الآية ٩١ من سورة المائدة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٩١ من سورة المائدة

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 209 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩١ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩١ من سورة المائدة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ) وهذا تهديد وترهيب .

ذكر الأحاديث الواردة في [ بيان ] تحريم الخمر : قال الإمام أحمد : حدثنا سريج ، حدثنا أبو معشر ، عن أبي وهب مولى أبي هريرة ، عن أبي هريرة قال : حرمت الخمر ثلاث مرات ، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما ، فأنزل الله : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ) إلى آخر الآية [ البقرة : 219 ] .

فقال الناس : ما حرم علينا ، إنما قال : ( فيهما إثم كبير ) وكانوا يشربون الخمر ، حتى كان يوما من الأيام صلى رجل من المهاجرين ، أم أصحابه في المغرب ، خلط في قراءته ، فأنزل الله [ عز وجل ] آية أغلظ منها : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) [ النساء : 43 ] وكان الناس يشربون ، حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق .

ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) قالوا : انتهينا ربنا .

وقال الناس : يا رسول الله ، ناس قتلوا في سبيل الله ، [ وناس ] ماتوا على سرفهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر ، وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان؟

فأنزل الله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) إلى آخر الآية ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم " .

انفرد به أحمد .

وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة عن عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] أنه قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .

فنزلت هذه الآية التي في البقرة : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .

فنزلت الآية التي في سورة النساء : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى : ألا يقربن الصلاة سكران .

فدعي عمر فقرئت عليه ، فقال : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا .

فنزلت الآية التي في المائدة ، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ : ( فهل أنتم منتهون ) قال عمر : انتهينا .

وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وعن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني - عن عمر ، به .

وليس له عنه سواه ، قال أبو زرعة : ولم يسمع منه .

وصحح هذا الحديث علي بن المديني والترمذي .

وقد ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيها الناس ، إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ، والخمر ما خامر العقل .

وقال البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، حدثني نافع عن ابن عمر قال : نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب .

حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا محمد بن أبي حميد ، عن المصري - يعني أبا طعمة قارئ مصر - قال : سمعت ابن عمر يقول : نزلت في الخمر ثلاث آيات ، فأول شيء نزل : ( يسألونك عن الخمر والميسر ) الآية [ البقرة : 219 ] فقيل : حرمت الخمر .

فقالوا : يا رسول الله ، ننتفع بها كما قال الله تعالى .

قال : فسكت عنهم ثم نزلت هذه الآية : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) [ النساء : 43 ] .

فقيل : حرمت الخمر ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا لا نشربها قرب الصلاة ، فسكت عنهم ثم نزلت : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حرمت الخمر " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : ، حدثنا يعلى ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن القعقاع بن حكيم ; أن عبد الرحمن بن وعلة قال : سألت ابن عباس عن بيع الخمر ، فقال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صديق من ثقيف - أو : من دوس - فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا فلان ، أما علمت أن الله حرمها؟

" فأقبل الرجل على غلامه فقال : اذهب فبعها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا فلان ، بماذا أمرته؟

" فقال : أمرته أن يبيعها .

قال : " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " .

فأمر بها فأفرغت في البطحاء .

رواه مسلم من طريق ابن وهب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم .

ومن طريق ابن وهب أيضا ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد كلاهما - عن عبد الرحمن بن وعلة ، عن ابن عباس ، به .

ورواه النسائي ، عن قتيبة ، عن مالك ، به .

حديث آخر : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن شهر بن حوشب عن تميم الداري أنه كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية من خمر ، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك وقال : " إنها قد حرمت بعدك " .

قال : يا رسول الله ، فأبيعها وأنتفع بثمنها؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله اليهود ، حرم عليهم شحوم البقر والغنم ، فأذابوه ، وباعوه ، والله حرم الخمر وثمنها " .

وقد رواه أيضا الإمام أحمد فقال : حدثنا روح ، حدثنا عبد الحميد بن بهرام قال : سمعت شهر بن حوشب قال : حدثني عبد الرحمن بن غنم : أن الداري كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر ، فلما كان عام حرمت جاء براوية ، فلما نظر إليه ضحك ، فقال : أشعرت أنها حرمت بعدك؟

" فقال : يا رسول الله ، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله اليهود ، انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه ، فباعوا به ما يأكلون ، وإن الخمر حرام وثمنها حرام ، وإن الخمر حرام وثمنها حرام ، وإن الخمر حرام وثمنها حرام " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن لهيعة ، عن سليمان بن عبد الرحمن عن نافع بن كيسان أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق ، يريد بها التجارة ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني جئتك بشراب طيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا كيسان ، إنها قد حرمت بعدك " .

قال : فأبيعها يا رسول الله؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنها قد حرمت وحرم ثمنها " .

فانطلق كيسان إلى الزقاق ، فأخذ بأرجلها ثم هراقها .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيي بن سعيد ، عن حميد عن أنس قال : كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل بن بيضاء ، ونفرا من أصحابه عند أبي طلحة وأنا أسقيهم ، حتى كاد الشراب يأخذ منهم ، فأتى آت من المسلمين فقال : أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟

فما قالوا : حتى ننظر ونسأل ، فقالوا : يا أنس ، اكف ما بقي في إنائك ، فوالله ما عادوا فيها ، وما هي إلا التمر والبسر ، وهي خمرهم يومئذ .

أخرجاه في الصحيحين - من غير وجه - عن أنس وفي رواية حماد بن زيد ، عن ثابت عن أنس قال : كنت ساقي القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة ، وما شرابهم إلا الفضيخ البسر والتمر ، فإذا مناد ينادي ، قال : اخرج فانظر .

فإذا مناد ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت ، فجرت في سكك المدينة ، قال : فقال لي أبو طلحة : اخرج فأهرقها .

فهرقتها ، فقالوا - أو : قال بعضهم : قتل فلان وفلان وهي في بطونهم .

قال : فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد ، حدثنا عباد بن راشد ، عن قتادة عن أنس بن مالك قال : بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء وأبي دجانة ، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر .

فسمعت مناديا ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت!

قال : فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج ، حتى أهرقنا الشراب ، وكسرنا القلال ، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا ، وأصبنا من طيب أم سليم ، ثم خرجنا إلى المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) إلى قوله : ( فهل أنتم منتهون ) فقال رجل : يا رسول الله ، فما منزلة من مات وهو يشربها؟

فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا [ إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ] ) الآية ، فقال رجل لقتادة : أنت سمعته من أنس بن مالك ؟

قال : نعم .

وقال رجل لأنس بن مالك : أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال : نعم - أو : حدثني من لم يكذب ، ما كنا نكذب ، ولا ندري ما الكذب .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن بكر بن سوادة ، عن قيس بن سعد بن عبادة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن ربي تبارك وتعالى حرم علي الخمر ، والكوبة ، والقنين .

وإياكم والغبيراء ، فإنها ثلث خمر العالم " .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا فرج بن فضالة ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن رافع عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله حرم على أمتي الخمر والميسر والمزر ، والكوبة والقنين .

وزادني صلاة الوتر " .

قال يزيد : القنين : البرابط .

تفرد به أحمد .

وقال أحمد أيضا : حدثنا أبو عاصم - وهو النبيل - أخبرنا عبد الحميد بن جعفر ، حدثنا يزيد بن أبي حبيب ، عن عمرو بن الوليد ، عن عبد الله بن عمرو ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم " .

قال : وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء ، وكل مسكر حرام " .

تفرد به أحمد أيضا .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، عن أبي طعمة - مولاهم - وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أنهما سمعا ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لعنت الخمر على عشرة وجوه : لعنت الخمر بعينها وشاربها ، وساقيها ، وبائعها ، ومبتاعها ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها " .

ورواه أبو داود وابن ماجه ، من حديث وكيع ، به .

وقال أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو طعمة ، سمعت ابن عمر يقول : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المربد ، فخرجت معه فكنت عن يمينه ، وأقبل أبو بكر فتأخرت عنه ، فكان عن يمينه وكنت عن يساره .

ثم أقبل عمر فتنحيت له ، فكان عن يساره .

فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المربد ، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر - قال ابن عمر - : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدية - قال ابن عمر : وما عرفت المدية إلا يومئذ - فأمر بالزقاق فشقت ، ثم قال : " لعنت الخمر وشاربها ، وساقيها ، وبائعها ، ومبتاعها وحاملها ، والمحمولة إليه ، وعاصرها ، ومعتصرها ، وآكل ثمنها " .

وقال أحمد : حدثنا الحكم بن نافع ، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب قال : قال عبد الله بن عمر : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمدية وهي الشفرة ، فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها ، وقال : " اغد علي بها " .

ففعلت فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة ، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام ، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته ، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني ، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ، ففعلت ، فلم أترك في أسواقها زقا إلا شققته .

حديث آخر : قال عبد الله بن وهب : أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد عن خالد بن يزيد ، عن ثابت بن يزيد الخولاني أخبره : أنه كان له عم يبيع الخمر ، وكان يتصدق ، فنهيته عنها فلم ينته ، فقدمت المدينة فتلقيت ابن عباس ، فسألته عن الخمر وثمنها ، فقال : هي حرام وثمنها حرام .

ثم قال ابن عباس ، رضي الله عنه : يا معشر أمة محمد ، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم ، ونبي بعد نبيكم ، لأنزل فيكم كما أنزل فيمن قبلكم ، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة ، ولعمري لهو أشد عليكم ، قال ثابت : فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن ثمن الخمر ، فقال : سأخبرك عن الخمر ، إني كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فبينما هو محتب حل حبوته ثم قال : " من كان عنده من هذه الخمر فليأتنا بها " .

فجعلوا يأتونه ، فيقول أحدهم : عندي راوية .

ويقول الآخر : عندي زق أو : ما شاء الله أن يكون عنده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجمعوه ببقيع كذا وكذا ثم آذنوني " .

ففعلوا ، ثم آذنوه فقام وقمت معه ، فمشيت عن يمينه وهو متكئ علي ، فألحقنا أبو بكر ، رضي الله عنه ، فأخرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلني عن شماله ، وجعل أبا بكر في مكاني .

ثم لحقنا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه فأخرني ، وجعله عن يساره ، فمشى بينهما .

حتى إذا وقف على الخمر قال للناس : " أتعرفون هذه ؟

قالوا : نعم يا رسول الله ، هذه الخمر .

قال : " صدقتم " .

قال : " فإن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها ، وشاربها وساقيها ، وحاملها والمحمولة إليه ، وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها " .

ثم دعا بسكين ، فقال : " اشحذوها " .

ففعلوا ، ثم أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرق بها الزقاق ، قال : فقال الناس : في هذه الزقاق منفعة ، قال : " أجل ، ولكني إنما أفعل ذلك غضبا لله ، عز وجل ، لما فيها من سخطه " .

فقال عمر : أنا أكفيك يا رسول الله؟

قال : " لا " .

قال ابن وهب : وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث .

رواه البيهقي .

حديث آخر : قال الحافظ أبو بكر البيهقي : أنبأنا أبو الحسين بن بشران ، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار ، حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا شعبة ، عن سماك ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد ، قال : أنزلت في الخمر أربع آيات ، فذكر الحديث .

قال : وضع رجل من الأنصار طعاما ، فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا ، فتفاخرنا ، فقالت الأنصار : نحن أفضل .

وقالت قريش : نحن أفضل .

فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور ، فضرب به أنف سعد ففزره ، وكان أنف سعد مفزورا .

فنزلت آية الخمر : ( إنما الخمر والميسر [ والأنصاب والأزلام ] ) إلى قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ) أخرجه مسلم من حديث شعبة .

حديث آخر : قال البيهقي : وأخبرنا أبو نصر بن قتادة ، أنبأنا أبو علي الرفاء ، حدثنا علي بن عبد العزيز ، حدثنا حجاج بن منهال ، حدثنا ربيعة بن كلثوم ، حدثني أبي ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار ، شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض ، فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته ، فيقول : صنع هذا بي ، أخي فلان - وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن - والله لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع هذا بي ، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم فأنزل الله هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان [ فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ] فهل أنتم منتهون ) فقال ناس من المتكلفين : هي رجس ، وهي في بطن فلان ، وقد قتل يوم أحد ، فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا [ إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ] ) ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة ، عن حجاج بن منهال .

حديث آخر : قال ابن جرير : حدثني محمد بن خلف ، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي ، عن أبي تميلة ، عن سلام مولى حفص أبي القاسم ، عن أبي بريدة ، عن أبيه قال : بينا نحن قعود على شراب لنا ، ونحن رملة ، ونحن ثلاثة أو أربعة ، وعندنا باطية لنا ، ونحن نشرب الخمر حلا إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، إذ نزل تحريم الخمر : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ) إلى آخر الآيتين ( فهل أنتم منتهون ) ؟

فجئت إلى أصحابي فقرأتها إلى قوله : ( فهل أنتم منتهون ) ؟

قال : وبعض القوم شربته في يده ، قد شرب بعضها وبقي بعض في الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته العليا ، كما يفعل الحجام ، ثم صبوا ما في باطيتهم ، فقالوا : انتهينا ربنا .

حديث آخر : قال البخاري : حدثنا صدقة بن الفضل أخبرنا ابن عيينة ، عن عمرو عن جابر قال : صبح ناس غداة أحد الخمر ، فقتلوا من يومهم جميعا شهداء ، وذلك قبل تحريمها .

هكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا أحمد بن عبدة ، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول : اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قتلوا شهداء يوم أحد ، فقالت اليهود : فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم .

فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) ثم قال : وهذا إسناد صحيح .

وهو كما قال ، ولكن في سياقته غرابة .

حديث آخر : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟

فنزلت : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية .

ورواه الترمذي ، عن بندار غندر ، عن شعبة ، به نحو .

وقال : حسن صحيح .

حديث آخر : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي : حدثنا جعفر بن حميد الكوفي ، حدثنا يعقوب القمي ، عن عيسى بن جارية ، عن جابر بن عبد الله قال : كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين ، فحمل منها بمال ، فقدم بها المدينة ، فلقيه رجل من المسلمين فقال : يا فلان ، إن الخمر قد حرمت فوضعها حيث انتهى على تل ، وسجى عليها بأكسية ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، بلغني أن الخمر قد حرمت؟

قال : " أجل " قال : لي أن أردها على من ابتعتها منه؟

قال : " لا يصلح ردها " .

قال : لي أن أهديها إلى من يكافئني منها؟

قال : " لا " .

قال : فإن فيها مالا ليتامى في حجري؟

قال : " إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوض أيتامك من مالهم " .

ثم نادى بالمدينة ، فقال رجل : يا رسول الله ، الأوعية ننتفع بها؟

.

قال : " فحلوا أوكيتها " .

فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي هذا حديث غريب .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن السدي ، عن أبي هبيرة - وهو يحيى بن عباد الأنصاري - عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام في حجره ورثوا خمرا فقال : " أهرقها " .

قال : أفلا نجعلها خلا؟

قال : " لا " .

ورواه مسلم وأبو داود والترمذي ، من حديث الثوري ، به نحوه .

حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة ، حدثنا هلال بن أبي هلال ، عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو قال : إن هذه الآية التي في القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) قال : هي في التوراة : " إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ، ويبطل به اللعب ، والمزامير ، والزفن ، والكبارات - يعني البرابط - والزمارات - يعني به الدف - والطنابير ، والشعر ، والخمر مرة لمن طعمها .

أقسم الله بيمينه وعزة حيله من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة ، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس " .

وهذا إسناد صحيح .

حديث آخر : قال عبد الله بن وهب : أخبرني عمرو بن الحارث ; أن عمرو بن شعيب حدثهم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ترك الصلاة سكرا مرة واحدة ، فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها ، ومن ترك الصلاة سكرا أربع مرات ، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال " .

قيل : وما طينة الخبال؟

قال : " عصارة أهل جهنم " .

ورواه أحمد ، من طريق عمرو بن شعيب .

حديث آخر : قال أبو داود : حدثنا محمد بن رافع ، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني ، قال : سمعت النعمان - هو ابن أبي شيبة الجندي - يقول عن طاوس ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مخمر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا ، فإن تاب تاب الله عليه ، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال " .

قيل : وما طينة الخبال يا رسول الله ؟

قال : " صديد أهل النار ، ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرامه ، كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال " تفرد به أبو داود .

حديث آخر : قال الشافعي ، رحمه الله : أنبأنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من شرب الخمر في الدنيا ، ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة " .

أخرجه البخاري ومسلم ، من حديث مالك ، به .

وروى مسلم ، عن أبي الربيع ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر خمر ، وكل مسكر حرام ، ومن شرب الخمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة " .

حديث آخر : قال ابن وهب : أخبرني عمر بن محمد ، عن عبد الله بن يسار ; أنه سمع سالم بن عبد الله يقول : قال عبد الله بن عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق لوالديه ، والمدمن الخمر ، والمنان بما أعطى " .

ورواه النسائي ، عن عمر بن علي ، عن يزيد بن زريع ، عن عمر بن محمد العمري ، به .

وروى أحمد ، عن غندر ، عن شعبة ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة منان ولا عاق ، ولا مدمن خمر " .

ورواه أحمد أيضا ، عن عبد الصمد ، عن عبد العزيز بن مسلم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، به .

وعن مروان بن شجاع ، عن خصيف ، عن مجاهد ، به ورواه النسائي ، عن القاسم بن زكريا ، عن الحسين الجعفي ، عن زائدة ، عن ابن أبي زياد ، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد ، كلاهما عن أبي سعيد ، به .

حديث آخر : قال أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابان ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة عاق ، ولا مدمن خمر ، ولا منان ، ولا ولد زنية " .

وكذا رواه عن يزيد ، عن همام ، عن منصور ، عن سالم ، عن جابان ، عن عبد الله بن عمرو به ، وقد رواه أيضا عن غندر وغيره ، عن شعبة ، عن منصور ، عن سالم ، عن نبيط بن شريط ، عن جابان ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يدخل الجنة منان ، ولا عاق والديه ، ولا مدمن خمر " .

ورواه النسائي ، من حديث شعبة كذلك ، ثم قال : ولا نعلم أحدا تابع شعبة ، عن نبيط بن شريط .

وقال البخاري : لا يعرف لجابان سماع من عبد الله ولا لسالم من جابان ولا نبيط .

وقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد ، عن ابن عباس - ومن طريقه أيضا ، عن أبي هريرة ، فالله أعلم .

وقال الزهري : حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، أن أباه قال : سمعت عثمان بن عفان يقول : اجتنبوا الخمر ، فإنها أم الخبائث ، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس ، فعلقته امرأة غوية ، فأرسلت إليه جاريتها فقالت : إنا ندعوك لشهادة .

فدخل معها ، فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه ، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر ، فقالت : إني والله ما دعوتك لشهادة ولكن دعوتك لتقع علي أو تقتل هذا الغلام ، أو تشرب هذا الخمر .

فسقته كأسا ، فقال : زيدوني ، فلم يرم حتى وقع عليها ، وقتل النفس ، فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان أبدا إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه .

رواه البيهقي وهذا إسناد صحيح .

وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه " ذم المسكر " عن محمد بن عبد الله بن بزيع ، عن الفضيل بن سليمان النميري ، عن عمر بن سعيد ، عن الزهري ، به مرفوعا والموقوف أصح ، والله أعلم .

وله شاهد في الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " .

وقال أحمد بن حنبل : حدثنا أسود بن عامر ، أخبرنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما حرمت الخمر قال أناس : يا رسول الله ، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟

فأنزل الله : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) الآية .

قال : ولما حولت القبلة قال أناس : يا رسول الله ، أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) [ البقرة : 143 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا داود بن مهران الدباغ ، حدثنا داود - يعني العطار - ، عن ابن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد ، أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة ، إن مات مات كافرا ، وإن تاب تاب الله عليه .

وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال " .

قالت : قلت : يا رسول الله ، وما طينة الخبال؟

قال : " صديد أهل النار " .

وقال الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " قيل لي : أنت منهم " .

وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي ، من طريقه .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : قرأت على أبي ، حدثنا علي بن عاصم ، حدثنا إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم وهاتان الكعبتان الموسمتان اللتان تزجران زجرا ، فإنهما ميسر العجم " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما يُريد لكم الشيطانُ شربَ الخمر والمياسرةَ بالقِدَاح، ويحسِّن ذلك لكم، إرادةً منه أن يوقع بينكم العَداوَة والبغضاءَ في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح، (5) ليعادي بعضكم بعضًا، ويبغِّض بعضَكم إلى بعض، فيشتِّت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام =" ويصدّكم عن ذكر الله "، يقول: ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم، (6) وباشتغالكم بهذا الميسر، عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم =" وعن الصلاة "، التي فرضها عليكم ربكم =" فهل أنتم منتهون "، يقول: فهل أنتم منتهون عن شرب هذه، والمياسرة بهذا، (7) وعاملون بما أمركم به ربُّكم من أداء ما فرَض عليكم من الصلاة لأوقاتها، ولزوم ذكره الذي به نُجْح طلباتكم في عاجل دنياكم وآخرتكم؟.

* * * واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت بسبب كان من عمر بن الخطاب، وهو أنه ذكر مكروهَ عاقبة شربها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تحريمَها.

(8) ذكر من قال ذلك: 12512 - حدثنا هناد بن السريّ، قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال، قال عمر: اللهمّ بيِّنْ لنا في الخمر بيانًا شافيًا!

قال: فنـزلت الآية التي في" البقرة ": يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ، [سورة البقرة: 219].

قال: فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا!

فنـزلت الآية التي في" النساء ": لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [سورة النساء: 43].

قال: وكان مُنَادِي النبي صلى الله عليه وسلم يُنادي إذا حضرت الصلاة: لا يقربنّ الصلاة السكران!

قال: فدُعِي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا!

قال: فنـزلت الآية التي في" المائدة ": يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ إلى قوله: " فهل أنتم منتهون ".

فلما انتهى إلى قوله: " فهل أنتم منتهون " قال عمر: انتهينا انتهينا !!

(9) 12513 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا أبى، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال، قال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فإنها تَذْهب بالعقل والمال!

= ثم ذكر نحو حديث وكيع.

(10) 12514 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال، قال عمر بن الخطاب: اللهم بيِّن لنا، فذكر نحوه.

12515 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبيه = وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، مثله.

12516 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير، قال، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، مثله.

(11) 12517 - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثني أبو معشر المدني، عن محمد بن قيس، قال: لما قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسِر، فسألوه عن ذلك، فأنـزل الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [سورة البقرة: 219]، فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخْصة، نأكل الميسر ونشرَب الخمر، ونستغفر من ذلك!.

حتى أتى رجلٌ صلاةَ المغرب، فجعل يقرأ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [سورة الكافرون].

فجعل لا يجوز ذلك، (12) ولا يدري ما يقرأ، فأنـزل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [سورة النساء: 43].

فكان الناس يشربون الخمرَ، حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون.

فلم يزالوا كذلك حتى أنـزل الله تعالى ذكره: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ إلى قوله: " فهل أنتم منتهون "، فقالوا: انتهينا يا رب !

(13) * * * وقال آخرون: نـزلت هذه الآية بسبب سعد بن أبي وقاص.

وذلك أنه كان لاحَى رجلا على شراب لهما، فضربه صاحبه بلَحْيَىْ جمل، ففَزَر أنفه، فنـزلت فيهما.

(14) ذكر الرواية بذلك: 12518 - حدثنا محمد بن المثني قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد أنه قال: صنع رجلٌ من الأنصار طعامًا، فَدَعانا.

قال: فشربنا الخمرَ حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضلُ منكم!

قال: فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَى جملٍ فضرب به أنف سعد ففَزَره، فكان سعد أفزَرَ الأنف.

قال: فنـزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى آخر الآية.

(15) 12519 - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو الأحوص، قال حدثنا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد قال، قال سعد: شربتُ مع قوم من الأنصار، فضربت رجلا منهم = أظنّ بفكّ جمل = فكسرته، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فلم ألبث أن نـزل تحريم الخمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ، إلى آخر الآية.

(16) 12520 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: شربت الخمر مع قوم من الأنصار، فذكر نحوه.

(17) 12521 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث، أن ابن شهاب أخبره، أن سالم بن عبد الله حدَّثه: أن أول ما حُرِّمت الخمر، أن سعد بن أبي وقاص وأصحابًا له شربوا فاقتتلوا، فكسروا أنف سعدٍ، فأنـزل الله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ ، الآية.

(18) * * * وقال آخرون: نـزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار.

ذكر من قال ذلك: 12522 - حدثنا الحسين بن علي الصدائي قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم عن جبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نـزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شرِبوا.

حتى إذا ثملوا، عبث بعضهم على بعض.

(19) فلما أن صَحوْا جعل الرجل منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته فيقول: فعل بي هذا أخي فلان!

= وكانوا إخوة، ليس في قلوبهم ضغائن = والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما فعل بي هذا!

حتى وقعت في قلوبهم ضغائن، (20) فأنـزل الله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: " فهل أنتم منتهون "!

فقال ناس من المتكلِّفين: رجْسٌ في بطن فلانُ قتل يوم بدر، (21) وقتل فلان يوم أحُدٍ!

فأنـزل الله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا [سورة المائدة: 93]، .

الآية.

(22) 12523 - حدثنا محمد بن خلف قال، حدثنا سعيد بن محمد الجرمي، عن أبي تميلة، عن سلام مولى حفص بن أبي القاسم، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: بينما نحن قعود على شرابٍ لنا، [ونحن على رَمْلة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطِيةٌ لنا]، ونحن نشرب الخمر حِلا إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وقد نـزل تحريم الخمر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ، إلى آخر الآيتين،" فهل أنتم منتهون "، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: " فهل أنتم منتهون "؟

قال: وبعض القوم شربته في يده، قد شرب بعضًا وبقي بعضٌ في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام.

ثم صبوا ما في باطيهتهم، فقالوا: انتهينا ربّنا!

انتهينا ربَّنا!

(23) * * * وقال آخرون: إنما كانت العداوة والبغضاء، كانت تكون بين الذين نـزلت فيهم هذه الآية بسبب الميسر، لا بسبب السُّكر الذي يحدث لهم من شرب الخمر.

فلذلك نهاهم الله عن الميسر.

ذكر من قال ذلك: 12524 - حدثنا بشر قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد بن زريع = قال بشر: وقد سمعته من يزيد وحدثنيه = قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الرجل في الجاهلية يقامِر على أهله وماله، فيقعد حَرِيبًا سليبًا ينظر إلى ماله في يَدَي غيره، (24) فكانت تُورِث بينهم عداوة وبغضاءَ، فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه.

والله أعلم بالذي يصلح خلقه.

(25) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال، إنّ الله تعالى قد سمَّى هذه الأشياء التي سمّاها في هذه الآية " رجسًا "، وأمر باجتنابها.

وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية، وجائز أن يكون نـزولها كان بسبب دُعاء عمر رضى الله عنه في أمر الخمر = وجائز أن يكون ذلك كان بسبب ما نالَ سعدًا من الأنصاري عند انتِشائهما من الشراب = وجائز أن يكون كان من أجل ما كان يلحق أحدَهم عند ذهاب ماله بالقمار من عداوة من يَسَرَه وبغضِه، (26) وليس عندنا بأيِّ ذلك كان، خيرٌ قاطع للعذر.

غير أنه أيّ ذلك كان، فقد لزم حكم الآية جميعَ أهل التكليف، وغيرُ ضائرهم الجهل بالسبب الذي له نـزلت هذه الآية.

فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان، فرضٌ على جميع من بلغته الآية من التكليفُ اجتنابُ جميع ذلك، كما قال تعالى: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ .

----------------- الهوامش : (5) انظر تفسير"البغضاء" فيما سلف 7: 145/10: 136.

(6) انظر تفسير"الصد" فيما سلف 9: 489 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(7) انظر تفسير"الانتهاء" فيما سلف 482 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(8) انظر ما سلف في تحريم الخمر 4: 330-336/8: 376 ، 377.

(9) الأثر: 12512 -"أبو ميسرة" هو: "عمرو بن شرحبيل الهمداني" ، سمع عمر ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما من الصحابة.

مضى برقم: 2839 ، 2840 ، 9228.

وهذا الخبر رواه أبو جعفر من خمس طرق ، عن أبي إسحق ، عن أبي ميسرة.

ورواه أحمد في مسنده رقم: 378 من طريق إسرائيل ، عن أبي إسحق ، بمثله ، وأبو داود في سننه 3 : 444 رقم: 3670 ، بمثله ، وفيه: "بيانًا شفاء".

والنسائي في سننه 8 : 286 ، 287 ، بمثله.

والترمذي في سننه في كتاب التفسير من طريق محمد بن يوسف ، عن إسرائيل ، مرفوعًا ، ثم من طريق أبي كريب محمد بن العلاء ، عن وكيع.

عن إسرائيل ، مرسلا.

ولكن جاء هنا في رواية هناد بن السري ، عن وكيع ، مرفوعًا.

وقال الترمذي بعد ذكر رواية أبي كريب: "وهذا أصح من حديث محمد بن يوسف" ، يعني أنه أصح مرسلا.

وانظر ما سيأتي في باقي التخريج.

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 278 ، من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل بمثله ، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

ورواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، من طريق عبيد الله بن موسى أيضًا ، ومن طريق إسمعيل بن جعفر ، عن إسرائيل ، بمثله.

ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: 39 ، من طريق محمد بن يوسف ، عن إسرائيل ، (كطريق الترمذي) وفيه زيادة: "فإنها تذهب العقل والمال" ، الآتية في رقم: 12513 ، وليس في رواية الترمذي.

ورواه الواحدي في أسباب النزول: 154 ، من طريق أحمد بن حنبل ، عن خلف بن وليد ، عن إسرائيل ، بمثل ما في المسند.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 1 : 499 ، 500/ ثم 3 : 225 ، وقد صحح أخي السيد أحمد هذا الحديث في المسند رقم: 378 ، ثم قال: "وذكره ابن كثير في التفسير 1 : 499 ، 500/3: 226 وقال: هكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، من طرق عن أبي إسحق.

وكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طريق الثوري ، عن أبي إسحق ، عن أبي ميسرة ، واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي ، عن عمر ، وليس له عنه سواه.

ولكن قال أبو زرعة: لم يسمع منه.

والله أعلم.

وقال علي بن المديني: "هذا إسناد صالح صحيح.

وصححه الترمذي.

وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا - إنها تذهب المال وتذهب العقل".

قال أخي السيد أحمد: "وقول أبي زرعة أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر ، لا أجد له وجهًا.

فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس ، وهو تابعي قديم مخضرم ، مات سنة 63.

وفي طبقات ابن سعد 6 : 73 ، عن أبي إسحق قال: أوصى أبو ميسرة أخاه الأرقم: لا تؤذن بي أحدًا من الناس ، وليصل علي شريح قاضي المسلمين وإمامهم = وشريح الكندي ، استقضاه عمر على الكوفة ، وأقام على القضاء ستين سنة ، فأبو ميسرة أقدم منه".

أقول: ولم يذكر أحد غير أبي زرعة فيما بحثت ، أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر ، بل كلهم ذكر سماعه من عمر.

(10) الأثر: 12513 - هذه الزيادة: "فإنها تذهب العقل والمال" ، أشرت إليها في التعليق السالف في رواية أبي جعفر النحاس ، وذكرها ابن كثير ، من رواية ابن أبي حاتم.

(11) الآثار : 12514 - 12516 - انظر التخريج في رقم: 12512.

(12) في المطبوعة ، والدر المنثور: "لا يجود ذلك" (بتشديد الواو المكسورة) ، وفي المخطوطة كما أثبته غير منقوطة ، وهو الصواب إن شاء الله.

(13) الأثر: 15217 - ذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 318 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(14) "لاحاه يلاحيه ملاحاة ولحاء": إذا نازعه وشاتمه = و"لحي الجمل" (بفتح اللام وسكون الحاء): وهما"لحيان": وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم.

يقال: لحي الجمل ، ولحي الإنسان ، وغيرهما.

وكان في المطبوعة: "لحي" بالإفراد ، وأثبت ما في المخطوطة بالتثنية: "لحيي" = و"فزر الشيء": صدعه.

و" فزر أنفه": شقه.

(15) الأثر: 12518 - رواه أبو جعفر بثلاثة أسانيد.

كلها صحيح.

فرواه من هذه الطريق الأولى أحمد في مسنده رقم: 1567 ، 1614 ، مطولا.

ورواه أبو داود الطيالسي ، عن شعبة في مسنده: 28 ، رقم: 208.

ورواه مسلم من طريق أبي جعفر هذه ، عن محمد بن المثنى نفسه (15 : 186 ، 187) وفيه"وكان أنف سعد مفزورًا" ، بخلاف رواية أبي جعفر"أفزر الأنف".

ورواه مطولا بغير هذا اللفظ من طريق"الحسن بن موسى ، عن زهير ، عن سماك".

ورواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، من طريق وهب بن جرير ، عن شعبة.

ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: 40 ، من طريق زهير ، عن سماك.

ورواه الواحدي في أسباب النزول: 154.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 230 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 315 ، وقصر في نسبته ، وزاد أيضًا نسبته إلى ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

وكان في المخطوطة: "صنع رجل من الأنصار فدعانا" ، أسقط"طعامًا" ، وهي ثابتة في المطبوعة ، وفي جميع روايات الخبر.

ولذلك أثبتها.

وقوله: "فكان سعد أفرز الأنف" ، في جميع الروايات: "مفزور الأنف" ، أي مشقوقه ، كما سلف في التعليق: 2 ، ص569 ولم تقيد كتب اللغة: "أفزر الأنف" ، على"أفعل".

وهذا مما يثبت صحته ، وهو جائز في العربية.

(16) الأثر: 12519 - في المطبوعة: "قال حدثنا أبو الأحوص ، عن سماك" ، وهو خطأ لا شك فيه وكان في المخطوطة في آخر الصفحة: "قال حدثنا أبو الأحوص قال" ثم بدأ في الصفحة التالية: "عن سماك..." ، فنسى الناسخ في نسخة فأسقط"حدثنا شعبة" ، وبدأ: "عن سماك".

(17) الأثر: 12520 - هذا الأثر والذي قبلها طريقان أخريان للأثر رقم: 12518 ، انظر التخريج في التعليق عليه.

(18) الأثر: 12521 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 315 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(19) في المطبوعة: "عبث بعضهم ببعض" ، وهكذا جاء في جمبع روايات الأثر ، فيما بين يدي من الكتب ، ولكنها في المخطوطة كما أثبتها ، وهي صحيحة إن شاء الله.

(20) في المطبوعة: "في قلوبهم الضغائن" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(21) في المطبوعة: "هي رجس ، وهي في بطن فلان" ، وهكذا في سائر المراجع ، وأثبت ما في المخطوطة ، وكأنه صواب أيضا.

(22) الأثر: 12522 -"ربيعة بن كلثوم بن جبر الديلي البصري" ، روى له مسلم والنسائي ، متكلم فيه ، وهو ثقة.

مضى برقم: 6240.

وكان في المطبوعة: "ربيعة بن كلثوم عن جبير ، عن أبيه" ، وهو خطأ.

وفي المخطوطة"ربيعة بن كلثوم عن جبر ، عن أبيه" ، وهو خطأ أيضًا ، وإن كان فيها"جبر" على الصواب.

وجاء في المستدرك خطأ"جبير" وهو خطأ يصحح.

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/266 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 1/2/477 ، 478 ، وثقه يحيى بن معين.

وفيه عن علي بن المديني ، قال: "سمعت يحيى بن سعيد يقول ، قلت: "لربيعة بن كلثوم في حديث ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، هو: عن ابن عباس؟

قال: وهل كان يروي سعيد بن جبير إلا عن ابن عباس؟".

وأبوه"كلثوم بن جبر بن مؤمل الديلي" ، ثقة ، وثقه أحمد مضى برقم: 6240 ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4/1/227 ، وابن أبي حاتم 3/2/164.

وهذا الخبر رواه البيهقي في السنن 8 : 285 ، 286 ، والحاكم في المستدرك 4 : 141 ، ولم يذكر فيه شيئًا ، ولكن قال الذهبي في تعليقه على المستدرك: "قلت: صحيح على شرط مسلم".

وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 18 ، وقال: "رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح".

ورواه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ: 40 مختصرًا ، بغير إسناد.

وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 230 ، من رواية البيهقي في السنن ، وقال: "ورواه النسائي في التفسير ، عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة ، عن حجاج بن منهال".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 315.

وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.

(23) الأثر: 12523 -"محمد بن خلف بن عمار العسقلاني" ، شيخ الطبري ، مضى برقم: 126 ، 6534.

"سعيد بن محمد بن سعيد الجرمي".

كوفي ثقة.

روى عنه البخاري ومسلم.

قال أبو زرعة: "ذاكرت عنه أحمد بأحاديث ، فعرفه" وقال: صدوق ، وكان يطلب معنا الحديث".

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/471 ، وابن أبي حاتم 2/1/59.

و"أبو تميلة" ، هو: "يحيى بن واضح الأنصاري" مضى مرارًا ، آخرها رقم: 9009.

و"سلام ، مولى حفص ، أبو القاسم الليثي" ، مروزي ، مترجم في الكبير 2/2/134 ، وابن أبي حاتم 2/1/262.

وقال البخاري في الكبير: "سمع عبد الله بن بريدة ، عن أبيه: نزلت في تحريم الخمر" ، قاله سعيد الجرمي: سمع يحيى بن واضح ، سمع سلاما" ، إشارة إلى هذا الخبر.

ولم يذكر البخاري فيه جرحًا.

وقال المعلق على الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: "وفي الثقات: سلام الليثي ، والد أبي عبيد القاسم بن سلام".

وكان في المطبوعة هنا: "مولى حفص بن أبي قيس" لا أدري كيف استحل لنفسه تغيير ما كان في المخطوطة صوابًا ، إلى خطأ لا ندري ما هو.

و"ابن بريدة" ، هو"عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي" قاضي مرو ، أخوه: "سليمان بريدة" ، كانا توأمين.

روى عن أبيه ، وابن عباس ، وابن عمرو ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وغيرهم من الصحابة.

تكلم فيه أحمد بن حنبل.

قال الجوزجاني: "قلت لأبي عبد الله: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟

قال: ما أدري ، عامة ما يروى عن بريدة عنه.

وضعف حديثه".

ووثقه ابن معين وأبو حاتم.

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 / 13.

وكان في المطبوعة"أبي بريدة" ، وهو خطأ محض ، صوابه في المخطوطة.

وأبوه"بريدة بن الحصيب الأسلمي" ، صحابي قديم الإسلام ، قبل بدر.

استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات قومه.

وهذا الخبر ذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 230 ، من رواية أبي جعفر ، وفيه"عن أبي بريدة" كخطأ المطبوعة.

والسيوطي في الدر المنثور 2 : 315.

والزيادة التي بين القوسين من تفسير ابن كثير ، وهو لم ينقل هذا عن غير الطبري ، فلذلك زدتها ، والظاهر أنها سقطت من ناسخ نسختنا.

وإن كان السيوطي قد ذكر الأثر بغير هذه الزيادة.

وقوله: "ونحن على رملة" ، يعني ، في رملة منبتة مريعة.

و"الباطية": ناجود الخمر ، وهي إناء عظيم من زجاج ، تملأ من الشراب ، وتوضع بين الشرب يغرفون منها ويشربون.

وقوله: "قال بالإناء" ، يعني: أماله ثم نزعه ، كفعل الحجام وهو ينزع كأس الحجامة.

(24) في المطبوعة: "حزينًا سليبًا" ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها ما أثبت."حرب الرجل ماله ، فهو محروب وحريب": إذا أخذ حريبته ، وهو ماله الذي يعيش به ، وتركه بلا شيء.

(25) الأثر: 12524-"جامع بن حماد" ، انظر ما علقته على الأثر رقم: 12344.

واذكر أن هذا الأثر قد مضى قبل ، ولكن خفي علي مكانه.

(26) "يسره" ، يعني: غلبه في الميسر ، وأخذ ماله.

قال الزمخشري: "من المجاز: أسروه ، ويسروا ماله.

وتياسرت الأهواء قلبه ، قال ذو الرمة: بِتَفْــرِيقِ أَظْعَــانٍ تيايَسَـرْنَ قَلْبَـهُ وَخَـانَ العَصَـا مِنْ عَاجِلِ البَيْنِ قَادِحُ وهذا اللفظ كما استعمله أبو جعفر ، لم تقيده كتب اللغة ، ولكن مقالة الزمخشري دالة على صوابه ، كما قالوا من"القمار": "قمره".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر الآية .

أعلم الله تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن يوقع العداوة والبغضاء بيننا بسبب الخمر وغيره ، فحذرنا منها ، ونهانا عنها .

روي أن قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا ، فعبث بعضهم ببعض ، فلما صحوا رأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا ، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، فجعل بعضهم يقول : لو كان أخي بي رحيما ما فعل بي هذا ، فحدثت بينهم الضغائن ; فأنزل الله : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء الآية .قوله تعالى : ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة يقول : إذا سكرتم لم تذكروا الله ولم تصلوا ، وإن صليتم خلط عليكم كما فعل بعلي ، وروي : بعبد الرحمن كما تقدم في " النساء " ، وقال عبيد الله بن عمر : سئل القاسم بن محمد عن الشطرنج أهي ميسر ؟

وعن النرد أهو ميسر ؟

فقال : كل ما صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر .

قال أبو عبيد : تأول قوله تعالى : ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة .قوله تعالى : فهل أنتم منتهون لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى انتهوا قال : انتهينا ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة ، ألا إن الخمر قد حرمت ; فكسرت الدنان ، وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة .[ ص: 221 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومنها: أن هذه موجبة للعداوة والبغضاء بين الناس، والشيطان حريص على بثها، خصوصا الخمر والميسر، ليوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء.

فإن في الخمر من انغلاب العقل وذهاب حجاه، ما يدعو إلى البغضاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، خصوصا إذا اقترن بذلك من السباب ما هو من لوازم شارب الخمر، فإنه ربما أوصل إلى القتل.

وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة، ما هو من أكبر الأسباب للعداوة والبغضاء.

ومنها: أن هذه الأشياء تصد القلب، ويتبعه البدن عن ذكر الله وعن الصلاة، اللذين خلق لهما العبد، وبهما سعادته، فالخمر والميسر، يصدانه عن ذلك أعظم صد، ويشتغل قلبه، ويذهل لبه في الاشتغال بهما، حتى يمضي عليه مدة طويلة وهو لا يدري أين هو.

فأي معصية أعظم وأقبح من معصية تدنس صاحبها، وتجعله من أهل الخبث، وتوقعه في أعمال الشيطان وشباكه، فينقاد له كما تنقاد البهيمة الذليلة لراعيها، وتحول بين العبد وبين فلاحه، وتوقع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة؟" فهل فوق هذه المفاسد شيء أكبر منها؟" ولهذا عرض تعالى على العقول السليمة النهي عنها، عرضا بقوله: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } لأن العاقل -إذا نظر إلى بعض تلك المفاسد- انزجر عنها وكفت نفسه، ولم يحتج إلى وعظ كثير ولا زجر بليغ.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ) أما العدواة في الخمر فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا ، كما فعل الأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل أما العداوة في الميسر ، قال قتادة : كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على حرفائه .

( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ) وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر أو القمار ألهاه ذلك عن ذكر الله ، وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف ، تقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب بعدما شربوا فقرأ " قل ياأيها الكافرون " : أعبد ما تعبدون ، بحذف لا ( فهل أنتم منتهون ) أي : انتهوا ، استفهام ومعناه أمر ، كقوله تعالى : " فهل أنتم شاكرون " ؟

( سورة الأنبياء 80 ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر» إذا أتيتموهما لما يحصل فيهما من الشر والفتن «ويصدَّكم» بالاشتغال بهما «عن ذكر الله وعن الصلاة» خصها بالذكر تعظيما لها «فهل أنتم منتهون» عن إتيانهما أي انتهوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما يريد الشيطان بتزيين الآثام لكم أن يُلقِي بينكم ما يوجد العداوة والبغضاء، بسبب شرب الخمر ولعب الميسر، ويصرفكم عن ذكر الله وعن الصلاة بغياب العقل في شرب الخمر، والاشتغال باللهو في لعب الميسر، فانتهوا عن ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية فقال تعالى ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) .أي : إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان ) بتزيينه المنكرات لكم ( أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء ) بأن يقطع ما بينكم من صلات ، ويثير في نفوسكم الأحقاد والضغائن ، بسبب تعاطيكم للخمر والميسر ، وذلك لأن شارب الخمر إذا ما استولت الخمر على عقله أزالت رشده ، وأفقدته وعيه ، وتجعله قد يسيء إلى من أحسن إليه ، ويعتدي على صديقه وجليسه .

وذلك يورث أشد ألوان العداوة والبغضاء بين الناس .ولأن متعاطي الميسر كثيراً ما يخسر ماله على مائدة الميسر .

والمال كما نعلم شقيق الروح ، فإذا ما خسره هذا المقامر صار عدوا لمن سلب ماله منه عند المقامرة ، وأصبح يضمر له السوء .

وقد يؤدي به الحال إلى قتله حتى يشفي غيظه منه ، لأنه قد جعله فقيراً بائساً مجرداً من أمواله بعد أن كان مالكها وفي ذلك ما فيه من تولد العداوة والبغضاء وإيقاد نار الفتن والشرور بين الناس .فقوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر ) إشارة إلى مفاسدهما الدنيوية .أما مفاسدهما الدينية فقد أشار إليها سبحانه بقوله : ( وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة ) .أي : ويريد الشيطان أيضاً بسبب تعاطيكم للخمر والميسر - أن يصدكم أي يشغلكم ويمنعكم ( عَن ذِكْرِ الله ) أي : عن طاعته ومراقبته والتقرب إليه ( وَعَنِ الصلاة ) التي هي الركن الثاني من أركان الإِسلام .وذلك لأن شارب الخمر يمنعه ما حل به من نشوة كاذبة ، ومن فقدان لرشده عن طاعة الله وعن أداء ما أوجبه عليه من صلاة وغيرها .ولأن متعاطي الميسر ببسب استحلاله لكسب المال عن هذا الطريق الخبيث ، ويسبب فقدانه للعاطفة الدينية السليمة صار لا يفكر في القيام بما أوجبه الله عليه من عبادات .ورحم الله الآلوسي ، فقد قال عنده تفسيره لهذه الآية : ووجه صد الشيطان لهم عن ذكر الله وعن الصلاة بسبب تعاطيهم للخمر لغلبة السرور بها والطرب على النفوس .

والاستغراق في الملاذ الجسمانية ، تلهى عن ذكر الله - تعالى - وعن الصلاة .وأن الميسر إن كان اللاعب به غالباً ، انشرحت نفسه ، وصده بحب الغلب والقهر والكسب عما ذكر ، وإن كان مغلوبا حصل له من الانقباض والقهر ما يحثه على الاحتيال لأن يصير غالبا فلا يخطر بقلبه غير ذلك .وقد شاهدنا كثيراً ممن يلعب بالشطرنج يجري بينهم من اللجاج والحلف الكاذب والغفلة عن ذكر الله تعالى ما ينفر منه الفيل وتكبو له الفرس ويحار لشناعته الفهم وتسود رقعة الأعمال .وجمع - سبحانه - الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام في الآية في الآية الأولى ثم أفردهما بالذكر في هذه الآية ، لأن الخطاب للمؤمنين ، والمقصود نيهم عن الخمر والميسر ، وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة ، أي أن مجيء الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر إنما هو لتقبيح تعاطيهما ، وتأكيد حرمتهما ، حتى لكأن متعاطي الخمر والميسر يفعل أفعال أهل الجاهلية ، وأهل الشرك بالله - تعالى - وكأنه - كما يقول الزمخشري - : لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب ، وبين من شرب خمراً أو قامر .وخص الصلاة بالذكر مع أنها لون من ألوان ذكر الله ، تعظيما لشأنها ، كما هو الحال في ذكر الخاص بعد العام ، وإشعارا بأن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان ، لما أنها عماد الدين والفارق بين المسلم وبين الكافر .والاستفهام في قوله ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ) لإِنكار استمرارهم على الخمر والميسر بعد أن بين لهم ما بين من مضارهما الدنيوية والدينية ولحضهم على ترك تعاطيهما فورا ، أي : انتهوا سريعاً عنهما فقد بينت لكم ما يدعو إلى ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أنا نشرح وجه العداوة والبغضاء أولاً في الخمر ثم في الميسر: أما الخمر فاعلم أن الظاهر فيمن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم، فكان غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء، فالشيطان يسول أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر وحصلت نهاية العداوة والبغضاء.

وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الأجحاف بأرباب الأموال، لأن من صار مغلوباً في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالباً فيه، وقد يتفق أن لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله وولده، ولا شك أنه بعد ذلك يبقى فقيراً مسكيناً ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم.

فإن قيل: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام ثم أفردهما في آخر الآية.

قلنا: لأن هذه الآية خطاب مع المؤمنين بدليل أنه تعالى قال: ﴿ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر  ﴾ والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيداً لقبح الخمر والميسر، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر.

أما النوع الثاني: من المفاسد الموجودة في الخمر والميسر: المفاسد المتعلقة بالدين، وهو قوله تعالى: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة ﴾ فنقول: أما أن شرب الخمر يمنع عن ذكر الله فظاهر، لأن شرب الخمور يورث الطرب واللذة الجسمانية، والنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله تعالى، وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك، لأنه إن كان غالباً صار استغراقه في لذة الغلبة مانعاً من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

فإن قيل: الآية صريحة في أن علة تحريم الخمر هي هذه المعاني، ثم إن هذه المعاني كانت حاصلة قبل تحريم الخمر مع أن التحريم ما كان حاصلاً وهذا يقدح في صحة هذا التعليل: قلنا: هذا هو أحد الدلائل على أن تخلف الحكم عن العلة المنصوصة لا يقدح في كونها علة.

ولما بيّن تعالى اشتمال شرب الخمر واللعب بالميسر على هذه المفاسد العظيمة في الدين.

قال تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى  ﴾ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللّهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فلما نزلت هذه الآية قال عمر: انتهينا يا رب.

واعلم أن هذا وإن كان استفهاماً في الظاهر إلا أن المراد منه هو النهي في الحقيقة، وإنما حسن هذا المجاز لأنه تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها للمخاطب، فلما استفهم بعد ذلك عن تركها لم يقدر المخاطب إلا على الاقرار بالترك، فكأنه قيل له: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما قد ظهر فصار قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ جارياً مجرى تنصيص الله تعالى على وجوب الانتهاء مقروناً بإقرار المكلف بوجوب الانتهاء.

واعلم أن هذه الآية دالة على تحريم شرب الخمر من وجوه: أحدها: تصدير الجملة بإنما، وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا هذه الأربعة.

وثانيها: أنه تعالى قرن الخمر والميسر بعبادة الأوثان، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «شارب الخمر كعابد الوثن».

وثالثها: أنه تعالى أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر للوجوب.

ورابعها: أنه قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبة.

وخامسها: أنه شرح أنواع المفاسد المتولدة منها في الدنيا والدين، وهي وقوع التعادي والتباغض بين الخلق وحصول الاعراض عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة.

وسادسها: قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ وهو من أبلغ ما ينتهي به كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيها من أنواع المفاسد والقبائح فهل أنتم منتهون مع هذه الصوارف؟

أم أنتم على ما كنتم عليه حين لم توعظوا بهذه المواعظ.

وسابعها: أنه تعالى قال بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «شارب الخمر كعابد الوثن» ومنها أنه جعلهما رجساً، كما قال تعالى: ﴿ فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان ﴾ [الحج: 30] ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب.

ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح، وإذا كان الاجتناب فلاحاً، كان الارتكاب خيبة ومحقة.

ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض من أصحاب الخمر والقمر، وما يؤدّيان إليه من الصدّ عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة.

وقوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ من أبلغ ما ينهى عنه، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون.

أم أنتم على ما كنتم عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟

فإن قلت: إلام يرجع الضمير في قوله: ﴿ فاجتنبوه ﴾ ؟

قلت: إلى المضاف المحذوف، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك.

ولذلك قال: ﴿ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ الشيطان ﴾ فإن قلت: لم جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولاً ثم أفردهما آخراً؟

قلت: لأن الخطاب مع المؤمنين.

وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر، وإظهار أنّ ذلك جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنماً وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمراً أو قامر، ثم أفردهما بالذكر ليرى أن المقصود بالذكر الخمر والميسر.

وقوله: ﴿ وَعَنِ الصلاة ﴾ اختصاص للصلاة من بين الذكر كأنه قيل: وعن الصلاة خصوصاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ ﴾ وإنَّما خَصَّهُما بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُما المَقْصُودُ بِالبَيانِ، وذَكَرَ الأنْصابَ والأزْلامَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ.

لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» .

وَخَصَّ الصَّلاةَ مِنَ الذِّكْرِ بِالإفْرادِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ مِن حَيْثُ إنَّها عِمادُهُ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ، ثُمَّ أعادَ الحَثَّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ الصَّوارِفِ فَقالَ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في المَنعِ والتَّحْذِيرِ بَلَغَ الغايَةَ وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ.

﴿ وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ فِيما أمَرا بِهِ.

﴿ واحْذَرُوا ﴾ ما نَهَيا عَنْهُ أوْ مُخالَفَتَهُما.

﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ أيْ فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا الرَّسُولَ  بِتَوَلِّيكُمْ، فَإنَّما عَلَيْهِ البَلاغُ وقَدْ أدّى، وإنَّما ضَرَرْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)

{إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة} ذكر ما يتولد منهما من الوبال

المائدة (٩١ _ ٩٤)

وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة وخص الصلاة من بين الذكر لزيادة درجتها كأنه قال وعن الصلاة خصوصاً وإنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أو لا ثم أفردهما آخراً لأن الخطاب مع المؤمنين وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه من شرب الخمر واللعب بالميسر وذكر الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر والميسر وإظهار أن ذلك جميعاً من أعمال أهل الشرك فكأنه

لا مباينة بين عابد الصنم وشارب الخمر والمقامر ثم أفردهما بالذكر ليعلم أنهما المقصود بالذكر {فهل أنتم منتهون} من أبلغ ما ينتهى به كأنه قيل قد تُلي عليكم ما فيهما من الصوارف والزواجر فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم انتم على ما كنتم عيه كأن لم توعظوا ولم تزجروا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِبَيانِ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَعاطِيهِما لِأنَّ السَّكْرانَ يُقْدِمُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي تُوجِبُ ذَلِكَ، ولا يُبالِي وإذا صَحا نَدِمَ عَلى ما فَعَلَ، والرَّجُلُ قَدْ يُقامِرُ حَتّى لا يَبْقى لَهُ شَيْءٌ وتَنْتَهِيَ بِهِ المُقامَرَةُ إلى أنْ يُقامِرَ بِوَلَدِهِ وأهْلِهِ فَيُؤَدِّي بِهِ ذَلِكَ إلى أنْ يَصِيرَ أعْدى الأعْداءِ لِمَن قَمَرَهُ وغَلَبَهُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى مَفاسِدِها الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ ﴾ إشارَةٌ إلى مَفاسِدِهِما الدِّينِيَّةِ ووَجْهُ صَدِّ الشَّيْطانِ لَهم بِذَلِكَ عَمّا ذُكِرَ أنَّ الحُمْرَ لِغَلَبَةِ السُّرُورِ بِها والطَّرَبِ عَلى النُّفُوسِ والِاسْتِغْراقِ في المَلاذِّ الجُسْمانِيَّةِ تُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ الصَّلاةِ وأنَّ المَيْسِرَ إنْ كانَ اللّاعِبُ بِهِ غالِبًا انْشَرَحَتْ نَفْسُهُ ومَنعُهُ حُبَّ الغَلَبِ والقَهْرِ والكَسْبِ عَمّا ذُكِرَ وإنْ كانَ مَغْلُوبًا حَصَلَ لَهُ مِنَ الِانْقِباضِ والقَهْرِ ما يَحُثُّهُ عَلى الِاحْتِيالِ لِأنْ يَصِيرَ غالِبًا فَلا يَكادُ يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ شاهَدْنا كَثِيرًا مِمَّنْ يَلْعَبُ بِالشَّطْرَنْجِ يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ اللَّجاجِ والحَلِفِ الكاذِبِ والغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى ما يَنْفِرُ مِنهُ الفِيلُ وتَكْبُو لَهُ الفَرَسُ ويَصُوحُ مِن سُمُومِهِ الرُّخُّ بَلْ يَتَساقَطُ رِيشُهُ ويَحارُ لِشَناعَتِهِ بَيْذَقُ الفَهْمِ ويَضْطَرِبُ رَزِينُ العَقْلِ ويَمُوتُ شاهٍ القَلْبِ وتَسْوَدُّ رُقْعَةُ الأعْمالِ، وتَخْصِيصُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِهِما، وذِكْرُ الأنْصابِ والأزْلامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ ما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ  والسَّلَفِ الصّالِحِ مِنَ الأخْبارِ الصّادِحَةِ بِمَزِيدِ ذَمِّهِما والحَطِّ عَلى مُرْتَكِبِهِما وخُصَّ الصَّلاةُ مِنَ الذَّكَرِ بِالإفْرادِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ الَّذِي يَصُدُّ عَنْهُ يَصُدُّ عَنْها لِأنَّهُ مِن أرْكانِها تَعْظِيمًا لَها كَما في ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ وإشْعارًا بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ لِما أنَّها عِمادُهُ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إذِ التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ وهي أعْظَمُ شَعائِرِهِ المُشاهَدَةِ في كُلِّ وقْتٍ ولِذا طُلِبَتْ فِيها الجَماعَةُ لِيُشاهِدُوا الإيمانَ ويَشْهَدُوا بِهِ فَفي الكَلامِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُرادَ اللَّعِينِ ومُنْتَهى آمالِهِ مِن تَزْيِينِ تَعاطِي شُرْبِ الخَمْرِ واللُّعَبِ بِالمَيْسِرِ الإيقاعُ في الكُفْرِ المُوجِبِ لِلْخُلُودِ مَعَهُ في النّارِ وبِئْسَ القَرارُ، ثُمَّ أنَّهُ سُبْحانَهُ أعادَ الحَثَّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مَعَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أصْنافِ الصَّوارِفِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ 19 - إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في الرَّدْعِ والمَنعِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى أنَّ العاقِلَ إذا خَلى ونَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ في الِانْتِهاءِ ووَجْهُ تِلْكَ التَّأْكِيداتِ أنَّ القَوْمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما قِيلَ كانُوا مُتَرَدِّدِينَ في التَّحْرِيمِ بَعْدَ نُزُولِ آيَةِ البَقَرَةِ ولِذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا ذَلِكَ بَيانًا شافِيًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولَمّا سَمِعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قالَ: انْتَهَيْنا يا رَبُّ وأخْرُجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ الآيَةُ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها لِمَنافِعِها الَّتِي فِيها، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ فِيهِ إثْمٌ ثُمَّ نَزَلَ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ الآيَةُ فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها ونَجْلِسُ في بُيُوتِنا، وقالَ آخَرُونَ لا خَيْرَ في شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ الآيَةُ فانْتَهَوْا وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِما نَزَلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلا يَطْعَمْهُ ولا تَبِيعُوها“ فَلَبِثَ المُسْلِمُونَ زَمانًا يَجِدُونَ رِيحَها مِن طُرُقِ المَدِينَةِ مِمّا أهَراقُوا مِنها،» وأخْرَجَ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّهُ قالَ: «لِما نَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ”إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النِّساءِ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ:“إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ" ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ بِالمائِدَةِ فَحُرِّمَتِ الخَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ» وقَدْ تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ نزلت هذه الآية في شأن سعد بن أبي وقاص، لأنهم كانوا يشربونها، وكانت لهم حلالاً.

فجرى بين سعد وبين رجل من الأنصار افتخار في الأنساب، فاقتتلا، فشج رأس سعد، فدعا عمر بن الخطاب، فقال: اللهم أرنا رأيك في الخمر، فإنها متلفة للمال، مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: 219] فقال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت هذه الآية: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعني: حرام، وهو من تزيين الشيطان، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: فاتركوا شربها، ولم يقل: فاجتنبوها، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: اجتنبوا ما ذكرنا ونهيناكم عن ذلك، قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ [الأنعام: 141] ولم يقل: من ثمرها.

ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يعني: عن طاعة الله، وَعَنِ الصَّلاةِ لأنهم مُنِعوا عن الصلاة إذا كانوا سكارى.

ولأنه إذا سكر لا يعقل الطاعة وأداء الصلاة.

ثم قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يعني: انتهوا عن شربها، فقال عمر: قد انتهينا يا رب.

وعن عطاء بن يسار: أن رجلاً قال لكعب الأحبار: أحُرِّمت الخمرة في التوراة؟.

قال: نعم هذه الآية إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ مكتوب في التوراة: إنا أنزلنا الحق لنذهب به الباطل، وتبطل به اللعب والدفف والمزامير والخمر مرة لشاربها، أقسم الله تعالى بعزه وجلاله، أن من انتهكها في الدنيا، أعطشته في الآخرة يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينها إياه في حظيرة القدس، قيل: وما حظيرة القدس؟

قال: الله هو القدس، وحظيرته الجنة.

ثم قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني: في تحريم الخمر، وَاحْذَرُوا عن شربها، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يقول: أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ فهذا تهديد لمن شرب الخمر بعد التحريم، فلما نزلت هذه الآية قال: حُييُّ بن أخطب: فما حال من مات منهم وهم يشربونها.

فعيّر بذلك أصحاب رسول الله  فسأل رسول الله  أصحابه عن ذلك، فنزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا يعني: شربوا قبل تحريمها، ولم يعرفوا تحريمها.

ويقال: إن بعض الصحابة كانوا في سَفْرَة فشربوا منها بعد التحريم، ولم يعرفوا تحريمها.

فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله  فنزل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا يعني: شربوا قبل تحريمها، إِذا مَا اتَّقَوْا الشرك، وَآمَنُوا يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا المعاصي وَآمَنُوا يعني: صدقوا بعد تحريمها ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في أفعالهم ويقال: معناه ليس عليهم جناح فيما طعموا قبل تحريمها إذا اجتنبوا شربها بعد تحريمها.

وروى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يومئذٍ معاوية بن أبي سفيان، وقالوا هي لنا حلال وتأولوا قوله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أن ابعثهم إليّ، قبل أن يفسدوا من قِبَلك.

فلما قدموا على عمر، جمع أصحاب رسول الله  فقال لهم ما ترون؟

فقالوا: إنهم قد افتروا على الله كذباً، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعليّ ساكت فقال: يا عليّ ما ترى؟

قال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا فاضربهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا فاضرب أعناقهم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين جلدة وأرسلهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ ...

الآية:

قال ع «١» : وفي معنى الأزلام: الزَّجْرُ بالطيرِ، وأخْذُ الفألِ في الكتب ونحوه ممَّا يصنعه الناسُ، وأخبر سبحانه أنَّ هذه الأشياء رجْسٌ، قال ابن عباس في هذه الآية: رِجْسٌ:

سَخَطَ «٢» ، وقال ابن زَيْدٍ: الرجْسُ «٣» الشرُّ.

قال ع «٤» : الرِّجْس: كلُّ مكروهٍ ذميمٍ، وقد يقال للعذابِ والرجْزِ: العذابُ لا غَيْر، والرِّكْس: العَذِرَةُ لا غَيْر، والرِّجْسُ يقال للأمرين.

وقوله سبحانه: فَاجْتَنِبُوهُ: أمر باجتنابه، فحرمت الخمر بظاهر القرآن، ونصِّ الأحاديث، وإجماع الأمة، وأمْرُ الخمر إنما كان بتدريجٍ ونوازلَ كثيرةٍ كقصَّة حمزة، حين جَبَّ الأسْنِمَة، وقولِهِ: وهل أنتم إلا عبيدُ أبِي، ثم أعلم سبحانه عباده أنَّ الشيطان إنَّمَا يريد أنْ تقع العداوةُ بسَبَبِ الخَمْر، وما يعتري عليها بَيْنَ المؤمنينِ، وبسبب المَيْسر إذ كانوا يتقَامَرُونَ عَلَى الأموال حتى رُبَّما بَقِيَ المقمور فقيراً، فَتَحْدُثُ من ذلك ضغائِنُ وعداواتٌ، فإن لم يصلِ الأمر إلى حَدِّ العداوة، كانَتْ بغضاء، ولا تحسُنُ عاقبة قومٍ متباغضين، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَاناً» «٥» ، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين، ويجاهَدُ العدوُّ، والبغضاءُ تنقضُ عُرَى الدِّين، وتهدم عمادَ الحمايةِ، وكذلك أيضاً يريدُ الشيطانُ أنْ يصدَّ المؤمنين عَنْ ذكْر اللَّه، وعنِ الصلاة، ويشغلهم عنها باتباع الشهواتِ، والخمرُ والميسرُ والقمَارُ كلُّه مِنْ أعظم الآفات في ذلك، وفي قوله سبحانه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: وعيدٌ زائد على معنى: «انتهوا» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ أمّا "الخَمْرُ" فَوُقُوعُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ فِيها عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ مِنَ القِتالِ والمُماراةِ.

وأمّا المَيْسِرُ، فَقالَ قَتادَةُ: كانَ الرَّجُلُ يُقامِرُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ، فَيُقْمَرُ ويَبْقى حَزِينًا سَلِيبًا، فَيَنْظُرُ إلى مالِهِ في يَدِ غَيْرِهِ، فَيُكْسِبُهُ ذَلِكَ العَداوَةَ والبَغْضاءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ومَعْناهُ: الأمْرُ.

تَقْدِيرُهُ: انْتَهُوا.

قالَ الفَرّاءُ: رَدَّدَ عَلَيَّ أعْرابِيٌّ: هَلْ أنْتَ ساكِتٌ، هَلْ أنْتَ ساكِتٌ؟

وهو يُرِيدُ: اسْكُتْ، اسْكُتْ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ، لا بِمَعْنى: الأمْرِ.

ذَكَرَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أنَّ جَماعَةً كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، ويَقُولُونَ: لَمْ يُحَرِّمْها، إنَّما قالَ: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ فَقالَ بَعْضُنا: انْتَهَيْنا، وقالَ بَعْضُنا: لَمْ نَنْتَهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ  ﴾ حُرِّمَتْ، لِأنَّ "الإثْمَ" اسْمٌ لِلْخَمْرِ.

وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ فِيما أمَراكم، واحْذَرُوا خِلافَهُما ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ، ﴿ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا ﴾ مُحَمَّدٍ ﴿ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ وهَذا وعِيدٌ لَهم، كَأنَّهُ قالَ: فاعْلَمُوا أنَّكم قَدِ اسْتَحْقَقْتُمُ العَذابَ لِتَوَلِّيكم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ إنَّما يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ ﴿ وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ ﴾ اَلْخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًا؛ لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ شَهَواتٌ؛ وعاداتٌ قَدْ تُلُبِّسَ بِها في الجاهِلِيَّةِ؛ وغَلَبَتْ عَلى النُفُوسِ؛ فَكانَ بَقِيَ مِنها في نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ؛ وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ قِمارٌ؛ ولَذَّةٌ لِلْفارِغِ مِنَ النُفُوسِ؛ ونَفْعٌ أيْضًا بِوَجْهٍ ما؛ وأمّا الأنْصابُ فَهي حِجارَةٌ يُذَكُّونَ عِنْدَها لِفَضْلٍ يَعْتَقِدُونَهُ فِيها؛ وقِيلَ: هي الأصْنامُ المَعْبُودَةُ؛ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها؛ وعِنْدَها؛ في الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنْ كانَتِ المُرادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الحِجارَةَ الَّتِي يُذْبَحُ عِنْدَها فَقَطْ؛ فَذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في نَفْسِ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ شَيْءٌ مِن تَعْظِيمِ تِلْكَ الحِجارَةِ؛ وهَذا كَما قالَتِ امْرَأةُ الطُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَوْسِيِّ لِزَوْجِها: أتَخافُ عَلى الصِبْيَةِ مِن ذِي الشَرى شَيْئًا؟

و"ذُو الشَرى" صَنَمٌ لِدَوْسٍ؛ وإنْ كانَتِ المُرادَةُ في هَذِهِ الآيَةِ الأصْنامَ فَإنَّما قُرِنَتْ بِهَذِهِ الأُمُورِ لِيَبِينَ النَقْصُ في هَذِهِ إذْ تُقْرَنُ بِالأصْنامِ؛ ولا يُتَأوَّلُ أنَّهُ بَقِيَ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ شَيْءٌ مِن تَعْظِيمِ الأصْنامِ؛ والتَلَبُّسِ بِها؛ حَتّى يُقالَ لَهُ: اِجْتَنِبْهُ.

وأمّا الأزْلامُ فَهي الثَلاثَةُ الَّتِي كانَ أكْثَرُ الناسِ يَتَّخِذُونَها؛ في أحَدِها "لا"؛ وفي الآخَرِ "نَعَمْ"؛ والآخَرُ غُفْلٌ؛ وهي الَّتِي حَبَسَها سُراقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ؛ حِينَ اتَّبَعَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ الهِجْرَةِ؛ فَكانُوا يُعَظِّمُونَها؛ وبَقِيَ مِنها في بَعْضِ النُفُوسِ شَيْءٌ؛ ومِن هَذا القَبِيلِ هَوى الزَجْرِ بِالطَيْرِ؛ وأخْذُ الفَأْلِ مِنها في الكُتُبِ؛ ونَحْوُهُ مِمّا يَصْنَعُهُ الناسُ اليَوْمَ؛ وقَدْ يُقالُ لِسِهامِ المَيْسِرِ "أزْلامٌ"؛ والزَلْمُ: اَلسَّهْمُ؛ وكانَ مِنَ الأزْلامِ أيْضًا ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ؛ وكانَ مِنها سِهامٌ عِنْدَ الأصْنامِ؛ وهي الَّتِي ضُرِبَ بِها عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ أبِي النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وكانَ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ أزْلامٌ؛ فِيها أحْكامٌ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ رِجْسٌ؛ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلرِّجْسُ: اَلشَّرُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كُلُّ مَكْرُوهٍ ذَمِيمٌ؛ وقَدْ يُقالُ لِلْعَذابِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: رِجْسٌ: سَخَطٌ؛ وقَدْ يُقالُ لِلنَّتِنِ؛ ولِلْعُذْرَةِ؛ والأقْذارِ: "رِجْسٌ"؛ والرِجْزُ: اَلْعَذابُ؛ لا غَيْرُ؛ والرِكْسُ: العُذْرَةُ؛ لا غَيْرُ؛ والرِجْسُ يُقالُ لِلْأمْرَيْنِ؛ وأمَرَ اللهُ تَعالى بِاجْتِنابِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ واقْتَرَنَتْ بِصِيغَةِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: "فاجْتَنِبُوهُ"؛ نُصُوصُ الأحادِيثِ؛ وإجْماعُ الأُمَّةِ؛ فَحَصَلَ الِاجْتِنابُ في رُتْبَةِ التَحْرِيمِ؛ فَبِهَذا حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظاهِرِ القُرْآنِ؛ ونَصِّ الحَدِيثِ؛ وإجْماعِ الأُمَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ الخَمْرِ ومَعْناها؛ وتَفْسِيرُ المَيْسِرِ؛ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأنْصابِ والِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ؛ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ؛ فَقالَ أبُو مَيْسَرَةَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ «عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَإنَّهُ ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عُيُوبَ الخَمْرِ؛ وما يَنْزِلُ بِالناسِ مِن أجْلِها؛ ودَعا إلى اللهِ في تَحْرِيمِها؛ وقالَ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا فِيها بَيانًا شافِيًا؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ؛ فَقالَ عُمَرُ: اِنْتَهَيْنا؛ انْتَهَيْنا.» وقالَ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ ؛ عن أبِيهِ سَعْدٍ ؛ قالَ: صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا؛ فَدَعانا؛ فَشَرِبْنا الخَمْرَ؛ حَتّى انْتَشَيْنا؛ فَتَفاخَرَتِ الأنْصارُ وقُرَيْشٌ؛ فَقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ؛ فَأخَذَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لَحْيَ جَمَلٍ؛ فَضَرَبَ بِهِ أنْفَ سَعْدٍ ؛ فَفَزَرَهُ؛ فَكانَ سَعْدٌ أفْزَرَ الأنْفِ؛ قالَ سَعْدٌ: فَفِيَّ نَزَلَتِ الآيَةُ إلى آخِرِها.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ؛ شَرِبُوا حَتّى إذا ثَمِلُوا عَرْبَدُوا؛ فَلَمّا صَحَوْا جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَرى الأثَرَ بِوَجْهِهِ؛ ولِحْيَتِهِ؛ وجَسَدِهِ؛ فَيَقُولُ: هَذا فِعْلُ فُلانٍ بِي؛ فَحَدَثَ بَيْنَهم في ذَلِكَ ضَغائِنُ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمْرُ الخَمْرِ إنَّما كانَ بِتَدْرِيجٍ؛ ونَوازِلَ كَثِيرَةٍ؛ مِنها قِصَّةُ حَمْزَةَ ؛ حِينَ جَبَّ الأسْنِمَةَ؛ وقالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: وهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي؟

ومِنها قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في صَلاةِ المَغْرِبِ: "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ"؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى  ﴾ ؛ اَلْآيَةُ؛ ثُمَّ لَمْ تَزَلِ النَوازِلُ تَحْزِبُ الناسَ بِسَبَبِها؛ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ فَحُرِّمَتْ بِالمَدِينَةِ؛ وخَمْرُ العِنَبِ فِيها قَلِيلٌ؛ إنَّما كانَتْ خَمْرُهم مِن خَمْسَةِ أشْياءَ: مِنَ العَسَلِ؛ ومِنَ التَمْرِ؛ ومِنَ الزَبِيبِ؛ ومِنَ الحِنْطَةِ؛ ومِنَ الشَعِيرِ؛ والأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلى تَحْرِيمِ القَلِيلِ والكَثِيرِ مِن خَمْرِ العِنَبِ الَّتِي لَمْ تَمَسَّها نارٌ؛ ولا خالَطَها شَيْءٌ؛ وأكْثَرُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرامٌ؛ ولِأبِي حَنِيفَةَ؛ وبَعْضِ فُقَهاءِ الكُوفَةِ؛ إباحَةُ ما لا يُسْكِرُ مِمّا يُسْكِرُ كَثِيرُهُ؛ مِن غَيْرِ خَمْرِ العِنَبِ؛ وهو مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ؛ وقَدْ خَرَّجَ قَوْمٌ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن وصْفِها بِـ "رِجْسٌ"؛ وقَدْ وصَفَ تَبارَكَ وتَعالى في آيَةٍ أُخْرى المَيْتَةَ؛ والدَمَ المَسْفُوحَ؛ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ بِأنَّها رِجْسٌ؛ فَيَجِيءُ مِن ذَلِكَ أنَّ كُلَّ رِجْسٍ حَرامٌ؛ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا نَظَرٌ؛ والِاجْتِنابُ: أنْ يُجْعَلَ الشَيْءُ جانِبًا؛ أو ناحِيَةً.

ثُمَّ أعْلَمَ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ أنَّ الشَيْطانَ إنَّما يُرِيدُ أنْ تَقَعَ العَداوَةُ بِسَبَبِ الخَمْرِ؛ وما كانَ يُغْرِي عَلَيْها؛ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ؛ وبِسَبَبِ المَيْسِرِ؛ إذْ كانُوا يَتَقامَرُونَ عَلى الأمْوالِ؛ والأهْلِ؛ حَتّى رُبَّما بَقِيَ المَقْمُورُ حَزِينًا؛ فَقِيرًا؛ فَتَحْدُثُ مِن ذَلِكَ ضَغائِنُ؛ وعَداوَةٌ؛ فَإنْ لَمْ يَصِلِ الأمْرُ إلى حَدِّ العَداوَةِ؛ كانَتْ بَغْضاءُ؛ ولا تَحْسُنُ عاقِبَةُ قَوْمٍ مُتَباغِضِينَ؛ ولِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "وَلا تَباغَضُوا؛ ولا تَحاسَدُوا؛ ولا تَدابَرُوا؛ وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا"؛» وبِاجْتِماعِ النُفُوسِ؛ والكَلِمَةِ؛ يُحْمى الدِينُ ويُجاهَدُ العَدُوُّ؛ والبَغْضاءُ تَنْقُضُ عُرى الدِينِ؛ وتَهْدِمُ عِمادَ الحِمايَةِ؛ وكَذَلِكَ أيْضًا يُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يَصُدَّ المُؤْمِنِينَ عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَلاةِ؛ ويَشْغَلَهم عنها بِشَهَواتٍ؛ فالخَمْرُ؛ والمَيْسِرُ؛ والقِمارُ؛ كُلُّها مِن أعْظَمِ آلاتِهِ في ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ ؛ وعِيدٌ في ضِمْنِ التَوْقِيفِ؛ زائِدٌ عَلى مَعْنى "اِنْتَهُوا"؛ ولَمّا كانَ في الكَلامِ مَعْنى "اِنْتَهُوا"؛ حَسُنَ أنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِ "وَأطِيعُوا"؛ وكَرَّرَ "وَأطِيعُوا"؛ في ذِكْرِ الرَسُولِ تَأْكِيدًا؛ ثُمَّ حَذَّرَ تَعالى مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ؛ وتَوَعَّدَ مَن تَوَلّى بِعَذابِ الآخِرَةِ؛ أيْ: إنَّما عَلى الرَسُولِ أنْ يُبَلِّغَ؛ وعَلى المُرْسَلِ أنْ يُعاقِبَ؛ أو يُثِيبَ؛ بِحَسَبِ ما يُعْصى؛ أو يُطاعُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف خطاب للمؤمنين تقفية على الخطاب الذي قبله ليُنْظَم مضمونه في السلك الذي انتظم فيه مضمون الخطاب السابق، وهو قوله: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ [المائدة: 87] المشير إلى أنّ الله، كما نَهى عن تَحريم المباح، نهَى عن استحلال الحرام وأنّ الله لمّا أحلّ الطيّبات حرّم الخبائث المفضية إلى مفاسد، فإنّ الخمر كان طيّباً عند الناس، وقد قال الله تعالى: ﴿ ومن ثمرات النخيل والأعناب تتّخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [النحل: 67].

والميسر كان وسيلة لإطعام اللحم من لا يقدرون عليه.

فكانت هذه الآية كالاحتراس عمّا قد يُساء تأويله من قوله ﴿ لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ [الأنعام: 87].

وقد تقدّم في سورة البقرة أنّ المعوّل عليه من أقوال علمائنا أنّ النهي عن الخمر وقع مدرّجاً ثلاث مرات: الأولى حين نزلت آية ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ [البقرة: 219]، وذلك يتضمّن نهياً غير جازم، فتَرك شرب الخمر ناس كانوا أشدّ تقوى.

فقال عمر: اللّهمّ بَيّن لنا في الخمر بياناً شافياً.

ثم نزلت آية سورة [النساء: 43] ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى حتّى تعلموا ما تقولون ﴾ ، فتجنّب المسلمون شربها في الأوقات التي يظنّ بقاء السكر منها إلى وقت الصلاة؛ فقال عمر: اللّهم بيِّن لنا في الخمر بَيَاناً شافياً.

ثم نزلت الآية هذه.

فقال عمر: انتهينا.

والمشهور أنّ الخمر حرمت سنة ثلاث من الهجرة بعد وقعة أحُد، فتكون هذه الآية نزلت قبل سورة العقود ووضعت بعد ذلك في موضعها هنا.

وروي أنّ هذه الآية نزلت بسبب ملاحاة جرَت بين سعد بن أبي وقاص ورجللٍ من الأنصار.

روى مسلم عن سعد بن أبي وقّاص قال: أتيتُ على نفر من الأنصار، فقالوا: تعالَ نطعِمْك ونُسقك خمراً وذلك قبل أن تحرّم الخمر فأتيتهم في حُشّ، وإذا رأسُ جَزور مشوي وزقّ من خمر، فأكلت وشربت معهم، فذكرتُ الأنصار والمهاجرين عندهم، فقلتُ: المهاجرون خير من الأنصار، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَ جَمَل فضربني به فجَرح بأنفي فأتيت رسول الله فأخبرته، فأنزل الله تعالى فِيّ إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } .

وروى أبو داود عن ابن عبّاس قال: ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [النساء: 43] و ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للنّاس ﴾ [البقرة: 219] نسختهما في المائدة ﴿ إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ﴾ .

فلا جرم كان هذا التحريم بمحلّ العناية من الشارع متقدّماً للأمّة في إيضاح أسبابه رفقاً بهم واستئناساً لأنفسهم، فابتدأهم بآية سورة البقرة، ولم يسفّههم فيما كانوا يتعاطون من ذلك، بل أنبأهم بعذرهم في قوله: ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ [البقرة: 219]، ثم بآية سورة النساء، ثم كرّ عليها بالتحريم بآية سورة المائدة فحصر أمرهما في أنّهما رجس من عمل الشيطان ورجا لهم الفلاح في اجتنابهما بقوله: ﴿ لعلّكم تفلحون ﴾ ، وأثار ما في الطباع من بغض الشيطان بقوله: ﴿ إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴾ .

ثم قال ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ، فجاء بالاستفهام لتمثيل حال المخاطبين بحال من بيَّن له المتكلّم حقيقة شيء ثم اختبر مقدار تأثير ذلك البيان في نفسه.

وصيغة: هل أنت فاعل كذا.

تستعمل للحثّ على فعل في مقام الاستبطاء، نبّه عليه في «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ وقيل للنّاس هَلْ أنتم مُجتمعون ﴾ في سورة [الشعراء: 39]، قال: ومنه قول تأبّط شرّاً: هل أنتَ باعثُ دينار لحاجتنا *** أو عَبْدِ ربّ أخَا عَوْننِ بننِ مِخْرَاقِ (دينار اسم رجل، وكذا عبد ربّ.

وقوله: أخا عون أو عوف نداء، أي يا أخا عون).

فتحريم الخمر متقرّر قبل نزول هذه السورة، فإنّ وفد عبد القيس وفدوا قبل فتح مكة في سنة ثمان، فكان ممّا أوصاهم به رسول الله أن لا ينتبذوا في الحَنتم والنقير والمُزَفَّت والدّبَّاءِ، لأنَّها يسرع الاختمار إلى نبيذها.

والمراد بالأنصاب هنا عبادة الأنصاب.

والمراد بالأزلام الاستقسام بها، لأنّ عطفها على الميسر يقتضي أنّها أزلام غير الميسر.

قال في الكشاف } : ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم للخمر والميسر.

وتقدّم الكلام على الخمر والميسر في آية سورة البقرة، وتقدم الكلام على الأنصاب عند قوله تعالى: ﴿ وما ذُبح على النّصُب ﴾ [المائدة: 3]، والكلام على الأزلام عند قوله: ﴿ وأن تستقسموا بالأزلام ﴾ في أول هذه السورة [3].

وأكّد في هذه الآية تحريم ما ذُبح على النُصب وتحريم الاستقسام بالأزلام وهو التحريم الوارد في أوّل السورة والمقرّر في الإسلام من أوّل البعثة.

والمرادُ بهذه الأشياء الأربعة هنا تعاطيها، كلّ بما يُتعاطى به من شُرْب ولعب وذَبح واستِقسام.

والقصرُ المستفاد من إنّما } قصرُ موصوف على صفة، أي أنّ هذه الأربعة المذكورات مقصورة على الاتّصاف بالرجس لا تتجاوزه إلى غيره، وهو ادّعائي للمبالغة في عدم الاعتداد بما عدا صفة الرجس من صفات هذه الأربعة.

ألا ترى أنّ الله قال في سورة [البقرة: 219] في الخمر والميسر ﴿ قل فيهما إثم كبير ومَنَافع للناس ﴾ ، فأثبت لهما الإثم، وهو صفة تساوي الرجس في نظر الشريعة، لأنّ الإثم يقتضي التباعد عن التلبّس بهما مثل الرجس.

وأثبت لهما المنفعة، وهي صفة تساوي نقيض الرجس، في نظر الشريعة، لأنّ المنفعة تستلزم حرصَ الناس على تعاطيهما، فصحّ أنّ للخمر والميسر صفتين.

وقد قُصر في آية المائدة على ما يساوي إحدى تينك الصفتين أعني الرجس، فما هو إلاّ قَصْر ادّعائي يشير إلى ما في سورة [البقرة: 219] من قوله: ﴿ وإثمُهما أكبر من نفعهما ﴾ ، فإنّه لمّا نبّهنا إلى ترجيح ما فيهما من الإثم على ما فيهما من المنفعة فقد نبّهنا إلى دحض ما فيهما من المنفعة قُبالة ما فيهما من الإثم حتّى كأنّهما تمحّضا للاتّصاف ب ﴿ فيهما إثم ﴾ [البقرة: 219]، فصحّ في سورة المائدة أن يقال في حقّهما ما يفيد انحصارهما في أنّهما فيهما إثم، أي انحصارهما في صفة الكون في هذه الظرفية كالانحصار الذي في قوله: ﴿ إنْ حسابُهم إلاّ على رَبِّي ﴾ [الشعراء: 113]، أي حسابهم مقصور على الاتّصاف بكونه على ربّي، أي انحصر حسابهم في معنى هذا الحرف.

وذلك هو ما عبّر عنه بعبارة الرجس.

والرجس الخبث المستقذر والمكروه من الأمور الظاهرة، ويطلق على المذمّات الباطنة كما في قوله: ﴿ وأمّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125]، وقوله: ﴿ إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ﴾ [الأحزاب: 33].

والمراد به هنا الخبيث في النفوس واعتبارِ الشريعة.

وهو اسم جنس فالإخبار به كالإخبار بالمصدر، فأفاد المبالغة في الاتّصاف به حتّى كأنّ هذا الموصوف عين الرجس.

ولذلك أيضاً أفرد (رجس) مع كونه خبراً عن متعدّد لأنّه كالخبر بالمصدر.

ومعنى كونها من عمل الشيطان أن تعاطيَها بما تُتعاطى لأجله من تسويله للناس تعاطيها، فكأنّه هو الذي عملها وتعاطاها، وفي ذلك تنفير لمتعاطيها بأنّه يعمل عمل الشيطان، فهو شيطان، وذلك ممّا تأباه النفوس.

والفاء في ﴿ فاجتنبوه ﴾ للتفريع وقد ظهر حُسن موقع هذا التفريع بعد التقدّم بما يوجب النفرة منها.

والضمير المنصوب في قوله ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد إلى الرجس الجامع للأربعة.

و ﴿ لعلّكم تفلحون ﴾ رجاء لهم أن يفلحوا عند اجتناب هذه المنهيات إذا لم يكونوا قد استمرّوا على غيرها من المنهيات.

وتقدّم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ يأيّها الناس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلّكم تتّقون ﴾ [البقرة: 21].

وقد بيّنت ما اخترته في محل (لعلّ) وهو المطّرد في جميع مواقعها، وأمّا المحامل التي تأوّلوا بها (لعلّ) في آية سورة البقرة فبعضها لا يتأتّى في هذه الآية فتأمّلْه.

واجتناب المذكورات هو اجتناب التلبّس بها فيما تقصد له من المفاسد بحسب اختلاف أحوالها؛ فاجتناب الخمر اجتناب شربها؛ والميسر اجتناب التقامر به، والأنصاب اجتناب الذبح عليها؛ والأزلام اجتناب الاستقسام بها واستشارتها.

ولا يدخل تحت هذا الاجتناب اجتناب مسّها أو إراءتها للناس للحاجة إلى ذلك من اعتبار ببعض أحوالها في الاستقطار ونحوه، أو لمعرفة صورها، أو حفظها كآثار من التاريخ؛ أو ترك الخمر في طور اختمارها لِمن عَصَر العنب لاتّخاذه خلاً، على تفصيل في ذلك واختلاف في بعضه.

فأمّا اجتناب مماسّة الخمر واعتبارها نجسة لمن تلطّخ بها بعض جسده أو ثوبه فهو ممّا اختلف فيه أهل العلم؛ فمنهم من حملوا الرجس في الآية بالنسبة للخمر على معنييه المعنوي والذاتي، فاعتبروا الخمر نجس العين يجب غسلها كما يجب غسل النجاسة، حملاً للفظ الرجس على جميع ما يحتمله.

وهو قول مالك.

ولم يقولوا بذلك في قداح الميسر ولا في حجارة الأنصاب ولا في الأزلام والتفرقة بين هذه الثلاث وبين الخمر لا وجه لها من النظر.

وليس في الأثر ما يحتجّ به لنجاسة الخمر.

ولعلّ كون الخمر مائعة هو الذي قرّب شبهها بالأعيان النجسة، فلمّا وُصفت بأنّها رجس حُمل في خصوصها على معنييه.

وأمّا ما ورد في حديث أنس أنّ كثيراً من الصحابة غسلوا جرار الخمر لما نودي بتحريم شربها لذلك من المبالغة في التبرّئ منها وإزالة أثرها قبل التمكّن من النظر فيما سوى ذلك، ألا ترى أنّ بعضهم كسر جرارها، ولم يَقُل أحد بوجوب كسر الإناء الذي فيه شيء نجس.

على أنّهم فعلوا ذلك ولم يُؤمروا به من الرسول صلى الله عليه وسلم وذهب بعض أهل العلم إلى عَدم نجاسة عين الخمر.

وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمان، والليث بن سعد، والمُزني من أصحاب الشافعي، وكثير من البغداديين من المالكية ومن القيروانيين؛ منهم سعيد بن الحَدّاد القيرواني.

وقد استدلّ سعيد بن الحدّاد على طهارتها بأنّها سُفِكت في طرق المدينة، ولو كانت نجساً لنهوا عنه، إذ قد ورد النهي عن إراقة النجاسة في الطرق.

وذكر ابن الفرس عن ابن لبابة أنّه أقام قولاً بطهارة عين الخمر من المذهب.

وأقول: الذي يقتضيه النظر أنّ الخمر ليستْ نَجَس العين، وأنّ مسَاق الآية بعيد عن قصد نجاسة عينها، إنّما القصد أنّها رجس معنوي، ولذلك وصفه بأنّه من عَمَل الشيطان، وبيّنه بعدُ بقوله: ﴿ إنّما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ﴾ ، ولأنّ النجاسة تعتمد الخباثة والقذارة وليست الخمر كذلك، وإنّما تنزّه السلف عن مقاربتها لتقرير كراهيتها في النفوس.

وجملة ﴿ إنّما يريد الشيطان ﴾ بيان لكونها من عمل الشيطان.

ومعنى يريد يحبّ وقد تقدّم بيان كون الإرادة بمعنى المحبّة عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلّوا السبيل ﴾ في سورة [النساء: 44].

وتقدّم الكلام على العداوة والبغضاء عند قوله تعالى: ﴿ وألقينا بينهم العداوة والبغضاء ﴾ في هذه السورة [64].

وقوله: في الخمر والميسر} أي في تعاطيهما، على متعارف إضافة الأحكام إلى الذوات، أي بما يحدث في شرب الخمر من إثارة الخصومات والإقدام على الجرائم، وما يقع في الميسر من التحاسد على القامر، والغيظ والحسرة للخاسر، وما ينشأ عن ذلك من التشاتم والسباب والضرب.

على أنّ مجرّد حدوث العداوة والبغضاء بين المسلمين مفسدة عظيمة، لأنّ الله أراد أن يكون المؤمنون إخوة إذ لا يستقيم أمْر أمّة بين أفرادها البغضاء.

وفي الحديث: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً» و (في) من قوله ﴿ في الخمر والميسر ﴾ للسبيبة أو الظرفية المجازية، أي في مجالس تعاطيهما.

وأمّا الصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة فلِما في الخمر من غيبوبَة العقل، وما في الميسر من استفراغ الوقت في المعاودة لتطلّب الربح.

وهذه أربع علل كلّ واحدة منها تقتضي التحريم، فلا جرم أن كان اجتماعها مُقتضياً تغليظ التحريم.

ويلحق بالخمر كلّ ما اشتمل على صفتها من إلقاء العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة.

ويلحق بالميسر كلّ ما شاركه في إلقاء العداوة والبغضاء والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وذلك أنواع القمار كلّها أمّا ما كان من اللهو بدون قِمار كالشطرنج دون قِمار، فذلك دون الميسر، لأنّه يندر أن يصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأنّه لا يوقع في العداوة والبغضاء غالباً، فتدخل أحكامه تحت أدلّة أخرى.

والذّكر المقصود في قوله: ﴿ عن ذكر الله ﴾ يحتمل أنّه من الذكر اللسان فيكون المراد به القرآن وكلام الرسول عليه الصلاة والسلام الذي فيه نفعهم وإرشادهم، لأنّه يشتمل على بيان أحكام ما يحتاجون إليه فإذا انغمسوا في شرب الخمر وفي التقامر غابوا عن مجالس الرسول وسماععِ خُطبه، وعن ملاقاة أصحابه الملازمين له فلم يسمعوا الذكر ولا يتلقّوه من أفواه سامعيه فيجهلوا شيئاً كثيراً فيه ما يجب على المكلّف معرفته.

فالسيء الذي يصدّ عن هذا هو مفسدة عظيمة يستحقّ أن يحرّم تعاطيه، ويحتمل أنّ المراد به الذكر القلبي وهو تذكّر ما أمر الله به ونهَى عنه فإنّ ذكر ذلك هو ذكر الله كقول عمر بن الخطاب: أفضلُ من ذكر الله باللسان ذِكرُ الله عند أمره ونهيه.

فالشيء الذي يصدّ عن تذكّر أمر الله ونهيه هو ذريعة للوقوع في مخالفة الأمر وفي اقتحام النهي.

وليس المقصود بالذكر في هذه الآية ذكر الله باللسان لأنّه ليس شيء منه بواجب عدا ما هو من أركان الصلاة فذلك مستغنى عنه بقوله: ﴿ وعن الصلاة ﴾ .

وقوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ الفاء تفريع عن قوله: ﴿ إنّما يريد الشيطان ﴾ الآية، فإنّ ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كاف في انتهاء الناس عنهما فلم يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعاً بهم إلى مقام الفَطن الخبير، ولو كان بعد هذا البيان كلّه نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبي، ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حد الإعجاز.

ولذلك اختير الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ التي أصل معناها (قد).

وكثر وقوعها في حيّز همزة الاستفهام، فاستغنوا ب ﴿ هل ﴾ عن ذكر الهمزة، فهي لاستفهاممٍ مضمَّن تحقيقَ الإسناد المستفهَم عنه وهو ﴿ أنتم منتهون ﴾ ، دون الهمزة إذ لم يقل: أتنتهون، بخلاف مقام قوله ﴿ وجَعَلنا بعضَكم لبعض فتنة أتصبرون ﴾ [الفرقان: 20].

وجعلت الجملة بعد ﴿ هل ﴾ اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته، وأريد معها معناه الكنائي، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه.

ولذلك روي أنّ عمر لمّا سمع الآية قال: «انتهينا انتهينا».

ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أنّ الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجرّداً عن الكناية.

فما حكي عن عمرو بن معد يكرب من قوله «إلاّ أنّ الله تعالى قال ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقلْنا: لا» إن صحّ عنه ذلك.

ولي في صحته شكّ، فهو خطأ في الفهم أو التأويل.

وقد شذّ نفر من السلَف نقلت عنهم أخبار من الاستمرار على شرب الخمر، لا يُدرى مبلغها من الصحّة.

ومحملها، إنْ صحّت، علَى أنّهم كانوا يتأوّلون قوله تعالى ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ على أنّه نهي غير جازم.

ولم يَطُل ذلك بينهم.

قيل: إنّ قُدامَة بن مظْعون، مِمَّن شهد بدراً، ولاّه عُمر على البحرين، فشهد عليه أبو هريرة والجارود بأنّه شرب الخمر، وأنكر الجارود، وتمّت الشهادة عليه برجل وامرأة.

فلمّا أراد عمر إقامة الحدّ عليه قال قدامة: لو شربتُها كما يقولون ما كان لك أن تجلدني.

قال عُمر: لِمَ، قال: لأنّ الله يقول: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعَملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [المائدة: 93]، فقال عمر: أخطأت التأويل إنّك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حَرّم عليك».

ويروى أنّ وحشياً كان يشرب الخمر بعد إسلامه، وأنّ جماعة من المسلمين من أهل الشام شربوا الخمر في زمن عمر، وتأوّلوا التحريم فتلوا قوله تعالى: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ [المائدة: 93]، وأنّ عمر استشار عليّاً في شأنهم، فاتّفقا على أن يستتابوا وإلاّ قُتلوا.

وفي صحة هذا نظر أيضاً.

وفي كتب الأخبار أنّ عُيينة بنَ حِصن نزل على عمرو بن معد يكرب في محلّة بني زُبيد بالكوفة فقدّم له عَمْرو خَمراً، فقال عيينةُ: أو ليس قد حرّمها الله.

قال عَمْرو: أنتَ أكبَرُ سِنّاً أم أنا، قال عيينة: أنتَ.

قال: أنتَ أقدَمُ إسلاماً أم أنا، قال: أنتَ.

قال: فإنّي قد قرأتُ ما بين الدفتين، فوالله ما وجدت لها تحريماً إلاّ أنّ الله قال: فهل أنتم منتهون، فقلنا: لا».

فبات عنده وشربَا وتنادما، فلمّا أراد عيينة الانصراف قال عيينة بن حصن: جُزيت أبَا ثَوْر جَزَاء كرامةٍ *** فنِعْم الفتى المُزْدَار والمُتَضَيِّف قَرَيْتَ فأكْرَمتَ القِرى وأفدْتَنَا *** تَحِيَّةَ عِلْم لم تَكن قبلُ تُعرف وقلتَ: حلال أن ندِير مُدامة *** كَلَوْن انعِقَاققِ البَرْققِ والليلُ مُسدف وقَدّمْتَ فيها حُجَّة عربيَّة *** تَرُدّ إلى الإنصاف مَن ليس يُنْصِفُ وأنتَ لنا واللّهِ ذي العرش قُدوَة *** إذا صدّنا عن شُرْبها المُتكَلِّفُ نَقُول: أبُو ثَوْر أحَلّ شَرَابَهَا *** وقولُ أبي ثَوْر أسَدّ وأعْرف وحذف متعلّق ﴿ منتهون ﴾ لظهوره، إذ التقدير: فهل أنتم منتهون عنهما، أي عن الخمر والميسر، لأنّ تفريع هذا الاستفهام عن قوله: ﴿ إنّما يريد الشيطان ﴾ يعيّن أنّهما المقصود من الانتهاء.

واقتصار الآية على تبيين مفاسد شرب الخمر وتعاطي الميسر دون تبيين ما في عبادة الأنصاب والاستقسام بالأزلام من الفساد، لأنّ إقلاع المسلمين عنهما قد تقرّر قبل هذه الآية من حين الدخول في الإسلام لأنّهما من مآثر عقائد الشرك، ولأنّه ليس في النفوس ما يدافع الوازع الشرعي عنهما بخلاف الخمر والميسر فإنّ ما فيهما من اللذات التي تزجي بالنفوس إلى تعاطيهما قد يدافع الوزاع الشرعي، فلذلك أكّد النهي عنهما أشدّ ممّا أكّد النهي عن الأنصاب والأزلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ الآيَةَ.

اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَوى ابْنُ إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ فَدُعِيَ عُمْرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ وكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ  إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ يُنادِي لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الَّتِي في المائِدَةِ ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا، انْتَهَيْنا.

» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وقَدْ لاحى رَجُلًا عَلى شَرابٍ، فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ بِلَحِي جَمَلٍ، فَفَزَرَ أنْفَهُ قالَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا مِنَ الشَّرابِ فَعَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأمّا " المَيْسِرُ " فَهو القِمارُ.

وَأمّا " الأنْصابُ " فَفِيها وجْهانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ تُعْبَدُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها أحْجارٌ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَذْبَحُونَ لَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَأمّا " الأزلاَمُ " فَهي قِداحٌ مِن خَشَبٍ يُسْتَقْسَمُ بِها عَلى ما قَدَّمْناهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِجْسٌ ﴾ يَعْنِي حَرامًا، وأصْلُ الرِّجْسِ المُسْتَقْذَرُ المَمْنُوعُ مِنهُ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الحَرامِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنهُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الشَّيْطانُ ويَأْمُرُ بِهِ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِالمَعاصِي، ولا يَنْهى إلّا عَنِ الطّاعاتِ.

فَلَمّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ شَرِبُوها وماتُوا قَبْلَ تَحْرِيمِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ﴾ ، يَعْنِي مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ﴿ إذا ما اتَّقَوْا ﴾ يَعْنِي في أداءِ الفَرائِضِ ﴿ وَآمَنُوا ﴾ يَعْنِي بِاَللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي البِرَّ والمَعْرُوفَ، ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا ﴾ يَعْنِي بِعَمَلِ النَّوافِلِ، فالتَّقْوى الأُولى عَمَلُ الفَرائِضِ، والتَّقْوى الثّانِيَةُ عَمَلُ النَّوافِلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؟

فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [ البقرة: 219] الآية.

فقال الناس ما حرم علينا، إنما قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمّ أصحابه في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ [ النساء: 43] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغتبق، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان؟

فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ﴾ إلى آخر الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم» .

وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: «نزل في الخمر ثلاث آيات، فأوّل شيء نزل ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [ البقرة: 219] الآية.

فقيل حرمت الخمر فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم.

ثم نزلت هذه الآية ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فقيل: حرمت الخمر.

فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص قال: «فيَّ نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعانا فأتاه ناس، فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر.

وذلك قبل أن تحرم الخمر.

فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار خير وقالت قريش: قريش خير.

فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره، فكان سعد مفزور الأنف، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه.

أن أول ما حرمت الخمر أن سعد بن أبي وقاص وأصحاباً له شربوا فاقتتلوا فكسروا أنف سعد، فأنزل الله: ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ الآية.

وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: «نزلت فيَّ ثلاث آيات من كتاب الله نزل تحريم الخمر، نادمت رجلاً فعارضته وعارضني، فعربدت عليه فشججته، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ونزلت فيَّ ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ﴾ [ العنكبوت: 8] حملته أمه كرهاً إلى آخر الآية ونزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ [ المجادلة: 12] فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى ﴿ أأشفقتم أن تقدموا...

﴾ [ المجادلة: 13] الآية» .

وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد، فأنزل الله هذه الآية ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن بريدة قال: «بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر جلاء، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ منتهون ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم، قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا» .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أهل المدينة إن الله يعرض عن الخمر تعريضاً لا أدري لعله سينزل فيها أمر، ثم قام فقال: يا أهل المدينة إن الله قد أنزل إليَّ تحريم الخمر، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها» .

وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن سابط قال: زعموا أن عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شيئاً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد، فنزلت هذه الآية في سورة المائدة في الخمر، فمر عليَّ رجل فقال: حرمت الخمر، وتلا هذه الآية فقال: تباً لها قد كان بصري فيها ثابتاً.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت في البقرة ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ [ البقرة: 219] شربها قوم لقوله منافع للناس وتركها قوم لقوله إثم كبير منهم عثمان بن مظعون، حتى نزلت الآية التي في النساء ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فتركها قوم وشربها قوم، يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل، حتى نزلت الآية التي في المائدة ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ الآية.

قال عمر: أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام بعداً لك وسحقاً، فتركها الناس ووقع في صدور أناس من الناس منها، فجعل قوم يمر بالراوية من الخمر فتخرق فيمر بها أصحابها فيقولون: قد كنا نكرمك عن هذا المصرع، وقالوا: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر، حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول: إن في نفسي شيئاً.

فيقول له صاحبه: لعلك تذكر الخمر.

فيقول: نعم.

فيقول: إن في نفسي مثل ما في نفسك، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه فقالوا: كيف نتكلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد، وخافوا أن ينزل فيهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعدوا له حجة، فقالوا: أرأيت حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش أليسوا في الجنة؟

قال: بلى.

قالوا: أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر؟

فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه.

فقال: «قد سمع الله ما قلتم، فإن شاء أجابكم، فأنزل الله: ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾ » قالوا: انتهينا، ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ قال: الميسر.

هو القمار كله ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ قال: فذمهما ولم يحرمهما وهي لهم حلال يومئذ، ثم أنزل هذه الآية في شأن الخمر وهي أشد منها فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكان السكر منها حراماً، ثم أنزل الآية التي في المائدة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام...

﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: أول ما نزل تحريم الخمر ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير...

﴾ [ البقرة: 219] الآية.

فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها التي فيها، وقال آخرون لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] الآية.

فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...

﴾ الآية.

فانتهوا فنهاهم فانتهوا.

وأخرج عبد بن حميد «عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] قال: كان القوم يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا عنها قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال حين أنزلت هذه الآية: قد تقرَّب الله في تحريم الخمر، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وعلم أنها تسفِّه الأحلام، وتجهد الأموال، وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ قال: فانتهى القوم عن الخمر وأمسكوا عنها قال: وذكر لنا أن هذه الآية لما أنزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها، فلبث المسلمون زماناً يجدون ريحها من طرق المدينة لكثرة ما أهرقوا منها» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس.

أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حداً، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، حتى أتى برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به لن يجلد فقال: لم تجلدني؟

بيني وبينك كتاب الله.

قال: وفي أي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟

قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ فإنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿ ثم اتقوا وأحسنوا ﴾ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحداً والخندق والمشاهد.

فقال عمر: ألا تردون عليه؟

فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين وحجة على الباقين، عذراً للماضين لأنهم لقوا الله قبل أن حرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴾ حتى بلغ الآية الأخرى، فإن كان من ﴿ آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ﴾ فإن الله نهى أن يشرب الخمر.

فقال عمر: فماذا ترون؟

فقال علي بن أبي طالب: نرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر عمر فجلد ثمانين.

وأخرج ابن مردويه عن أنس عن أبي طلحة زوج أم أنس قال: لما نزلت تحريم الخمر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتفاً يهتف: ألا أن الخمر قد حرمت فلا تبيعوها فمن كان عنده منه شيء فليهرقه.

قال أبو طلحة: يا غلام حل عُزّلى تلك المزاد، ففتحها فأهرقها وخمرنا يومئذ البسر والتمر، فأهرق الناس حتى امتنعت فجاج المدينة.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: كنا نأكل من طعام لنا ونشرب عليه من هذا الشراب، فأتانا فلان من نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشربون الخمر وقد أنزل فيها.

قلنا ما تقولون؟

قال: نعم، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم الساعة ومن عنده أتيتكم، فقمنا فأكفينا ما كان في الإناء من شيء.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال «كان عند أبي طلحة مال ليتيم، فاشترى به خمراً، فلما حرمت الخمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اجعله خلاً؟

فقال: لا، أهْرقْهُ» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس.

أن الآية التي حرم الله فيها الخمر نزلت وليس في المدينة شراب يشرب إلا من تمر.

وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: لما نزل تحريم الخمر فدخلت على ناس من أصحابي وهي بين أيديهم فضربتها برجلي، وقلت: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كانوا يشربون الخمر بعد ما أنزلت التي في البقرة، وبعد التي في سورة النساء، فلما نزلت التي التي في سورة المائدة تركوه.

وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا أيها الناس إن الله أعرض بالخمر، فمن كان عنده منها شيء فليبع ولينتفع به، فلم نلبث إلا يسيراً ثم قال: إن الله قد حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يبع ولا يشرب.

قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب.

وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر بن عبد الله متى حرمت الخمر؟

قال: بعد أحد صبحنا الخمر يوم أحد حين خرجنا إلى القتال.

وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب.

وأخرج ابن مردويه عن جابر قال «كان رجل عنده مال أيتام، فكان يشتري لهم ويبيع، فاشترى خمراً فجعله في خوابي، وإن الله أنزل تحريم الخمر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه ليس لهم مال غيره فقال: أهرقه.

فأهرقه» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، وما خمرهم يومئذ إلا الفضيخ.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وما بالمدينة خمر إلا الفضيخ.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ هي في التوراة، إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والمزامير والكبارات.

يعني البرابط، والزمارات، يعني الدف، والطنابير والشعر والخمر مرة لمن طعمها، وأقسم ربي بيمينه وعزة حيله لا يشربها عبد بعدما حرمتها عليه إلا عطشته يوم القيامة، ولا يدعها بعد ما حرمتها إلا سقيته إياها من حظيرة القدس.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حرم الله الخمر، وكل مسكر حرام» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر، وما بالمدينة زبيبة واحدة.

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن الجارود وابن مردويه عن أبي سعيد قال: «كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت الآية التي في المائدة سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: ليتيم؟

فقال: اهريقوها» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: حرمت الخمر وهي تخمر في الجراري.

وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: نزل تحريم الخمر وما في أسقيتنا إلا الزبيب والتمر، فأكفأناهما.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من التمر خمر، ومن العسل خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العنب خمر، ومن الحنطة خمر، وأنهاكم عن كل مسكر» .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر...

﴾ [ البقرة: 219] الآية.

كرهها قوم لقوله: ﴿ فيهما إثم كبير ﴾ وشربها قوم لقوله: ﴿ ومنافع للناس ﴾ حتى نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكانوا يَدَعونها في حين الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة.

حتى نزلت ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ الآية، فقال عمر: ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر.

وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر...

﴾ الآية.

فتركوها، ثم نزلت ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [ النحل: 67] فشربوها، ثم نزلت الآيتان في المائدة ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: نزلت هذه الآية ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر....

﴾ الآية.

فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا ساقيهم وعلي بن أبي طالب يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] فلم يفهمها، فأنزل الله يشدد في الخمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ فكانت حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا، فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً، فدعا ساقيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعد بشيء، فغضب الأنصاري، فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر، ثم نزلت آية النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يقرب في تحريم الخمر، ثم نزلت آية المائدة، فحرمت الخمر عند ذلك» .

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: نزلت أربع آيات في تحريم الخمر أولهن التي في البقرة، ثم نزلت الثانية ﴿ من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [ النحل: 67] ، ثم أنزلت التي في النساء، بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعض الصلوات إذ غنى سكران خلفه، فأنزل الله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...

﴾ [ النساء: 43] الآية.

فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة، ثم نزلت الرابعة التي في المائدة، فقال عمر ين الخطاب، انتهينا يا ربنا.

وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوه عن ذلك؟

فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ [ البقرة: 216] فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخصة، نأكل الميسر ونشرب الخمر ونستغفر من ذلك، حتى أتى رجل صلاة المغرب فجعل يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ [ الكافرون}: الآيات الثلاث فجعل لا يجوّد ذلك ولا يدري ما يقرأ، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون، فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال: انتهينا يا رب» .

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموت مدمن خمر إلا لقي الله كعابد وثن، ثم قرأ ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ الآية» .

وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبدالله بن عمرو.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء، وكل مسكر حرام» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم عليكم الخمر، والميسر، والكوبة، وكل مسكر حرام» .

وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن عبد الله.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح «إن الله حرَّم بيع الخمر، الأنصاب، والميتة، والخنزير، فقال بعض الناس: كيف ترى، في شحوم الميتة يدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها الناس؟

فقال: لا، هي حرام، ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم، جملوه فباعوه وأكلوا ثمنه» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «قدم رجل من دوس على النبي صلى الله عليه وسلم براوية من خمر أهداها له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله حرمها بعدك؟

فأقبل الدوسي على رجل كان معه فأمره ببيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الذي حرَّم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها؟

وأمر بالمزاد فأهريقت حتى لم يبق فيها قطرة» .

وأخرج ابن مردويه عن تميم الداري أنه «كان يهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت الخمر جاء براوية، فلما نظر إليها ضحك وقال: هل شعرت أنها قد حرمت؟

فقال: يا رسول الله أفلا نبيعها فننتفع بثمنها؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر والغنم، فأذابوه اهالة فباعوا منه ما يأكلون، والخمر حرام ثمنها حرام بيعها» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة والطحاوي وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عمر.

أنه قام على المنبر فقال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة.

من العنب، والتمر، والبر، والشعير، والعسل، والخمر، ما خامر العقل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء.

من التمر، والزبيب، والعسل، والبر، والشعير، فما خمرته منها ثم عتقته فهو خمر.

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» .

وأخرج الحاكم وصححه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزبيب والتمر هو الخمر، يعني إذا انتبذا جميعاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» .

وأخرج الحاكم وصححه عن مريم بنت طارق قالت: «كنت في نسوة من المهاجرات، حججنا فدخلنا على عائشة، فجعل نساء يسألنها عن الظروف؟

فقالت: إنكم لتذكرون ظروفاً ما كان كثير منها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتقين الله واجتنبن ما يسكركن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل مسكر حرام، وإن أسكرها ماء حبها فلتجتنبه» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن أبي هريرة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن الحسن قال: الميسر.

القمار.

وأخرج البيهقي في سننه عن نافع.

أن ابن عمر كان يقول: الميسر.

القمار.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: الميسر كعاب فارس، وقداح العرب، وهو القمار كله.

وأخرج البيهقي عن مجاهد قال: الميسر القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً فإنها من الميسر» .

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها من الميسر» .

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهاتين اللعبتين الموسومتين اللتين يزجران زجراً فإنهما ميسر العجم» .

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها ميسر العجم.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر.

وأخرج عبد بن حميد عن علي قال: الشطرنج ميسر الأعاجم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد.

أنه سئل عن النرد أهي من الميسر؟

قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عن القاسم.

أنه قيل له: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟

قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب من طريق ربيعة بن كلثوم عن أبيه قال: خطبنا ابن الزبير فقال: يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النرد شير، وإن الله يقول في كتابه ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ، وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد لعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعب بالنرد شير فقد عصى الله ورسوله» .

وأخرج أحمد عن أبي عبد الرحمن الخطمي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبدالله بن عمرو قال: اللاعب بالنرد قماراً كآكل لحم الخنزير، واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك الخنزير.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مجاهد قال: اللاعب بالنرد قماراً من الميسر، واللاعب بها سفاحاً كالصابغ يده في دم الخنزير، والجالس عندها كالجالس عند مسالخه، وإنه يؤمر بالوضوء منها، والكعبين والشطرنج سواء.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد، فقال: «قلوب لاهية، وأيد عاملة، وألسنة لاغية» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: النرد ميسر العجم.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال: الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبيدالله بن عمير قال: سئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال: تلك المجوسية لا تلعبوا بها.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن عمير قال: رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرة، إلا أصحاب الشاه يعني الشطرنج.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن قتادة قال: الميسر القمار، كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد سليباً حزيناً ينظر إلى ماله في يد غيره، وكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء فنهى الله عن ذلك، وتقدم فيه وأخبر إنما هو رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا: كل شئ فيه قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين.

أنه رأى غلماناً يتقامرون في يوم عيد فقال: لا تقامروا فإن القمار من الميسر.

وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال: ما كان من لعب فيه قمار، أو قيام، أو صياح، أو شر، فهو من الميسر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن شريح.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من الميسر: الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: شهدت عثمان وهو يخطب، وهو يأمر بذبح الحمام، وقتل الكلاب.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن خالد الحذاء عن رجل يقال له أيوب قال: كان ملاعب آل فرعون الحمام.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب بن قال: كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين.

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في الميسر قال: كانوا يشترون الجزور فيجعلونها أجزاء، ثم يأخذون القداح فيلقونها، وينادي: يا ياسر الجزور يا ياسر الجزور، فمن خرج قدحه أخذ جزءاً بغير شيء، ومن لم يخرج قدحه غرم ولم يأخذ شيئاً.

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس.

أنه كان يقال: اين ايسار الجزور؟

فيجتمع العشرة، فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيجيلون السهام فتصير بتسعة حتى تصير إلى واحد، ويغرم الآخرون فصيلاً فصيلاً إلى الفصال، فهو الميسر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، والأزلام قداح كانوا يقتسمون بها الأمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت لهم حصيات، إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والأزلام ﴾ قال: هي كعاب فارس التي يقتمرون بها، وسهام العرب.

وأخرج أبو الشيخ عن سلمة بن وهرام قال: سألت طاوساً عن الأزلام؟

فقال: كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربون بها قدح معلم يتطيرون منه، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القدح لم يخرج لحاجته، وإن خرج غيره خرج لحاجته، وكانت المرأة إذا أرادت حاجة لها لم تضرب بتلك القداح، فذلك قوله الشاعر: إذا جددت أنثى لأمر خمارها ** أتته ولم تضرب له بالمقاسم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ رجس ﴾ قال: سخط.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير في قوله: ﴿ رجس ﴾ قال: إثم ﴿ من عمل الشيطان ﴾ يعني من تزيين الشيطان ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ﴾ يعني حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص ﴿ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾ فهذا وعيد التحريم ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ يعني في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴿ فإن توليتم ﴾ يعني أعرضتم عن طاعتهما ﴿ فاعلموا أنما على رسولنا ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ البلاغ المبين ﴾ يعني أن يبين تحريم ذلك.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟

فنزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح...

﴾ الآية.

وأخرج الطياليسي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟

فنزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: بينا أدير الكاس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دجانة، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعنا منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت.

قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال رجل: يا رسول الله فما منزلة من مات منا وهو يشربها؟

فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فنادى مناد، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟

فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت.

فقال لي: اذهب فأهرقها.

قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ البسر والتمر، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...

﴾ الآية.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد، ثم قتلوا شهداء.

وأخرج الطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: «لما نزل تحريم الخمر قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟

فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح...

﴾ الآية.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم» .

وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بمن شربها من إخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم؟

فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليس على الذين آمنوا...

﴾ الآية.

يعني بذلك رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم، فلما حرمت قالوا: كيف تكون علينا حراماً وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟

فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا...

﴾ يقول ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذ كانوا محسنين متقين، والله يحب المحسنين.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: نزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ فيمن كان يشربها ممن قتل ببدر وأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: لما أنزل الله تحريم الخمرة في سورة المائدة بعد سورة الأحزاب، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصيب فلان يوم بدر، وفلان يوم أحد، وهم يشربونها فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة، فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ﴾ يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرمت بعدهم فلا جناح عليهم في ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ﴾ قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول لإخواننا الذين مضوا كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟

فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ من الحرام قبل أن يحرم عليهم ﴿ إذا ما اتقوا وأحسنوا ﴾ وأحسنوا بعدما حرم عليهم، وهو قوله: ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ﴾ [ البقرة: 275] .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن مسعود قال: «لما نزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...

﴾ الآية.

قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم» .

وأخرج الدينوري في المجالسة وابن مردويه وأبو نعيم عن ثابت بن عبيد قال: جاء رجل من آل حاطب إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين إني أرجع إلى المدينة، وإنهم سائلي عن عثمان، فماذا أقول لهم؟

قال: أخبرهم أن عثمان كان من ﴿ آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟

فقالوا: نعم، لقول الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ حتى فرغوا من الآية.

فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنظر بهم الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تنظر بهم النهار، حتى تبعث بهم إليَّ لا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟

قالوا: نعم.

فتلا عليهم ﴿ إنما الخمر والميسر...

﴾ إلى آخر الآية.

قالوا: اقرأ التي بعدها ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟

قال: أرى أنهم شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض.

قال: فجلدهم ثمانين ثمانين.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله لعن الخمر، ولعن غارسها، ولعن شاربها، ولعن عاصرها، ولعن مؤويها، ولعن مديرها، ولعن ساقيها، ولعن حاملها، ولعن آكل ثمنها، ولعن بائعها» .

وأخرج وكيع والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب، لم يشربها في الآخرة وإن أُدخل الجنة» .

وأخرج مسلم والبيهقي عن جابر بن عبدالله.

«أن رجلاً قدم من اليمن، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم أويسكر هو؟

قالوا: نعم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، إن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال.

قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟

قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» .

وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمرو.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن شربها الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن شربها الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب لم يتب الله عليه وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.

قيل: وما طينة الخبال؟

قال: صديد أهل النار» .

وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو بن العاص.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر شربة لم تقبل صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل توبته أربعين صباحاً، فلا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة؟

قال: فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.

قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟

قال: عصارة أهل النار» .

وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها، ومسقيها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عثمان.

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اجتنبوا أم الخبائث، فإنه كان رجل فيمن كان قبلكم يتعبد ويعتزل النساء، فعلقته امرأة غاوية فأرسلت إليه خادمها، فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل فطفقت كلما دخل عليها باب أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة جالسة عندها غلام، وباطية فيها خمر، فقالت: أنا لم أدعك لشهادة ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام، أو تقع عليَّ، أو تشرب كأساً من هذا الخمر، فإن أبيت صحت وفضحتك، فلما رأى أنه لا بد من ذلك قال: اسقني كأساً من هذا الخمر، فسقته كأساً من الخمر، ثم قال: زيديني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه- والله- لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في صدر رجل أبداً، ليوشكن أحدهما أن يخرج صاحبه» وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن عثمان موقوفا.

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» .

وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء قال: «أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا تشرك بالله شيئاً، وإن قطِّعت أو حرِّقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً فمن تركها متعمداً برئت منه الذمة، وأن لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» .

وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى بنى الفردوس بيده، وحظره على كل مشرك وكل مدمن الخمر سكير» .

وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يرفع لهم إلى السماء عمل: العبد الآبق من مواليه حتى يرجع فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو» .

وأخرج البيهقي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر» .

وأخرج البيهقي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» .

وأخرج البخاري في التاريخ عن سهل بن أبي صالح عن محمد بن عبيدالله عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله وهو مدمن خمر لقيه كعابد وثن» .

وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، وقال البخاري ولا يصح حديث أبي هريرة.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب شراباً يذهب بعقله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبدالله بن عمرو قال: لأن أزني أحب إليَّ من أن أسكر، ولأن أسرق أحب إليَّ من أن أسكر، لأن السكران يأتي عليه ساعة لا يعرف فيها ربه.

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدِّق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟

قال: نهر يخرج من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهم» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر: أن أبا بكر، وعمر، وناساً جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبدالله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر.

فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك ووثبوا جميعاً حتى أتوه في داره، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب الخمر، أو يقتل نفساً، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتلوه.

فاختار الخمر، وإنه لما شربه لم يمتنع من شيء أرادوه منه» ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مسلم الخولاني.

أنه حج، فدخل على عائشة، فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها، فجعل يخبرها فقالت: كيف تصبرون على بردها؟

قال: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شراباً لهم يقال له الطلا.

قالت: صدق الله وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول «إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثني الله رحمة وهدى للعالمين، وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية، ثم قال: من شرب خمراً في الدنيا سقاه الله كما شرب منه من حميم جهنم، معذب بعد أو مغفور له» .

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، بعثني لأمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية والأوثان، وحلف ربي عز وجل بعزته لا يشرب الخمر أحد في الدنيا إلا سقاه الله مثلها من الحميم يوم القيامة مغفور له أو معذب، ولا يدعها أحد في الدنيا إلا سقيته إياها في حظيرة القدس حتى تقنع نفسه» .

وأخرج الحاكم عن ثوبان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حلفت على معصية فدعها واقذف ضغائن الجاهلية تحت قدمك، وإياك وشرب الخمر فإن الله لم يقدس شاربها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ.

قيل: يا رسول الله، متى؟

قال: إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف.

قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ذلك؟

قال: إذا ظهرت المعازف، وكثرت القينات، وشربت الخمر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف.

قلت: يا رسول الله، وهم يقولون لا إله إلا الله؟

قال: إذا ظهرت القيان، وظهر الزنا، وشرب الخمر، ولبس الحرير، كان ذا عند ذا» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، قيل: وما هي يا رسول الله؟

قال: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعقَّ أمه، وبرَّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذوا القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ثلاثاً: ريحاً حمراء، وخسفاً، ومسخاً» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمر، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير.

قالوا: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟

قال: بلى، ويصومون ويصلون ويحجون.

قال: فما بالهم؟

قال: اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ.

قالوا: متى ذلك يا رسول الله؟

قال: إذا أظهروا المعازف، واستحلوا الخمور، ولبس الحرير» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الغازي بن ربيعة رفع الحديث قال: «ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيان» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على أهل حاضرتهم بجبل عظيم حتى ينبذه عليهم، ويمسخ آخرون قردة وخنازير» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف، يصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير» .

وأخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف.

قالوا: ومتى ذاك يا رسول الله؟

قال: إذا رأيتم النساء ركبن السروج، وكثرت المعازف، وفشت شهادات الزور، وشربت الخمر لا يستخفى به، وشربت المصلون في آنية أهل الشرك من الذهب والفضة، واستغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال، فإذا رأيتم ذلك فاستدفروا واستعدوا، واتقوا القذف من السماء» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استعملت أمتي خمساً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، ولبس الحرير، واتخذوا القينات، وشربوا الخمر، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس، فيقولون: قد خسف الليلة ببني فلان، وخسف الليلة بدار فلان، وليرسلن عليهم حاصباً من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً على قبائل فيها، وعلى دور بشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعتهم الرحم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رؤوسهم المعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» .

وأخرج البيهقي عن معاذ وأبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوّة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً وجبرية وفساداً في الأرض، يستحلون الحرير والخمور والفروج، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل» .

وأخرج البيهقي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حبس العنب أيام قطافه حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يعلم أنه يتخذ خمراً فقد تقدم في النار على بصيرة» .

وأخرج البيهقي عن ابن عمر: أنه كان يكره أن تسقى البهائم الخمر.

وأخرج البيهقي عن عائشة: أنها كانت تنهى النساء أن يمتشطن بالخمر.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمر فاجلدوه.

قالها ثلاثاً، فإن شربها الرابعة فاقتلوه» .

وأخرج عبد الرزاق عن أبي موسى الأشعري «أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن سأله قال: إن قومي يصنعون شراباً من الذرة يقال له المزر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيسكر؟

قال: نعم، قال: فانههم عنه.

قال: نهيتهم ولم ينتهوا.

قال: فمن لم ينتهِ في الثالثة منهم فاقتله» .

وأخرج عبد الرزاق عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر فاضربوه، ثم قال في الرابعة: من شرب الخمر فاقتلوه» .

وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شربوا فاجلدوهم.

قالها ثلاثاً، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم» قال معمر: فذكرت ذلك لابن المنكدر فقال: قد ترك القتل، قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن النعيمان فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده الرابعة أو أكثر.

وأخرج عبد الرزاق عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاقتلوهم، ثم قال: إن الله قد وضع عنهم القتل، فإذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ذكرها أربع مرات» .

وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمر فحدُّوه، فإن شرب الثانية فحدُّوه، فإن شرب الرابعة فاقتلوه» ، قال: فأتى بابن النعيمان قد شرب فضرب بالنعال والأيدي، ثم أتى به الثانية فكذلك، ثم أتى به الرابعة فحدَّه ووضع القتل.

وأخرج عبد الرزاق عن قبيصة بن ذؤيب «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب رجلاً في الخمر أربع مرات، ثم أن عمر بن خطاب ضرب أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرات» .

وأخرج الطبراني عن أبي الرمد البلوي «أن رجلاً منهم شرب الخمر، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه، ثم شرب الثانية فأتوا به فضربه، فما أدري قال في الثالثة أو الرابعة، فجعل على العجل فضربت عنقه» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر» ، قال ابن عباس: فذهبنا ننظر في كتاب الله، فإذا هم فيه في العاق ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ [ محمد: 22] إلى آخر الآية.

وفي المنان ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [ البقرة: 262] وفي الخمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ من عمل الشيطان ﴾ .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن الديلمي قال: «وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا نصنع طعاماً وشراباً فنطعمه بني عمنا، فقال: هل يسكر؟

قلت: نعم.

فقال: حرام.

فلما كان عند توديعي إياه ذكرته له، فقلت: يا نبي الله، إنهم لن يصبروا عنه.

قال: فمن لم يصبر عنه فاضربوا عنقه» .

وأخرج ابن سعد وأحمد عن شرحبيل بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه» .

وأخرج أحمد والطبراني عن أم حبيبة بنت أبي سفيان «أن ناساً من أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، ثم قالوا: يا رسول الله، إن لنا شراباً نصنعه من التمر والشعير، فقال: الغبيراء؟

قالوا: نعم.

قال: لا تطعموه.

قالوا: فإنهم لا يدعونها.

قال: من لم يتركها فاضربوا عنقه» .

وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذين يشربون الخمر وقد حرم الله عليهم لا يسقونها في حظيرة القدس» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: «من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحاً، فإن مات في الأربعين دخل النار ولم ينظر الله إليه» .

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى الله شارب الخمر يوم القيامة وهو سكران، فيقول: ويلك، ما شربت...؟!

فيقول: الخمر.

قال: أو لم أحرمها عليك؟

فيقول: بلى.

فيؤمر به إلى النار» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا، ولبسهم الحرير» .

وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو قال: إنه في الكتاب مكتوب: أن خطيئة الخمر تعلو الخطايا كما تعلو شجرتها الشجر.

وأخرج عبد الرزاق عن مسروق بن الأجدع قال: شارب الخمر كعابد الوثن، وشارب الخمر كعابد اللات والعزى.

وأخرج عبد الرزاق عن ابن جبير قال: من شرب مسكراً لم يقبل الله منه ما كانت في مثانته منه قطرة، فإن مات منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي صديد أهل النار وقيحهم.

وأخرج عبد الرزاق عن أبي ذر قال: من شرب مسكراً من الشراب فهو رجس، ورجس صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن شرب أيضاً فهو رجس، ورجس صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لها قال: في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.

وأخرج عبد الرزاق عن أبان رفع الحديث قال: إن الخبائث جعلت في بيت فأغلق عليها، وجعل مفتاحها الخمر، فمن شرب الخمر وقع بالخبائث.

وأخرج عبد الرزاق عن عبيد بن عمير قال: إن الخمر مفتاح كل شر.

وأخرج عبد الرزاق عن محمد المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر صباحاً كان كالمشرك بالله حتى يمسي، وكذلك إن شربها ليلاً كان كالمشرك بالله حتى يصبح، ومن شربها حتى يسكر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، ومن مات وفي عروقه منها شيء مات ميتة جاهلية» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حلف الله بعزته وقدرته لا يشرب عبد مسلم شربة من خمر إلا سقيته بما انتهك منها من الحميم معذب بعد أو مغفور له، ولا يتركها وهوعليها قادر ابتغاء مرضاتي إلا سقيته منها فأرويته في حظيرة القدس» .

وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: يجيء يوم القيامة شارب الخمر مسوداً وجهه، مزرقَّة عيناه، مائلاً شقه.

أو قال: شدقه مدلياً لسانه، يسيل لعابه على صدره، يقذره كل من يراه.

وأخرج أحمد عن قيس بن سعد بن عبادة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر أتى عطشان يوم القيامة، ألا وكل مسكر خمر، وإياكم والغبيراء» .

وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان مثل ذلك، فما أدري في الثالثة أم في الرابعة قال: فإن عاد كان حتماً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.

قالوا: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟

قال: عصارة أهل النار» .

وأخرج ابن أبي سعد وابن أبي شيبة عن خلدة بنت طلق قالت: قال لنا أبي: «جلسنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء صحار، فسأله ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا؟

قال: تسألني عن المسكر، لا تشربه ولا تسقه أخاك، فوالذي نفس محمد بيده ما شربه رجل قط ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة» .

وأخرج أحمد عن أسماء بنت يزيد.

أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر لم يرضَ الله عنه أربعين ليلة، فإن مات مات كافراً، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.

قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟

قال: صديد أهل النار» .

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: «الريب من الكفر، والنوح عمل الجاهلية، والشعر من أمر إبليس، والغلول جمر من جهنم، والخمر جامع كل إثم، والشباب شعبة من الجنون، والنساء حبائل الشيطان، والكبر شر من الشر، وشر المآكل مال اليتيم، وشر المكاسب الربا، والسعيد من وُعِظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يزل جبريل ينهاني عن عبادة الأوثان وشرب الخمر وملاحاة الرجال» .

وأخرج البيهقي عن أم سلمة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان في أول ما نهاني عنه ربي وعهد إليَّ بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر لملاحاة الرجال» والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد سعد بن أبي وقاص ورجلاً من الأنصار كان مواخيًا لسعد، فدعاه إلى طعام فأكلوا وشربوا نبيذًا مسكرًا، فوقع بين الأنصاري وسعدٍ مراءً ومفاخرة، فأخذ الأنصاري لَحي بَعير فضرب به سعدًا حتى أثر في وجهه، فأنزل الله ذلك فيهما (١) قال أهل المعاني: إن الشيطان يزين لهم ذلك، حتى إذا سكروا وزالت عقولهم أقدموا من المكاره والمقابح على ما كانت تمنعه منه عقولهم (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ﴾ ، وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر والقمار ألهاه ذلك عن ذكر الله جل وعز بالتعظيم، والشكر على آلائه، وعن عبادته.

وقوله تعالى: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ  ﴾ ، قال ابن عباس: قالوا  انتهينا ربنا (٦)  يقول: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا حتى نزلت هذه الآية فقال: انتهينا انتهينا (٧) قال ابن الأنباري: بُيِّن تحريم الخمر في قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ إذ كان معناه: فانتهوا (٨) قال الفراء: ردد علي أعرابي: هل أنت ساكت؟

هل أنت ساكت؟

وهو يريد: سكت (٩) وقال غيره: إنما جاز في صيغة الاستفهام أن يكون على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل للمخاطب، ثم استفهم عن تركه، لم يسعه إلا الإقرار بالترك، فكأنه قيل: أتفعله بعد ما قد ظهر من قبحه ما ظهر، فصار المنهي بقوله: (فهل أنتم منتهون) في محل قد عقد عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب النهي من أن لو قيل: انتهوا ولا تشربوا (١٠) ولما ذكر الأمر باجتناب الخمر وما بعدها، أمر بالطاعة فيه وفي غيره من أمر الله عز وجل (١١) (١) القصة من حديث سعد في صحيح مسلم (1748) كتاب فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص، والطبري 7/ 33 - 34 من طرق، و"أسباب النزول" للمؤلف ص 209.

(٢) "تفسير الطبري" 7/ 32.

(٣) في (ج): (ويبقى).

(٤) في ش: (حربيًا).

(٥) أخرجه الطبري 7/ 35، "الوسيط" 2/ 227.

(٦) الأثر عن بريدة أخرجه الطبري 7/ 34، "الوسيط" 2/ 227.

(٧) أخرجه أبو داود (3670) كتاب: الأشربة، باب: في تحريم الخمر، والترمذي (3049) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، والطبري 7/ 33 - 34.

(٨) انظر: "الوسيط" 2/ 227.

(٩) ليس في "معاني القرآن"، "الوسيط" 2/ 227، "زاد المسير" 2/ 419.

(١٠) "تفسير البغوي" 3/ 94، "زاد المسير" 2/ 419.

(١١) وجه المناسبة للآية وما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الخمر والميسر ﴾ ذكر في [البقرة: 219] ﴿ والأنصاب والأزلام ﴾ مذكوران في أول هذه السورة ﴿ رِجْسٌ ﴾ هو في اللغة: كل مكروه مذموم وقد يطلق بمعنى النجس وبمعنى الحرام وقال ابن عباس: معنى رجس سخط ﴿ فاجتنبوه ﴾ نص في التحريم، والضمير يعود على الرجس الذي هو خبر عن جميع الأشياء المذكورة ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضآء فِي الخمر والميسر ﴾ تقبيح للخمر والميسر، وذكرٌ لبعض عيوبها، وتعليل لتحريمها، وقد وقعت في زمان الصحابة عداوة بين أقوام بسبب شربهم لها قبل تحريمها، ويقال إن ذلك كان سبب نزول الآية ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ توقيف يتضمن الزجر والوعيد ولذلك قال عمر لما نزلت: انتهينا انتهينا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.

الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان  ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.

﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.

﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.

﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.

﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.

التفسير: إنه  بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.

قال المفسرون: "جلس رسول الله  يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله  فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟

قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.

فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.

ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا‍‍!

أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.

فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟

فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.

فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه  قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود  ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.

ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.

فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك  ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.

والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.

ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا  ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه  هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.

قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله  وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.

أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.

ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.

ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.

أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.

وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.

ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.

والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.

فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.

وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.

أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه  قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي  أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.

فقال الرجل: ما أجد.

فأتى النبي  بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي  : أطعم هذا.

وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.

ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.

وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.

وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.

وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.

أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.

ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.

وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.

وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.

وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.

قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.

وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.

والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.

قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.

وعن مجاهد: ثوب جامع.

وقال الحسن: ثوبان أبيضان.

و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.

ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.

ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.

وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.

وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.

ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.

﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.

تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.

وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.

ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.

وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي  أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟

فقال رسول الله  : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟

قال: بلى.

قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .

وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي  قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .

ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.

هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.

والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.

جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.

﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.

وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.

ثم إنه  استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.

واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله  منها قصة علي بن أبي طالب  وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله  أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله  واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.

فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟

قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.

قال علي  : فانطلقت حتى دخلت على النبي  وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله  الذي أتيت له فقال: ما لك؟

فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!

عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.

قال: فدعا رسول الله  بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.

فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله  يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله  ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟

فعرف رسول الله  أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.

قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.

ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان  ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.

قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون  ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.

ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.

ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.

ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.

والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.

ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.

ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.

وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.

وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.

ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟

ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.

إذ فهموا التحريم المؤكد.

ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.

ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.

والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.

عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.

قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.

فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله  ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله  ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني  ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.

ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.

والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.

وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع  ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.

والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.

روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟

فنزلت.

وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.

ثم أنه  شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.

فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.

وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.

وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.

وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.

ثم إنه  استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد  بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.

قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.

قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.

و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.

عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.

﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.

أما الأول فلقوله  بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله  ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.

وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.

وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي  : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.

وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.

﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.

وقيل: وقد دخلتم الحرم.

وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.

وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.

ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.

قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.

وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.

قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.

وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.

ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.

وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.

وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.

قال  "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.

أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.

ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.

حجة الشافعي قوله  ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي  أنه حكم في الضبع بكبش.

وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.

فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.

والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.

وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.

والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.

وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.

(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.

فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.

وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.

وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.

الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.

وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.

الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.

وقال المزني: عليه شاة.

وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.

الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.

حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.

حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.

الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.

والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.

فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.

قوله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.

ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.

عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟

قال: عليه شاة.

قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.

قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.

قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟

قال الله  ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.

قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه  قضى في الضبع بكبش.

وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.

وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.

وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟

إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.

وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.

فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.

فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.

فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.

وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.

ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.

ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.

قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.

وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.

وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.

والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.

ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.

قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.

وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.

قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.

ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.

وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.

ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.

ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.

وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.

وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.

فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.

والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.

وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.

فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.

وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.

ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.

ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.

ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.

وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.

ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.

وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.

وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟

أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.

أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.

والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.

والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.

وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.

﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.

ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.

فقال أبو حنيفة: حرام.

وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.

قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.

وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.

فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.

وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.

قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال  ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله  في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.

وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.

وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.

واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي  أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.

وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله  قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله  : هل أشرتم؟

هل أعنتم؟

فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟

قالوا معنا رجله.

فأخذها النبي  فأكلها.

هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.

وقال في الكشاف.

أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.

ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.

ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.

ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.

وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم  .

﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.

وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.

وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.

وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.

وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.

وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.

وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله  أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.

ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!

ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.

وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه  يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي  قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.

فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟

فقال له النبي  : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله  وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.

التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.

﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.

﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.

ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.

أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.

﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.

﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.

﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.

﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.

والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.

﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ...

﴾ الآية.

عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَٱلْمَيْسِرُ ﴾ : القمار.

وعن النبي  قال: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَابَ المَوْسُومَةَ الَّتي تُزْجَرُ زَجْراً؛ فَإِنَّهَا مِنَ المَيْسِرِ" وعن ابن مسعود -  - مثله.

وعن أبي موسى [الأشعري عن النبي  ]: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" وعن ابن عمر -  - قال: "الميسر قمار".

وعن علي -  - قال: "لأن آخذ جمرتين من نار فأقلبهما في يدي أحبّ إليَّ من أن أقلب كعبتي نرد".

وعن علي -  - أيضاً قال: "الشطرنج هو ميسر الأعاجم".

وعن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وهؤلاء السلف قالوا: الميسر: القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.

عن النبي  قال: "لاَ جَلَبَ، وَلاَ جَنَبَ، وَلاَ شِغَارَ، وَلاَ وِرَاطَ فِي الإسْلاَمِ" وقيل: الوراط: القمار.

وقيل: الجلب: هو أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو أو يحرك وراءه الشيء يستحث به السبق.

والجنب: هو الذي يجنب مع الفرس الذي به يُسَابَقُ فرسٌ آخر حتى إذا داناه تحول راكبه إلى الفرس المجنوب، فأخذ السبق.

وأجمع أهل العلم على أن القمار حرام، وأن الرهان على المخاطرة مثل القمار، وما روي عن أبي بكر -  - أنه خاطر أهل مكة في غلبة الروم فارس، فقال النبي  : "زِدْهُمْ فِي الخَطَرِ وَأَبْعِدْهُمْ فِي الأَجَلِ" - فكان ذلك والنبي  بمكة في الوقت الذي لم ينفذ حكمه، فأما في دار الإسلام: فلا خلاف في أن ذلك لا يجوز، إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل، إذا كان الآخذ واحداً: إن سبق أخذ، وإن سُبق لم يدفع شيئاً، وكذلك إن كان السبق بين الرجلين أيهما سبق أخذ، [ودخل] بينهما فرس: إن سَبَقَ أخذ، وإن سُبِقَ يغرم صاحبه شيئاً - فهو جائز، ويسمى الداخل بينهما: المحلل.

فأما الرخصة فيه فما روي عن أبي هريرة -  - أن النبي  قال: "لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نِصَالٍ" هذا الذي وصفنا كله من الميسر.

والأنصاب: هي الأحجار والأوثان التي كانوا ينصبونها، ويعبدونها، ويذبحون لها.

وأما الأزلام: فالقداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم، ويستعملونها، ففيه دليل بطلان الحكم بالقرعة؛ لأن الاستقسام بالقداح هو أن كانوا يجعلون الثمن على الذي خرج سهمه أخيراً، ويتصدقون بما اشتروا على الفقراء، ففيه إيجاب الثمن على الغير، فيجعلون الأمر إلى من ليس له تمييز، فعوتبوا على ذلك، فعلى ذلك الحكم بالقرعة تسليم إلى من ليس له تمييز بين المحق وغير المحق، فيلحق هذا ما لحق أولئك.

ثم أخبر أن ذلك كله ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، وليس هو في الحقيقة عمل الشيطان؛ لأن الشيطان لا يفعل هذا حقيقة، لكن نسب ذلك إليه؛ لما يدعوهم إلى ذلك، ويزين لهم، وكذلك قول موسى -  -: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ إنه كذا وكذلك قوله -  -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ وهو - لعنه الله - لم يتول إخراجهما، ولكن كان سبب الإخراج والإزلال، وهو الدعاء إلى ذلك، والمراءاة لهم، فنسب ذلك إليه، والله أعلم.

قوله  : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ هم في الظاهر لم يجتمعوا على العداوة والبغضاء، بل يكون اجتماعهم على الألفة والمودة، على ذلك تَجَمُّعُهُم في الابتداء، لكن لما شربوا وأخذهم الشراب وقع بينهم العداوة والبغضاء؛ فكان قصده إلى جمعهم في الابتداء على المحبة والمودة ما ظهر منه في العاقبة من إيقاع العداوة بينهم، وتفريق جمعهم، وهو كقوله -  -: ﴿ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ولو دعاهم إلى عذاب السعير لكانوا لا يجيبونه، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير، فعلى ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما يوجب ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ففيه أن الأعمال ينظر فيها العواقب؛ كما روي: "الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" وفي الآية دليل تحريم الخمر؛ لأنه قال: ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ والرجس حرام؛ كقوله  : ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً  ﴾ وما يدعو إليه الشيطان - أيضاً - حرام، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ  ﴾ والحلال المباح لا إثم فيه، ولا يسمَّى رجساً، وكذلك روي عن نبيِّ الله  أنه قام، فخطب الناس، فقال: "يَأيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يُعَرِّضُ عَلَى الخَمْرِ تَعْرِيضاً، لاَ أَدْرِي لَعَلَّهُ سَيُنْزِلُ فِيهَا" ثم قال: "يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَنْ كَتَبَ هَذِهِ الآيَةَ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلاَ يَشْرَبْهَا، وَلاَ يَبِعْهَا" قال: فسكبوها في طريق المدينة.

وعن عمر -  - قال: لما نزل تحريم الخمر قال: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء"؛ فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ  ﴾ فقرئت عليه؛ فقال عمر -  -: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء"؛ فنزلت الآية التي في النساء: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَى  ﴾ فكان منادي رسول الله  إذا قام إلى الصلاة قال: "لا يقرب الصلاة سكران" فدعي عمر -  - فقرئت عليه؛ فقال: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء" فنزلت الآية التي في المائدة: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ فدعي عمر -  - فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ قال: انتهينا، انتهينا.

وعن أنس بن مالك -  - قال: كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر وزبيب وبسر خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك - والقوم يشربون - إذ دخل علينا رجل من المسلمين، فقال: ما تصنعون؟

والله لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا الباطية، وكفأناها، ثم خرجنا، فوجدنا رسول الله  قائماً على المنبر يقرأ هذه الآية ويكررها: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فالخليطان حرام.

فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وأن عصير العنب إذا غلا واشتد فصار مسكراً - خمر.

واختلفوا فيما سوى ذلك من الأشربة: فكان أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - يقولان: ما كان من الأشربة نيئاً متخذاً من النخلة والعنب فهو حرام: كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا أسكر كثيره فهو حرام عندهما؛ وعلى ذلك جاء الخبر عن رسول الله  [أنه] قال: "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: مِنَ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبِ" ومعنى التخصيص لهما: لأن شرابهم كان منهما، ولا يتخذ منهما إلا المسكر خاصة.

وأما ما اتخذ من غير النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئاً إلا السكر منه؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه قليله وكثيره، كالمتخذ من النخلة والعنب.

وكانا يقولان: ما كان من الأنبذة مطبوخاً فهو حلال وإن قل طبخه، إلا العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.

وكانا يفرقان بين العصير وغيره: بأن العصير ليس فيه شيء من غيره، وإن ترك بحاله غلا فأسكر، فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي ويسكر، فلم يخرجه الطبخ من حده الأول؛ إذ كان يسكر قبل أن يطبخ، وهو الآن يسكر بنفسه؛ إذ لم يجعل فيه شيء غيره، وسائر ما يتخذ منه الأنبذة إن بقيت لم يشتد ولم يسكر حتى يلقي عليه الماء ويخلط بها غيره، فحينئذ يسكر، فهي مثل العصير إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فإن بقي دهرا لم يسكر حتى يلقي عليه الماء فحينئذ يسكر، فإذا صار العصير في حال أن بقي مدة لم يغل بنفسه حتى يلقي عليه غيره كان بمنزلة الزبيب والتمر إذا ألقى عليهما الماء فطبخا؛ وعلى ذلك ما روي عن عمر -  - في الطلاء أنه لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ فيذهب عنه سلطانه، يقول: إذا كان يغلي بنفسه من غير أن يصب عليه الماء ففيه سلطانه، فإذا صار لا يغلي بنفسه، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب عنه سلطانه.

وروي عن أنس بن مالك -  - أن أبا عبيدة ومعاذ ابن جبل وأبا طلحة - رضوان الله عليهم - كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.وقد وصفنا فرق أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - بين المطبوخ وبين المثلث والمنصف من العصير.

فأما فرقهم بين المطبوخ ما يتخذ من النخلة والعنب والنِّيء منه فهو: أن الخمر التي لا خلاف في تحريمها في العصير التي تصير خمراً، فكل ما كان نيئاً من الشجرتين اللتين سماهما النبي  فهو حرام إذا أسكر، فإذا كان مطبوخاً فقد عمل فيه ما خرج به من حد الخمر.

فإن قيل: يجب أن يقاس ذلك على النيء؛ لأنه يسكر، وفيه صفات الخمر.

قيل: الخمر حرمت لعينها لما لا تتخذ إلا للسكر، ولا يقاس عليها غيرها، وإنما يقاس على ما حرم وحل لعلة دون ما حرم بعينه، وأما غيره من الأنبذة فإنما يحرم منه السكر؛ ألا ترى أنه في الخبر: "أن النبي  لما بعث أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن قال له أبو موسى: إن شرابنا يقال له: البتع، فما نشرب منه وما ندع؟

قال: اشْرَبُوا وَلاَ تَسْكَرُوا" وعن ابن عباس -  - قال: حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب.

وعن علي -  - قال: فما أسكر من النبيذ ثمان، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون.

فدل قول علي -  - فيما أسكر من النبيذ ثمان، معناه: في السكر ثمانون وذلك يدل أن قول النبي  : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" أن السكر منه حرام.

وعن عمر -  - أنه أُتِي بسكران، قال: يا أمير المؤمنين، إنما نشرب من نبيذك الذي في الإداوة؛ فقال عمر -  -: لست أضربك على النبيذ، إنما أضربك على السكر.

فهذه الأخبار التي ذكرنا دلت على [تحريم الخمر بعينها، والسكر من كل شراب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ يدل على] تحريمها؛ لأنه إذا سكر، صده عن ذكر الله وعن الصلاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ في تحريم الخمر، والميسر، والأزلام، والأنصاب، وغيرها، ﴿ وَٱحْذَرُواْ ﴾ معصيتهما وخلافهما ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن طاعتهما فيما حرم عليكم وحذركم عنه: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ في تحريم ذلك، والله أعلم.

﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ ﴾ أي: شربوا من الخمر قبل تحريمها ﴿ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ ﴾ شربها بعد التحريم ﴿ وَآمَنُواْ ﴾ : أي: [و]صدقوا بالتحريم، ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ ﴾ شربها، ﴿ وَآمَنُواْ ﴾ في حادث الوقت، ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ ﴾ .

وذكر في بعض القصة: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟.

قنزل ﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ...

﴾ الآية.

لكن هذا لا يحتمل أن يكون كما ذكر؛ لأنهم شربوا الخمر في وقت كان شربها مباحاً، ولم يشربوا بعد تحريمها، لكن هذا إن كان فإنما قالوا في أنفسهم؛ فنزل: أن ليس عليكم جناح فيما شربتم قبل تحريمها بعد أن اتقيتم شربها بعد نزول حرمتها، والله أعلم.

وقال بعض الناس: إن في الآية تكرارا في قوله -  -: ﴿ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، ليس على التكرار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما يقصد الشيطان من تَزْيِين المسكر والقمار إيقاع العداوة والبغضاء بين القلوب، والصرف عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم -أيها المؤمنون- تاركون هذه المنكرات؛ لا شك أن ذلك هو اللائق بكم، فانتهوا.

<div class="verse-tafsir" id="91.R71V2"

مزيد من التفاسير لسورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله