الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٧٩ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٩ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم ، فقال : ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) أي : كان لا ينهى أحد منهم أحدا عن ارتكاب المآثم والمحارم ، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوا ، فقال : ( لبئس ما كانوا يفعلون ) وقال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا يزيد ، حدثنا شريك بن عبد الله ، عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي ، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا ، فجالسوهم في مجالسهم - قال يزيد : وأحسبه قال : وأسواقهم - وواكلوهم وشاربوهم .
فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال : " لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا " .
وقال أبو داود : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ، حدثنا يونس بن راشد ، عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول : يا هذا ، اتق الله ودع ما تصنع ، فإنه لا يحل لك .
ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده ، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ثم قال : ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ) إلى قوله : ( فاسقون ) ثم قال : " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا - أو تقصرنه على الحق قصرا " .
وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق علي بن بذيمة به ، وقال الترمذي : " حسن غريب " .
ثم رواه هو وابن ماجه ، عن بندار ، عن ابن مهدي ، عن سفيان ، عن علي بن بذيمة ، عن أبي عبيدة مرسلا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج وهارون بن إسحاق الهمداني قالا حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن العلاء بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيرا ، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه - وفي حديث هارون : وشريبه ، ثم اتفقا في المتن - فلما رأى الله ذلك منهم ، ضرب قلوب بعضهم على بعض ، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد المسيء ، ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ، أو ليلعنكم كما لعنهم " ، والسياق لأبي سعيد .
كذا قال في رواية هذا الحديث .
وقد رواه أبو داود أيضا ، عن خلف بن هشام ، عن أبي شهاب الخياط ، عن العلاء بن المسيب ، عن عمرو بن مرة ، عن سالم - وهو ابن عجلان الأفطس - ، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بنحوه .
ثم قال أبو داود : وكذا رواه خالد ، عن العلاء ، عن عمرو بن مرة به .
ورواه المحاربي ، عن العلاء بن المسيب ، عن عبد الله بن عمرو بن مرة ، عن سالم الأفطس ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي : وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي ، عن العلاء عن عمرو بن مرة ، عن أبي موسى والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدا ، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام .
[ و ] قد تقدم حديث جرير عند قوله [ تعالى ] ( لولا ينهاهم الربانيون والأحبار ) [ المائدة : 63 ] ، وسيأتي عند قوله : ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) [ المائدة : 105 ] ، حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني [ رضي الله عنهما ] - فقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان الهاشمي أنبأنا إسماعيل بن جعفر ، أخبرني عمرو بن أبي عمرو ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي ، عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " .
ورواه الترمذي ، عن علي بن حجر ، عن إسماعيل بن جعفر به .
وقال : هذا حديث حسن وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن هشام بن سعد ، عن عمرو بن عثمان ، عن عاصم بن عمر بن عثمان عن عروة ، عن عائشة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر ، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم " .
تفرد به ، وعاصم هذا مجهول .
وفي الصحيح من طريق الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه ، عن سعيد - وعن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي سعيد الخدري - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " رواه مسلم .
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن نمير ، حدثنا سيف - هو ابن أبي سليمان سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال : حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني : عدي بن عميرة رضي الله عنه - يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه .
فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة " .
ثم رواه أحمد ، عن أحمد بن الحجاج ، عن عبد الله بن المبارك ، عن سيف بن أبي سليمان ، عن عدي بن عدي الكندي حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فذكره .
هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين .
وقال أبو داود : حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا مغيرة بن زياد الموصلي ، عن عدي بن عدي ، عن العرس - يعني ابن عميرة - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة : فأنكرها - كان كمن غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها .
" تفرد به أبو داود ثم رواه عن أحمد بن يونس ، عن أبي شهاب ، عن مغيرة بن زياد ، عن عدي بن عدي مرسلا .
[ و ] قال أبو داود : حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر قالا حدثنا شعبة - وهذا لفظه - عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري قال : أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم - وقال سليمان : حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ; أن النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " لن يهلك الناس حتى يعذروا - أو : يعذروا - من أنفسهم " .
وقال ابن ماجه : حدثنا عمران بن موسى ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا علي بن زيد بن جدعان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا ، فكان فيما قال : " ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه " .
قال : فبكى أبو سعيد وقال : قد - والله - رأينا أشياء ، فهبنا .
وفي حديث إسرائيل : عن محمد بن حجادة ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " .
رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي : حسن غريب من هذا الوجه .
وقال ابن ماجه : حدثنا راشد بن سعيد الرملي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال : عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال : يا رسول الله ، أي الجهاد أفضل؟
فسكت عنه .
فلما رمى الجمرة الثانية سأله ، فسكت عنه .
فلما رمى جمرة العقبة ، ووضع رجله في الغرز ليركب ، قال : " أين السائل؟
" قال : أنا يا رسول الله ، قال : " كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر " .
تفرد به .
وقال ابن ماجه : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يحقر أحدكم نفسه " .
قالوا : يا رسول الله ، كيف يحقر أحدنا نفسه؟
.
قال : " يرى أمرا لله فيه مقال ، ثم لا يقول فيه .
فيقول الله له يوم القيامة : ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا؟
فيقول : خشية الناس ، فيقول : فإياي كنت أحق أن تخشى " .
تفرد به .
وقال أيضا : حدثنا علي بن محمد ، حدثنا محمد بن فضيل ، حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة ، حدثنا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله ليسأل العبد يوم القيامة ، حتى يقول : ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟
فإذا لقن الله عبدا حجته ، قال : يا رب ، رجوتك وفرقت من الناس " .
تفرد به أيضا ابن ماجه وإسناده لا بأس به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عمرو بن عاصم ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن الحسن ، عن جندب ، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه " .
قيل : وكيف يذل نفسه؟
قال : " يتعرض من البلاء لما لا يطيق " .
وكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا ، عن محمد بن بشار ، عن عمرو بن عاصم به .
وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب .
وقال ابن ماجه : حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي ، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي ، حدثنا الهيثم بن حميد ، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني ، عن مكحول عن أنس بن مالك قال : قيل : يا رسول الله ، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قال : " إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم " .
قلنا : يا رسول الله ، وما ظهر في الأمم قبلنا؟
قال : " الملك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في رذالكم " .
قال زيد : تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : " " والعلم في رذالكم " : إذا كان العلم في الفساق .
تفرد به ابن ماجه وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله : ( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) [ المائدة : 105 ] شاهد لهذا ، إن شاء الله تعالى وبه الثقة .
القول في تأويل قوله : كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: كان هؤلاء اليهود الذين لعنهم الله=" لا يتناهون "، يقول: لا ينتهون عن منكر فعلوه، ولا ينهى بعضهم بعضًا.
(19) ويعني بـ" المنكر "، المعاصي التي كانوا يعصون الله بها.
(20) * * * فتأويل الكلام: كانوا لا ينتهون عن منكر أتوه=" لبئس ما كانوا يفعلون ".
وهذا قسم من الله تعالى ذكره يقول: أقسم: لبئس الفعل كانوا يفعلون، في تركهم الانتهاء عن معاصي الله تعالى ذكره، وركوب محارمه، وقتل أنبياء الله ورسله، (21) كما:- 12313 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه "، لا تتناهى أنفسهم بعد أن وقعوا في الكفر.
-------------- الهوامش : (19) انظر تفسير"انتهى" فيما سلف قريبًا ص: 482 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
(20) انظر تفسير"المنكر" فيما سلف 7: 91 ، 105 ، 130.
(21) انظر تفسير"بئس" فيما سلف 2 : 338 ، 393/ 3 : 56/ 7 : 459.
قوله تعالى : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلونقوله تعالى : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه فيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : كانوا لا يتناهون أي : لا ينهى بعضهم بعضا : لبئس ما كانوا يفعلون ذم لتركهم النهي ، وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم .
خرج أبو داود عن [ ص: 188 ] عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل أول ما يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون إلى قوله : فاسقون ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعننكم كما لعنهم وخرجه الترمذي أيضا ، ومعنى لتأطرنه لتردنه .الثانية : قال ابن عطية : والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين ; فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه .
وقال حذاق أهل العلم : وليس من شرط الناهي أن يكون سليما عن معصية بل ينهى العصاة بعضهم بعضا ، وقال بعض الأصوليين : فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم بعضا .واستدلوا بهذه الآية ; قالوا : لأن قوله : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه يقتضي اشتراكهم في الفعل وذمهم على ترك التناهي ، وفي الآية دليل على النهي عن مجالسة المجرمين وأمر بتركهم وهجرانهم ، وأكد ذلك بقوله في الإنكار على اليهود : ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا و ما من قوله : ما كانوا يجوز أن تكون في موضع نصب وما بعدها نعت لها ; التقدير لبئس شيئا كانوا يفعلونه .
أو تكون في موضع رفع وهي بمعنى الذي .
ومن معاصيهم التي أحلت بهم المثلات، وأوقعت بهم العقوبات أنهم: { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } أي: كانوا يفعلون المنكر، ولا ينهى بعضهم بعضا، فيشترك بذلك المباشر، وغيره الذي سكت عن النهي عن المنكر مع قدرته على ذلك.
وذلك يدل على تهاونهم بأمر الله، وأن معصيته خفيفة عليهم، فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر -مع القدرة- موجبا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة: منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية، وإن لم يباشرها الساكت.
فإنه -كما يجب اجتناب المعصية- فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.
ومنها: ما تقدم أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.
ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلًا.
ومنها: أن - في ترك الإنكار للمنكر- يندرس العلم، ويكثر الجهل، فإن المعصية- مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها - يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالا؟
وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقا؟" ومنها: أن السكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء بأضرابه وبني جنسه، ومنها ومنها.
فلما كان السكوت عن الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم.
( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) [ أي : لا ينهى بعضهم بعضا ] ( لبئس ما كانوا يفعلون ) أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا الحسن محمد بن الحسين أنا أحمد بن محمد بن إسحاق أنا أبو يعلى الموصلي أنا وهب بن بقية أنا خالد - يعني ابن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس ، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ، وجعل منهم القردة والخنازير ، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم " .
«كانوا لا يتناهون» أي لا ينهى بعضهم بعضا «عن» معاودة «منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون» فعلهم هذا.
كان هؤلاء اليهود يُجاهرون بالمعاصي ويرضونها، ولا يَنْهى بعضُهم بعضًا عن أيِّ منكر فعلوه، وهذا من أفعالهم السيئة، وبه استحقوا أن يُطْرَدُوا من رحمة الله تعالى.
ثم فسر - سبحانه - عصيانهم وعدوانهم بقوله : ( كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) .وقوله ( يَتَنَاهَوْنَ ) من التناهي .قال الفخر الرازي : وللتناهي ههنا معنيان :أحدهما : وهو الذي عليه الجمهور - أنه تفاعل من النهي .
أي : كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً .روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من رضى عمل قوم فهو منهم .
ومن كثر سواد قوم فهو منهم " .والمعنى الثاني : في التناهي أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر ، تناهى عنه إذا كف عنه " .والمنكر : هو كل ما تنكره الشرائع والعقول من الأقوال والأفعال .أي أن مظاهر عصيان الكافرين من بني إسرائيل وتعديهم مما أدى إلى لعنهم وطردهم من رحمة الله أنهم كانوا لا ينهى بعضهم بعضا عن اقتراف المنكرات .
واجتراح السيئات ، بل كانوا يرون المنكرات ترتكب فيسكتون عليها بدون استنكار مع قدرتهم على منعها قبل وقوعها .وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها : أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها .وقوله : ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) ذم لهم على كثرة ولو غهم في المعاصي والمنكرات وتعجب من سوء فعلهم .واللام في قوله ( لَبِئْسَ ) لام القسم فكأنه - سبحانه - قال : أقسم لبئس ما كانوا يفعلون وهو ارتكاب المعاصي والعدوان وترك الأمر بالمعورف والنهي عن المنكر .قال صاحب الكشاف : قوله : ( لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ) للتعجيب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم .
فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير ، وقلة عبئهم به ، كأنه ليس من ملة الإِسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب .فإن قلت ما معى وصف المنكر بفعلوه ، ولا يكون النهي بعد الفعل؟
قلت : معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوى وتهيأ فتنكر .هذا ، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهما قوام الأمم وسياج الدين ولا صلاح لأمة من الأمم إلا بالقيام بحقهما .ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده .
فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإِيمان " .وروى الإمام أحمد في معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم أو في أسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم داود وعيسى ابن مريم ، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون " .قال ابن مسعود : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال : " لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً - أي تحملوهم على التزام الحق وتعطوفهم عليه " .وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم " .وروى الإمام أحمد عن عدي بن عميرة - رضي الله عنه - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله - لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه .
فإذا فعلوا ذلك لعن الله العامة والخاصة " .وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال يا رسول الله ، متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قال : " إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم قلنا : يا رسول الله ، وما الذي ظهر في الأمم قبلنا؟
قال صلى الله عليه وسلم : الملك في صغاركم ، والفاحشة في كباركم ، والعلم في رذالتكم " أي في فساقكم .هذا جانب من الأحاديث التي وردت في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فعلى الأمة الإِسلامية أن توقم بحقها حتى تكون مستحقة لمدح الله - تعالى - لها بقوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله ) أي : ترى - أيها الرسول الكريم - كثيرا من بني إسرائيل المعاصرين لك يوالون الكافرين ويحالفونهم عليك؛ بسبب حسدهم لك على ما آتاك الله من فضله وبسبب كراهتهم للإِسلام والمسلمين .والذي يقرأ تاريخ الدعوة الإِسلامية يرى أن اليهود كانوا دائما يضعون العراقيل في طريقها ، ويناصرون كل محارب لها ، ففي غزوة الأحزاب انضم بنو قريظة إلى المشركين ولم يقيموا وزنا للعهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين المسلمين .وفي كل زمان ومكان نرى أن اليهود يحاربون الإِسلام والمسلمين ، ويؤيدون كل من يريد لهما الشرور والأضرار .
ثم أنه تعالى فسّر المعصية والاعتداء بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يتناهون عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ وللتناهي هاهنا معنيان: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً، روى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم».
والمعنى الثاني في التناهي: أنه بمعنى الانتهاء.
يقال: انتهى عن الأمر، وتناهى عنه إذا كف عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ اللام في ﴿ لَبِئْسَ ﴾ لام القسم، كأنه قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فإن قيل: الانتهاء عن الشيء بعد أن صار مفعولاً غير ممكن فلم ذمهم عليه؟
قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن يكون المراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه الثاني: لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته وأدواته.
الثالث: لا يتناهون عن الاصرار على منكر فعلوه.
<div class="verse-tafsir"
نزّل الله لعنهم في الزبور ﴿ على لِسَانِ دَاوُودُ ﴾ وفي الإنجيل على لسان عيسى.
وقيل إن أهل أيلة، لما اعتدوا في السبت قال داود عليه السلام: اللَّهم العنهم واجعلهم آية، فمسخوا قردة.
ولما كفر أصحاب عيسى عليه السلام بعد المائدة قال عيسى عليه السلام: اللَّهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذاباً لم تعذبه أحداً من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل، ما فيهم امرأة ولا صبيّ ﴿ ذلك بِمَا عَصَواْ ﴾ أي لم يكن ذلك اللعن الشنيع الذي كان سبب المسخ، إلا لأجل المعصية والاعتداء، لا لشيء آخر؛ ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله: ﴿ كَانُواْ لاَ يتناهون ﴾ لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ ثم قال: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ للتعجيب من سوء فعلهم، مؤكداً لذلك بالقسم، فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبثهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء مع ما يتلون من كلام الله وما فيه من المبالغات في هذا الباب.
فإن قلت كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء؟
قلت: من قبل أنّ الله تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية وهو اعتداء، لأنّ في التناهي حسماً للفساد فكان تركه على عكسه.
فإن قلت: ما معنى وصف المنكر بفعلوه، ولا يكون النهي بعد الفعل؟
قلت: معناه لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر أرادوا فعله، كما ترى أمارات الخوض في الفسق وآلاته تسوّى وتهيأ فتنكر.
ويجوز أن يراد: لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه، بل يصبرون عليه ويداومون على فعله.
يقال: تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه ﴿ ترى كَثِيراً مّنْهُمْ ﴾ هم منافقو أهل الكتاب، كانوا يوالون المشركين ويصافونهم ﴿ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ ﴾ هو المخصوص بالذمّ، ومحله الرفع، كأنه قيل: لبئس زادهم إلى الآخرة سخط الله عليهم.
والمعنى: موجب سخط الله ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ ﴾ إيماناً خالصاً غير نفاق ما اتخذوا المشركين ﴿ أَوْلِيَاء ﴾ يعني أنّ موالاة المشركين كفى بها دليلاً على نفاقهم، وأنّ إيمانهم ليس بإيمان ﴿ ولكن كَثِيراً مّنْهُمْ فاسقون ﴾ متمرّدون في كفرهم ونفاقهم.
وقيل معناه: ولو كانوا يؤمنون بالله وموسى كما يدّعون، ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما.
وقِيلَ إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ داوُدَ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا دَعا عَلَيْهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَعَنَهم فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ.
﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ أيْ ذَلِكَ اللَّعْنُ الشَّنِيعُ المُقْتَضِي لِلْمَسْخِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ.
﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ أيْ لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مِثْلِ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، أوْ عَنْ مُنْكَرٍ أرادُوا فِعْلَهُ وتَهَيَّؤُوا لَهُ، أوْ لا يَنْتَهُونَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِمْ تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ إذا امْتَنَعَ.
﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ تَعْجِيبٌ مِن سُوءِ فِعْلِهِمْ مُؤَكَّدٌ بِالقَسَمِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله {كانوا لا يتناهون} لا ينهي بعضهم بعضاً {عن مّنكرٍ فعلوه} عن قبيح فعلوه ومعنى وصف المنكر يفعلوه ولا يكون النهي بعد الفعل أنهم لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه أو عن مثل منكر فعلوه أو عن منكر أرادوا فعله أو المراد لا ينتهون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه يقال تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه وتركه ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً لذلك بالقسم بقوله {لبئس ما كانوا يفعلون} وفيه دليل على أن ترك النهي عن المنكر من العظائم فيا حسرة على المسلمين في اعراضهم عنه
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ مُؤْذِنٌ بِاسْتِمْرارِ الِاعْتِداءِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُفِيدٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِمْرارُهُ إلّا بِاسْتِمْرارِ تَعاطِي المُنْكَراتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّناهِي أنْ يَنْهى كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ عَمّا يَفْعَلُهُ مِنَ المُنْكَرِ - كَما هو المَعْنى المَشْهُورُ لِصِيغَةِ التَّفاعُلِ - بَلْ مُجَرَّدُ صُدُورِ النَّهْيِ عَنْ أشْخاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ناهِيًا ومَنهِيًّا مَعًا، كَما في ( تَراءَوُا الهِلالَ ) وقِيلَ: التَّناهِي بِمَعْنى الِانْتِهاءِ مِن قَوْلِهِمْ: تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ إذا امْتَنَعَ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ، ومُفِيدَةٌ لِاسْتِمْرارِهِما صَرِيحًا، وعَلى الأوَّلِ إنَّما تُفِيدُ اسْتِمْرارَ انْتِفاءِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اسْتِمْرارُ فِعْلِهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تُقَوِّي هَذِهِ الجُمْلَةُ احْتِمالَ الِاسْتِئْنافِ فِيما سَبَقَ خِلافًا لَأبِي حَيّانَ.
والمُرادُ بِالمُنْكَرِ قِيلَ: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ، وقِيلَ: أخْذُ الرِّشْوَةِ في الحُكْمِ، وقِيلَ: أكْلُ الرِّبا وأثْمانِ الشُّحُومِ، والأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ نَوْعُ المُنْكَرِ مُطْلَقًا، وما يُفِيدُهُ التَّنْوِينُ وحْدَةٌ نَوْعِيَّةٌ لا شَخْصِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ لا يَقْدَحُ وصْفُهُ بِالفِعْلِ الماضِي في تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ لِما أنَّ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ إنَّما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ، أوِ الِانْتِهاءُ عَنْ مُطْلَقِ المُنْكَرِ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في ضِمْنِ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِهِ، عَلى أنَّهُ لَوْ جُعِلَ المُضِيُّ في ( فَعَلُوهُ ) بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ الخِطابِ لا زَمانِ النَّهْيِ لَمْ يَبْقَ في الآيَةِ إشْكالٌ، ولَمّا غَفَلَ بَعْضُهم عَنْ ذَلِكَ قالَ: إنَّ الآيَةَ مُشْكِلَةٌ لِما فِيها مِن ذَمِّ القَوْمِ بِعَدَمِ النَّهْيِ عَمّا وقَعَ مَعَ أنَّ النَّهْيَ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ أصْلًا، وإنَّما يَكُونُ عَنِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَأْوِيلِها بِأنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ العَوْدِ إلَيْهِ، وهَذا إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ ( مُنْكَرٍ ) أيْ ( مُعاوَدَةِ مُنْكَرٍ ) أوْ يُفْهَمُ مِنَ السِّياقِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ ( فَعَلُوا ) مِثْلَهُ، أوْ بِحَمْلِ ( فَعَلُوهُ ) عَلى أرادُوا فِعْلَهُ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ ﴾ .
واعْتُرِضَ الأوَّلُ بِأنَّ المُعاوَدَةَ كالنَّهْيِ لا تَتَعَلَّقُ بِالمُنْكَرِ المَفْعُولِ، فَلا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وفِيهِما مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الإشْكالَ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: كانُوا لا يَنْهَوْنَ يَوْمَ الخَمِيسِ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ مَثَلًا، فَإنَّهُ لا خَفاءَ في صِحَّتِهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ما يَأْباهُ، فَلْيُحْمَلْ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ تَقْبِيحٌ لِسُوءِ فِعْلِهِمْ، وتَعْجِيبٌ مِنهُ، والقَسَمُ لِتَأْكِيدِ التَّعْجِيبِ، أوْ لِلْفِعْلِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ زَجْرٌ شَدِيدٌ لِمَن يَتْرُكُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدَعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِبُ لَكم»».
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ العامَّةَ بِعَمَلِ الخاصَّةِ حَتّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وهم قادِرُونَ عَلى أنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُونَهُ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى الخاصَّةَ والعامَّةَ»».
وأخْرَجَ الخَطِيبُ مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: ««والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِيَدِهِ لَيَخْرُجَنَّ مِن أُمَّتِي أُناسٌ مِن قُبُورِهِمْ في صُورَةِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ بِما داهَنُوا أهْلَ المَعاصِي، وكَفُّوا عَنْ نَهْيِهِمْ وهم يَسْتَطِيعُونَ»».
والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وفِيها تَرْهِيبٌ عَظِيمٌ فَيا حَسْرَةً عَلى المُسْلِمِينَ في إعْراضِهِمْ عَنْ بابِ التَّناهِي عَنِ المَناكِيرِ، وقِلَّةِ عَبْئِهِمْ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعني: اليهود، عَلى لِسانِ داوُدَ وذلك أن الله تعالى مسخهم قردة، حيث اصطادوا السمك يوم السبت، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني: وعلى لسان عيسى ابن مريم، حيث دعا عليهم، فمسخهم الله تعالى خنازير.
ويقال: لعن الذين كفروا، أي: أُبعِدوا من رحمة الله، على لسان داود، وعيسى ابن مريم.
وقال الزجاج: يحتمل معنيين: أحدهما أنهم مسخوا بلعنتهما، فجعلوا قردة وخنازير.
وجائز أن يكون داود وعيسى لعنا من كفر بمحمد ، يعني: لعن الكفار الذين على عهد رسول الله .
ثم قال: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يعني: الذين أصابهم من اللعنة بما عصوا يعني: بعصيانهم وَكانُوا يَعْتَدُونَ في دينهم، كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ يعني: لم يمتنعوا عن قبيح من الأفعال، ورضوا به لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ حين لم ينهوا عن المنكر.
ثم قال: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ قال مقاتل: يعني: اليهود يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي العرب.
وقال الكلبي: تَرى كَثِيراً من المنافقين يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: اليهود، لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ معناه: لبئس الفعل الذي كانوا يستوجبون به السخط من الله تعالى، ويوجب لهم العقوبة والعذاب وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ يعني: دائمون.
ثم قال تعالى: وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ يعني: المنافقين، لو كانوا يصدقون بتوحيد الله، ونبوة محمد حقيقة وما أنزل إليه من القرآن مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ يعني: لو كان إيمان المنافقين حقيقة، ما اتخذوا اليهود أولياء في العون والنصرة وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني: ناقضين للعهد.
ثم قال: <div class="verse-tafsir"
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ...
الآية: الضَّرُّ- بفتح الضاد-: المصدَرُ، وبضمها الاسم، وهو عدم الخير، والسَّمِيعُ لأقوالهم والْعَلِيمُ بنيَّاتهم، والغُلُوُّ: تجاوُزُ الحدِّ من غَلاَ السَّهْمُ إذا تجاوَزَ الغَرَضَ المقصُودَ، وتلك المسافَةُ هي غَلْوَتُهُ، وهذه المخاطَبَةُ هي للنصارَى الذي غَلَوْا في عيسى، والقوم الذين نُهِيَ النصارى عن اتباع أهوائهم هو بَنُو إسرائيل، ووَصَف تعالى اليهودَ بأنهم ضَلُّوا قديماً، وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكَّد الأمر بتَكْرار قوله تعالى: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.
وقوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: قال ابنُ عباس (رضي اللَّه عنه) : لُعِنُوا بكلِّ لسانٍ لُعِنُوا في التوراةِ، وفي الزَّبُورِ، والإنجيلِ، والفُرْقَانِ «١» .
وقوله سبحانه: كانُوا لاَ يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ...
الآية: ذَمَّ اللَّه سبحانه هذه الفِرْقَةَ الملْعُونَةَ بأنهم كانوا لا يَتَنَاهَوْن عن منكرٍ فعلوه، أي: أنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي، / وإن نهى منهم ناه، لم يمتنعْ عن مواصلةِ العاصِي، ومؤاكلتِهِ، وخُلْطَتِهِ ورَوَى ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ الرَّجُلَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ، إذَا رأى أَخَاهُ على ذَنْبٍ، نَهَاهُ عَنْهُ تَعْذِيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ، لَم يَمْنَعْهُ مَا رأى مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ أَوْ خَلِيطَهُ، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ تعالى ذَلِكَ مِنْهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ على بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ على لِسَانِ نَبِيِّهِمْ دَاوُدَ وعيسى» ، قال ابنُ مسعود: وكانَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مُتَّكِئاً فَجَلَسَ، وَقَالَ: «لاَ، وَاللَّهِ حتى تَأْخُذُوا على يَدِ الظَّالِمِ، فَتَأطُرُوهُ عَلَى الحَقِّ أَطْراً» «٢» ،
والإجماعُ على أن النهْيَ عن المنْكَرِ- واجبٌ لمن أطاقه، ونهى بمعروفِ، أي: برفْقٍ، وقَوْلٍ معروفٍ، وأمْنِ الضرر عليه، وعلى المؤمنين، فإن تعذَّر على أحَدٍ النَّهْيُ لشيءٍ من هذه الوجوه، ففَرْضٌ عليه الإنكارُ بقلبه، وألاَّ يخالِطَ ذا المُنْكَرِ، وقال حُذَّاق أهْل العِلْم:
لَيْسَ مِنْ شروط الناهِي أنْ يكون سليماً من المَعْصية، بل ينهَى العُصَاةُ بعضُهم بعضاً.
وقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا كانُوا يَفْعَلُونَ: اللامُ لامُ قسَمٍ، وروى أبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أَفْضَلُ الجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ» ، أو قَالَ: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ» «١» .
انتهى.
وقوله تعالى لنبيِّه محمَّد- عليه السلام-: تَرى كَثِيراً يحتمل أن تكون رؤيةَ عَيْن فلا يريد إلاَّ معاصريه، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَة قَلْب وعلى هذا، فيحتمل أن يريد المعاصرين له، ويحتمل أن يريد أسلافهم، والَّذِينَ كَفَرُوا: عبدة الأوْثَان.
وقوله سبحانه: لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ...
الآية، أي: قدَّمته للآخرة، واجترحته، ثم فسَّر ذلك قولُه تعالى: أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ف أَنْ سَخِطَ: في موضع رَفْعٍ بدَلٍ من ما، ويحتمل أن يكون التقدير: هو أنْ سَخِطَ اللَّه عليهم.
وقوله تعالى: وَالنَّبِيِّ إنْ كان المرادُ الأَسْلاَفَ، فالنبيُّ: داودُ وعيسى، وإنْ كان المرادُ معاصري نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمراد ب «النبيّ» هو صلّى الله عليه وسلّم.
وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قوله سبحانه: تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ كلامٌ منقطعٌ من ذكر بني إسرائيل، وأنه يعني به المنافقين ونحوه لمجاهد «٢» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ التَّناهِي: تَفاعُلٌ مِنَ النَّهْيِ، أيْ: كانُوا لا يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ المُنْكَرِ.
وَذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في هَذا المُنْكَرِ ثَلاثَةَ أقْوالٍ.
أحَدُها: صَيْدُ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ.
والثّانِي: أخْذُ الرِّشْوَةِ في الحُكْمِ.
والثّالِثُ: أكْلُ الرِّبا، وأثْمانَ الشُّحُومِ.
وذِكْرُ المُنْكَرِ مُنَكَّرًا يَدُلُّ عَلى الإطْلاقِ، ويَمْنَعُ هَذا الحَصْرَ، ويَدُلُّ عَلى ما قُلْنا ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ الرَّجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا رَأى أخاهُ عَلى الذَّنْبِ نَهاهُ عَنْهُ تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ الغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ ما رَأى مِنهُ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وخَلِيطَهُ وشَرِيبَهُ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اللّامُ دَخَلَتْ لِلْقَسَمِ والتَّوْكِيدِ، والمَعْنى: لَبِئْسَ شَيْئًا فِعْلُهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أولِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ ﴾ ذَمَّ اللهُ تَعالى هَذِهِ الفِرْقَةَ المَلْعُونَةَ بِأنَّهم ﴿ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عن مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ ؛ أيْ أنَّهم كانُوا يَتَجاهَرُونَ بِالمَعاصِي؛ وإنْ نَهى مِنهم ناهٍ فَعن غَيْرِ جَدٍّ؛ بَلْ كانُوا لا يَمْتَنِعُ المُمْسِكُ مِنهم عن مُواصَلَةِ العاصِي ومُؤاكَلَتِهِ وخُلْطَتِهِ؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "إنَّ الرَجُلَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ إذا رَأى أخاهُ عَلى ذَنْبٍ نَهاهُ عنهُ تَعْزِيرًا؛ فَإذا كانَ مِنَ الغَدِ لَمْ يَمْنَعْهُ ما رَأى مِنهُ أنْ يَكُونَ خَلِيطَهُ وأكِيلَهُ؛ فَلَمّا رَأى اللهُ ذَلِكَ مِنهم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ؛ ولَعَنَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ داوُدَ؛ وعِيسى - عَلَيْهِما السَلامُ"؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وكانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُتَّكِئًا فَجَلَسَ؛ وقالَ: "لا واللهِ حَتّى تَأْخُذُوا عَلى يَدَيِ الظالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والإجْماعُ عَلى أنَّ النَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ واجِبٌ لِمَن أطاقَهُ؛ ونَهى بِمَعْرُوفٍ؛ وأمِنَ الضَرَرَ عَلَيْهِ وعَلى المُسْلِمِينَ؛ فَإنْ تَعَذَّرَ عَلى أحَدٍ النَهْيُ لِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ؛ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ الإنْكارُ بِقَلْبِهِ؛ وألّا يُخالِطُ ذا المُنْكَرِ.
وقالَ حُذّاقُ أهْلِ العِلْمِ: لَيْسَ مِن شُرُوطِ الناهِي أنْ يَكُونَ سَلِيمًا مِنَ المَعْصِيَةِ؛ بَلْ يَنْهى العُصاةُ بَعْضُهم بَعْضًا؛ وقالَ بَعْضُ الأُصُولِيِّينَ: فَرْضٌ عَلى الَّذِينَ يَتَعاطَوْنَ الكُؤُوسِ أنْ يَنْهى بَعْضُهم بَعْضًا؛ واسْتَدَلَّ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "يَتَناهَوْنَ"؛ و"فَعَلُوهُ"؛ يَقْتَضِي اشْتِراكَهم في الفِعْلِ؛ وذَمَّهم عَلى تَرْكِ التَناهِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ؛ اَللّامُ لامُ قَسَمٍ؛ وجَعَلَ الزَجّاجُ "ما" مَصْدَرِيَّةً؛ وقالَ: اَلتَّقْدِيرُ: "لَبِئْسَ شَيْئًا فِعْلُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "لَبِئْسَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَ فِعْلًا".
وقَوْلُهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿ تَرى كَثِيرًا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رُؤْيَةَ قَلْبٍ؛ وعَلى هَذا فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأسْلافِ المَذْكُورِينَ؛ أيْ: "تَرى الآنَ إذا خَبَّرْناكَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّهُ كانَ يَرى ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ؛ ودَلائِلِ حالِهِمْ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رُؤْيَةَ عَيْنٍ؛ فَلا يُرِيدَ إلّا مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: قَدَّمَتْهُ لِلْآخِرَةِ واجْتَرَحَتْهُ؛ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ فَإنَّ "سَخِطَ"؛ في مَوْضِعِ بَدَلٍ مِن "ما"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "هُوَ أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "أنْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "والنَبِيِّ" - إنْ كانَ المُرادُ الأسْلافَ - فالنَبِيُّ داوُدُ؛ وعِيسى - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإنْ كانَ المُرادُ مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ فالنَبِيُّ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ و ﴿ "الَّذِينَ كَفَرُوا"؛ ﴾ هم عَبَدَةُ الأوثانِ؛ وخُصَّ الكَثِيرُ مِنهم بِالفِسْقِ؛ إذْ فِيهِمْ قَلِيلٌ قَدْ آمَنَ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ ﴾ ؛ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِن ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأنَّهُ يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ - رَحِمَهُ اللهُ -: ﴿ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُعْنى بِها المُنافِقُونَ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ لُعن ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً فيها تخلّص بديع لتخصيص اليهود بالإنحاء عليهم دون النّصارى.
وهي خبريّة مناسبة لجملة ﴿ قد ضَلّوا من قبل ﴾ [المائدة: 77]، تتنزّل منها منزلة الدّليل، لأنّ فيها استدلالاً على اليهود بما في كتبهم وبما في كتب النّصارى.
والمقصود إثبات أنّ الضّلال مستمرّ فيهم فإنّ ما بين داوود وعيسى أكثرُ من ألف سنة.
و ﴿ على ﴾ في قوله: ﴿ على لِساننِ داوود ﴾ للاستعلاء المجازي المستعمل في تمكّن الملابسة، فهي استعارة تبعيّة لمعنى بَاء الملابسة مثل قوله تعالى: ﴿ أولئك على هدى من ربّهم ﴾ [البقرة: 5]، قصد منها المبالغة في الملابسة، أي لُعنوا بلسان داوود، أي بِكلامه الملابس للسانه.
وقد ورد في سفر الملوك وفي سفر المَزامير أنّ داوود لَعَن الَّذين يبدّلون الدّين، وجاء في المزمور الثّالث والخمسين «الله من السّماء أشرفَ على بني البشر لينظر هل مِن فاهممٍ طالببٍ الله كلُّهم قد ارتدّوا معاً فَسدوا ثم قال أخزيتُهم لأنّ الله قد وفضهم ليت من صهيون خلاص إسرائيل» وفي المزمور 109 «قد انفتحَ عليّ فم الشرّير وتكلّموا معي بلسان كذب أحاطوا بي وقاتلوني بلا سبب ثمّ قال ينظرون إليّ ويُنغِضُون رؤوسهم ثمّ قال أمَّا هُم فيُلعنون وأمَّا أنتَ فتُبارك، قاموا وخُزُوا أمّا عبدك فيفرح» ذلك أنّ بني إسرائيل كانوا قد ثاروا على داوود مع ابنه ابشلوم.
وكذلك لَعْنُهم على لسان عيسى متكرّر في الأناجيل.
و«ذَلك» إشارة إلى اللّعن المؤخوذ من لُعن أو إلى الكلام السابق بتأويل المذكور.
والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً؛ كأنّ سائلاً يسأل عن موجِب هذا اللّعن فأجيب بأنّه بسبب عصيانهم وعدوانهم، أي لم يكن بلا سبب.
وقد أفاد اسم الإشارة مع باء السّببيّة ومع وقوعه في جَواب سؤال مقدّر أفاد مجموعُ ذلك مُفاد القصر، أي ليس لعنهم إلاّ بسبب عصيانهم كما أشار إليه في «الكشاف» وليس في الكلام صيغة قصر، فالحصر مأخوذ من مجموع الأمور الثّلاثة.
وهذه النّكتة من غرر صاحب «الكشاف».
والمقصود من الحَصْر أن لا يضلّ النّاس في تعليل سبب اللّعن فربّما أسندوه إلى سبب غير ذلك على عادة الضّلاّل في العناية بالسفاسف والتّفريط في المهمّات، لأنّ التفطّن لأسباب العقوبة أوّل درجات التّوفيق.
ومَثَل ذلك مثَل البُلْه من النّاس تصيبهم الأمراض المعْضلة فيحسبونها من مسّ الجنّ أو من عين أصابتهم ويعرضون عن العِلل والأسباب فلا يعالجونها بدوائِهَا.
و (ما) في قوله ﴿ بما عصوا ﴾ مصدريّة، أي بعصيانهم وكونِهم معتدين، فعُدل عن التّعبير بالمصدرين إلى التعبير بالفِعلين مع (ما) المصدرية ليفيد الفعلان معنى تَجدّد العصيان واستمرار الاعتداء منهم، ولتفيد صيغة المضي أنّ ذلك أمر قديم فيهم، وصيغة المضارع أنّه متكرّر الحدوث.
فالعصيان هو مخالفة أوامر الله تعالى.
والاعتداء هو إضرار الأنبياء.
وإنّما عبّر في جانب العِصيان بالماضي لأنّه تقرّر فلم يَقبل الزّيادة، وعُبّر في جانب الاعتداء بالمضارع لأنّه مستمرّ، فإنّهم اعتدوا على محمّد صلى الله عليه وسلم بالتّكذيب والمنافقة ومحاولة الفتك والكيد.
وجملة ﴿ كانوا لا يتناهَوْن عن منكر فعلوه ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال ينشأ عن قوله: ﴿ ذلك بما عَصوا ﴾ ، وهو أن يقال كيفَ تكون أمّة كلّها مُتمالئة على العصيان والاعتداء، فقال: ﴿ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ .
وذلك أن شأن المناكر أن يبتدئها الواحد أنّ النّفَر القليل، فإذا لم يجدوا من يغيِّر عليهم تزايدوا فيها ففشت واتّبَع فيها الدّهماءُ بعضهم بعضاً حتّى تعمّ ويُنسى كونها مناكرَ فلا يَهتدي النّاس إلى الإقلاع عنها والتّوبةِ منها فتصيبهم لعنة الله.
وقد روى التّرمذي وأبو داوود من طرق عن عبد الله بن مسعود بألفاظ متقاربة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كانَ الرجل من بني إسرائيل يلقَى الرجل إذا رآه على الذنب فيقول: يا هذا اتّققِ الله ودَع ما تصنع، ثمّ يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وخليطَه وشريكَه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ثُمّ قرأ: ﴿ لُعن الّذين كفروا من بني إسرائيل إلى قوله: فَاسقون ﴾ [المائدة: 78 81] ثُمّ قال: والّذي نفسي بيده لتأمُرُنّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنّ عن المنكر ولتأخُذُنّ على يد الظّالم ولتأطُرُنَّهُ على الحقّ أطْرا أوْ لَيضربَنّ الله قلوبَ بعضكم على بعض أو ليلعنُكم كما لَعنهم» وأطلق التناهي بصيغة المفاعلة على نهي بعضهم بعضاً باعتبار مجموع الأمّة وأنّ نَاهيَ فاعل المنكر منهم هو بصدد أن يَنهاه المنهيّ عندما يرتكب هو مُنكراً فيحصل بذلك التّناهي.
فالمفاعلة مقدّرة وليست حقيقيَّة، والقرينة عموم الضّمير في قوله ﴿ فَعلوه ﴾ ، فإنّ المنكر إنّما يفعله بعضهم ويسكُت عليه البعض الآخر؛ وربّما فعل البعضُ الآخر منكراً آخرَ وسَكت عليه البعض الّذي كان فعَل منكراً قبله وهكذا، فهم يصانعون أنفسهم.
والمراد ب ﴿ ما كانوا يفعلون ﴾ تَرْكُهم التناهيَ.
وأطلق على ترك التناهي لفظ الفِعل في قوله ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ مع أنّه ترك، لأنّ السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرّضا به والمشاركة فيه.
وفي هذا دليل للقائلين من أيمّة الكلام من الأشاعرة بأنّه لا تكليف إلاّ بفعل، وأنّ المكلّف به في النّهي فِعْل، وهو الانتهاء، أي الكفّ، والكفّ فعل، وقد سمّى الله الترك هنا فِعلاً.
وقد أكّد فعل الذّم بإدخال لام القسم عليه للإقصاء في ذمّة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، تَمالَأ الفَرِيقانِ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ .
﴿ وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ لَيْسَ هَذا عَلى العُمُومِ، وإنَّما هو خاصٌّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنى بِذَلِكَ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا ﴾ واحِدُ القِسِّيسِينَ قَسٌّ، مِن قَسَّ وهُمُ العُبّادُ.
وَواحِدُ الرُّهْبانِ راهِبٌ، وهُمُ الزُّهّادُ.
﴿ وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ إذا لَزِمَ، ولِلْحُجَّةِ إذا قامَتْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: كان الرجل يلقى الرجل فيقول له: ياهذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض.
قال: ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ﴾ إلى قوله: ﴿ فاسقون ﴾ ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق اطراء.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني اسرئيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيراً، ثم جالسوهم وآكلوهم وشاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبي من الأنبياء، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأطرنهم على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم» .
وأخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوه، ولن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر والمخافة، إن بني يأجوج قد جاؤوا، وإن رحى الإسلام ستدور، فحيث ما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان والقرآن أن يقتتلا ويتفرقا، إنه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم ولهم بغيره، فإن أطعتموهم أضلوكم، وإن عصيتموهم قتلوكم» ، قالوا: يا رسول الله فكيف بنا ان أدركنا ذلك؟
قال: «تكونون كأصحاب عيسى، نشروا بالمناشير، ورفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية، إن أول ماكان نقص في بني إسرائيل أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر شبه التعزير، فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه كأنه لم يعب عليه شيئاً، فلعنهم الله على لسان داود، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطنَّ الله عليكم شراركم، ثم ليدعون خياركم فلا يستجاب لكم، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم فلتأطرنه عليه اطراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض» .
وأخرج ابن راهويه والبخاري في الوحدانيات وابن السكن وابن منده والباوردي في معرفة الصحابة والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه عن ابن أبزى عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً، ثم قال: «ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم ولا يفطنونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم، وما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتفطنون، والذي نفسي بيده ليعلمن جيرانه أو ليتفقهن أو ليفطنن، أو لأعاجلنهم بالعقوبة في دار الدنيا» ، ثم نزل فدخل بيته.
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعني بهذا الكلام؟!
قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلا الأشعريين، فقهاء علماء، ولهم جيران من أهل المياه جفاة جهلة، فاجتمع جماعة من الأشعريين فدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذكرت طوائف من المسلمين بخير وذكرتنا بشر، فما بالنا؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتعلمن جيرانكم ولتفقهنهم ولتأمرنهم ولتنهونهم، أو لأعاجلنكم بالعقوبة في دار الدنيا» ، فقالوا: يا رسول الله، فاما إذن فامهلنا سنة، ففي سنة ما نعلمه ويتعلمون، فامهلهم سنة، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ﴾ يعني في الزبور ﴿ وعيسى ﴾ يعني في الإنجيل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعن الذين كفروا...
﴾ الآية.
قال: لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد محمد في القرآن.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ لعن الذين كفروا...
﴾ الآية.
خالطوهم بعد النهي على تجارهم، فضرب الله قلوب بعضهم على بعض، وهم ملعونون على لسان داود وعيسى ابن مريم.
وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في الآية قال: لعنوا على لسان داود فجُعلوا قردة، وعلى لسان عيسى فجُعِلوا خنازير.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد.
مثله.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في الآية قال: لعنهم الله على لسان داود في زمانهم، فجعلهم قردة خاسئين، ولعنهم في الإنجيل على لسان عيسى فجعلهم خنازير.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ ماذا كان بعضهم؟
قالوا ﴿ لا يتناهون عن منكر فعلوه ﴾ .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي عمرو بن حماس أن ابن الزبير قال لكعب: هل لله من علامة في العباد إذا سخط عليهم؟
قال: نعم، يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وفي القرآن ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل...
﴾ الآية.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعاً: «قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أوّل النهار، فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم، فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعاً في آخر النهار، فهم الذين ذكر الله ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل...
﴾ الآيات» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن أن يبعث الله عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» .
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» .
وأخرج أحمد عن عدي بن عميرة.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة» .
وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» .
وأخرج الخطيب في رواية مالك من طريق أبي سلمة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده، ليخرجن من أمتي اناس من قبورهم في صورة القردة والخنازير، داهنوا أهل المعاصي، سكتوا عن نهيهم وهم يستطيعون» .
وأخرج الحكيم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام، واذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بَرَكة الوحي، وإذا تسابَّت امتي سقطت من عين الله» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: «قيل يا رسول الله، أتهلك القرية فيهم الصالحون؟
قال: نعم.
فقيل يا رسول الله...؟!
قال: تهاونهم وسكوتهم عن معاصي الله عز وجل» .
وأخرج الطبراني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل فيهم الخطيئة فنهاه الناهي تعزيراً، فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهن عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق اطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم» .
وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استغنى النساء بالنساء، والرجال بالرجال، فبشروهم بريح حمراء تخرج من قبل المشرق، فينسخ ببعضهم، ويخسف ببعض ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ الآية، للتناهي ههنا معنيان: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنه مفاعل من النهي، أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا (١) (٢) : "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم" (٣) وروى ابن مسعود أن النبي قال: "من رضي عمل قوم فهو منهم، ومن كثر سواد قوم فهو منهم" (٤) والمعنى الثاني للتناهي أنه بمعنى الانتهاء، يقال: انتهى عن الأمر وتناهى عنه، إذا كف عنه.
وهو قول ابن عباس في هذه الآية: "ليس ينتهون، ولكن كانوا قومًا يعتدون" (٥) وقوله تعالى: ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ، أي لبئس شيئًا فعلهم (٦) (٧) (١) انظر: "تفسير الطبري" 6/ 319، "تفسير البغوي" 3/ 84، "زاد المسير" 2/ 406.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) أخرجه من حديث ابن مسعود أبو داود برقم 4336، 4337 ومن حديث حذيفة بنحوه أخرجه الإمام أحمد 5/ 388، والترمذي وحسنه برقم 2169.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 121.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 198.
(٧) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 199 ، "زاد المسير" 2/ 407.
<div class="verse-tafsir"
﴿ على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ أي في الزبور والإنجيل ﴿ لاَ يتناهون ﴾ أي لا ينهى بعضهم بعضاً ﴿ عَن مُّنكَرٍ ﴾ فإن قيل: لم وصف المنكر بقوله فعلوه والنهي لا يكون بعد الفعل؟
فالجواب: أن المعنى لا يتناهون عن مثل منكر فعلوه، أو عن منكر إن أرادوا فعله ﴿ ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ أن أراد أسلافهم، فالرؤية بالقلب، وإن أراد المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الأظهر، فهي رؤية عين ﴿ والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ يعني: ما اتخذوا الكفار أولياء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن لا تكون ﴾ بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم وحمزة وعلي وخلف غير سهل وحفص وأبي بكر وحماد.
الباقون بالنصب.
الوقوف: ﴿ رسلاً ﴾ ط ﴿ أنفسهم ﴾ لا لأن عامل ﴿ كلما ﴾ قوله ﴿ كذبوا ﴾ ﴿ يقتلون ﴾ ه ﴿ كثير منهم ﴾ ط ﴿ بما يعملون ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ النار ﴾ ط ﴿ من أنصار ﴾ ه ﴿ ثلاثة ﴾ لا لئلا يوهم أن ما بعده من قول الكفار ﴿ واحد ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ ويستغفرونه ﴾ ط والوصل أيضاً حسن بناء على أن الواو للحال أي هلا يستغفرونه وهو غفور ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج لاحتمال ما بعده الصفة والاستئناف ﴿ الرسل ﴾ ط لأن الواو للاستنئاف لا للعطل ﴿ صدّيقة ﴾ ط لأن ما بعده لا يصلح للصفة لأن الضمير في ﴿ كانا ﴾ مثنى ﴿ الطعام ﴾ ط ﴿ يؤفكون ﴾ ه ﴿ ولا نفعاً ﴾ ط والوصل يحسن على أن الواو للحال أي يعبدون ما لا ينفع ولا يضر والحال أن الله يسمع دعاء المضطر ويعلم رجاء المعتر ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ ابن مريم ﴾ ط ﴿ يعتدون ﴾ ه ﴿ فعلوه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ فاسقون ﴾ ه ﴿ أشركوا ﴾ ج لطول الكلام والفصل بين الوصفين المتضادين ﴿ نصارى ﴾ ط ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ من الحق ﴾ ج لاحتمال ما يتلوه الحال والاستئناف ﴿ الشاهدين ﴾ 5 ﴿ من الحق ﴾ لا لأن الواو بعده للحال.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ خالدين فيها ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه.
/التفسير: افتتح الله السورة بقوله ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وانجر الكلام إلى ما انجرّ والآن عاد إلى ما بدأ به والمقصود بيان عتوّ بني إسرائيل وشدة تمردهم أي أخذنا ميثاقهم بخلق الدلائل وخلق العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ لتعريف الشرائع والأحكام.
قال في الكشاف ﴿ كلما جاءهم رسول ﴾ الخ جملة شرطية وقعت صفة لـ ﴿ رسلاً ﴾ والراجع إلى الموصوف محذوف أي رسول منهم.
وأقول: الأصوب جعلها جملة مستأنفة جواباً لسائل يسأل كيف فعلوا برسلهم؟
ولهذا كان الوقف على ﴿ رسلاً ﴾ مطلقاً، أما جواب الشرط فاختار في الكشاف أنه محذوف لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين ولأنه لا يحسن أن يقال: إن أكرمت أخي أخاك أكرمت فالتقدير: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه أو عادوه وقوله ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ جواب قائل: كيف فعلوا؟
وأقول أما أن التركيب المذكور غير مستحسن فعين النزاع، وأما أن الرسول الواحد لا يكون فريقين فتغليط لأن قوله ﴿ كلما ﴾ يدل على كثرة مجيء الرسل فلهذا صح جعلهم فريقين ومعنى ﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ بما يضاد شهواتهم لرغبتهم عن التكاليف، وفائدة تقديم المفعول وإيراد ﴿ يقتلون ﴾ مضارعاً ذكرناها في سورة البقرة وزعم في التفسير الكبير أنه ذكر التكذيب بلفظ الماضي لأنه إشارة إلى معاملتهم مع موسى في ألبتة وتمردهم عن قبول قوله وقد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة، وذكر القتل بلفظ المستقبل لأنه رمز إلى ما فعلوا بزكريا ويحيى وعيسى على زعمهم وإن ذلك الزمان قريب فكان كالحاضر.
﴿ وحسبوا أن لا تكون فتنة ﴾ قال علماء الأدب: الأفعال على ثلاثة أضرب: فعل يدل على ثبات الشيء كالعلم والتيقن فيقع بعده أن المشددة الدالة على ثبات الشيء أيضاً لتأكيد مقتضاه كقوله: ﴿ ويعلمون أن الله هو الحق المبين ﴾ فإن خففت ودخلت على الفعل لم يجز إلا أن يكون مع فعله "قد" أو "سوف" أو "السين" أو حرف نفي ليكون كالعوض من إحدى النونين وقيل: من حذف ضمير الشأن مثل ﴿ علم أن سيكون ﴾ وفعل يدل على خلاف الثبات والاستقرار نحو "أطمع" و "أخاف" و "أرجو" فلا يجيء معه إلا الخفيفة الناصبة للفعل كقوله ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي ﴾ وفعل يحتمل المعنيين فيجوز فيه كلا الوجهين كقوله ﴿ وحسبوا أن لا تكون ﴾ قرىء بالنصب على أن المصدرية، وكون الحسبان بمعنى الظن وبالرفع على أن المخففة أي أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن، ونزل حسبانهم لقوته في صدورهم منزلة العلم، وما يشتمل عليه صلة "أن" و "أنّ" من المسند والمسند إليه سد مسد المفعولين و "كان" تامة.
والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنه لا تقع فتنة وهي محصورة في عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وعذاب الدنيا أقسام منها: القحط/ ومنها الوباء ومنها القتل ومنها العداوة والبغضاء فيما بينهم ومنها الإدبار والنحوسة وكل ذلك قد وقع بهم وقد فسرت الفتنة بكل ذلك، وحسبانهم أن لا تقع فتنة يحتمل وجهين: الأول أنهم كانوا يعتقدون أن لا نسخ لشريعة موسى، وأن كل رسول جاء بعده يجب تكذيبه، والثاني أنهم اعتقدوا كونهم مخطئين في التكذيب والقتل إلا أنهم كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه وأن نبوّة إسلافهم تدفع العقاب عنهم.
ثم إن الآية تدل على أن عماهم عن الدين وصممهم عن الحق حصل مرتين، فقال بعض المفسرين: إنهم عموا وصموا في زمان زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ثم تاب الله على بعضهم حيث وفقهم للإيمان به ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ في زمان محمد فأنكروا نبوّته إلا بعضهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
وقوله ﴿ كثير منهم ﴾ بدل عن الضمير كقولك: رأيت القوم أكثرهم، وقيل: إنه على لغة من يقول "أكلوني البراغيث" وقيل: خبر مبتدأ محذوف أي أولئك كثير منهم، وقال بعضهم: ﴿ عموا وصموا ﴾ حين عبدوا العجل ثم تابوا منه فتاب الله عليهم ﴿ ثم عموا وصموا كثير منهم ﴾ بالتعنت وهو طلب رؤية الله جهرة.
وقال القفال: إنه يجوز أن يكون إشارة إلى ما في سورة بني إسرائيل ﴿ فإذا جاء وعد أولاهما ﴾ ﴿ فإذا جاء وعد الآخرة ﴾ وقرئ ﴿ فعموا وصموا ﴾ بالضم أي رماهم الله وضربهم بالعمى والصمم كما يقال: ركبته إذا ضربته بالركبة.
ثم إنه لما استقصى الكلام مع اليهود شرع في حكاية كلام النصارى فحكى عن فريق منهم أنهم ﴿ قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ﴾ وهذا قول اليعقوبية القائلين إن مريم ولدت إلهاً، ولعل مرادهم أنه حل في ذات عيسى أو اتحد به.
ثم حكى عن المسيح ما حكى ليكون حجة قاطعة على فساد ما اعقتدوا فيه وذلك أنه لم يفرق بين نفسه وبين غيره في المربوبية وفي ظهور دلائل الحدوث عليه، ثم أكد ذلك المعنى بقوله: ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ أي في العبادة أو في تجويز الحلول أو الاتحاد أو في إجراء وصفه في المخلوقين أو بالعكس ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ التي هي دار الموحدين أي منعه منها ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ من كلام الله أو من حكاية قول عيسى لهم وقد مر تفسيره في آخر سورة آل عمران, وفيه تقريع لهم لأنهم كانوا يعتقدون أن لهم أنصاراً كثيرة فيما يقولون ويعتقدون فنفى الله أو عيسى ذلك وإن كانوا يريدون بذلك تعظيمه.
قال المفسرون ﴿ ثالث ثلاثة ﴾ معناه ثالث آلهة ثلاثة ليلزم الكفر وإلا فما من شيئين وإلا والله ثالثهما.
يحكى أن النصارى يقولون أب وابن وروح قدس والثلاثة إله واحد كما أن الشمس تتناول القرص والشعاع والحرارة.
وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، قالوا: إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء/ بالخمر، وزعموا أن الأب إله واحد، والابن إله واحد، والروح إله واحد، والكل إله واحد.
واعلم أن هذا معلوم البطلان بالبديهة لأن الثلاثة لا تكون واحداً والواحد لا يكون ثلاثة فلا جرم رد الله مقالتهم بقوله: ﴿ وما من إله إلا إله واحد ﴾ فزاد من الاستغراقية.
والمعنى ما إله قط في الوجود إلا إله موصوف بالوحدانية لا ثاني له ولا شريك.
ثم زجرهم بقوله ﴿ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا ﴾ قال الزجاج: يعني الذين أقاموا على هذا الدين لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية فـ "من" في قوله ﴿ منهم ﴾ للتبعيض، ويجوز أن تكون للبيان والمراد ليمسنهم، ولكن أقيم الظاهر مقام المضمر تكريراً للشهادة عليهم بالكفر ورمزاً إلى أنهم من الكفر بمكان حتى لو فسر الكفار المعذبون عنوا بذلك خاصة.
ومعنى ﴿ عذاب أليم ﴾ نوع شديد الألم من العذاب ﴿ أفلا يتوبون ﴾ قال الفراء: إنه أمر بلفظ الاستفهام وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر بعد الوعيد الشديد.
ثم احتج على إبطال معتقدهم بقوله ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن لأنه منعهم من الكفر أوّلاً، ثم حثهم على الإسلام ثانياً، ثم شرع في حل شبههم ثالثاً، ومن هنا قيل: إن المرتد يستتاب بلا مهل ومناظرة إن عنت له شبهة بل يسلم أوّلاً ثم تحل شبهته ثانياً، والمعنى ما هو إلا رسول من جنس الرسل الماضين لا يتخطى الرسالة إلى الإلهية كما لم يتخطوا، فإن خلق من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وإن أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فقد جعل موسى العصا حية تسعى إلى غير ذلك من آيات ربه الكبرى ﴿ وأمه صديقة ﴾ كبعض النساء المؤمنات بالأنبياء الصادقات في أقوالهن وأفعالهن وأحوالهن قال في وصفها: ﴿ وصدّقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ﴾ أي من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم المجتهدون في إقامة مراسم العبودية.
ففيه تكذيب للنصارى المفرطين فيها إذ جعلوها إلهاً، وفيه تكذيب لليهود المفرّطين في شأنها حيث نسبوها إلى الهنات، وإلى الكذب في أن عيسى خلق من غير أب.
وفيه أن من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن فكان مخلوقاً لا إلهاً.
ثم أكد حدوثهما وعجزهما بقوله ﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ فإن المحتاج إلى الاغتذاء سيحتاج إلى ما يتبعه من الهضم والنفض، وكل هذه الافتقارات دليل ظاهر وبرهان باهر على حدوثهما وأفولهما في حيز الإمكان.
ثم عجب من غاية غوايتهم ﴿ انظر ﴾ يا محمد أو كل من له أهلية النظر ﴿ كيف نبين لهم الآيات ﴾ الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم.
والعامل في ﴿ كيف ﴾ قوله ﴿ نبين ﴾ ومفعول ﴿ انظر ﴾ مجموع الجملة بل مضمونها أي تبصر هذه الحالة وتفكر فيها ومثله ﴿ ثم انظر أنى يؤفكون ﴾ كيف يصرفون عن الحق.
أفكه بالفتح يأفكه/ بالكسر أفكاً بالفتح والسكون صرفه عن الشيء.
ومنه الإفك بالكسر للكذب لأنه مصروف عن الحق، وأرض مأفوكة صرف عنها المطر.
ومعنى "ثم" التراخي والبون بين العجبين أي بينا لهم الآيات بياناً عجيباً ولكن إعراضهم عنها أعجب، ثم الصارف عن تأمل الحق هو الله أو العبد فيه خلاف مشهور بين الأشاعرة والمعتزلة، وأنت قد عرفت التحقيق في ذلك مراراً.
ثم أقام حجة أخرى على فساد قول النصارى فقال ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك ﴾ أي شيئاً لا يستطيع أو الذي لا يقدر على مثل ما يضركم به الله من البليات والمصائب أو ينفعكم به من الصحة والخصب بواسطة أو بغير واسطة بل لم يملك شيئاً من ذلك لنفسه، فإن اليهود كانوا يقصدونه بالسوء ولم يقدر على دفعهم.
ومن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه ومزقوا أضلاعه ولما عطش وطلب الماء صبوا الخل في منخريه وكان مصروف الهمة إلى عبادة الله ولو كان إلهاً كان معبوداً فقط لا عابداً له ﴿ والله هو السميع العليم ﴾ يسمع أباطيلهم ويعلم ضمائرهم ليجازيهم عليه وفيه من الوعيد ما فيه.
ثم عاد إلى مخاطبة الفريقين فقال ﴿ يا أهل الكتاب لا تغلوا ﴾ والغلو مجاوزة حد الاعتدال وأنه شامل لطرفي الإفراط والتفريط وإن كان قد يخص بطرف الإفراط ويجعل مقابلاً للتقصير.
ولعل المراد ههنا هو الأول فاليهود فرطوا فيه حيث نسبوه إلى الزنا والكذب، والنصارى أفرطوا فيه حيث ادعوا فيه الإلهية.
قال في الكشاف: قوله ﴿ غير الحق ﴾ صفة للمصدر أي غلوا غير الحق، ولزمه القول بأن الغلو في الدين غلو، إن حق وهو أن يبالغ في تقرير الحق وتوضيحه واستكشاف حقائقة، وباطل وهو أن يتبع الشبهات على حسب الشهوت، والثاني منهي عنه دون الأوّل، وأقول: لما كان الغلو مجاوزة الحد وكل شيء جاوز حدّه شابه ضدّه فكيف يتصوّر غلو حق ولّله در القائل: كلا طرفي قصد الأمور ذميم *** فالأصوب أن يقال: انتصب ﴿ غير الحق ﴾ على أنه صفة قائمة مقام المصدر أي لا تغلوا غلواً كقوله: ﴿ ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ أي إفساداً وكقولهم: تعال جائياً وقم قائماً.
ولو سلم أن المصدر محذوف كان ﴿ غير الحق ﴾ صفة مؤكدة مثل ﴿ نفخة واحدة ﴾ و "أمس الدابر" لا صفة مميزة فافهم ﴿ ولا تتبعوا أهواء قوم ﴾ هي المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة.
قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه ﴿ ولا تتبع الهوى فيضلك ﴾ ﴿ وما ينطق عن الهوى ﴾ ﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ قال أبو عبيد: لم نجد للهوى موضعاً إلا في/الشر.
لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال إنما يقال يريد الخير ويحبه.
وقيل: سمي هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.
وقال رجل لابن عباس: الحمد لّله الذي جعل هواي على هواك.
فقال ابن عباس: كل هوى ضلالة ﴿ قد ضلوا من قبل ﴾ يعني أئمتهم في النصرانية واليهودية قبل بعث النبي ﴿ وأضلوا كثيراً ﴾ ممن شايعهم على التثليث أو التفريط في شأن مريم وابنها ﴿ وضلوا عن سواء السبيل ﴾ عند مبعث النبي فكذبوه.
والغرض بيان استمرارهم على الضلال قديماً وحديثاً.
وقيل: الضلال الأوّل عن الدين، والضلال الثاني عن الجنة.
وقيل: الضلال الثاني اعتقادهم في ذلك الإضلال أنه إرشاد إلى الحق ﴿ لعنهم الله ﴾ في الزبور على لسان داود وفي الإنجيل على لسان عيسى، وفيه تعيير لهم حيث ادعوا أنهم أولاد الأنبياء وقد لعنوا على ألسنتهم، وقال كثير من المفسرين: إن أصحاب أيلة كما سيجيء في الأعراف لما اعتدوا في السبت قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة.
وإن أصحاب المائدة لما أكلوا منها ولم يؤمنوا قال عيسى: اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ما فيهم امرأة ولا صبي.
وعن الأصم أن داود وعيسى بشرا بمحمد ولعنا من يكذبه، وذلك اللعن بسبب عصيانهم واعتدائهم.
ثم فسّر المعصية والاعتداء بقوله ﴿ كانوا لا يتناهون ﴾ وللتناهي معنيان: أحدهما وعليه الجمهور أنه تفاعل من النهي أي كانوا لا ينهى بعضهم بعضاً.
عن ابن مسعود أن النبي قال: " "من رضي عمل قوم فهو منهم ومن كثر سواد قوم فهو منهم" وذلك أن في التناهي المأمور به حسماً للفساد فكان الإخلال به معصية وظلماً.
والثاني أنه بمعنى الانتهاء أي لا يمتنعون ولا ينتهون.
والمراد لا يتناهون عن معاودة منكر فعلوه لأن النهي بعد الفعل لا يفيد، أو المراد لا يتناهون عن منكر أرادوا فعله وأحضروا آلاته، أو لا ينتهون أو لا ينهون عن الإصرار على منكر فعلوه.
ثم عجب من سوء فعلهم مؤكداً بالقسم المقدر فقال ﴿ لبئس ما كانوا يفعلون ﴾ ثم لما وصف أسلافهم بما وصف شرع في نعت الحاضرين بأن كثيراً منهم يتولون المشركين والمراد كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا المشركين على رسول الله وقد مر في تفسير سورة النساء عند قوله ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ ﴿ لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم ﴾ من العمل لمعادهم.
ومحل ﴿ أن سخط ﴾ رفع على أنه مخصوص بالذم أي بئس الزاد إلى الآخرة سخط الله يعني موجب سخط الله وسببه، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وهو موسى وما أنزل إليه في التوراة كما يدّعون واتخذوا المشركين أولياء لأن تحريم ذلك متأكد في شريعة موسى ﴿ ولكن كثيراً منهم فاسقون ﴾ في دينهم لأن مرادهم تحصيل الرياسة والجاه بأي طريق قدروا عليه لا تقرير دين موسى.
ويحتمل أن يراد ولو كان هؤلاء اليهود المنافقون مؤمنين بالله وبمحمد والقرآن إيماناً خالصاً ما اتخذوا المشركين أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون متمردون في كفرهم ونفاقهم فلهذا يتولون المشركين.
وقال القفال: ولو أن هؤلاء المشركين يؤمنون بالله وبمحمد ما اتخذهم اليهود أولياء.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .
قال بعضهم: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى - - في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد [رسولنا] محمد في القرآن؛ وهو قول ابن عباس، .
وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير.
قال ابن عباس - -: "القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا".
وقال الحسن: "انقطع ذلك النسل".
وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة الله.
ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود - - كان به غلظة وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود الله - وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن [أعني: دعاء الرسل، عليهم السلام].
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ .
ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود - - قال: قال رسول الله : "لمَّا وَقَعَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُم وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" قال: فجلس رسول الله وكان متكئاً فقال: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ [عَلَى الحقِّ] أطْراً" قال أبو عبيد: يعني تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين، ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول الله وأصحابه.
وقيل: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : يعني: من اليهود: ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعاً ذلك.
ويحتمل وجهاً آخر: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً...
﴾ الآية [المائدة: 77]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: ما قدمت أنفسهم سخط الله عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ ﴾ .
يعني: المنافقين، في أحد التأويلين.
وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق هؤلاء رسول الله وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من القرآن - ما اتخذوا أولئك أولياء.
ثم يحتمل قوله - -: ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في الدين أو في النصر والمعونة والنصرة، ﴿ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ تحتمل الآية وجوهاً: تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قوماً مخصوصين منهم., وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله وأصحابه هم أشد عداوة لهم.
وتحتمل: اليهود جملة، فهو - والله أعلم - على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول الله والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في الله - - ما لم يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا الله - عز وجل - بالبخل والفقر، وهو قوله - -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ وقالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ ، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين الله ، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلباً.
وأمَّا النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل الله له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ورهباناً، والرهبان: هم العباد.
وقيل: القسيسون: [هم] الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛ لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلباً من اليهود، والله أعلم.
فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعاً؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول الله وأجلاهم من بلادهم إلى أرض الشام.
وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول الله والمؤمنين، وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول الله وكانوا عيوناً لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم.
وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك كلام لا يفيد معنى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ .
سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح القلب فاضت عيناه سروراً.
ويحتمل قوله - -: ﴿ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ ؛ حزناً على قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ إشفاقاً عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله - -: ﴿ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ﴾ : قد فاضت أعينهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا ﴾ بما أنزلت واتبعنا الرسول ﴿ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ \[الآية\]: قيل: مع الأنبياء والرسل.
وقيل: مع أصحاب محمد ، وهو واحد.
ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.
وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي فقالوا: ما أشبه هذا [بالذي] نُحَدَّثُ من حديث عيسى!!
فبكوا وصدقوا؛ فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؟
وفيمن نزلت؟
إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، وسرورهم على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
[الحق] يحتمل: الرسول ، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: كليهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
قال الحسن: قوله - -: ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ : أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق.
قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين.
و ﴿ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل.
ويحتمل: أصحاب محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ ﴾ : الثناء الحسن في الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثني عليهم، وفي الآخرة: الجنة ونعيمها.
﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعاً، يعمل عملين جميعاً.
والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : قال بعضهم: "الجحيم": هو اسم معظم النار.
وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك "السعير".
<div class="verse-tafsir"
كانوا لا ينهى بعضهم بعضًا عن ارتكابه المعصية، بل يجاهر العصاة منهم بما يقترفونه من المعاصي والمنكَرات؛ لأنه لا مُنْكِرَ يُنكر عليهم، لَسَاءَ ما كانوا يفعلون من ترك النهي عن المنكر.
<div class="verse-tafsir" id="91.ybA5E"