصد على المعتدل في الأمر، لأنّه مشتقّ من القصد، وهو الاعتدال وعدم الإفراط.

والمعنى مقتصدة في المخالفة والتنكّر للمسلمين المأخوذ من قوله: ﴿ وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً ﴾ [المائدة: 68].

والأظهر أن يكون قوله: ﴿ ساء ﴾ فعلاً بمعنى كان سيّئاً، و ﴿ ما يعملون ﴾ فاعله، كما قدّره ابن عطية.

وجعله في «الكشاف» بمعنى بِئْس، فقدّر قولاً محذوفاً ليصحّ الإخبار به عن قوله: ﴿ وكثير منهم ﴾ ، بناء على التزام عدم صحّة عطف الإنشاء على الإخبار، وهو محلّ جدال، ويكون ﴿ ما يعملون ﴾ مخصوصاً بالذمّ، والّذي دعاه إلى ذلك أنّه رأى حمله على معنى إنشاء الذمّ أبلغ في ذمّهم، أي يقول فيهم ذلك كل قائل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ مَقْبُوضَةٌ عَنِ العَطاءِ عَلى جِهَةِ البُخْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: مَقْبُوضَةٌ عَنْ عَذابِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: القائِلُ لِذَلِكَ فَنْحاسُ وأصْحابُهُ مِن يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ.

﴿ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ إلْزامًا لَهُمُ البُخْلَ عَلى مُطابَقَةِ الكَلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ في جَهَنَّمَ عَلى وجْهِ الحَقِيقَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي يُعَذِّبُهم بِالجِزْيَةِ.

وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَعْنُهم هو طَرْدَهم حِينَ أُجْلُوا مِن دِيارِهِمْ.

﴿ بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ اليَدَيْنِ ها هُنا النِّعْمَةُ مِن قَوْلِهِمْ لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ أيْ نِعْمَةٌ، ومَعْناهُ بَلْ نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، نِعْمَةُ الدِّينِ، ونِعْمَةُ الدُّنْيا.

والثّانِي: اليَدُ ها هُنا القُوَّةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُولِي الأيْدِي والأبْصارِ  ﴾ ومَعْناهُ بَلْ قُوَّتانِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَدَ ها هُنا المَلْكُ مِن قَوْلِهِمْ في مَمْلُوكِ الرَّجُلِ هُوَ: مِلْكُ يَمِينِهِ، ومَعْناهُ مِلْكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

والرّابِعُ: أنَّ التَّثْنِيَةَ لِلْمُبالَغَةِ في صِفَةِ النِّعْمَةِ كَما تَقُولُ العَرَبُ لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، وكَقَوْلِ الأعْشى: يَداكَ يَدا مُجِدٍّ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالزّادِ تُنْفِقُ ﴿ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِمَعْنى أنَّهُ يُعْطِي مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ إذا عَلِمَ أنَّ في إعْطائِهِ مَصْلَحَةَ دِينِهِ.

والثّانِي: يُنْعِمُ عَلى مَن يَشاءُ بِما يُصْلِحُهُ في دِينِهِ.

﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا ﴾ يَعْنِي حَسَدَهم إيّاهُ وعِنادَهم لَهُ.

﴿ وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى اليَهُودَ بِما حَصَلَ مِنهم مِنَ الخِلافِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى في تَبايُنِ قَوْلِهِمْ في المَسِيحِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أقامُوها نُصْبَ أعْيُنِهِمْ حَتّى إذا نَظَرُوا ما فِيها مِن أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأوامِرِهِ لَمْ يَزِلُّوا.

والثّانِي: إنَّ إقامَتَها العَمَلَ بِما فِيها مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَبْدِيلٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ لِأنَّهم لَمّا خُوطِبُوا بِهِ صارَ مُنَزَّلًا عَلَيْهِمْ.

﴿ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ هو في الخَيْرِ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ.

والثّانِي: لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ بِإنْزالِ المَطَرِ، ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ بِإنْباتِ الثَّمَرِ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مُقْتَصِدَةٌ عَلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عادِلَةٌ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل...

﴾ الآية.

قال: أما اقامتهم التوراة والإنجيل فالعمل بهما، وأما ﴿ ما أنزل إليهم من ربهم ﴾ فمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه، وأما ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ فأرسلت عليه مطراً، وأما ﴿ من تحت أرجلهم ﴾ يقول: لأنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ وهم مسلمة أهل الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ يعني لأرسل عليهم السماء مدراراً ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ قال: تخرج الأرض من بركاتها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يقول: لأكلوا من الرزق الذي ينزل من السماء، والذي والذي ينبت من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة ﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ يقول لأعطتهم السماء بركاتها والأرض نباتها ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ على كتاب الله قد آمنوا، ثم ذم أكثر القوم فقال: ﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: الأمة المقتصدة.

الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا.

قال: والغلو الرغبة، والفسق التقصير عنه.

وأخرج أبو الشيخ عن السدي ﴿ أمة مقتصدة ﴾ يقول: مؤمنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يرفع العلم.

قلت: كيف وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟

فقال: ثكلتك أمك يا ابن نفير إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة!

أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى؟

فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله، ثم قرأ ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ الآية» .

وأخرج أحمد وابن ماجة من طريق ابن أبي الجعد عن زياد بن لبيد قال: «ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً فقال: وذلك عند ذهاب أبنائنا يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن، ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم، إلى يوم القيامة؟

قال: ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد.

!

إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل، ولا ينتفعون مما فيهما بشيء» .

وأخرج ابن مردويه من طريق يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر حديثاً قال: ثم حدثهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تفرَّقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة منها في الجنة.

وتفرقت أمة عيسى على اثنين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون في النار.

وتعلوا أنتم على الفريقين جميعاً بملة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟

قال: الجماعات الجماعات» قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرآناً ﴿ ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا ﴾ إلى قوله: ﴿ ساء ما يعملون ﴾ وتلا أيضاً ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ [ الأعراف: 181] يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ ، قال ابن عباس: "يريد عملوا بما فيهما من التصديق بك، والوفاء لله بما عاهدوا فيهما" (١) وقال أهل المعاني في معنى ﴿ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ قولين: أحدهما: أقاموا أحكامهما وحدودهما، كما يقال: أقام الصلاة، إذا قام بحقوقها، ولا يقال لمن لم يوف شرائطها: أقامها.

والثاني أقاموها نصب أعينهم؛ لئلا يزلوا في شيء من حدودها (٢) ﴿ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ ، يعني القرآن في قول ابن عباس وغيره (٣) وقيل: يعني كتب أنبيائهم (٤)  ، ﴿ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض كل ما أرادوا (٥) (٦) وقال أهل المعاني: هذا على وجه التوسعة، لا على أن هناك فوق أو تحت، والمعنى: لأكلوا أكلًا متصلًا كثيرًا، فذكر فوق وتحت للمبالغة فيما ينالون وما يفتح عليهم من الدنيا، كما يقول القائل: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، يريد تكاثف الخير وكثرته عنده (٧) (٨) (٩) قال الزجاج: قد دل الله تعالى بهذا على ما أصابهم من الجدب مما عاقبهم به حتى شكوا ذلك بقولهم: يد الله مغلولة.

وأعلم أن التقى سبب التوسعة في الرزق، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾ الآية [الأعراف: 96] وقال: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  ﴾ ، وقال في قصة نوح: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ  ﴾ (١٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ ، قال عطاء: يريد قومًا أسلموا من اليهود والنصارى (١١) وقال السدي: ﴿ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ﴾ مؤمنة (١٢) وقال ابن عباس: هم العادلة غير الغالية ولا الجافية (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ ، يقول: بئس شيئًا عملهم (١٦)  " (١٧) (١) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، "زاد المسير" 2/ 395، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 119.

(٢) انظر: "النكت والعيون" 2/ 52.

(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس 2/ 337، "بحر العلوم" 1/ 448، "النكت والعيون" 2/ 52، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٤) انظر: "بحر العلوم" 1/ 448، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٥) أخرجه بمعناه الطبري 6/ 305، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٦) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 305، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(٧) ذكر الطبري 6/ 306، هذا القول واستبعده قائلًا: "وتأويل أهل التأويل بخلاف ما ذكرنا من هذا القول، وكفى بذلك شهيداً على فساده".

(٨) معاني القرآن 1/ 315، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 337، 338، "زاد المسير" 2/ 395.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 191، "زاد المسير" 2/ 395.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 191، وانظر: "زاد المسير" 2/ 395.

(١١) لم أقف عليه عن عطاء، وهو قول كثير من المفسرين كمجاهد وابن زيد، انظر: "تفسير الطبري" 6/ 306، "بحر العلوم" 1/ 448، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(١٢) أخرجه الطبري 6/ 306، وانظر: "النكت والعيون" 2/ 53، "الدر المنثور" 2/ 527.

(١٣) انظر: "النكت والعيون" 2/ 53، "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78.

(١٤) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 78، "زاد المسير" 2/ 395.

(١٥) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2972 (قصد)، "اللسان" 6/ 3642 (قصد).

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 192.

(١٧) انظر: "تفسير الوسيط" 2/ 208، "تفسير البغوي" 3/ 78.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب آمَنُواْ ﴾ الآية: يحتمل أن يراد أسلافهم والمعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، فيكون على هذا ترغيباً لهم في الإيمان والتقوى ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل ﴾ إقامتها بالعلم والعمل؛ وذكر الإنجيل دليل على دخول النصارى في لفظ أهل الكتاب ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ قيل: من فوقهم عبارة عن المطر، ومن تحت أرجلهم: عبارة عن النبات والزرع، وقيل: ذلك استعارة في توسعة الرزق من كل وجه ﴿ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ أي معتدلة، ويراد به من أسلم منهم: كبعد الله بن سلام، وقيل من لم يعاد الأنبياء المتقدمين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ هل تنقمون ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وهشام ﴿ وعبد الطاعون ﴾ بضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت: حمزة.

الباقون بنصب الطاغوت على أن.

﴿ عبد ﴾ فعل ماض عطفاً على صلة من كأنه قيل: ومن عبد الطاغوت.

﴿ مبصوطتان ﴾ بالصاد مثل ﴿ وزاده بصطة  ﴾ وقد مر في البقرة ﴿ رسالته ﴾ أبو عمرو وابن كثير وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقون ﴿ رسالاته ﴾ .

الوقوف: ﴿ من قبل ﴾ لا لعطف ﴿ وأن أكثركم ﴾ على ﴿ أن آمنا ﴾ .

﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط لتناهي الاستفهام والتقدير هو ﴿ من لعنه الله ﴾ ط ومن جعل محله جراً على البدل من ﴿ شر ﴾ لم يقف.

﴿ الطاغوت ﴾ ط ﴿ السبيل ﴾ ط ﴿ خرجوا به ﴾ ط ﴿ يكتمون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ السحت ﴾ ط ﴿ يصنعون ﴾ ه ﴿ مغلولة ﴾ ط وقيل: لا وقف ليتصل قوله: ﴿ غلت ﴾ وهو جزاء قولهم ﴿ يد الله مغلولة ﴾ .

﴿ بما قالوا ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ مفعول ﴿ قالوا ﴾ .

﴿ مبسوطتان ﴾ ط لأن قوله: ﴿ ينفق ﴾ من مقصود الكلام فلا يستأنف.

﴿ كيف يشاء ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ط ﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ أطفأها الله ﴾ لا قال السجاوندي: لأن الواو للحال أي وهم يسعون وفيه نظر ﴿ فساداً ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ النعيم ﴾ ه ﴿ أرجلهم ﴾ ط ﴿ مقتصدة ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ رسالته ﴾ ط ﴿ من الناس ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط ﴿ وكفراً ﴾ ج لاختلاف النظم مع فاء التعقيب.

﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما حكى عنهم أنهم اتخذوا دين الإسلام هزواً ولعباً قال لهم: ما الذي تنقمون من أهل هذا الدين.

نقمت على الجل أنقم بالكسر، إذا عتبت عليه، ونقمت بالكسر لغة ونقمت الأمر أيضاً إذا كرهته وأنكرته.

وسمى العقاب نقمة لأنه يجب على ما ينكر من الفعل.

والمعنى هل تعيبون منا وتنكرون إلاّ الإيمان بالكتب المنزلة كلها؟

وليس هذا مما يوجب عتباً وعيباً لأن الإيمان بالله رأس جميع الطاعات، وأما الإيمان بمحمد  وجميع الأنبياء عليهم السلام فهو الحق الذي لا محيد عنه لأن الطريق إلى تصديق الأنبياء هو المعجز وأنه حاصل في الكل فلا وجه للإيمان ببعض والكفر ببعض.

ثم عطف عليه: ﴿ وأن أكثركم فاسقون ﴾ والمراد ما تنقمون منا إلاّ الجمع بين إيماننا وبين تمرّدكم كأنه قيل: ما تنكرون منا إلاّ مخالفتكم فآمنا وما فسقنا مثلكم.

وفيه من حسن الازدواج والطباق ما فيه كقول القائل: هل تنقم مني إلاّ أني عفيف وأنك فاجر.

ويجوز أن يعطف على المجرور أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم خارجون عن الدين، ويجوز أن تكون الواو بمعنى "مع" أي ما تنكرون منا إلاّ الإيمان مع فسقكم لأن أحد الخصمين إذا كان مكتسباً للصفات/ الحميدة مع اتصاف الآخر بالصفات الذميمة كان ذلك أشد تأثيراً في وقوع البغض والحسد في قلب الخصم.

ويحتمل أن يكون تعليلاً معطوفاً على تعليل محذوف أي ما تنقمون منا إلاّ الإيمان لقلة إنصافكم ولأجل فسقكم، ومن هنا قال الحسن في تفسيره: بفسقكم نقمتم ذلك علينا.

ويجوز أن ينتصب بفعل محذوف يدل عليه ما قبله أي ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون، أو يرتفع بالابتداء والخبر محذوف أي وفسقكم ثابت محقق عندكم إلا أن حب الجاه والمال يدعوكم إلى عدم الإنصاف.

وانما خص الأكثر بالفسق مع أن اليهود كلهم فساق تعريضاً بأحبارهم ورؤسائهم الطالبين للرياسة والمال والتقرب إلى الملوك.

والمراد أن أكثرهم في دينهم فساق لا عدول، فإن الكافر والمبتدع قد يكون عدل دينه أو ذكر أكثرهم لئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

قال ابن عباس: "أتى نفر من اليهود إلى رسول الله  فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟

فقال: أؤمن بالله ﴿ وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ إلى قوله ﴿ ونحن له مسلمون  ﴾ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شراً من دينكم، فأنزل الله  : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ﴾ " يعني المتقدم وهو الإيمان, ولا بدّ من حذف مضاف قبله أو قبل من تقديره بشر من أهل ذلك أو دين من لعنه الله و ﴿ مثوبة ﴾ نصب على التمييز من ﴿ شر ﴾ وهي من المصادر التي جاءت على "مفعول" كالميسور والمجلود ومثلها المشورة، وقرىء مثوبة كما يقال مشورة والمثوبة ضدّ العقوبة.

واستعمال أحد الضدّين مكان الآخر مجاز رخصه إرادة التهكم مثل: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وقد أخرج الكلام ههنا على حسب قولهم واعتقادهم وإلاّ فلا شركة بين المسلمين وبين اليهود في أصل العقوبة حتى يقال إن عقوبة أحد الفريقين شر، ولكنهم حكموا بأن دين الإسلام شر فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعن الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك.

قال المفسرون: عنى بالقردة أصحاب السبت وبالخنازير كفار مائدة عيسى  .

ويروى أن كلا المسخين كان في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ولهذا كان المسلمون يعيرون اليهود بعد نزول الآية ويقولون: يا إخوة القردة والخنازير فينكسون رؤوسهم.

أما قوله: ﴿ وعبد الطاغوت ﴾ فقد ذكر في الكشاف فيه أنواعاً من القراءة لا مزيد فائدة في تعدادها لشذوذها إلاّ قراءة حمزة، والوجه فيه أن العبد بمعنى العبد إلاّ أنه بناء مبالغة كقولهم: رجل حذر وفطن البليغ في الحذر والفطنة.

قال الشاعر: أبني لبيني إن أمكم *** أمة وإن أباكم عبد أبني لبيني لستم بيدٍ *** إلاّ يداً ليست لها عضد وقيل: هما لغتان مثل سبع وسبع.

وقيل: إن العبد جمعه عباد والعباد جمعه عبد كثمار وثمر إلا أنهم استثقلوا الضمتين فأبدلت الأولى فتحة.

وقيل: أرادوا أعبد الطاغوت مثل: فلس وأفلس إلا أنه حذف الألف وضم الباء لئلا يشبه الفعل.

والطاغوت ههنا قيل: هو العجل.

وقيل: هو الأحبار.

والظاهر أنه كل ما عبد من دون الله، وكل من أطاع أحداً في معصية فقد عبده.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الكفر بجعل الله  .

وقالت المعتزلة: معنى هذا الجعل أنه حكم عليهم بذلك ووصفهم به كقوله: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ أو أنه خذلهم حتى عبدوها ﴿ أولئك ﴾ المعلونون الممسوخون ﴿ شر مكاناً ﴾ من المؤمنين.

قال ابن عباس: إن مكانهم سقر ولا مكان شر منه.

وقال علماء البيان: هو من باب الكناية لأنه ذكر المكان وأريد أهله الذي هو ملزوم المكان.

﴿ وأضل عن سواء السبيل ﴾ قصده ووسطه.

كان ناس من اليهود يدخلون على رسول الله  يظهرون له الإيمان نفاقاً فأخبره الله بشأنهم وأنهم يخرجون من مجلسه كما دخلوا لم يؤثر فيهم شيء من النصيحة والموعظة قط.

وقوله: ﴿ بالكفر ﴾ وبه حالان أي ملتبسين بالكفر، وكذلك قوله: ﴿ وقد دخلوا ﴾ ﴿ وهم قد خرجوا ﴾ ولذلك دخلت "قد" تقريباً للماضي من الحال، وليفيد التوقع أيضاً.

وذلك أن أمارات النفاق كانت لائحة على صفحات أحوالهم فكان رسول الله  متوقعاً لإظهار الله أسرارهم.

والعامل في هذه الحال قالوا: وفي الأولى: ﴿ دخلوا ﴾ و ﴿ خرجوا ﴾ أي قالوا آمنا وحالهم أنهم دخلوا كافرين وخرجوا كافرين.

وإنما ذكر عند الخروج كلمة "هم" لتأكيد إضافة الكفر إليهم.

ونفى أن يكون من النبي  في ذلك فعل أي لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم ما يوجب كفراً فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

وههنا استدل المعتزلي على صحة مذهبه أن الكفر من العبد لا من الله ولكنه معارض بالعلم والداعي.

﴿ والله أعلم بما يكتمون ﴾ فيه أن حسدهم وخبثهم لا يحيط به إلا الله فما أعظم ذلك وأبلغ.

الإثم الكذب كقوله بعد: ﴿ عن قولهم الإثم ﴾ والعدوان الظلم وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم.

وقيل: الإثم كلمة الشرك قولهم عزير ابن الله.

وفي الآية فوائد منها: ذكر كثير لأن كلهم كان لا يفعل ذلك إذ بعضهم يستحيي فيترك.

ومنها أن المسارعة إنما تليق بالخيرات وإنهم كانوا يستعملونها في المنكرات.

ومنها أن الإثم يتناول جميع المعاصي فذكر بعده العدوان وأكل السحت ليدل على أنهما أعظم أنواع الإثم والكلام في معنى السحت.

وفي تفسير الربانيين والأحبار قد مر في السورة عن قريب.

وقال/ الحسن: الربانيون علماء الإنجيل، والأحبار علماء التوراة.

وإنما قال ههنا: ﴿ لبئس ما كانوا يصنعون ﴾ وفي الأول ﴿ يعملون ﴾ لأن الصنع أرسخ من العمل فلا يسمى العامل صانعاً ولا العمل صناعة إلا إذا تمكن فيه وتدرب وينسب إليه فكان ذنب العلماء إذا تركوا النهي عن المنكر أشد وأعظم وأثبت وأرسخ.

وتحقيقه أن المعصية مرض الروح وعلاجه العلم بالله وصفاته وأحكامه، فإذا حصل هذا العلم ولم تزل المعصية دل على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة كالمرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال.

وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن.

وعن الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها ﴿ وقالت اليهود يد الله مغلولة ﴾ قيل: في هذه الآية إشكال لأن اليهود مطبقون على أنا لا نقول ذلك، كيف وبطلانه معلوم بالضرورة لأن الله اسم لموجود قديم قادر على خلق العالم وإيجاده وتكوينه، وهذا الموجود يمتنع أن تكون يده مغلولة وقدرته قاصرة.

والجواب أن الله  صادق في كل ما أخبر عنه فلا بد من تصحيح هذا النقل عنهم، فلعل القوم قالوا هذا على سبيل الإلزام فإنهم لما سمعوا قوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ قالوا من احتاج إلى القرض كان فقيراً عاجزاً مغلول اليدين، أو لعلهم لما رأوا أصحاب محمد  في غاية الفقر والضر قالوا: إن إله محمد كذلك.

وقال الحسن: أرادوا أنه لا تمسهم النار إلا أياماً معدودة إلا أنهم عبروا عن كونه  غير معذب لهم إلا هذا القدر من الزمان بهذه العبارة الفاسدة فاستوجبوا اللعن لفساد العبارة وسوء الأدب.

وقيل: لعلهم كانوا على مذهب بعض الفلاسفة أنه  موجب لذاته، وأن حدوث الحوادث عنه لا يمكن إلا على نسق واحد فعبروا عن عدم اقتداره على غير ذلك النسق بغل اليد.

وقال المفسرون: كان اليهود أكثر الناس مالاً وثروة، فلما بعث الله محمداً  وكذبوه ضيق الله عليهم المعيشة فعند ذلك قالوا: يد الله مغلولة أي مقبوضة عن العطاء على جهة النعت بالبخل، والجاهل إذا وقع في البلاء والشدة قد يقول مثل هذه الألفاظ.

وغل اليد وبسطها مجاز مستفيض عن البخل والجود ومنه قوله: ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط  ﴾ وذلك أن اليد آلة لأكثر الأعمال لا سيما لأخذ المال وإعطائه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب فقيل للجواد فياض الكف مبسوط اليد سبط البنان رطب الأنامل، وللبخيل أبتر الأصابع مقبوض الكف جعد الأنامل، ولا فرق عندهم بين هذا الكلام وبين ما وقع مجازاً عنه حتى إنه يستعمل في ملك لا يعطي ولا يمنع إلا بالإشارة بل يقال للأقطع: ما أبسط يده بالنوال.

وقد يستعمل حيث لا يصح اليد كقول لبيد: قد أصبحت بيد الشمال زمامها *** /فجازاهم الله  بقوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ وهو الدعاء عليهم بالبخل والنكد ومن ثم كانوا أبخل خلق الله وأنكدهم، دعا به عليهم تعليماً لعباده كما علمهم الاستثناء في قوله: ﴿ لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين  ﴾ وكما عملهم الدعاء على المنافقين في قوله: ﴿ فزادهم الله مرضاً  ﴾ وعلى أبي لهب في قوله: ﴿ تبت يدا أبي لهب  ﴾ ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة إو إخباراً.

قال الحسن: يغللون في الدنيا أسارى وفي الآخرة معذبين بأغلال جهنم فيكون الطباق من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز.

وإنما لم يقل فغلت أيديهم مع أن الجزاء يناسب فاء التعقيب ليكون قوله: ﴿ غلت أيديهم ﴾ كالكلام المبتدأ به فيزيده قوة ووثاقة لأن الابتداء بالشيء يدل على شدة الاهتمام به وقوة الاعتناء بتقريره.

﴿ ولعنوا بما قالوا ﴾ قال الحسن: عذبوا في الدنيا بالجزية وفي الآخرة بالنار.

ومما وقع في عصرنا من إعجاز القرآن ما حكي أن متغلب من اليهود مسمى بسعد الدولة وهو من أشقى الناس كان قد سمع بهذه الآية، فاتفق أن وصل إلى بغداد فنزل بالمدرسة المستنصرية ودعا بمصحف كان مكتوباً بأحسن خط وأشهره من خطوط الكتاب الماضين، وكان يعلم أن أهل هذا العصر لا يقدرون على كتابة مثله ثم قال: أين هذه الآية يعني قوله: ﴿ غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ﴾ فأروه إياها فمحاها، فلم يمض أسبوع إلاّ وقد سخط السلطان عليه فبعث في طلبه وأمر بغل يديه فغلوه وحملوه إليه فأمر بقتله.

ثم إنه  ردّ على اليهود بقوله: ﴿ بل يداه مبسوطتان ﴾ واليد في اللغة تطلق على الجارحة المخصوصة - وهو ظاهر - وعلى النعمة.

يقال: لفلان عندي يد أشكرها له.

وعلى القوة مثل: ﴿ أولي الأيدي والأبصار  ﴾ فسر بذوي القوى والعقول ومنه لا يدين له بهذا.

والمعنى سلب كمال القدرة.

وعلى الملك تقول: هذا بيد فلان أي ملكه قال  : ﴿ بيده عقدة النكاح  ﴾ وقد يراد به شدة العناية قال: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ ويقال: يدي لك رهن بالوفاء إذا ضمنت له شيئاً.

ولا شك أن اليد بمعنى الجارحة في حقه  محال للدليل الدال على أنه ليس بجسم ولا ذي أجزاء خلافاً للمجسمة، وأما سائر المعاني فلا بأس بها.

وكان طريقة السلف الإيمان بها وأنها من عند الله ثم تفويض معرفتها إلى الله.

وقد جاء في بعض اقوال أبي الحسن الأشعري أن اليد صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الاصطفاء لقوله: ﴿ لما خلقت بيدي  ﴾ والمراد تخصيص آدم بهذا التشريف ونص القرآن ناطق بإثبات اليد تارة: ﴿ يد الله فوق أيديهم  ﴾ وبإثبات اليدين أخرى كما في الآية، وبإثبات الأيدي أخرى: ﴿ مما عملت أيدينا أنعاماً  ﴾ ووجه التوحيد والجمع ظاهر.

وأما وجه التثنية فذلك أن من أعطى بيديه فقد أعطى على أكمل الوجوه فكان أبلغ في رد كلام القوم خذلهم الله، أو/ المراد نعمة الدين نعمة الدنيا، أو نعمة الظاهر ونعمة الباطن، أو نعمة النفع ونعمة الدفع، أو نعمته على أهل اليمين ونعمته على أهل الشمال بل لطفه في حق أولئك وقهره في شأن هؤلاء، أو المراد المبالغة في وصف النعمة نحو: لبيك وسعديك معناه إقامة على طاعتك بعد إقامة وإسعاداً بعد إسعاد.

ثم أكد الوصف بالقدرة والسخاء فقال: ﴿ ينفق كيف يشاء ﴾ وفيه أنه لا ينفق إلاّ على مقتضى الحكمة وقانون العدالة وعلى حسب المشيئة والإرادة، لا مانع له ولا مكره فمن أوجب عليه شيئاً أو اعترض على فعل من أفعاله فقد نازعه في ملكه وحجر تصرفه وقيد وغل ونسبه إلى ما لا يليق به.

﴿ وليزيدن ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ كثيراً منهم ﴾ يعني علماء اليهود ﴿ ما أنزل إليك من ربك ﴾ من القرآن والحجج ﴿ طغياناً وكفراً ﴾ مجاوزة في الحد وغلواً في الإنكار لأن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرهاً ﴿ وألقينا بينهم ﴾ بين اليهود والنصارى - قاله مجاهد والحسن - أو فيما بين اليهود ﴿ العداوة والبغضاء ﴾ لا تأتلف كلمتهم ولا تتساعد أفئدتهم، فمن اليهود جبرية وقدرية وموحدة ومشبهة، ومن النصارى ملكانية ونسطورية، وكل ذلك الاختلاف يوجب السخط واللعن بخلاف هذه الأمة فإن اختلافهم رحمة ولتفرق أهوائهم وتشعب آرائهم ﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ﴾ فلا يهمون بأمر من الأمور إلاّ وقد رجعوا بخفي حنين.

وقيل: كلما حاربوا رسول الله غلبوا.

وعن قتادة: لا تلقى اليهود بلدة إلاّ وجدتهم أذل الناس ﴿ ويسعون في الأرض فساداً ﴾ يستخفون كيداً للإسلام وذويه ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ فلا ينجح لهم كيد ولا ينتج لهم سعي.

وقيل: خالفوا حكم التوراة فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط عليهم بطرس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين إلى يوم القيامة.

ثم لما بالغ في تهجين سيرتهم ذكر أنهم مع ما عدّد من مساويهم لو آمنوا بمحمد  وما جاء به واتقوا المنكرات التي كانوا يأتونها لتكون توبتهم نصوحاً ﴿ لكفرنا عنهم ﴾ تلك السيآت سترناها عليهم ﴿ ولأدخلناهم ﴾ مع المسلمين ﴿ جنات النعيم ﴾ من النعم خلاف البؤس أي نعيم صاحبها فما أوسع رحمة الله  وما أعظم عفوه وغفرانه ﴿ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ﴾ عملوا بما فيهما من الوفاء بعهود الله  ومن الإقرار بنبوّة نبي آخر الزمان محمد  ، أو حافظوا على أحكامهما وحدودهما، أو أقاموهما نصب أعينهم لئلا ينسوا ما فيهما من التكاليف.

﴿ وما أنزل إليهم من ربهم ﴾ يعني القرآن أو سائر الكتب الإلهية كصحف إبراهيم وزبور داود وكتاب شعيا وحبقوق ودانيال فإن كلها مشحونة من البشارة بمبعث محمد  وأنهم مكلفون بالإيمان بجميعها.

﴿ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ﴾ أي ينزل عليهم بركات السماء وبركات الأرض، أو يكثر لهم الأشجار/ المثمرة والزروع المغلة، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار يجنون ما تهدل منها من رؤوس الشجر ويلتقطون ما تناثر على وجه الأرض.

ويحتمل أن يراد به المبالغة في شرح السعة والخصب لا أن هناك فوقاً أو تحتاً أي لأكلوا أكلاً كثيراً متصلاً، ويشبه أن يكون هذا إشارة إلى ما جرى على بني قريظة وبني النضير من قطع نخيلهم وإفساد زروعهم وإجلائهم عن أوطانهم.

والحاصل أنه  وعدهم سعادة الدارين بشرط الإيمان بما جاء به محمد  وقدم السعادة الأخروية بقسميها وهما دفع العذاب وإيصال الثواب لشرفها.

ثم فصل حالهم فقال: ﴿ منهم أمة مقتصدة ﴾ طائفة متوسطة في الغلو والتقصير، وذلك أن من عرف مقصوده فإنه يكون قاصداً له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب بخلاف من لا مقصد له فإنه يذهب متحيراً يميناً وشمالاَ، فجعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض ومن هم فيه قولان: أحدهما الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولاً في دينهم ولا يوجد فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، والثاني هم المؤمنون منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وثمانية وأربعين من النصارى.

﴿ وكثير منهم ساء ما يعملون ﴾ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم لكونهم أجلافاً متعصبين لا ينجع فيهم القول ولا يؤثر فيهم الدليل قيل: هم كعب بن الأشرف وأصحابه والروم.

ثم أمر رسوله بأن لا ينظر إلى قلة المقتصدين وكثرة المعاندين ولا يتخوف مكروههم فقال: ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ عن أبي سعيد الخدري "أن هذه الآية نزلت في فضل علي بن أبي طالب  وكرم الله وجه يوم غدير خم، فأخذ رسول الله  بيده وقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.

اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

فلقيه عمر وقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة" .

وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي.

وروي "أنه  نام في بعض أسفاره تحت شجرة وعلق سيفه عليه افأتاه أعرابي وهو نائم فأخذ سيفه واخترطه وقال: يا محمد، من يمنعك مني؟

فقال: الله.

فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه ونزل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ " وقيل: لما نزلت آية التخيير: ﴿ يا أيها النبي قل لأزواجك  ﴾ فلم يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا نزلت ﴿ يا أيها الرسول بلغ ﴾ وقيل: نزلت في أمر زيد وزينت بنت جحش.

وقيل: لما نزل ﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله  ﴾ سكت رسول الله  عن عيب آلهتهم فنزلت.

أي بلغ معايب آلهتهم ولا تخفها.

وقيل: إنه  لما بين الشرائع والمناسك في حجة الوداع.

قال: هل بلغت؟

قالوا: نعم.

فقال  : "اللهم اشهد" .

فنزلت وقيل: نزلت في قصة/ الرجم والقصاص المذكورتين.

وقال الحسن: إن نبي الله قال: " لما بعثني الله برسالته ضقت بها ذرعاً وعرفت أن من الناس من يكذبني واليهود والنصارى وقريش يخوفونني فنزلت الآية فزال الخوف" .

وقالت عائشة "سهر رسول الله  ذات ليلة فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟

قال: ألا رجل صالح يحرسني الليلة.

قالت: فبينما نحن في ذلك سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟

قال سعد وحذيفة: جئنا نحرسك.

فنام رسول الله  حتى سمعت غطيطه فنزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله  رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله" .

وعن ابن عباس قال: "كان رسول الله  يحرس فكان يرسل معه أبو طالب كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الآية.

فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسونه فقال: يا عماه إن الله  قد عصمني من الجن والإنس" .

ومعنى قوله: ﴿ ما أنزل إليك ﴾ جميع ما أنزل إليك وأي شيء أنزل إليك ﴿ وإن لم تفعل ﴾ ما أمرتك به كما أمرتك به ﴿ فما بلغت رسالته ﴾ من قرأ على الوحدة فلأنّ القرآن كله رسالة واحدة، أو لأن الرسالة اسم المصدر فيقع على الواحد وعلى الجمع.

ومن جمع فلأن كل آية أو حكم رسالة.

فإن قيل: معنى قوله: ﴿ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ﴾ إن لم تبلغ رسالته فما بلغت رسالته فما وجه صحته؟

فالجواب أن هذا جار على طريق التهديد والمراد إن لم تبلغ منها أدنى شيء فأنت كمن لم يبلغ شيئاً لأن أداء بعضها ليس أولى من أداء البعض الآخر كما أن من لم يؤمن ببعضها كان كمن لم يؤمن بكلها.

أو المراد إن لم تفعل فلك ما يوجبه كتمان الوحي كله فوضع السبب موضع المسبب، ويعضده ما روي أنه  قال: "بعثني الله برسالاته وضقت بها ذرعاً فأوحى الله إليّ إن لم تبلغ رسالاتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت " .

فإن قيل: اين ضمان العصمة وقد جرى عليه يوم أحد ما جرى؟

فالجواب أن الآية نزلت بعد يوم أحد.

أو المراد أنه يعصمه من القتل وعليه أن يحتمل كل ما دون النفس والناس الكفار لقوله: ﴿ إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ أي لا يمكنهم مما يريدون.

ثم لما أمره بتبليغ أي شيء كان طاب للسامع أو ثقل عليه أمره أن يقول لأهل الكتاب: ﴿ لستم على شيء ﴾ أي على دين يعتد به كما تقول: هذا ليس بشيء تريد تحقير شأنه، وباقي الآية مكرر للتأكيد.

ومعنى ﴿ فلا تأس ﴾ لا تاسف ولاتحزن عليهم بسبب زيادة طغيانهم فإن وبال ذلك عائد عليهم، أو لا تأسف بسبب نزول اللعن والعذاب عليهم فإنهم من الكافرين المستحقين لذلك.

يقال: آسى على مصيبته يأسى أسى أي حزن.

ثم لما بين أن أهل التكاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا بيَّن أن هذا الحكم عام في الكل وأنه لا يحصل لأحد منقبة ولا سعادة إلاّ إذا آمن وعمل صالحاً، وذلك أن كمال القوة النظرية لا يحصل إلاّ بمعرفة المبدأ والمعاد - أعني/ الإيمان بالله واليوم الآخر - وكمال القوة العملية إنما يحصل بتعظيم المعبود والشفقة على المخلوق - أعني العمل الصالح - وغاية هذا الكمال الخلاص من الخوف مما يستقبل ومن الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراً أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير الحزن على ما مضى من طيبات الدنيا لأنهم وجدوا أموراَ أعظم وأشرف.

وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة إلاّ أنه بقي ههنا بحث لفظيّ وهو أن قوله: ﴿ والصابئون ﴾ عطف على ماذا؟

فقال الكوفيون: إنه معطوف على محل ﴿ الذين ﴾ لأن اسم "إن" إذا كان مبنياً جاز العطف على محله، وإن كان قبل ذكر الخبر فيجوز: إنك وزيد ذاهبان.

وإن لم يجز إن زيداً وعمرو قائمان.

وذهب البصريون إلى عدم جواز ذلك مطلقاً لأنه يؤدي إلى إعمال "إنّ" وإعمال معنى الابتداء معاً في "قائمان" فيجتمع على المرفوع الواحد رافعان مختلفان وإنه محال.

فإذن ﴿ الصابئون ﴾ مرفوع بالابتداء على نية التأخير كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك، فتكون هذه جملة معطوفة على جملة قوله: ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ إلى آخره ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها، وفائدة هذا التقديم التنبيه علىأن التوبة مقبولة ألبتة، وذلك أن الصابئين بين هؤلاء المعدودين ضلال لأنهم صبؤا عن الأديان كلها أي خرجوا فكأنه قال: كل هؤلاء الفرق إذا أتوا بالإيمان والعمل الصالح قبلت توبتهم حتى الصابئون ولو قيل: والصابئين لم يكن من التقديم في شيء لأنه ثابت في مركزه الأصلي وإنما تطلب فائدة التقديم للمزال عن موضعه والراجع إلى اسم "إن" محذوف والتقدير من آمن منهم كما في البقرة والله أعلم.

التأويل: شر الفريقين من جعله الله مستعداً لقبول فيض القهر من اللعن والغضب، وجعل صفة الفردية والخنزيرية أعني الحيلة والحرص والشهوة من بعض خصائصهم.

﴿ أولئك شر مكاناً ﴾ من القردة والخنازير لأن القردة والخنازير لا استعداد لهم وهؤلاء قد أبطلوا استعدادهم الفطري ومثله: ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ولهذا دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به.

الربانيون مشايخ الطريقة والأحبار علماء الشريعة.

﴿ غلت أيديهم ﴾ كانت أيديهم من إصابة الخير مغلولة ومشامهم عن تنسم روائح الصدق مزكومة فلهذا قالوا: ﴿ يد الله مغلولة ﴾ وكل إناء يرشح بما فيه.

ولكن الذي أدركته العناية الأزلية وسلبت عنه صفات الظلومية والجهولية  قال: " "يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار ينفق كيف يشاء" بيدي اللطف والقهر على المؤمنين من الهداية والإحسان، وعلى/الكافرين من العواية والخذلان.

﴿ وألقينا بينهم العداوة ﴾ فلا يوجد أحد إلاّ وبينه وبين صاحبه بغض إلى أن يتوارثوا بطناً بعد بطن.

ولو أن أهل العلوم الظاهرة آمنوا بالعلوم الباطنة واتقوا الإنكار والاعتراض، ولو أنهم عملوا بمتفقات الكتب المنزلة ومستحسناتها ﴿ لأكلوا من فوقهم ﴾ ورزقوا من الواردات الروحانية ﴿ ومن تحت أرجلهم ﴾ إلى أعلى مقاماتهم.

من العلماء الظاهريين أمة مقتصدة إن لم تكن سابقة بالخيرات، والمقتصد هو العالم المتقي والمريد الصادق دون السابق وهو الواصل الكامل العالم الرباني ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ يندرج تحته الوحي والإلهامات والمنامات والوقائع والواردات والمشاهدات والكشوف والأنوار والأسرار والأخلاق والمواهب والحقائق ومعاني النبوّة والرسالة.

فالرسول إن لم يبلغ بعض هذه الحقائق إلى العباد لم يمكنهم الوصول إلى الله فلا يحصل مقصود ما أرسل به فلم يبلغ رسالته إلاّ أن للتبليغ مراتب كما أنزل إليه.

فتبليغ بالعبارة وتبليغ بالإشارة وتبليغ بالتأديب وتبليغ بالتزكية وتبليغ بالتحلية وتبليغ بالهمة وتبليغ بجذبات الولاية وتبيليغ بقوة النبوة والرسالة وتبليغ بالشفاعة.

وللخلق أيضاً مراتب في قبول الدعوة بحسب الاستعدادات المختلفة ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ ﴿ والله يعصمك ﴾ بأوصاف لاهوتيته عن أوصاف ناسوتيتك لتتصرف في الخلق بقوة اللاهوتية فتوصلهم إلى الله ولا يتصرفون فيك فيقطعوك عن الله.

يا أرباب العلوم الظاهرة لستم على شيء من حقيقة الدين حتى تزينوا ظاهركم وباطنكم بالأعمال والأحوال الواردة في الكتب الإلهية وذلك بمقدمتين وأربع نتائج.

فالمقدمتان: الجذبة الإلهية ونتيجتها الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى المولى، ثم تربية الشيخ ونتيجتها تزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتحلية القلب بالأخلاق الفاضلة والله حسبي ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ...

﴾ \[الآية\].

قال الحسن: [قول اليهود]: "يد الله مغلولة"، أي: محبوسة ممنوعة عن تعذيبنا؛ لقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ .

في الآخرة بالسلاسل إلى أعناقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ .

بالمغفرة والتعذيب؛ يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء.

قال ابن عباس -  -: "قولهم: "يد الله مغلولة": لا يعنون بذلك أن يده موثقة مغلولة حقيقة اليد والغل؛ ولكن وصفوه بالبخل، وقالوا: أمسك ما عنده؛ بخلا منه،  الله عن ذلك.

وقال آخرون: إن الله - تبارك وتعالى - قد كان بسط على اليهود الرزق؛ فكانت من أخصب الناس وأكثرهم خيراً، فلما عصوا الله في محمد  ، وكفروا به، وبدلوا نعمة الله كفراً بالنعمة - كف الله -  - عنهم بعض الذي كان بسط عليهم من السعة في الرزق؛ فعند ذلك قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، لم يقولوا: يده مغلولة إلى عنقه، ولكن ممسكة عنهم الرزق، فلا يبسط كما كان يبسط؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ : نهى عن البخل في الإنفاق، لا أنه أراد حقيقة غل اليد إلى عنقه؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ : كناية عن البخل ووصف به، لا حقيقة الغل، وبالله العصمة.

وتأويل قوله: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ على هذا التأويل، أي: أيديهم هي الممسكة عن الإنفاق، وهم الموصوفون بالبخل والشح.

﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، أي: نعمه مبسوطة: يوسع على من يشاء، ويقتر على من يشاء.

وفي حرف ابن مسعود -  -: بل يداه يبسطان.

قال الفراء: يقال: وجه مبسوط، ووجه بسط.

ثم لا يحتمل أن يفهم من إضافة اليد إلى الله ما يفهم من الخلق؛ لما وجد إضافة اليد إلى من لا يحتمل أن يكون له اليد، من ذلك قوله -  -: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ  ﴾ : لا يفهم من القرآن اليد كما يفهم من الخلق؛ فعلى ذلك لا يجوز أن يفهم من إضافة اليد إلى الله -  - كما يفهم من الخلق؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ و ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، لم يفهم منه اليد نفسها؛ وكذلك قوله: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، لكن أضيف ذلك إلى اليد؛ لما باليد يقدم ويعطي ويكسب؛ ألا ترى أنه قال -  -: ﴿ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ ، ومعلوم أنه لم يفهم من اليد: اليد نفسها، ولكن أضيف ذلك إليها؛ لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ ﴾ .

قيل: عذبوا بما قالوا: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ ، واللعن - في اللغة -: هو الطرد؛ كأنه قال: طردوا عن رحمة الله وأيسوا عنها حتى لا ينالوها أبداً بقولهم الذي قالوا.

وقيل: فيه إخبار: أنهم يموتون على ذلك، ولا يؤمنون، فماتوا على ذلك؛ فذلك دليل رسالته، عليه الصلاة والسلام، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يريد ما أنزل [الله] إليك من القرآن، ﴿ كَثِيراً مِّنْهُم ﴾ ، يعني: اليهود ﴿ طُغْيَاناً وَكُفْراً ﴾ .

وقيل: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ : من البيان عما كتموا من نعته وصفته التي كانت في كتابهم، وما حرفوا فيه وغيروه من الأحكام؛ فذلك مما زادهم طغياناً وكفرا.

قيل: ﴿ طُغْيَاناً ﴾ ، أي: تمادياً بالمعصية، ﴿ وَكُفْراً ﴾ : بالقرآن.

وقيل: الطغيان: هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحدِّ الذي حد.

فإن قيل: ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد طغياناً ولا كفراً؟: قيل: إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه ثلاثة: منها: ما يضاف لحقيقة الفعل بها.

ومنها: ما يضاف للأحوال.

ومنها: ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن؛ لما كان فيهم من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم؛ وهو كقوله -  -: ﴿ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ : إنهن لا يضللن أحداً في الحقيقة؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا  ﴾ والحياة الدنيا لا تغر أحداً؛ ولكن لما [لو] كانت لها حواس لكان ما أبدت من الزينة لغرت.

وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ﴾ : بين اليهود والنصارى، أي: لا يحب اليهودي نصرانيّاً، ولا النصراني يهوديّاً.

وقال آخرون: ﴿ بَيْنَهُمُ ﴾ ، أي: بين اليهود؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة: منهم من يقول: عزير ابن الله، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه.

هم على أهواء مختلفة، فبينهم عداوة وبغضاء، على ما ذكرنا الاختلاف الواقع بينهم.

ثم معنى ما أضاف من إلقاء العداوة بينهم إلى نفسه لا يخلو: إما أن يكون له في نفس العداوة فعل، أو أن يكون في سبب العداوة، ولا يجوز أن يكون له في فعل العداوة صنع؛ لأنه فعلهم، ولا في سبب العداوة - أيضاً - لأن سببه الاختلاف، والاختلاف فعلهم - أيضاً - فإذا بطل أن يكون له في واحد من هذين صنع؛ دل أن له ذلك من الوجه الآخر، وهو أن خلق فعل العداوة وسبب العداوة منهم، وبالله التوفيق والعصمة.

فإن قيل: ذكر هاهنا أنه  ألقى بينهم العداوة والبغضاء، وذكر في آية أخرى أن بعضهم أولياء بعض بقوله -  -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ كيف يجمع بينهما؟!: قيل: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ﴾ في أصل الدين وهو الكفر، وبينهم عداوة؛ لاختلاف الأهواء والمذاهب، والله أعلم.

وفي الآية دلالة الامتنان على رسول الله  بما أخبر أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء، ولو كانوا على مذهب واحد، ولم يكن بينهم اختلاف وعداوة - لكان ذلك عليه أشد، وفي المقام بينهم أصعب، لكن مَنَّ عليه بالاختلاف فيما بينهم؛ لما جعل الاختلاف والتنازع سبب الفشل؛ كقوله -  -: ﴿ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ...

﴾ الآية [الأنفال: 46].

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: كلما أرادوا مكر رسول الله  وأجمعوا أمرهم على قتله، أطلع الله نبيه - عليه الصلاة والسلام - على ذلك؛ حتى لم يقدروا على مكره.

والثاني: كلما انتصبوا للحرب مع رسول الله  واجتمعوا عليه، فرق الله شملهم، وجعلهم بحيث لا يجتمعون على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .

يحتمل وجهين - أيضاً -: يحتمل: السعي بالفساد على حقيقة المشي على الأقدام، وهو ما كانوا يسعون في نصب الحرب مع المؤمنين، والاتصال بغيرهم من الكفرة، والاستعانة بهم؛ فذلك هو السعي في الأرض بالفساد.

والثاني: ما كتموا من نعت رسول الله  وصفته وحرفوا ما في كتبهم من أعلام نبوته وآيات رسالته، ودعوا الناس إلى غير ما نزل فيه؛ وذلك سعي في الأرض بالفساد، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .

لأنه لا يحب الفساد، ولا يرضى به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ﴾ .

عامل الله - عز وجل - خلقه معاملة أكرم الأكرمين؛ حيث وعد لهم المغفرة، وتكفير ما ارتكبوا في حال الكفر، وقولهم في الله من القبيح الوَخْش؛ لو آمنوا واتقوا الذي قالوا في الله؛ وهو كما قال الله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ : وذلك - والله أعلم - أنه لما تاب ورجع عن صنيعه يرجع عن جميع ما كان منه، ويندم على ذلك، ويتمنى أن يكون ما كان منه في تلك الحال من الشر: خيراً؛ فهو كقوله -  -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ ؛ لأنهم يندمون على تلك السيئات التي كانت منهم، ويتمنون أن يكون الذي كان منهم في تلك الحال خيراً لا شرّاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، وبما أنزل إليهم من القرآن - لأكلوا من كذا مما ذكر.

ويحتمل: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ : على ما أنزل، ورجعوا عما حرفوا فيها وغيروه وكتموه من نعت [نبينا] محمد  وصفته، وما فيها من الأحكام - لكان لهم ما ذكر، والله أعلم.

وذلك أنهم كانوا يخافون الضيق إذا أسلموا وهو - والله أعلم - قوله: ﴿ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ  ﴾ فأخبر الله - عز وجل - أنهم لو آمنوا واتقوا الشرك، لوسع عليهم العيش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ .

ليس على حقيقة الأكل؛ ولكن يخرج على المبالغة في الوصف والذكر؛ كما يقال: فلان من قرن رأسه إلى قدمه في نعمة: ليس على حقيقة ما وصف؛ ولكن على المبالغة في الوصف بالسعة.

ويحتمل: أن يكون على حقيقة الأكل: أما ما يخرج من تحت الأرجل: فهو ما يخرج من الأرض من المأكول والمشروب، ومن فوقهم: من الثمار والفواكه يخرج من الأشجار.

ويحتمل: ما ذكر ﴿ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ : وهو الجبال، و ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ : الأرض، إخبار أن يكون لهم نزل الجبل والسهل جميعاً.

وقيل: ﴿ لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ، أي: أرسل الله عليهم مدراراً، ﴿ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ﴾ : تخرج الأرض بركتها، وتنبت لهم الثمرة.

وقال قتادة: لأعطتهم الأرض نباتها، والسماء بركتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ﴾ من أسلم منهم.

وقيل: منهم أمة مقتصدة على كتاب الله لم يحرفوه، ولا غيروه، ولا كتموا شيئاً، ولا سعوا في الأرض بالفساد على ما عمل أكثرهم من التحريف والتغيير، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أن اليهود عملوا بما في التوراة، وعملوا جميعًا لما أنزل عليهم من القرآن - وأن النصارى, عملوا بما في الإلجيل، ليسَّرتُ لهم أسباب الرزق من إنزال المطر وإنبات الأرض، ومن أهل الكتاب المعتدلُ الثابت على الحق، والكثير منهم ساء عمله لعدم إيمانهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZnM62"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر