الآية ٨ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٨ من سورة المائدة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 109 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ) أي : كونوا قوامين بالحق لله ، عز وجل ، لا لأجل الناس والسمعة ، وكونوا ( شهداء بالقسط ) أي : بالعدل لا بالجور .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن النعمان بن بشير أنه قال : نحلني أبي نحلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فجاءه ليشهده على صدقتي فقال : " أكل ولدك نحلت مثله؟

" قال : لا .

قال : " اتقوا الله ، واعدلوا في أولادكم " .

وقال : " إني لا أشهد على جور " .

قال : فرجع أبي فرد تلك الصدقة .

وقوله : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ) أي : لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم ، بل استعملوا العدل في كل أحد ، صديقا كان أو عدوا ; ولهذا قال : ( اعدلوا هو أقرب للتقوى ) أي : عدلكم أقرب إلى التقوى من تركه .

ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه ، كما في نظائره من القرآن وغيره ، كما في قوله : ( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) [ النور : 28 ] وقوله : ( هو أقرب للتقوى ) من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء ، كما في قوله [ تعالى ] ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) [ الفرقان : 24 ] وكقول بعض الصحابيات لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم قال تعالى : ( واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) أي : وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ; ولهذا قال بعده :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز ذكره : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيامُ لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، (192) ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصِّروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، (193) ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدِّي، واعملوا فيه بأمري.

* * * وأما قوله: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا " فإنه يقول: ولا يحملنكم عداوةُ قوم على ألا تعدلوا في حكمكم فيهم وسيرتكم بينهم، فتجوروا عليهم من أجل ما بينكم وبينهم من العداوة.

* * * وقد ذَكرنا الرواية عن أهل التأويل في معنى قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [سورة النساء: 135] وفي قوله: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ [سورة المائدة: 2] واختلاف المختلفين في قراءة ذلك، والذي هو أولى بالصواب من القول فيه والقراءة= بالأدلة الدالة على صحته، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(194) * * * وقد قيل: إن هذه الآية نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين همت اليهود بقتله.

ذكر من قال ذلك: 11556 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى "، نـزلت في يهود خيبر، أرادوا قتل النبيّ صلى الله عليه وسلم= وقال ابن جريج، قال عبد الله بن كثير: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود يستعينهم في دية، فهمُّوا أن يقتلوه، فذلك قوله: " ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا "...

الآية.

* * * القول في تأويل قوله عز ذكره : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " اعدلوا " أيها المؤمنون، على كل أحد من الناس وليًّا لكم كان أو عدوًّا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه.

* * * وأما قوله: " هو أقرب للتقوى " فإنه يعني بقوله: " هو " العدلُ عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئا من معاصيه.

(195) * * * وإنما وصف جل ثناؤه " العَدْل " بما وصفه به من أنه " أقرب للتقوى " من الجور، لأن من كان عادلا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعا، كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرا كان لله عاصيا، ومن كان لله عاصيا، كان بعيدًا من تقواه.

* * * وإنما كنى بقوله: " هو أقرب " عن الفعل (196) والعرب تكني عن الأفعال إذا كَنَتْ عنها بـ " هو " وبـ " ذلك "، كما قال جل ثناؤه: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (197) [سورة البقرة: 271] و ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ [سورة البقرة: 232].

(198) ولو لم يكن في الكلام " هو " لكان " أقرب " نصبا، ولقيل: " اعدلوا أقربَ للتقوى "، كما قيل: انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [سورة النساء: 171].

(199) * * * وأما قوله: " واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون "، فإنه يعني: واحذروا أيها المؤمنون، أن تجوروا في عباده فتجاوزوا فيهم حكمه وقضاءَه الذين بيّن لكم، فيحلّ بكم عقوبته، وتستوجبوا منه أليم نكاله=" إن الله خبير بما تعملون "، يقول: إن الله ذو خبرة وعلم بما تعملون أيها المؤمنون فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، من عمل به أو خلافٍ له، مُحْصٍ ذلكم عليكم كلّه، حتى يجازيكم به جزاءَكم، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيءَ بإساءته، فاتقوا أن تسيئوا.

(200) ------------------------- الهوامش : (192) في المطبوعة: "لولايتهم" ، وأسقط"لكم" ، وأثبتها من المخطوطة.

(193) انظر تفسير"القسط" فيما سلف 9: 301 ، تعليق: 5 ، والمراجع هناك.

(194) انظر ما سلف 9: 301 ، الآية الأولى = ثم الثانية 9: 483- 487.

(195) انظر تفسير"العدل" ، و"التقوى" ، فيما سلف من فهارس اللغة.

(196) "الفعل" ، يعني مصدر الفعل ، كما سلف قريبا ص: 82 ، تعليق: 2 ، وانظر فهرس المصطلحات.

(197) كان في المطبوعة: "هو خير لكم" ، وفي المخطوطة بإسقاط"هو" ، وهذا الذي أثبته هو نص آية البقرة: 271 ، وراجع ذلك في 5: 582 مما سلف.

وانظر معاني القرآن للفراء 1: 303.

(198) في المطبوعة والمخطوطة: "ذلك أذكى" ، وأثبت نص آية البقرة.

وانظر ما سلف 5: 29.

(199) انظر ما سلف 9: 413-415.

(200) انظر تفسير"خبير" فيما سلف من فهارس اللغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملونقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين الآية تقدم معناها في " النساء " ، والمعنى : أتممت عليكم نعمتي فكونوا قوامين لله ، أي : لأجل ثواب الله ; فقوموا بحقه ، واشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم ، وحيف على أعدائكم .

ولا يجرمنكم شنآن قوم على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق ، وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدو [ ص: 71 ] على عدوه في الله تعالى ونفوذ شهادته عليه ; لأنه أمر بالعدل وإن أبغضه ، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه ، ودلت الآية أيضا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه ، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق ، وأن المثلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغمونا بذلك ; فليس لنا أن نقتلهم بمثلة قصدا لإيصال الغم والحزن إليهم ; وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة : هذا معنى الآية .

وتقدم في صدر هذه السورة معنى قوله : ولا يجرمنكم شنآن قوم ، وقرئ " ولا يجرمنكم " قال الكسائي : هما لغتان .

وقال الزجاج : معنى " لا يجرمنكم " لا يدخلنكم في الجرم ; كما تقول : آثمني أي : أدخلني في الإثم .

ومعنى : هو أقرب للتقوى أي : لأن تتقوا الله ، وقيل : لأن تتقوا النار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ْ} بما أُمِرُوا بالإيمان به، قوموا بلازم إيمانكم، بأن تكونوا { قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ْ} بأن تنشط للقيام بالقسط حركاتكم الظاهرة والباطنة.

وأن يكون ذلك القيام لله وحده، لا لغرض من الأغراض الدنيوية، وأن تكونوا قاصدين للقسط، الذي هو العدل، لا الإفراط ولا التفريط، في أقوالكم ولا أفعالكم، وقوموا بذلك على القريب والبعيد، والصديق والعدو.

{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ْ} أي: لا يحملنكم بغض { قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ْ} كما يفعله من لا عدل عنده ولا قسط، بل كما تشهدون لوليكم، فاشهدوا عليه، وكما تشهدون على عدوكم فاشهدوا له، ولو كان كافرا أو مبتدعا، فإنه يجب العدل فيه، وقبول ما يأتي به من الحق، لأنه حق لا لأنه قاله، ولا يرد الحق لأجل قوله، فإن هذا ظلم للحق.

{ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ْ} أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى.

{ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ْ} فمجازيكم بأعمالكم، خيرها وشرها، صغيرها وكبيرها، جزاء عاجلا، وآجلا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ) أي : كونوا قائمين بالعدل [ قوالين ] بالصدق ، أمرهم بالعدل والصدق في أفعالهم وأقوالهم ، ( ولا يجرمنكم ) ولا يحملنكم ، ( شنآن قوم ) بغض قوم ، ( على ألا تعدلوا ) أي : على ترك العدل فيهم لعداوتهم .

ثم قال : ( اعدلوا ) يعني : في أوليائكم وأعدائكم ، ( هو أقرب للتقوى ) يعني : إلى التقوى ، ( واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين» قائمين «لله» بحقوقه «شهداء بالقسط» بالعدل «ولا يجرمنكم» يحملنكم «شنَآن» بغض «قوم» أي الكفار «على ألاَّ تعدلوا» فتنالوا منهم لعدواتهم «إعدلوا» في العدو والولي «هو» أي العدل «أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين آمَنوا بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم كونوا قوَّامين بالحق، ابتغاء وجه الله، شُهداء بالعدل، ولا يحملنكم بُغْضُ قوم على ألا تعدلوا، اعدِلوا بين الأعداء والأحباب على درجة سواء، فذلك العدل أقرب لخشية الله، واحذروا أن تجوروا.

إن الله خبير بما تعملون، وسيجازيكم به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن أمر الله - تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بمواثيقه ، أتبع ذلك بأمرهم بالتزام الحق في كل أقوالهم وأعمالهم ، وذكرهم بما أفاء عليهم من نعم فقال - سبحانه - :( يَا أَيُّهَآ الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ .

.

.

)قوله : ( قَوَّامِينَ ) جمع قوام .

وهو صيغة مبالغة من قائم .

والقوام : هو المبالغ في القيام بالشيء .

وفي الإِتيان به على أتم وجه وأحسنه .وقوله : ( شُهَدَآءَ ) جمع شهيد - بوزن فعيل - والأصل في هذه الصيغة ، دلالتها على الصفات الراسخة في النفس ككريم وحكيم .والقسط : العدل يقال أقسط فلان يقسط إذا عدل في أقواله وأحكامه .وقوله ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ) أي : ولا يحملنكم من جرمه على كذا إذا حمله عليه أو معناه : ولا يكسبنكم من جرم بمعنى كسب غير أنه في كسب ما لا خير فيه ومنه الجريمة .وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة وأطلق على الكسب؛ لأن الكاسب ينقطع لكسبه .والشنآن : البغض الشديد .

يقال : شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأه وشنآنا ، إذا أبغضته بغضاً شديداً .والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالحق إيماناً صادقاً ( كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط ) أي .

ليكن من أخلاقكم وصفاتم أن تقوموا لله وحده بالحق في كل ما يلزمكم القيام به .

ومن العمل بطاعته ، واجتناب منهياته ، وليكن من دأبكم وشأنكم - أيضاً - أن تلتزموا العدل في الأقوال والأحكام يتنافى مع تعاليم دين الإِسلام .

الذي آمنتم به ، ورضيه الله لكم دينا .وفي ندائه - سبحانه - بقوله : ( كُونُواْ قَوَّامِينَ ) بصفة الكينونة الدالة على الدوام ، وبصيغة المبالغة الدالة على الكثرة .

لتمكين صفة الطاعة له من نفوسهم ، وترسيخها في قلوبهم .فكأنه - سبحانه - يقول لهم : روضوا أنفسكم على طاعة خالقكم ، وعودوها على التزام الحق والعدل .

واجعلوا ذلك شأنكم في جميع الظروف والأحوال فلا يكفى أن تلتزموا الطاعة والعدل مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن يكون التزامكم لذلك في كل أوقاتكم وأعمالكم .وقوله : ( اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ) تصريح بوجوب العدل بعد ما علم من النهي عن تركه في قوله ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ ) للتأكيد على وجوب التزامهم بما أمرهم - سبحانه - به وما نهاهم عنه ، ولبيان العلة في تكليفهم بذلك .والضمير ( هو ) يعود إلى المصدر المفهوم من قوله : ( اعدلوا ) .أي : التزموا - أيها المؤمنون - العدل في كل أحوالكم ، فإن العدل مع الأعداء ومع غيرهم أقرب إلى اتقاء المعاصي ، وإلى صيانة النفس عن الوقوع في المهالك .وقال - سبحانه ( اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ) مع أن العدل دليل التقوى ولبابها لأن المؤمن في حال حربه وتعامله مع عدوه قد يرى أن من التقوى أن يستبيح ماله ، وأن يأخذ منه ما يمكن أخذه ، فبين له القرآن الكريم أن الأقرب إلى التقوى التامة أن يحسن معاملة عدوه ، وأن لا يعتدى على حق من حقوقه .قال صاحب الكشاف ، قوله : ( اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ) نهاهم ألوا أن تحملهم البغضاء على ترك العدل ، ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله ( أَقْرَبُ للتقوى ) أي : العدل أقرب للتقوى ، وأدخل في مناسبتها .وفيه تنبيه على أن وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .أي : واتقوا الله أيها المؤمنون - في كل ما تأتون وما تذرون ، وصونوا أنفسكم عمّا لا يرضيه ، وافعلوا ما أمركم به ، إن الله - تعالى - لا تخفى عليه خافية من أعمالكم ، وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه على حسب أعمالكم .فالجملة الكريمة تذييل قصد به التحذير من مخالفة أوامر الله ، ومن انتهاك حرماته .وبذلك نرى الآية الكيمة قد أمرت المؤمنين بالمداومة على طاعة الله في جميع الأوقات والأحوال ، وبأداء الشهادات على وجهها بدون محاباة ولا ظلم ، وبوجوب العدل في معاملة الأعداء والأصدقاء ، وبمراقبة الله - تعالى - وخشيته في السر والعلانية .قال الآلوسي : وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة النساء ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ ) ولم يكتف بذلك لمزيد من الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ .

وقيل : لاختلاف السبب ، فإن الأولى نزلت في المشركين ، وهذه في اليهود .

وذكر بعض المحققين وجها لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا ، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإِقرار على نفسه ووالديه وأقاربه .

بدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ، ولا والد ولا قرابة .

والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله - تعالى - لأنه أردع للمؤمنين ، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجيء في كل معرض بما يناسبه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بالقسط ﴾ هذا أيضاً متصل بما قبله، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى.

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فقوله: ﴿ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ ﴾ إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وقوله: ﴿ شُهَدَاء بالقسط ﴾ إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان: الأول: قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.

الثاني: قال الزجاج: المعنى تبينون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم، فهذا خطاب عام، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والانصاف، وترك الميل والظلم والاعتساف، والثاني: أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام.

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم؟

قلنا: يمكن ظلمهم أيضاً من وجوه كثيرة: منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء، ومنها إيقاع المثلة بهم، ومنها نقض عهودهم، والقول الأول أولى.

ثم قال تعالى: ﴿ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ فنهاهم أولاً عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله: ﴿ هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ ونظيره قوله: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ أي هو أقرب للتقوى، وفيه وجهان، الأول: هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى، والثاني: هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه.

ثم ذكر الكلام الذي يكون وعداً مع المطيعين ووعيداً للمذنبين وهو قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عدّى ﴿ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدّى به، كأنه قيل: ولا يحملنكم.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ أَن تَعْتَدُواْ ﴾ بمعنى على أن تعتدوا، فحذف مع أن ونحوه قوله عليه السلام: «من اتبع على مليء فليتبع» أنه بمعنى أحيل.

وقرئ: ﴿ شَنَآنُ ﴾ بالسكون.

ونظيره في المصادر (ليان) والمعنى: لا يحملنكم بغضكم للمشركين على أن تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب ما لا يحل لكم من مثلة أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو ما أشبه ذلك ﴿ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ نهاهم أولاً أن تحملهم البغضاء على ترك العدل، ثم استأنف فصرّح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله: ﴿ هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ أي العدل أقرب إلى التقوى، وأدخل في مناسبتها.

أو أقرب إلى التقوى لكونه لطفاً فيها.

وفيه تنبيه عظيم على أن وجود العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله إذا كان بهذه الصفة من القوة، فما الظنّ بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه؟

﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قال: قدّم لهم وعداً فقيل: أي شيء وعده لهم؟

فقيل: لهم مغفرة وأجر عظيم.

أو يكون على إرادة القول بمعنى وعدهم وقال لهم مغفرة.

