الإسلام > القرآن > سور > سورة 5 المائدة > الآية ٩٣ من سورة المائدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 199 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٣ من سورة المائدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال أحمد بن حنبل حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عياش قال لما حرمت الخمر قال ناس يا رسول الله أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها فأنزل الله" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا" إلى آخر الآية ولما حولت القبلة قال ناس: يا رسول الله إخواننا الذين ما توا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله" وما كان الله ليضيع إيمانكم" وقال الإمام أحمد حدثنا داود بن مهران الدباغ حدثنا داود يعني العطار عن أبي خيثم عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" من شرب الخمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة إن مات مات كافرا وإن تاب تاب الله عليه وإن عاد كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال" قالت: قلت يا رسول الله وما طينة الخبال ؟
قال:" صديد أهل النار " وقال الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نزلت" ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا" فقال النبي صلى الله عليه وسلم قيل لي أنت منهم وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه وقال عبد الله ابن الإمام أحمد قرأت على أبي حدثنا علي بن عاصم حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إياكم وهاتان الكعبتان الموسومتان اللتان تزجران زجرا فإنهما ميسر العجم.
القول في تأويل قوله : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للقوم الذين قالوا= إذْ أنـزل الله تحريم الخمر بقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ : كيفَ بمن هلك من إخواننا وهم يشربونها؟
وبنا وقد كنّا نشربها؟
= ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم حرج فيما شربوا من ذلك، في الحال التي لم يكن الله تعالى حرَّمه عليهم (30) = إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، يقول: إذا ما اتقى الله الأحياءُ منهم فخافوه، وراقبوه في اجتنابهم ما حرَّم عليهم منه، (31) وصدَّقوا الله ورسوله فيما أمراهم ونهياهم، فأطاعوهما في ذلك كله=" وعملوا الصالحات "، يقول: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله في ذلك مما كلفهم بذلك ربُّهم (32) =" ثم اتقوا وآمنوا "، يقول: ثم خافوا الله وراقبوه باجتنابهم محارِمه بعد ذلك التكليف أيضًا، فثبتوا على اتقاء الله في ذلك والإيمان به، ولم يغيِّروا ولم يبدِّلوا=" ثم اتقوا وأحسنوا "، يقول: ثم خافوا الله، فدعاهم خوفُهم الله إلى الإحسان، وذلك " الإحسان "، هو العمل بما لم يفرضه عليهم من الأعمال، ولكنه نوافلُ تقرَّبوا بها إلى رّبهم طلبَ رِضاه، وهربًا من عقابه (33) =" وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، يقول: والله يحب المتقرِّبين إليه بنوافل الأعمال التي يرضاها.
فالاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل= والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير= والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال.
* * * فإن قال قائل: ما الدليل على أنّ" الاتقاء " الثالث، هو الاتقاء بالنوافل، دون أن يكون ذلك بالفرائضِ؟
قيل: إنه تعالى ذكره قد أخبر عن وضعه الجناح عن شاربي الخمر التي شربوها قبل تحريمه إيّاها، إذا هم اتقوا الله في شربها بعد تحريمِها، وصدّقوا الله ورسوله في تحريمها، وعملوا الصالحات من الفرائض.
ولا وجه لتكرير ذلك وقد مضى ذكرُه في آيةٍ واحدة.
* * * وبنحو الذي قلنا من أن هذه الآية نـزلت فيما ذكرنا أنها نـزلت فيه، جاءت الأخبار عن الصَّحابة والتابعين.
* ذكر من قال ذلك: 12525 - حدثنا هناد بن السري وأبو كريب قالا حدثنا وكيع= وحدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي= عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نـزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟
فنـزلت: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح "، الآية.
(34) 12526 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الله، عن إسرائيل بإسناده، نحوه.
12527- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد قال، أخبرنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينَا أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دجانة، حتى مالت رءوسهم من خَليط بُسْرٍ وتمر.
(35) فسمعنا مناديًا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حُرِّمت!
قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القِلال، (36) وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، فأصبْنَا من طِيب أمِّ سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ .
فقال رجل: يا رسول الله، فما منـزلةُ من مات منا وهو يشربها؟
فأنـزل الله تعالى ذكره: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " الآية، فقال رجل لقتادة: سمعتَه من أنس بن مالك؟
قال: نعم!
قال رجل لأنس بن مالك: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: نعم!
وحدّثني من لم يكذب، والله ما كنا نكذب، ولا ندري ما الكذب!
(37) 12528 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما حرمت الخمر قالوا: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟
فنـزلت: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، الآية.
(38) 12529- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال، قال البراء: مات ناسٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نـزل تحريمها، قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟
فنـزلت هذه الآية: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات "، الآية.
(39) 12530- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا داود، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: نـزلت: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات &; 10-580 &; جناح فيما طعموا "، فيمن قُتِل ببدر وأحُدٍ مع محمد صلى الله عليه وسلم.
12531- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا خالد بن مخلد قال، حدثنا علي ابن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لما نـزلت: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيل لي: أنت منهم.
(40) 12532 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا جامع بن حماد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، إلى قوله: " وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"، لما أنـزل الله تعالى ذكره تحريم الخمر في" سورة المائدة "، بعد " سورة الأحزاب "، (41) قال في ذلك &; 10-581 &; رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصيب فلانٌ يوم بدر، وفلانٌ يوم أحد، وهم يشربونها!
فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة!
فأنـزل الله تعالى ذكره: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين "، يقول: شربها القومُ على تقوى من الله وإحسانٍ، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرِّمت بعدهم، فلا جناح عليهم في ذلك.
12533- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، قالوا: يا رسول الله، ما نقول لإخواننا الذين مضوا؟
كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر!
فأنـزل الله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، يعني قبل التحريم، إذا كانوا محسنين متقين= وقال مرة أخرى: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا " من الحرام قبل أن يحرَّم عليهم=" إذا ما اتقوا وأحسنوا "، بعد ما حُرِّم، وهو قوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ، [سورة البقرة: 275].
12534- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، يعني بذلك رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرَّم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبلَ أن تحرَّم.
فلما حرِّمت قالوا: كيف تكون علينا حرامًا، وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟
فأنـزل الله تعالى ذكره: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا &; 10-582 &; ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات "، يقول: ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرِّمها، إذا كانوا محسنين متقين=" والله يحب المحسنين ".
12535 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا "، لمن كان يشرب الخمرَ ممن قتل مع محمد صلى الله عليه وسلم ببدرٍ وأحُدٍ.
12536 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك قوله: " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح "، الآية، هذا في شأن الخمر حين حرِّمت، سألوا نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إخواننا الذين ماتوا وهم يشربونها؟
فأنـزل الله تعالى ذكره هذه الآية.
الهوامش : (30) انظر تفسير"الجناح" 9 : 268 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك= وتفسير"طعم" فيما سلف 5 : 342.
(31) انظر تفسير"اتقى" فيما سلف من فهارس اللغة (وقى).
(32) انظر تفسير"الصالحات" فيما سلف من فهارس اللغة (صلح).
(33) انظر تفسير"الإحسان" فيما سلف: 512 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.
(34) الأثران: 12525 ، 12526- إسنادهما صحيح.
رواه أحمد في مسنده: 2088 ، 2452 ، 2691 مطولا ، 2775.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 143 ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي ، وقال: "صحيح".
وذكره ابن كثير في تفسيره 3 : 233 ، من حديث أحمد في المسند.
وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 : 320 ، وزاد نسبته إلى الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان.
(35) "البسر" (بضم الباء وسكون السين): التمر قبل أن يرطب ، وهو ما لون منه ولم ينضج ، فإذا نضج فقد أرطب.
(36) "القلال" جمع"قلة" (بضم القاف): وهي الجرة الكبيرة.
(37) الأثر: 12527-"عبد الكبير بن عبد المجيد الحنفي البصري" ، ثقة.
مضى برقم: 6822 ، 10317.
و"عباد بن راشد التميمي" ، قال أحمد: "ثقة صدوق" ، وضعفه يحيى بن معين ، وتركه يحيى القطان.
روى له البخاري مقرونًا بغيره.
ومضى برقم 11060.
و"أم سليم" المذكورة في الخبر ، هي: "أم سليم بنت ملحان الأنصارية" ، لها صحبة ، وهي والدة أنس بن مالك ، وزوج أبي طلحة الأنصاري ، خطبها أبو طلحة وهو مشرك ، فأبت عليه إلا أن يسلم ، فأسلم.
وذكر هذا الخبر ابن كثير في تفسيره 3 : 228 ، ولم ينسبه لغير ابن جرير ، وكذلك السيوطي في الدر المنثور 2 : 320.
وخبر أنس هذا ، رواه البخاري من طريق أخرى بغير هذا اللفظ (الفتح 8 : 209).
ومسلم في صحيحه بغير هذا اللفظ من طرق 13 : 148-151.
والنسائي في السنن 8 : 287 ، 288.
(38) الأثران: 12528 ، 12529- رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: 97 ، رقم: 715 ، من طريق شعبة ، به.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحق (طريق أبي جعفر رقم: 12528) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ثم رواه من طريق: "محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة" (طريق أبي جعفر رقم: 12529) ، ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح".
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 231 ، من مسند أبي داود الطيالسي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 320 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.
(39) الأثران: 12528 ، 12529- رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: 97 ، رقم: 715 ، من طريق شعبة ، به.
ورواه الترمذي في السنن (كتاب التفسير) من طريق عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحق (طريق أبي جعفر رقم: 12528) ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ثم رواه من طريق: "محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر ، عن شعبة" (طريق أبي جعفر رقم: 12529) ، ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح".
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 231 ، من مسند أبي داود الطيالسي.
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 320 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه.
(40) الأثر: 12531-"خالد بن مخلد القطواني" ثقة ، مضى برقم 2206 ، 4577 ، 8166 ، 8397.
و"علي بن مسهر القرشي" ، ثقة ، مضى برقم: 4453 ، 5777.
وهذا الخبر ، رواه مسلم في صحيحه (16 : 14) من طرق ، عن علي بن مسهر ، عن الأعمش ، بمثله.
ورواه الترمذي من طريق سفيان بن وكيع ، عن خالد بن مخلد ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
ورواه الحاكم في المستدرك 4 : 143 ، 144 ، من طريق سليمان بن قرم ، عن الأعمش ، بزيادة في لفظه ، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وإنما اتفقا على حديث شعبة ، عن أبي إسحق ، عن البراء ، مختصر هذا المعنى" ، ولم أجده حديث البراء في الصحيحين ، كما قال الحاكم.
وأما الذهبي فلم يزد في تعليقه على المستدرك إلا أن قال: "صحيح".
ولم أجد من نسب حديث البراء إلى الشيخين ، وهو الذي مضى برقم: 12528 ، 12529.
وخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 7 : 18 ، بمثل لفظ الحاكم في المستدرك ، ثم قال: "في الصحيح بعضه ، رواه الطبراني ، ورجاله ثقات".
وهذا هو الصحيح لا ما قال الحاكم.
وخرجه ابن كثير في تفسيره 3 : 233 وقال: "رواه مسلم ، والترمذي ، والنسائي من طريقه".
وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 321 ، في موضعين ، قال في مثل لفظ الحاكم: "أخرجه الطبراني ، وابن مردويه ، والحاكم وصححه".
ثم رواه مختصرًا كرواية أبي جعفر ، ونسبه إلى مسلم ، والترمذي والنسائي ، وابن مردويه ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ.
(41) قوله: "بعد سورة الأحزاب" ، كأنه يعني بعد نزول سورة الأحزاب ، وليس في سورة الأحزاب ذكر تحريم الخمر ، وكأنه عنى بذلك"بعد غزوة الأحزاب" ، وأخشى أن يكون قوله: "سورة الأحزاب" ، سهوا من الناسخ ، والصواب"غزوة الأحزاب" ، ولكن هكذا جاء في الدر المنثور أيضًا 2 : 321 ، ونسب الخبر ، لعبد بن حميد ، وابن جرير.
قوله تعالى : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنينفيه تسع مسائل :الأولى : قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك إنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة : كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ؟
- ونحو هذا - فنزلت الآية .
روى البخاري عن أنس قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة فنزل تحريم الخمر ، فأمر مناديا ينادي ، فقال أبو طلحة : اخرج فانظر ما هذا الصوت !
قال : فخرجت فقلت : هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت ; فقال : اذهب فأهرقها - وكان الخمر من الفضيخ - قال : فجرت في سكك المدينة ; فقال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله عز وجل : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية .الثانية : هذه الآية وهذا الحديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت وما كان الله ليضيع إيمانكم ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء ; لا إثم ولا مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح ; لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع ; وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة [ ص: 222 ] خوفه من الله تعالى ، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ; فرفع الله ذلك التوهم بقوله : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية .الثالثة : هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر ; وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه ; لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان ، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره ; وقد قال الحكمي :لنا خمر وليست خمر كرم ولكن من نتاج الباسقات كرام في السماء ذهبن طولاوفات ثمارها أيدي الجناةومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي : أخبرنا القاسم بن زكريا ، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الزبيب والتمر هو الخمر ، وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - وحسبك به عالما باللسان والشرع - خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس ; ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل ، وهي من خمسة : من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير ; والخمر ما خامر العقل ، وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر ; يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة ، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه .
وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب ، وما كان من غيره لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر ، وإنما يسمى نبيذا ; وقال الشاعر :تركت النبيذ لأهل النبيذ وصرت حليفا لمن عابهشراب يدنس عرض الفتى ويفتح للشر أبوابهالرابعة : قال الإمام أبو عبد الله المازري : ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه ، قليلا كان أو كثيرا ، نيئا كان أو مطبوخا ، ولا فرق بين المستخرج من العنب أو غيره ، وأن من شرب شيئا من ذلك حد ; فأما المستخرج من العنب المسكر النيء فهو الذي انعقد الإجماع على تحريم قليله وكثيره ولو نقطة منه ، وأما ما عدا [ ص: 223 ] ذلك فالجمهور على تحريمه ، وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر ، وهو الذي لا يبلغ الإسكار ; وفي المطبوخ المستخرج من العنب ; فذهب قوم من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب ، ونقيع الزبيب النيء ; فأما المطبوخ منهما ، والنيء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار ، وذهب أبو حنيفة إلى قصر التحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل ; فيرى أن سلافة العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها ، وأما نقيع الزبيب والتمر فيحل مطبوخهما وإن مسته النار مسا قليلا من غير اعتبار بحد ; وأما النيء منه فحرام ، ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجب الحد فيه ; وهذا كله ما لم يقع الإسكار ، فإن وقع الإسكار استوى الجميع .
قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد رضي الله عنه : العجب من المخالفين في هذه المسألة ; فإنهم قالوا : إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره ، وهو مجمع عليه ; فإذا قيل لهم : فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل ؟
فلا بد أن يقال : لأنه داعية إلى الكثير ، أو للتعبد ; فحينئذ يقال لهم : كل ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضا ، إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك .
وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس ; لأن الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه ; وهذا كما يقول في قياس الأمة على العبد في سراية العتق .
ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله !
فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد ، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنة وإجماع صدور الأمة ، لأحاديث لا يصح شيء منها على ما قد بين عللها المحدثون في كتبهم ، وليس في الصحاح شيء منها .
وسيأتي في سورة " النحل " تمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى .الخامسة : قوله تعالى : طعموا أصل هذه اللفظة في الأكل ; يقال : طعم الطعام وشرب الشراب ، لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزا ولا ماء ولا نوما ; قال الشاعر :نعاما بوجرة صعر الخدو د لا تطعم النوم إلا صياماوقد تقدم القول في " البقرة " في قوله تعالى : ومن لم يطعمه بما فيه الكفاية .
السادسة : قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية تناول المباح والشهوات ، والانتفاع بكل لذيذ من مطعم ومشرب ومنكح وإن بولغ فيه وتنوهي في ثمنه .
وهذه الآية نظير قوله [ ص: 224 ] تعالى : لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ونظير قوله : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزقالسابعة : قوله تعالى : إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين فيه أربعة أقوال : الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار ; والمعنى اتقوا شربها ، وآمنوا بتحريمها ; والمعنى الثاني دام اتقاؤهم وإيمانهم ; والثالث على معنى الإحسان إلى الاتقاء ، والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم ، وأحسنوا العمل .
الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله ، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر ، وازدادوا إيمانا ، والمعنى الثالث ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي : تنفلوا ، وقال محمد بن جرير : الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول ، والتصديق والدينونة به والعمل ، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق ، والثالث الاتقاء بالإحسان ، والتقرب بالنوافل .الثامنة : قوله تعالى : ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين دليل على أن المتقي المحسن أفضل من المتقي المؤمن الذي عمل الصالحات ; فضله بأجر الإحسان .التاسعة : قد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله ، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرا وعمر ، وكان ختن عمر بن الخطاب ، خال عبد الله وحفصة ، وولاه عمر بن الخطاب على البحرين ، ثم عزله بشهادة الجارود - سيد عبد القيس - عليه بشرب الخمر .
روى الدارقطني قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد المصري ، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف ، حدثني سعيد بن عفير ، حدثني يحيى بن فليح بن سليمان ، قال : حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس : أن الشراب كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي ، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين حتى أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب فأمر به أن يجلد ; قال : لم تجلدني ؟
بيني وبينك كتاب الله !
فقال عمر : وفي أي كتاب الله تجد ألا أجلدك ؟
فقال له : إن الله تعالى يقول في كتابه : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية .
فأنا من الذين آمنوا وعملوا [ ص: 225 ] الصالحات ، ثم اتقوا وآمنوا ، ثم اتقوا وأحسنوا ; شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها ; فقال عمر : ألا تردون عليه ما يقول ; فقال ابن عباس : إن هؤلاء الآيات أنزلت عذرا لمن غبر ، وحجة على الناس ; لأن الله تعالى يقول : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر الآية ; ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى ; فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، الآية ; فإن الله قد نهاه أن يشرب الخمر ; فقال عمر : صدقت ماذا ترون ؟
فقال علي رضي الله عنه : إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ; فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة ، وذكر الحميدي عن أبي بكر البرقاني عن ابن عباس قال : لما قدم الجارود من البحرين قال : يا أمير المؤمنين إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا ، وإني إذا رأيت حقا من حقوق الله حق علي أن أرفعه إليك ; فقال عمر : من يشهد على ما تقول ؟
فقال : أبو هريرة ; فدعا عمر أبا هريرة فقال : علام تشهد يا أبا هريرة ؟
فقال : لم أره حين شرب ، ورأيته سكران يقيء ، فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ; ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه ، فلما قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر ; فقال : أقم على هذا كتاب الله ; فقال عمر للجارود : أشهيد أنت أم خصم ؟
فقال الجارود : أنا شهيد ; قال : قد كنت أديت الشهادة ; ثم قال لعمر : إني أنشدك الله !
فقال عمر : أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك ; فقال الجارود : أما والله ما ذلك بالحق ، أن يشرب ابن عمك وتسوءني !
فأوعده عمر ; فقال أبو هريرة وهو جالس : يا أمير المؤمنين إن كنت في شك من شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ابن مظعون ، فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله ، فأقامت هند على زوجها الشهادة ; فقال عمر : يا قدامة إني جالدك ; فقال قدامة : والله لو شربت - كما يقولون - ما كان لك أن تجلدني يا عمر .
قال : ولم يا قدامة ؟
قال : لأن الله سبحانه يقول : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا .
الآية ، إلى المحسنين .
فقال عمر : أخطأت التأويل يا قدامة ; إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ، ثم أقبل عمر على القوم فقال : ما ترون في جلد قدامة ؟
فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ; فسكت عمر عن جلده ثم أصبح يوما فقال لأصحابه : ما ترون في جلد قدامة ؟
فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما دام وجعا ، فقال عمر : إنه والله لأن يلقى الله تحت السوط ، أحب إلي أن ألقى الله وهو في عنقي !
والله لأجلدنه ; ائتوني بسوط ، فجاءه مولاه أسلم بسوط رقيق صغير ، فأخذه عمر فمسحه [ ص: 226 ] بيده ثم قال لأسلم : أخذتك دقرارة أهلك ; ائتوني بسوط غير هذا .
قال : فجاءه أسلم بسوط تام ; فأمر عمر بقدامة فجلد ; فغاضب قدامة عمر وهجره ; فحجا وقدامة مهاجر لعمر حتى قفلوا عن حجهم ونزل عمر بالسقيا ونام بها فلما استيقظ عمر قال : عجلوا علي بقدامة ، انطلقوا فأتوني به ، فوالله لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال : سالم قدامة فإنه أخوك ، فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه ، فأمر عمر بقدامة أن يجر إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له ، فكان أول صلحهما .
قال أيوب بن أبي تميمة : لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره .
قال ابن العربي : فهذا يدلك على تأويل الآية ، وما ذكر فيه عن ابن عباس من حديث الدارقطني ، وعمر في حديث البرقاني وهو صحيح ; وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى الله في غيره ما حد على الخمر أحد ، فكان هذا من أفسد تأويل ; وقد خفي على قدامة ; وعرفه من وفقه الله كعمر وابن عباس رضي الله عنهما ; قال الشاعر :وإن حراما لا أرى الدهر باكيا على شجوه إلا بكيت على عمروروي عن علي رضي الله عنه أن قوما شربوا بالشام وقالوا : هي لنا حلال وتأولوا هذه الآية ، فأجمع علي وعمر على أن يستتابوا ، فإن تابوا وإلا قتلوا ; ذكره إلكيا الطبري .
لما نزل تحريم الخمر والنهي الأكيد والتشديد فيه، تمنى أناس من المؤمنين أن يعلموا حال إخوانهم الذين ماتوا على الإسلام قبل تحريم الخمر وهم يشربونها.
فأنزل الله هذه الآية، وأخبر تعالى أنه { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ } أي: حرج وإثم { فِيمَا طَعِمُوا } من الخمر والميسر قبل تحريمهما.
ولما كان نفي الجناح يشمل المذكورات وغيرها، قيد ذلك بقوله: { إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي: بشرط أنهم تاركون للمعاصي، مؤمنون بالله إيمانا صحيحا، موجبا لهم عمل الصالحات، ثم استمروا على ذلك.
وإلا فقد يتصف العبد بذلك في وقت دون آخر.
فلا يكفي حتى يكون كذلك حتى يأتيه أجله، ويدوم على إحسانه، فإن الله يحب المحسنين في عبادة الخالق، المحسنين في نفع العبيد، ويدخل في هذه الآية الكريمة، من طعم المحرم، أو فعل غيره بعد التحريم، ثم اعترف بذنبه وتاب إلى الله، واتقى وآمن وعمل صالحا، فإن الله يغفر له، ويرتفع عنه الإثم في ذلك.
قوله عز وجل : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) سبب نزول هذه الآية أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر : يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر [ ويأكلون ] من مال الميسر؟
فأنزل الله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ) وشربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر ، ( إذا ما اتقوا ) الشرك ، ) ( وآمنوا ) وصدقوا ، ( وعملوا الصالحات ثم اتقوا ) الخمر والميسر بعد تحريمهما ، ( وآمنوا ثم اتقوا ) ما حرم الله عليهم أكله وشربه ، ( وأحسنوا والله يحب المحسنين ) وقيل : معنى الأول إذ ما اتقوا الشرك ، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا ، أي : داوموا على ذلك التقوى ، ) ( وآمنوا ) ازدادوا إيمانا ، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا ، وقيل : أي : اتقوا بالإحسان ، وكل محسن متق ، ( والله يحب المحسنين ) .
«ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا» أكلوا من الخمر والميسر قبل التحريم «إذا ما اتقوا» المحرمات «وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا» ثبتوا على التقوى والإيمان «ثم اتقوا وأحسنوا» العمل «والله يحب المحسنين» بمعني أنه يثيبهم.
ليس على المؤمنين الذين شربوا الخمر قبل تحريمها إثم في ذلك، إذا تركوها واتقوا سخط الله وآمنوا به، وقدَّموا الأعمال الصالحة التي تدل على إيمانهم ورغبتهم في رضوان الله تعالى عنهم، ثم ازدادوا بذلك مراقبة لله عز وجل وإيمانا به، حتى أصبحوا مِن يقينهم يعبدونه، وكأنهم يرونه.
وإن الله تعالى يحب الذين بلغوا درجة الإحسان حتى أصبح إيمانهم بالغيب كالمشاهدة.
وقد أتبع - سبحانه - ذلك ببيان حكم من شربها ومات قبل أن ينزل تحريمها فقال - تعالى - :( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ .
.
.
)روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة في معناها ، ومن ذلك ما رواه الترمذي عن البراء بن عازب قال : ما تناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر .
فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها قال : فنزلت ( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ) الآية .وعن ابن عباس قال : قالوا يا رسول الله ، أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر " لما نزل تحريم الخمر " فنزلت ( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ ) الآية .وروى الإِمام أحمد من حديث أبي هريرة أنه بعد أن نزل قوله - تعالى - ( ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر ) الآيات ، قال الناس : يا رسول الله ، ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم ، كانوا يربون الخمر ويأكلون مال الميسر؛ وقد جعله الله رجسا ومن عمل الشيطان؟
فأنزل الله - تعالى - ( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ) الآية .قال القرطبي : وهذه الآية وتلك الأحاديث نظير سؤالهم عمن مات إلى القبلة الأولى فنزلت ( وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له ولا عليه شيء ، لا إثم ول مؤاخذة ولا ذم ولا أجر ولا مدح ، لأن المباح مستوى الطرفين بالنسبة إلى الشرع ، وعلى هذا فما كان ينبغي أن يتخوف ولا يسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها ، فإما أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإِباحة فلم يخطر له ، أو يكون لغلبة خوفه من الله - تعالى - وشفقته على إخوانه المؤمنين توهم مؤاخذة ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدم ، فرفع الله التوهم بقوله : ( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ) الآية .وقال الآلوسي : وقيل إن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره والأول هو المختار .وقوله - تعالى - ( فِيمَا طعموا ) أي : ذاقوا ، مأخوذ من الطعم - بالفتح - وهو تذوق الشيء والتلذذ به ، سواء أكان مأكولا أم مشروبا وهو المراد هنا .قال القرطبي : وأصل هذه الكلمة في الأكل .
يقال : " طعم الطعام وشرب الشراب لكن قد تجوز في ذلك فيقال : لم أطعم خبزاً ولا ماء ولا نوماً " .والمعنى : ( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ ) أي : حرج أو إثم ( فِيمَا طعموا ) أي فيما تناولوه من خمر أو ما يشبهها من محرمات قبل أن يحرمها الله - تعالى - وكذلك لا إثم ولا حرج على من مات قبل التحريم .وقوله : ( إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) تحريض للمؤمنين على الأزدياد من الإِيمان والتقوى والعمل الصالح .أي : إذا ما اتقوا الله وخافوه وتلقوا أوامره بالقبول ، وثبتوا على الإِيمان ، وأكثروا من الأعمال الصالحات .وقوله : ( ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ) معطوف على ما قبله .أي : ثم اسصتمروا على تقواهم وامتلاء قلوبهم بخشية الله ، والإِيمان الحق به - سبحانه - فتكرير التقوى والإِيمان هنا لبيان أنه يجب استمرارهم ومواظبتهم على ذلك ، مع تمسكهم بما يقتضيه الإِيمان والتقوى من فعل الخير وابتعاد عن الشر .وقوله : ( ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ ) معطوف على ما قبله - أيضاً - لتأكيد معنى الاستمرار على هذه التقوى طول مدة حياتهم مع إحسانهم إلى أنفسهم بالإِكثار من العمل الصالح ، وإلى غيرهم بما يستطيعونه من إسداء الخير إليه .وقوله : ( والله يُحِبُّ المحسنين ) تذييل قصد به تأكيد ما قبله من الحض على الإِيمان والتقوى والإِحسان ، ومدح المتمسكين بتلك الصفات الحميدة .أي : والله - تعالى - يحب المحسنين إلى أنفسهم بإلزامهم بالوقوف عند حدود الله ، والاستجابة له فيما أمر أو نهى أو أحل أو حرم يرغبة ومسارعة ، وإلى غيرهم بمد يد العون إليهم .فالآية الكريمة من مقاصدها بيان جانب من مظاهر رحمة الله بعباده ، ورأفته بهم؛ حيث بين لهم : أن من شرب الخمر أو لعب الميسر أو فعل ما يشبههما من محرمات ، ثم مات قبل أن ينزل الأمر بتحريم هذه الأشياء فإن الله - تعالى - لا يؤاخذه على ذلك .
لأن المؤاخذة على الفعل تبدأ من وقت تحريمه لا من قبل تحريمه .وكذلك الحال بالنسبة لمن وقع في هذه الأشياء قبل أن تحرم فإن الله لا يؤاخذه عليها ، وإنما يؤاخذه عليها بعد نزول تحريمها وهذا من فضل الله على عباده ، ورحمته بهم .هذا ، وقد تعددت أقوال المفسرين حول مسألتين تتعلقان بهذه الآية الكريمة .أما المسألة الأولى فهي : كيف شرط الله في رفع الجناح أي الإِثم عن المطعوعات والمشروبات الإِيمان والتقوى ، مع أن الجناح مرفوع عن المباح من هذه الأشياء حتى عن الكافرين؟وقد قالوا في الإِجابة على ذلك : إن تعليق نفي الجناح أي الإِثم بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها؛ فإن نفي الإِثم عن الذي يتناول المباح قبل أن يحرم لا يتشرط بشرط ، وإنما تعليق نفي الجناح بهذه الأحوال - وهي التقوى والإِيمان - وارد على سبيل المدح لهم ، والثناء عليهم؛ والدلالة على أنهم جديرون بهذه الصفات ، ولإِدخال الطمأنينة على قلوبهم حتى يوقونوا بأن من تعاطي شيئا من المحرمات قبل تحريمها فلا يؤاخذه الله على ذلك ، وإنما يؤاخذه إذا تعاطاهاه بعد تحريمها .وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : " قيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة : يا رسول الله!!
كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر؟
فنزلت الآية ( لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ ) ..
إلخ يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم ، ثم اتقوا وآمنوا وأحسنوا ، على معنى : أن أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمدا لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإِحسان .
ومثاله أن يقال لك : هل على زيد جناح فيما فعل؟
فتقول : وقد علمت أن ذلك أمر مباح : ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم ، وكان مؤمنا محسناً .
تريد : أن زيداً تقي مؤمن محسن ، وأنه غير مؤاخذ بما فعل .وقال أبو السعود ما ملخصه : ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة ، لا دخل لها في انتفاء الجناح .
وإنما ذكرت في حيز ( إذا ) شهادة باتصاف الذين سألوا عن حالهم بها ، ومدحا لهم بذلك ، وحمداً لأحوالهم .
فكِأنه قيل : ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى : مع ما لهم من الصفات الحميدة بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال ، وإنما كننوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمها إذ ذاك ، ولو حرما في عصرهم لا تقوهما بالمرة " .وأما المسألة الثانية التي كثرت أقوال المفسرين فيها فهي : تكرار التقوى مرة مع الإِيمان والعمل الصالح .
ومرة مع الإِيمان ومرة مع الإِحسان؟وقد ذكر القرطبي في ذلك أربعة أقوال فقال :الأول : أنه ليس في ذكر التقوى تكرار ، والمعنى : اتقوا شربها وآمنوا بتحريمها ، أو دام اتقاؤهم وإيمانهم ، أو على معنى إضافة الإِحسان إلى الاتقاء .والثاني : اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات ، ثم اتقوا بعد تحريمها شربها ، ثم اتقوا فيما بقي من أعمالهم وأحسنوا العمل .الثالث : اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله ، والمعنى الثاني ثم اتقوا الكبائر ، وازدادوا إيمانا ، والمعنى الثالث ، ثم اتقوا الصغائر وأحسنوا أي تنفلوا .الرابع : قال ابن جرير : الاتقاء الأول : هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق ، والدينونة به العمل .
والاتقاء الثاني : الاتقاء بالثبات على التصديق ، والثالث : الاتقاء بالإِحسان والتقرب بالنوافل .والذي يبدو لنا أن ما قاله ابن جرير أقرب إلى الصواب ، وأن تكرير التقوى إنما هو لتأكيد وجوب امتلاء قلب المؤمن بها ، واستمراره على ذلك حتى يلقى الله .
فإن المؤمن بمداومته على خشيته - سبحانه - يتدرج من الكمال إلى الأكمل حتى يصل في إيمانه وتقواه إلى مرتبة الإِحسان التي ترفعه إلى أعلى عليين ، والتي عرفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : " الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " .ولقد بين لنا القرآن في مواطن كثيرة أن المؤمن يقوى إيمانه ويزداد ، بكثرة تدبره ما أنزله الله من شرائع وهدايات .
ومن ذلك قوله - تعالى - ( وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ .
وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ )وقال تعالى - ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً ) وبذلك نرى الآية الكريمة قد طمأنت المؤمنين إلى أن الله - تعالى - لن يؤاخذهم بما تعاطوه محرمات قبل تحريمها ، وأن الواجب عليهم أن يستمروا على مراقبتهم له ، وخشيتهم منه حتى لقوه - عز وجل - .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة: إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم، فنزلت هذه الآية والمعنى: لا إثم عليهم في ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة، وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ أي إنكم حين استقبلتم بيت المقدس فقد استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك، كما قال: ﴿ فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾ .
المسألة الثانية: الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب، فكذلك يجب أن يكون الطُّعْمُ خلاف الشرب، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى ﴾ وعلى هذا يجوز أن يكون قوله: ﴿ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ ﴾ أي شربوا الخمر، ويجوز أن يكون معنى الطُّعْمُ راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب، وقد تقول العرب: تطعم تطعم أي ذق حتى تشتهي وإذا كان معنى الكلمة راجعاً إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب معاً.
المسألة الثالثة: زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بيّن في الخمر أنها محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة، بيّن في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى، والاحسان إلى الخلق.
قالوا: ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم، لأنه لو كان المراد ذلك لقال: ما كان جناح على الذين طعموا، كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ ولكنه لم يقل ذلك، بل قال: ﴿ لَيْسَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ إذا ما اتقوا وآمنوا ﴾ ولا شك أن إذا للمستقبل لا للماضي.
واعلم أن هذا القول مردود بإجماع كل الأمة وقولهم: إن كلمة إذا للمستقبل لا للماضي.
فجوابه ما روى أبو بكر الأصم: أنه لما نزل تحريم الخمر، قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القمار وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرّم الخمر وهم يطعمونها، فأنزل الله هذه الآيات، وعلى هذا التقدير فالحل قد ثبت في الزمان المستقبل عن وقت نزول هذه الآية لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.
المسألة الرابعة: أنه تعالى شرط لنفي الجناح حصول التقوى والايمان مرتين وفي المرة الثالثة حصول التقوى والاحسان واختلفوا في تفسير هذه المراتب الثلاث على وجوه قال الأكثرون: الأول: عمل الاتقاء، والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه، والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الاحسان إليه.
القول الثاني: أن الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول هذه الآية، والثاني: اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية.
الثالث: اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم، القول الثالث: اتقاء الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر، القول الرابع: ما ذكره القفال رحمه الله تعالى قال: التقوى الأولى عبارة عن الاتقاء من القدح في صحة النسخ وذلك لأن اليهود يقولون النسخ يدل على البداء فأوجب على المؤمنين عند سماع تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة أن يتقوا عن هذه الشبهة الفاسدة والتقوى الثانية الإتيان بالعمل المطابق لهذه الآية وهي الاحتراز عن شرب الخمر والتقوى الثالثة عبارة عن المداومة على التقوى المذكورة في الأولى والثانية ثم يضم إلى هذه التقوى الإحسان إلى الخلق.
والقول الخامس: أن المقصود من هذا التكرير التأكيد والمبالغة في الحث على الايمان والتقوى.
فإن قيل: لم شرط رفع الجناح عن تناول المطعومات بشرط الايمان والتقوى مع أن المعلوم أن من لم يؤمن ومن لم يتق ثم تناول شيئاً من المباحات فإنه لا جناح عليه في ذلك التناول، بل عليه جناح في ترك الإيمان وفي ترك التقوى، إلا أن ذلك لا تعلق له بتناول ذلك المباح فذكر هذا الشرط في هذا المعرض غير جائز.
قلنا: ليس هذا للاشتراط بل لبيان أن أولئك الأقوام الذين نزلت فيهم هذه الآية كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمداً لأحوالهم في الايمان والتقوى والاحسان، ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح، وقد علمت أن ذلك الأمر مباح فتقول: ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمناً محسناً تريد أن زيداً إن بقي مؤمناً محسناً فإنه غير مؤاخذ بما فعل.
ثم قال تعالى: ﴿ والله يُحِبُّ المحسنين ﴾ والمعنى أنه تعالى لما جعل الاحسان شرطاً في نفي الجناح بيَّن أن تأثير الإحسان ليس في نفي الجناح فقط، بل وفي أن يحبه الله، ولا شك أن هذه الدرجة أشرف الدرجات وأعلى المقامات، وقد تقدم تفسير محبة الله تعالى لعباده.
<div class="verse-tafsir"
رفع الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذات المطاعم ومشتهياتها ﴿ إِذَا مَا اتقوا ﴾ ما حرم عليهم منها ﴿ وَءامَنُواْ ﴾ وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ وَءامَنُواْ ﴾ ثم ثبتوا على التقوى والإيمان ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ ﴾ ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس: واسوهم بما رزقهم الله من الطيبات.
وقيل لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة: يا رسول الله، فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فنزلت.
يعني أن المؤمنين لا جناح عليهم في أي شيء طعموه من المباحات إذا ما اتقوا المحارم، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، على معنى: أنّ أولئك كانوا على هذه الصفة ثناء عليهم وحمداً لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.
ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟
فتقول- وقد علمت أن ذلك أمر مباح-: ليس على أحد جناح في المباح، إذا اتقى المحارم، وكان مؤمناً محسناً، تريد: أن زيداً تقيّ مؤمن محسن؛ وأنه غير مؤاخذ بما فعل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ﴾ مِمّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿ إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيِ اتَّقَوُا المُحَرَّمَ وثَبَتُوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدُ كالخَمْرِ.
﴿ وَآمَنُوا ﴾ بِتَحْرِيمِهِ.
﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ ثُمَّ اسْتَمَرُّوا وثَبَتُوا عَلى اتِّقاءِ المَعاصِي.
﴿ وَأحْسَنُوا ﴾ وتَحَرَّوُا الأعْمالَ الجَمِيلَةَ واشْتَغَلُوا بِها.
رُوِيَ « (أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ فَنَزَلَتْ.» وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ اسْتِعْمالِ الإنْسانِ التَّقْوى والإيمانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ بَدَّلَ الإيمانَ بِالإحْسانِ في الكَرَّةِ الثّالِثَةِ إشارَةً إلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَفْسِيرِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمُنْتَهى، أوْ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِي فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ والشُّبُهاتِ تَحَرُّزًا عَنِ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضَ المُباحاتِ تَحَفُّظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ.
﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ فَلا يُؤاخِذُهم بِشَيْءٍ، وفِيهِ أنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ صارَ مُحْسِنًا ومَن صارَ مُحْسِنًا صارَ لِلَّهِ مَحْبُوبًا.
<div class="verse-tafsir"
ونزل فيمن تعاطى شيئاً من الخمر والميسر قبل التحريم {ليس على الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ} أي شربوا من الخمر وأكلوا من مال القمار قبل تحريمهما {إذا ما اتقوا} الشرك {وآمنوا} بالله {وَعَمِلُواْ الصالحات} بعد الإيمان {ثُمَّ اتَّقَواْ} الخمر والميسر بعد التحريم {وآمنوا} بتحريمهما {ثُمَّ اتَّقَواْ} سائر المحرمات أو الأول عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات {وَأَحْسَنُواْ} إلى الناس {والله يُحِبُّ المحسنين}
﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ ﴾ أيْ إثْمٌ وحَرَجٌ ﴿ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ 39 - قِيلَ: لَما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: كَيْفَ بِمَن شَرِبَها مِن إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم قَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ وأكَلُوا المَيْسِرَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في القَوْمِ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى نُفُوسِهِمُ اللُّحُومَ وسَلَكُوا طَرِيقَ التَّرَهُّبِ كَعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وغَيْرِهِ، والأوَّلُ هو المُخْتارُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأنَسِ بْنِ مالِكٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضِّحاكِ وخَلْقٍ آخَرِينَ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ كَلامٌ طَوِيلُ الذَّيْلِ فَنَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ والعُهْدَةُ عَلَيْهِ عَنْ تَفْسِيرِ أهْلِ البَيْتِ أنَّ (ما) عِبارَةٌ عَنِ المُباحاتِ، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقْيِيدُ إباحَتِها بِاتِّقاءٍ ما عَداها مِنَ المُحَرَّماتِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا ما اتَّقَوْا ﴾ واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ فَهي سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً عَلى عُمُومِها وإنَّما تَخَصَّصَتْ بِذَلِكَ القَيْدِ الطّارِئِ عَلَيْها والطُّعْمُ كالطَّعامِ يُسْتَعْمَلُ في الأكْلِ والشُّرْبِ كَما تَقَدَّمَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ والمَعْنى لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما تَناوَلُوهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ كائِنًا ما كانَ إذا اتَّقَوْا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّمِ واسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وإلّا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الجُناحِ في كُلِّ ما طَعِمُوهُ بَلْ في بَعْضِهِ ولا مَحْذُورَ في هَذا إذِ اللّازِمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إباحَةِ الكُلِّ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ لا تَقْيِيدَ إباحَةِ بَعْضِهِ بِاتِّقاءِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ كَما هو اللّازِمُ مِمّا عَلَيْهِ الجَماعَةُ و(اتَّقَوْا) الثّانِي عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والمُرادُ اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُباحًا فِيما سَبَقَ، والمُرادُ بِالإيمانِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ إمّا الإيمانُ بِتَحْرِيمِهِ وتَقْدِيمِ الِاتِّقاءِ عَلَيْهِ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهِ أوْ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الحادِثِ الَّذِي هو المُؤْمِنُ بِهِ وإمّا الِاسْتِمْرارُ عَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ومُتَعَلِّقُ الِاتِّقاءِ ثالِثًا: ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ عَلى أنَّ المَشْرُوطَ بِالِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ إباحَةُ ما طَعِمُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا إباحَةَ ما طَعِمُوهُ قَبْلَهُ لِانْتِساخِ إباحَةِ بَعْضِهِ حِينَئِذٍ وأُرِيدَ بِالإحْسانِ فِعْلُ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الجَمِيلَةِ المُنْتَظِمَةِ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ ولَيْسَ تَخْصِيصُ هَذِهِ المَراتِبِ بِالذِّكْرِ لِتَخْصِيصِ الحُكْمِ بِها بَلْ لِبَيانِ التَّعَدُّدِ والتَّكْرارِ بالِغًا ما بَلَغَ والمَعْنى أنَّهم إذا اتَّقَوُا المُحَرَّماتِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وكانُوا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ومَراعَةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ بِحَيْثُ كُلَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ المُباحاتِ اتَّقَوْهُ ثُمَّ و ثُمَّ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما طَعِمُوهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عِنْدَ طُعْمِهِ قالَهُ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما عَدا اتِّقاءِ المُحَرَّماتِ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ لادَخْلَ لَها في انْتِفاءِ الجُناحِ وإنَّما ذُكِرَتْ في حَيِّزِ (إذا) شَهادَةً بِاتِّصافِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْ حالِهِمْ بِها ومَدْحًا لَهم بِذَلِكَ وحَمْدًا لِأحْوالِهِمْ وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ تَبَعًا لِلِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ تَمَيُّزًا بَيْنَها وبَيْنَ مالَهُ دَخْلٌ في الحُكْمِ فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ وإنْ كانَ لِبَيانِ حالِ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ فِيما سَيَأْتِي مِنَ الزَّمانِ بِقَضِيَّةِ (إذا ما) لَكِنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الجَوابِ عَنْ حالِ الماضِينَ ثَباتُ الحُكْمِ في حَقِّهِمْ ضِمْنَ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِناءً عَلى كَمالِ اشْتِهارِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما طَعِمُوهُ إذا كانُوا في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ بِحَيْثُ كُلَّما أُمِرُوا بِشَيْءٍ تُلَقَّوْهُ بِالِامْتِثالِ وإنَّما كانُوا يَتَعاطَوْنَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ في حَياتِهِمْ لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِما إذْ ذاكَ ولَوْ حُرِّما في عَصْرِهِمْ لاتَّقَوْهُما بِالمَرَّةِ انْتَهى ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ لِلتَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ : (قِيلَ لِي أنْتَ مِنهُمْ)» وقِيلَ: إنَّ ما في حَيِّزِ الشَّرْطِ مِنَ الِاتِّقاءِ وغَيْرِهِ إنَّما ذُكِرَ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ القَوْمَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ لِأنَّ المُرادَ بِما المُباحاتُ ونَفْيُ الجُناحِ في تَناوُلِ المُباحِ الَّذِي لَمْ يُحَرَّمْ لا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ النَّقِيبُ المُرْتَضى: إنَّ المُفَسِّرِينَ تَشاغَلُوا بِإيضاحِ الوَجْهِ في التَّكْرارِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وظَنُّوا أنَّهُ المُشْكِلُ فِيها وتَرَكُوا ما هو أشَدُّ إشْكالًا مِن ذَلِكَ وهو أنَّهُ تَعالى نَفى الجُناحَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِيما يَطْعَمُونَهُ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ مَعَ أنَّ المُباحَ لَوْ وقَعَ مِنَ الكافِرِ لا إثْمَ عَلَيْهِ ولا وِزْرَ ولَنا في حَلِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ طَرِيقانِ أحَدُهُما: أنْ يَضُمَّ إلى المَشْرُوطِ المُصَرَّحِ بِذِكْرِهِ غَيْرَهُ حَتّى يَظْهَرَ تَأْثِيرُ ما شُرِطَ فَيَكْوِنُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ﴾ وغَيْرِهِ ﴿ إذا ما اتَّقَوْا ﴾ إلَخْ لِأنَّ الشَّرْطَ في نَفْيِ الجُناحِ لابُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ حَتّى يَكُونَ مَتى انْتَفى ثَبُتَ الجُناحُ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ بِاتِّقاءِ المَحارِمِ يَنْتَفِي الجُناحُ فِيما يَطْعَمُ فَهو الشَّرْطُ الَّذِي لا زِيادَةَ عَلَيْهِ، ولَمّا ولِيَ ذِكْرَ الِاتِّقاءِ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ ولا تَأْثِيرَ لَهُما في نَفْيِ الجُناحِ عَلِمْنا أنَّهُ أضْمَرَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِيَصِحَّ الشَّرْطُ ويُطابِقَ المَشْرُوطَ لِأنَّ مَنِ اتَّقى الحَرامَ فِيما يَطْعَمُ لا جُناحَ عَلَيْهِ فِيما يَطْعَمُ ولَكِنَّهُ قَدْ يَصِحُّ أنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ الجُناحُ فِيما أخَلَّ بِهِ مِن واجِبٍ وضَيَّعَهُ مِن فَرْضٍ فَإذا شَرَطْنا الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ ارْتَفَعَ عَنْهُ الجُناحُ مِن كُلِّ وجْهٍ، ولَيْسَ بِمُنْكَرٍ حَذْفُ ما ذَكَرْناهُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ فَمِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَحْذِفُوا ما يَجْرِي هَذا المَجْرى، ويَكُونَ قُوَّةُ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ مُغْنِيَةً عَنِ النُّطْقِ بِهِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَراهُ كَأنَّ اللَّهَ يَجْدَعُ أنْفَهُ وعَيْنَيْهِ إنْ مَوْلاهُ باتَ لَهُ وفْرُ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ الجَدْعُ يَلِيقُ بِالعَيْنِ وكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى الأنْفِ الَّذِي يَلِيقُ الجَدْعُ بِهِ أضْمَرَ ما يَلِيقُ بِالعَيْنِ مِنَ البَخْصِ وما يَجْرِي مَجْراهُ.
والطَّرِيقُ الثّانِي: أنْ يَجْعَلَ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ لَيْسَ شَرْطًا حَقِيقِيًّا وإنْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ وُجُوبَ الإيمانِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَطَفَهُ عَلى ما هو واجِبٌ مِنِ اتِّقاءِ المَحارِمِ لِاشْتِراكِهِما في الوُجُوبِ وإنْ لَمْ يَشْتَرِكا في كَوْنِهِما شَرْطًا في نَفْيِ الجُناحِ فِيما يُطْعَمُ وهَذا تَوَسُّعٌ في البَلاغَةِ يَحارُ فِيهِ العَقْلُ اسْتِحْسانًا واسْتِغْرابًا انْتَهى، ولا يَخْفى ما في الطَّرِيقِ الثّانِي مِنَ البُعْدِ وإنَّ الطَّرِيقَ الأوَّلَ حَزْنٌ فَإنَّ مِثْلَ هَذا الحَذْفِ مَعَ ما زَعَمَهُ مِنَ القَرِينَةِ يَكادُ يُوجَدُ في الفَصِيحِ في أمْثالِ هَذِهِ المَقاماتِ ولَيْسَ ذَلِكَ كالبَيْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَإنَّهُ مِن بابِ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وهُوَ مِمّا لا كَلامَ لَنا فِيهِ، وأيْنَ البَيْضُ مِنَ الباذِنْجانِ، وقِيلَ في الجَوابِ أيْضًا عَنْ ذَلِكَ: إنَّ المُؤْمِنَ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا جُناحَ عَلَيْهِ والكافِرُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقابِ مَغْمُورٌ بِهِ يَوْمَ الحِسابِ فَلا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وأيْضًا إنَّ الكافِرَ قَدْ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيكِ فَلِذَلِكَ يُخَصُّ المُؤْمِنُ بِالذِّكْرِ ولا يَخْفى ما فِيهِ وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: الأظْهَرُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ لا جُناحَ فِيما طَعِمُوا مِمّا سِوى هَذِهِ المُحَرَّماتِ إذا ما اتَّقَوْا ولَمْ يَأْكُلُوا فَوْقَ الشِّبَعِ ولَمْ يَأْكُلُوا مِن مالِ الغَيْرِ وذِكْرُ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاتِّقاءَ لا بُدَّ لَهُ مِنهُما فَإنَّ مَن لا إيمانَ لَهُ لا يَتَّقِي وكَذا مَن لا عَمَلٌ صالِحٌ لَهُ فَضَمَّهُما إلى الإيمانِ لِأنَّهُما مِلاكُ الِاتِّقاءِ وتَكْرِيرُ التَّقْوى والثَّباتِ عَلى الإيمانِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ثَباتَ نَفْيِ الجُناحِ فِيما يُطْعَمُ عَلى ثَباتِ التَّقْوى وتَرْكِ ذِكْرِ العَمَلِ الصّالِحِ ثانِيًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإيمانَ بَعْدَ التَّمَرُّنِ عَلى العَمَلِ لا يَدْعُو أنْ يُتْرَكَ العَمَلُ، وذِكْرُ الإحْسانِ بَعْدُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ كَثْرَةَ مُزاوَلَةِ التَّقْوى والعَمَلِ الصّالِحِ يَنْتَهِي إلى الإحْسانِ وهو أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ إلى آخِرِ ما في الخَبَرِ انْتَهى، وفِيهِ الغَثُّ والسَّمِينُ وكَلامُهُمُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ المُرْتَضى في إيضاحِ وجْهِ التَّكْرِيرِ كَثِيرٌ فَقالَ أبُو عَلِيٍّ الجَبائِيِّ: إنَّ الشَّرْطَ الأوَّلَ يَتَعَلَّقُ بِالزَّمانِ الماضِي، والثّانِي يَتَعَلَّقُ بِالدَّوامِ عَلى ذَلِكَ والِاسْتِمْرارِ عَلى فِعْلِهِ، والثّالِثُ يَخْتَصُّ بِمَظالِمِ العِبادِ وبِما يَتَعَدّى الغَيْرَ مِنَ الظُّلْمِ والفَسادِ واسْتُدِلَّ عَلى اخْتِصاصِ الثّالِثِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأحْسَنُوا ﴾ فَإنَّ الإحْسانَ إذا كانَ مُتَعَدِّيًا وجَبَ أنْ تَكُونَ المَعاصِي الَّتِي أُمِرُوا بِاتِّقائِها قَبْلَهُ أيْضًا مُتَعَدِّيَةً وهو في غايَةِ الضَّعْفِ إذْ لا تَصْرِيحَ في الآيَةِ بِأنَّ المُرادَ بِالإحْسانِ الإحْسانُ المُتَعَدِّي ولا يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ بِهِ فِعْلُ الحَسَنِ والمُبالَغَةُ فِيهِ وإنْ خُصَّ الفاعِلُ ولَمْ يَتَعَدَّ إلى غَيْرِهِ، كَما يَقُولُونَ لَمَن بالَغَ في فِعْلِ الحَسَنِ أحْسَنْتَ وأجْمَلْتَ ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ أنَّ المُرادَ بِهِ الإحْسانُ المُتَعَدِّي فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ عَلى فِعْلٍ لا يَتَعَدّى.
ولَوْ صَرَّحَ سُبْحانَهُ فَقالَ: اتَّقُوا القَبائِحَ كُلَّها وأحْسِنُوا إلى النّاسِ لَمْ يَمْتَنِعْ وذَلِكَ ظاهِرٌ وقِيلَ: إنَّ الِاتِّقاءَ الأوَّلَ هو اتِّقاءُ المَعاصِي العَقْلِيَّةِ الَّتِي تَخُصُّ المُكَلَّفَ ولا تَتَعَدّاهُ والإيمانُ الأوَّلُ: الإيمانُ بِاللَّهِ تَعالى وبِما أوْجَبَ الإيمانَ بِهِ والإيمانُ بِقُبْحِ هَذِهِ المَعاصِي ووُجُوبِ تَجَنُّبِها.
والِاتِّقاءُ الثّانِي: هو اتِّقاءُ المَعاصِي السَّمْعِيَّةِ والإيمانُ الثّانِي هو الإيمانُ بِقُبْحِها ووُجُوبِ تَجَنُّبِها.
والِاتِّقاءُ الثّالِثُ يَخْتَصُّ بِمَظالِمِ العِبادِ وهو كَما تَرى وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: اتِّقاءُ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا مَعَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ إذْ لا يَنْفَعُ الِاتِّقاءُ بِدُونِ ذَلِكَ.
والثّانِي: اتِّقاءُ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَمْرِ ونَحْوِهِ، والإيمانُ التَّصْدِيقُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ.
وبِالثّالِثِ الثَّباتُ عَلى اتِّقاءِ جَمِيعِ ذَلِكَ مِنَ السّابِقِ والحادِثِ مَعَ تَحَرِّي الأعْمالِ الجَمِيلَةِ وهَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّ التَّكْرِيرَ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وقِيلَ: إنَّهُ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ لِلتَّقْوى المَبْدَأُ والوَسَطُ والمُنْتَهى، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُها وقِيلَ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ بِأنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى ويُؤْمِنَ بِهِ في السِّرِّ ويَجْتَنِبَ ما يَضُرُّ نَفْسَهُ مِن عَمَلٍ واعْتِقادٍ ويَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى ويُؤْمِنَ بِهِ عَلانِيَةً ويَجْتَنِبَ ما يَضُرُّ النّاسَ ويَتَّقِيَ اللَّهَ تَعالى ويُؤْمِنَ بِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ يَرْفَعُ الوَسائِطَ ويَنْتَهِيَ إلى أقْصى المَراتِبِ.
ولِما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الزُّلْفى مِنهُ تَعالى ذَكَرَ الإحْسانَ فِيها بِناءً عَلى أنَّهُ كَما فَسَّرَهُ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: ( «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ» ) وقِيلَ: بِاعْتِبارِ ما يُتَّقى فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ، والشُّبُهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضِ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ اتِّقاءُ الكُفْرِ وبِالثّانِي اتِّقاءُ الكَبائِرِ وبِالثّالِثِ اتِّقاءُ الصَّغائِرِ وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ ويَجُوزُ فِيهِ العَطْفُ بِثُمَّ كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
﴿ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ هَذِهِ الأقْوالِ غَيْرُ مُناسِبَةٍ لِلْمَقامِ وذَكَرَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ لَيْسَ المَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الزَّهّادَةُ عَنِ المُسْتَلَذّاتِ وتَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ وإنَّما المَطْلُوبُ مِنهُمُ التَّرَقِّي في مَدارِجَ التَّقْوى والإيمانِ إلى مَراتِبِ الإخْلاصِ واليَقِينِ ومَعارِجِ القُدْسِ والكَمالِ وذَلِكَ بِأنْ يَثْبُتُوا عَلى الِاتِّقاءِ عَنِ الشِّرْكِ وعَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وعَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِتَحْصُلَ الِاسْتِقامَةُ التّامَّةُ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِها إلى التَّرَقِّي إلى مَرْتَبَةِ المُشاهَدَةِ ومَعارِجِ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ تَعالى كَأنَّكَ تَراهُ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأحْسَنُوا ﴾ إلَخْ وبِها يُمْنَحُ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ومَحَبَّتُهُ سُبْحانَهُ المُشارُ إلَيْها بُقُولِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ .
وفي هَذا النَّظْمِ نَتِيجَةٌ مِمّا رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ مِن قَوْلِهِ : «لَيْسَ الزَّهادَةُ في الدُّنْيا بِتَحْرِيمِ الحَلالِ ولا إضاعَةِ المالِ ولَكِنَّ الزُّهْدَ أنْ تَكُونَ بِما بِيَدِ اللَّهِ تَعالى أوْثَقَ مِنكَ بِما في يَدِكَ» انْتَهى وهُوَ ظاهِرٌ جِدًّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في القَوْمِ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ التَّرَهُّبِ وهو قَوْلٌ مَرْجُوحٌ فَتَدَبَّرْ وجُمْلَةُ ﴿ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ عَلى سائِرِ التَّقادِيرِ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أبْلَغَ تَقْرِيرٍ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ واللَّهُ يُحِبُّ هَؤُلاءِ فَوَضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَهُ إشارَةً إلى أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ نزلت هذه الآية في شأن سعد بن أبي وقاص، لأنهم كانوا يشربونها، وكانت لهم حلالاً.
فجرى بين سعد وبين رجل من الأنصار افتخار في الأنساب، فاقتتلا، فشج رأس سعد، فدعا عمر بن الخطاب، فقال: اللهم أرنا رأيك في الخمر، فإنها متلفة للمال، مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: 219] فقال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت هذه الآية: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ يعني: حرام، وهو من تزيين الشيطان، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يعني: فاتركوا شربها، ولم يقل: فاجتنبوها، لأنه انصرف إلى المعنى، ومعناه: اجتنبوا ما ذكرنا ونهيناكم عن ذلك، قوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ [الأنعام: 141] ولم يقل: من ثمرها.
ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يعني: عن طاعة الله، وَعَنِ الصَّلاةِ لأنهم مُنِعوا عن الصلاة إذا كانوا سكارى.
ولأنه إذا سكر لا يعقل الطاعة وأداء الصلاة.
ثم قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يعني: انتهوا عن شربها، فقال عمر: قد انتهينا يا رب.
وعن عطاء بن يسار: أن رجلاً قال لكعب الأحبار: أحُرِّمت الخمرة في التوراة؟.
قال: نعم هذه الآية إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ مكتوب في التوراة: إنا أنزلنا الحق لنذهب به الباطل، وتبطل به اللعب والدفف والمزامير والخمر مرة لشاربها، أقسم الله تعالى بعزه وجلاله، أن من انتهكها في الدنيا، أعطشته في الآخرة يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينها إياه في حظيرة القدس، قيل: وما حظيرة القدس؟
قال: الله هو القدس، وحظيرته الجنة.
ثم قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ يعني: في تحريم الخمر، وَاحْذَرُوا عن شربها، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يقول: أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ فهذا تهديد لمن شرب الخمر بعد التحريم، فلما نزلت هذه الآية قال: حُييُّ بن أخطب: فما حال من مات منهم وهم يشربونها.
فعيّر بذلك أصحاب رسول الله فسأل رسول الله أصحابه عن ذلك، فنزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا يعني: شربوا قبل تحريمها، ولم يعرفوا تحريمها.
ويقال: إن بعض الصحابة كانوا في سَفْرَة فشربوا منها بعد التحريم، ولم يعرفوا تحريمها.
فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله فنزل: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا يعني: شربوا قبل تحريمها، إِذا مَا اتَّقَوْا الشرك، وَآمَنُوا يعني: صدقوا بوحدانية الله تعالى، والقرآن وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا المعاصي وَآمَنُوا يعني: صدقوا بعد تحريمها ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في أفعالهم ويقال: معناه ليس عليهم جناح فيما طعموا قبل تحريمها إذا اجتنبوا شربها بعد تحريمها.
وروى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يومئذٍ معاوية بن أبي سفيان، وقالوا هي لنا حلال وتأولوا قوله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا فكتب في ذلك إلى عمر فكتب إليه عمر: أن ابعثهم إليّ، قبل أن يفسدوا من قِبَلك.
فلما قدموا على عمر، جمع أصحاب رسول الله فقال لهم ما ترون؟
فقالوا: إنهم قد افتروا على الله كذباً، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعليّ ساكت فقال: يا عليّ ما ترى؟
قال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا فاضربهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا فاضرب أعناقهم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين جلدة وأرسلهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ...
الآية: قال ابن عباس وغيره: لما نزل تحريمُ الخَمْر، قال قومٌ من الصحابة: يا رسول اللَّه، كَيْفَ بِمَنْ مات مِنَّا، وهو يشربها، ويأكل المَيْسِرَ، ونحو هذا من القَوْل، فنزلَتْ هذه الآية «١» ، وهذا نظيرُ سؤالِهِمْ عَمَّن مات على القبلة الأولى، والجُنَاحُ: الإثم والحَرَج، والتَّكرار في قوله سبحانه: «اتَّقوا» يقتضي في كلِّ واحدة زيادةً على التي قبلها، وفي ذلك مبالغةٌ في هذه الصِّفَات لهم، وليسَتِ الآيةُ وقفاً على مَنْ عمل الصالحاتِ كلَّها، واتقى كلَّ التقوى، بل هي لكلِّ مؤمن، وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عَمِلَ من هذه الخصالِ المَمْدُوحة ما استحق به أنْ يوصف بأنه مؤمنٌ عامل للصالحات متَّقٍ في غالبِ أمره، محسنٌ، فليس على هذا الصِّنْف جُنَاحٌ فيما طعم ممَّا لم يُحَرَّم عليه، وطَعِمُوا: معناه:
ذَاقُوا فصَاعداً في رُتَب الأكل والشُّرب، وقد يستعار للنوم وغيره، وحقيقتُهُ في حاسَّة الذّوق.
وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ، أي: ليختبرنَّكم ليرى طاعتكم مِنْ معصيتكم، وقوله: «بشيءٍ» يقتضي تبعيضاً، و «مِنْ» : يحتمل أنْ تكون للتبعيض، ويحتمل أنْ تكون لبيانِ الجِنْس كقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [الحج: ٣٠] .
وقوله تعالى: لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ: معناه: ليستمرَّ علمه تعالى عليه، وهو موجودٌ إذ قد علم تعالى ذلك في الأزل، وبِالْغَيْبِ: قال الطبريُّ «٢» : معناه: في الدنيا حيثُ لا يَرَى العبْدُ ربَّه، فهو غائبٌ عنه، والظاهر أنَّ المعنى: بالغَيْب من الناس، أي: في الخَلْوة ممَّن خاف اللَّه.
انتهى، قلتُ: وقول الطبريِّ أظهر، ثم توعَّد تعالى من اعتدى بعد النهْيِ بالعذابِ الأليم، وهو عذابُ الآخرة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، إذْ كانَتْ مُباحَةً، فَلَمّا حُرِّمَتْ، قالَ ناسٌ: كَيْفَ بِأصْحابِنا وقَدْ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ.
و "الجُناحُ": الإثْمُ.
وفِيما طَعِمُوا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: ما شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: لَمْ أطْعَمْ خُبْزًا وأدْمًا ولا ماءً ولا نَوْمًا.
قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدًا النُّقاخُ: الماءُ [البارِدُ] الَّذِي يَنْقَخُ الفُؤادَ بِبَرْدِهِ، والبَرْدُ: النَّوْمُ.
والثّانِي: ما شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ وأكَلُوا مِنَ المَيْسِرِ.
والثّالِثُ: ما طَعِمُوا مِنَ المُباحاتِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ إذا ما اتَّقَوْا ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اتَّقَوْا بَعْدَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقَوُا المَعاصِيَ والشِّرْكَ.
والثّالِثُ: اتَّقَوْا مُخالَفَةَ اللَّهِ في أمْرِهِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَآمَنُوا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ.
والثّانِي: آمَنُوا بِتَحْرِيمِها.
﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ : قالَ مُقاتِلٌ: أقامُوا عَلى الفَرائِضِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ في هَذِهِ "التَّقْوى" المُعادَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ خَوْفُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والثّانِي: أنَّها تَقْوى الخَمْرِ والمَيْسِرِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ.
والثّالِثُ: أنَّها الدَّوامُ عَلى التَّقْوى.
والرّابِعُ: أنَّ التَّقْوى الأُولى مُخاطَبَةٌ لِمَن شَرِبَها قَبْلَ التَّحْرِيمِ، والثّانِيَةَ لِمَن شَرِبَها بَعْدَ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآمَنُوا ﴾ في هَذا "الإيمانِ" المُعادِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: صَدَّقُوا بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ .
والثّانِي: آمَنُوا بِما يَجِيءُ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا ﴾ في هَذِهِ "التَّقْوى" الثّالِثَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: اجْتَنَبُوا العَوْدَ إلى الخَمْرِ بَعْدَ تَحْرِيمِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اتَّقَوْا ظُلْمَ العِبادِ.
والثّالِثُ: تَوَقَّوُا الشُّبَهاتِ.
والرّابِعُ: اتَّقَوْا جَمِيعَ المُحَرَّماتِ.
وَفِي "الإحْسانِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أحْسَنُوا العَمَلَ بِتَرْكِ شُرْبِها بَعْدَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أحْسَنُوا العَمَلَ بَعْدَ تَحْرِيمِها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ اللهُ مِنَ يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والبَراءُ بْنُ عازِبٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ: يا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؛ وَيَأْكُلُ المَيْسِرَ؟
ونَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظِيرُ سُؤالِهِمْ عَمَّنْ ماتَ عَلى القِبْلَةِ الأُولى؛ ونَزَلَتْ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ ؛ ولَمّا كانَ أمْرُ القِبْلَةِ خَطِيرًا؛ ومَعْلَمًا مِن مَعالِمِ الدِينِ؛ تَخَيَّلَ قَوْمٌ نَقْصَ مَن فاتَهُ؛ وكَذَلِكَ لَمّا حَصَلَتِ الخَمْرُ والمَيْسِرُ في هَذا الحَدِّ العَظِيمِ مِنَ الذَمِّ؛ أشْفَقَ قَوْمٌ وتَخَيَّلُوا نَقْصَ مَن ماتَ عَلى هَذِهِ المَذَمّاتِ؛ فَأعْلَمَ تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ أنَّ الذَمَّ والجُناحَ إنَّما يَلْحَقُ مِن جِهَةِ المَعاصِي؛ وأُولَئِكَ الَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَحْرِيمِ لَمْ يَعْصُوا في ارْتِكابِ مُحَرَّمٍ بَعْدُ؛ بَلْ كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مَكْرُوهَةً؛ لَمْ يُنَصَّ عَلَيْها بِتَحْرِيمٍ؛ والشَرْعُ هو الَّذِي قَبَّحَها؛ وحَسَّنَ تَجَنُّبَها؛ والجُناحُ: اَلْإثْمُ والحَرَجُ؛ وهو كُلُّهُ الحُكْمُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ فاعِلُ المَعْصِيَةِ؛ والنِسْبَةُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ لِلْعاصِي.
و"طَعِمُوا"؛ مَعْناهُ: ذاقُوا؛ فَصاعِدًا؛ في رُتَبِ الأكْلِ والشُرْبِ؛ وقَدْ يُسْتَعارُ لِلنَّوْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ وحَقِيقَتُهُ في حاسَّةِ الذَوْقِ.
والتَكْرارُ في قَوْلِهِ: "اِتَّقُوا"؛ يَقْتَضِي في كُلِّ واحِدَةٍ زِيادَةً عَلى الَّتِي قَبْلَها؛ وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في هَذِهِ الصِفاتِ لَهُمْ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنْ يُعَيِّنَ المُرادَ بِهَذا التَكْرارِ؛ فَقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى هي اتِّقاءُ الشِرْكِ والكَبائِرِ؛ والإيمانُ عَلى كَمالِهِ؛ وعَمَلُ الصالِحاتِ؛ والرُتْبَةُ الثانِيَةُ هي الثُبُوتُ والدَوامُ عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ؛ والرُتْبَةُ الثالِثَةُ هي الِانْتِهاءُ في التَقْوى إلى امْتِثالِ ما لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ النَوافِلِ في الصَلاةِ؛ والصَدَقَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الإحْسانُ.
وقالَ قَوْمٌ: اَلرُّتْبَةُ الأُولى لِماضِي الزَمَنِ؛ والثانِيَةُ لِلْحالِ؛ والثالِثَةُ لِلِاسْتِقْبالِ.
وقالَ قَوْمٌ: اَلِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو في الشِرْكِ؛ والتِزامِ الشَرْعِ؛ والثانِي في الكَبائِرِ؛ والثالِثُ في الصَغائِرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ وقْفًا عَلى مَن عَمِلَ الصالِحاتِ كُلِّها؛ واتَّقى كُلَّ التَقْوى؛ بَلْ هي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ عاصِيًا أحْيانًا؛ إذا كانَ قَدْ عَمِلَ مِن هَذِهِ الخِصالِ المَمْدُوحَةِ ما اسْتَحَقَّ بِهِ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ مُؤْمِنٌ عامِلٌ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقٍ في غالِبِ أمْرِهِ؛ مُحْسِنٌ؛ فَلَيْسَ عَلى هَذا الصِنْفِ جُناحٌ فِيما طَعِمَ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِ.
وقَدْ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ قُدامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ؛ مِنَ الصَحابَةِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهو مِمَّنْ هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَعَ أخَوَيْهِ؛ عُثْمانَ وعَبْدِ اللهِ؛ ثُمَّ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ؛ وشَهِدَ بَدْرًا؛ وعُمِّرَ ؛ وكانَ خَتْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ؛ خالَ عَبْدِ اللهِ وحَفْصَةَ ؛ ولّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عَلى البَحْرَيْنِ؛ ثُمَّ عَزَلَهُ لِأنَّ الجارُودَ؛ سَيِّدَ عَبْدِ القَيْسِ؛ قَدِمَ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ؛ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِشُرْبِ الخَمْرِ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ومَن يَشْهَدُ مَعَكَ؟
فَقالَ: أبُو هُرَيْرَةَ ؛ فَجاءَ أبُو هُرَيْرَةَ ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: بِمَ تَشْهَدُ؟
قالَ: لَمْ أرَهُ يَشْرَبُ؛ ولَكِنْ رَأيْتُهُ سَكْرانَ يَقِيءُ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ تَنَطَّعْتَ في الشَهادَةِ؛ ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إلى قُدامَةَ أنْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ؛ فَقَدِمَ؛ فَقالَ الجارُودُ لِعُمَرَ: أقِمْ عَلى هَذا كِتابَ اللهِ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أخَصْمٌ أنْتَ أمْ شَهِيدٌ؟
قالَ: بَلْ شَهِيدٌ؛ قالَ: قَدْ أدَّيْتَ شَهادَتَكَ؛ فَصَمَتَ الجارُودُ؛ ثُمَّ غَدا عَلى عُمَرَ فَقالَ: أقِمْ عَلى قُدامَةَ كِتابَ اللهِ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ما أراكَ إلّا خَصْمًا؛ وما شَهِدَ مَعَكَ إلّا رَجُلٌ واحِدٌ؛ قالَ الجارُودُ: إنِّي أنْشُدُكَ اللهَ؛ قالَ عُمَرُ: لَتُمْسِكَنَّ لِسانَكَ أو لَأسُوءَنَّكَ؛ فَقالَ الجارُودُ: ما هَذا واللهِ يا عُمَرُ بِالحَقِّ؛ أنْ يَشْرَبَ ابْنُ عَمِّكَ الخَمْرَ وتَسُوءَنِي؛ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنْ كُنْتَ تَشُكُّ في شَهادَتِنا فَأرْسِلْ إلى ابْنَةِ الوَلِيدِ فَسَلْها؛ وهي امْرَأةُ قُدامَةَ؛ فَبَعَثَ عُمَرُ إلى هِنْدَ بِنْتِ الوَلِيدِ يَنْشُدُها اللهَ؛ فَأقامَتِ الشَهادَةَ عَلى زَوْجِها؛ فَقالَ عُمَرُ لِقُدامَةَ: إنِّي حادُّكَ؛ فَقالَ: لَوْ شَرِبْتُ كَما يَقُولُونَ لَمْ يَكُنْ لَكَ أنْ تَحُدَّنِي؛ قالَ عُمَرُ: لِمَ؟
قالَ: لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جُناحٌ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ فَقالَ لَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: أخْطَأْتَ التَأْوِيلَ؛ إنَّكَ إذا اتَّقَيْتَ اللهَ اجْتَنَبْتَ ما حَرَّمَ عَلَيْكَ؛ ثُمَّ حَدَّهُ عُمَرُ ؛ وكانَ مَرِيضًا؛ فَقالَ لَهُ قَوْمٌ مِنَ الصَحابَةِ: لا نَرى أنْ تَجْلِدَهُ ما دامَ مَرِيضًا؛ فَأصْبَحَ يَوْمًا وقَدْ عَزَمَ عَلى جَلْدِهِ؛ فَقالَ لِأصْحابِهِ: ما تَرَوْنَ في جَلْدِ قُدامَةَ؟
قالُوا: لا نَرى ذَلِكَ ما دامَ وجِعًا؛ فَقالَ عُمَرُ: لَأنْ يَلْقى اللهَ وهو تَحْتُ السِياطِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ ألْقاهُ وهو في عُنُقِي؛ وأمَرَ بِقُدامَةَ فَجُلِدَ؛ فَغاضَبَ قُدامَةُ عُمَرَ وهَجَرَهُ إلى أنْ حَجَّ عُمَرُ ؛ وحَجَّ مَعَهُ قُدامَةُ مُغاضِبًا لَهُ؛ فَلَمّا كانَ عُمَرُ بِالسُقْيا نامَ؛ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ؛ فَقالَ: عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدامَةَ؛ فَقَدْ أتانِي آتٍ في النَوْمِ فَقالَ: سالِمْ قُدامَةَ فَإنَّهُ أخُوكَ؛ فَبَعَثَ في قُدامَةَ فَأبى أنْ يَأْتِيَ؛ فَقالَ عُمَرُ: جُرُّوهُ إنْ أبى؛ فَلَمّا جاءَ كَلَّمَهُ عُمَرُ واسْتَغْفَرَ لَهُ؛ فاصْطَلَحا؛ قالَ أيُّوبُ بْنُ أبِي تَمِيمَةَ: لَمْ يُحَدَّ أحَدٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ في الخَمْرِ غَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَيْدِ ﴾ ؛ أيْ: لِيَخْتَبِرَنَّكُمْ؛ لِيَرى طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكُمْ؛ وصَبْرَكم مِن عَجْزِكم عَنِ الصَيْدِ؛ وكانَ الصَيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ العارِبَةِ؛ وشائِعًا عِنْدَ الجَمِيعِ مِنهُمْ؛ مُسْتَعْمَلًا جِدًّا؛ فابْتَلاهُمُ اللهُ فِيهِ؛ مَعَ الإحْرامِ؛ أوِ الحَرَمِ؛ كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ في ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ.
و"مِن"؛ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ؛ فالمَعْنى: مِن صَيْدِ البَرِّ؛ دُونَ البَحْرِ؛ ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَبْعِيضُ في حالَةِ الحُرْمَةِ؛ إذْ قَدْ يَزُولُ الإحْرامُ ويُفارِقُ الحَرَمَ؛ فَصَيْدُ بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ بَعْضُ الصَيْدِ عَلى العُمُومِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ قالَ الزَجّاجُ: وهَذا كَما تَقُولُ: "لَأمْتَحِنَنَّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الرِزْقِ"؛ وكَما قالَ تَعالى: ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ ﴾ .
وقَوْلُهُ: "بِشَيْءٍ"؛ يَقْتَضِي تَبْعِيضًا ما؛ وقَدْ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ الباءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ ؛ أعْطَتْ تَبْعِيضًا ما.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ: "يَنالُهُ"؛ بِالياءِ مَنقُوطَةً مِن تَحْتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْأيْدِي تَنالُ الفِراخَ؛ والبَيْضَ؛ وما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ؛ والرِماحُ تَنالُ كِبارَ الصَيْدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنَّ اللهَ تَعالى خَصَّ الأيْدِي بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ المُتَصَرِّفِ في الِاصْطِيادِ؛ وهي آلَةُ الآلاتِ؛ وفِيها تَدْخُلُ الجَوارِحُ؛ والحِبالاتُ؛ وما عُمِلَ بِاليَدِ مِن فِخاخٍ وشِباكٍ؛ وخُصَّ الرِماحُ بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ ما يُجْرَحُ بِهِ الصَيْدُ؛ وفِيها يَدْخُلُ السَهْمُ ونَحْوُهُ؛ واحْتَجَّ بَعْضُ الناسِ عَلى أنَّ الصَيْدَ لِلْآخِذِ؛ لا لِلْمُثِيرِ؛ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ المُثِيرَ لَمْ تَنَلْ يَدُهُ ولا رُمْحُهُ بَعْدُ شَيْئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِيَعْلَمَ"؛ ﴾ مَعْناهُ: لِيَسْتَمِرَّ عِلْمُهُ عَلَيْهِ؛ وهو مَوْجُودٌ؛ إذْ عَلِمَ تَعالى ذَلِكَ في الأزَلِ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "لِيُعْلِمَ اللهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ أيْ: لِيُعْلِمَ عِبادَهُ.
و ﴿ "بِالغَيْبِ"؛ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الدُنْيا؛ حَيْثُ لا يَرى العَبْدُ رَبَّهُ؛ فَهو غائِبٌ عنهُ؛ والظاهِرُ أنَّ المَعْنى: بِالغَيْبِ مِنَ الناسِ؛ أيْ في الخَلْوَةِ؛ فَمَن خافَ اللهَ انْتَهى عَنِ الصَيْدِ مِن ذاتِ نَفْسِهِ؛ وقَدْ خَفِيَ لَهُ لَوْ صادَ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى مَنِ اعْتَدى بَعْدَ هَذا النَهْيِ الَّذِي يَأْتِي؛ وهو الَّذِي أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "لَيَبْلُوَنَّكُمُ"؛ ﴾ وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ"؛ والعَذابُ الألِيمُ هو عَذابُ الآخِرَةِ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الآية بيان لما عرض من إجمال في فهم الآية التي قبلها، إذ ظنّ بعض المسلمين أنّ شرب الخمر قبل نزول هذه الآية قد تلبّس بإثم لأنّ الله وصف الخمر وما ذكر معها بأنّها رجس من عمل الشيطان.
فقد كان سببُ نزول هذه الآية ما في «الصحيحين» وغيرهما عن أنس بن مالك، والبراء بن عازب، وابن عبّاس، أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كيفَ بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمرَ أوْ قال وهي في بطونهم وأكلوا الميسر.
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الآية.
وفي تفسير الفخر روى أبو بكر الأصمّ أنّه لمّا نزل تحريم الخمر قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وفعلوا القِمار، وكيف بالغائبين عنّا في البلدان لا يشعرون أنّ الله حرّم الخمر وهم يَطعَمُونها.
فأنزل الله هذه الآيات.
وقد يَلُوح ببادئ الرأي أنّ حال الذين تُوُفُّوا قبل تحريم الخمر ليس حقيقاً بأن يَسأل عنه الصحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم للعلم بأنّ الله لا يؤاخذ أحداً بعمل لم يكن محرّماً من قبل فعله، وأنّه لا يؤاخذ أحداً على ارتكابه إلاّ بعد أن يعلم بالتحريم، فالجواب أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا شديدي الحذر ممّا ينقص الثواب حريصين على كمال الاستقامة فلمّا نزل في الخمر والميسر أنّهما رجس من عمل الشيطان خَشُوا أن يكون للشيطان حظّ في الذين شربوا الخمر وأكلوا اللحم بالميسر وتُوفُّوا قبل الإقلاع عن ذلك أوْ ماتوا والخمر في بطونهم مخالطة أجسادهم، فلم يتمالكوا أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن حالهم لشدّة إشفاقهم على إخوانهم.
كما سأل عبد الله بن أمّ مكتوم لمّا نزل قوله تعالى: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدُون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ﴾ [النساء: 95] فقال: يا رسول الله، فكيف وأنا أعمَى لا أبصر فأنزل الله ﴿ غيرَ أولِي الضّرر ﴾ [النساء: 143].
وكذلك ما وقع لمّا غُيّرت القبلة من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قال ناس: فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يستقبلون بيت المقدس، فأنزل الله تعالى ﴿ وما كان الله ليُضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143]، أي صلاتَكم فكان القصد من السؤال التثبّت في التفقّه وأن لا يتجاوزُوا التلقّي من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم.
ونفيُ الجناح نفي الإثم والعصيان.
و(مَا) موصولة.
و ﴿ طَعموا ﴾ صلة.
وعائد الصلة محذوف.
وليست (ما) مصدرية لأنّ المقصود العفو عن شيء طعموهُ معلوممٍ من السؤال، فتعليق ظرفية ما طعموا بالجُناح هو على تقدير: في طَعْم ما طعموه.
وأصل معنى ﴿ طَعِموا ﴾ أنّه بمعنى أكلوا، قال تعالى: ﴿ فإذا طعِمتم فانتشروا ﴾ [الأحزاب: 259].
وحقيقة الطعم الأكل والشيء المأكول طَعام.
وليس الشراب من الطعام بل هو غيره، ولذلك عُطف في قوله تعالى ﴿ فانظُر إلى طعامك وشَرابك لم يَتَسَنَّهْ ﴾ [البقرة: 259].
ويدلّ لذلك استثناء المأكولات منه في قوله تعالى: ﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنّه رجس أو فسقاً أهلّ لغير الله به ﴾ [الأنعام: 145].
ويقال: طَعِم بمعنى أذَاق ومصدره الطُّعْم بضمّ الطاء اعتبروه مشتَقّاً من الطَّعْم الذي هو حاسّة الذوق.
وتقدّم قوله تعالى ﴿ ومن لم يطْعَمه فإنّه منّي ﴾ [البقرة: 249]، أي ومن لم يذقه، بقرينة قوله ﴿ فمن شرب منه ﴾ [البقرة: 249].
ويقال: وجَدت في الماء طعْم التراب.
ويقال تغيّر طعم الماء، أي أسِنَ.
فمن فصاحة القرآن إيراد فعل ﴿ طَعِمُوا ﴾ هنا لأنّ المراد نفي التَّبِعَة عمَّن شربوا الخمر وأكلوا لحم المَيْسر قبل نزول آية تحريمهما.
واستعمل اللفظ في معنييه، أي في حقيقته ومجازه، أو هو من أسلوب التغليب.
وإذ قد عبّر بصيغة المضي في قوله ﴿ طعموا ﴾ تعيّن أن يكون ﴿ إذا ﴾ ظرفاً للماضي، وذلك على أصحّ القولين للنحاة، وإن كان المشهور أنّ (إذا) ظرف للمستقبل، والحقّ أنّ (إذا) تقع ظرفاً للماضي.
وهو الذي اختاره ابن مالك ودرج عليه ابن هشام في «مغني اللبيب».
وشاهده قوله تعالى: ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم ﴾ [التوبة: 92]، وقوله: ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ [الجمعة: 11]، وآيات كثيرة.
فالمعنى لا جناح عليهم إذ كانوا آمنوا واتّقوا، ويؤوّل معنى الكلام: ليس عليهم جناح لأنّهم آمنوا واتّقوا فيما كان محرّماً يومئذٍ وما تناولوا الخمر وأكلوا الميسر إلاّ قبل تحريمهما.
هذا تفسير الآية الجاري على ما اعتمده جمهور المفسّرين جارياً على ما ورد في من سبّب نزولها في الأحاديث الصحيحة.
ومن المفسّرين من جعل معنى الآية غير متّصل بآية تحريم الخمر والميسر.
وأحسب أنّهم لم يلاحظوا ما روي في سبب نزولها لأنّهم رأوا أنّ سبب نزولها لا يقصرها على قضيَّة السبب بل يُعمل بعموم لفظها على ما هو الحقّ في أنّ عموم اللفظ لا يخصّص بخصوص السبب، فقالوا: رَفَع الله الجناح عن المؤمنين في أي شيء طعموه من مستلذّات المطاعم وحلالها، إذا ما اتّقوا ما حَرّم الله عليهم، أي ليس من البرّ حرمانُ النفس بتحريم الطيّبات بل البرّ هو التقوى، فيكون من قبيل قوله تعالى: ﴿ وليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البرّ من اتّقى ﴾ [البقرة: 189].
وفَسَّر به في «الكشاف» مبتدئاً به.
وعلى هذا الوجه يكون معنى الآية متّصلاً بآية: ﴿ يأيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ ، فتكون استئنافاً ابتدائياً لمناسبة ما تقدّم من النهي عن أن يحرّموا على أنفسهم طيّباتتِ ما أحلّ الله لهم بنذرٍ أو يميننٍ على الامتناع.
وادّعى بعضهم أنّ هذه الآية نزلت في القوم الذين حَرّموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهّب.
ومنهم عثمان بن مظعون، ولم يصحّ أنّ هذا سبب نزولها.
وعلى هذا التفسير يكون ﴿ طعِموا ﴾ مستعملاً في المعنى المشهور وهو الأكل، وتكون كلمة (إذا) مستعملة في المستقبل، وفعل ﴿ طعِموا ﴾ من التعْبير عن المستقبل بلفظ الماضي بقرينة كلمة (إذا)، كما في قوله تعالى: ﴿ ثمّ إذَا دَعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ [الروم: 25].
ويعكّر على هذا التفسير أنّ الذين حرّموا الطيّبات على أنفسهم لم ينحصر تحريمهم في المطعوم والشراب بل يشمل اللباس والنساء، اللهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الكلام جرى على مراعاة الغالب في التحريم.
وقال الفخر: زعم بعض الجهّال أنّ الله تعالى لمّا جعل الخمر محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادّة عن ذكر الله وعن الصلاة بيّن في هذه الآية أنّه لا جناح على من طعِمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد، بل حصل معه الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق، ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم لأنّه لو كان ذلك لقال ما كان جناح على الذين طعموا، كما ذكر في آية تحويل القبلة، فقال ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] ولا شكّ أنّ (إذا) للمستقبل لا للماضي.
قال الفخر: وهذا القول مردود بإجماع كلّ الأمّة.
وأمّا قولهم (إذا) للمستقبل، فجوابه أنّ الحلّ للمستقبل عن وقت نزول الآية في حقّ الغائبين.
والتقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ولذلك فعطْف ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ على ﴿ اتَّقَوْا ﴾ من عطل الخاصّ على العامّ، للاهتمام به، كقوله تعالى: ﴿ مَن كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائل ﴾ ، ولأنّ اجتناب المنهيات أسبق تبادرا إلى الأفهام في لفظ التقوى لأنّها مشتقّة من التوقّي والكفّ.
وأمّا عطف ﴿ وآمَنُوا ﴾ على ﴿ اتّقوا ﴾ فهو اعتراض للإشارة إلى أنّ الإيمان هو أصل التقوى، كقوله تعالى ﴿ فَكّ رقبةٍ أو أطعام ﴾ إلى قوله ثُمّ كان من الذين آمنوا.
والمقصود من هذا الظرف الذي هو كالشرط مجردّ التنويه بالتقوى والإيماننِ والعمللِ الصالح، وليس المقصود أنّ نفي الجناح عنهم قيَّد بأن يتّقوا ويؤمنوا ويعملوا الصالحات، للعلم بأنّ لكلّ عمل أثراً على فِعْله أو على تركه، وإذ قد كانوا مؤمنين من قبلُ، وكان الإيمان عَقداً عقلياً لا يقبَل التجدّد تعيّن أنّ المراد بقوله: ﴿ وآمنوا ﴾ معنى ودَاموا على الإيمان ولم ينقضوه بالكفر.
وجملة ﴿ ثمّ اتَّقوا وآمنوا ﴾ تأكيد لفظي لجملة ﴿ إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ﴾ وقُرن بحرف ﴿ ثمّ ﴾ الدالّ على التراخي الرتبي ليكون إيماءاً إلى الازدياد في التقوى وآثارِ الإيمان، كالتأكيد في قوله تعالى: ﴿ كلاّ سيعلمون ثمّ كلاّ سيعلمون ﴾ [النبإ: 4، 5] ولذلك لم يكرّر قوله: ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ لأنّ عمل الصالحات مشمول للتقوى.
وأمّا جملة ﴿ ثمّ اتّقوا وأحسنوا ﴾ فتفيد تأكيداً لفظياً لجملة ﴿ ثمّ اتّقوا ﴾ وتفيد الارتقاء في التقوء بدلالة حرف ﴿ ثمّ ﴾ على التراخي الرتبي.
مع زيادة صفة الإحسان.
وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم الإحيان بقوله: «أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» وهذا يتضمَّن الإيمان لا محالة فلذلك استغني عن إعادة ﴿ وآمنوا ﴾ هنا.
ويشمل فعل ﴿ وأحسنوا ﴾ الإحسانَ إلى المسلمين، وهو زائد على التقوى، لأنّ منه إحساناً غير واجب وهو ممّا يَجلب مرضاة الله، ولذلك ذيّله بقوله: ﴿ والله يحبّ المحسنين ﴾ .
وقد ذهب المفسّرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا دلائل عليها في نظم الآية، ومرجعها جعل التكرير في قوله: ﴿ ثمّ اتّقوا ﴾ على معنى تغاير التقوى والإيمان باختلاف الزمان أو باختلاف الأحوال.
وذهب بعضهم في تأويل قوله تعالى ﴿ إذا ما اتّقوا ﴾ وما عطف عليه إلى وجوه نشأت عن حمله على معنى التقييد لنفي الجناح بحصول المشروط.
وفي جلبها طول.
وقد تقدّم أنّ بعضاً من السلف تأوّل هذه الآية على معنى الرخصة في شرب الخمر لمن اتّقى الله فيما عدّ، ولم يكن الخمر وسيلة له إلى المحرّمات، ولا إلى إضرار الناس.
وينسب هذا إلى قدامة بن مظعون، كما تقدّم في تفسير آية تحريم الخمر: وأنّ عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب لم يقبلاه منه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ الآيَةَ.
اخْتُلِفَ في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَوى ابْنُ إسْحاقَ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ﴾ فَدُعِيَ عُمْرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى ﴾ وكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ يُنادِي لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتِ الَّتِي في المائِدَةِ ﴿ إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ فَقالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا، انْتَهَيْنا.
» والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وقَدْ لاحى رَجُلًا عَلى شَرابٍ، فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ بِلَحِي جَمَلٍ، فَفَزَرَ أنْفَهُ قالَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا مِنَ الشَّرابِ فَعَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
فَأمّا " المَيْسِرُ " فَهو القِمارُ.
وَأمّا " الأنْصابُ " فَفِيها وجْهانِ.
أحَدُهُما: أنَّها الأصْنامُ تُعْبَدُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها أحْجارٌ حَوْلَ الكَعْبَةِ يَذْبَحُونَ لَها، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَأمّا " الأزلاَمُ " فَهي قِداحٌ مِن خَشَبٍ يُسْتَقْسَمُ بِها عَلى ما قَدَّمْناهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رِجْسٌ ﴾ يَعْنِي حَرامًا، وأصْلُ الرِّجْسِ المُسْتَقْذَرُ المَمْنُوعُ مِنهُ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الحَرامِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ الشَّيْطانُ ويَأْمُرُ بِهِ لِأنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِالمَعاصِي، ولا يَنْهى إلّا عَنِ الطّاعاتِ.
فَلَمّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ شَرِبُوها وماتُوا قَبْلَ تَحْرِيمِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ﴾ ، يَعْنِي مِنَ الخَمْرِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ، ﴿ إذا ما اتَّقَوْا ﴾ يَعْنِي في أداءِ الفَرائِضِ ﴿ وَآمَنُوا ﴾ يَعْنِي بِاَللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ يَعْنِي البِرَّ والمَعْرُوفَ، ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا ﴾ يَعْنِي بِعَمَلِ النَّوافِلِ، فالتَّقْوى الأُولى عَمَلُ الفَرائِضِ، والتَّقْوى الثّانِيَةُ عَمَلُ النَّوافِلِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؟
فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [ البقرة: 219] الآية.
فقال الناس ما حرم علينا، إنما قال إثم كبير، وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم من الأيام صلى رجل من المهاجرين، أمّ أصحابه في المغرب، خلط في قراءته، فأنزل الله أغلظ منها ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ [ النساء: 43] وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مغتبق، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجساً من عمل الشيطان؟
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ﴾ إلى آخر الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم» .
وأخرج الطيالسي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: «نزل في الخمر ثلاث آيات، فأوّل شيء نزل ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ [ البقرة: 219] الآية.
فقيل حرمت الخمر فقالوا: يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله، فسكت عنهم.
ثم نزلت هذه الآية ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فقيل: حرمت الخمر.
فقالوا: يا رسول الله لا نشربها قرب الصلاة، فسكت عنهم، ثم نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...
﴾ الآية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت الخمر» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والنحاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقاص قال: «فيَّ نزل تحريم الخمر، صنع رجل من الأنصار طعاماً، فدعانا فأتاه ناس، فأكلوا وشربوا حتى انتشوا من الخمر.
وذلك قبل أن تحرم الخمر.
فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار خير وقالت قريش: قريش خير.
فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره، فكان سعد مفزور الأنف، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فنزلت هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى آخر الآية» .
وأخرج ابن جرير من طريق ابن شهاب أن سالم بن عبد الله حدثه.
أن أول ما حرمت الخمر أن سعد بن أبي وقاص وأصحاباً له شربوا فاقتتلوا فكسروا أنف سعد، فأنزل الله: ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ الآية.
وأخرج الطبراني عن سعد بن أبي وقاص قال: «نزلت فيَّ ثلاث آيات من كتاب الله نزل تحريم الخمر، نادمت رجلاً فعارضته وعارضني، فعربدت عليه فشججته، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ونزلت فيَّ ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ﴾ [ العنكبوت: 8] حملته أمه كرهاً إلى آخر الآية ونزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ﴾ [ المجادلة: 12] فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى ﴿ أأشفقتم أن تقدموا...
﴾ [ المجادلة: 13] الآية» .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته، فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال ناس من المتكلفين: هي رجس، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر، وفلان قتل يوم أحد، فأنزل الله هذه الآية ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن بريدة قال: «بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر جلاء، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ منتهون ﴾ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم، قال: وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا» .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أهل المدينة إن الله يعرض عن الخمر تعريضاً لا أدري لعله سينزل فيها أمر، ثم قام فقال: يا أهل المدينة إن الله قد أنزل إليَّ تحريم الخمر، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها» .
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن سابط قال: زعموا أن عثمان بن مظعون حرم الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب شيئاً يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد، فنزلت هذه الآية في سورة المائدة في الخمر، فمر عليَّ رجل فقال: حرمت الخمر، وتلا هذه الآية فقال: تباً لها قد كان بصري فيها ثابتاً.
وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت في البقرة ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ [ البقرة: 219] شربها قوم لقوله منافع للناس وتركها قوم لقوله إثم كبير منهم عثمان بن مظعون، حتى نزلت الآية التي في النساء ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فتركها قوم وشربها قوم، يتركونها بالنهار حين الصلاة ويشربونها بالليل، حتى نزلت الآية التي في المائدة ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ الآية.
قال عمر: أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام بعداً لك وسحقاً، فتركها الناس ووقع في صدور أناس من الناس منها، فجعل قوم يمر بالراوية من الخمر فتخرق فيمر بها أصحابها فيقولون: قد كنا نكرمك عن هذا المصرع، وقالوا: ما حرم علينا شيء أشد من الخمر، حتى جعل الرجل يلقى صاحبه فيقول: إن في نفسي شيئاً.
فيقول له صاحبه: لعلك تذكر الخمر.
فيقول: نعم.
فيقول: إن في نفسي مثل ما في نفسك، حتى ذكر ذلك قوم واجتمعوا فيه فقالوا: كيف نتكلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد، وخافوا أن ينزل فيهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعدوا له حجة، فقالوا: أرأيت حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش أليسوا في الجنة؟
قال: بلى.
قالوا: أليسوا قد مضوا وهم يشربون الخمر؟
فحرم علينا شيء دخلوا الجنة وهم يشربونه.
فقال: «قد سمع الله ما قلتم، فإن شاء أجابكم، فأنزل الله: ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾ » قالوا: انتهينا، ونزل في الذين ذكروا حمزة وأصحابه ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر ﴾ قال: الميسر.
هو القمار كله ﴿ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ﴾ قال: فذمهما ولم يحرمهما وهي لهم حلال يومئذ، ثم أنزل هذه الآية في شأن الخمر وهي أشد منها فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكان السكر منها حراماً، ثم أنزل الآية التي في المائدة ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام...
﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فجاء تحريمها في هذه الآية، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: أول ما نزل تحريم الخمر ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير...
﴾ [ البقرة: 219] الآية.
فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها التي فيها، وقال آخرون لا خير في شيء فيه إثم، ثم نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] الآية.
فقال بعض الناس: نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر...
﴾ الآية.
فانتهوا فنهاهم فانتهوا.
وأخرج عبد بن حميد «عن قتادة في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] قال: كان القوم يشربونها حتى إذا حضرت الصلاة أمسكوا عنها قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال حين أنزلت هذه الآية: قد تقرَّب الله في تحريم الخمر، ثم حرمها بعد ذلك في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وعلم أنها تسفِّه الأحلام، وتجهد الأموال، وتشغل عن ذكر الله وعن الصلاة» .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ قال: فانتهى القوم عن الخمر وأمسكوا عنها قال: وذكر لنا أن هذه الآية لما أنزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله قد حرم الخمر فمن كان عنده شيء فلا يطعمه ولا تبيعوها، فلبث المسلمون زماناً يجدون ريحها من طرق المدينة لكثرة ما أهرقوا منها» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس.
أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصي حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حداً، فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم كان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، حتى أتى برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به لن يجلد فقال: لم تجلدني؟
بيني وبينك كتاب الله.
قال: وفي أي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟
قال: فإن الله تعالى يقول في كتابه ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ فإنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿ ثم اتقوا وأحسنوا ﴾ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحداً والخندق والمشاهد.
فقال عمر: ألا تردون عليه؟
فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين وحجة على الباقين، عذراً للماضين لأنهم لقوا الله قبل أن حرم عليهم الخمر، وحجة على الباقين لأن الله يقول ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴾ حتى بلغ الآية الأخرى، فإن كان من ﴿ آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ﴾ فإن الله نهى أن يشرب الخمر.
فقال عمر: فماذا ترون؟
فقال علي بن أبي طالب: نرى أنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر عمر فجلد ثمانين.
وأخرج ابن مردويه عن أنس عن أبي طلحة زوج أم أنس قال: لما نزلت تحريم الخمر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتفاً يهتف: ألا أن الخمر قد حرمت فلا تبيعوها فمن كان عنده منه شيء فليهرقه.
قال أبو طلحة: يا غلام حل عُزّلى تلك المزاد، ففتحها فأهرقها وخمرنا يومئذ البسر والتمر، فأهرق الناس حتى امتنعت فجاج المدينة.
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: كنا نأكل من طعام لنا ونشرب عليه من هذا الشراب، فأتانا فلان من نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تشربون الخمر وقد أنزل فيها.
قلنا ما تقولون؟
قال: نعم، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم الساعة ومن عنده أتيتكم، فقمنا فأكفينا ما كان في الإناء من شيء.
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال «كان عند أبي طلحة مال ليتيم، فاشترى به خمراً، فلما حرمت الخمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اجعله خلاً؟
فقال: لا، أهْرقْهُ» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس.
أن الآية التي حرم الله فيها الخمر نزلت وليس في المدينة شراب يشرب إلا من تمر.
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: لما نزل تحريم الخمر فدخلت على ناس من أصحابي وهي بين أيديهم فضربتها برجلي، وقلت: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزل تحريم الخمر، وشرابهم يومئذ البسر والتمر.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كانوا يشربون الخمر بعد ما أنزلت التي في البقرة، وبعد التي في سورة النساء، فلما نزلت التي التي في سورة المائدة تركوه.
وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «يا أيها الناس إن الله أعرض بالخمر، فمن كان عنده منها شيء فليبع ولينتفع به، فلم نلبث إلا يسيراً ثم قال: إن الله قد حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يبع ولا يشرب.
قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب.
وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر بن عبد الله متى حرمت الخمر؟
قال: بعد أحد صبحنا الخمر يوم أحد حين خرجنا إلى القتال.
وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وما كان شراب الناس إلا التمر والزبيب.
وأخرج ابن مردويه عن جابر قال «كان رجل عنده مال أيتام، فكان يشتري لهم ويبيع، فاشترى خمراً فجعله في خوابي، وإن الله أنزل تحريم الخمر، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إنه ليس لهم مال غيره فقال: أهرقه.
فأهرقه» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء، وما خمرهم يومئذ إلا الفضيخ.
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: حرمت الخمر يوم حرمت، وما بالمدينة خمر إلا الفضيخ.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في سننه عن عبد الله بن عمرو قال: إن هذه الآية التي في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ﴾ هي في التوراة، إن الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والمزامير والكبارات.
يعني البرابط، والزمارات، يعني الدف، والطنابير والشعر والخمر مرة لمن طعمها، وأقسم ربي بيمينه وعزة حيله لا يشربها عبد بعدما حرمتها عليه إلا عطشته يوم القيامة، ولا يدعها بعد ما حرمتها إلا سقيته إياها من حظيرة القدس.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حرم الله الخمر، وكل مسكر حرام» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر، وما بالمدينة زبيبة واحدة.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن الجارود وابن مردويه عن أبي سعيد قال: «كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت الآية التي في المائدة سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: ليتيم؟
فقال: اهريقوها» .
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: حرمت الخمر وهي تخمر في الجراري.
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: نزل تحريم الخمر وما في أسقيتنا إلا الزبيب والتمر، فأكفأناهما.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من التمر خمر، ومن العسل خمر، ومن الزبيب خمر، ومن العنب خمر، ومن الحنطة خمر، وأنهاكم عن كل مسكر» .
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر...
﴾ [ البقرة: 219] الآية.
كرهها قوم لقوله: ﴿ فيهما إثم كبير ﴾ وشربها قوم لقوله: ﴿ ومنافع للناس ﴾ حتى نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكانوا يَدَعونها في حين الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة.
حتى نزلت ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ الآية، فقال عمر: ضيعة لك اليوم قرنت بالميسر.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: نزلت في الخمر أربع آيات ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر...
﴾ الآية.
فتركوها، ثم نزلت ﴿ تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [ النحل: 67] فشربوها، ثم نزلت الآيتان في المائدة ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: نزلت هذه الآية ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر....
﴾ الآية.
فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا ساقيهم وعلي بن أبي طالب يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] فلم يفهمها، فأنزل الله يشدد في الخمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ﴾ فكانت حلالاً يشربونها من صلاة الغداة حتى يرتفع النهار، فيقومون إلى صلاة الظهر وهم مصحون، ثم لا يشربونها حتى يصلوا العتمة، ثم يقومون إلى صلاة الفجر وقد صحوا، فلم يزالوا بذلك يشربونها حتى صنع سعد بن أبي وقاص طعاماً، فدعا ساقيهم رجل من الأنصار، فشوى لهم رأس بعير ثم دعاهم عليه، فلما أكلوا وشربوا من الخمر سكروا، وأخذوا في الحديث، فتكلم سعد بشيء، فغضب الأنصاري، فرفع لحي البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله نسخ الخمر وتحريمها ﴿ إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وليس للعرب يومئذ عيش أعجب إليهم منها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال: لما نزلت آية البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقدم في تحريم الخمر، ثم نزلت آية النساء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ربكم يقرب في تحريم الخمر، ثم نزلت آية المائدة، فحرمت الخمر عند ذلك» .
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: نزلت أربع آيات في تحريم الخمر أولهن التي في البقرة، ثم نزلت الثانية ﴿ من ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً ﴾ [ النحل: 67] ، ثم أنزلت التي في النساء، بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعض الصلوات إذ غنى سكران خلفه، فأنزل الله: ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى...
﴾ [ النساء: 43] الآية.
فشربها طائفة من الناس وتركها طائفة، ثم نزلت الرابعة التي في المائدة، فقال عمر ين الخطاب، انتهينا يا ربنا.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس قال: «لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه الناس وقد كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، فسألوه عن ذلك؟
فأنزل الله: ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ﴾ [ البقرة: 216] فقالوا: هذا شيء قد جاء فيه رخصة، نأكل الميسر ونشرب الخمر ونستغفر من ذلك، حتى أتى رجل صلاة المغرب فجعل يقرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ﴾ [ الكافرون}: الآيات الثلاث فجعل لا يجوّد ذلك ولا يدري ما يقرأ، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [ النساء: 43] فكان الناس يشربون الخمر حتى يجيء وقت الصلاة فيدعون شربها، فيأتون الصلاة وهم يعلمون ما يقولون، فلم يزالوا كذلك حتى أنزل الله: ﴿ إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال: انتهينا يا رب» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يموت مدمن خمر إلا لقي الله كعابد وثن، ثم قرأ ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ الآية» .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن عبدالله بن عمرو.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرم الخمر، والميسر، والكوبة، والغبيراء، وكل مسكر حرام» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حرم عليكم الخمر، والميسر، والكوبة، وكل مسكر حرام» .
وأخرج البخاري وابن مردويه عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب.
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن جابر بن عبد الله.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح «إن الله حرَّم بيع الخمر، الأنصاب، والميتة، والخنزير، فقال بعض الناس: كيف ترى، في شحوم الميتة يدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها الناس؟
فقال: لا، هي حرام، ثم قال عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم، جملوه فباعوه وأكلوا ثمنه» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «قدم رجل من دوس على النبي صلى الله عليه وسلم براوية من خمر أهداها له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الله حرمها بعدك؟
فأقبل الدوسي على رجل كان معه فأمره ببيعها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل علمت أن الذي حرَّم شربها حرم بيعها وأكل ثمنها؟
وأمر بالمزاد فأهريقت حتى لم يبق فيها قطرة» .
وأخرج ابن مردويه عن تميم الداري أنه «كان يهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت الخمر جاء براوية، فلما نظر إليها ضحك وقال: هل شعرت أنها قد حرمت؟
فقال: يا رسول الله أفلا نبيعها فننتفع بثمنها؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرم الله عليهم من شحوم البقر والغنم، فأذابوه اهالة فباعوا منه ما يأكلون، والخمر حرام ثمنها حرام بيعها» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو عوانة والطحاوي وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن عمر.
أنه قام على المنبر فقال: أما بعد فإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة.
من العنب، والتمر، والبر، والشعير، والعسل، والخمر، ما خامر العقل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: إن هذه الأنبذة تنبذ من خمسة أشياء.
من التمر، والزبيب، والعسل، والبر، والشعير، فما خمرته منها ثم عتقته فهو خمر.
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» .
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الزبيب والتمر هو الخمر، يعني إذا انتبذا جميعاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من الحنطة خمراً، ومن الشعير خمراً، ومن الزبيب خمراً، ومن التمر خمراً، ومن العسل خمراً، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» .
وأخرج الحاكم وصححه عن مريم بنت طارق قالت: «كنت في نسوة من المهاجرات، حججنا فدخلنا على عائشة، فجعل نساء يسألنها عن الظروف؟
فقالت: إنكم لتذكرون ظروفاً ما كان كثير منها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاتقين الله واجتنبن ما يسكركن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كل مسكر حرام، وإن أسكرها ماء حبها فلتجتنبه» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر والنحاس في ناسخه عن أبي هريرة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن الحسن قال: الميسر.
القمار.
وأخرج البيهقي في سننه عن نافع.
أن ابن عمر كان يقول: الميسر.
القمار.
وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: الميسر كعاب فارس، وقداح العرب، وهو القمار كله.
وأخرج البيهقي عن مجاهد قال: الميسر القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجراً فإنها من الميسر» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها من الميسر» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم وهاتين اللعبتين الموسومتين اللتين يزجران زجراً فإنهما ميسر العجم» .
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال: إياكم وهذه الكعاب الموسومة التي تزجر زجراً فإنها ميسر العجم.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كل القمار من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر.
وأخرج عبد بن حميد عن علي قال: الشطرنج ميسر الأعاجم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد.
أنه سئل عن النرد أهي من الميسر؟
قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي في الشعب عن القاسم.
أنه قيل له: هذه النرد تكرهونها فما بال الشطرنج؟
قال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب من طريق ربيعة بن كلثوم عن أبيه قال: خطبنا ابن الزبير فقال: يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النرد شير، وإن الله يقول في كتابه ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ، وإني أحلف بالله لا أوتى بأحد لعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره، وأعطيت سلبه من أتاني به.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لعب بالنرد شير فقد عصى الله ورسوله» .
وأخرج أحمد عن أبي عبد الرحمن الخطمي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبدالله بن عمرو قال: اللاعب بالنرد قماراً كآكل لحم الخنزير، واللاعب بها من غير قمار كالمدهن بودك الخنزير.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مجاهد قال: اللاعب بالنرد قماراً من الميسر، واللاعب بها سفاحاً كالصابغ يده في دم الخنزير، والجالس عندها كالجالس عند مسالخه، وإنه يؤمر بالوضوء منها، والكعبين والشطرنج سواء.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يلعبون بالنرد، فقال: «قلوب لاهية، وأيد عاملة، وألسنة لاغية» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: النرد ميسر العجم.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن مالك بن أنس قال: الشطرنج من النرد، بلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فأحرقها.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبيدالله بن عمير قال: سئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي جعفر أنه سئل عن الشطرنج فقال: تلك المجوسية لا تلعبوا بها.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الملك بن عمير قال: رأى رجل من أهل الشام أنه يغفر لكل مؤمن في كل يوم اثنتي عشرة مرة، إلا أصحاب الشاه يعني الشطرنج.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن قتادة قال: الميسر القمار، كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد سليباً حزيناً ينظر إلى ماله في يد غيره، وكانت تورث بينهم العداوة والبغضاء فنهى الله عن ذلك، وتقدم فيه وأخبر إنما هو رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد قالوا: كل شئ فيه قمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين.
أنه رأى غلماناً يتقامرون في يوم عيد فقال: لا تقامروا فإن القمار من الميسر.
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن سيرين قال: ما كان من لعب فيه قمار، أو قيام، أو صياح، أو شر، فهو من الميسر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يزيد بن شريح.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث من الميسر: الصفير بالحمام، والقمار، والضرب بالكعاب» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: شهدت عثمان وهو يخطب، وهو يأمر بذبح الحمام، وقتل الكلاب.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن خالد الحذاء عن رجل يقال له أيوب قال: كان ملاعب آل فرعون الحمام.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب بن قال: كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين.
وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي في الميسر قال: كانوا يشترون الجزور فيجعلونها أجزاء، ثم يأخذون القداح فيلقونها، وينادي: يا ياسر الجزور يا ياسر الجزور، فمن خرج قدحه أخذ جزءاً بغير شيء، ومن لم يخرج قدحه غرم ولم يأخذ شيئاً.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس.
أنه كان يقال: اين ايسار الجزور؟
فيجتمع العشرة، فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيجيلون السهام فتصير بتسعة حتى تصير إلى واحد، ويغرم الآخرون فصيلاً فصيلاً إلى الفصال، فهو الميسر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنصاب حجارة كانوا يذبحون لها، والأزلام قداح كانوا يقتسمون بها الأمور.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانت لهم حصيات، إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ والأزلام ﴾ قال: هي كعاب فارس التي يقتمرون بها، وسهام العرب.
وأخرج أبو الشيخ عن سلمة بن وهرام قال: سألت طاوساً عن الأزلام؟
فقال: كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربون بها قدح معلم يتطيرون منه، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القدح لم يخرج لحاجته، وإن خرج غيره خرج لحاجته، وكانت المرأة إذا أرادت حاجة لها لم تضرب بتلك القداح، فذلك قوله الشاعر: إذا جددت أنثى لأمر خمارها ** أتته ولم تضرب له بالمقاسم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ رجس ﴾ قال: سخط.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق سعيد بن جبير في قوله: ﴿ رجس ﴾ قال: إثم ﴿ من عمل الشيطان ﴾ يعني من تزيين الشيطان ﴿ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ﴾ يعني حين شج الأنصاري رأس سعد بن أبي وقاص ﴿ ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ﴾ فهذا وعيد التحريم ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ يعني في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ﴿ فإن توليتم ﴾ يعني أعرضتم عن طاعتهما ﴿ فاعلموا أنما على رسولنا ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ البلاغ المبين ﴾ يعني أن يبين تحريم ذلك.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟
فنزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح...
﴾ الآية.
وأخرج الطياليسي وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر، فلما نزل تحريمها قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟
فنزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: بينا أدير الكاس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دجانة، حتى مالت رؤوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعنا منادياً ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت.
قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا، واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم، ثم خرجنا إلى المسجد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ فقال رجل: يا رسول الله فما منزلة من مات منا وهو يشربها؟
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فنادى مناد، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟
فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت.
فقال لي: اذهب فأهرقها.
قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ البسر والتمر، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...
﴾ الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن جابر بن عبد الله قال: اصطبح ناس الخمر يوم أحد، ثم قتلوا شهداء.
وأخرج الطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: «لما نزل تحريم الخمر قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح...
﴾ الآية.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم» .
وأخرج الدارقطني في الأفراد وابن مردويه عن ابن مسعود قال: «لما نزل تحريم الخمر قالوا: يا رسول الله كيف بمن شربها من إخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم؟
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليس على الذين آمنوا...
﴾ الآية.
يعني بذلك رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا وهم يشربون الخمر قبل أن تحرم الخمر، فلم يكن عليهم فيها جناح قبل أن تحرم، فلما حرمت قالوا: كيف تكون علينا حراماً وقد مات إخواننا وهم يشربونها؟
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا...
﴾ يقول ليس عليهم حرج فيما كانوا يشربون قبل أن أحرمها إذ كانوا محسنين متقين، والله يحب المحسنين.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: نزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ فيمن كان يشربها ممن قتل ببدر وأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: لما أنزل الله تحريم الخمرة في سورة المائدة بعد سورة الأحزاب، قال في ذلك رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصيب فلان يوم بدر، وفلان يوم أحد، وهم يشربونها فنحن نشهد أنهم من أهل الجنة، فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ﴾ يقول: شربها القوم على تقوى من الله وإحسان، وهي لهم يومئذ حلال، ثم حرمت بعدهم فلا جناح عليهم في ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ﴾ قال: قالوا: يا رسول الله ما نقول لإخواننا الذين مضوا كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟
فأنزل الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ من الحرام قبل أن يحرم عليهم ﴿ إذا ما اتقوا وأحسنوا ﴾ وأحسنوا بعدما حرم عليهم، وهو قوله: ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ﴾ [ البقرة: 275] .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عبدالله بن مسعود قال: «لما نزلت ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا...
﴾ الآية.
قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لي: أنت منهم» .
وأخرج الدينوري في المجالسة وابن مردويه وأبو نعيم عن ثابت بن عبيد قال: جاء رجل من آل حاطب إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين إني أرجع إلى المدينة، وإنهم سائلي عن عثمان، فماذا أقول لهم؟
قال: أخبرهم أن عثمان كان من ﴿ آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر من طريق عطاء بن السائب عن محارب بن دثار أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟
فقالوا: نعم، لقول الله: ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ حتى فرغوا من الآية.
فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه إن أتاك كتابي هذا نهاراً فلا تنظر بهم الليل، وإن أتاك ليلاً فلا تنظر بهم النهار، حتى تبعث بهم إليَّ لا يفتنوا عباد الله، فبعث بهم إلى عمر، فلما قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟
قالوا: نعم.
فتلا عليهم ﴿ إنما الخمر والميسر...
﴾ إلى آخر الآية.
قالوا: اقرأ التي بعدها ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟
قال: أرى أنهم شرَّعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض.
قال: فجلدهم ثمانين ثمانين.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله لعن الخمر، ولعن غارسها، ولعن شاربها، ولعن عاصرها، ولعن مؤويها، ولعن مديرها، ولعن ساقيها، ولعن حاملها، ولعن آكل ثمنها، ولعن بائعها» .
وأخرج وكيع والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة إلا أن يتوب» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب، لم يشربها في الآخرة وإن أُدخل الجنة» .
وأخرج مسلم والبيهقي عن جابر بن عبدالله.
«أن رجلاً قدم من اليمن، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أويسكر هو؟
قالوا: نعم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل مسكر حرام، إن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال.
قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟
قال: عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار» .
وأخرج عبد الرزاق والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمرو.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن شربها الثالثة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن شربها الرابعة لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب لم يتب الله عليه وكان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.
قيل: وما طينة الخبال؟
قال: صديد أهل النار» .
وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو بن العاص.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر شربة لم تقبل صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل توبته أربعين صباحاً، فلا أدري أفي الثالثة أو في الرابعة؟
قال: فإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك الصلاة سكراً مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكراً أربع مرات كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.
قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟
قال: عصارة أهل النار» .
وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي عن عبدالله بن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وشاربها، وآكل ثمنها» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أتاني جبريل فقال: يا محمد إن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، وساقيها، ومسقيها» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عثمان.
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اجتنبوا أم الخبائث، فإنه كان رجل فيمن كان قبلكم يتعبد ويعتزل النساء، فعلقته امرأة غاوية فأرسلت إليه خادمها، فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل فطفقت كلما دخل عليها باب أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة جالسة عندها غلام، وباطية فيها خمر، فقالت: أنا لم أدعك لشهادة ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام، أو تقع عليَّ، أو تشرب كأساً من هذا الخمر، فإن أبيت صحت وفضحتك، فلما رأى أنه لا بد من ذلك قال: اسقني كأساً من هذا الخمر، فسقته كأساً من الخمر، ثم قال: زيديني، فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنه- والله- لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في صدر رجل أبداً، ليوشكن أحدهما أن يخرج صاحبه» وأخرجه عبد الرزاق في المصنف عن عثمان موقوفا.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر» .
وأخرج ابن ماجة وابن مردويه والبيهقي عن أبي الدرداء قال: «أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن لا تشرك بالله شيئاً، وإن قطِّعت أو حرِّقت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمداً فمن تركها متعمداً برئت منه الذمة، وأن لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر» .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى بنى الفردوس بيده، وحظره على كل مشرك وكل مدمن الخمر سكير» .
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا يرفع لهم إلى السماء عمل: العبد الآبق من مواليه حتى يرجع فيضع يده في أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى، والسكران حتى يصحو» .
وأخرج البيهقي عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر» .
وأخرج البيهقي عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر» .
وأخرج البخاري في التاريخ عن سهل بن أبي صالح عن محمد بن عبيدالله عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله وهو مدمن خمر لقيه كعابد وثن» .
وأخرج البخاري في التاريخ والبيهقي من طريق سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعاً مثله، وقال البخاري ولا يصح حديث أبي هريرة.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب شراباً يذهب بعقله فقد أتى باباً من أبواب الكبائر» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبدالله بن عمرو قال: لأن أزني أحب إليَّ من أن أسكر، ولأن أسرق أحب إليَّ من أن أسكر، لأن السكران يأتي عليه ساعة لا يعرف فيها ربه.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدِّق بالسحر، ومن مات مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة؟
قال: نهر يخرج من فروج المومسات، يؤذي أهل النار ريح فروجهم» .
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر: أن أبا بكر، وعمر، وناساً جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبدالله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر.
فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك ووثبوا جميعاً حتى أتوه في داره، فأخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلاً فخيره بين أن يشرب الخمر، أو يقتل نفساً، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتلوه.
فاختار الخمر، وإنه لما شربه لم يمتنع من شيء أرادوه منه» ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد يشربها فتقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منه شيء إلا حرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية» .
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مسلم الخولاني.
أنه حج، فدخل على عائشة، فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها، فجعل يخبرها فقالت: كيف تصبرون على بردها؟
قال: يا أم المؤمنين، إنهم يشربون شراباً لهم يقال له الطلا.
قالت: صدق الله وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول «إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثني الله رحمة وهدى للعالمين، وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية، ثم قال: من شرب خمراً في الدنيا سقاه الله كما شرب منه من حميم جهنم، معذب بعد أو مغفور له» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين، بعثني لأمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية والأوثان، وحلف ربي عز وجل بعزته لا يشرب الخمر أحد في الدنيا إلا سقاه الله مثلها من الحميم يوم القيامة مغفور له أو معذب، ولا يدعها أحد في الدنيا إلا سقيته إياها في حظيرة القدس حتى تقنع نفسه» .
وأخرج الحاكم عن ثوبان قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حلفت على معصية فدعها واقذف ضغائن الجاهلية تحت قدمك، وإياك وشرب الخمر فإن الله لم يقدس شاربها» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الملاهي عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ.
قيل: يا رسول الله، متى؟
قال: إذا ظهرت المعازف والقينات، واستحلت الخمر» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي قذف ومسخ وخسف.
قيل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ذلك؟
قال: إذا ظهرت المعازف، وكثرت القينات، وشربت الخمر» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف ومسخ وقذف.
قلت: يا رسول الله، وهم يقولون لا إله إلا الله؟
قال: إذا ظهرت القيان، وظهر الزنا، وشرب الخمر، ولبس الحرير، كان ذا عند ذا» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا عملت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء، قيل: وما هي يا رسول الله؟
قال: إذا كان المغنم دولاً، والأمانة مغنماً، والزكاة مغرماً، وأطاع الرجل زوجته، وعقَّ أمه، وبرَّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل مخافة شره وشربت الخمور، ولبس الحرير، واتخذوا القيان والمعازف، ولعن آخر هذه الأمة أولها، فليرتقبوا عند ذلك ثلاثاً: ريحاً حمراء، وخسفاً، ومسخاً» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا بالدفوف» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ، وذلك إذا شربوا الخمر، واتخذوا القينات، وضربوا بالمعازف» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمسخ قوم من هذه الأمة في آخر الزمان قردة وخنازير.
قالوا: يا رسول الله، أليس يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؟
قال: بلى، ويصومون ويصلون ويحجون.
قال: فما بالهم؟
قال: اتخذوا المعازف والدفوف والقينات، فباتوا على شربهم ولهوهم، فأصبحوا قد مسخوا قردة وخنازير» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون في أمتي خسف وقذف ومسخ.
قالوا: متى ذلك يا رسول الله؟
قال: إذا أظهروا المعازف، واستحلوا الخمور، ولبس الحرير» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن الغازي بن ربيعة رفع الحديث قال: «ليمسخن قوم وهم على أريكتهم قردة وخنازير بشربهم الخمر وضربهم بالبرابط والقيان» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن صالح بن خالد رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليستحلن ناس من أمتي الحرير والخمر والمعازف، وليأتين الله على أهل حاضرتهم بجبل عظيم حتى ينبذه عليهم، ويمسخ آخرون قردة وخنازير» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليبيتن رجال على أكل وشرب وعزف، يصبحون على أرائكهم ممسوخين قردة وخنازير» .
وأخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الشعب وضعفه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي بعثني بالحق لا تنقضي هذه الدنيا حتى يقع بهم الخسف والمسخ والقذف.
قالوا: ومتى ذاك يا رسول الله؟
قال: إذا رأيتم النساء ركبن السروج، وكثرت المعازف، وفشت شهادات الزور، وشربت الخمر لا يستخفى به، وشربت المصلون في آنية أهل الشرك من الذهب والفضة، واستغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال، فإذا رأيتم ذلك فاستدفروا واستعدوا، واتقوا القذف من السماء» .
وأخرج البيهقي وضعفه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استعملت أمتي خمساً فعليهم الدمار: إذا ظهر فيهم التلاعن، ولبس الحرير، واتخذوا القينات، وشربوا الخمر، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يبيت قوم من هذه الأمة على طعم وشرب ولهو ولعب، فيصبحوا وقد مسخوا قردة وخنازير، وليصيبنهم خسف وقذف حتى يصبح الناس، فيقولون: قد خسف الليلة ببني فلان، وخسف الليلة بدار فلان، وليرسلن عليهم حاصباً من السماء كما أرسلت على قوم لوط على قبائل فيها وعلى دور، وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عاداً على قبائل فيها، وعلى دور بشربهم الخمر، ولبسهم الحرير، واتخاذهم القينات، وأكلهم الربا، وقطيعتهم الرحم» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رؤوسهم المعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» .
وأخرج البيهقي عن معاذ وأبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الأمر بدأ رحمة ونبوّة، ثم يكون رحمة وخلافة، ثم كائن ملكاً عضوضاً، ثم كائن عتواً وجبرية وفساداً في الأرض، يستحلون الحرير والخمور والفروج، يرزقون على ذلك وينصرون، حتى يلقوا الله عز وجل» .
وأخرج البيهقي عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حبس العنب أيام قطافه حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يعلم أنه يتخذ خمراً فقد تقدم في النار على بصيرة» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر: أنه كان يكره أن تسقى البهائم الخمر.
وأخرج البيهقي عن عائشة: أنها كانت تنهى النساء أن يمتشطن بالخمر.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمر فاجلدوه.
قالها ثلاثاً، فإن شربها الرابعة فاقتلوه» .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي موسى الأشعري «أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن سأله قال: إن قومي يصنعون شراباً من الذرة يقال له المزر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيسكر؟
قال: نعم، قال: فانههم عنه.
قال: نهيتهم ولم ينتهوا.
قال: فمن لم ينتهِ في الثالثة منهم فاقتله» .
وأخرج عبد الرزاق عن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر فاضربوه، ثم قال في الرابعة: من شرب الخمر فاقتلوه» .
وأخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا شربوا فاجلدوهم.
قالها ثلاثاً، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم» قال معمر: فذكرت ذلك لابن المنكدر فقال: قد ترك القتل، قد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بابن النعيمان فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده، ثم أتى به فجلده الرابعة أو أكثر.
وأخرج عبد الرزاق عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاقتلوهم، ثم قال: إن الله قد وضع عنهم القتل، فإذا شربوا فاجلدوهم، ثم إذا شربوا فاجلدوهم، ذكرها أربع مرات» .
وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من شرب الخمر فحدُّوه، فإن شرب الثانية فحدُّوه، فإن شرب الرابعة فاقتلوه» ، قال: فأتى بابن النعيمان قد شرب فضرب بالنعال والأيدي، ثم أتى به الثانية فكذلك، ثم أتى به الرابعة فحدَّه ووضع القتل.
وأخرج عبد الرزاق عن قبيصة بن ذؤيب «أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب رجلاً في الخمر أربع مرات، ثم أن عمر بن خطاب ضرب أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرات» .
وأخرج الطبراني عن أبي الرمد البلوي «أن رجلاً منهم شرب الخمر، فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه، ثم شرب الثانية فأتوا به فضربه، فما أدري قال في الثالثة أو الرابعة، فجعل على العجل فضربت عنقه» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر» ، قال ابن عباس: فذهبنا ننظر في كتاب الله، فإذا هم فيه في العاق ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ﴾ [ محمد: 22] إلى آخر الآية.
وفي المنان ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ [ البقرة: 262] وفي الخمر ﴿ يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ﴾ إلى قوله: ﴿ من عمل الشيطان ﴾ .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وابن مردويه عن الديلمي قال: «وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا نصنع طعاماً وشراباً فنطعمه بني عمنا، فقال: هل يسكر؟
قلت: نعم.
فقال: حرام.
فلما كان عند توديعي إياه ذكرته له، فقلت: يا نبي الله، إنهم لن يصبروا عنه.
قال: فمن لم يصبر عنه فاضربوا عنقه» .
وأخرج ابن سعد وأحمد عن شرحبيل بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاقتلوه» .
وأخرج أحمد والطبراني عن أم حبيبة بنت أبي سفيان «أن ناساً من أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، ثم قالوا: يا رسول الله، إن لنا شراباً نصنعه من التمر والشعير، فقال: الغبيراء؟
قالوا: نعم.
قال: لا تطعموه.
قالوا: فإنهم لا يدعونها.
قال: من لم يتركها فاضربوا عنقه» .
وأخرج ابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذين يشربون الخمر وقد حرم الله عليهم لا يسقونها في حظيرة القدس» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: «من شرب الخمر لم يقبل الله منه صلاة أربعين صباحاً، فإن مات في الأربعين دخل النار ولم ينظر الله إليه» .
وأخرج عبد الرزاق عن الحسن.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى الله شارب الخمر يوم القيامة وهو سكران، فيقول: ويلك، ما شربت...؟!
فيقول: الخمر.
قال: أو لم أحرمها عليك؟
فيقول: بلى.
فيؤمر به إلى النار» .
وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا، ولبسهم الحرير» .
وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو قال: إنه في الكتاب مكتوب: أن خطيئة الخمر تعلو الخطايا كما تعلو شجرتها الشجر.
وأخرج عبد الرزاق عن مسروق بن الأجدع قال: شارب الخمر كعابد الوثن، وشارب الخمر كعابد اللات والعزى.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن جبير قال: من شرب مسكراً لم يقبل الله منه ما كانت في مثانته منه قطرة، فإن مات منها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي صديد أهل النار وقيحهم.
وأخرج عبد الرزاق عن أبي ذر قال: من شرب مسكراً من الشراب فهو رجس، ورجس صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن شرب أيضاً فهو رجس، ورجس صلاته أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لها قال: في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.
وأخرج عبد الرزاق عن أبان رفع الحديث قال: إن الخبائث جعلت في بيت فأغلق عليها، وجعل مفتاحها الخمر، فمن شرب الخمر وقع بالخبائث.
وأخرج عبد الرزاق عن عبيد بن عمير قال: إن الخمر مفتاح كل شر.
وأخرج عبد الرزاق عن محمد المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر صباحاً كان كالمشرك بالله حتى يمسي، وكذلك إن شربها ليلاً كان كالمشرك بالله حتى يصبح، ومن شربها حتى يسكر لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحاً، ومن مات وفي عروقه منها شيء مات ميتة جاهلية» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حلف الله بعزته وقدرته لا يشرب عبد مسلم شربة من خمر إلا سقيته بما انتهك منها من الحميم معذب بعد أو مغفور له، ولا يتركها وهوعليها قادر ابتغاء مرضاتي إلا سقيته منها فأرويته في حظيرة القدس» .
وأخرج عبد الرزاق عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: يجيء يوم القيامة شارب الخمر مسوداً وجهه، مزرقَّة عيناه، مائلاً شقه.
أو قال: شدقه مدلياً لسانه، يسيل لعابه على صدره، يقذره كل من يراه.
وأخرج أحمد عن قيس بن سعد بن عبادة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر أتى عطشان يوم القيامة، ألا وكل مسكر خمر، وإياكم والغبيراء» .
وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان مثل ذلك، فما أدري في الثالثة أم في الرابعة قال: فإن عاد كان حتماً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.
قالوا: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟
قال: عصارة أهل النار» .
وأخرج ابن أبي سعد وابن أبي شيبة عن خلدة بنت طلق قالت: قال لنا أبي: «جلسنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء صحار، فسأله ما ترى في شراب نصنعه من ثمارنا؟
قال: تسألني عن المسكر، لا تشربه ولا تسقه أخاك، فوالذي نفس محمد بيده ما شربه رجل قط ابتغاء لذة سكر فيسقيه الله الخمر يوم القيامة» .
وأخرج أحمد عن أسماء بنت يزيد.
أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من شرب الخمر لم يرضَ الله عنه أربعين ليلة، فإن مات مات كافراً، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال.
قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟
قال: صديد أهل النار» .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: «الريب من الكفر، والنوح عمل الجاهلية، والشعر من أمر إبليس، والغلول جمر من جهنم، والخمر جامع كل إثم، والشباب شعبة من الجنون، والنساء حبائل الشيطان، والكبر شر من الشر، وشر المآكل مال اليتيم، وشر المكاسب الربا، والسعيد من وُعِظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لم يزل جبريل ينهاني عن عبادة الأوثان وشرب الخمر وملاحاة الرجال» .
وأخرج البيهقي عن أم سلمة.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان في أول ما نهاني عنه ربي وعهد إليَّ بعد عبادة الأوثان وشرب الخمر لملاحاة الرجال» والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ الآية، قال ابن عباس: لما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصحابة: يا رسول الله ما نقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر؟
فأنزل الله هذه الآية (١) وقال عطاء: قالوا في أنفسهم: ليت شعرنا ما فعل الله في أصحابنا الذين قتلوا في سبيل الله وهي في بطونهم، وهم شهداء بدر واحد وغير ذلك.
ونحو هذا من القول في سبب النزول، قال أنس (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ فِيمَا طَعِمُوا ﴾ ، يعني: من الخمر والميسر (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا ﴾ ، يعني: المعاصي والشرك (٧) ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ الخمر والميسر بعد تحريمها (٨) ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ يعني: جميع المحرمات، هذا قول المفسرين (٩) وقال أصحاب المعاني: الأول: عمل الاتقاء، والثاني: دوام الاتقاء والثبات عليه، والثالث: اتقاء ظلم العباد مع ضم الإحسان إليه (١٠) وقال ابن كيسان: لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار؟
وكيف بالقتلى في سبيل الله؟
وكيف بالغائبين عنا في البلدان لا يشعرون أن الله حرم الخمر وهم يطعمونها؟
فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ من الأموات والأحياء في البلدان ﴿ جُنَاحَ ﴾ إثم فيما طعموا من الخمر والقمار ﴿ إِذَا مَا اتَّقَوْا ﴾ ما حرم الله عليهم ﴿ وَآمَنُوا ﴾ بالله ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ في إيمانهم ﴿ ثُمَّ اتَّقَوْا ﴾ إن أحدث الله لهم تحريم شيء مما أحل لهم ﴿ وَأَحْسَنُوا ﴾ فيما تعبدهم الله به (١١) (١) أخرجه الطبري 7/ 37، ونحوه في الصحيحين عن أنس وسيأتي تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه البخاري كتاب: المظالم، باب: 21 صب الخمر في الطريق، ومسلم (1980) كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، والمؤلف في أسباب النزول ص 211 - 212.
(٣) أخرج الترمذي (3050) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة، والطبري 7/ 37، والمؤلف في أسباب النزول ص 212.
(٤) أخرج عن مجاهد وقتادة الطبري 7/ 37، وعن قتادة المؤلف في الوسيط 2/ 228.
(٥) أخرجه الطبري 7/ 39.
(٦) انظر: "الوسيط" 2/ 227، والبغوي 3/ 96.
(٧) "بحر العلوم" 1/ 458، "الوسيط" 2/ 227، البغوي 3/ 96.
(٨) "تفسير الطبري" 7/ 39.
(٩) "تفسير الطبري" 7/ 39، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 358، "زاد المسير" 2/ 420.
(١٠) "تفسير الطبري" 7/ 36، "معاني القرآن" للنحاس 2/ 358.
(١١) هذا الأثر بمعنى ما تقدم عن أنس والبراء وابن عباس وغيرهما، وسبق تخريجها، ولم أقف عليه بهذا السياق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا ﴾ فيها تأويلان: أحدهما أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها؟
فنزلت الآية معلمة أنه: لا جناح على من شربها قبل التحريم، لأنه لم يعص الله بشربها حينئذ، والآخر أن المعنى رفع الجناح عن المؤمنين فيما طعموا من المطاعم إذا اجتنبوا الحرام منها، وعلى هذا أخذها عمر رضي الله عنه حين قال لقدامة: إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، وكان قدامة قد شربها واحتج بهذه الآية على رفع الجناح عنه، فقال عمر: أخطأت التأويل ﴿ إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ ﴾ الآية قيل: كرر التقوى مبالغة، وقيل: الرتبة الأولى: اتقاء الشرك، والثانية اتقاء المعاصي، والثالثة: اتقاء ما لا بأس به حذراً مما به البأس، وقيل: الأولى للزمان الماضي والثانية للحال، والثالثة للمستقبل ﴿ وَّأَحْسَنُواْ ﴾ يحتمل أن يريد الإحسان إلى الناس أو الإحسان في طاعة الله وهو المراقبة، وهذا أرجح لأنه درجة فوق التقوى، ولذلك ذكر في المرة الثالثة وهي الغاية، ولذلك قالت الصوفية: المقامات ثلاثة: مقام الإسلام ثم مقام الإيمان ثم مقام الإحسان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ بما عقدتم ﴾ بالتخفيف: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل، وقرأ ابن ذكوان ﴿ عاقدتم ﴾ بالألف.
الباقون ﴿ عقدتم ﴾ بالتشديد ﴿ من أوصط ﴾ مثل ﴿ مبصوطتان ﴾ ﴿ فجزاء ﴾ بالتنوين ﴿ مثل ﴾ بالرفع: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم عن المفضل.
﴿ كفارة طعام ﴾ بالإضافة: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ كفارة ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع ﴿ فبما ﴾ بغير ألف ابن عامر.
الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ طيباً ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ مؤمنون ﴾ ه ﴿ الأيمان ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد الكلام وفاء التعقيب.
﴿ رقبة ﴾ ط ﴿ ثلاثة أيام ﴾ ط ﴿ حلفتم ﴾ ط للإضمار أي حلفتم وحنثتم ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وعن الصلاة ﴾ ج لابتداء الاستفهام لأجل التحذير مع دخول الفاء فيه.
﴿ منتهون ﴾ ه ﴿ واحذروا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ وأحسنوا ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ج ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وأنتم حرم ﴾ ط ﴿ وبال أمره ﴾ ط ﴿ سلف ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ انتقام ﴾ ه ﴿ وللسيارة ﴾ ج لطول الكلام وتضاد المعنيين وإن اتفقت الجملتان لفظاً.
﴿ حرما ﴾ ط لإطلاق الأمر بالابتداء ﴿ تحشرون ﴾ ه ﴿ والقلائد ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ كثرة الخبيث ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع وقوع العارض ﴿ تفلحون ﴾ ه.
التفسير: إنه بعد استقصاء المناظرة مع أهل الكتابين عاد الى بيان الأحكام فبدأ بحل المطاعم والمشارب واستيفاء اللذات كيلا يتوهم متوهم أن مدح القسيسين والرهبان يوجب إيثار طريقتهم في هذا الدين.
قال المفسرون: "جلس رسول الله يوماً فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرق الناس وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله فقال لهم: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا و كذا؟
قالوا: يا رسول الله وما أردنا إلا الخير.
فقال: إني لم أؤمر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، من رغب عن سنتي فليس مني.
ثم جمع الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا!
أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهباناً فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، فإنما هلك من قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها - وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه " - فنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ فهذا وجه اتصال الآيات.
فإن قيل: ما الحكمة في قوله ﴿ لا تحرّموا ﴾ ومن المعلوم أن توسع الإنسان في اللذات والطيبات يمنعه عن الاستغراق في تحصيل السعادات الباقيات، ولهذا قالت الحكماء: إذا شبعت الأجسام صارت الأرواح أجساداً، وإذا جاعت الأجسام صارت الأجساد أرواحاً؟
فالجواب أن الرهبانية المفرطة مما توقع الآفة في الأعضاء الرئيسة التي هي القلب والكبد والدماغ والأنثيان فيختل الفكر ويقل التأمل في الجواهر الروحانية ومباديها، على أن النفوس القوية لا يمنعها التصرف في الجسمانيات عن التأمل في الروحانيات.
فالرهبانية دليل الضعف والقصور والكمال في الوفاء بالجهتين، وكيف والرهبانية توجب خراب الدنيا وانقطاع الحرث والنسل وترك الترهب مع رعاية وظائف الطاعة يفضي الى سعادة الدارين، قال القفال: إنه قال في أوّل السورة ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ فبين أنه كما لا يجوز تحليل المحرم لا يجوز تحريم المحلل، وذلك أنهم كانوا يحللون الميتة والدم ويحرمون البحائر والسوائب.
ومعنى ﴿ لا تحرموا ﴾ لا تعتقدوا تحريم ﴿ ما أحل الله ﴾ ولا تظهروا باللسان تحريمه ولا تجتنبوه اجتناباً يشبه اجتناب المحرمات.
فهذه الوجوه محمولة على الاعتقاد والقول والعمل، ويحتمل أن يراد لا تحرموا على غيركم بالفتوى، أو لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين كقوله ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ﴾ أو لا تخلطوا المملوك بالمغصوب أو الطاهر بالنجس خلطاً لا يبقى معه التمييز فإنه يحرم الكل.
والطيبات المستلذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب.
ثم نهى عن الاعتداء مطلقاً ليدخل تحته النهي عن الإسراف كقوله ﴿ كلوا واشربوا ولا تسرفوا ﴾ و ﴿ كلوا ﴾ أمر إباحة وتحليل ﴿ مما رزقكم الله ﴾ في إدخال "من" التبعيضية إرشاد الى الاقتصاد والاقتصار في الأكل على البعض وصرف الباقي الى المحتاجين، وفيه أنه هو الذي يرزق عبيده وتكفل برزقهم.
قال في التفسير الكبير: قوله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ إن كان متعلقاً بالأكل كان حجة للمعتزلة على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لأنه يدل على الإذن في أكل كل ما رزق الله وإنما يأذن في أكل الحلال فيلزم أن يكون كل رزق حلالاً، وإن كان متعلقاً بالمأكول أي كلوا من الرزق الذي يكون حلالاً كان حجة لأصحابنا لأن التقييد يؤذن بأن الرزق قد لا يكون حلالاً.
أقول: هذا فرق ضعيف ولهذا قال في الكشاف: ﴿ حلالاً ﴾ حال ﴿ مما رزقكم الله ﴾ مع أنه من المعتزلة.
ثم أكد التوصية بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ وزاده تأكيداً بقوله ﴿ الذي أنتم به مؤمنون ﴾ لأن الإيمان به يوجب اتقاءه في أوامره ونواهيه.
ثم قال ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وقد ذكرنا وجه النظم آنفاً، وقد تقدم معنى يمين اللغو في سورة البقرة.
أما قوله ﴿ بما عقدتم الأيمان ﴾ فمن قرأ بالتخفيف فإنه صالح للقليل والكثير فلا إشكال، ومن قرأ بالتشديد فإن أبا عبيدة اعترض عليه بأن التشديد للتكثير فهذه القراءة توجب سقوط الكفارة عن اليمين الواحدة.
وأجاب الواحدي بأن عقد بالتخفيف وعقد بالتشديد واحد في المعنى، ولو سلم فالتكرير يحصل بأن يعقدها بقلبه ولسانه، أما لو عقد اليمين بأحدهما دون الآخر فلا كفارة.
ومن قرأ بالألف فمثل القراءة المخففة كقولك: عاقبت اللص وعافاه الله.
والمعنى على القراآت: ولكن يؤاخذكم بعقد الأيمان أو بتعقيدها أو معاقدتها إذا حنثتم.
فحذف الظرف للعلم به، أو المراد بنكث ما عقدتم بحذف المضاف ﴿ فكفارته ﴾ أي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها أحد هذه الأمور ويسمى بالواجب المخير.
وحاصله أنه لا يجب الإتيان بكل واحد منها، ولا يجوز الإخلال بجميعها، ولكنه إذا أتى بأيّ واحد منها فإنه يخرج عن العهدة، ومن هنا قال أكثر الفقهاء الواجب واحد لا بعينه من الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة فإن عجز عنها جميعاً فالواجب شيء آخر وهو الصوم.
أما مقدار الطعام فقد قال الشافعي: نصيب كل مسكين مد أي ثلثا منّ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم لأنه قال ﴿ من أوسط ما تطعمون ﴾ فإن كان المراد ما كان متوسطاً في العرف فثلثا منّ من الحنطة إذا جعل دقيقاً وخبز فإنه يصير قريباً من المنّ وذلك كاف لواحد في يوم واحد، وإن كان المراد ما كان متوسطاً في الشرع فليس له في الشرع مقدار إلا ما جاء في قصة الأعرابي المفطر في نهار رمضان أن النبي أمره بإطعام ستين مسكيناً من غير ذكر مقدار.
فقال الرجل: ما أجد.
فأتى النبي بعرق فيه خمسة عشر صاعاً فقال النبي : أطعم هذا.
وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع وهو مدّ.
ولا تلزم كفارة الحلق لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل فكان تكفيرها معتبراً بصدقة الفطر وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد.
وقال أبو حنيفة: الواجب نصف صاع من الحنطة أو صاع من غيرها قال: لأن الأسط هو الأعدل.
وما ذكره الشافعي هو أدنى ما يكفي.
وأما الأعدل فيكون بإدام وهكذا روي عن ابن عباس مدّ بإدامه والإدام تبلغ قيمته مداً آخر ويزيد في الأغلب.
أجاب الشافعي أن الإدام غير واجب بالإجماع فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام ومقداره ما ذكرنا، وجنس الطعام المخرج جنس الفطرة.
ثم قال الشافعي: الواجب تمليك الطعام قياساً على الكسوة.
وقال أبو حنيفة: إذا غدّى وعشى عشرة مساكين جاز لأن ذلك إطعام، ولأن إطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك وقد قال ﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ والقائل أن يقول: ذكر إطعام الأهل لتعيين مقدار المطعم لا لأجل كيفية الإطعام.
وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحد عشر مرات جاز.
وقال الشافعي: لا يجزي إلا إطعام عشرة لأن مدار الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه فيجب الوقوف على مورد النص.
قال في الكشاف ﴿ أو كسوتهم ﴾ عطف على محل ﴿ من أوسط ﴾ ووجه بأن البدل هو المقصود فكأنه قيل: فكفارته من أوسط.
وأقول: الأظهر أن يكون ﴿ من أوسط ﴾ مفعولاً آخر للإطعام سواء كان "من" للابتداء أو للتبعيض، ويكون ﴿ كسوتهم ﴾ معطوفاً على الإطعام.
والكسوة معناها اللباس وهو كل ما يكتسى به.
قال الشافعي: يجزىء في الكفارة أقل ما يقع عليه اسم الكسوة وهو الثوب يغطي العورة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة لكل مسكين ثوب واحد لما روي عن ابن عباس كانت العباءة تجزىء يومئذٍ.
وعن مجاهد: ثوب جامع.
وقال الحسن: ثوبان أبيضان.
و المراد بالرقبة الجملة كان الأسير في العرب تجمع يداه الى رقبته فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الحبل فك رقبة.
ثم أجرى ذلك على العتق هكذا قيل في أصل هذا المجاز.
ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقاب تجزئه.
وقال الشافعي: لا يجزىء إلا كل سليمة من عيب يخل بالعمل صغيرة كانت أو كبيرة ذكراً أو أنثى بعد أن كانت مؤمنة قياساً على كفارة القتل، ولم يجوز إعتاق المكاتب ولا شراء القريب.
وفي تقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير وأن الأمر مبني على التخفيف.
ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق يحتمل التأخير والإطعام قد لا يحتمل ذلك.
﴿ فمن لم يجد ﴾ أحد الأمور الثلاثة المذكورة ﴿ فصيام ﴾ فعليه صيام ﴿ ثلاثة أيام ﴾ قال الشافعي: إذا وجد قوت نفسه وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالإطعام، وإن لم يكن عنده ذلك القدر جاز له الصيام وذلك أنه علق جواز الصيام على عدم وجدان الخصال الثلاث فعند وجدانها وجب أن لا يجوز الصوم.
تركنا العمل به عند وجدان قوت نفسه وقوت عياله يوماً وليلة لأن ذلك ضروري، وتقديم حق النفس على حق الغير واجب شرعاً فبقي الآية معمولاً بها في غيره.
وعند أبي حنيفة: يجوز الصيام إذا كان عنده من المال ما لا تجب فيه الزكاة.
ثم صيام الأيام الثلاثة المشروط عند أبي حنيفة بالتتابع تمسكاً بقراءة أبيّ وابن مسعود ﴿ فصيام ثلاثة أيام متتابعات ﴾ فإن قراءتهما لا تتخلف عن روايتهما.
وقال الشافعي في أصح قوليه: إن التفريق جائز والقراءة الشاذة لا يعتدّ بها لأنها لو كانت صحيحة لنقلت نقلاً متوتراً وقد "روي عن النبي أن رجلاً قال له: عليّ أيام من رمضان أفأقضيها متفرقات؟
فقال رسول الله : أرأيت لو كان عليك دين فقضيت الدرهم فالدرهم أما كان يجزيك؟
قال: بلى.
قال: فالله أحق أن يعفو ويصفح" .
وإذا جاز هذا التفريق في صوم رمضان ففي غيره أولى، وأيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
﴿ مسألة ﴾ : من صام ستة أيام عن يمينين أجزأته ولا حاجة الى تعيين إحدى الثلاثتين لإحدى اليمينين لأن الواجب عن كل منهما ثلاثة أيام وقد أتى بها فيخرج عن العهدة ﴿ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كفارة أيمانكم إذا حلفتم ﴾ وحنثتم فحذف ذكر الحنث للعلم بأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف، وللتنبيه على أن الكفارة لا يجوز تقديمها على اليمين، وأما بعد اليمين وقبل الحنث فيجوز وبه قال مالك والشافعي وأحمد موافقاً لما روي أن النبي قال "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً فكفر عن يمينك ثم ائت بالذي هو خير" .
ولأن الكفارة حق ماليّ يتعلق بسببين فجاز تعجيله بعد وجود أحد السببين كتعجيل الزكاة بعد وجود النصاب.
هذا إذا كان يكفر بغير الصوم، أما الصوم فلا يجوز تقديمه لأن العبادات البدنية لا تقدّم على وقتها إذا لم تمس إليه حاجة كالصلاة وصوم رمضان، ولأن الصوم إنما يجوز التكفير به عند العجز عن جميع الخصال المالية، وإنما يتحقق العجز بعد الوجوب وإن كان الحنث بارتكاب محظور كأن حلف أن لا يشرب الخمر أجزأه التكفير قبل الشرب أيضاً لوجود أحد السببين.
والتكفير لا يتعلق به استباحة ولا تحريم بل المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها وقبل التكفير وبعده لا أثر لهما فيه.
جميع ما ذكرنا ظاهر مذهب الشافعي، أما عند أبي حنيفة وأصحابه فلا يجوز التكفير قبل الحنث مطلقاً.
﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ قللوها ولا تكثروا منها، أو احفظوها إذا حلفتم عن الحنث، وعلى هذا تكون الأيمان المختصة بالتي الحنث فيها معصية كمن حلف أن لا يشرب الخمر بخلاف مالو حلف ليشربن فإنه لا يؤمر حينئذ بالحفظ عن الحنث.
وقيل: احفظوها بأن تكفروها أو المراد لا تنسوها تهاوناً بها ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك البيان الشافي ﴿ يبين الله لكم آياته ﴾ أحكامه وأعلام شريعته ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة البيان وتسهيل المخرج من الحرج.
ثم إنه استثنى من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر - وقد تقدم معناهما وما يتعلق بهما في سورة البقرة، وسلك في سلك التحريم الأنصاب والأزلام وقد ذكرناهما في أول هذه السورة.
واعلم أنه كانت تحدث قبل تحريم الخمر أشياء يكرهها رسول الله منها قصة علي بن أبي طالب وكرم الله وجهه مع عمه حمزة على ما روي في الصحيحين أنه قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله أعطاني شارفاً من الخمس، فلما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله واعدت رجلاً صوّاغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي لأذخر، أردت أن أبيعه من الصوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي.
فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعاً من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، أقبلت فإذا أنا بشارفيّ قد جبت أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر وقلت: من فعل هذا؟
قالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في البيت في شرب مع امرأة من الأنصار غنت أغنية فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشرف النواء *** وهن معقلات بالفناء ضع السكين في اللبات منها *** فضرجهن حمزة بالدماء وأطعم من شرائحها كباباً *** ملهوجة على وهج الصلاء فأنت أبا عمارة المرجى *** لكشف الضر عنا والبلاء فوثب الى السيف أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما.
قال علي : فانطلقت حتى دخلت على النبي وعنده زيد بن حارثة فعرف رسول الله الذي أتيت له فقال: ما لك؟
فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم!
عدا حمزة على ناقتي فاجتب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هوذا في بيت معه شرب.
قال: فدعا رسول الله بردائه ثم انطلق يمشي واتبعت أثره، - أنا وزيد بن حارثة - حتى جاء البيت الذي فيه.
فاستأذن فأذن له فإذا هم شرب، فطفق رسول الله يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه، فنظر إلى رسول الله ثم صعد النظر فنظر إلى وجهه ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد أبي؟
فعرف رسول الله أنه ثمل فنكص على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا فكانت هذه القصة من الأسباب الموجبة لنزول تحريم الخمر.
قالت العلماء: هذه الآية تدل على تحريمها من وجوه منها: تصدير الجملة بـ"إنما" الدالة على الحصر معناه ليست الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان.
ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم "شارب الخمر كعابد الوثن" ومنها أنه جعلها رجساً كما قال في موضع آخر ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان ﴾ وأصل الرجس العمل القبيح القذر.
قال الفراء: ﴿ ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ﴾ أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجساً.
ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت.
ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الامر للوجوب.
ومنها انه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منه خيبة.
والضمير في ﴿ فاجتنبوه ﴾ عائد الى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك.
ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر الله وعن الصلاة خصوصاً وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة.
ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي الى التنازع واللجاج، وكذا القمار يفضي الى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان.
وأيضاً الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود.
وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانياً لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولاً بذكر الأنصاب والأزلام تنبيهاً على أنها جميعاً من أعمال الجاهلية وأهل الشرك، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين.
ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا؟
ولهذا قالوا: قد انتهينا يا رب.
إذ فهموا التحريم المؤكد.
ومنها إنه قال عقيب ذلك ﴿ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ﴾ والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب.
ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف الى الله المقتدر.
عن أنس قال: كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت.
قال: فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة: اخرج فأرقها.
فقالوا: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل الله ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ الطعم خلاف الشرب في الأغلب وقد يقع على المشروب كقوله ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ فيجوز أن يكون المراد فيما شربوا من الخمر، ويحتمل أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب جميعاً، فقد تقول العرب: أطعم أي ذق.
ونظير هذه الآية قوله في نسخ القبلة ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ والعامل في ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ معنى الكلام المتقدم أي لا يأثمون في ذلك إذا اتقوا المحرمّات لأنهم شربوها حين كانت محللة.
والمراد أن أولئك كانوا على هذه الصفة وهو ثناء عليهم وحمد لأحوالهم في الإيمان والتقوى والإحسان.
وزعم بعض الجهلة أن هذا الحكم متعلق بالمستقبل وإلا قيل: لم يكن أو ما كان جناح مثل ﴿ وما كان الله ليضيع ﴾ والمعنى لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه العداوة والبغضاء وسائر المفاسد المذكورة بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى والإحسان إلى الخلق.
والجواب أن صيغة طعموا وهي المضي تأباه، وأيضاً إن سبب نزول الآية يكذبه.
روى أبو بكر الأصم أنه لما نزل تحريم الخمر قال أبو بكر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وقد شربوا الخمر وأكلوا القمار، وكيف بالغائبين عنا في البلاد لا يشعرون بتحريم الخمر وهم يطعمونها؟
فنزلت.
وعلى هذا فالحل قد ثبت فيما يستقبل لكن في حق الغائبين الذين لم يبلغهم هذا النص.
ثم أنه شرط في نفي الجناح حصول التقوى والإيمان مرتين، وفي الثالثة التقوى والإحسان.
فقال الأكثرون: الأول فعل الاتقاء، والثاني دوامه والثبات عليه، والثالث اتقاء ظلم العباد مع الإحسان إليهم.
وقيل الأول اتقاء جميع المعاصي قبل نزول الآية، والثاني اتقاء الخمر والميسر وما في هذه الآية، والثالث اتقاء ما يحدث تحريمه بعد هذه الآية وهذا قول الأصم.
وقيل: اتقوا الكفر ثم الكبائر ثم الصغائر.
وقال القفال: الأول الاتقاء من القدح في صحة النسخ ليثبت تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة، والثاني الإتيان بالعمل المطابق للآية، والثالث المداومة على التقوى مع الإحسان إلى الخلق.
ثم إنه استثنى بعض الصيد من المحللات فقال على سبيل التوكيد القسمي ﴿ ليبلونكم الله ﴾ أي ليعاملنكم معاملة المختبر ﴿ بشيءٍ ﴾ التنوين للتحقير وفيه أنه ليس من الفتن العظام التي تدحض عندها الأقدام كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال، فامتحن الله أمة محمد بصيد البر كما امتحن أصحاب أيلة بصيد البحر.
قال مقاتل بن حيان: ابتلاهم بالصيد وهم محرمون عام الحديبية حتى إن الوحش والطير يغشاهم في رحالهم فيقدرون على أخذها بالأيدي وصيدها بالرماح وما رأوا مثل ذلك قط، فنهاهم الله عن ذلك ابتلاء.
قال الواحدي: الذي تناله أيديهم من الصيد الفراخ والبيض وصغار الوحش، والذي تناله الرماح الكبار.
و"من" في ﴿ من الصيد ﴾ للبيان أو للتبعيض وهو صيد البر أو صيد الإحرام والمراد به العين لا الحدث بدليل عود الضمير في ﴿ تناله ﴾ إليه ﴿ ليعلم الله ﴾ ليظهر معلومه وهو خوف الخائف أو ليعاملكم معاملة من يطلب أن يعلم أو ليعلم أولياء الله ومحل ﴿ بالغيب ﴾ النصب على الحال أي يخافه حال كونه غائباً عن رؤيته أو عن حضور الناس ﴿ فمن اعتدى ﴾ فصاد ﴿ بعد ذلك ﴾ الابتلاء ﴿ فله عذاب أليم ﴾ في الآخرة وقيل في الدنيا.
عن ابن عباس: هو أن يضرب بطنه وظهره ضرباً وجيعاً وينزع ثيابه.
﴿ لا تقتلوا الصيد ﴾ قال الشافعي: إنه البري المتوحش المأكول اللحم.
أما الأول فلقوله بعد ذلك ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ وأما المتوحش فيدخل فيه نحو الظبي وإن صار مستأنساً ويخرج الإنسي وإن صار متوحشاً إبقاء لحكم الأصل، وأما كونه مأكولاً فلقوله ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ فيعلم منه أنه مما يحل أكله في غير الإحرام.
وقال أبو حنيفة: المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن.
وسلم أنه لا يجب الضمان في قتل الذئب وفي قتل الفواسق الخمس فقال الشافعي: لا معنى في قتلها إلا الإيذاء فيلزم جواز قتل جميع المؤذيات لا سيما وقد جاء "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب والعقور" وفي رواية بزيادة السبع العادي واحتج لأبي حنيفة بقول علي : صيد الملوك أرانب وثعالب *** فإذا ركبت فصيدي الأبطال.
وزيف بأن الثعلب عندنا حلال.
﴿ وأنتم حرم ﴾ أي محرمون بالحج والعمرة أيضاً على الأصح.
وقيل: وقد دخلتم الحرم.
وقيل: هما مرادان بالآية وهو قول الشافعي.
وقوله ﴿ لا تقتلوا ﴾ يفيد المنع ابتداء والمنع تسبباً فليس له أن يتعرض للصيد ما دام محرماً أو في الحرم بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيد الحل أو صيد الحرم ﴿ ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل ﴾ من قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالتنوين ﴿ ومثل ﴾ بالرفع فالمعنى: فعليه جزاء صفته كذا.
ومن قرأ بالإضافة فمن باب إضافة المصدر إلى المفعول أي فعلية أن يجزىء مثل ما قتل.
قال بعض العلماء: المثل مقحم للتأكيد إذ الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فهو قولهم: أنا أحب مثلك أي أحبك.
وقيل: الإضافة بمعنى "من" أي جزاء من مثل ما قتل.
قال سعيد بن جبير: المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء.
وهو قول داود لأن النهي ورد عن التعمد وهو أن يقتله ذاكراً لإحرامه أو عالماً أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، فإن قتله وهو ناسٍ لإحرامه أو رمى صيداً وهو يظن أنه ليس بصيد، أو رمى غير الصيد فعدل السهم فأصاب صيداً فهو مخطىء لا شيء عليه لفقدان القيد المذكور.
ويتأكد هذا الرأي بقوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ وبقوله ﴿ ومن عاد ﴾ أي الى ما تقدم ذكره وهو القتل العمد، والانتقام أيضاً يناسب العمد لا الخطأ قال جمهور الفقهاء: يلزمه الضمان سواء قتل عمداً أو خطأ قياساً على سائر محظورات الإحرام كحلق الرأس وغيره وكما في ضمان مال المسلم، فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يختلف ذلك بكونه عمداً أو لا.
وإنما وردت الآية بالتعمد لأن العمد أصل والخطأ ملحق به للتغليظ، ولما روي أنه عنّ لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت الآية على وفق القصة.
وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ.
قال "في الضبع كبش إذا قتله المحرم" وقالت الصحابة: في الظبي شاة.
أطلقوا الضمان من غير فرق بين العمد والخطأ.
ثم العلماء اختلفوا في المثل فقال الشافعي ومحمد بن الحسن: الصيد ضربان: منه ما له مثل ومنه ما لا مثل له فيضمن بالقيمة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: المثل الواجب هو القيمة قياساً على ما لا مثل له.
حجة الشافعي قوله ﴿ من النعم ﴾ فإنه بيان للمثل وكذا قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ وعن النبي أنه حكم في الضبع بكبش.
وعن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر أنهم حكموا في أمكنة مختلفة وأزمان متعدّدة في جزاء الصيد بالمثل من النعم.
فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بحمل - وفي رواية بعناق - وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة، وفي الحمام بشاة، ويعني به كل ما عب وهدر كالقمري والدبسي الفاختة.
والعب شرب الماء مرة، والهدير ترجيعه صوته وتغريده.
وفيه دليل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبهاً بالصيد من النعم، ولو نظروا إلى القيمة لاختلف باختلاف الأسعار.
والظبي الذكر من هذا الجنس والغزال أنثاه، والجفرة من أولاد المعز إذا انفصلت من أمها، والعناق الأنثى من أولاد المعز.
وأيضاً المقصود من الضمان جبر الهلاك فكلما كانت المماثلة أتم كان الجبر أكمل.
(وههنا مسائل) الأولى: جماعة محرومون قتلوا صيداً.
فالشافعي وأحمد وإسحق: لا يجب عليهم إلا جزاء واحد لأن مثل الواحد واحد.
وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: على كل منهم جزاء واحد كما لو قتل جماعة واحداً يقتص منهم جميعاً، وكذا لو حلف كل منهم أن لا يقتل صيداً فقتلوا صيداً واحداً لزم كلاً منهم كفارة.
وأجيب بأن قتل الجماعة بالواحد تعبدي وتعدد الكفارة لتعدد الإيمان.
الثانية: قال الشافعي: المحرم إذا دل غيره على صيد فقتله لم يضمن كما لا يجب بالدلالة كفارة القتل ولا الدية، وكما لو دل على مال المسلم وذلك لأن الدلالة ليست بقتل ولا إتلاف.
وقال أبو حنيفة: يضمن لما روي أن عمر عبد الرحمن بن عوف وابن عباس أوجبوا الجزاء على الدال.
الثالثة: قال الشافعي: إذا جرح ظبياً فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة إرشاداً إلى ما هو الأسهل لأنه قد لا يجد شريكاً في ذبح شاة ويتعذر عليه إخراج قسط من الحيوان.
وقال المزني: عليه شاة.
وقال داود: لا ضمان إلا بالقتل لظاهر الآية حيث نيط الجزاء بالقتل فقط.
الرابعة: إذا قتل المحرم صيداً وأدى جزاءه ثم قتل صيداً آخر لزمه جزاء آخر خلافاً لداود، وينقل عن ابن عباس وشريح.
حجة الجمهور أن الحكم يتكرر بتكرر العلة بخلاف ما لو قال لنسائه: من دخل منكن الدار فهي طالق فدخلت واحدة مرتين، فإنه لا يقع إلا طلاق واحد لأن تكرر الحكم بتكرر الشرط غير لازم.
حجة داود ﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ﴾ فإنه جعل جزاء العائد الانتقام لا الكفارة.
الخامسة: قال الشافعي: إذا أصاب صيداً أعور أو مكسور اليد أو الرجل فداه بمثله والصحيح أحب، وكذا الكبير لأجل الصغير.
والذكر يفدى بالذكر والأنثى بالذكر والأنثى والأولى أن لا يغير تحقيقاً للمثلية.
فالأنثى أفضل لأنها تلد، والذكر أفضل من حيث إن لحمه أطيب وصورته أحسن.
قوله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ قال ابن عباس: أي رجلان صالحان فقيهان من أهل دينكم ينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.
وبهذا احتج من نصر قول أبي حنيفة فقال: التقويم هو المحتاج إلى النظر والاجتهاد، وأما الخلقة والصورة فمشاهد لا يفتقر إلى الاجتهاد.
ورد بأن وجه المشابهة بين النعم والصيد أيضاً يتوقف على الاجتهاد.
عن قبيصة بن جابر أنه ضرب ظبياً في الإحرام فمات فسأل عمر - وكان الى جانبه عبد الرحمن ابن عوف - فقال له: ما ترى؟
قال: عليه شاة.
قال: وأنا أرى ذلك، فاذهب فأهد شاة.
قال قبيصة: فخرجت إلى صاحبي وقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره.
قال: ففاجأني عمر وعلاني بالدرّة وقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم؟
قال الله ﴿ يحكم به ذوا عدل منكم ﴾ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن.
قال الشافعي: ما ورد فيه نص فهو متبع كما روي أنه قضى في الضبع بكبش.
وكل ما حكم به عدلان من الصحابة أو التابعين أو من أهل عصر آخر من النعم أنه مثل الصيد المقتول يتبع حكمهم ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم لأن بحثهم أوفى ونظرهم أعلى.
وقال مالك: يجب التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم.
وهل يجوز أن يكون قاتل الصيد حكماً؟
إن كان القتل عمداً عدواناً فلا لأنه يورث الفسق والحكم موصوف بالعدالة، وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فكذلك عند مالك كما في تقويم المتلفات.
وجوّزه الشافعي لما روي أن بعض الصحابة أوطأ فرسه ظبياً فسأل عمر فقال: احكم فيه.
فقال: أنت خير مني وأعلم يا أمير المؤمنين.
فقال: إنما أمرتك أن تحكم فيه ولم آمرك أن تزكيني.
فقال الرجل: أرى فيه جدياً فقال عمر: فذلك فيه.
وأيضاً فإنه حق الله فيجوز أن يكون من عليه أميناً فيه كما أن رب المال أمين في الزكاة.
ولو حكم عدلان بـأن الله له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له فالأخذ بقول الأولين.
ولو حكم عدلان بمثل وآخران بمثل آخر فأصح الوجهين أنه يتخير والآخر أنه يأخذ بالأغلظ.
قيل: في الآية دلالة على أن العمل بالاجتهاد والقياس جائز.
وأجيب بأنه لا نزاع في الصور الجزئية كالاجتهاد في القبلة وكالعمل بشهادة الشاهدين وبتقويم المقوّمين في قيم المتلفات وأروش الجنايات، وكعمل العامي بالفتوى، وكالعمل بالظن في مصالح الدنيا، إنما النزاع في إثبات شرع عام في حق جميع المكلفين باق على وجه الدهر والإنصاف أن تجويز الاجتهاد في القبلة وفي تعيين مثل الصيد المقتول أمر كلي أيضاً.
وانتصب ﴿ هدياً ﴾ على أنه حال من ﴿ جزاء ﴾ عند من وصفه بمثل لأنه حينئذ قريب من المعرفة أو بدل من محل ﴿ مثل ﴾ عند من أضاف، أو حال من الضمير في ﴿ به ﴾ ووصف هدياً ببالغ الكعبة لأن إضافته غير حقيقية تقديره بالغاً الكعبة.
والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة ولا سيما إذا كان مرتفعاً.
ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح في الحرم لأن الذبح والنحر لا يقعان في نفس الكعبة ولا في غاية القرب والتلاصق منها فإن دفع مثل الصيد المقتول إلى الفقراء حياً لم يجز.
قال الشافعي: يجب عليه أن يتصدق به في الحرم أيضاً لأن نفس الذبح إيلام ولا قربة فيه وإنما القربة في التصدّق على فقراء الحرم.
وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء لأنها لما وصلت إلى الكعبة فقد خرج عن العهدة.
قوله ﴿ أو كفارة ﴾ عطف على قوله ﴿ فجزاء ﴾ و ﴿ طعام مساكين ﴾ بيان له.
ومن أضاف فللبيان أيضاً أي كفارة من طعام مساكين مثل: خاتم فضة ﴿ أو عدل ذلك ﴾ الطعام ﴿ صياماً ﴾ نصب على التمييز كقولك: لي مثله رجلاً.
وعدل الشيء ما عادله من غير جنسه، والعدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل غلامك إذا كان غلاماً يعدل غلاماً، فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت العين.
ثم مذهب الشافعي أنه يصوم لكل مد يوماً.
ومذهب أبي حنيفة أنه يصوم لكل نصف صاع يوماً وذلك بحسب الاختلاف في طعام مسكين واحد كما مر في كفارة اليمين.
وبالجملة فحاصل مذهب أبي حنيفة أنه يوجب قيمة الصيد يقوّم حيث صيد، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد وبين أن يشتري بقيمته طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوماً.
وحاصل مذهب الشافعي أن الصيد قسمان: ما له مثل من النعم وما ليس كذلك.
فالأوّل جزاؤه على التخيير والتعديل فيتخير بين أن يذبح مثله فيتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق اللحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، وبين أن يقوّم المثل بدراهم ولا يجوز أن يتصدق بالدراهم ولكن إن شاء اشترى بها طعاماً وتصدق به على مساكين الحرم وإن شاء صام عن كل مد من الطعام يوماً حيث كان.
والثاني وهو ما ليس بمثلي كالعصافير وغيرها.
وبالجملة كل ما دون الحمام أو فوقه فيه قيمته ولا يتصدق بها بل يجعلها طعاماً، ثم إن شاء تصدق بها وإن شاء صام عن كل مد يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صام يوماً لأن الصوم لا يتبعض.
فللجزاء في القسم الأوّل ثلاثة أركان: الحيوان والطعام والصيام.
وفي القسم الثاني ركنان: الطعام والصيام و ﴿ أو ﴾ هنا على التخيير في ظاهر المذهب لا على الترتيب.
ووافق مالك وأبو حنيفة لأن "أو" للتخيير غالباً، وخالف أحمد وزفر فقالا إنها في الآية للترتيب لأن الواجب هنا شرع على سبيل التغليظ بدليل قوله ﴿ ليذوق وبال أمره ﴾ والتخيير ينافي التغليظ.
ثم القائلون بالتخيير اتفقوا على أن الخيار في تعيين هذه الثلاثة إلى قاتل الصيد كما هو ظاهر الآية إلا محمد بن الحسن فإنه قال: الخيار إلى الحكمين قياساً على تعيين المثل.
ثم إن يكن الصيد مثلياً فالعبرة في القيمة بمحل الإتلاف قياساً على كل متلف متقوّم، والمعتبر في الصرف إلى الطعام سعر الطعام بمكة.
وإن كان مثلياً وأراد تقويم مثله من النعم ليرجع إلى الإطعام أو الصيام فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ أنها محل الذبح لو كان يذبح.
ولا جزاء عل المحرم بأكل الصيد سواء ذبحه بنفسه أو اصطيد له أو بدلالته لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يؤل إلى النماء فلا يتعلق بإتلافه الجزاء، كما لو أتلف بيضة مذرة هذا في الجديد من قولي الشافعي وفي قوله القديم - وبه قال مالك وأحمد - يلزمه القيمة بعدما أكل.
وإذا ذبح المحرم صيداً لم يحل له الأكل منه ولا لغيره في الجديد - وبه قال مالك وأحمد وأبو حنيفة - لأنه يكون ميتة كذبيحة المجوسي حتى لو كان مملوكاً وجب مع الجزاء القيمة للمالك.
وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟
أظهر الوجهين لا، وكذا الكلام في الصيد الحرم إذا ذبح.
أما قوله ﴿ ليذوق ﴾ فإنه متعلق بقوله ﴿ فجزاء ﴾ أي فعليه أن يجازي أو يكفر ليذوق، ويحتمل أن يقال: يتعلق بمحذوف أي شرعنا ما شرعنا ليذوق سوء عاقبة فعله وهو هتك حرمة الحرم والإحرام.
والتركيب يدور على الثقل يقال: مرعى وبيل إذا كان فيه وخامة، وطعام وبيل تقيل على الطبع والمعدة.
والأمور الثلاثة اثنان منها نقص في المال فيثقل على الطبع، والثالث وهو الصوم ثقيل على البدن أيضاً، وكل منها نوع عقوبة ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في الجاهلية لأنهم متعبدون بشرع من قبلهم، أو عما سلف قبل التحريم في الإسلام.
وعلى مذهب داود ﴿ عفا الله عما سلف ﴾ في المرة الأولى بسبب أداء الجزاء ﴿ ومن عاد ﴾ فإنه أعظم من أن يعفى بالجزاء ﴿ فينتقم الله منه ﴾ أي فهو ينتقم الله منه وإلا لم يحتج إلى إدخال فاء الجزاء لارتباطه بنفسه.
﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ أي مصيداته.
ويعني بالبحر جميع هذه المياه والأنهار، وجملة ما يصاد منه ثلاث أجناس: الحيتان وجميع أنواعها حلال، والضفادع وجميع أنواعها حرام، وفيما سوى هذين خلاف.
فقال أبو حنيفة: حرام.
وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال.
قوله ﴿ وطعامه ﴾ العطف يقتضي المغايرة وفيه وجوه: يروى عن أبي بكر الصديق أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر أو نضب عنه الماء من غير معالجة في أخذه.
وقال جمع من العلماء: الاصطياد قد يكون للأكل وقد يكون لغيره كاصطياد الصدف لأجل اللؤلؤ واصطياد بعض الحيوانات البحرية لأجل عظامها وأسنانها.
فالمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصطاد في البحر، وأحل لكم أكل المأكول منه.
وعن سعيد بن جبير أن الصيد هو الطري، والطعام هو القديد منه وفي الفرق ضعف.
قال الشافعي: السمكة الطافية في البحر محللة لأنه طعام البحر وقد قال ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ وقال رسول الله في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" ﴿ متاعاً لكم ﴾ في الحضر طرياً و ﴿ للسيارة ﴾ في السفر مالحاً.
وانتصب ﴿ متاعاً ﴾ على أنه مفعول له ولكنه مختص بالطعام.
وقال الزجاج: انه مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ أحل لكم ﴾ في معنى التمتيع ﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ﴾ قال العلماء: صيد البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، أما الذي لا يعيش إلا في البر والذي يمكنه أن يعيش في البر تارة وفي البحر أخرى فذاك كله صيد البر، والسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء كل ذلك من صيد البر،ويجب على قاتله الجزاء.
واتفق المسلمون على أن المحرم يحرم عليه الصيد الذي صاده أما الذي صاده الحلال فعن علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاوس والثوري واسحق أن الحكم كذلك لإطلاق الآية، ولما روي عن علي أن النبي أهدي إليه حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله.
وقال مالك والشافعي وأحمد: إن لحم الصيد مباح للمحرم بشرط أن لا يصطاده المحرم ولا يصطاد له لما روى أبو داود في سننه عن جابر أن رسول الله قال: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" وعن أبي هريرة وعطاء ومجاهد أنهم أجازوا للمحرم ما صاده الحلال وإن صاده لأجله إذا لم يدل ولم يشر، وكذلك ما ذبحه قبل إحرامه وهو مذهب أبي حنيفه وأصحابه لما روي عن أبي قتادة أنه اصطاد حمار وحش وهو حلال في أصحاب محرمين له فقال رسول الله : هل أشرتم؟
هل أعنتم؟
فقالوا: هل بقي من لحمه شيء؟
قالوا معنا رجله.
فأخذها النبي فأكلها.
هذان قولان مفرعان على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
وقال في الكشاف.
أخذ أبو حنيفة بالمفهوم فكأنه قيل: وحرم عليكم أيها المحرمون ما صدتم في البر، فيخرج عنه مصيد غيرهم.
ويرد عليه أن المفهوم ليس بحجة.
ثم حث على الطاعة والاجتناب عن المعاصي بقوله ﴿ واتقوا الله الذي إليه تحشرون ﴾ وهو كلام جامع للوعد والوعيد.
ثم ذكر سبب حرمة الصيد في الحرم وفي الإحرام فقال ﴿ جعل الله ﴾ أي حكم وبين بالخطاب والتعريف، أو صير بخلق دواعي التعظيم في القلوب ﴿ قياماً للناس ﴾ وهم العرب ووجه المجاز أن أهل بلدة إذا قالوا "الناس فعلوا كذا" أرادوا أهل بلدتهم فنطق القرآن على مجرى عادتهم.
وبيان القيام أن قوام المعيشه إما بكثرة المنافع وقد جعله بحيث يجبي إليه ثمرات كل شيء، وإما بدفع المضار وقد صيره حرماً آمناً، وإما بحصول الجاه والرياسة وتوفر الدواعي والرغبات وذلك بدعاء إبراهيم .
﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ ثم المنافع الدينية الحاصلة من مناسكها وشعائرها أكثر من أن تحصى وأظهر من أن تخفى.
وانتصب ﴿ البيت الحرام ﴾ على أنه عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح إذ الكعبة أوضح من أن توضح، ويحتمل أن يراد بالناس عامة الناس لما يتم لهم من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم الدينية والدنيوية.
وعن عطاء بن أبي رباح: لو تركوه عاماً واحداً لم ينظروا ولم يؤخروا.
وتفسير الشهر الحرام والهدي والقلائد تقدم في أوّل السورة.
وإنما كان الشهر الحرام سبباً لقيام الناس وقوامهم لأنه إذا دخل الشهر الحرام كان يزول خوفهم ويقدرون على الأسفار وتحصيل الأقوات قدر ما يكفيهم طول السنة، فلولا حرمة ذلك لهلكوا من الجوع.
وأيضاً هو سبب لاكتساب الثواب من قبل مناسك الحج وإقامتها.
وأما الهدي فأنه نسك للمهدي وقوام لمعايش الفقراء، وكذا القلائد فكان من قلد الهدي أو قلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يتعرض له أحد، وكل ذلك لأن الله أوقع في قلوبهم تعظيم الكعبة وما يتعلق بها ذلك الذي ذكر من جعل الكعبة قياماً للناس أو من حفظ حرمة الإحرام والحرم مشروع ﴿ لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ﴾ وذلك أنه علم في الأزل أن مقتضى طباع العرب الحرص على القتل والغارة وكان ذلك مما يفضي إلى الفناء وانقطاع النسل، فدبر هذا التدبير المحكم والفعل المتقن كي يصير سبباً للأمان في بعض الأمكنة وفي بعض الأزمان فتستقيم مصالح الإنسان.
ولا ريب أن مثل هذا التقدير والتدبير لا يصح إلا ممن يعلم الكائنات وأسبابها وغاياتها بل يعلم المعلومات بأسرها كلياتها وجزئياتها قديمها وحديثها، عللها ومعلولها، موجودها ومعدومها، وذلك قوله ﴿ وأن الله بكل شيء عليم ﴾ فما أحسن هذا الترتيب!
ثم خوّفهم وأطمعهم بقوله ﴿ اعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ لمن انتهك محارمه ﴿ وأن الله غفور رحيم ﴾ لمن حافظ عليها.
وذكر الوصفين في جانب الرحمة دليل على أن جانب الرحمة أغلب كما قال "سبقت رحمتي غضبي" .
ثم قرر أن الرسول الله ما كان مكلفاً إلا بالتبليغ فإذا بلغ خرج من العهدة وبقي الأمر من جانبكم وأنه يعلم جهركم وسركم، وفيه من الوعيد ما فيه، عن جابر أن النبي قال "إن الله عز وجل حرم عليكم عبادة الأوثان وشرب الخمر والطعن في الأنساب ألا وإن الخمر لعن الله شاربها وعاصرها وساقيها وبائعها وآكل ثمنها.
فقام إليه أعرابي فقال: يا رسول الله إني كنت رجلاً كانت هذه تجارتي واستفدت من بيع الخمر مالاً فهل ينفعني ذلك المال إن عملت فيه بطاعة الله؟
فقال له النبي : إن أنفقته في الحج أو جهاد أو صدقة لم يعدل عند الله جناح بعوضة، إن الله لا يقبل إلا الطيب" ، وأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول رسوله ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ﴾ وهو عام في حرام الأموال وحلالها وفاسد الأعمال وصالحها وسقيم المذاهب وصحيحها ورديء النفوس وجيدها، وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية، وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله وطاعته، والبون بين الصنفين في العالم الروحاني أبعد منه في العالم الجسماني، لأن أثرهما في عالم الأرواح أبقى وأدوم وأجل وأعظم، فلا تستبدل الخيبث يا إنسان بالطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث، لأن كثرته في تحقيق قلة، ولذته في نفس الأمر ذلة، ونقده زيف وصرف العمر في طلبه حيف.
التأويل: ﴿ لا تحرموا ﴾ على أنفسكم بالاستمتاعات النفسانية ﴿ طيبات ما أحل الله لكم ﴾ دون سائر المخلوقات من المواهب الربانية ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ولا تجاوزوا عن حد العبودية ﴿ وكلوا مما رزقكم الله ﴾ واجتهدوا في طلب ما خصكم به الله من تجلى جماله وجلاله ﴿ حلالاً طيباً ﴾ يحل فيكم بريئاً من سمات النقائص.
﴿ باللغو في أيمانكم ﴾ أن تحلفوا بآلائه عن التبرم من ولائه لملالة النفوس وكلالة القوي واستيلاء النفس وغلبة سلطان الهوى في أثناء المجاهدات وإعواز المشاهدات ﴿ ولكن يؤاخذكم ﴾ إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان ﴿ فكفارته ﴾ حينئذ ﴿ إطعام عشرة مساكين ﴾ الحواس الظاهرة والباطنة.
﴿ من أوسط ما تطعمون أهليكم ﴾ وهم القلب والسر والروح والخفاء، طعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف، وأوسطه الذكر والتذكر والفكر والتفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء يشغل الحواس العشرة بهذه الأمور، أو يكسوهم لباس التقوى، أو يحرر رقبة النفس من عبودية الحرص والهوى ﴿ فمن لم يجد ﴾ أمسك في اليوم الماضي عما عزم عليه وفي اليوم الحاضر عما لا يعنيه وفي اليوم المستقبل عن العود إليه.
ومن لغو اليمين عند أرباب اليقين أن الطالب الصادق عند غلبات الشوق ووجدان الذوق يقسم عليه بجماله وحلاله أن يرزقه شيئاً من إقباله ووصاله وذلك في شريعة الرضا لغو، وفي مذهب التسليم سهو ولكن يرجى له عفو فلا يؤاخذه بمقاله لعلمه بضعف حاله والكمال في الثبات والاستقامة.
أريـد وصـالـه ويـريـد هجـري *** فـأتـرك مـا أريـد لمـا يـريـد ومن اللغو في اليمين عندهم ما يجري على لسانهم في حال غلبات الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم: وحقـك مـا نظــرت إلـى سـواكـا *** بعـين مــودّة حتــى أراكــا فإن هذا ينافي التوحيد وأين في دار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار ﴿ ليس على الذين آمنوا ﴾ بالتقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال البدنية الشرعية ﴿ جناح فيما طعموا ﴾ من المباحات ﴿ إذا ما اتقوا ﴾ الشبهة والإسراف ﴿ وآمنوا ﴾ بالتحقيق بعد التقليد ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ الأعمال القلبية الحقيقية من تخلية القلب عما سواه ومن تحليته بالأخلاق المضادة لهواه كالصدق والإخلاص والتوكل والتسليم وما عداه ﴿ ثم اتقوا ﴾ شرك الأنانية ﴿ وآمنوا ﴾ بهويته ﴿ ثم اتقوا ﴾ هذا الشرك وهو الفناء في الفناء ﴿ وأحسنوا ﴾ وهو البقاء به فافهم جعل الله البلاء لأهل الولاء كاللهب للذهب فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ إيمان المحسنين الذين تجردوا عن ملاذ وشهواتها الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال ﴿ ليبلونكم الله ﴾ في أثناء السلوك بشيء من الصيد وهو المطالب النفسانية والمقاصد الدنيوية الدنية.
﴿ تناله أيديكم ﴾ يعني اللذات البدنية ورماحكم يعني اللذات الخيالية ﴿ فله عذاب ﴾ الردّ والصد ﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ﴾ يعني من أحرم لزيارة كعبة الوصال فعليه حسم الأطماع من الحرام والحلال ﴿ متعمداً ﴾ أي عالماً بما في الالتفات إلى غيره من المضار ﴿ مثل ما قتل من النعم ﴾ يجازي نفسه برياضة ومجاهدة يماثل ألمها تلك اللذة ﴿ ذوا عدل ﴾ هما القلب والروح يحكمان على مقدار الإسلام وعلى حسب قوّة السالك بتقليل الطعام والشراب، أو ببذل المال أو بترك الجاه أو بالعزلة وضبط الحواس ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ خالصاً عن الخلق لأجل الحق ﴿ طعام مساكين ﴾ هم العقل والقلب والسر والروح والخفاء كانوا محرومين عن أغذيتهم الروحانية فيطعمهم المعاملات الروحانية من صدق التوجه والصبر على المكاره والفطام عن المألوفات ومن الشكر والرضا وغير ذلك.
﴿ أو عدل ذلك صياماً ﴾ هو الإمساك عن الأغيار والركون إلى الواحد القهار لتذوق النفس الأمارة وبال أمرها، فإن كل هذه الأمور على خلاف طبعها ﴿ ذو انتقام ﴾ ينتقم من أحبائه بنقاب الدلال، ومن أعدائه بحجاب الملام والملال.
﴿ أحل لكم صيد ﴾ بحر المعارف والكشوف تنتفعون بالواردات وتطعمون منها السائرين إلى الله من أهل الإرادات ﴿ صيد البر ﴾ ما سنح للسائرين من مطالب الدنيا ﴿ ما دمتم حرماً ﴾ أي في حال المحو لا في حال الصحو.
﴿ جعل الله الكعبة ﴾ كعبة الظاهر ﴿ قياماً ﴾ للعوام والخواص يستنجحون بها حاجاتهم الدنيوية والأخروية، وكعبة القلب قواماً للخواص ولخواص الخواص يلوذون بها بدوام الذكر ونفي الخواطر حتى يعلموا أن لا موجود إلا هو، ولا وجود إلا له ﴿ البيت الحرام ﴾ حرام أن يسكن في كعبة القلب غيره والشهر الحرام هو أيام الطلب حرام على الطالب فيها مخالطة الخلق وملاحظة ما سوى الحق.
والهدي هو النفس البهيمية تساق إلى كعبة القلب مع قلائد أركان الشريعة فتذبح على عتبة القلب بسكين آداب الطريقة عن شهواتها، فإذا وصل العبد إلى كعبة القلب شاهد بأنواره أن لله ما في السموات وما في الأرض.
﴿ شديد العقاب ﴾ يسدل الحجاب لغير الأحباء غفور رحيم للصادقين في الطلب بفتح الأبواب ﴿ إلا البلاغ ﴾ بالقال يتلو عليهم آياته وبالحال ويزكيهم ﴿ ما تبدون ﴾ بإقرار اللسان ﴿ وما تكتمون ﴾ من تصديق الجنان الخبيث ما يشغلك عن الله والطيب ما يوصلك إلى الله بل الطيب هو الله والخبيث ما سوى الله وفي ذلك كثرة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ...
﴾ الآية.
عن ابن عباس - - قال: ﴿ وَٱلْمَيْسِرُ ﴾ : القمار.
وعن النبي قال: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعَابَ المَوْسُومَةَ الَّتي تُزْجَرُ زَجْراً؛ فَإِنَّهَا مِنَ المَيْسِرِ" وعن ابن مسعود - - مثله.
وعن أبي موسى [الأشعري عن النبي ]: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" وعن ابن عمر - - قال: "الميسر قمار".
وعن علي - - قال: "لأن آخذ جمرتين من نار فأقلبهما في يدي أحبّ إليَّ من أن أقلب كعبتي نرد".
وعن علي - - أيضاً قال: "الشطرنج هو ميسر الأعاجم".
وعن مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وهؤلاء السلف قالوا: الميسر: القمار كله، حتى الجوز الذي يلعب به الصبيان.
عن النبي قال: "لاَ جَلَبَ، وَلاَ جَنَبَ، وَلاَ شِغَارَ، وَلاَ وِرَاطَ فِي الإسْلاَمِ" وقيل: الوراط: القمار.
وقيل: الجلب: هو أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو أو يحرك وراءه الشيء يستحث به السبق.
والجنب: هو الذي يجنب مع الفرس الذي به يُسَابَقُ فرسٌ آخر حتى إذا داناه تحول راكبه إلى الفرس المجنوب، فأخذ السبق.
وأجمع أهل العلم على أن القمار حرام، وأن الرهان على المخاطرة مثل القمار، وما روي عن أبي بكر - - أنه خاطر أهل مكة في غلبة الروم فارس، فقال النبي : "زِدْهُمْ فِي الخَطَرِ وَأَبْعِدْهُمْ فِي الأَجَلِ" - فكان ذلك والنبي بمكة في الوقت الذي لم ينفذ حكمه، فأما في دار الإسلام: فلا خلاف في أن ذلك لا يجوز، إلا ما رخص فيه من الرهان في السبق في الدواب والإبل، إذا كان الآخذ واحداً: إن سبق أخذ، وإن سُبق لم يدفع شيئاً، وكذلك إن كان السبق بين الرجلين أيهما سبق أخذ، [ودخل] بينهما فرس: إن سَبَقَ أخذ، وإن سُبِقَ يغرم صاحبه شيئاً - فهو جائز، ويسمى الداخل بينهما: المحلل.
فأما الرخصة فيه فما روي عن أبي هريرة - - أن النبي قال: "لاَ سَبْقَ إِلاَّ فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نِصَالٍ" هذا الذي وصفنا كله من الميسر.
والأنصاب: هي الأحجار والأوثان التي كانوا ينصبونها، ويعبدونها، ويذبحون لها.
وأما الأزلام: فالقداح التي كانوا يستقسمون بها في أمورهم، ويستعملونها، ففيه دليل بطلان الحكم بالقرعة؛ لأن الاستقسام بالقداح هو أن كانوا يجعلون الثمن على الذي خرج سهمه أخيراً، ويتصدقون بما اشتروا على الفقراء، ففيه إيجاب الثمن على الغير، فيجعلون الأمر إلى من ليس له تمييز، فعوتبوا على ذلك، فعلى ذلك الحكم بالقرعة تسليم إلى من ليس له تمييز بين المحق وغير المحق، فيلحق هذا ما لحق أولئك.
ثم أخبر أن ذلك كله ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ ، وليس هو في الحقيقة عمل الشيطان؛ لأن الشيطان لا يفعل هذا حقيقة، لكن نسب ذلك إليه؛ لما يدعوهم إلى ذلك، ويزين لهم، وكذلك قول موسى - -: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ إنه كذا وكذلك قوله - -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ وهو - لعنه الله - لم يتول إخراجهما، ولكن كان سبب الإخراج والإزلال، وهو الدعاء إلى ذلك، والمراءاة لهم، فنسب ذلك إليه، والله أعلم.
قوله : ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِي ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ هم في الظاهر لم يجتمعوا على العداوة والبغضاء، بل يكون اجتماعهم على الألفة والمودة، على ذلك تَجَمُّعُهُم في الابتداء، لكن لما شربوا وأخذهم الشراب وقع بينهم العداوة والبغضاء؛ فكان قصده إلى جمعهم في الابتداء على المحبة والمودة ما ظهر منه في العاقبة من إيقاع العداوة بينهم، وتفريق جمعهم، وهو كقوله - -: ﴿ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ ولو دعاهم إلى عذاب السعير لكانوا لا يجيبونه، لكن دعاهم إلى العمل الذي يوجب لهم عذاب السعير، فعلى ذلك هو يدعوهم إلى الاجتماع في الخمر والميسر إلى ما يوجب ويوقع بينهم العداوة والبغضاء، ففيه أن الأعمال ينظر فيها العواقب؛ كما روي: "الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" وفي الآية دليل تحريم الخمر؛ لأنه قال: ﴿ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ والرجس حرام؛ كقوله : ﴿ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً ﴾ وما يدعو إليه الشيطان - أيضاً - حرام، وكذلك قوله: ﴿ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾ والحلال المباح لا إثم فيه، ولا يسمَّى رجساً، وكذلك روي عن نبيِّ الله أنه قام، فخطب الناس، فقال: "يَأيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ يُعَرِّضُ عَلَى الخَمْرِ تَعْرِيضاً، لاَ أَدْرِي لَعَلَّهُ سَيُنْزِلُ فِيهَا" ثم قال: "يَا أَهْلَ المَدِينَةِ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَنْ كَتَبَ هَذِهِ الآيَةَ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلاَ يَشْرَبْهَا، وَلاَ يَبِعْهَا" قال: فسكبوها في طريق المدينة.
وعن عمر - - قال: لما نزل تحريم الخمر قال: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء"؛ فنزلت الآية التي في البقرة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ فقرئت عليه؛ فقال عمر - -: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء"؛ فنزلت الآية التي في النساء: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَى ﴾ فكان منادي رسول الله إذا قام إلى الصلاة قال: "لا يقرب الصلاة سكران" فدعي عمر - - فقرئت عليه؛ فقال: "اللهم بين لنا في الخمر بيان شفاء" فنزلت الآية التي في المائدة: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ ﴾ فدعي عمر - - فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ قال: انتهينا، انتهينا.
وعن أنس بن مالك - - قال: كنت ساقي القوم، ونبيذنا تمر وزبيب وبسر خلطناه جميعا، فبينا نحن كذلك - والقوم يشربون - إذ دخل علينا رجل من المسلمين، فقال: ما تصنعون؟
والله لقد أنزل تحريم الخمر، فأهرقنا الباطية، وكفأناها، ثم خرجنا، فوجدنا رسول الله قائماً على المنبر يقرأ هذه الآية ويكررها: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ...
﴾ إلى قوله: ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ﴾ فالخليطان حرام.
فأجمع أهل العلم على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، وأن عصير العنب إذا غلا واشتد فصار مسكراً - خمر.
واختلفوا فيما سوى ذلك من الأشربة: فكان أبو حنيفة وأبو يوسف - رحمهما الله - يقولان: ما كان من الأشربة نيئاً متخذاً من النخلة والعنب فهو حرام: كنبيذ البسر والتمر والزبيب، إذا أسكر كثيره فهو حرام عندهما؛ وعلى ذلك جاء الخبر عن رسول الله [أنه] قال: "الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: مِنَ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبِ" ومعنى التخصيص لهما: لأن شرابهم كان منهما، ولا يتخذ منهما إلا المسكر خاصة.
وأما ما اتخذ من غير النخلة والعنب فلا يحرم وإن كان نيئاً إلا السكر منه؛ لأن غيرهما من الأشربة قد يتخذ لا للسكر، وإن كان في مكان لا يتخذ إلا للسكر فهو مكروه قليله وكثيره، كالمتخذ من النخلة والعنب.
وكانا يقولان: ما كان من الأنبذة مطبوخاً فهو حلال وإن قل طبخه، إلا العصير فإنه لا يحل بالطبخ حتى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.
وكانا يفرقان بين العصير وغيره: بأن العصير ليس فيه شيء من غيره، وإن ترك بحاله غلا فأسكر، فإذا طبخ حتى يذهب ثلثه أو نصفه فهو يغلي ويسكر، فلم يخرجه الطبخ من حده الأول؛ إذ كان يسكر قبل أن يطبخ، وهو الآن يسكر بنفسه؛ إذ لم يجعل فيه شيء غيره، وسائر ما يتخذ منه الأنبذة إن بقيت لم يشتد ولم يسكر حتى يلقي عليه الماء ويخلط بها غيره، فحينئذ يسكر، فهي مثل العصير إذا ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، فإن بقي دهرا لم يسكر حتى يلقي عليه الماء فحينئذ يسكر، فإذا صار العصير في حال أن بقي مدة لم يغل بنفسه حتى يلقي عليه غيره كان بمنزلة الزبيب والتمر إذا ألقى عليهما الماء فطبخا؛ وعلى ذلك ما روي عن عمر - - في الطلاء أنه لا يحل حتى يذهب ثلثاه؛ فيذهب عنه سلطانه، يقول: إذا كان يغلي بنفسه من غير أن يصب عليه الماء ففيه سلطانه، فإذا صار لا يغلي بنفسه، وهو أن يطبخ حتى يذهب ثلثاه فقد ذهب عنه سلطانه.
وروي عن أنس بن مالك - - أن أبا عبيدة ومعاذ ابن جبل وأبا طلحة - رضوان الله عليهم - كانوا يشربون من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.وقد وصفنا فرق أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - بين المطبوخ وبين المثلث والمنصف من العصير.
فأما فرقهم بين المطبوخ ما يتخذ من النخلة والعنب والنِّيء منه فهو: أن الخمر التي لا خلاف في تحريمها في العصير التي تصير خمراً، فكل ما كان نيئاً من الشجرتين اللتين سماهما النبي فهو حرام إذا أسكر، فإذا كان مطبوخاً فقد عمل فيه ما خرج به من حد الخمر.
فإن قيل: يجب أن يقاس ذلك على النيء؛ لأنه يسكر، وفيه صفات الخمر.
قيل: الخمر حرمت لعينها لما لا تتخذ إلا للسكر، ولا يقاس عليها غيرها، وإنما يقاس على ما حرم وحل لعلة دون ما حرم بعينه، وأما غيره من الأنبذة فإنما يحرم منه السكر؛ ألا ترى أنه في الخبر: "أن النبي لما بعث أبا موسى ومعاذاً إلى اليمن قال له أبو موسى: إن شرابنا يقال له: البتع، فما نشرب منه وما ندع؟
قال: اشْرَبُوا وَلاَ تَسْكَرُوا" وعن ابن عباس - - قال: حرمت الخمر بعينها، قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب.
وعن علي - - قال: فما أسكر من النبيذ ثمان، وفي الخمر قليلها وكثيرها ثمانون.
فدل قول علي - - فيما أسكر من النبيذ ثمان، معناه: في السكر ثمانون وذلك يدل أن قول النبي : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" أن السكر منه حرام.
وعن عمر - - أنه أُتِي بسكران، قال: يا أمير المؤمنين، إنما نشرب من نبيذك الذي في الإداوة؛ فقال عمر - -: لست أضربك على النبيذ، إنما أضربك على السكر.
فهذه الأخبار التي ذكرنا دلت على [تحريم الخمر بعينها، والسكر من كل شراب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ يدل على] تحريمها؛ لأنه إذا سكر، صده عن ذكر الله وعن الصلاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ في تحريم الخمر، والميسر، والأزلام، والأنصاب، وغيرها، ﴿ وَٱحْذَرُواْ ﴾ معصيتهما وخلافهما ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ عن طاعتهما فيما حرم عليكم وحذركم عنه: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ في تحريم ذلك، والله أعلم.
﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ ﴾ أي: شربوا من الخمر قبل تحريمها ﴿ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ ﴾ شربها بعد التحريم ﴿ وَآمَنُواْ ﴾ : أي: [و]صدقوا بالتحريم، ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ ﴾ شربها، ﴿ وَآمَنُواْ ﴾ في حادث الوقت، ﴿ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ ﴾ .
وذكر في بعض القصة: أنه لما نزل تحريم الخمر، قالوا: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟.
قنزل ﴿ لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ...
﴾ الآية.
لكن هذا لا يحتمل أن يكون كما ذكر؛ لأنهم شربوا الخمر في وقت كان شربها مباحاً، ولم يشربوا بعد تحريمها، لكن هذا إن كان فإنما قالوا في أنفسهم؛ فنزل: أن ليس عليكم جناح فيما شربتم قبل تحريمها بعد أن اتقيتم شربها بعد نزول حرمتها، والله أعلم.
وقال بعض الناس: إن في الآية تكرارا في قوله - -: ﴿ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا، ليس على التكرار، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ليس على الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحة تقربًا إليه؛ إثم فيما تناولوه من الخمر قبل تحريمها، إذا اجتنبوا المحرمات، مُتَّقين سخط الله عليهم، مؤمنين به، قائمين بالأعمال الصالحة، ثم ازدادوا مراقبة لله حتى أصبحوا يعبدونه كأنهم يرونه، والله يحب الذين يعبدونه كأنهم يرونه؛ لما هم فيه من استشعار رقابة الله الدائمة، وذلك ما يقود المؤمن إلى إحسان عمله وإتقانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.m5dNw"