الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٨٤ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٤ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى " وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله [ عز وجل ] ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله [ لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ] ) الآية [ آل عمران : 199 ] ، وهم الذين قال الله فيهم : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ] ) إلى قوله ( لا نبتغي الجاهلين ) [ القصص : 52 - 55 ]
القول في تأويل قوله : وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات، أنهم إذا سمعوا ما أنـزل إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: " ما لنا لا نؤمن بالله "، يقول: لا نقرّ بوحدانية الله=" وما جاءَنا من الحق "، يقول: وما جاءنا من عند الله من كتابه وآي تنـزيله، ونحن نطمَعُ بإيماننا بذلك أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين.
* * * يعني بـ" القوم الصالحين "، المؤمنين بالله، المطيعين له، الذين استحقُّوا من الله الجنة بطاعتهم إياه.
(10) وإنما معنى ذلك: ونحن نطمعُ أن يدخلَنا ربُّنا مع أهل طاعته مداخلَهم من جنته يوم القيامة، ويلحق منازلَنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جنَّاته.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 12335 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين "، قال: " القومُ الصالحون "، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه.
------------------- االهوامش : (10) انظر تفسير"الصالح" فيما سلف 8: 532 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.
قوله تعالى : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحينقوله تعالى : وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق بين استبصارهم في الدين ; أي : يقولون وما لنا لا نؤمن ; أي : وما لنا تاركين الإيمان .
ف نؤمن في موضع نصب على الحال .
ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين أي : مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله : أن الأرض يرثها عبادي الصالحون يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي الكلام إضمار أي : نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة ، وقيل : مع بمعنى ( في ) كما تذكر ( في ) بمعنى ( مع ) تقول : كنت فيمن لقي الأمير ; أي : مع من لقي الأمير ، والطمع يكون مخففا وغير مخفف ; يقال : طمع فيه طمعا وطماعة وطماعية مخفف فهو طمع .
فكأنهم ليموا على إيمانهم ومسارعتهم فيه، فقالوا: { وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } أي: وما الذي يمنعنا من الإيمان بالله، والحال أنه قد جاءنا الحق من ربنا، الذي لا يقبل الشك والريب، ونحن إذا آمنا واتبعنا الحق طمعنا أن يدخلنا الله الجنة مع القوم الصالحين، فأي مانع يمنعنا؟
أليس ذلك موجبا للمسارعة والانقياد للإيمان وعدم التخلف عنه.
(وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ) وذلك أن اليهود عيروهم وقالوا لهم : لم آمنتم؟
فأجابوهم بهذا ، ( ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ) أي : في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، بيانه ( أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ( الأنبياء ، 105 ) .
«و» قالوا في جواب من عيرهم بالإسلام من اليهود «ما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق» القرآن أي لا مانع لنا من الإيمان مع وجود مقتضيه «ونطمع» عطف على نؤمن «أن يدخلنا ربُّنا مع القوم الصالحين» المؤمنين الجنة قال تعالى.
وقالوا: وأيُّ لوم علينا في إيماننا بالله، وتصديقنا بالحق الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، واتباعنا له، ونرجو أن يدخلنا ربنا مع أهل طاعته في جنته يوم القيامة؟
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك عنهم ما علمه منهم من إصرارهم على الدخول في الدين الحق ، فقال .
( وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَآءَنَا مِنَ الحق وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين ) .فالآية الكريمة من تتمة قولهم .والاستفهام هنا لإِنكار انتفاء الإِيمان منهم مع قيام موجباته ، وظهور أماراته ووضوح أدلته وشواهده .والمعنى : وأي مانع يمنعنا من الإِيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد ، وبما جاءنا على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن يهدي إلى الرشد ومن توجيهات توصل إلى السعادة ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا - بسبب إيماننا - مع القوم الذين صلحت أنفسهم بالعقيدة السليمة ، وبالعبادات الصحيحة وبالإخلاق الفاضلة وهم أتباع هذا النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم فأنت تراهم بعد أن استمعوا إلى القرآن تأثرت نفوسهم به تأثراً شديداص فاضت معه أعينهم بالدمع .
ثم بعد ذلك التمسوا من الله - تعالى - أن يكتبهم مع الأمة الإِسلامية التي تشهد على غيرها يوم القيامة .
ثم بعد ذلك استنكروا واستبعدوا أن يعوقهم معوق عن الإِيمان الصحيح مع قيام موجباته .
وهذا كله يدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم ومسارعتهم إلى قبول الحق عند ظهوره بدون تردد أو تقاعس :وقولهم - كما حكى القرآن عنهم - ( وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا ) يدل على قوة إيمانهم ، ’ وصدق يقينهم ، لأنهم مع هذا الإِقبال الشديد على الدين الحق والمسارعة إلى العمل الصالح ، لم يجزموا بحسن عاقبتهم ، بل التمسوا من الله - تعالى - الطمع في مغفرته ، وفي أن يجعلهم مع القوم الصالحين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم .وهكذا المؤمن الصادق يستصغر عمله بجانب فضل الله ونعمه ، ويقف من جزائه وثوابه - سبحانه - موقف الخوف والرجاء .
ففيه مسألتان: الأولى: قال صاحب الكشاف محل ﴿ لاَ نُؤْمِنُ ﴾ النصب على الحال بمعنى غير مؤمنين، كقولك قائماً، والواو في قوله: ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ واو الحال.
فإن قيل: فما العامل في الحال الأولى والثانية.
قلنا: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي شيء حصل لنا حال كوننا غير مؤمنين، وفي الثاني معنى هذا الفعل ولكن مقيداً بالحال الأولى، لأنك لو أزلته وقلت: وما لنا نطمع لم يكن كلاماً، ويجوز أن يكون ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ حالاً من ﴿ لاَ نُؤْمِنُ ﴾ على أنهم أنكروا على أنفسهم أنهم لا يوحدون الله ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ لاَ نُؤْمِنُ ﴾ على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصالحين.
المسألة الثانية: تقدير الآية: ويدخلنا ربنا مع القوم الصالحين جنته ودار رضوانه، قال تعالى: ﴿ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ ﴾ إلا أنه حسن الحذف لكونه معلوماً.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
وصف الله شدّة شكيمة اليهود وصعوبة إجابتهم إلى الحق ولين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدّة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدّم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وكذلك فعل في قوله: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ ﴾ [البقرة: 96] ولعمري إنهم لكذلك وأشدّ.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله» وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودّتهم للمؤمنين ﴿ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أي علماء وعباداً ﴿ وَإِنَّهُمْ ﴾ قوم فيهم تواضع واستكانة ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك.
وفيه دليل بين على أنّ التعلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير وأدله على الفوز حتى علم القسيسين، وكذلك غم الآخرة والتحدّث بالعاقبة وإن كان في راهب، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني.
ووصفهم الله برقة القلوب وأنهم يبكون عند استماع القرآن، وذلك نحو ما يحكى عن النجاشيّ رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب- حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده-: هل في كتابكم ذكر مريم؟
قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: ﴿ ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ ﴾ [مريم: 34] وقرأ سورة طه إلى قوله: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى ﴾ [طه: 9] فبكى النجاشي وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم سبعون رجلاً حين قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس.
فبكوا.
فإن قلت: بم تعلقت اللام في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ﴾ ؟
قلت: بعداوة ومودّة، على أنّ عداوة اليهود التي اختصت المؤمنين أشدّ العداوات وأظهرها، وأن مودّة النصارى التي اختصت المؤمنين أقرب المودّات، وأدناها وجوداً، وأسهلها حصولاً.
ووصف اليهود بالعداوة والنصارى بالمودّة مما يؤذن بالتفاوت، ثم وصف العداوة والمودّة بالأشدّ والأقرب.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ تَفِيضُ مِنَ الدمع ﴾ قلت: معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الإمتلاء، وهو من إقامة المسبب مقام السبب، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها، أي تسيل من الدمع من أجل البكاء من قولك دمعت عينه دمعاً فإن قلت: أي فرق بين من ومن في قوله: ﴿ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق ﴾ ؟
قلت الأولى لابتداء الغاية، على أن فيض الدمع ابتدأ ونشأ من معرفة الحق، وكان من أجله وبسببه.
والثانية لتبيين الموصول الذي هو ما عرفوا.
وتحتمل معنى التبعيض على أنهم عرفوا بعض الحق، فأبكاهم وبلغ منهم، فكيف إذا عرفوه كله وقرؤا القرآن وأحاطوا بالسنة؟
وقرئ ﴿ ترى أعينهم ﴾ على البناء للمفعول ﴿ رَبَّنَا ءامَنَّا ﴾ المراد به إنشاء الإيمان، والدخول فيه ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ مع أمّة محمد صلى الله عليه وسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة.
﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ [البقرة: 143] وقالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله ﴾ إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين، وقيل: لما رجعوا إلى قومهم لاموهم فأجابوهم بذلك.
أو أرادوا: وما لنا لا نؤمن بالله وحده لأنهم كانوا مثلثين، وذلك ليس بإيمان بالله: ومحل (لا نؤمن) النصب على الحال، بمعنى: غير مؤمنين، كقولك مالك قائماً.
والواو في ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ واو الحال.
فإن قلت: ما العامل في الحال الأولى والثانية؟
قلت: العامل في الأولى ما في اللام من معنى الفعل، كأنه قيل: أي شيء حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل، ولكن مقيداً بالحال الأولى؛ لأنك لو أزلتها وقلت: وما لنا ونطمع، لم يكن كلاماً.
ويجوز أن يكون (ونطمع) حالاً من لا نؤمن، على أنهم أنكروا على نفوسهم أنهم لا يوحدون الله، ويطمعون مع ذلك أن يصحبوا الصالحين، وأن يكون معطوفاً على لا نؤمن على معنى: وما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع في صحبة الصاحين، أو على معنى: وما لنا لا نجمع بينهما بالدخول في الإسلام، لأن الكافر ما ينبغي له أن يطمع في صحبة الصالحين.
قرأ الحسن: ﴿ فآتاهم ﴾ ﴿ بِمَا قَالُواْ ﴾ بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان، أي اعتقاده وما يذهب إليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ واسْتِبْعادٌ لِانْتِفاءِ الإيمانِ مَعَ قِيامِ الدّاعِي وهو الطَّمَعُ في الِانْخِراطِ مَعَ الصّالِحِينَ، والدُّخُولِ في مَداخِلِهِمْ أوْ جَوابُ سائِلٍ قالَ لِمَ آمَنتُمْ؟
ولا نُؤْمِنُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ والعامِلُ ما في اللّامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ، أيْ بِوَحْدانِيَّتِهِ فَإنَّهم كانُوا مُثَلِّثِينَ.
أوْ بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما إيمانٌ بِهِ حَقِيقَةً وذَكَرَهُ تَوْطِئَةً وتَعْظِيمًا، ونَطْمَعُ عُطِفَ عَلى نُؤْمِنُ أوْ خَبَرُ مَحْذُوفٍ، والواوُ لِلْحالِ أيْ ونَحْنُ نَطْمَعُ والعامِلُ فِيها عامِلُ الأُولى مُقَيَّدًا بِها أوْ نُؤْمِنُ.
<div class="verse-tafsir"
{وما لنا لا نؤمن بالله} إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين وقيل لما رجعوا إلى قومهم لا موهم فاجابوهم بذلك وما لنا مبتدأ وخبر ولا نؤمن حال أي غير مؤمنين كقولك مالك قائماً {وما جآءنا} وبما جاءنا {من الحقِّ}
عنى محمداً عليه السلام والقرآن {ونطمع} حال من ضمير الفاعل في نؤمن والتقدير ونحن نطمع {أن يدخلنا ربّنا} الجنة {مع القوم الصّالحين} الأنبياء والمؤمنين
﴿ وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ﴾ جَعَلَهُ جَماعَةٌ ومِنهم شَيْخُ الإسْلامِ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا تَحْقِيقًا لِإيمانِهِمْ وتَقْرِيرًا لَهُ بِإنْكارِ سَبَبِ انْتِفائِهِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّ (نُؤْمِنَ) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (لَنا) والعامِلُ ما فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ والمُسَبِّبِ جَمِيعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ ونَظائِرُهُ لا إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبِّبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وأمْثالُهُ وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى مُنْدَرِجٌ مَعَها في حَيِّزِ القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ: (رَبَّنا آمَنّا) إلَخْ، ويَقُولُونَ (ما لَنا لا نُؤْمِنُ) إلَخْ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ والتَّقْدِيرُ: ما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وما لنا نُؤْمِنُ نَحْنُ بِاللَّهِ، إلَخْ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ جَوابُ سائِلٍ قالَ: لِمَ آمَنتُمْ ؟
واخْتارَهُ الزَّجّاجُ واعْتَرَضَ بِأنَّ عُلَماءَ العَرَبِيَّةِ صَرَّحُوا بِأنَّ الجُمْلَةَ المُسْتَأْنَفَةَ الواقِعَةَ جَوابَ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ لا تَقْتَرِنُ بالواوِ وذَكَرَ عُلَماءُ المَعانِي أنَّهُ لا بُدَّ فِيها مِنَ الفَصْلِ إذِ الجَوابُ يُعْطَفُ عَلى السُّؤالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ الواوَ زائِدَةٌ وقَدْ نَقَلَ الأخْفَشُ أنَّها تُزادُ في الجُمَلِ المُسْتَأْنَفَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ لا بُدَّ لِذَلِكَ مِن ثَبْتٍ، والحالُ المَذْكُورَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الشِّهابُ لازِمَةٌ لا يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِها، قالَ: ولِذا يَصِحُّ اقْتِرانُها بِالواوِ في (ما لَنا) و(ما بالُنا لا نْفَعَلُ) كَذا لِأنَّها خَبَرٌ في المَعْنى وهي المُسْتَفْهَمُ عَنْها وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في الغالِبِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وإنَّمًا هو لِلْإنْكارِ ويَخْتَلِفُ المُرادُ مِنهُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، ومَعْنى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى الإيمانُ بِوَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ المُحَمَّدِيَّةُ فَإنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُوَحِّدِينَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: بِكِتابِهِ ورَسُولِهِ فَإنَّ الإيمانَ بِهِما إيمانٌ بِهِ سُبْحانَهُ والظّاهِرُ هو الأوَّلُ والإيمانُ بِالكِتابِ والرَّسُولِ يُفْهِمُهُ العَطْفُ فَإنَّ المَوْصُولَ المَعْطُوفَ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ يَشْمَلُ ذَلِكَ قَطْعًا، و (مِنَ الحَقِّ) عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أيْ وبِما جاءَنا مِن عِنْدِ اللَّهِ وأنْ يَكُونَ المَوْصُولَةُ مُبْتَدَأً و (مِنَ الحَقِّ) خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا ولا يَخْفى ما في الوَجْهَيْنِ مِنَ البُعْدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ ﴾ 48 حالٌ أُخْرى عِنْدَ الجَماعَةِ مِنَ الضَّمِيرِ المُتَقَدِّمِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ لِأنَّ المُضارِعَ المُثْبَتَ يَقْتَرِنُ بِالواوِ والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الأوَّلِ مُقَيَّدٌ بِها فَيَتَعَدَّدُ مَعْنى كَما قِيلَ نَحْوُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ وهي حالٌ مُتَرادِفَةٌ ولُزُومُ الأُولى لا يُخْرِجُها عَنِ التَّرادُفِ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (نُؤْمِنُ) عَلى مَعْنى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ عَدَمَ إيمانِهِمْ مَعَ أنَّهم يَطْمَعُونَ في صُحْبَةِ المُؤْمِنِينَ وجُوِّزَ فِيهِ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى نُؤْمِنُ أوْ عَلى نُؤْمِنُ عَلى مَعْنى وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ والطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ أوْ عَلى مَعْنى: ما لَنا لا نَجْمَعُ بَيْنَ الإيمانِ والطَّمَعِ المَذْكُورِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ لِأنَّ الكافِرَ ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَطْمَعَ في تِلْكَ الصُّحْبَةِ ومَوْضِعُ المُنْسَبِكِ مِن (أنْ) وما بَعْدَها إمّا نُصِبَ أوْ جُرَّ عَلى الخِلافِ بَيْنَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، والمُرادُ في أنْ يُدْخِلَنا واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ أنَّ (نا) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِيُدْخِلَ والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيِ الجَنَّةُ قِيلَ: ولَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ لَقالَ سُبْحانَهُ (فِي القَوْمِ) بَدَلَ ”مَعَ القَوْمِ“ <div class="verse-tafsir"
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وهم يهود بني قريظة، وبني النضير، وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني: مشركي أهل مكة، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قال بعضهم: إنما أراد الذين هم النصارى في ذلك الوقت، لأنهم كانوا أقل مظاهرة على المؤمنين، وأسرع إجابة للإسلام.
وقال أكثر المفسرين: إن المراد به النصارى الذين أسلموا، وفي سياق الآية دليل عليه، وهو قوله: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا [المائدة: 85] وروى أسباط عن السدي، قال: بعث النجاشي إلى رسول الله اثني عشر رجلاً من الحبشة، وسبعة قسيسين، وخمسة رهبان ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه، وقرأ عليهم ما أنزل الله عليه بكوا وآمنوا به ورجعوا إلى النجاشي.
فهاجر النجاشي معهم.
فمات في الطريق.
فصلى عليه رسول الله والمسلمون واستغفروا له.
وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه سئل عن هذه الآية فقال: هم الوفد الذين قدموا مع جعفر الطيار من أرض الحبشة.
وعن الزهري، أنه سئل عن هذه الآية فقال: ما زلنا نسمع أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.
ثم قال: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً يعني: المتعبدين، وأصحاب الصوامع، ويقال: قِسِّيسِينَ علماؤهم، وَرُهْباناً يعني: خائفين من الله تعالى، وقال بعض أهل اللغة: القس والقسيس: رؤساء النصارى، والقس بفتح القاف النميمة.
ثم قال: وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ يعني: لا يتعظمون على الإيمان بمحمد والقرآن.
وَإِذا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ يعني: تسيل من الدمع، مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يقول: مما عرفوا محمداً نعته وصفته، يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا بالقرآن بأنه من الله، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني: المهاجرين والأنصار.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: مَعَ الشَّاهِدِينَ هم أمة محمد ، يشهدون له بالبلاغ ويشهدون للرسل أنهم قد بلغوا الرسالة.
ثم قال: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وذلك أنهم لما رجعوا إلى قومهم، قال لهم كفار قومهم: تركتم ملة عيسى ويقال: إن كفار مكة عاتبوهم على إيمانهم.
وقالوا: لم تركتم دينكم القديم، وأخذتم الدين الحديث؟.
فقالوا: وَما لَنا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ومعناه: وما لنا لا نصدق بالله أن محمداً رسوله، والقرآن من عنده، وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ يعني: وبما جاءنا من الحق، وَنَطْمَعُ يقول: نرجو، أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ يعني: مع المؤمنين الموحدين في الجنة فمدحهم الله تعالى، وحكى عن مقالتهم، وأخبر عن ثوابهم في الآخرة.
فقال: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا من التوحيد، جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ يعني: ثواب الموحدين المطيعين.
وقد احتج بعض الناس بهذه الآية، أن الإيمان هو مجرد القول، لأنه قال: فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا ولكن لا حجة لهم فيها، لأن قولهم كان مع التصديق، والقول بغير التصديق، لا يكون إيماناً.
ثم بيّن عقوبة من ثبت على كفره، ولم يؤمن، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: مات على ذلك، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ والجحيم هو النار الشديدة الوقود.
يقال: جحم فلان النار، إذا شدد وقودها.
ويقال: لعيْن الأسد جحمة لشدة توقدها.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ...
الآية: اللامُ في قوله: لَتَجِدَنَّ: لام ابتداءٍ، وقال الزَّجَّاج «١» : هي لامُ قَسَمٍ، وهذا خبر مُطْلَقٌ منسحبٌ على الزمان كلِّه، وهكذا هو الأمر حتَّى الآن، وذلك أن اليهودَ مَرَنُوا على تكذيبِ الأنبياء وقَتْلِهِمْ، ومَرَدُوا على استشعار اللعْنَةِ، وضَرْبِ الذِّلَّة والمَسْكنة، فهم قد لَجَّتْ عداوتهم، وكَثُر حَسَدهم، فهم أشدُّ الناسِ عداوةً للمؤمنين وكذلك المشركون عبدةُ الأوثانِ والنِّيران، وأما النصارى، فإنهم يعظمون من أهْلِ الإسلام مَنِ استشعروا مِنه صِحَّة دِينٍ، ويستهينُونَ مَنْ فهموا منه الفِسْقَ، فهم إنْ حاربوا، فإنما حَرْبهم أَنَفَةٌ، لا أنَّ شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا، فَسِلْمُهم صافٍ، واليهودُ (لعنهم اللَّه) ليسوا على شيء من هذه الخِلالِ، بل شأنهم الخُبْث، واللَّيُّ بالألسنة، والمَكْر، والغَدْر، ولم يصفِ اللَّه تعالَى النصارى بأنهم أهْلُ وُدٍّ، وإنما وصفهم بأنهم أقرَبُ من اليهود والمشركين، وفي قوله سبحانه: الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى: إشارةٌ إلى معاصري نبيِّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم/ من النصارى بأنهم ليسوا على حقيقيَّة النصرانيَّة، وإنما هو قولٌ منهم، وزَعْم.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً ...
الآية: معناه: ذلك بأن منهم أهْلَ خشْيَةٍ وانقطاع إلى اللَّه تعالى، وعبادةٍ، وإنْ لم يكونوا على هُدًى، فهم يَميلُونَ إلى أهل العبادةِ والخَشْيَةِ، وليس عند اليهود ولا كان قَطُّ- أهْلُ دياراتٍ وصوامِعَ وانقطاعٍ عن الدنيا، بل هم معظِّمون لها، متطاولُون في البنيان، وأمورِ الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة فلذلك لا يرى فيهم زاهد، قال الفَخْر «٢» : القُسُّ والْقِسِّيسُ: اسمُ رئيس النصارى، والجمْعُ: قِسِّيسُونَ، وقال قُطْرُب: القُسُّ والقِسِّيس: العَالِمُ بلغة الرُّوم، وهذا مما وقع الوِفَاقُ فيه بَيْن اللغتَيْنِ.
انتهى.
ووصف اللَّه سبحانه النصارى، بأنهم لا يستكبرون، وهذا موجودٌ فيهم حتى الآن، واليهوديُّ متى وجد عِزًّا، طغى وتكبَّر، ثم مدحهم سبحانه، فقال: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ
إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ...
الآية: قال النوويُّ: ينبغي للقارىء أن يكون شأنُهُ الخشوعَ والتدبُّر والخضوعَ فهذا هو المقصود المطلوبُ، وبه تنشرح الصدورُ، وتستنيرُ القُلُوب، ودلائلُه أكْثَرُ من أنْ تُحْصَر، وأشهرُ من أنْ تُذْكَر، وقد بات جماعةٌ من السَّلَف يتلو الواحدُ منهم آيةً واحدةً، ليلةً كاملةً، أو معظمَ ليلةٍ يتدَبَّرها، وصُعِقَ جماعاتٌ منهم عند سماع القرآن، وقراءتِهِ، وماتَ جماعاتٌ منهم، ويستحب البكاءُ والتباكِي لِمَنْ لا يقدر على البكاء فإن البكاء عند القراءة صفةُ العارفين، وشعارُ عُبَّادِ اللَّه الصَّالحين، قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: ١٠٩] وقد وردَتْ آثار كثيرة في ذلك.
انتهى من «الحلية» للنوويِّ.
وذكر ابن عباس وابن جُبَيْر ومجاهد أنَّ هذه الآية نزلَتْ بسبب وَفْدٍ بعثهم النجاشيّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليهم القُرآن، فَبَكَوْا وآمَنُوا، ورَجعُوا إلى النجاشيِّ، فآمن، ولم يَزَلْ مؤمناً حتى ماتَ، فصلى عليه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «١» ، وروي أنَّ نَعْشَ النجاشيِّ كُشِفَ للنبيِّ- عليه السلام- فكان يراه مِنْ موضعه بالمدينةِ وجاء الخَبَرُ بعد مدة أنَّ النجاشيَّ دُفِنَ في اليوم الذي صلّى فيه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عليه، قال أبو صالح: كانوا سبعةً وستين رجلاً «٢» ، وقال ابن جُبَيْرٍ: كانوا سبعين، عليهم ثيابُ الصُّوف، وكُلُّهم صاحبُ صَوْمَعَة اختارهم النجاشيُّ «٣» .
وصَدْرُ الآية في قُرْب المودَّة عامٌّ فيهم، ولا يتوجَّه أنْ يكون صَدْر الآية خاصًّا فيمن آمن، وإنما وقع التخصيص مِنْ قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا، وجاء الضمير عامّا إذا قد تُحْمَدُ الجماعةُ بفعْلِ واحدٍ منهم، وفي هذا استدعاء للنصارى، ولُطْفٌ من اللَّه بهم ليؤمنوا.
قال ص: مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ: «مِن» الأولى لابتداءِ الغاية.
قال أبو البقاء: ومعناها: مِنْ أجْل الذي عَرَفُوا، و «من» الثانية لبيان «ما» الموصولة.
انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لامَهم قَوْمُهم عَلى الإيمانِ، فَقالُوا هَذا.
وفي القَوْمِ الصّالِحِينَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَوابُ المُؤْمِنِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ فَأثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ قَوْلُهُمْ: "وَما لَنا"؛ تَوْقِيفٌ لِأنْفُسِهِمْ؛ أو مُحاجَّةٌ لِمَن عارَضَهم مِنَ الكُفّارِ؛ بِأنْ قالَ لَهُمْ: آمَنتُمْ وعَجَّلْتُمْ؛ فَقالُوا: وأيُّ شَيْءٍ يَصُدُّنا عَنِ الإيمانِ وقَدْ لاحَ الصَوابُ؛ وجاءَ الحَقُّ المُنِيرُ؟
"وَما لَنا": اِبْتِداءٌ وخَبَرٌ؛ و"لا نُؤْمِنُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ ولَكِنَّها حالٌ هي المَقْصِدُ؛ وفِيها الفائِدَةُ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَ زَيْدٌ راكِبًا"؛ وأنْتَ قَدْ سُئِلْتَ: "هَلْ جاءَ ماشِيًا؛ أو راكِبًا؟".
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وما أنْزَلَ إلَيْنا رَبُّنا".
"وَنَطْمَعُ"؛ تَقْدِيرُهُ: "وَنَحْنُ نَطْمَعُ"؛ فالواوُ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لا عاطِفَةُ فِعْلٍ عَلى فِعْلٍ؛ والقَوْمُ الصالِحُونَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ؛ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما أثابَهم بِهِ مِنَ النَعِيمِ؛ عَلى إيمانِهِمْ؛ وإحْسانِهِمْ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الكافِرِينَ المُكَذِّبِينَ؛ وأنَّهم قُرَناءُ الجَحِيمِ؛ والمَعْنى قَدْ عُلِمَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ أنَّهُ اقْتِرانٌ لازِمٌ؛ دائِمٌ؛ أبَدِيٌّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو مالِكٍ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ وأبُو قُلابَةَ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وغَيْرُهُمْ: "إنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِن أصْحابِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ بَلَغَتْ مِنهُمُ المَواعِظُ وخَوْفُ اللهِ إلى أنْ حَرَّمَ بَعْضُهُمُ النِساءَ؛ وبَعْضُهُمُ النَوْمَ بِاللَيْلِ؛ والطِيبَ؛ وهَمَّ بَعْضُهم بِالِاخْتِصاءِ؛ وكانَ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "؛ قالَ عِكْرِمَةُ: ومِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والمِقْدادُ ؛ وسالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ ؛ وقالَ قَتادَةُ: رَفَضُوا النِساءَ؛ واللَحْمَ؛ وأرادُوا أنْ يَتَّخِذُوا الصَوامِعَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: أخَذُوا الشِفارَ لِيَقْطَعُوا مَذاكِرَهُمْ؛ وطَوَّلَ السُدِّيُّ في قِصَّةِ الحَوْلاءِ امْرَأةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ ؛ مَعَ أزْواجِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وإخْبارِها بِأنَّهُ لَمْ يُلِمَّ بِها؛ فَلَمّا أُعْلِمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِحالِهِمْ قالَ: « "أمّا أنا فَأقُومُ؛ وأنامُ؛ وأصُومُ؛ وأُفْطِرُ؛ وآتِي النِساءَ؛ وأنالُ الطِيبَ؛ فَمَن رَغِبَ عن سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".» قالَ الطَبَرِيُّ: وكانَ فِيما يُتْلى: "مَن رَغِبَ عن سُنَّتِكَ فَلَيْسَ مِن أُمَّتِكَ وقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ".
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ رَواحَةَ ضافَهُ ضَيْفٌ؛ فانْقَلَبَ ابْنُ رَواحَةَ وضَيْفُهُ لَمْ يَتَعَشَّ؛ فَقالَ لِزَوْجِهِ: ما عَشَّيْتِهِ؟
قالَتْ: كانَ الطَعامُ قَلِيلًا؛ فانْتَظَرْتُكَ؛ فَقالَ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي؟
طَعامُكِ عَلَيَّ حَرامٌ إنْ ذُقْتُهُ؛ فَقالَتْ هِيَ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ ذُقْتُهُ وإنْ لَمْ تَذُقْهُ؛ وقالَ الضَيْفُ: وهو عَلَيَّ حَرامٌ إنْ ذُقْتُهُ إنْ لَمْ تَذُوقُوهُ؛ فَلَمّا رَأى ذَلِكَ ابْنُ رَواحَةَ قالَ: قَرِّبِي طَعامَكِ؛ كُلُوا بِسْمِ اللهِ؛ فَأكَلُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ غَدا إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَأخْبَرَهُ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "أحْسَنْتَ"؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وَأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «رَجُلٍ أتى النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي إذا أصَبْتُ مِنَ اللَحْمِ انْتَشَرْتُ وأخَذَتْنِي شَهْوَتِي؛ فَحَرَّمْتُ اللَحْمَ؛ فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والطَيِّباتُ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلْمُسْتَلَذّاتُ؛ بِدَلِيلِ إضافَتِها إلى "ما أحَلَّ"؛ وبِقَرِينَةِ ما ذُكِرَ مِن سَبَبِ الآيَةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَلا تَعْتَدُوا"؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وغَيْرُهُما: وهو نَهْيٌ عن هَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ مِن تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللهُ ؛ وشَرْعِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿ "وَلا تَعْتَدُوا"؛ ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ "لا تُحَرِّمُوا"؛ ﴾ وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: اَلْمَعْنى: ولا تَعْتَدُوا فَتُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ؛ فالنَهْيانِ عَلى هَذا تَضَمَّنا الطَرَفَيْنِ؛ كَأنَّهُ قالَ: لا تُشَدِّدُوا فَتُحَرِّمُوا حَلالًا؛ ولا تَتَرَخَّصُوا فَتُحِلُّوا حَرامًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى: ﴿ "لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ"؛ ﴾ غَيْرَ مَرَّةٍ.
<div class="verse-tafsir"
فذلكة لما تقدّم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين؛ فإنّ الله شنّع من أحوال اليهود ما يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال: ﴿ وليزيدَنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغياناً وكفراً ﴾ [المائدة: 64]، فكرّرها مرّتين وقال: ﴿ ترى كثيراً منهم يتولّون الذين كفروا ﴾ [المائدة: 80] وقال: ﴿ وإذا جاؤوكم قالوا آمنّا وقد دخلوا بالكفر ﴾ [المائدة: 61] فعلم تلوّنهم في مضارّة المسلمين وأذاهُم.
وذَكر من أحوال النصارى ما شنّع به عقيدتهم ولكنّه لم يحك عنهم ما فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتّخاذ الفريقين أولياء في قوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء ﴾ [المائدة: 51] الآية.
فجاء قوله: ﴿ لتجدنّ أشدّ الناس عداوة ﴾ الآية فذلكة لحاصل ما تكنّه ضمائر الفريقين نحو المسلمين، ولذلك فُصلت ولم تعطف.
واللام في ﴿ لتَجدنّ ﴾ لام القسم يقصد منها التأكيد، وزادته نون التوكيد تأكيداً.
والوجدان هنا وِجدانٌ قلبي، وهو من أفعال العِلم، ولذلك يُعدّى إلى مفعولين، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ ولتجدنّهم أحرصَ الناس على حياة ﴾ في سورة البقرة (96).
وانتصب عداوة } على تمييز نسبة ﴿ أشدّ ﴾ إلى النّاس، ومثله انتصاب ﴿ مودّة ﴾ .
وذكر المشركين مع اليهود لمناسبة اجتماع الفريقين على عداوة المسلمين، فقد ألّف بين اليهود والمشركين بُغض الإسلام؛ فاليهود للحسد على مجيء النبوءة من غيرهم، والمشركون للحسد على أن سبقهم المسلمون بالاهتداء إلى الدين الحقّ ونبذ الباطل.
وقوله: ﴿ ولتجدنّ أقربهم مودّة ﴾ أي أقرب النّاس مودّة للذين آمنوا، أي أقرب الناس من أهل الملل المخالفة للإسلام.
وهذان طرفان في معاملة المسلمين.
وبين الطرفين فِرق متفاوتة في بغض المسلمين، مثل المجوس والصابئة وعبدة الأوثان والمعطّلة.
والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة، لقوله: ﴿ أقربهم مودّة للذين آمنوا ﴾ .
فأمّا من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين.
وقد تقدّم الكلام على نظير قوله: ﴿ الذين قالوا إنّا نصارى ﴾ في قوله تعالى: ﴿ ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم ﴾ [المائدة: 14]، المقصودِ منه إقامة الحجّة عليهم بأنّهم التزموا أن يكونوا أنصاراً لله ﴿ قالوا الحواريّون نحن أنصار اللّهِ ﴾ [الصف: 14]، كما تقدّم في تفسير نظيره.
فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودّة المسلمين فيتّبعوا دين الإسلام.
وقوله: ﴿ ذلك ﴾ الإشارة إلى الكلام المتقدّم، وهو أنّهم أقرب مودة للذين آمنوا.
والباء في قوله: ﴿ بأنّ منهم قسّيسين ﴾ باء السببية، وهي تفيد معنى لام التعليل.
والضمير في قوله ﴿ منهم ﴾ راجع إلى النصارى.
والقِسّيسون جمع سلامة لقِسّيس بوزن سِجّين.
ويقال قَسّ بفتح القاف وتشديد السين وهو عالم دين النصرانية.
وقال قطرب: هي بلغة الروم.
وهذا ممّا وقع فيه الوفاق بين اللغتين.
والرهبان هنا جمع راهب، مثل رُكْبان جمع راكب، وفُرسان جمع فارس، وهو غير مقيس في وصففٍ على فاعل.
والراهب من النصارى المنقطع في دير أو صومعة للعبادة.
وقال الراغب: الرهبان يكون واحداً وجمعاً، فمَن جعله واحداً جمعَه على رهابين ورَهابنة.
وهذا مروي عن الفرّاء.
ولم يحك الزمخشري في الأساس أنّ رهبان يكون مفرداً.
وإطلاقه على الواحد في بيت أنشده ابن الأعرابي: لو أبصَرَتْ رهبانَ دَير بالجَبل *** لانحدر الرّهْبان يَسْعى ويزِل وإنّما كان وجود القسّيسين والرهبان بينهم سبباً في اقتراب مودّتهم من المؤمنين لما هو معروف بين العرب من حُسن أخلاق القسّيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم.
وكانوا منتشرين في جهات كثيرة من بلاد العرب يعمّرون الأديرة والصَوامع والبِيع، وأكثرهم من عرب الشام الذين بلغَتْهم دعوة النصرانية على طريق الروم، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام شعرائهم.
قال النابغة: لو أنَّها برزت لأشمَط راهِب *** عبدَ الإله صَرورة مُتَعَبِّد لرَنَا لطلعتها وحسن حديثها *** ولخَالَه رَشداً وإن لَم يَرْشَد فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم ممّا يكون سبباً في صلاح أخلاق أهل ملّتهم.
والاستكبار: السين والتاء فيه للمبالغة.
وهو يطلق على التكبّر والتعاظم، ويطلق على المكابرة وكراهية الحقّ، وهما متلازمان.
فالمراد من قوله: ﴿ لا يستكبرون ﴾ أنَّهم متواضعون منصفون.
وضمير ﴿ وأنّهم لا يستكبرون ﴾ يجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ بأنّ منهم ﴾ ، أي وأنّ الذين قالوا إنّا نصارى لا يستكبرون، فيكون قد أثبت التواضع لجميع أهل ملّة النصرانية في ذلك العصر.
وقد كان نصارى العرب متحلِّينَ بمكارم من الأخلاق.
قال النابغة يمدح آل النعمان الغساني وكانوا متنصّرين: مَجَلَّتُهم ذاتُ الإلهِ ودينُهم *** قويم فما يرجُون غيرَ العواقب ولا يحسبون الخيرَ لا شرّ بعده *** ولا يحسبون الشرّ ضربة لاَزب وظاهر قوله ﴿ الّذين قالوا إنّا نصارى ﴾ أنّ هذا الخُلُق وصف للنصارى كلّهم من حيث إنّهم نصارى فيتعيّن أن يحمل الموصول على العموم العُرفي، وهم نصارى العرب، فإنّ اتّباعهم النصرانية على ضعفهم فيها ضَمّ إلى مكارم أخلاقهم العربية مكارمَ أخلاق دينية، كما كان عليه زهير ولبيد ووَرقة بنُ نوفل وأضرابهم.
وضمير ﴿ وأنّهم لا يستكبرون ﴾ عائد إلى ﴿ قسّيسين ورهباناً ﴾ لأنّه أقرب في الذكر، وهذا تشعر به إعادة قوله ﴿ وأنّهم ﴾ ، ليكون إيماء إلى تغيير الأسلوب في معاد الضمير، وتَكون ضمائر الجمع من قوله ﴿ وإذا سَمعوا إلى قوله فأثابهم الله ﴾ [المائدة: 83 85] تابعة لضمير ﴿ وأنّهم لا يستكبرون ﴾ .
وقرينة صرف الضمائر المتشابهة إلى مَعَادَين هي سياق الكلام.
ومثله وارد في الضمائر كقوله تعالى: ﴿ وعَمَرُوها أكْثَرَ ممَّا عَمَرُوها ﴾ [الروم: 9].
فضمير الرفع في عُدْنَا ولولاَ نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم *** بالمسلمين وأحرزُوا مَا جَمَّعوا يريد بضمير (أحرزوا) جماعة المشركين، وبضمير (جمَّعوا) جماعة المسلمين.
ويعضّد هذا ما ذكره الطبري والواحدي وكثير من المفسّرين عن ابن عبّاس ومجاهد وغيرهما: أنّ المعنيّ في هذه الآية ثمانية من نصارى الشام كانوا في بلاد الحبشة وأتوا المدينة مع اثنين وستّين راهِباً من الحبشة مصاحبين للمسلمين الذين رجعوا من هجرتهم بالحبشة وسمعوا القرآن وأسلموا.
وهم: بَحِيرا الراهب، وإدريس، وأشرف، وأبرهة، وثمامة، وقثم، ودريد، وأيمن، أي مِمَّن يحسنون العربية ليتمكّنوا من فهم القرآن عند سماعه.
وهذا الوفد ورد إلى المدينة مع الذين عادوا من مهاجرة الحبشة، سنة سبع فكانت الإشارة إليهم في هذه الآية تذكيراً بفضلهم.
وهي من آخر ما نزل ولم يعرف قوم معيّنون من النصارى أسلموا في زمن الرسول.
ولَعلّ اللّهَ أعلَم رسوله بفريق من النصارى آمنوا بمحمد في قلوبهم ولم يتمكّنوا من لقائه ولا من إظهار إيمانهم ولم يبلغهم من الشريعة إلاّ شيء قليل تمسّكوا به ولم يعلموا اشتراط إظهار الإيمان المسمّى بالإسلام، وهؤلاء يشبه حالهم حالَ من لم تبلغه الدعوة، لأنّ بلوغ الدعوة متفاوت المراتب.
ولعلّ هؤلاء كان منهم من هو بأرض الحبشة أو باليمن.
ولا شكّ أنّ النجاشي (أصْحَمة) منهم.
وقد كان بهذه الحالة أخبر عنه بذلك النّبيء.
والمقصود أنّ الأمّة التي فيها أمثال هؤلاء تكون قريبة من مودّة المسلمين.
والرسول هو محمّد كما هو غالب عليه في إطلاقه في القرآن.
وما أنزل إليه هو القرآن.
والخطاب في قوله تَرى أعينهم} للنبيء صلى الله عليه وسلم إن كان قد رأى منهم مَن هذه صفته، أو هو خطاب لكلّ من يصحّ أن يَرى.
فهو خطاب لغير معيّن ليعمّ كلّ من يخاطب.
وقوله: ﴿ تفيض من الدمع ﴾ معناه يفيضُ منها الدمع لأنّ حقيقة الفيض أن يسند إلى المائع المتجاوز حَاوِيه فيسيل خارجاً عنه.
يقال: فاض الماء، إذا تجاوز ظرفه.
وفاض الدمع إذا تجاوز ما يغرورق بالعين.
وقد يسند الفَيْض إلى الظرف على طريقة المجاز العقلي، فيقال: فاض الوادي، أي فاض ماؤُه، كما يقال: جَرَى الوادي، أي جرى ماؤه.
وفي الحديث: «ورَجُل ذكر الله خَالياً فَفَاضَتْ عيناه» وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسنادِ المجازي فيقولون: فاضت عينه دمعاً، بتحويل الإسناد المسمّى تمييزَ النسبة، أي قرينة النسبة المجازية.
فأمّا ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع أن يكون (مِنْ) الداخلة على الدمع هي البَيانية التي يجرّ بها اسم التمييز، لأنّ ذلك عندهم ممتنع في تمييز النسبة، فتكون الآية منسوجة على منوال القلب للمبالغة، قُلِب قولُ الناس المتعارف: فاضَ الدمع من عيننِ فلان، فقيل: ﴿ أعينَهم تفيض من الدمع ﴾ ، فحرف (مِن) حرف ابتداء.
وإذا أجري على قول نحاة الكوفة كانت (مِن) بيانية جارّة لاسم التمييز.
وتعريف الدمع تعريف الجنس، مثل: طبتَ النَّفْسَ.
و (مِنْ) في قوله ﴿ مِمَّا عرفوا ﴾ تعليلية، أي سببُ فيضها ما عرفوا عند سماع القرآن من أنّه الحقّ الموعود به.
ف ﴿ مِن ﴾ قائمة مقام المفعول لأجله كما في قوله: ﴿ تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنا ﴾ [التوبة: 92]، أي ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بَشّر به، وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين.
و(مِن) في قوله ﴿ من الحقّ ﴾ بيانية.
أي ممّا عرفوا، وهو الحقّ الخاصّ.
أو تبعيضية، أي ممّا عرفوه وهو النبي الموعود به الذي خبره من جملة الحقّ الذي جاء به عيسى والنبيئون من قبله.
وجملة ﴿ يقولون ﴾ حال، أي تفيض أعينهم في حال قولهم هذا.
وهذا القول يجوز أن يكون علناً، ويجوز أن يكون في خويّصتهم.
والمراد بالشاهدين الذين شهدوا بعثة الرسل وصدّقوهم.
وهذه فضيلة عظيمة لم تحصُل إلاّ في أزمان ابتداء دعوة الرسل ولا تحصل بعد هذه المرّة.
وتلك الفضيلة أنّها المبادرة بتصديق الرسُل عند بعثتهم حين يكذبِهم الناس بادئ الأمر.
كما قال ورقة: يا ليتني أكون جَذعاً إذْ يُخرجك قومك.
أي تكذيباً منهم.
أو أرادوا فاكتبنا مع الشاهدين الذين أنبأهم عيسى عليه السلام ببعثة الرسول الذي يجيء بعده، فيكونوا شهادة على مجيئه وشهادة بصدق عيسى.
ففي إنجيل متّى عدد24 من قول عيسى «ويقومُ أنبياء كذَبَة كثيرون ويُضِلّون كثيرين ولكن الذي يصبِر إلى المنتهى فهذا يخلص ويفوز ببشارة الملكوت هذه شهادةً لجميع الأمم».
وفي إنجيل يُوحَنَّا عدد15 من قول عيسى «ومتى جاء المُعَزّى روحُ الحقّ الذي من عند الأببِ ينبثقُ فهو يشهدُ لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معي من الابتداء».
وإنّ لِكلمة ﴿ الحقّ ﴾ وكلمة ﴿ الشاهِدين ﴾ في هذه الآية موقعاً لا تغني فيه غيرهما لأنّهما تشيران إلى ما في بشارة عيسى عليه السلام.
وقوله: ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحقّ ﴾ ، هو من قولهم، فيحتمل أنّهم يقولونه في أنفسهم عندما يخامرهم التردّد في أمر النزوع عن دينهم القديم إلى الدخول في الإسلام.
وذلك التردّد يعرض للمعتقد عند الهمّ بالرجوع في اعتقاده وهو المسمّى بالنظر؛ ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعارضهم من أهل ملّتهم أو من إخوانهم ويشكّكهم فيما عزموا عليه، ويحتمل أنّهم يقولونه لمن يعيّرهم من اليهود أو غيرهم بأنّهم لم يتصلّبوا في دينهم.
فقد قيل: إنّ اليهود عَيّروا النفر الذين أسلموا، إذا صحّ خبر إسلامهم.
وتقدّم القول في تركيب «ما لنا لا نفعل» عند قوله تعالى: ﴿ ومالكم لا تُقاتلون في سبيل الله ﴾ في سورة النساء (75).
وجملة ونطمَع } يجوز أن تكون معطوفة على جملة ﴿ ما لنا لا نؤمن ﴾ .
ويحتمل أن تكون الواو للحال، أي كيف نترك الإيمان بالحقّ وقد كنّا من قبل طامعين أن يجعلنا ربّنا مع القوم الصالحين مثل الحواريّين، فكيف نُفلت ما عَنّ لنا من وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة.
ولا يصحّ جعلها معطوفة على جملة ﴿ نؤمن ﴾ لئلا تكون معمولة للنفي، إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع، لأنّ الطمع في الخير لا يتردّد فيه ولا يلام عليه حتّى يَحتاج صاحبه إلى الاحتجاج لنفسه بِ (ما لنا لا نفعل).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، تَمالَأ الفَرِيقانِ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ .
﴿ وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى ﴾ لَيْسَ هَذا عَلى العُمُومِ، وإنَّما هو خاصٌّ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَنى بِذَلِكَ النَّجاشِيَّ وأصْحابَهُ لَمّا أسْلَمُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهم قَوْمٌ مِنَ النَّصارى كانُوا عَلى الحَقِّ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ آمَنُوا بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا ﴾ واحِدُ القِسِّيسِينَ قَسٌّ، مِن قَسَّ وهُمُ العُبّادُ.
وَواحِدُ الرُّهْبانِ راهِبٌ، وهُمُ الزُّهّادُ.
﴿ وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ إذا لَزِمَ، ولِلْحُجَّةِ إذا قامَتْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: يَعْنِي الَّذِينَ يَشْهَدُونَ بِالإيمانِ، قالَهُ الحَسَنُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله،» وفي لفظ: «إلا حدَّث نفسه بقتله» .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ﴾ قال: هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين، فذلك لهم.
وأخرج النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والواحدي من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعروة بن الزبير قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري، وكتب معه كتاباً إلى النجاشي، فقدم على النجاشي، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه، وأرسل النجاشي إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم، ثم أمر جعفر بن أبي طالب أن يقرأ عليهم القرآن، فقرأ عليهم سورة مريم، فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع، وهم الذين أنزل فيهم ﴿ ولتجدن أقربهم مودة ﴾ إلى قوله: ﴿ مع الشاهدين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ قال: هم رسل النجاشي الذين أرسل بإسلامه وإسلام قومه، كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخيِّر الخيِّر، فالخير في الفقه والسن، وفي لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلاً، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه، فقرأ عليهم سورة يس، فبكوا حين سمعوا القرآن، وعرفوا أنه الحق، فأنزل الله فيهم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً..
﴾ الآية.
ونزلت هذه الآية فيهم أيضاً ﴿ الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ﴾ [ القصص: 52] إلى قوله: ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ﴾ [ القصص: 54] .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن عروة قال: كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في النجاشي ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﴾ قال: إنهم كانوا برايين يعني ملاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا رجعتم إلى أرضكم انقلبتم عن دينكم، فقالوا لن ننقلب عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش، وخمسون من الأشعريين، منهم أربعة من عك، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، فأتوا النجاشي فقالوا: إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم، فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم، فقالوا: بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بالصلة، وينهانا عن القطيعة، ويأمرنا بالوفاء، وينهانا عن النكث، وإن قومنا بغوا علينا، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به، فلم نجد أحد نلجأ اليه غيرك فقال: معروفاً.
فقال عمرو وصاحبه: إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول.
قال: وما تقولون في عيسى؟
قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه، ولدته عذراء بتول.
قال: ما أخطأتم، ثم قال لعمرو وصاحبه: لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قال قائل: لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم، فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فاضت أعينهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: «بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إثنا عشر رجلاً، سبعة قسيسين وخمسة رهباناً، ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله بكوا وآمنوا، وأنزل الله فيهم ﴿ وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ﴾ الآية» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب، وابن مسعود، وعثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشي ملك الحبشة، فلما بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، وذكروا أنهم سبقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، فقالوا: إنه قد خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها، زعم أنه نبي وأنه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك ونخبرك خبرهم.
قال: إن جاؤوني نظرت فيما يقولون، فلما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا إلى باب النجاشي فقالوا: استأذن لأولياء الله؟
فقال: ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله، فلما دخلوا عليه سلموا فقال الرهط من المشركين: ألم تر أيها الملك انا صدقناك وانهم لم يحيوك بتحيتك التي تحيى بها؟.
..
فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيوني بتحيتي؟
قالوا: إنا حييناك بتحية أهل الجنة وتحية الملائكة.
فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟
قالوا: يقول عبدالله ورسوله، وكلمة من الله، وروح منه ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء الطيبة البتول.
قال: فأخذ عوداً من الأرض فقال: ما زاد عيسى وأمه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله وتغير لون وجوههم، فقال: هل تقرأون شيئاً مما أنزل عليكم؟
قالوا: نعم.
قال: فاقرأوا وحوله القسيسون والرهبان وسائر النصارى، فجعلت طائفة من القسيسسن والرهبان كلما قرأوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.
قال الله: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسيين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق ﴾ .
وأخرج الطبراني عن سلمان في إسلامه قال «لما قدم النبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة صنعت طعاماً، فجئت به فقال: ما هذا؟
قلت: صدقة.
فقال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، ثم إني رجعت حتى جمعت طعاماً فأتيته به فقال: ما هذا؟
قلت: هدية.
فأكل وقال لأصحابه: كلوا.
قلت يا رسول الله، أخبرني عن النصارى؟
قال: لا خير فيهم ولا فيمن أحبهم، فقمت وأنا مثقل، فأنزل الله: ﴿ لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود ﴾ حتى بلغ ﴿ تفيض من الدمع ﴾ فأرسل إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا سلمان، إن أصحابك هؤلاء الذين ذكر الله» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ ولتجدن أقربهم مودة...
﴾ الآية.
قال: أناس من أهل الكتاب، كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى يؤمنون به وينتهون إليه، فلما بعث الله محمداً صدقوه وآمنوا به وعرفوا ما جاء به من الحق أنه من الله، فأثنى عليهم بما تسمعون.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن أبي شيبة في مسنده وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والحارث بن أسامة في مسنده والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبزار وابن الأنباري في المصاحف وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان أنه سئل عن قوله: ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ قال: الرهبان الذين في الصوامع، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً ﴾ ولفظ البزار دع القسيسين؛ أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم صديقين ﴾ ولفظ الحكيم الترمذي: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ﴾ فأقرأني ﴿ ذلك بأن منهم صديقين ﴾ .
وأخرج البيهقي في الدلائل عن سلمان قال: كنت يتيماً من رامهرمز، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنياً في نفسه، وكنت غلاماً فقيراً، فكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظه، فإذا تفرقوا خرج، فتقنع بثوبه ثم صعد الجبل، فكان يفعل ذلك غير مرة متنكراً قال: فقلت أما أنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك؟
قال: أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء.
قال: قلت لا تخف.
قال: فإن في هذا الجبل قوماً في برطيل لهم عبادة وصلاح، يذكرون الله عز وجل ويذكرون الآخرة، يزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان، وأنا على غير دين.
قلت: فاذهب بي معك إليهم.
قال: لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم أبي فيقتل القوم فيجري هلاكهم على يدي.
قال: قلت لن يظهر مني ذلك، فاستأمرهم فقال: غلام عندي يتيم فأحب أن يأتيكم ويسمع كلامكم، قالوا: إن كنت تثق به.
قال: أرجو أن لا يجيء منه إلا ما أحب.
قالوا: فجيء به.
فقال لي: قد استأذنت القوم أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أخرج فيها فأتني ولا يعلم بك أحد، فإن أبي إن علم قتلهم.
قال: فلما كانت الساعة التي يخرج تبعته، فصعد الجبل فانتهينا إليهم فإذا هم في برطيلهم.
قال: علي.
وأراه قال: هم ستة أو سبعة.
قال: وكانت الروح قد خرجت منهم من العبادة، يصومون النهار ويقومون الليل، يأكلون الشجر وما وجدوا، فقعدنا إليهم فأثنى ابن الدهقان عليَّ خيراً، فتكلموا فحمدوا الله وأثنوا عليه، وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم، قالوا: بعثه الله وولده بغير ذكر، بعثه الله رسوله، وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموتى، وخلق الطير، وابراء الأعمى والأبرص، فكفر به قوم وتبعه قوم.
وإنما كان عبد الله ورسوله ابتلى به خلقه.
قال: وقالوا قبل ذلك: يا غلام، إن لك رباً، وإن لك معاداً، وإن بين يديك جنة وناراً إليها تصير، وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين، فلما حضرت الساعة التي ينصرف فيها الغلام انصرف وانصرفت معه، ثم غدونا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن، فلزمتهم فقالوا: يا غلام، إنك غلام، وإنك لا تستطيع أن تصنع كما نصنع، فكل واشرب وصل ونم.
قال: فاطلع الملك على صنيع ابنه، فركب الخيل حتى أتاهم في برطيلهم، فقال: ياهؤلاء، قد جاورتموني فأحسنت جواركم ولم تروا مني سوءاً، فعمدتم إلى ابني فافسدتموه عليَّ، قد أجلتكم ثلاثاً، فإن قدرت عليكم بعد ثلاث أحرقت عليكم برطيلكم هذا فالحقوا ببلادكم، فإني أكره أن يكون مني إليكم سوء.
قالوا: نعم، ما تعمدنا اساءتك، ولا أردنا إلا الخير، فكفَّ ابنه عن إتيانهم فقلت له: اتق الله، فإنك تعرف أن هذا الدين دين الله، وإن أباك ونحن على غير دين، إنما هم عبدة النيران لا يعرفون الله، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك.
قال: يا سلمان، هو كما تقول، وإنما أتخلف عن القوم بقيا عليهم ان اتبعت القوم يطلبني أبي في الخيل، وقد جزع من إتياني إياهم حتى طردهم، وقد أعرف أن الحق في أيديهم.
قلت: أنت أعلم، ثم لقيت أخي فعرضت عليه فقال: أنا مشتغل بنفسي وطلب المعيشة، فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه فقالوا: يا سلمان، قد كنا نحذر، فكان ما رأيت، اتق الله واعلم أن الدين ما أوصيناك به، وإن هؤلاء عبدة النيران لا يعرفون الله ولا يذكرونه، فلا يخدعنَّك أحد عن ذلك.
قلت: ما أنا بمفارقكم.
قالوا: إنك لا تقدر على أن تكون معنا، نحن نصوم النهار ونقوم الليل ونأكل الشجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك.
قال: قلت: لا أفارقكم.
قالوا: أنت أعلم قد أعلمناك حالنا فإذا أبيت فاطلب أحداً يكون معك، واحمل معك شيئاً تأكله لا تستطيع ما نستطيع نحن.
قال: ففعلت، فلقيت أخي فعرضت عليه فأبى، فأتيتهم فتحمَّلوا فكانوا يمشون وأمشي معهم، فرزقنا الله السلامة حتى أتينا الموصل، فأتينا بيعه بالموصل، فلما دخلوا حفوا بهم وقالوا: أين كنتم؟
قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون الله، بها عبّاد نيران فطردونا فقدمنا عليكم، فلما كان بعد قالوا: يا سلمان، إن هاهنا قوماً في هذه الجبال هم أهل دين وإنا نريد لقاءهم، فكن أنت هاهنا مع هؤلاء فإنهم أهل دين، وسترى منهم ما تحب، قلت: ما أنا بمفارقكم.
قال: وأوصوا بي أهل البيعة فقال أهل دين البيعة: أقم معنا فإنه لا يعجزك شيء يسعنا.
قلت: ما أنا بمفارقكم.
فخرجوا وأنا معهم، فأصبحنا بين جبال، فإذا صخرة وماء كثير في جرار وخبز كثير، فقعدنا عند الصخرة، فلما طلعت الشمس خرجوا من بين تلك الجبال، يخرج رجل رجل من مكانه كأن الأرواح انتزعت منهم حتى كثروا، فرحبوا بهم وحفوا وقالوا: أين كنتم لم نركم؟
قالوا: كنا في بلاد لا يذكرون اسم الله فيها عبدة النيران، وكنا نعبد الله فيها فطردونا، فقالوا: ما هذا الغلام؟
قال: فطفقوا يثنون عليَّ، وقالوا: صحبنا من تلك البلاد فلم نرَ منه إلا خيراً.
قال: فوالله إنهم لكذا إذ طلع عليهم رجل من كهف رجل طويل، فجاء حتى سلم وجلس، فحف به أصحابي الذين كنت معهم وعظموه، وأحدقوا به فقال لهم: أين كنتم؟
فأخبروه فقال: وما هذا الغلام معكم؟
فأثنوا عليَّ خيراً، وأخبروه باتباعي إياهم، ولم أرَ مثل إعظامهم إياه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر من أرسل من رسله وأنبيائه، وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر مولد عيسى بن مريم، وأنه ولد بغير ذكر، فبعثه الله رسولاً، وأجرى على يديه إحياء الموتى وإبراء الأعمى والأبرص، وأنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأنزل عليه الإنجيل وعلمه التوراة، وبعثه رسولاً إلى بني إسرائيل، فكفر به قوم وآمن به قوم، وذكر بعض ما لقي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبداً أنعم الله عليه، فشكر ذلك له ورضي عنه حتى قبضه الله، وهو يعظمهم ويقول: اتقوا الله والزموا ما جاء عيسى به، ولا تخالفوا فيخالف بكم، ثم قال: من أراد أن يأخذ من هذا شيئاً فليأخذ.
فجعل الرجل يقوم فيأخذ الجرة من الماء والطعام والشيء، وقام إليه أصحابي الذين جئت معهم فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم: الزموا هذا الدين وإياكم أن تفرقوا واستوصوا بهذا الغلام خيراً، وقال لي: يا غلام، هذا دين الله الذي ليس له دين فوقه وما سواه هو الكفر.
قال: قلت: ما أفارقك.
قال: إنك لن تستطيع أن تكون معي، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد، لا تقدر على الكينونة معي.
قال: وأقبل على أصحابه فقالوا: يا غلام، إنك لا تستطيع أن تكون معه.
قلت: ما أنا بمفارقك.
قال: يا غلام، فإني أعلمك الآن، إني أدخل هذا الكهف ولا أخرج منه إلى الأحد الآخر، وأنت أعلم.
قلت: ما أنا بمفارقك.
قال له أصحابه: يا فلان، هذا غلام ونخاف عليه.
قال: قال لي: أنت أعلم.
قلت: إني لا أفارقك.
فبكى أصحابي الأوّلون الذين كنت معهم عند فراقهم إياي.
فقال: خذ من هذا الطعام ما ترى أنه يكفيك إلى الأحد الآخر، وخذ من هذا الماء ما تكتفي به ففعلت، وتفرقوا وذهب كل إنسان إلى مكانه الذي يكون فيه، وتبعته حتى دخل الكهف في الجبل فقال: ضع ما معك وكل واشرب، وقام يصلي، فقمت معه أصلي قال: وانفتل إلي فقال: إنك لا تستطيع هذا، ولكن صل ونم، وكل واشرب، ففعلت فما رأيته لا نائماً ولا طاعماً إلا راكعاً وساجداً إلى الأحد الآخر.
فلما أصبحنا قال: خذ جرتك هذه وانطلق، فخرجت معه أتبعه حتى انتهينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال، واجتمعوا إلى الصخرة ينتظرون خروجه، فقعدوا وجاد في حديثه نحو المرة الأولى.
فقال: الزموا هذا الدين ولا تفرقوا، واتقوا الله واعلموا أن عيسى ابن مريم كان عبد الله أنعم الله عليه، ثم ذكروني فقالوا: يا فلان، كيف وجدت هذا الغلام؟
فأثنى علي وقال: خيراً.
فحمدوا الله، فإذا خبز كثير وماء، فأخذوا وجعل الرجل يأخذ بقدر ما يكتفي به ففعلت، وتفرقوا في تلك الجبال ورجع إلى كهفه ورجعت معه.
فلبث ما شاء الله، يخرج في كل يوم أحد ويخرجون معه، ويوصيهم بما كان يوصيهم به، فخرج في أحد، فلما اجتمعوا حمد الله ووعظهم وقال مثل ما كان يقول لهم، ثم قال لهم آخر ذلك: يا هؤلاء، إني قد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وأنه لا عهد لي بهذا البيت منذ كذا وكذا، ولا بد لي من إتيانه، فاستوصوا بهذا الغلام خيراً، وإني رأيته لا بأس به، قال: فجزع القوم فما رأيت مثل جزعهم، وقالوا: يا أبا فلان، أنت كبير وأنت وحدك، ولا نأمن أن يصيبك الشيء ولسنا أحوج ما كنا إليك.
قال: لا تراجعوني لا بد لي من إتيانه ولكن استوصوا بهذا الغلام خيراً وافعلوا وافعلوا.
قال: قلت: ما أنا بمفارقك.
قال: يا سلمان، قد رأيت حالي وما كنت عليه وليس هذا لك، إنما أمشي أصوم النهار وأقوم الليل، ولا أستطيع أن أحمل معي زاداً ولا غيره ولا تقدر على هذا.
قال: قلت: ما أنا بمفارقك.
قال: أنت أعلم قالوا: يا أبا فلان، إنا نخاف عليك وعلى هذا الغلام.
قال: هو أعلم قد أعلمته الحالة، وقد رأى ما كان قبل هذا.
قلت: لا أفارقك.
فبكوا وودعوه وقال لهم: اتقوا الله وكونوا على ما أوصيتكم به، فإن أعش فلعلي أرجع إليكم، وإن أمت فإن الله حي لا يموت، فسلم عليهم وخرج وخرجت معه، وقال لي: احمل معك من هذا الخبز شيئاً تأكله.
فخرج وخرجت معه يمشي واتبعه، يذكر الله، ولا يلتفت ولا يقف على شيء حتى إذ أمسى قال: يا سلمان صل أنت ونم، وكل واشرب، ثم قام هو يصلي إلى أن انتهى إلى بيت المقدس، وكان لا يرفع طرفه إلى السماء حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وإذا على الباب مقعد قال: يا عبد الله، قد ترى حالي فتصدق عليَّ بشيء، فلم يلتفت إليه ودخل المسجد ودخلت معه، فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يصلي فيها، ثم قال: يا سلمان، إني لم أنم منذ كذا وكذا ولم أجد طعم نوم، فإن أنت جعلت لي أن توقظني إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا نمت، فاني أحب أن أنام في هذا المسجد وإلا لم أنم.
قال: قلت: فإني أفعل.
قال: فانظر إذا بلغ الظل مكان كذا وكذا فأيقظني إذا غلبتني عيني، فنام فقلت في نفسي: هذا لم ينم منذ كذا وكذا وقد رأيت بعض ذلك، لأدعنه ينام حتى يشتفي من النوم.
وكان فيما يمشي وأنا معه يقبل عليَّ فيعظني، ويخبرني أن لي رباً وأن بين يديه جنة وناراً وحساباً، ويعلمني بذلك ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد حتى قال فيما يقول لي: يا سلمان، الله تعالى سوف يبعث رسولاً اسمه أحمد يخرج بتهامة- وكان رجلاً أعجمياً لا يحسن أن يقول تهامة ولا محمد- علامته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني أدركه، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه.
قلت: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه؟
قال: وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به، ورضا الرحمن فيما قال.
فلم يمض إلا يسير حتى استيقظ فزعاً يذكر الله تعالى فقال: يا سلمان، مضى الفيء من هذا المكان ولم أذكر الله، أين ما جعلت لي على نفسك؟
قال: قلت: أخبرتني أنك لم تنم منذ كذا وكذا، وقد رأيت بعض ذلك فأحببت أن تشتفي من النوم فحمد الله، فقام وخرج فتبعته فقال المقعد: يا عبد الله، دخلت فسألتك فلم تعطني، وخرجت فسألتك فلم تعطني، فقام ينظر هل يرى أحداً فلم يره، فدنا منه فقال: ناولني يدك، فناوله فقال: قم بسم الله، فقام كأنه نشط من عقال صحيحاً لا عيب فيه، فخلى عن يده، فانطلق ذاهباً فكان لا يلوي على أحد ولا يقوم عليه، فقال لي المقعد: يا غلام، أحمل على ثيابي حتى أنطلق وأبشر أهلي، فحملت عليه ثيابه وانطلق لا يلوي عليَّ.
فخرجت في أثره أطلبه، وكلما سألت عنه قالوا: أمامك.
حتى لقيني الركب من كلب فسألتهم، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني، فجعلني خلفه حتى بلغوا بي بلادهم قال: فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُخبرت به، فأخذت شيئاً من تمر حائطي فجعلته على شيء، ثم أتيته فوجدت عنده أناساً، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟
قلت صدقة.
فقال للقوم: كلوا ولم يأكل هو، ثم لبثت ما شاء الله، ثم أخذت مثل ذلك فجعلته على شيء، ثم أتيته به فوجدت عنده أناساً، وإذا أبو بكر أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟
قلت: هدية.
قال: بسم الله، فأكل وأكل القوم، قال: قلت: في نفسي هذه من آياته، كان صاحبي رجلاً أعجمياً لم يحسن أن يقول تهامة قال تهمة، وقال أحمد فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الايسر، فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
قال: من أنت؟
قلت: مملوك، فحدثته بحديثي وحديث الرجل الذي كنت معه وما أمرني به، قال: لمن أنت؟
قلت: لامرأة من الأنصار جعلتني في حائط لها.
قال: يا أبا بكر، قال: لبيك...
قال: اشتره.
قال: فاشتراني أبو بكر فاعتقني، فلبثت ما شاء الله أن ألبث، ثم أتيته فسلمت عليه وقعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في دين النصارى؟
قال: لا خير فيهم ولا في دينهم، فدخلني أمر عظيم فقلت في نفسي: هذا الذي كنت معه ورأيت منه ما رأيت، أخذ بيد المقعد فأقامه الله على يديه، لا خير في هؤلاء ولا في دينهم، فانصرفت وفي نفسي ما شاء الله، فأنزل الله بعد على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ إلى آخر الآية.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بسلمان، فأتاني الرسول فدعاني وأنا خائف، فجئت حتى قعدت بين يديه، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ إلى آخر الآية.
فقال: يا سلمان، أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى إنما كانوا مسلمين، فقلت: يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لقد أمرني باتباعك.
فقلت له: وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه، فأتركه؟
قال: نعم، فاتركه فإن الحق وما يحب الله فيما يأمرك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ قسيسين ﴾ قال: علماؤهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: القسيسون.
عبادهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن إسحاق قال: سألت الزهري عن هذه الآية ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ﴾ وقوله: ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ [ الفرقان: 63] قال: ما زلت أسمع علماءنا يقولون: نزلت في النجاشي وأصحابه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي لفظ: قال: يعنون بالشاهدين محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته، أنهم قد شهدوا له أنه قد بلِّغ، وشهدوا للمرسلين أنهم قد بلغوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ﴾ قال: القوم الصالحون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾ ، قال المفسرون: إن هؤلاء الوفد لما رجعوا إلى قومهم لاموهم على ترك دينهم، فأجابوهم بهذا (١) قال أبو إسحاق: موضع (لا نؤمن) نصب على الحال، المعنى أي شيء لنا تاركين للإيمان؟
(٢) (٣) ﴿ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ (٤) (١) "بحر العلوم" 1/ 454، "الوسيط" 2/ 219، البغوي 3/ 88.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 200.
(٣) هذا تفسير ابن زيد أخرجه الطبري 7/ 7، "زاد المسير" 2/ 410.
(٤) "تفسير البغوي" 3/ 88، "الوسيط" 2/ 219،"زاد المسير" 2/ 410.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله ﴾ توقيف لأنفسهم، أو محاجة لغيرهم ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ قال الزمخشري: الواو للحال، وقال ابن عطية: لعطف جملة على جملة لا لعطف فعل على فعل ﴿ لاَ تُحَرِّمُواْ طيبات مَآ أَحَلَّ الله لَكُمْ ﴾ سببها أن قوماً من الصحابة غلب عليهم خوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء، وبعضهم النوم بالليل، وبعضهم أكل اللحم، وهم بعضهم أن يختصوا، أو يسيحوا في الأرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فأقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي لا تفرطوا في التشديد على أنفسكم أكثر مما شرع لكم ﴿ وَكُلُواْ ﴾ أي تمتعوا بالمآكل الحلال، وبالنساء وغير ذلك، وإنما خص الأكل بالذكر، لأنه أعظم حاجات الإنسان.
<div class="verse-tafsir"
ثم وصف شدة شكيمة اليهود ولين عريكة النصارى فقال ﴿ لتجدن ﴾ يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ أشد الناس عداوة ﴾ وقد تعلقت بها اللام في قوله ﴿ للذين آمنوا ﴾ كما تعلقت بالمودة فيما بعد.
وظاهر الآية يدل على أن اليهود في غاية العداوة للمسلمين وكيف لا وقد نبه على تقدم قدمهم في العداوة بتقديمهم على الذين أشركوا وعن النبي "ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله" لكنه روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء والسدي أن المراد به النجاشي وقومه الذين قدموا من الحبشة على رسول لله وآمنوا به ولم يرد جميع النصارى مع ظهور عداوتهم للمسلمين.
وقال آخرون: مذهب اليهود أنه يجب عليهم ايصال الشر الى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، بالقتل أو بغصب الماء أو بوجوه المكايد والحيل، وليس النصارى مذهبهم ذلك بل الايذاء في دينهم حرام وهذا هو وجه التفاوت بالعداوة والمودة، وقد أكد ذلك بوصف العداوة والمودّة بالأشد والأقرب.
وفي الآية من الفائدة أن التمرد والمعصية عادة لهم ففرغ قلبك يا محمد ولا تبال بمكرهم ولا تحزن على كيدهم.
ثم ذكر سبب ذالك التفاوت فقال ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ القس والقسيس اسم لرئيس النصارى في العلم والدين وكأنه من القس وهو تتبع الشيء وطلبه.
قال قطرب: هو العالم بلغة الروم وهذا مما وقع فيه الوفاق بين اللغتين.
وقال عروة بن الزبير: ضيعت النصارى الإنجيل وأدخلت فيه ما ليس منه وبقي واحد من علمائهم على الحق والدين يسمى قسيساً، فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس.
والرهبان جمع راهب كركبان وفرسان في راكب وفارس.
وقيل: إنه واحد وجمعه رهابين كقربان وقرابين ولكن النظام يأباه.
وأصله من الرهبة بمعنى الخوف من الله ، وإنما صارت الرهبانية ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله ﴿ ورهبانية ابتدعوها ﴾ ولقوله "لا رهبانية في الإسلام" وههنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات جميعاً أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا بعضهم القائلين بأن عزيراً ابن الله.
ثم إن النصارى لما يشتد حرصهم على طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم الله بالمدح وذم اليهود حيث قال ﴿ ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ﴾ ﴿ غلت أيديهم ﴾ فتبين صحة قوله "حب الدنيا رأس كل خطيئة" قال ابن عباس: كان رسول الله خاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه الى النجاشي وقال: أنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجاً.
فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم: هل تعرفون شيئاً مما أنزل عليكم؟
قالوا: نعم.
فقرؤا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرؤا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق.
وقال آخرون: قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلاً بعثهم النجاشي وفداً الى الرسول عليهم ثياب الصوف؛ اثنان وستون من الحبشة وثمانية من من أهل الشأم وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما، فقرأ عليهم رسول الله سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا فنزلت والخطاب في ﴿ ترى ﴾ لكل راء.
وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع الامتلاء وأصله تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء، ويحتمل أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأنّ الأعين تفيض بأنفسها.
ومعنى ﴿ مما عرفوا من الحق ﴾ أي مما نزل على محمد وهو الحق فـ"من" الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة الحق، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة؟
﴿ ربنا آمنا ﴾ المراد إنشاء الايمان لا الإخبار عنه ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ مع أمة محمد وقد مر مثله في آل عمران.
﴿ وما لنا ﴾ إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين.
قالوا ذلك في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم.
ومحل ﴿ لا نؤمن ﴾ نصب على الحال نحو: مالك قائماً.
والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير المؤمنين.
وهو العامل أيضاً في ﴿ ونطمع ﴾ لكن مقيداً بالحال الأولى لأنك لو حذفتها وقلت: وما لنا ونطمع لا حلت، ويحتمل أن يكون ﴿ ونطمع ﴾ حالاً من ﴿ لا نؤمن ﴾ كأنهم أنكروا أن لا يوحدوا الله وهم يطمعون في الثواب وأن يكون عطفاً على ﴿ لا نؤمن ﴾ أي ما لنا نجمع بين التثليث وبين الطمع، أو ما لنا لا نجمع بين الإيمان وبين الطمع ﴿ فأثابهم الله بما قالوا ﴾ ظاهره يدل على إنهم إنما استحقوا الثواب بمجرد القول، ولكن فيما سبق من وصفهم بمعرفة الحق ما يدل على خلوص عقيدتهم فلا جرم لما انضاف إليه القول كل الإيمان.
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من قولك: هذا قول فلان أي اعتقاده ومذهبه.
وروى عطاء عن ابن عباس أن المراد بما سألوا من قولهم فاكتبنا مع الشاهدين.
قال أهل السنة: فيه دليل على أن المعرفة مع الإقرار توجب حصول الثواب، وصاحب الكبيرة له المعرفة والإقرار فلا بد أن يؤل حاله إلى هذا الثواب.
والمعتزلة سلموا أن الإقرار مع المعرفة يوجب الثواب ولكن بشرط عدم الإحباط.
التأويل: لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل مع ذرات ذرّيات آدم ﴿ وأرسلنا إليهم رسلاً ﴾ بالأجساد في عالم الشهادة، ومن الواردات الروحانية في عالم الغيب ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ يعني الإلهامات والواردات ﴿ وفريقاً ﴾ يقتلون في عالم الحس ﴿ لقد كفر الذين قالوا ﴾ النصارى أرادوا أن يسلكوا طريق الحق بقدم العقل فتاهوا في أودية الشبهات، وأمة محمد سلكوا الطريق بأقدام جذبات الأولوهية على وفق المتابعة الجبيبية فأسقط عنهم براهين الوصال كلفة الاستدلال، ولهذا كان الشبلي يغسل كتبه بالماء ويقول: نعم الدليل أنت.
ولكن الاشتغال بالدليل بعد الوصول الى المدلول محال فتحقق لهم أن عيسى بعد التزكية والتحلية صار قابلاً للفيض الإلهي فكان يخلق ما يخلق ويفعل ما يفعل بإذن الله، كما أن المرايا المحرقة تحرق بما قبلت من فيض الشمس ﴿ إنه من يشرك بالله ﴾ ظاهراً ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ ومن يشرك به باطناً حرم عليه القربة على لسان داود وعيسى ابن مريم.
هذا سر الخلافة فإن الأنسان الكامل المستحق للخلافة قبوله قبول الحق ورده رد الحق ﴿ لا يتناهون عن منكر ﴾ سمى العصيان منكراً لأنه يوجب النكرة كما سمى الطاعة معروفاً لأنها توجب المعرفة ﴿ ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً ﴾ .
يعني أن تعارف الأرواح يُوجب ائتلاف الأشباح، فالنصارى ببركة علمائهم وعبادهم وصفاء قلوبهم وخضوعهم ثبت لهم القرابة والمودة من أهل الإيمان وعرفوا الحق الذي سمعوه في الازل يوم الميثاق، فآمنوا وذلك جزاء المحسنين الذين يعبدون الله ويشاهدونه بلوائح المعرفة وطوالع المحبة فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ﴾ .
قال بعضهم: لعنوا بكل لسان؛ لعنوا على عهد موسى - - في التوراة، وعلى عهد داود في الزبور، وعلى عهد عيسى في الإنجيل، وعلى عهد [رسولنا] محمد في القرآن؛ وهو قول ابن عباس، .
وقيل: مسخوا بدعائهم بما اعتدوا، فصاروا قردة وخنازير.
قال ابن عباس - -: "القردة والخنازير من نسل الذين مسخوا".
وقال الحسن: "انقطع ذلك النسل".
وأصل اللعن: هو الطرد؛ كأنهم طردوا عن رحمة الله.
ويحتمل تخصيص اللعن على لسان داود؛ لأن داود - - كان به غلظة وخشونة، وهو الذي كان اتخذ الأسلحة وآلات الحرب، وعيسى كان به لين ورفق؛ ليعلم أن اللعن الذي كان منهما كان لتعديهم الحدود - حدود الله - وعصيانهم ربهم، وكانوا مستوجبين لذلك محقين؛ ولذلك استجيب دعاؤهم عليهم باللعن [أعني: دعاء الرسل، عليهم السلام].
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ .
ذكر في بعض القصة عن عبد الله بن مسعود - - قال: قال رسول الله : "لمَّا وَقَعَتْ بَنُوا إِسْرَائِيلَ في المَعَاصِي نَهَاهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ في مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُم وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؛ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" قال: فجلس رسول الله وكان متكئاً فقال: "لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطُرُوهُمْ [عَلَى الحقِّ] أطْراً" قال أبو عبيد: يعني تعطفوهم عطفا، وقال غيره: حتى تكسروهم كسرا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قيل: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ يعني: المنافقين، ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يعني: اليهود يتولون الذين كفروا ويعاندون رسول الله وأصحابه.
وقيل: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ : يعني: من اليهود: ﴿ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ من مشركي العرب وغيرهم، كانوا يظاهرون على رسول الله والمؤمنين، ويعاونون عليهم، وقد كان من الفريقين جميعاً ذلك.
ويحتمل وجهاً آخر: قوله: ﴿ تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ ﴾ من هؤلاء الذين شهد لهم رسول الله يتولون الذين كفروا، يعني: أسلافهم ورؤساءهم؛ كقوله: ﴿ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً...
﴾ الآية [المائدة: 77]، تولى هؤلاء أولئك واتبعوا أهواءهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ : أي: ما قدمت أنفسهم سخط الله عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ ﴾ .
يعني: المنافقين، في أحد التأويلين.
وفي تأويل آخر: اليهود، أي: لو صدق هؤلاء رسول الله وآمنوا به وصدقوا ما أنزل إليه من القرآن - ما اتخذوا أولئك أولياء.
ثم يحتمل قوله - -: ﴿ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في الدين أو في النصر والمعونة والنصرة، ﴿ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ تحتمل الآية وجوهاً: تحتمل: أن يكون ما ذكر من شدة عداوة اليهود للذين آمنوا قوماً مخصوصين منهم., وتحتمل: اليهود الذين كانوا بقرب رسول الله وأصحابه هم أشد عداوة لهم.
وتحتمل: اليهود جملة، فهو - والله أعلم - على ما كان منهم من قتل الأنبياء وتكذيبهم إياهم، ونصب القتال والحرب مع رسول الله والمؤمنين، وما كان منهم من قول الوخش في الله - - ما لم يسبقهم أحد بمثل ذلك ما وصفوا الله - عز وجل - بالبخل والفقر، وهو قوله - -: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ وقالوا: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ ، وغير ذلك من القول؛ وذلك لشدة بغضهم وعداوتهم وقساوة قلوبهم؛ فعلى ذلك كل من دعاهم إلى دين الله ، فهم له أشد عداوة، وأقسى قلباً.
وأمَّا النصارى: فلم يكن منهم واحد مما كان من اليهود: من قتل الأنبياء، ونصب الحروب والقتال معهم، ولم يروا في مذهبهم القتال ولا الحرب، ولا كان منهم من القول الوخش ما كان من اليهود، بل كان فيهم اللين والرفق؛ حتى حملهم ذلك على القول في عيسى ما قالوا، وذلك منهم له تعظيم فوق القدر الذي جعل الله له، حتى رفعوه من قدر العبودية إلى قدر الربوبية؛ لذلك كفروا، وإلا كانوا يؤمنون بالكتب والأنبياء - عليهم السلام - من قبل؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً ﴾ أخبر - عز وجل - أن منهم قسيسين ورهباناً، والرهبان: هم العباد.
وقيل: القسيسون: [هم] الصديقون، ولم يكن من اليهود رهبان ولا قسيسين؛ لذلك كان النصارى أقرب مودة وألين قلباً من اليهود، والله أعلم.
فإن كان ذلك في قوم مخصوصين مشار إليهم، وهو ما ذكر في القصة أن بني قريظة وبني النضير كانوا يعاونون ويظاهرون مشركي العرب على قتال رسول الله ويأمرونهم بذلك، ظاهروا وأعانوا لمن لم يؤمن بنبي ولا كتاب قط على من قد آمن بالأنبياء والكتب جميعاً؛ وذلك لسفههم وشدة تعنتهم؛ حتى قاتلهم رسول الله وأجلاهم من بلادهم إلى أرض الشام.
وإن كان ذلك عن قوم بقرب رسول الله والمؤمنين، وهو ما كان من يهود المدينة؛ حيث بايعوا أهل مكة على قتال رسول الله وكانوا عيوناً لهم عليهم وطلائع، ولم يذكر في قصة من القصص أنه كان من النصارى شيء من ذلك، كان أقرب مودة للمؤمنين، والله أعلم.
وما قال بعضه أهل التأويل بأن من أسلم منهم كان أقرب مودة للمؤمنين من اليهود فحاصل هذا الكلام أن المؤمن أقرب مودة للمؤمنين من الكافر، وذلك كلام لا يفيد معنى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ .
سرورا على أنفسهم مما ظفروا مما كانوا يسمعون من نعته وصفته ويطمعون خروجه، وقد يعمل السرور هذا العمل إذا اشتد به وفرح القلب فاضت عيناه سروراً.
ويحتمل قوله - -: ﴿ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ ﴾ ؛ حزناً على قومهم؛ حيث لم يؤمنوا بعد أن بلغهم ما بلغ هؤلاء من أعلام النبوة وآثار الرسالة؛ إشفاقاً عليهم أن كيف لم يؤمنوا؛ كقوله - -: ﴿ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ﴾ : قد فاضت أعينهم حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا ﴾ بما أنزلت واتبعنا الرسول ﴿ فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ ﴾ \[الآية\]: قيل: مع الأنبياء والرسل.
وقيل: مع أصحاب محمد ، وهو واحد.
ثم ذكر في القصة: أنها نزلت في النجاشي وأصحابه.
وقيل: نزلت في أربعين رجلا من مسلمي أهل الإنجيل: بعضهم قدموا من أرض الحبشة، وبعضهم قدموا من أرض الشام، فسمعوا القرآن من النبي فقالوا: ما أشبه هذا [بالذي] نُحَدَّثُ من حديث عيسى!!
فبكوا وصدقوا؛ فنزلت الآية فيهم، فلا ندري كيف كانت القصة؟
وفيمن نزلت؟
إذ ليس في الآية بيانه، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة سوى ما فيه من شدة رغبتهم في القرآن، وسرورهم على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ ﴾ .
[الحق] يحتمل: الرسول ، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: كليهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
قال الحسن: قوله - -: ﴿ وَنَطْمَعُ ﴾ : أي: نعلم أن يدخلنا ربنا الجنة إذا آمنا بالله وما جاءنا من الحق.
قيل: نطمع: هو الطمع والرجاء، أي: نطمع ونرجو أن يدخلنا ربنا في دين قوم صالحين.
و ﴿ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : يحتمل: ما ذكرنا من الأنبياء والرسل.
ويحتمل: أصحاب محمد .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ ﴾ : الثناء الحسن في الدنيا؛ حيث ذكرهم في القرآن؛ فيذكرون إلى يوم القيامة، ويثني عليهم، وفي الآخرة: الجنة ونعيمها.
﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
المحسن: كأنه هو الذي يتقي المعاصي، ويأتي بالخيرات والحسنات جميعاً، يعمل عملين جميعاً.
والتقي: هو الذي يتقي المعاصي والمكاره خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُوْلَـۤئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴾ : قال بعضهم: "الجحيم": هو اسم معظم النار.
وقال غيرهم: هو اسم درك من دركات النار؛ وكذلك "السعير".
<div class="verse-tafsir"
وأي سبب يحول بيننا وبين الإيمان بالله وما أنزله من الحق الذي جاء به محمد ؟!
ونحن نرجو دخول الجنة مع الأنبياء وأتباعهم المطيعين لله الخائفين من عذابه.
<div class="verse-tafsir" id="91.lj9DB"