أو على إجراء وعد مجرى قال: لأنه ضرب من القول.

أو يجعل واقعاً على الجملة التي هي لهم مغفرة، كما وقع (تركنا) على قوله: ﴿ سلام على نُوحٍ ﴾ [الصافات: 119] كأنه قيل: وعدهم هذا القول وإذا وعدهم من لا يخلف الميعاد هذا القول، فقد وعدهم مضمونه من المغفرة والأجر العظيم.

وهذا القول يتلقون به عند الموت ويوم القيامة، فيسرون به ويستروحون إليه ويهوّن عليهم السكرات والأهوال قبل الوصول إلى الثواب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا ﴾ عَدّاهُ بِعَلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْلِ، والمَعْنى لا يَحْمِلَنَّكم شِدَّةُ بُغْضِكم لِلْمُشْرِكِينَ عَلى تَرْكِ العَدْلِ فِيهِمْ فَتَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ، كَمُثَلَةٍ وقَذْفٍ وقَتْلِ نِساءٍ وصِبْيَةٍ ونَقْضِ عَهْدٍ تَشَفِّيًا مِمّا في قُلُوبِكم.

﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ أيِ العَدْلُ أقْرَبُ لِلتَّقْوى، صَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ التَّقْوى بَعْدَ ما نَهاهم عَنِ الجَوْرِ وبَيَّنَ أنَّهُ مُقْتَضى الهَوى، وإذا كانَ هَذا لِلْعَدْلِ مَعَ الكُفّارِ فَما ظَنُّكَ بِالعَدْلِ مَعَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ، وتَكْرِيرُ هَذا الحُكْمِ إمّا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ كَما قِيلَ إنَّ الأُولى نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ وهَذِهِ في اليَهُودِ، أوْ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ ثائِرَةِ الغَيْظِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بالقسط} بالعدل {وَلاَ يجرمنكم شنآن قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} عدي يجرمنكم بحرف الاستعلاء مضمناً معنى فعل يتعدى به كأنه قيل ولا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى} أي العدل أقرب إلى التقوى نهاهم أوّلاً أن تحملهم البغضاء على ترك العلد ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً وتشديداً ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل وهو قوله تعالى {هو أقرب للتقوى} وإذا كان وجوب العدل مع الكفار بهذه الصفة من القوة فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه {واتقوا الله} فيما أمر ونهى

المائدة (٨ _ ١٢)

{إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} وعد ووعيد ولذاذكر بعدها آية الوعد وهو قوله تعالى

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ لِما يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ إثْرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ ﴿ كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ ﴾ أيْ: كَثِيرِي القِيامِ لَهُ بِحُقُوقِهِ اللّازِمَةِ، وقِيلَ: أيْ: لِيَكُنْ مِن عادَتِكُمُ القِيامُ بِالحَقِّ في أنْفُسِكم بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وفي غَيْرِكم بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، وقِيلَ: دُعاةٌ لِلَّهِ تَعالى مُبَيِّنِينَ عَنْ دِينِهِ بِالحُجَجِ الحَقَّةِ ﴿ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ أيْ: شِدَّةُ بُغْضِكم لَهم ﴿ عَلى ألا تَعْدِلُوا ﴾ فَلا تَشْهَدُوا في حُقُوقِهِمْ بِالعَدْلِ، أوْ فَتَعْدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ ﴿ اعْدِلُوا ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ في أوْلِيائِكم وأعْدائِكُمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأعْداءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُكافِئُوا كَفّارَ مَكَّةَ بِما سَلَفَ مِنهُمْ، وأنْ يَعْدِلُوا في القَوْلِ والفِعْلِ، ( هو ) راجِعٌ إلى العَدْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، وهو إمّا مُطْلَقُ العَدْلِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ العَدْلُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، وإمّا العَدْلُ مَعَ الكُفّارِ ﴿ أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ أيْ: أدْخَلُ في مُناسَبَتِها؛ لِأنَّ التَّقْوى نِهايَةُ الطّاعَةِ، وهو أنْسَبُ الطّاعاتِ بِها، فالقُرْبُ بَيْنَهُما عَلى هَذا مُناسَبَةُ الطّاعَةِ لِلطّاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أقَرَبِيَّتُهُ عَلى التَّقْوى بِاعْتِبارِ أنَّهُ لُطْفٌ فِيها، فَهي مُناسَبَةُ إفْضاءِ السَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، وهو بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ العِلَّةِ، واللّامُ مِثْلُها في قَوْلِكَ: ( هو قَرِيبٌ لِزَيْدٍ ) لِلِاخْتِصاصِ لا مُكَمِّلَةٌ؛ فَإنَّهُ بِمِن أوْ إلى.

وتَكَلَّفَ الرّاغِبُ في تَوْجِيهِ الآيَةِ فَقالَ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) وأفْعَلُ إنَّما يُقالُ في شَيْئَيْنِ اشْتَرَكا في أمْرٍ واحِدٍ، لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ، وقَدْ عَلِمْنا أنْ لا شَيْءَ مِنَ التَّقْوى ومِن فِعْلِ الخَيْرِ إلّا وهو مِنَ العَدالَةِ؟

قِيلَ: إنَّ ( أفْعَلُ ) وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتَ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلى تَقْدِيرِ بِناءِ الكَلامِ عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِ في الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ قَطْعًا لِكَلامِهِ، وإظْهارًا لِتَبْكِيتِهِ، فَيُقالُ لِمَنِ اعْتَقَدَ مَثَلًا في زَيْدٍ فَضْلًا - وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ ولَكِنْ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْكِرَ أنَّ عَمْرًا أفْضَلُ مِنهُ: اخْدِمْ عُمْرًا فَهو أفْضَلُ مِن زَيْدٍ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ ﴾ وقَدْ عُلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيما يُشْرِكُونَ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالعَدْلِ، وصَرَّحَ لَهم بِهِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، وأمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ إثْرَ ما بُيِّنَ أنَّ العَدْلَ أقْرَبُ لَها؛ اعْتِناءً بِشَأْنِها وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الأعْمالِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النِّساءِ، ولَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ نائِرَةِ الغَيْظِ، وقِيلَ: لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَإنَّ الأُولى نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وهَذِهِ في اليَهُودِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وجْهًا لِتَقْدِيمِ القِسْطِ هُناكَ وتَأْخِيرِهِ هُنا، وهو أنَّ آيَةَ النِّساءِ جِيءَ بِها في مَعْرِضِ الإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ ووالِدَيْهِ وأقارِبِهِ، فَبَدَأ فِيها بِالقِسْطِ الَّذِي هو العَدْلُ مِن غَيْرِ مُحاباةِ نَفْسٍ ولا والِدٍ ولا قَرابَةٍ، والَّتِي هُنا جِيءَ بِها في مَعْرِضِ تَرْكِ العَداوَةِ، فَبَدَأ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤْنِينَ، ثُمَّ ثَنّى بِالشَّهادَةِ بِالعَدْلِ، فَجِيءَ في كُلِّ مَعْرِضٍ بِما يُناسِبُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ يعني إذا أردتم أن تقوموا إلى الصلاة وأنتم محدثون، ويقال: إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ يعني: مع المرافق وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ يعني مع الكعبين.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم، وفي رواية أبي بكر وَأَرْجُلَكُمْ بكسر اللام وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالنصب فإنه جعله نصباً لوقوع الفعل عليه وهو الغسل، يعني واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.

ومن قرأ بالكسر جعله كسراً لدخول حرف الخفض وهو الباء، فكأنه قال: وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، يعني إذا كان عليه خفان، وقد ثبت ذلك بالسنة.

ويقال: صار كسراً بالمجاورة كما قال في آية أخرى وَحُورٌ عِينٌ [الواقعة: 22] قرأ بعضهم بالكسر بالمجاورة، فهذه الأربعة التي ذكرت في الآية من فرائض الوضوء، وما سوى ذلك آداب وسنن.

فإن قيل: الآية إذا قرئت بقراءتين فالله تعالى قال بهما جميعاً أو بإحداهما؟

قيل له: هذا على وجهين: إن كان لكل قراءة معنى غير المعنى الآخر، فالله تعالى قال بهما جميعاً، وصارت القراءتان بمنزلة الآيتين، وإن كانت القراءتان معناهما واحد، فالله تعالى قال لإحداهما، ولكنه رخص بأن يقرأ بهما جميعاً.

ثم قال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا قد يوصف الجمع بصفة الواحد كقوله وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً وكقوله: وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ قوله: فَاطَّهَّرُوا معناه فتطهروا إلا أن التاء أدغمت في الطاء لأنهما من مكان واحد فإذا، أدغمت فيها سكن أول الكلمة وزيدت ألف الوصل للابتداء.

ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مآء فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يعني من الصعيد.

ثم قال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ يقول: لا يكلفكم في دينكم من ضيق وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ يعني: يطهركم من الأحداث والجنابة وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بما أنعم من الرخص لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا الله لما رخص لكم ولم يضيق عليكم.

قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يقول: احفظوا منن الله عليكم بإقراركم بوحدانية الله تعالى وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ يعني يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم-  - وقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] هكذا قال في رواية الكلبي ومقاتل والضحاك.

وقال بعضهم: هو الميثاق الجبلة والإدراك، فكل من أدرك فقد أخذ عليه الميثاق، وشهدت له خلقته وجبلته فصار ذلك كالإقرار منه، ثم قال إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا يوم الميثاق، قلتم سمعنا قولك يا ربنا وأطعنا أمرك.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في نقض العهد والميثاق إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، يعني: عالم بسرائركم.

ثم قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ يعني قوالين بالحق.

ثم قال: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا وذلك أن الله تعالى لما فتح على المسلمين مكة، أمر الله المسلمين أن لا يكافئوهم بما سلف، وأن يعدلوا في القول والحكم والنصفة.

وذلك قوله اعْدِلُوا يعني قولوا الحق والعدل هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يعني فإنه أقرب للطاعة.

ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ يقول: واخشوا الله بما أمركم به إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ من الطاعة وغيره.

ثم بيّن ثواب من عمل بطاعته فقال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني ثواب عظيم في الجنة.

ويقال: إن أهل مكة قالوا بعد ما أسلموا: ما لنا في الآخرة وقد أخرجناك وأصحابك.

فقالوا: وعد الله الذين آمنوا بالله وبمحمد  وعملوا الصالحات بعد الإسلام لهم مغفرة لما فعلوا في حال الشرك وأجر عظيم في الآخرة.

ثم قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: جحدوا وكذبوا بمحمد  والقرآن، وماتوا على ذلك أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يعني مقيمين فيها أبداً.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وذلك أن النبيّ  لما قدم المدينة وصالح بني قريظة وبني النضير، وهما قبيلتان بقرب المدينة، وأخذ منهم الميثاق بأن لا يكون بينهم القتال، وأن يتعاونوا فيما بينهم على الديات، فدخل مستأمنان على رسول الله  فخرجا من عنده فقتلهما «عمرو بن أمية الضمري» ، ولم يعلم بأنهما مستأمنان، فوداهما رسول الله  بدية حُرَّين مسلمين، فخرج رسول الله  مع أبي بكر وعمر وعلي إلى بني النضير ليستعين بهم في ديتهما، فقالوا: مرحباً حتى نستأذن إخواننا من بني قريظة.

وقال في رواية الكلبي: خرج إلى بني قريظة فقالوا: حتى نستأذن إخواننا من بني النضير، وأدخلوهم داراً وأجلسوهم في صفّة، وجعلوا يجمعون السلاح، وهموا بقتل رسول الله  وأصحابه، وكانوا ينتظرون كعب بن الأشرف وكان غائباً، فنزل جبريل وأخبر النبي  بالقصة وخرج، فلما أبطأ الرجوع قام أبو بكر فخرج، ثم خرج عمر، ثم خرج علي  م فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يقول: أرادوا وتمنوا أن يمدوا أيديهم إليكم بالقتل فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ بالمنع.

قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر، قال: حدثنا علي بن أحمد، قال: حدثنا نصير بن يحيى، قال: حدثنا أبو سليمان، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله  خرج إلى بني النضير ليستعين بهم في دية الكافرَيْن اللذيْن قتلهما «عمرو بن أمية الضمري» ، فهمّ بنو النضير بقتل النبي  ، فبلغ النبيّ  فسار إليهم فحاصرهم، وأمر بقطع النخيل وحاصرهم حتى قالوا: أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة يعني السلاح؟

قال: «نعم» ففتحوا الحصون، وأجلاهم إلى الشام.

فهذا الخبر موافق رواية مقاتل أنه خرج إلى بني النضير.

وقال الضحاك: كان سبب نزول هذه الآية أن النبيّ  خرج ذات ليلة إلى البقيع إلى قبور الشهداء وحده، فأتاه رجل من اليهود شديد محارب، فقال: إن كنت نبياً كما تزعم فأعطني سيفك هذا، فإن الأنبياء لا يبخلون، فأعطاه سيفه فشهر اليهودي السيف وهزه ليضربه به.

فلم يجترئ للرعب الذي قذفه الله تعالى في قلبه، ثم ردّ عليه السيف فنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ففي الآية مضمر، فكأنه قال: فاتقوا الله وتوكلوا على الله، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني على المؤمنين أن يتوكلوا على الله ويثقوا بالنصر لهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ ...

الاية: خطابٌ للمؤمنين، ونِعْمَةُ اللَّهِ: اسْمُ جنْسٍ، يجمع الإسلامَ، وحُسْنَ الحالِ، وحُسْنَ المَآلِ، والميثاقُ: هو ما وقع للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم في بَيْعَةِ العَقَبَةِ، وَبَيْعَةِ الرِّضْوان، وكلُّ موطِنٍ قال الناسُ فيه: «سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» ، هذا قولُ ابنِ عبَّاس «١» وجماعةٍ من المفسِّرين.

وقال مجاهدٌ: المرادُ: الميثاقُ المأخوذُ على النَّسَمِ حين استخرجوا مِنْ ظَهْر آدم- عليه السلام-.

والأوَّل أرجَحُ وألْيَقُ بنَمَطِ الكلامِ، وباقي «٢» الآية بيِّن متكرِّر، قال أبو عمر بن عبد البر في كتابه «بهجة المجالس» : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «من وعده الله على عمل ثوابا، فهو منجز له ما وعده، ومن أوعده على عمل عقابا، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له» «٣» ، وعن ابن عباس مثله.

انتهى

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ ...

الآية:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ مِن أجْلِ كُفّارِ قُرَيْشٍ أيْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ رَوى نَحْوَ هَذا أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ رَجُلًا لِيَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والَّتِي بَعْدَها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: «أنَّ النَّبِيَّ  ذَهَبَ إلى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهم في دِيَةٍ، فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

ومَعْنى الآيَةِ: كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ بِالحَقِّ، ولا يَحَمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ﴿ اعْدِلُوا ﴾ في الوَلِيِّ والعَدُوِّ ﴿ هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ أيْ: إلى التَّقْوى.

والمَعْنى: أقْرَبُ إلى أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ، وقِيلَ: هو أقْرَبُ إلى اتِّقاءِ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللهِ إنَّ اللهِ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: "واذْكُرُوا"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ هو لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ اِسْمُ جِنْسٍ يَجْمَعُ الإسْلامَ؛ وجَمْعَ الكَلِمَةِ؛ وعِزَّةَ الحَياةِ؛ وغِنى المالِ؛ وحُسْنَ المَآلِ؛ هَذِهِ كُلُّها نِعَمُ هَذِهِ المِلَّةِ؛ والمِيثاقُ المَذْكُورُ هو ما وقَعَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في بَيْعَةِ العَقَبَةِ؛ وبَيْعَةِ الرِضْوانِ؛ وكُلِّ مَوْطِنٍ قالَ الناسُ فِيهِ: "سَمِعْنا؛ وأطَعْنا"؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمِيثاقُ المَذْكُورُ هو المَأْخُوذُ عَلى النَسَمِ حِينَ اسْتُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ وألْيَقُ بِنَمَطِ الكَلامِ.

ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ دَأْبًا مُتَكَرِّرًا بِالقِسْطِ؛ وهو العَدْلُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ النِساءِ؛ وتَقَدَّمَ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ؛ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ مُتَكَرِّرٌ؛ واللهُ المُعِينُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لمّا ذكّرهم بالنَعمة عقّب ذلك بطلب الشكر للمنعم والطاعة له، فأقبل على خطابهم بوصف الإيمان الذي هو منبع النعم الحاصلة لهم.

فالجملة استئناف نشأ عن ترقّب السامعين بعد تعداد النعم.

وقد تقدّم نظير هذه الآية في سورة النساء، ولكن آية سورة النساء (135) تقول: ﴿ كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ﴾ وما هنا بالعكس.

ووجه ذلك أنّ الآية الّتي في سورة النّساء وردت عقب آيات القضاء في الحقوق المبتدأة بقوله: ﴿ إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين النّاس بما أراك الله ﴾ [النساء: 105]، ثمّ تعرّضت لقضية بني أبيرق في قوله: ﴿ ولا تَكُن للخائنين خصيماً ﴾ [النساء: 105]، ثمّ أردفت بأحكام المعاملة بين الرّجال والنّساء، فكان الأهمّ فيها أمرَ العدل فالشهادةِ.

فلذلك قدّم فيها ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ﴾ [النساء: 135]؛ فالقسط فيها هو العدل في القضاء، ولذلك عدّي إليه بالباء، إذ قال: ﴿ كونوا قوامين بالقسط ﴾ [النساء: 135].

وأمّا الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها فهي واردة بعد التذكير بميثاق الله، فكان المقام الأوّل للحصّ على القيام لله، أي الوفاء له بعهودهم له، ولذلك عدّي قوله: ﴿ قوّامين ﴾ باللام.

وإذ كان العهد شهادة أتبع قولُه: ﴿ قوّامين لله ﴾ بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ ، أي شهداء بالعدل شهادة لا حيف فيها، وأولَى شهادة بذلك شهادتهم لله تعالى.

وقد حصل من مجموع الآيتين: وجوب القيام بالعدل، والشهادة به، ووجوب القيام لله، والشهادة له.

وتقدّم القول في معنى ﴿ ولا يجرمنَّكم شنئان قوم ﴾ قريباً، ولكنّه هنا صرّح بحرف (على) وقد بيّناه هنالك.

والكلام على العدل تقدّم في قوله: ﴿ وإذا حكمتم بين النّاس أن تحكموا بالعدل ﴾ [النساء: 58].

والضمير في قوله: ﴿ هو أقرب ﴾ عائد إلى العدل المفهوم من ﴿ تعدلوا ﴾ ، لأنّ عود الضمير يُكتفى فيه بكلّ ما يفهم حتّى قد يعودُ على ما لا ذكر له، نحو ﴿ حتّى توارتْ بالحجاب ﴾ [ص: 32].

على أنّ العرب تجعل الفعل بمعنى المصدر في مراتب: المرتبة الأولى: أن تدخُل عليه (أن) المصدرية.

الثّانية: أن تُحذف (أن) المصدريّة ويبقى النصب بها، كقول طرفة: ألا أيّهذَا الزاجري أحْضُرَ الوغى *** وأن أشهدَ اللذاتتِ هَلْ أنت مُخلدي بنصب (أحضرُ) في رواية، ودلّ عليه عطف (وأن أشهد).

الثّالثة: أن تُحذف (أن) ويُرفع الفعل عملاً على القرينة، كما روي بيت طرفة (أحضرُ) برفع أحضرُ، ومنه قول المثل (تَسْمَعُ بالمعيدي خير من أن تراه)، وفي الحديث «تحمل لأخِيك الركابَ صدقة» الرابعة: عود الضمير على الفعل مراداً به المصدر، كما في هذه الآية.

وهذه الآية اقتصر عليها النحاة في التمثيل حتّى يخيّل للنّاظر أنّه مثال فَذٌّ في بابه، وليس كذلك بل منه قوله تعالى: ﴿ وينذر الّذين قالوا اتّخذ الله ولداً ﴾ [الكهف: 4].

وأمثلته كثيرة: منها قوله تعالى: ﴿ ما لهم به من علم ﴾ [الكهف: 5]، فضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى القول المأخوذ من ﴿ قالوا ﴾ ، ومنه قوله تعالى: ﴿ ذلك ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه ﴾ [الحج: 30]، فضمير ﴿ فهو ﴾ عائد للتعظيم المأخوذ من فعل ﴿ يعظّم ﴾ ، وقول بشّار: واللَّه ربّ محمَّد *** مَا إن غَدَرْت ولا نوَيتُه أي الغدر.

ومعنى ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي للتقوى الكاملة الّتي لا يشذّ معها شيء من الخير، وذلك أنّ العدل هو ملاك كبح النّفس عن الشهوة وذلك ملاك التّقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي بِالحَقِّ فِيما يَلْزَمُ مِن طاعَتِهِ.

﴿ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ.

وَفي هَذِهِ الشَّهادَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أنَّها الشَّهادَةُ بِحُقُوقِ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: الشَّهادَةُ بِما يَكُونُ مِن مَعاصِي العِبادِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

الثّالِثُ: الشَّهادَةُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ حَقٌّ.

وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في النَّبِيِّ  ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ خَرَجَ إلى يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُ بِهِمْ في دِيَةٍ، فَهَمُّوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِ»، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَّرَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِخَلاصِ نَبِيِّهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: «أنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ رَجُلًا، لِيَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ فِيها هاتانِ الآيَتانِ»، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ يَعْنِي بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ ولُزُومِ طاعَتِهِ.

﴿ وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ أخَذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم نَقِيبًا، وفي النَّقِيبِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الضَّمِينُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

الثّانِي: الأمِينُ، وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: الشَّهِيدُ عَلى قَوْمِهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وَأصْلُهُ في اللُّغَةِ: النَّقِيبُ الواسِعُ، فَنَقِيبُ القَوْمِ هو الَّذِي يُنَقِّبُ أحْوالَهم.

وَفِيما بُعِثَ فِيهِ هَؤُلاءِ النُّقَباءُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم بُعِثُوا إلى الجَبّارِينَ، لِيَقِفُوا عَلى أحْوالِهِمْ ورَجَعُوا بِذَلِكَ إلى مُوسى، فَرَجَعُوا عَنْ قِتالِهِمْ، لِما رَأوْا مِن شِدَّةِ بِأْسِهِمْ، وعِظَمِ خَلْقِهِمْ، إلّا اثْنَيْنِ مِنهم، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم بُعِثُوا لِقَوْمِهِمْ بِما أُخِذَ بِهِ مِيثاقُهم مِنهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط..

﴾ الآية نزلت في يهود خيبر؛ ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعينهم في دية فهموا ليقتلوه، فذلك قوله: ﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا..

﴾ الآية.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: يريد يقومون لله بحقه (١) ومعنى القيام لله: هو أن يقوم له (٢) (٣) واللام في (لله) أجل.

وقوله تعالى: ﴿ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ .

قال عطاء: يريد يشهدون بالعدل، يقول: لا تُحابِ في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أهل بغضك وأعدائك (٤) وقال الزجاج: أي: تبيّنون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ .

أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل (٦) وقال الزجاج: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل (٧) فإن قيل: ما وجه ظلم المشركين وقد أمر بقتلهم وسبي أولادهم وأخذ أموالهم؟

قيل: إنه قد يمكن أن يظلموا بضروب كثيرة، منها: المُثلة، وقتل الأولاد صبرًا لاغتمام الآباء، وترك قبول الإسلام منهم، ونحو ذلك مما هو محرم في الدين (٨) وقوله تعالى: ﴿ اعْدِلُوا ﴾ أي: في الولي والعدو (٩) ﴿ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ أي العدل، ودل عليه الفعل كقولهم: من كذب كان شرًا، أي كان الكذب شرًا.

ومعنى ﴿ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ أي: أقرب إلى أن تكونوا متقين باجتناب جميع السيئات، وأقرب لاتقاء النار (١٠) (١) لم أقف عليه.

(٢) في (ج): (لله).

(٣) انظر: "بحر العلوم" 1/ 420.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 156.

(٦) انظر: الطبرى في "تفسيره" 6/ 141، و"معاني الزجاج" 2/ 156.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 156.

(٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 420، و"الكشاف" للزمخشري 1/ 326.

(٩) انظر: الطبري في "تفسيره" 6/ 142، و"زاد المسير" 2/ 307.

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 307.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كُونُواْ قوامين ﴾ تقدم الكلام على نظيرتها في النساء ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ بالنون الخفيفة: روي عن رويس.

الباقون مثقلة.

﴿ شنآن ﴾ في الموضعين بسكون النون: ابن عامر وإسماعيل وأبو بكر وحماد ويزيد من طريق ابن وردان.

الباقون بالفتح.

﴿ أن صدّوكم ﴾ بكسر الهمز: ابن كثير أبو عمرو.

الباقون بالفتح.

﴿ ولا تعاونوا ﴾ بتشديد التاء: البزي وابن فليح.

﴿ الميتة ﴾ و ﴿ فمن اضطر ﴾ كما مر في البقرة.

﴿ واخشوني ﴾ بالياء في الوقف: سهل ويعقوب.

﴿ وأرجلكم ﴾ بالنصب: ابن عامر ونافع وعلي والمفضل وحفص ويعقوب والأعشى في اختياره.

الباقون بالجر.

الوقوف: ﴿ بالعقود ﴾ ط لاستئناف الفعل.

﴿ حرم ﴾ ط ﴿ ما يريد ﴾ ه ﴿ ورضواناً ﴾ ط ﴿ فاصطادوا ﴾ ط لابتداء نهي أن تعتدوا لئلاّ يتوهم العطف وحذف التاء من تعاونوا.

﴿ والتقوى ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ والعدوان ﴾ ص كذلك ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ شديد العقاب ﴾ ه ﴿ بالأزلام ﴾ ط ﴿ فسق ﴾ ط ﴿ واخشوني ﴾ ط ﴿ دينأً ﴾ ط لأنّ الشرط من تمام التحريم لا مما يليه.

﴿ لإثم ﴾ لا لأن ما بعده جزاء ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ أحل لهم ﴾ ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ الطيبات ﴾ ط للعطف أي وصيد ما علمتم ﴿ مما علمكم الله ﴾ ز لفاء التعقيب مع عطف المختلفين.

﴿ عليه ﴾ ص ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه ﴿ الطيبات ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ.

﴿ لكم ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ لهم ﴾ ز لأن قوله: ﴿ والمحصنات ﴾ عطف على ﴿ وطعام الذين ﴾ لا على ما يليه ﴿ أخذان ﴾ ط ﴿ عمله ﴾ ز لعطف المختلفين مع أن ما بعده من تمام جزاء الكفر معنى.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ الكعبين ﴾ ط لابتداء حكم.

﴿ فاطهروا ﴾ ط كذلك.

﴿ وأيديكم منه ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ واثقكم به ﴾ لا لأن "إذ" ظرف المواثقة ﴿ وأطعنا ﴾ ز لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ بالقسط ﴾ ز لعطف المتفقتين مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ أن لا تعدلوا ﴾ ط للاستئناف.

﴿ اعدلوا ﴾ ج وقفة لطيفة لأن الضمير مبتدأ مع شدة اتصال المعنى.

﴿ للتقوى ﴾ ز ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ بما تعملون ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ لا لأن ما بعده مفعول الوعد أي أن لهم ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ الجحيم ﴾ ه ﴿ أيديهم عنكم ﴾ ج لاعتراض الظرف بين المتفقين ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه.

التفسير: وفي بالعهد وأوفى به بمعنى.

والعقد وصل الشيء بالشيء على سبيل الاستيثاق والإحكام والعهد وإلزام مع إحكام.

والمقصود من الإيفاء بالعقود أداء تكاليفه فعلاً وتركاً.

والتحقيق أن الإيمان معرفة الله بذاته وصفاته وأحكامه وأفعاله فكأنه قيل: يا أيها الذين التزمتم بأيمانكم أنواع العقود أوفوا بها.

ومعنى تسمية التكاليف عقوداً أنها مربوطة بالعباد كما يربط الشيء بالشيء بالحبل الموثق.

قال الشافعي: إذا نذر صوم يوم العيد أو نذر ذبح الولد لغا لقوله  : " "لا نذر في معصية الله" .

وقال أبو حنيفة: يجب عليه الصوم والذبح لقوله  : ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ غايته أنه لغا هذا النذر في خصوص كون الصوم واقعاً في يوم العيد وفي خصوص كون الذبح في الولد.

وقال أيضاً خيار المجلس غير ثابت لقوله: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ وخصص الشافعي عموم الآية بقوله:  : " "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " وقال أبو حنيفة: الجمع بين الطلقات حرام لأن النكاح من العقود بدليل: ﴿ ولا تعزموا عقدة النكاح  ﴾ وقال: ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى سائرها على الأصل.

والشافعي خصص هذا العموم بالقياس وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يحرم.

ثم إنه  لما مهد القاعدة الكلية ذكر ما يندرج تحتها فقال: ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والبهيمة كل حي لا عقل له من قولهم: استبهم الأمر إذا اشكل.

وهذا باب مبهم أي مسدود.

ثم خص هذا الاسم بكل ذات أربع في البر والبحر.

والأنعام الحافر لأنه مأخوذ من من الإبل والبقر والغنم.

قال الواحدي: ولا يدخل في اسم الأنعام الحافر لأنه مأخوذ من نعومة الوطء، وإضافة البهيمة إلى الأنعام للبيان مثل: خاتم فضة بتقدير من.

وفائدة زيادة لفظ البهيمة مع صحة ما لو قيل أحلت لكم الأنعام كما قال في سورة الحج هي فائدة الإجمال ثم التبيين.

وإنما وحد البهيمة لأنها اسم جمع يشمل أفرادها.

وجمع الأنعام لأن النعم مفرداً يقع في الأكثر على الإبل وحدها.

وقيل: المراد بالبهيمة شيء وبالأنعام شيء آخر وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما أن البهيمة الظباء وبقرة الوحش ونحوها كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه.

الثاني أنها الأجنة.

عن ابن عباس أن بقرة ذبحت فوجد في بطنها جنين فأخذ ابن عباس بذنبها وقال: هذه بهيمة الأنعام, وعن ابن عمر أنها أجنة الأنعام وذكاته ذكاة أمة، قالت الثنوية: ذبح الحيوانات إيلام والإيلام قبيح وخصوصاً إيلام من بلغ في العجز والحيرة إلى حيث لا يقدر أن يدفع عن نفسه ولم يكن له لسان يحتج على من يقصد إيلامه، والقبيح لا يرضى به الإله الرحيم الحكيم فلا يكون الذبح مباحاً حلالاً، فلقوة هذه الشبهة زعم البكرية من المسلمين أنه  يدفع ألم الذبح عن الحيوانات.

وقالت المعتزلة: إن الإيلام إنما يقبح إذا لم يكن مسبوقاً بجناية ولا ملحوقاً بعوض، وههنا يعوض الله  وتعالى هذه الحيوانات بأعواض شريفة فلا يكون ظلماً وقبيحاً كالفصد والحجامة لطلب الصحة وقالت الأشاعرة: الإذن في ذبح الحيوانات تصرف من الله  في ملكه فلا اعتراض عليه ولذا قال: ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ قال بعضهم: ﴿ أحلّت لكم بهيمة الأنعام ﴾ مجمل لاحتمال أن يكون المراد إحلال الانتقاع بجلدها أو عظمها أو صوفها أو بالكل.

والجواب أن الإحلال لا يضاف إلى الذات فتعين إضمار الانتفاع بالبهيمة فيشمل أقسام الانتفاع.

على أن قوله: ﴿ والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  ﴾ يدل على الانتفاع بها من كل الوجوه، إلاّ أنه ألحق بالآية نوعين من الاستثناء الأول قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ أي إلاّ محرم ما يتلى عليكم أو ما يتلى عليكم آية تحريمه, وأجمع المفسرون على أن الآية قوله بعد ذلك: ﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ﴾ والثاني قوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ اي داخلون في الحرم أو في الإحرام.

قال الجوهري: رجل حرام أي محرم والجمع حرم مثل قذال وقذل.

وقيل: مفرد يستوي فيه الواحد والجمع كما يقال قوم جنب، وانتصاب: ﴿ غير محلي ﴾ على الحال من الضمير في: ﴿ لكم ﴾ أي أحلت لكم هذه الأشياء لا محلين الصيد في حالة الإحرام وفي الحرم.

ثم كان لقائل أن يقول: ما السبب في إباحة الأنعام في جميع الأحوال وإباحة الصيد في بعض الأحوال؟

فقيل: إن الله يحكم ما يريد فليس لأحد اعتراض على حكمه ولا سؤال بلم وكيف.

ثم أكد النهي عن مخالفة تكاليفه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ الأكثرون على أنها جمع شعيرة: "فعيلة" بمعنى: "مفعلة".

وقال ابن فارس: واحدها شعارة.

ثم المفسرون اختلفوا على قولين: أحدهما أنها عامة في جميع تكاليفه ومنه قول الحسن: شعائر الله دين الله.

والثاني أنها شيء خاص من التكاليف.

ثم قيل: المراد لا تحلوا ما حرم الله عليكم في حال إحرامكم من الصيد.

وقيل: الأفعال التي هي علامات الحج التي يعرف بها من الإحرام والطواف والسعي والحلق والنحر.

وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من شعائر الحج فنهوا عن ترك السعي بينهما.

وقال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا التي تطعن في سنامها وتقلد ليعلم أنها هدي.

وقال ابن عباس: "إن الحطم واسمه شريح بن ضبيعة الكندي أتى النبي  من اليمامة إلى المدينة فخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي  فقال له: إلام تدعو الناس؟

فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإقام الصلاة وايتاء الزكاة.

فقال: حسن إلاّ أن لي أمراء لا أقطع أمراً دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم.

وقد كان النبي  قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل يتكلم بلسان شيطان ثم خرج من عنده.

فلما خرج قال رسول الله  : لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقبي غادر وما الرجل بمسلم .

فمرّ بسرح المدينة فاستاقه فطلبوه فعجزوا عنه، فلما خرج رسول الله  إلى عمرة القضاء سمع تلبية حجاج اليمامة فقال لأصحابه: هذا الحطم وأصحابه وكان قد قلد ما نهب من سرح المدينة وأهداه إلى الكعبة، فلما توجهوا في طلبه أنزل الله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ﴾ " يريد ما أشعر لله وإن كانوا على غير دين الإسلام.

وقال زيد بن أسلم: "كان رسول الله  وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال أصحاب رسول الله  : نصد هؤلاء عن البيت كما صدنا أصحابهم؟

فأنزل الله: ﴿ لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ﴾ " أي قوماً قاصدين إياه.

والمعنى لا تعتدوا على هؤلاء العمار لأن صدكم أصحابهم فالشهر الحرام شهر الحج أعني ذا الحجة، أو المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وعبر عنها بلفظ الواحد اكتفاء باسم الجنس، أي لا تحلوا القتال في هذه الأشهر.

والهدي ما أهدى إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك جمع هدية.

والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو عروة مزادة أو لحاء شجر الحرم.

والمراد لا تحلو ذوات القلائد من الهدي أفرد للاختصاص بالفضل مثل وجبريل وميكال.

ويحتمل أنه نهي عن التعرض للقلائد ليلزم النهي عن ذوات القلائد بالطريق الأولى كقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن  ﴾ فإنه نهي عن إبداء الزينة مبالغة في النهي عن إبداء مواقعها.

وللمفسرين خلاف في الآية فذهب كثير منهم كابن عباس ومجاهد والحسن والشعبي وقتادة أنها منسوخة، وذلك أن المسلمين والمشركين كانوا يحجون جميعاً فنهى المسلمون أن يمنعوا أحداً عن/ حج البيت بقوله: ﴿ لا تحلوا ﴾ ثم نزل بعد ذلك: ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ﴿ ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله  ﴾ وهؤلاء فسروا ابتغاء الفضل بالتجارة، وابتغاء الراضوان بأن المشركين كانوا يظنون في أنفسهم أنهم على شيء من الدين وأن الحج يقرّبهم إلى الله فوصفهم الله بظنهم.

وقال الآخرون: إنها محكمة وإنه  أمرنا ﴿ ورضواناً ﴾ وأن يرضى عنهم وهذا إنما يليق بالمسلم لا بالكافر.

وقال أبو مسلم: المراد بالآية الكفار الذين كانوا في عهد رسول الله  ، فلما زال العهد بسورة براءة زال ذلك الخطر.

﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ ظاهر الأمر للوجوب إلاّ أنه يفيد ههنا الإباحة لأنه لما كان المانع من حل الاصطياد هو الإحرام لقوله: ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم ﴾ فإذا زال الإحرام رجع إلى أصل الإباحة ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ معطوف على ﴿ لا تحلوا ﴾ وجرم بمعنى كسب من حيث المعنى ومن حيث تعدية إلى مفعول واحد تارة وإلى مفعولين أخرى.

تقول: جرم ذنباً نحو كسبه وجرمته ذنباً نحو كسبته إياه وهذا هو المذكور في الآية.

الشنآن بالتحريك والتسكين مصدر شنأته أشنؤه وكلاهما شاذ فالتحريك شاذ في المعنى لأن فعلان من بناء الحركة والاضطراب كالضربان الخفقان.

والتسكين شاذ في اللفظ لأنه لم يجيء شيء من المصادر عليه قاله الجوهري.

ومعنى الآية لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء أو لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء.

وقوله: ﴿ أن صدوكم ﴾ من قرأ بكسر الهمزة فهو شرط وجوابه ما يدل عليه ﴿ لا يجرمنكم ﴾ ، ومن قرأ بفتح "أن" فمعناه التعليل أي لأن صدوكم.

قيل: هذه القراءة أولى لأن المراد منع أهل مكة رسول الله  والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة والسورة نزلت بعد الحديبية ﴿ وتعاونوا على البر والتقوى ﴾ على العفو والإغضاء أو على كل ما يعدّ براً وتقوى.

﴿ ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ﴾ على الانتقام والتشفي أو على كل ما يورث الإثم والتجاوز عن الحد.

والحاصل أن الباطل والإثم لا يصلح لأن يقتدى به ويعان عليه وإنما اللائق بالاقتداء به والتعاون عليه هو الخير والبر وما فيه تقوى الله  وتعالى .

ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ أي في استحلال محارمه.

﴿ إن الله شديد العقاب ﴾ ثم شرع في تفصيل الاستثناء الموعود تلاوته في قوله: ﴿ إلاّ ما يتلى عليكم ﴾ فقال: ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ الآية.

والمجموع المستثنى أحد عشر نوعاً: الأول الميتة كانوا يقولون إنكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله.

قالت العقلاء: الحكمة في تحريم الميتة أن الدم جوهر لطيف فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدم في عروقه وتعفن فيحصل من أكله مضار كثيرة.

الثاني الدم كانوا يأكلون الفصيد وهو دم كان/ يجعل في معىً من فصد عرق ثم يشوى فيطعمه الضيف في الأزمة ومنه المثل: "لم يحرم من فصد له" أي فصد له البعير وربما يقال: "من فزد له" الثالث لحم الخنزير.

قالت العلماء: الغذاء يصير جزءاً من جوهر المغتذي ولا بد أن يحصل للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلاً في الغذاء، والخنزير مطبوع على الحرص والشره فحرم أكله لئلا يتكيف الإنسان بكيفيته.

وأما الغنم فإنها في غاية السلامة وكأنها عارية عن جميع الأخلاق فلا تتغير من أكلها أحوال الإنسان.

والرابع: ﴿ ما أهل لغير الله به ﴾ والإهلال رفع الصوت وكانوا يقولون عند الذبح باسم اللات والعزى وقد مر في سورة البقرة سائر ما يتعلق بهذه الأنواع الأربعة فليرجع إليها.

الخامس المنخنقة كانوا في الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها.

وقد تنخنق بحبل الصائد وقد يدخل رأسها بين عودين في شجرة فتنخنق فتموت، وبالجملة فبأي وجه انخنقت فهي حرام.

السادس الموقوذة وهي المقتولة بالخشب.

وقذها إذا ضربها حتى ماتت ومنها ما رمي بالبندق فمات.

السابع المتردية التي تقع في الردى وهو الهلاك، وتردى إذا وقع في بئر أو سقط من موضع مرتفع ويدخل فيه ما إذا أصابه سهم وهو في الجبل فسقط على الأرض فإنه يحرم أكله لأنه لا يعلم أن زهوق روحه بالتردي أو بالسهم.

الثامن النطيحة التي نطحتها أخرى فماتت بسببه، ولا يخفى أن هذه الأقسام الأربعة داخلة في الميتة دخول الخاص في العام فأفردت بالذكر لمزيد البيان.

والهاء في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة لأنها صفات الشاة بناء على أغلب ما يأكله الناس وإلاّ فالحكم عام.

وإنما أنث النطيحة مع أن "فعيلا" بمعنى "مفعول" لا يدخله الهاء كقولهم: كف خضيب، ولحية دهين، وعين كحيل، لأن الموصوف غير مذكور.

تقول: مررت بامرأة قتيل فلان فإذا حذفت الموصوف قلت: بقتيلة فلان لئلاّ يقع الاشتباه.

التاسع ما أكل السبع وهو اسم يقع على ما له ناب ويعدو على الإنسان ويفترس الحيوان كالأسد وما دونه.

قال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئاً فقتله وأكل بعضه أكلوا ما بقي فحرمه الله وفي الآية حذف التقدير: وما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع فقد نفد ولا حكم له وإنما الحكم للباقي.

قوله: ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ الذكاء في اللغة تمام الشيء ومنه الذكاء في الفهم وفي السن التمام فيها، والمذاكي الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، وتذكية النار رفعها وقوّة اشتعالها، والتذكية كمال الذبح.

أما المستثنى منه فعن علي وابن عباس والحسن وقتادة أنه جميع ما تقدم من قوله: ﴿ والمنخنقة ﴾ إلى قوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ والمعنى أنك إن أدركت ذكاته بأن وجدت له عيناً تطرف أو ذنباً يتحرك أو رجلاً تركض فاذبح فهو حلال لأن ذلك دليل الحياة المستقرة.

وقيل: إنه مختص بقوله: ﴿ وما أكل السبع ﴾ وقيل: إنه استثناء منقطع من المحرمات كأنه قيل: لكن ما ذكيتم من غير هذا/ فهو حلال، أو من التحريم أي حرم عليكم ما مضى إلاّ ما ذكيتم فإنه لكم حلال.

العاشر ما ذبح على النصب وهو مفرد وجمعه أنصاب كطنب وأطناب وهو كل ما نصب فعبد من دون الله قاله الجوهري.

وضعف بأنه حينئذ يكون كالتكرار لقوله: ﴿ وما أهل لغير الله به ﴾ وقال ابن جريج: النصب ليست بأصنام فإن الأصنام أحجار مصوّرة منقوشة، وهذه النصب أحجار كانوا ينصبونها حول الكعبة وكانوا يذبحون عندها للأصنام وكانوا يلطخونها بتلك الدماء ويشرحون اللحوم عليها، فالمراد ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب، ويحتمل أن يكون الذبح للأصنام واقعاً عليها.

وقيل: النصب جمع إما لنصاب كحمر وحمار أو لنصب كسقف وسقف.

الحادي عشر ما أبدعه أهل الجاهلية وإن لم يكن من جملة المطاعم أي حرم عليكم بأن تستقسموا بالأزلام، وإنما ذكر مع الذبح على النصب لأنهم كانوا يفعلون كلاً منهما عند البيت؛ كان أحدهم إذا أراد سفراً أو غزواً أو تجارة أو نكاحاً أو أمراً آخر من معاظم الأمور ضرب القداح وكانوا قد كتبوا على بعضها: "أمرني ربي" وعلى بعضها: "نهاني ربي" وتركوا بعضها غفلاً أي خالياً عن الكتابة.

فإن خرج الأمر أقدم على الفعل وإن خرج النهي أمسك، وإن خرج الغفل أعاد العمل.

فمعنى الاستقسام بالأزلام طلب معرفة الخير والشر بواسطة ضرب القداح.

وقال كثير من أهل اللغة: الاستقسام ههنا هو الميسر المنهي عنه.

والأزلام قداح الميسر والتركيب يدور على التسوية والإجادة.

يقال: ما أحسن مازلم سهمه أي سوّاه ورجل مزلم إذا كان مخفف الهيئة وامرأة مزلمة إذا لم تكن طويلة ﴿ ذلكم فسق ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من المحرمات أي تناولها فسق، ويحتمل أن يرجع الى الاستقسام بالإزلام فقط.

وكونه فسقاً بمعنى الميسر ظاهر، وأما بمعنى طلب الخير والشر فوجهه أنهم كانوا يجيلونها عند أصنامهم ويعتقدون أن ما خرج من الأمر أو النهي هو إرشاد الأصنام وإعانتها فلذلك كان فسقاً وكفراً.

وقال الواحدي: إنما حرم لأنه طلب معرفة الغيب وأنه  مختص بمعرفته، وضعف بأن طلب الظن بالأمارات المتعارفة غير منهي كالتعبير والفأل وكما يدعيه أصحاب الكرامات والفراسات.

ثم إنه  حرض على التمسك بما شرع فقال: ﴿ اليوم يئس ﴾ قيل: ليس المراد يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنه الماضية والآتية كقولك: كنت بالأمس شاباً وأنت اليوم شيخ.

وقيل: المراد يوم معين وذلك أنها نزلت يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر والنبي  واقف على ناقته العضباء.

وعن ابن عباس أنه قرأ الآية ومعه يهودي فقال اليهودي: لو نزلت علينا في يوم لاتخذناه عيداً.

فقال ابن عباس: إنها نزلت في عيدين اتفقا في يوم واحد في يوم جمعة وافق يوم عرفة أي/ يئسوا من أن يحللوا هذه الخبائث بعد أن جعلها الله  محرمة أو يئسوا من أن يغلبوكم على دينكم لأنه حقق وعده بإظهار هذا الدين على سائر الأديان ﴿ فلا تخشوهم واخشون ﴾ أخلصوا إلي الخشية.

قيل: في الآية دليل على أن التقية جائزة عند الخوف لأنه علل إظهار هذه الشرائع بزوال الخوف من الكفار.

﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ سئل ههنا إنه يلزم منه أن الدين كان ناقصاً قبل ذلك، وكيف يجوز أن يكون النبي  مواظباً على الدين الناقص أكثر عمره؟

وأجيب بأنه كقول الملك إذا استولى على عدوه: اليوم كمل ملكنا.

وزيف بأنّ السؤال بعد باقٍ لأنّ ملك ذلك الملك لا بد أن يكون قبل قهر العدوّ ناقصاً.

وقيل: المراد إني أكملت لكم ما تحتاجون إليه في تكاليفكم من تعليم الحلال والحرام وقوانين القياس وأصول الاجتهاد، وضعف بأنه يلزم أن لا يكمل لهم قبل ذلك اليوم ما كانوا محتاجين إليه من الشرائع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.

والمختار في الجواب أن الدين كان أبداً كاملاً بمعنى أنّ الشرائع النازلة من عند الله في كل وقت - ناسخة أو منسوخة أو مجملة أو مبينة أو غير ذلك - كافية بحسب ذلك الوقت وفي آخر زمان البعثة حكم ببقاء الأحكام على حالها من غير نسخ وزيادة ونقص إلى يوم القيامة.

قال نفاة القياس: إكمال الدين أن يكون حكم كل واقعة منصوصاً عليه فلا فائدة في القياس.

وأجيب بأن إكماله هو جعل النصوص بحيث يمكن استنباط أحكام نظائرها منها.

قالوا: تمكين كل أحد أن يحكم بما غلب على ظنه لا يكون إكمالاً للدين وإنما يكون إلقاء للناس في ورطة الظنون والأوهام.

وأجيب بأنه إذا كان تكليف كل مجتهد أن يعمل بمقتضى ظنه كان كل مجتهد قاطعاً بأنه عامل بحكم الله.

روي أنه لما نزلت الآية على النبي  فرح الصحابة وأظهروا السرور إلاّ أكابرهم كأبي بكر الصدّيق وغيره فإنهم حزنوا وقالوا: ليس بعد الكمال إلاّ الزوال.

وكان كما ظنوا فإنه لم يعمر بعدها إلاّ أحدا وثمانين يوماً أو اثنين وثمانين يوماً ولم يحصل في الشريعة بعدها زيادة ولا نسخ ولا نقص.

قال العلماء: كان ذلك جارياً مجرى إخبار النبي  عن قرب وفاته وذلك إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الدين - سواء قيل إنه العمل أو المعرفة أو مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل - لا يحصل إلاّ بخلق الله وإيجاده فإنه لن يكون إكمال الدين منه إلاّ وأصله منه.

والمعتزلة حملوا ذلك على إكمال بيان الدين وإظهار الشرائع.

ثم قال: ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ أي بذلك الإكمال لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام، أو نعمتي بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين ﴿ ورضيت ﴾ أي اخترت ﴿ لكم الإسلام ديناً ﴾ نصب على الحال أو مفعول ثان إن ضمن رضيت معنى صيرت.

واعلم أن قوله: ﴿ ذلكم فسق ﴾ إلى ههنا اعتراض أكد به معنى التحريم لأنّ تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والنعمة التامة واختيار دين الإسلام للناس/ من بين سائر الأديان.

ثم بين الرخصة بقوله: ﴿ فمن اضطر في مخمصة ﴾ أي في مجاعة وأصل الخمص ضمور البطن ﴿ غير متجانف ﴾ منصوب باضطرّ أو بمضمر أي فتناول غير منحرف إلى إثم بأن يأكل فوق الشبع أو عاصياً بسفره، وقد مرّ القول في هذه الرخصة مستوفي في سورة البقرة.

﴿ يسألونك ماذا أحل لهم ﴾ كأنهم حين تلي عليهم ما حرّم عليهم من خبيثات المآكل سألوا عما أحل لهم والسؤال في معنى القول.

وإنما لم يقل ماذا أحل لنا على حكاية قولهم نظراً إلى ضمير الغائب في: ﴿ يسئلونك ﴾ ومثل هذا يجوز فيه الوجهان.

تقول: أقسم زيد ليفعلن أو لأفعلن.

أما سبب النزول فعن أبي رافع "أن جبريل  جاء إلى النبي  فاستأذن عليه فأذن له فلم يدخل، فخرج رسول الله  فقال جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة.

فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.

قال أبو رافع: فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلباً إلاّ قتلته حتى بلغت العوالي فإذا أمرأة عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته فأتيت النبي  فأخبرته فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي تقتلها فسكت رسول الله  إلى أن نزلت هذه الآية.

فأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي وأذن في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها" .

وقال سعيد بن جبير: "نزلت في عدي بن حاتم وزيد الخيل الذي سماه رسول الله  زيد الخير حين قالا: يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وإنها تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما نقتل فلا ندرك وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزل: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ " أي ما ليس بخبيث منها وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحل لكم كل ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الجميلة، واعلم أن الأصل في الأعيان الحل لأنها خلقت لمنافع العباد ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً  ﴾ واستثنى من ذلك أصول: الأوّل: تنصيص الكتاب على تحريمه كالميتة والدم وغيرهما.

الثاني: تنصيص السنة كما روي عن جميع من الصحابة أن النبي  نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية والبغال كالحمير.

ولا تحرم الخيل عند الشافعي لما روي عن جابر أنه قال: "نهانا رسول الله  عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل" .

الثالث: ما هو في معنى المنصوص كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر فيشاركها في التحريم.

الرابع: كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور وقد مر معنى السبع عن قريب فلا يحل بموجب هذا الأصل الكلب والأسد والذئب والنمر والفهد والدب والببر والقرد والفيل لأنها تعدو بأنيابها، ولا يحل من الطيور البازي/ والشاهين والصقر والعقاب وجميع جوارح الطير.

الخامس: ما أمر بقتله من الحيوانات فهو حرام لأنّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه.

ولو كان مأكولاًَ لجاز اقتناؤه للتسمين وإعداده للأكل وقت الحاجة.

ومنه الفواسق الخمس.

روي أنه  قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والفأرة والغراب الأبقع والكلب والحدأة " .

السادس ما ورد النهي عن قتله فهو حرام لأنه لو كان مأكولاً لجاز ذبحه ليؤكل كما روي أنه  نهى عن قتل الخطاطيف، وكذا الصرد والنملة والنحلة والهدهد والخفاش.

السابع: الاستطابة والاستخباث لقوله  : ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ قال العلماء: فيبعد الرجوع إلى طبقات الناس وتنزيل كل قوم على ما يستطيبون ويستخبثون لأن ذلك يوجب اختلاف الأحكام في الحل والحرمة وذلك يخالف موضوع الشرع.

فالعرب أولى أمة بالاعتبار لأنّ الدين عربي وهم المخاطبون أوّلاً وليس لهم ترفه وتنعم يورث تضييق المطاعم على الناس، ولكن المعتبر استطابة سكان القرى والبلاد دون أجلاف البوادي الذين لا تمييز لهم.

وأيضاً يعتبر أصحاب اليسار والترفه دون أصحاب الضرورات والحاجات.

وأيضاً المعتبر حال الخصب والرفاهية دون حال الجدب والشدة.

والحشرات بأسرها مستخبثة كالذباب والخنفساء والجعلان وحمار قبان إلاّ الضب فإنه  قال: " لا آكله ولا أحرمه" ومن الأصول أنه لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجاسة كالدهن والسمن الذائب والدبس والخل.

ومن الأصول الكسب بمخامرة النجاسة ولكن كسب الحجام حلال عند الشافعي، ومن الأصول ما يضر كالزجاج والسم والنبات المسكر أو المجنن.

قوله  : ﴿ وما علمتم من الجوارح ﴾ معناه أحل لكم صيد ما علمتم على حذف المضاف لدلالة ﴿ فكلوا مما أمسكن عليه ﴾ ويجوز أن تكون "ما" شرطية والجزاء ﴿ فكلوا ﴾ وعلى هذا يجوز الوقف على ﴿ الطيبات ﴾ والجوارح الكواسب من سباع البهائم والطير كالكلب والفهد والبازي والصقر.

قال  : ﴿ ويعلم ما جرحتم بالنهار  ﴾ أي كسبتم.

وجوّز بعضهم أن يكون من الجراحة.

وقال: ما أخذ من الصيد فلم يسل منه دم لم يحل.

وانتصاب ﴿ مكلبين ﴾ على الحال من ﴿ علمتم ﴾ وفائدة هذه الحال مع الاستغناء عنها بـ ﴿ علمتم ﴾ أن معلم الجوارح ينبغي أن يكون ماهراً في علمه مدرباً فيه موصوفاً بالتكليب.

نقل عن ابن عمر والضحاك والسدي أن ما صادها غير الكلاب فلم يدرك/ ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله: ﴿ مكلبين ﴾ يدل على كون هذا الحكم مخصوصاً بالكلب.

والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع.

قالوا: المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه, أو لأنّ كل سبع يسمى كلباً كقوله  : "اللهم سلّط عليه كلباً من كلابك فأكله الأسد" " .

أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة.

يقال: فلان كلب بكذا إذا كان حريصاً عليه.

وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها ﴿ تعلمونهن ﴾ حال ثانية أو استئناف مما علمكم الله من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من الله أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وإنزجاره بزجره.

واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلماً أمور منها: أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته، يشترط أن ينزجر بزجره أيضاً على الأشبه فبه يظهر التأدب.

ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج.

ومنها أن يمسك الصيد لقوله: ﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ وفي هذا اعتبار وصفين: أحدهما أن يحفظه ولا يخليه، والثاني أن لا يأكل منه لقوله  لعدي بن حاتم: فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه.

وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث غلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات.

ولم يقدر الأكثرون عددالمرات كأنهم رأوا العرف مضطرباً، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها.

وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه.

ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه.

و"من" في ﴿ مما أمسكن ﴾ قيل زائدة نحو ﴿ كلوا من ثمره  ﴾ وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش.

وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني: يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب.

والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن.

ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيداً وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتاً فهو حلال، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف.

أما قوله  : ﴿ واذكروا اسم الله عليه ﴾ فالضمير إما أن يعود إلى ﴿ ما أمسكن ﴾ أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته، أو إلى ﴿ ما علمتم ﴾ أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل، وعلى هذا فلا كلام.

وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء الله  .

/ ﴿ اليوم أحلّ لكم الطيبات ﴾ فائدة الإعادة أن يعلم بقاء هذا الحكم عند إكمال الدين واستقراره ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم ﴾ الأكثرون على أنّ المراد بالطعام الذبائح لأنّ ما قبل الآية في بيان الصيد والذبائح ولأنّ ما سوى الصيد والذبائح محللة قبل إن كانت لأهل الكتاب وبعد أن صارت لهم فلا يبقى لتخصيصها بأهل الكتاب فائدة.

وعن بعض أئمة الزيدية أن المراد هو الخبز والفاكهة وما لا يحتاج فيه إلى الذكاة.

وقيل: إنه جميع المطعومات ﴿ وطعامكم حلّ لهم ﴾ أي يحل لكم أن تطعموهم من طعامكم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعلى إطعامهم من ذبائحنا.

وأيضاً فالفائدة في ذكره أن يعلم أن إباحة الذبائح حاصلة في الجانبين وليست كإباحة المناكحة فإنها غير حاصلة في الجانبين ﴿ والمحصنات ﴾ الحرائر أو العفائف من المؤمنات، وعلى الثاني يدخل فيه نكاح الإماء.

وقد يرجح الأول بأنه  قال: ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ ومهر الإماء لا يدفع إليهن بل إلى ساداتهن، وبأن نكاح المحصنات ههنا مطلق ونكاح الأمة مشروط بعدم طول الحرة وخشية العنت، وبأن تخصيص العفائف بالحل يدل ظاهراً على تحريم نكاح الزانية، وقد ثبت أنه غير محرم.

ولو حملنا المحصنات على الحرائر لزم تحريم نكاح الأمة ونحن نقول به على بعض التقديرات، وبأن وصف التحصين في حق الحرة أكثر ثبواتاً منه في حق الأمة لأن الأمة لا تخلو من البروز للرجال ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ﴾ احتج بها كثير من الفقهاء في أنه لا يحل نكاح الكتابية إلاّ إذا دانت بالتوارة والإنجيل قبل نزول الفرقان، لأنّ قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ ينافي من دان بهما بعد نزوله.

وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات أصلاً متمسكاً بقوله  ﴿ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن  ﴾ ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها إن ربها عيسى.

وأوّل الآية بأنّ المراد التي آمنت منهن.

فمن المحتمل أن يخطر ببال أحد أن الكتابية، إذا آمنت هل يحل للمسلم التزوج بها أم لا؟

وعن عطاء أن الرخصة كانت مختصة بذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة ولأن الاحتراز عن مخالطة الكفار واجب.

﴿ ولا تتخذوا بطانة من دونكم  ﴾ وأي خلطة أشد من الزوجية وقد يحدث ولد ويميل إلى دين الأم.

وقال سعيد بن المسيب والحسن: الكتابيات تشمل الذميات والحربيات فيجوز التزوج بكلهن.

وأكثر الفقهاء على أنّ ذلك مخصوص بالذمية فقط وهو مذهب ابن عباس فإنه قال: من أعطى الجزية حل ومن لم يعط لم يحل لقوله  : ﴿ حتى يعطوا الجزية  ﴾ واتفقوا على أن المجوس قد سنّ بهم سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية منهم دون أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم.

﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ فيه أن من تزوج امرأة وعزم على أن لا يعطيها صداقاً كان كالزاني.

والزنا/ ضربان: سفاح وهو الزنا على سبيل الإعلان، واتخاذ خدن وهو على سبيل الإسرار فحرمهما الله  في الآية وأحلّ التمتع بهن على سبيل الإحصان وهو التزوج بالشروط والأركان.

ثم حث على التزام التكاليف المذكورة بقوله: ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ أي بشرائع الله وتكاليفه التي هي من نتائج الإيمان بالله ورسوله.

وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ومن يكفر برب الإيمان أي بالله.

وقال قتادة: ومن يكفر بالقرآن الذي أنزل فيه هذه التكاليف التي لا بد منها في الإيمان فقد خاب وخسر.

وفيه أن أهل الكتاب وإن حصلت لهم فضيلة المناكحة وإباحة الذبائح في الدنيا إلاّ أن ذلك لا يفيدهم في الآخرة لأنّ كل من كفر بالله فقد حبط عمله في الدنيا ولم يصل إلى شيء من السعادات في الآخرة ألبتة.

واعلم أنّ القائلين بالإحباط فسروا قوله: ﴿ قد حبط عمله ﴾ بأنّ عقاب كفره يزيل ما كان حاصلاً له من ثواب أعماله.

ومنكروا الإحباط قالوا: إنّ عمله الذي أتى به بعد ذلك الإيمان قد بان أنه لم يكن معتداً به وكان ضائعاً في نفسه.

ثم إنه  لما افتتح السورة بطلب الوفاء بالعقود فكأن قائلاً قال: عهد الربوبية منك وعهد العبودية منا وأنت أولى بتقديم الوفاء بعهد الربوبية فأجاب الله  نعم أنا أوفى بعهد الربوبية والكرم، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ولذات المنكح فبيّن الحلال والحرام من المطاعم والمناكح، وقدم المطعوم على المنكوح لأنه أهم.

وعند تمام هذا البيان كأنه قال: قد وفيت بعهد الربوبية فاشتغل أيها العبد بوظائف العبودية ولا سيما بالصلاة التي هي أعظم الطاعات وبمقدماتها.

ونبني تفسير الآية على مسائل: الأولى ليس المراد بقوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ نفس القيام وإلاّ لزم تأخير الوضوء عن الصلاة وهو بالإجماع باطل، وأيضاً لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعداً أو مضطجعاً لخرج عن العهدة بالإجماع، فالمراد إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ووجه هذا المجاز أنّ الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل وإطلاق اسم المسبب على السبب مجاز مستفيض.

الثانية: ذهب قوم إلى أنّ الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة وليس تكليفاً مستقلاً لأنه شرط القيام إلى الصلاة.

والأصح أنه عبادة برأسها لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر ظاهره الوجوب غاية ذلك أنه مقيد بوقت التهيّؤ للصلاة.

وأيضاً إنه طهارة وقد قال  في آخر الآية: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ وقال  : " "بني الدين على النظافة" وقال: " "أمّتي غر محجلون من آثار الوضوء يوم القيامة" والأخبار الواردة في كون الوضوء سبباً لغفران/ الذنوب كثيرة.

الثالثة: قال داود: يجب الوضوء لكل صلاة فإنه ليس المراد قياماً واحداً في صلاة واحدة وإلاّ لزم الإجمال إذ لا دليل على تعيين تلك المرة، والإجمال خلاف الأصل فوجب حمل الآية على العموم.

وأيضاً ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب مشعر بالعلية فيتكرر بتكرره فيجب الوضوء عند كل قيام إلى الصلاة.

وأيضاً إنه نظافة فلا يكون منها بدّ عند الاشتغال بخدمة المعبود.

وقال سائر الفقهاء: إنّ كلمة "إذا" لا تفيد العموم ولهذا لو قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق لم تطلق مرة أخرى بالدخول ثانياً.

ويروى "أنّ النبي  كان يتوضأ لكل صلاة إلاّ يوم الفتح فإنه  صلّى الصلوات كلها بوضوء واحد.

قال عمر: فقلت له في ذلك فقال: عمداً فعلت ذلك يا عمر" .

أجاب داود بأنّ خبر الواحد لا ينسخ القرآن.

وأيضاً في الخبر معنيان: أحدهما: وجوب التجديد لكل صلاة لا أقل من استحباب ذلك.

الثاني أنه ترك ذلك يوم الفتح والأوّل يوجب المتابعة والثاني مرجوح لأنّ الفتح يقتضي زيادة الطاعة لا نقصانها.

وأيضاً التجديد أحوط، وأيضاً دلالة ظاهر القرآن قولية ودلالة الخبر فعلية والقولية أقوى.

ولناصر المذهب المشهور أن يقول: التيمم على المتغوّط والمجامع واجب إذا لم يجد الماء لقوله: ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ الآية.

وذلك يدل على أنّ وجوب الوضوء قد يكون بسبب آخر سوى القيام إلى الصلاة فلم يكن هو مؤثراً وحده، وإذا لم يكن مؤثراً مستقلاً جاز تخلف الأثر عنه.

نعم التجديد مستحب لأنّ رسول الله  والخلفاء بعده كانوا يتوضؤن لكل صلاة وقال  : " "من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات" وقيل: كان الوضوء لكل صلاة واجباً أوّل ما فرض ثم نسخ.

الرابعة: الأصح أن في الآية دلالة على أنّ الوضوء شرط لصحة الصلاة لأنه علق فعل الصلاة بالطهور، ثم بيّن أنه متى عدم الماء لم تصح الصلاة إلاّ بالتيمم، فلو لم يكن شرطاً لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه أمر بالصلاة مع الوضوء فالآتي بها بدون الوضوء تارك للمأمور به فيستحق العقاب وهذا معنى البقاء في عهدة التكليف.

الخامسة: قال أبو حنيفة: النية ليست شرطاً في الوضوء لأنها غير مذكورة في الآية والزيادة على النص نسخ ونسخ القرآن بخير الواحد وبالقياس غير جائز.

وعند الشافعي هي شرط فيه لأنّ الوضوء مأمور به لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ وكل مأمور به يجب أن يكون منوياً لقوله  : ﴿ وما أمروا إلاّ ليعبدوا الله مخلصين  ﴾ والإخلاص النية الخالصة، فأصل النية يجب ان يكون معتبراً.

وغاية ما في الباب أنها مخصوصة في بعض الصور فتبقى حجة في غير محل التخصيص.

السادسة: قال مالك وأبو حنيفة: الترتيب غير مشروط في الوضوء لأن الواو لا تفيد الترتيب، فلو قلنا بوجوبه كان من الزيادة على النص وهو نسخ غير جائز.

وقال الشافعي:/ إنه واجب لأن فاء التعقيب في قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ توجب تقديم غسل الوجه ثم سائر الأعضاء على الترتيب.

وقال  في حديث الصفا: " "ابدؤا بما بدأ الله به" .

وأيضاً الترتيب المعتبر في الحس هو الابتداء من الرأس إلى القدم أو بالعكس، والترتيب العقلي إفراد العضو المغسول عن الممسوح.

ثم إنه  أدرج الممسوح في المغسول فدل هذا على أن الترتيب المذكور في الآية واجب لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله  عنه.

وأيضاً إيجاب الوضوء غير معقول المعنى لأن الحدث يخرج من موضع والغسل يجب في موضع آخر ولأن أعضاء المحدث طاهرة لقوله: "المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً" وتطهير الطاهر محال ولأن الشرع أقام التيمم مقام الوضوء وليس في التيمم نظافة، وأقام المسح على الخفين مقام الغسل ولا يفيد في نفس العضو نظافة والماء الكدر العفن يفيد الطهارة وماء الورد لا يفيدها فإذن الاعتماد على مورد النص.

ولعل في الترتيب حكماً خفية لا نعرفها أو هو محض التعبد.

وقد أوجبنا رعاية الترتيب في الصلاة مع أن أركان الصلاة غير مذكورة في القرآن مرتبة فرعاية الترتيب في الوضوء مع أن القرآن ناطق به أولى.

السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة: الموالاة في أفعال الوضوء غير واجبة لأن إيجاب هذه الأفعال قدر مشترك بين إيجابها على سبيل الموالاة وإيجابها على سبيل التراخي، وهذا القدر معلوم من الآية ومفيد للطهارة والزائد لا دليل عليه، وأيضاً روي "أنه  رأى رجلاً توضأ وترك لمعة من عقبة فأمره بغسلها ولم يأمره بالاستئناف" ولم يبحث عن المدة الفاصلة، وعند غيرهما شرط كيلا يتخلل بين أجزاء العبادة ما ليس منها، وحدّ التفريق المخل بالموالاة أن يمضي من الزمان ما يجف فيه المغسول مع اعتدال الهواء ومزاج الشخص.

الثامنة: قال أبو حنيفة: الخارج من غير السبيلين ينقض الوضوء لأن ظاهر الآية يقتضي الإتيان بالوضوء لكل صلاة لما مر ترك العمل به عندما لم يخرج الخارج النجس من البدن فيبقى معمولاً به عند خروج الخارج النجس.

وخالفه الشافعي تعويلاً على ما روي "أنه  احتجم وصلى ولم يزد على غسل أثر محاجمه" .

التاسعة: قال مالك: لا وضوء في الخارج من السبيلين إذا كان غير معتاد وسلم في دم الاستحاضة لنا التمسك بعموم الآية./ العاشرة: قال أبو حنيفة: القهقهة في الصلاة المشتملة على الركوع والسجود تنقض الوضوء.

وقال الباقون: لا تنقض لأبي حنيفة أن يتمسك بعموم الآية.

الحادي عشر: قال أبو حنيفة: لمس المرأة وكذا لمس الفرج لا ينقض الوضوء.

وقال الشافعي: ينقض متمسكاً بالعموم.

الثانية عشرة: لو كان على وجهه وبدنه نجاسة فغسلها ونوى الطهارة من الحدث بذلك الغسل هل يصح وضوءاً؟

قال في التفسير الكبير: ما رأيت هذه المسألة في كتب الأصحاب.

قال: والذي أقوله أنه يكفي لأنه أمر بالغسل في قوله: ﴿ واغسلوا ﴾ وقد أتى به، وأقول: الظاهر أنه لا يكفي لأنه لا يرتفع بغسلة واحدة نجاستان حكمية وعينية وهذا بخلاف ما لو نوى التبرد أو التنظف فإن النجاسة هناك حكمية فقط.

الثالثة عشرة: لو وقف تحت ميزاب حتى سال عليه الماء ونوى رفع الحدث هل يصح وضوءه؟

يمكن أن يقال: لا لأنه لم يأت بعمل.

وأن يقال: نعم لأنه أتى بما أفضى إلى المقصود وهو الانغسال.

الرابعة عشرة: إذا غسل أعضاء الوضوء ثم كشط جلده فالأظهر وجوب غسله لتحصيل الامتثال فإن ذلك الوضع غير مغسول.

الخامسة عشرة: لو رطب الأعضاء من غير سيلان الماء عليها لم يكف لأنه مأمور بالغسل وهذا ليس بغسل، وفي الجنابة يكفي لأنه هناك مأمور بالتطهير لقوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ والتطهير يحصل بالترطيب.

السادسة عشرة: لو أمر الثلج على العضو فإن ذاب وسال جاز وإلاّ فلا خلافاً لمالك والأوزاعي لنا فاغسلوا وهذا ليس بغسل.

السابعة عشرة: التثليث سنة لأن ماهية الغسل تحصل بالمرة.

الثامنة عشرة: السواك سنة لا واجب لأن الآية ساكتة عنه وكذا القول في التسمية خلافاً لأحمد وإسحاق.

وكذا في تقديم غسل اليدين على الوضوء خلافاً لبعضهم.

التاسعة عشرة: قال الشافعي: لا تجب المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وأحمد وإسحاق يجب فيهما.

أبو حنيفة: يجب في الغسل لا في الوضوء.

حجة الشافعي أنه أوجب غسل الوجه والوجه هو الذي يكون مواجهاً وحده من مبتدأ تسطيح الجهة إلى منتهى الذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً، وداخل الفم والأنف غير مواجه.

العشرون: ابن عباس: يجب إيصال الماء إلى داخل العين لأن العين جزء من الوجه.

الباقون: لا يجب لقوله في آخر الآية: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ وإدخال الماء في العين حرج.

الحادية والعشرون: غسل البياض الذي بين العذار والأذن واجب عند الشافعي وأبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.

لنا أنه واجب قبل نبات الشعر بالإجماع فكذا بعده ولأنه من الوجه والوجه يجب غسله كله.

الثانية والعشرون: أبو حنيفة: لا يجب إيصال الماء إلى ما تحت اللحية الخفيفة.

الشافعي: يجب لقوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ترك العمل عند كثافة اللحية دفعاً للحرج فيبقى عند كثافتها على الأصل./ الثالثة والعشرون: الأصح عند الشافعي وجوب إمرار الماء على ظاهر اللحية النازلة طولاً والخارجة إلى الأذنين عرضاً لأنه مواجه.

مالك وأبو حنيفة والمزني: لا يجب لأنه لا جلد تحتها حتى يغسل ظاهرها بتبعيتها.

الرابعة والعشرون: لو نبت للمرأة لحية وجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه وإن كانت لحيتها كثيفة لأنا تركنا العمل بظاهر الآية في اللحية الكثيفة للرجل دفعاً للحرج ولحية المرأة نادرة وخصوصاً الكثيفة فيبقى حكمها على الأصل.

الخامسة والعشرون: يجب إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الكثيف في خمسة مواضع: العنفقة والحاجب والشارب والعذار والهدب لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ يدل على وجوب غسل كل جلدة الوجه, ترك العمل به في اللحية الكثيفة دفعاً للحرج وهذه الشعور خفيفة غالباً فتبقى على الأصل.

السادسة والعشرون: الشعبي: ما اقبل من الأذن فهو من الوجه فيغسل، وما أدبر فمن الرأس فيمسح وردّ بأن الأذن غير مواجه أصلاً.

السابعة والعشرون: الجمهور على أن المرفقين يجب غسلهما مع اليدين وخالف مالك وزفر وكذا، الخلاف في قوله: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ والتحقيق أن "إلى" تفيد معنى الغاية مطلقاً، والمراد بالغاية جميع المسافة أو حقيقة النهاية.

ثم إنّ حد الشيء قد يكون منفصلاً عن المحدود حساً انفصال الظلمة عن النور في قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ فيكون الحد خارجاً عن المحدود.

وقد لا يكون كذلك نحو حفظت القرآن من أوّله إلى آخره وبعتك هذا الثوب من هذا الطرف إلى ذلك الطرف فيدخل الحد في المحدود، ولا شك أن المرفق وهو موصل الذراع في العضد سمي بذلك لارتفاق صاحبها بها غير متميزة في الحس عن محدودها فلا يكون إيجاب الغسل إلى جزء أولى من إيجابه إلى جزء آخر فوجب غسلها جميعاً.

وإن سلم أن المرفق لا يجب غسلها لكنها اسم لما جاوز طرف العظم، ولا نزاع في أن ما وراء طرف العظم لا يجب غسله.

وهذا الجواب اختيار الزجاج.

وعلى هذا فمقطوع اليد من المرفق يجب عليه إمساس الماء بطرف العظم وإن كان أقطع مما فوق المرفقين لم يجب عليه شيء لأن محل هذا التكليف لم يبق أصلاً.

الثامنة والعشرون: تقديم اليمنى على اليسرى مندوب وليس بواجب خلافاً لأحمد.

لنا أنه ذكر الأيدي والأرجل في الآية من غير تقديم لإحدى اليدين أو الرجلين.

التاسعة والعشرون: ذهب بعضهم إلى أن مبتدأ الغسل يجب أن يكون الكف بحيث يسيل الماء من الكف إلى المرافق لأن المرافق جعلت في الآية نهاية الغسل وجمهور الفقهاء على أن عكس هذا الترتيب لا يخل بصحة الوضوء لأن المراد في الآية بيان جملة الغسل لا بيان ترتيب أجزاء الغسل.

الثلاثون: لو نبت من المرفق ساعدان وكفان وجب غسل الكل لعموم قوله: ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ كما لو نبت على الكف أصبع زائدة./ الحادية والثلاثون: المراد من تحديد الغسل بالمرفق بيان الواجب فقط لما ورد في الأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة.

الثانية والثلاثون: مالك: يجب مسح كل الرأس.

أبو حنيفة: يتقدر بالربع لأنه  مسح على ناصيته وأنها ربع الرأس.

الشافعي: الواجب أقل ما ينطلق عليه اسم المسح لأنه إذا قيل مسحت المنديل فهذا لا يصدق إلاّ عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل كفى في صدقه مسح اليد بجزء من أجزاء المنديل فهكذا في الآية وإلاّ احتيج في تعيين المقدّر إلى دليل منفصل وتصير الآية مجملة وهو خلاف الأصل.

الثالثة والثلاثون: لا يجوز الاكتفاء بالمسح على العمامة لأن ذلك ليس مسحاً للرأس.

وقال الأوزاعي والثوري وأحمد: يجوز لما روي أنه  مسح على العمامة.

وأجيب بأنه لعله مسح قدر الفرض على الرأس والبقية على العمامة.

الرابعة والثلاثون: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر  أن الواجب فيهما المسح وهو مذهب الإمامية.

وجمهور الفقهاء والمفسرين على أن فرضهما الغسل.

وقال داود: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمة الزيدية.

وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخير بين المسح والغسل.

حجة من أوجب المسح قراءة الجر في: ﴿ وأرجلكم ﴾ عطفاً على: ﴿ برؤوسكم ﴾ ولا يمكن أن يقال إنه كسر على الجوار كما في قوله: "حجر ضب خرب" لأن ذلك لم يجىء في كلام الفصحاء وفي السعة، وأيضاً إنه جاء حيث لا لبس ولا عطف بخلاف الآية.

وأما القراءة بالنصب فيكون للعطف على محل ﴿ رؤوسكم ﴾ حجة الجمهور أخبار وردت بالغسل وأن فرض الرجلين محدود إلى الكعبين والتحديد إنما جاء في الغسل لا في المسح.

والقوم أجابوا بأن أخبار الآحاد لا تُعارض القرآن ولا تنسخه وبالمنع في مجل النزاع فزعم الجمهور أن قراءة النصب ظاهرة في العطف على مفعول: ﴿ فاغسلوا ﴾ وإن كان أبعد من: ﴿ امسحوا ﴾ وقراءة الجر تنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء لأن الأرجل تغسل بالصب فكانت مظنة للإسراف.

الخامسة والثلاثون: جمهور الفقهاء على أن الكعبين هما العظمان الناتئان من جانبي الساق.

وقالت الإمامية وكل من قال بالمسح: إن الكعب عظم مستدير موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم كما في أرجل جميع الحيوانات.

والمفصل يسمى كعباً ومنه كعوب الرمح لمفاصله.

حجة الجمهور أنه لو كان الكعب ما ذكره الإمامية لكان الحاصل في كل رجل كعباً واحداً وكان ينبغي أن يقال: وأرجلكم إلى الكعاب كما أنه لما كان الحاصل في كل يد مرفقاً واحداً لا جرم قال: ﴿ إلى المرافق ﴾ وأيضاً العظم/المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلاّ أهل العلم بتشريح الأبدان، والعظمان الناتئان في طرفي الساق محسوسان لكل أحد ومناط التكليف ليس إلاّ أمراً ظاهراً ويؤيده ما روي أنه  قال: " "ألصقوا الكعاب بالكعاب" .

السادسة والثلاثون: الجمهور على جواز مسح الخفين خلافاً للشيعة والخوارج.

حجة الجمهور الأحاديث، وحجة الشيعة الآية، وأن جواز المسح على الخفين حاجة عامة فلو كانت ثابتة لبلغت مبلغ التواتر.

السابعة والثلاثون: رجل مقطوع اليدين والرجلين سقط عنه هذان الفرضان وبقي عليه غسل الوجه ومسح الرأس، فإن لم يكن معه من يوضئه أو ييممه سقط عنه ذلك أيضاً لأن قوله: ﴿ فاغسلوا ﴾ ﴿ وامسحوا ﴾ مشروط بالقدرة عليه فإذا فاتت القدرة سقط التكليف.

الثامنة والثلاثون.

قوله  : ﴿ وإن كنتم جنباً فاطهروا ﴾ الأصل "تطهروا" أدغم التاء في الطاء فاجتلبت همزة الوصل.

وللجنابة سببان: نزول المني لقوله  : " "الماء من الماء" والثاني التقاء الختانين خلافاً لزيد بن ثابت ومعاذ وأبي سعيد الخدري لما روي انه  قال: " إذا التقى الختانان وجب الغسل" وختان الرجل هو الموضع الذي يقطع منه جلدة القلفة، وأما ختان المرأة فإن شفريها يحيطان بثلاثة أشياء: ثقبة من أسفل الفرج وهي مدخل الذكر ومخرج الحيض والولد، وثقبة فوق هذه مثل إحليل الذكر وهي مخرج البول لا غير، والثالث جلدة رقيقة قائمة مثل عرف الديك فوق ثقبة البول، وقطع هذه الجلدة هو ختانها فإذا غابت الحشفة حاذى ختانه ختانها.

التاسعة والثلاثون: لا يجوز للجنب مس المصحف خلافاً لداود.

لنا قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ يدل على أن الطهارة غير حاصلة وإلاّ لكان أمراً بتطهير الطاهر وحينئذٍ لا يجوز له مس المصحف لقوله: ﴿ لا يمسه إلاّ المطهرون  ﴾ ولإطلاق قوله: ﴿ فاطهروا ﴾ علم أنه أمر بتحصيل الطهارة في كل البدن وإلاّ خصت تلك الأعضاء بالذكر كما في الطهارة الصغرى، وعلم أنه لا يجب تقديم الوضوء على الغسل خلافاً لأبي ثور وداود، وعلم أن الترتيب غير واجب خلافاً لإسحق فإنه أوجب البداءة بأعلى البدن، وعلم أن الدلك غير واجب خلافاً لمالك./ الأربعون: الشافعي: المضمضة والاستنشاق غير واجبين في الغسل لقوله  : " "أما أنا فأحثى على رأسي ثلاث حثيات فإذا أنا قد طهرت " أبو حنيفة: هما واجبان لقوله  : ﴿ فاطهروا ﴾ والتطهير لا يحصل إلاّ بطهارة جميع الأعضاء.

ترك العمل به في الاعضاء الباطنة للتعذر وداخل الفم والأنف يمكن تطهيرهما فيبقى داخلاً في النص ولأن قوله  : " "بلوا الشعر " يدخل فيه الأنف لأن في داخله شعراً: " "وأنقوا البشرة " يدخل فيه جلدة داخل الفم.

الحادية والأربعون: لا يجب نقض الشعر إن لم يمنع عن وصول الماء إلى منابته لأن المقصود التطهير وإن منع وجب خلافاً للنخعي.

الثانية والأربعون: إن كان المرض المانع من استعمال الماء حاصلاً في بعض جسده دون بعض فقال الشافعي: يغسل ما لا ضرر عليه ثم يتيمم للاحتياط.

وقال أبو حنيفة: إن كان أكثر البدن صحيحاً غسل الصحيح دون التيمم وإن كان أكثره جريحاً يكفيه التيمم لأن المرض إذا كان حالاً في بعض أعضائه فهو مريض.

الثالثة والأربعون: لو ألصق على موضع التيمم لصوقاً منع وصول الماء إلى البشرة ولا يخاف من نزع ذلك اللصوق التلف.

قال الشافعي: يلزم نزع اللصوق حتى يصل التراب إليه أخذاً بالأحوط.

وقال الأكثرون: لا يجب دفعاً للحرج.

الرابعة والأربعون: قال الشافعي: الاستنجاء واجب إما بالماء أو بالأحجار لقوله  : " فليستنج بثلاثة أحجار" وقال أبو حنيفة: واجب عند المجيء من الغائط إما الوضوء أو التيمم ولم يوجب غسل موضع الحدث فدل على أنه غير واجب.

الخامسة والأربعون: لمس المرأة ينقض الوضوء عند الشافعي ولا ينقضه عند أبي حنيفة وقد مرت المسألة في سورة النساء.

السادسة والأربعون: لا يكره الوضوء بالماء المسخن لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وههنا قد وجد ماء وخالف مجاهد.

السابعة والأربعون: أبو حنيفة وأحمد: لا يكره المشمس لقوله  : ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ وهذا قد وجد ماء.

الشافعي يكره للحديث.

الثامنة والأربعون: لا يكره الوضوء بفضل ماء المشرك وبالماء في آنية المشرك لأنه واجد للماء فلا يتيمم، وقد توضأ النبي  من مزادة مشرك وتوضأ عمر من ماء في جرة نصرانية.

وقال أحمد وإسحق: لا يجوز.

التاسعة والأربعون: يجوز الوضوء بماء البحر لأنه واحد الماء خلافاً لعبد الله بن/ عمرو بن العاص.

الخمسون: جوّز أبو حنيفة الوضوء بنبيذ التمر في السفر للحديث ولم يجوّزه الشافعي وقال: يتيمم لأنه غير واجد للماء.

الحادية والخمسون: ذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل بجميع المائعات الطاهرة، والأكثرون لا يجوز.

حجتهما: ﴿ فاغسلوا ﴾ أمر بمطلق الغسل وإمرار المائع على العضو غسل قال الشاعر: فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها *** لنا: أنه عند عدم الماء أوجب التيمم.

الثانية والخمسون: الشافعي: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به لأن واجده يصدق عليه أنه غير واجد للماء.

وخالف أبو حنيفة لأن أصل الماء موجود بصفة زائدة كما لو تغير وتعفن بطول المكث أو بتساقط الأوراق بالاتفاق.

الثالثة والخمسون:/ مالك وداود: الماء المستعمل في الوضوء بقي طاهراً طهوراً لأن واجده واجد للماء وهو قول قديم للشافعي.

والقول الجديد إنه طاهر غير طهور، ووافقه محمد بن الحسن.

وقال أبو حنيفة في أكثر الروايات: إنه نجس لأن النجاسة الحكمية كالعينية.

الرابعة والخمسون: مالك: إذا وقع في الماء نجاسة ولم يتغير بقي طاهراً طهوراً قليلاً كان أو كثيراً وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

وقال الشافعي: إن كان أقل من القلتين ينجس.

وقال أبو حنيفة: إن كان أقل من عشرة في عشرة ينجس.

حجة مالك أنه واجد للماء ترك العمل بهذا العموم في الماء القليل المتغير فيبقى حجة في الباقي ويؤيده قوله  : " خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلاّ ما غير طعمه أو ريحه أو لونه" حجة الشافعي مفهوم قوله  : " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثاً" الخامسة والخمسون: يجوز الوضوء بفضل ماء الجنب لأن واجده واجد للماء، وقال أحمد وإسحاق: لا يجوز الوضوء بفضل ماء المرأة إذا خلت به وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب.

السادسة والخمسون: أسآر السباع، طاهرة مطهرة وكذا سؤر الحمار لأنه واجد للماء.

وقال أبو حنيفة: نجسه.

السابعة والخمسون: قال الشافعي وأبو حنيفة والأكثرون: لا بد في التيمم من النية لأنه قال: ﴿ فتيمموا ﴾ والتيمم عبارة عن القصد وهو النية.

وقال زفر: لا يجب.

الثامنة والخمسون: الشافعي: لا يجوز التيمم إلاّ بعد دخول الصلاة لأنه طهارة ضرورة ولا ضرورة قبل الوقت.

أبو حنيفة: يجوز قياساً على الوضوء ولظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ والقيام إلى الصلاة يكون بعد دخول وقتها.

التاسعة والخمسون:/ لا يجوز التيمم بتراب نجس لقوله  : ﴿ صعيداً طيباً ﴾ .

الستون: لا خلاف في جواز التيمم بدلاً عن الوضوء، أما التيمم بدل غسل الجنابة فعن علي  وابن عباس جوازه وهو قول أكثر الفقهاء، وعن عمر وابن مسعود أنه لا يجوز.

لنا قوله  : ﴿ أو لامستم ﴾ إما يختص بالجماع أو يدخل الجماع فيه.

الحادية والستون.

الشافعي: لا يجوز أن يجمع بتيمم واحد بين صلاتي فرضين لأن ظاهر قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يقتضي إعادة الوضوء لكل صلاة ترك العمل به في الوضوء لفعل رسول الله  فيبقى في التيمم على ظاهره.

أبو حنيفة: يجوز أداء الفرائض به كالوضوء.

أحمد: يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.

الثانية والستون: الشافعي: إذا لم يجد الماء في أول الوقت وتوقع في آخره جاز له التيمم لأن قوله: ﴿ إذا قمتم ﴾ يدل على أنه عند دخول الوقت إن لم يجد الماء جاز له التيمم.

وقال أبو حنيفة: يؤخر الصلاة إلى آخره.

الثالثة والستون: إذا وجد الماء بعد التيمم وقبل الشروع في الصلاة بطل تيممه لأنه وجد الماء فلا يجوز له الشروع في الصلاة بالتيمم.

وخالف أبو موسى الأشعري والشعبي.

الرابعة والستون: لو فرغ من الصلاة ثم وجد الماء لا يلزمه إعادة الصلاة لأنه خرج عن عهدة التكليف خلافاً لطاووس.

الخامسة والستون: ولو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها - وبه قال مالك وأحمد -، لأنه انعقدت صلاته صحيحة بحكم التيمم فما لم تبطل صلاته لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لم تبطل صلاته فيدور.

وقال أبو حنيفة والثوري والمزني: يلزمه الخروج لأنه واجد للماء.

السادسة والستون: لو نسي الماء في رحله وتيمم وصلى ثم علم وجود الماء لزمه الإعادة على أحد قولي الشافعي وهو قول أحمد وأبي يوسف.

والثاني لا يلزمه وهو قول مالك وأبي حنيفة ومحمد لأن النسيان في حكم العجز وكذا إذا ضل رحله في الرحال بالطريق الأولى لأن مخيم الرفقة أوسع من رحله.

ولو تيقن الماء في رحله واستقصى في الطلب فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد فالأكثرون على أنه يلزمه الإعادة لأن العذر ضعيف.

وقيل: لا لأن حكمه حكم العاجز.

السابعة والستون: لو صلى بالتيمم ثم وجد ماء في بئر بجنبه يمكنه استعمال ذلك الماء فإن كان قد علمه أوّلاً ثم نسيه فهو كما لو نسي الماء في رحله، وإن يكن عالماً فإن كان عليها علامة ظاهرة فالإعادة وإلاّ فلا لأنه كالعاجز.

الثامنة والستون: إذا لم يكن معه ماء ولا يمكنه أن يشتري إلاّ بالغبن الفاحش جاز التيمم لقوله: ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ ولو وهب منه الماء لزمه القبول لأن المنة فيه سهل، ولو وهب منه ثمنه لم يلزمه القبول لثقل المنة ووجود الحرج، ولمثل هذا يجب قبول إعارة الدلو لاهبته فهذه جملة المسائل الفقهية المستنبطة من الآية سوى ما مرت في سورة النساء.

/واعلم أن قوله  وتعالى : ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ﴾ أصل معتبر في علم الفقه لأنه يدل على أن الأصل في المضار الحرمة وفي المنافع الإباحة.

وقد تمسك به نفاة القياس قالوا: إن كل حادثة فحكمها المفصل إن كان مذكوراً في الكتاب والسنة فذاك وإلاّ فإن كان من باب المضارّ فالأصل فيها الحرمة، وإن كان من باب المنافع فالأصل فيها الإباحة، والقياس المعارض لهذين الأصلين يكون قياساً واقعاً في مقابلة النص فيكون مردوداً.

أما قوله: ﴿ ولكن يريد ليطهركم ﴾ فله تفسيران: أحدهما وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة، أن عند خروج الحدث تنجس الأعضاء نجاسة حكمية، فالمقصود من هذا التطهير إزالة تلك النجاسة الحكمية، وزيف بأن أعضاء المؤمن لا تنجس لقول  : ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ ولقوله  : " "المؤمن لا ينجس لا حياً ولا ميتاً" وبأنه لو كان رطباً فأصابه ثوب لم ينجس، ولو حمله إنسان وصلى لم تفسد صلاته بالاتفاق، وبأن الحدث لو كان يوجب نجاسة الأعضاء ثم كان تطهير الأعضاء الأربعة يوجب طهارة كل عضو لوجب أن لا يختلف ذلك باختلاف الشرائع، وبأن خروج النجاسة من موضع كيف يوجب تنجس موضع آخر، وبأن التيمم زيادة في التكدير فكيف يوجب النظافة والتطهير، وبأن المسح على الخفين كيف يقوم مقام غسل الرجلين، وبأن الذي يراد إزالته ليس من الأجسام ولا كان محسوساً ولا من الأعراض لأن انتقال الأعراض محال.

التفسير الثاني أن المراد طهارة القلب عن صفة التمرد عن طاعة الله  لأن إيصال الماء أو التراب إلى هذه الأعضاء المخصوصة ليس فيه فائدة يعقلها المكلف، فالانقياد لمثل هذا التكليف تعبد محض يزيل آثار التمرد وتؤكده الأخبار في أن المؤمن إذا غسل وجهه خرت خطاياه من وجهه وكذا القول في يديه ورأسه ورجليه.

﴿ وليتم نعمته عليكم ﴾ بإباحة الطيبات الدنيوية من المطاعم والمناكح بهذه النعمة الدينية وهي كيفية فرض الوضوء، أو ليتم برخصه كالتيمم ونحوه إنعامه عليكم بعزائمه.

ثم ذكر ما يوجب عليهم قبول تكاليفه وذلك من وجهين: الأول تذكر نعمته يعني التأمل في هذا النوع الذي لا يقدر عليه غيره لأن هذا النوع وهو إعطاء نعمة الحياة والصحة والعقل والهداية والصون عن الآفات والإيصال إلى الخيرات في الدنيا والآخرة حيث إنه يمتاز عن نعمة غيره وأنه لا يقدر عليه غيره يجب تلقيه بالتشكر وهو الإذعان لأوامره والانقياد لنواهيه.

فإن قيل: اذكروا مشعر بسبق النسيان وكيف يعقل/ نسيانها مع تواترها وتواليها في كل لحظة ولمحة؟

فالجواب أنها صارت لتواليها كالأمر المعتاد فصار من غاية الظهور كالأمر المستور، أو المراد التوبيخ على عدم القيام بمواجبها فكأنها كالشيء المنسي.

الثاني ذكر الميثاق ومعنى: ﴿ واثقكم به ﴾ عاقدكم به عقداً وثيقاً يعني ميثاق رسوله حين بايعهم تحت الشجرة وغيرها على السمع والطاعة في المحبوب والمكروه.

وعن ابن عباس: هو الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل حين قالوا: آمنا بالتوراة وبما فيها من البشارة بنبي آخر الزمان ومن غيرها.

وقال مجاهد والكلبي ومقاتل: إنه إشارة إلى قوله للذرية: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى  ﴾ وقال السدي: هو ما ركز في العقول من حسن هذه الشريعة وهو اختيار أكثر المتكلمين.

واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها منحصرة في نوعين: التعظيم لأمر الله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ كونوا قوّامين لله ﴾ والشفقة على خلق الله وحث عليها بقوله: ﴿ شهداء بالقسط ﴾ قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودّك وقرابتك ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.

وقال الزجاج: بينوا دين الله لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه.

ثم أمر جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحداً إلاّ على سبيل العدل والإنصاف ويتركوا الظلم والاعتساف فقال ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ أي لا يحملنكم بغض ﴿ قوم على أن لا تعدلوا ﴾ أي فيهم فحذف للعلم.

ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيداً فقال: ﴿ اعدلوا ﴾ ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل فقال: ﴿ هو ﴾ أي العدل الذي دل عليه اعدلوا ﴿ أقرب للتقوى ﴾ أي إلى الاتقاء من عذاب الله أو من معاصيه.

وقيل: المراد سلوك سبيل العدالة مع الكفار الذين صدوا المسلمين عن البيت بأن لا يقتلوهم إذا أظهروا الإسلام، أو لا يرتكبوا ما لا يحل من مثلة، أو قذف أو قتل أولاد أو نساء أو نقض عهد أو نحو ذلك.

وفي هذا تنبيه على أن العدل مع أعداء الله إذا كان بهذه المكانة فكيف يكون مع أوليائه وأحبائه؟

ثم ختم الكلام بوعد المؤمنين ووعيد الكافرين وقوله: ﴿ لهم مغفرة ﴾ بيان للوعد قدم لهم وعداً، ثم كأنه قيل: أي شيء ذلك؟

فقيل: لهم مغفرة أو يكون على إرادة القول أي وعدهم وقال لهم مغفرة، أو يكون وعد مضمناً معنى قال، أو يجعل وعد واقعاً على هذا القول وإذا وعدهم هذا القول من هو قادر على كل المقدورات عالم بجميع المعلومات غني عن كل الحاجات فقد امتنع الخلف في وعده لأن سبب الخلف إما جهل أو عجزاً أو بخل أو حاجة وهو منزه عن الكل.

وهذا الوعد يصل إليه قبل الموت فيفيده السرور عند سكرات الموت فيسهل عليه الشدائد وفي ظلمة القبر فيفيده نوراً وفي عرصه القيامة فيزيده حبوراً , والجحيم اسم من أسماء النار وهي كل نار عظيمة في مهواة كقوله: ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم ﴾ /[الصافات: 97] وأصحاب الجحيم ملازموها.

بسط إليه لسانه إذا شتمه وبسط إليه اليد مدّها إلى المبطوش به.

عن جابر "أن النبي  نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي  سلاحه على شجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله  فسله ثم أقبل عليه فقال: من يمنعك مني؟

قال: الله - قالها ثلاثاً - والنبي  يقول: الله.

فأغمد الأعرابي السيف فدعا النبي  أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه" .

وقال مجاهد والكلبي وعكرمة: "قتل رجلان من أصحاب النبي  رجلين من بني سليم - وبين النبي  وبين قومهما موادعة - فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي  ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم فدخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستقرضهم في عقلهما فقالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا.

فجلس هو وأصحابه فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمداً أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟

فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا.

فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله يده، فجاء جبريل  وأخبره بذلك فخرج النبي صلى الله عيله وسلم وأنزل الله هذه الآية" , وقيل: نزلت قصة عسفان حين هم الأعداء أن يواقعوهم فنزلت صلاة الخوف.

وقيل: إنها لم تنزل في واقعة خاصة ولكن المراد أن الكفار أبداً كانوا يريدون إيقاع البلاء والنهب والقتل بالمسلمين فأعز الله المسلمين وفل شوكة الكفار وقوى دين الإسلام وأظهره على الأديان.

التأويل: سماع اسم الله وهو من صفات الهيبة يوجب الفناء والغيبة، وسماع الرحمن الرحيم وهما من صفات اللطف يورث البقاء والقربة ﴿ أوفوا ﴾ أيها العشاق ﴿ بالعقود ﴾ التي جرت بيننا يوم الميثاق ليوم التلاق.

فمن صبر على عهوده فقد فاز بمقصوده عند بذل وجوده ﴿ أحلت لكم ﴾ ذبح ﴿ بهيمة ﴾ النفس التي كالأنعام في طلب المرام إلا النفس المطمئنة التي تليت عليها ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ فتنفرت من الدنيا بما فيها فهي كالصيد في الحرم ﴿ وأنتم حرم ﴾ بالتوجه إلى كعبة الوصال وإحرام الشوق إلى حضرة الجمال والجلال ﴿ إن الله يحكم ما يريد ﴾ لمن يريد فيأمر بذبح النفس إذا كانت متصفة بصفة البهيمة وبترك ذبحها إذا كانت مطمئنة بذكر الحق ومتسمة بسمات الملك.

ثم أخبر عن تعظيم الشعائر من صدق الضمائر فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بشهود القلوب فقصدوا زيارة المحبوب وخرجوا عن أوطان الأوطار وسافروا عن ديار الأغيار ﴿ لا تحلوا ﴾ معالم الدين والشريعة ومواسم آداب الطريقة والحقيقة، وعظموا الزمان والمكان والإخوان القاصدين كعبة الوصول إلى الرحمن الذين أهدوا للقربان نفوسهم وقلدوها بلحاء الشجرة الطيبة ليأمنوا عن مكر الأعداء/ الخبيثة ﴿ وإذا حللتم ﴾ أتممتم مناسك الوصول ﴿ فاصطادوا ﴾ أرباب الطلب بشبكة الدعوة إلى الله، ولا يحملنكم حسد الحساد الذين يريدون أن يصدّوكم عن الحق على أن تعتدوا على الطالبين فتكونوا قطاع الطريق عليهم في طلب الحق.

﴿ حرمت عليكم ﴾ يا أهل الحق ﴿ الميتة ﴾ وهي الدنيا بأسرها ﴿ والدم ولحم الخنزير ﴾ أي حلالها وحرامها قليلها وكثيرها لأن من الدم ما هو حلال والخنزير كله حرام والدم بالنسبة إلى اللحم قليل ﴿ وما أهل به ﴾ أي كل طاعة هي ﴿ لغير الله والمنخنقة والموقوذة ﴾ يعني الذين يخنقون أنفسهم بالمجاهدات ويقذونها بالرياضات رياء وسمعة ﴿ والمتردية والنطيحة ﴾ الذين يتردون أنفسهم إلى أسفل سافلي الطبيعة بالتناطح مع الأقران والتفاخر بالعلم والزهد بين الإخوان ﴿ وما أكل السبع ﴾ الظلمة المتهارشون في جيفة الدنيا تهارش الكلاب ﴿ إلاّ ما ذكيتم ﴾ بالكسب الحلال ووجه صالح بقدر ضرورة الحال ﴿ وما ذبح على النصب ﴾ ما تذبح عليه النفوس من المطالب الفانية ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ أي أن تكونوا مترددين في طلب المرام، فإذا انتهيتم عن هذه المناهي وتخلصتم عن هذه الدواهي فقد عاد ليلكلم نهاراً وظلمتكم أنواراً.

﴿ اليوم يئس الذين كفروا ﴾ من النفس وصفاتها والدنيا وشهواتها ﴿ من دينكم فلا تخشوهم واخشون ﴾ فإن كيدي متين ﴿ اليوم ﴾ أي في الأزل ﴿ أكملت لكم دينكم ﴾ ولكن ظهر الأمر في حجة الوداع يوم عرفة ﴿ وأتممت عليكم نعمتي ﴾ وهي أسباب تحصيل الكمال ببعثة النبي  ﴿ فمن اضطر ﴾ فمن ابتلى بالتفات لشيء من الدنيا والآخرة غير مائل إليه للإعراض عن الحق ولكن من فترة للطالبين أو وقفة للسالكين ﴿ يسئلونك ماذا أحل ﴾ لأرباب السلوك إذا الدنيا حرام على أهل الآخرة والآخرة حرام على أهل الدنيا وهما حرام على أهل الله الطيبات كل مأكول ومشروب وملبوس يكون سبباً للقيام بأداء الحقوق.

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ﴾ تناولوا ما اصطادت النفوس المطمئنة المعلمة بعلوم الشريعة المؤدبة بآداب الطريقة كمالية الدين الأزلية وهو يوم ﴿ واذكروا ﴾ عند تناول كل ما ورد عليكم من الأمور الدنيوية والأخروية ﴿ اسم الله ﴾ أي لا تصرفوا فيه إلاّ لله بالله في الله ﴿ اليوم ﴾ يعني الذي فيه ظهر كمالية الدين الأزلية وهو يوم عرفة.

وهذه فائدة التكرار ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ ﴿ أحل لكم الطيبات ﴾ التي تتعلق بسعادة الدارين بل أحل لكم التخلق بالأخلاق الطيبات وهي أخلاق الله المنزهات عن الكميات والكيفيات ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب ﴾ وهم الأنبياء ﴿ حل لكم ﴾ أي غذيتم بلبان الولاية كما غذوا بلبان النبوة ﴿ وطعامكم حل لهم ﴾ أي منبع لبن النبوة والولاية واحد وإن كان الثدي اثنين ﴿ قد علم كل أناس مشربهم  ﴾ وللنبي وراء ذلك كله مشرب "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ والمحصنات من المؤمنات ﴾ وهي أبكار حقائق القرآن/ ﴿ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ﴾ أبكار حقائق الكتب المنزلة على الأمم السالفة أي التي أدرجت في القرآن ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين  ﴾ ﴿ إذا آتيتموهن أجورهن ﴾ وهي بذل الوجود محصنين في هذا البذل ليكون على وجه الحق ﴿ غير مسافحين ﴾ على وجه الطبع ﴿ ولا متخذي أخدان ﴾ غير ملتفتين إلى شيء من الأكوان ﴿ ومن يكفر بالإيمان ﴾ بهذ المقامات ﴿ فقد حبط عمله ﴾ الذي عمل من دون المكاشفات ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيماناً حقيقياً عند خطاب ألست بربكم ﴿ إذا قمتم ﴾ من نوم الغفلة ﴿ إلى الصلاة ﴾ وهي معراجكم للرجوع إلى مكامن قربكم ﴿ فاغسلوا وجوهكم ﴾ التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار ﴿ وأيديكم إلى المرافق ﴾ أي اغسلوا أيديكم من التمسك بالدارين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق ﴿ وامسحوا برؤسكم ﴾ ببذل نفوسكم ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾ من طين طبيعتكم والقيام بأنانيتكم ﴿ ولا يجرمنكم ﴾ ولا يحملنكم حسد الحساد وعداوة الأنذال ﴿ على أن لا تعدلوا ﴾ مع أنفسكم ﴿ إذ هم قوم ﴾ من الشيطان والنفس والهوى ﴿ أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ﴾ والله خير موفق ومعين.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون الآية في الشهادة نفسها؛ كأنه قال: أن قوموا شهداء لله، واجعلوا الشهادة له، فإذا فعلوا هكذا لا يمنعهم بغض أحد وعداوته، ولا رضا أحد وولايته - القيام بها.

ندبهم الله أن يقوموا في الشهادة لله والحكم له: يحكم للعدو كما يحكم للولي، ويقوم في الشهادة للعدو كما يقوم للولي، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون في بيان الحق والحجج وتعليم الأحكام والشرائع؛ كأنه يقول - والله أعلم -: قوموا في بيان الحجج والحق وتعليم الأحكام لله، لا يمنعكم بغض قوم ولا رضاهم على ألا تبينوا الحق لهم، ولا تعلموا الحجج والأحكام لهم.

وعن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ ، أي: لا يحملنكم ﴿ شَنَآنُ قَوْمٍ ﴾ ، أي: بغض قوم ﴿ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ﴾ فيهم؛ فإنما العدل لله في الرضا والسخط، ﴿ ٱعْدِلُواْ ﴾ ، يقول: قولوا العدل بالحق؛ فإنه أقرب للتقوى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .

أي: اعدلوا هو التقوى؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، أي: رحمة الله للمحسنين؛ لأن العدل ليس إلا التقوى.

﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

في ترك ما أمركم به، وارتكاب ما نهاكم عنه.

﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وتضمرون من العدل والجور، خرج على الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ قال بعضهم: هذه الآية [هي] صلة ما تقدم في قوله -  وتعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ...

﴾ إلى آخر ما ذكر.

فإذا فعلوا، وقاموا في الشهادة والعدل في الحكم، كان لهم ما ذكر من الوعد، والله أعلم.

ولكن يحتمل هي على الابتداء - والله أعلم - كأنه قال: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات وعداً، ثم بين ما في ذلك الوعد، فقال: لهم مغفرة وأجر عظيم: يستر على ذنوبهم، ويتجاوز عنها، وأجر عظيم: الجنة، قال ابن عباس -  - "لهم مغفرة في الدنيا لذنوبهم، وأجر عظيم في الآخرة: الجنة"، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ قيل: كفروا بآيات الله وكذبوا بآياته، يعني: محمداً  والقرآن، ﴿ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ .

وقيل: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ بتوحيد الله، ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ ﴾ : بالقرآن بأنه ليس من الله  ، وهما واحد؛ وهذا يدل على أن الآية على الابتداء خرجت، ليس على الصلة على ما قالوا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ .

يحتمل أن تكون هذه المنة التي ذكر الله -  - في هذه الآية من كف أيدي الأعداء عنهم، بعدما بسطوا إليهم أيديهم في جملة المؤمنين؛ لأن المؤمنين كانوا في ابتداء الأمر مختفين فيما بين الكفرة، لا يقدرون على إظهار الإسلام وإعلانه، وقد هموا قتل المؤمنين غير مرة، وفيما كف أيديهم عنهم منة عظيمة علينا وعليهم وعلى جميع المسلمين.

ويحتمل أن يكون في قوم خاص قد أحاطوا بهم، وبسطوا أيديهم إليهم، وهموا بقتلهم؛ فكف الله - عز وجل - بفضله أيديهم عنهم، وأنقذهم من أيديهم.

ثم اختلف فيه: عن ابن عباس -  - قال: "هَمَّ بنو قريظة أن يبسطوا إليهم أيديهم بالقتل؛ فكف الله -  - أيديهم عنهم بالمنع".

وقيل: نزلت في اليهود: دخل النبي  حائطاً لهم في النخل، وأصحابه وراء الجدار، واستعانهم في مغرم دية غرمها، ثم قام من عندهم، فائتمروا بينهم بقتله، فخرج يمشي القهقرى معترضاً ينظر من خيفتهم، ثم دعا أصحابه إليه رجلاً رجلاً، حتى تناهوا إليه.

فلا ندري كيفما كانت القصَّة؟

وليس لنا إلى معرفة القصّة حاجة بعد أن نعرف منة الله -  - التي من علينا بكف الأعداء عنهم، ونشكر له على ذلك.

وفي هذه الآية دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه أخبر عما كان منهم من غير أن يشهد ذلك؛ ليعلم أنه بالله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

أي: على الله يكل المؤمن في كل أمره، وبه يثق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله، كونوا قائمين بحقوق الله عليكم مبتغين بذلك وجهه، وكونوا شهداء بالعدل لا بالجور، ولا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل، فالعدل مطلوب مع الصديق والعدو، فاعدلوا معهما، فالعدل أقرب إلى الخوف من الله، والجور أقرب إلى الجسارة عليه، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، إن الله خبير بما تعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Rze70"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله