الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 72 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قد تقدم الكلام في أول " سورة البقرة " على ما يتعلق بالحروف ، وبسطه ، واختلاف الناس فيه .
وقال ابن جرير : حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا أبي ، عن شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس : ( المص ) أنا الله أفصل وكذا قال سعيد بن جبير .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤه المص (1) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قول الله تعالى ذكره: (المص).
فقال بعضهم: معناه: أنا الله أفضل.
* ذكر من قال ذلك: 14310- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن شريك, عن عطاء بن السائب, عن أبي الضحى, عن ابن عباس: (المص)، أنا الله أفضل.
14311- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال، حدثنا عمار بن محمد, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير في قوله: (المص)، أنا الله أفضل.
* * * وقال آخرون: هو هجاء حروف اسم الله تبارك وتعالى الذي هو " المصوّر ".
* ذكر من قال ذلك: 14312- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (المص)، قال: هي هجاء " المصوّر ".
* * * وقال آخرون: هي اسم من أسماء الله، أقسم ربنا به.
* ذكر من قال ذلك: 14313- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (المص)، قسم أقسمه الله, وهو من أسماء الله.
* * * وقال آخرون: هو اسم من أسماء القرآن.
ذكر من قال ذلك: 14314- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة: (المص)، قال: اسم من أسماء القرآن.
14315- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة, مثله.
* * * وقال آخرون: هي حروف هجاء مقطّعة.
* * * وقال آخرون: هي من حساب الجمَّل.
* * * وقال آخرون: هي حروف تحوي معاني كثيرة، دلّ الله بها خلقه على مراده من ذلك.
* * * وقال آخرون: هي حروف اسم الله الأعظم.
* * * وقد ذكرنا كل ذلك بالرواية فيه, وتعليل كلّ فريق قال فيه قولا.
وما الصواب من القول عندنا في ذلك، بشواهده وأدلته فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(1) ------------ الهوامش : (1) انظر ما سلف 1 : 205 - 224 .
وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء 1 : 368 - 370 .
سورة الأعراف هي مكية , إلا ثمان آيات , وهي قوله تعالى : " واسألهم عن القرية " [ الأعراف : 163 ] إلى قوله : " وإذ نتقنا الجبل فوقهم " [ الأعراف : 171 ] .وروى النسائي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف , فرقها في ركعتين .صححه أبو محمد عبد الحق .اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة ; فقال عامر الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين : هي سر الله في القرآن , ولله في كل كتاب من كتبه سر .فهي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه , ولا يجب أن يتكلم فيها , ولكن نؤمن بها ونقرأ كما جاءت .وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا : الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر .وقال أبو حاتم : لم نجد الحروف المقطعة في القرآن إلا في أوائل السور , ولا ندري ما أراد الله جل وعز بها .قلت : ومن هذا المعنى ما ذكره أبو بكر الأنباري : حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا أبو بكر بن أبي طالب حدثنا أبو المنذر الواسطي عن مالك بن مغول عن سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال : إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء , وأطلعكم على ما شاء , فأما ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه , وأما الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه وتخبرون به , وما بكل القرآن تعلمون , ولا بكل ما تعلمون تعملون .قال أبو بكر : فهذا يوضح أن حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم , اختبارا من الله عز وجل وامتحانا ; فمن آمن بها أثيب وسعد , ومن كفر وشك أثم وبعد .حدثنا أبو يوسف بن يعقوب القاضي حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الأعمش عن عمارة عن حريث بن ظهير عن عبد الله قال : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب , ثم قرأ : " الذين يؤمنون بالغيب " [ البقرة : 3 ] .قلت : هذا القول في المتشابه وحكمه , وهو الصحيح على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى .وقال جمع من العلماء كبير : بل يجب أن نتكلم فيها , ويلتمس الفوائد التي تحتها , والمعاني التي تتخرج عليها ; واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة ; فروي عن ابن عباس وعلي أيضا : أن الحروف المقطعة في القرآن اسم الله الأعظم , إلا أنا لا نعرف تأليفه منها .وقال قطرب والفراء وغيرهما : هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم ; ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم .قال قطرب : كانوا ينفرون عند استماع القرآن , فلما سمعوا : " الم " و " المص " استنكروا هذا اللفظ , فلما أنصتوا له صلى الله عليه وسلم أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في أسماعهم وآذانهم ويقيم الحجة عليهم .وقال قوم : روي أن المشركين لما أعرضوا عن سماع القرآن بمكة وقالوا : " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " [ فصلت : 26 ] نزلت ليستغربوها فيفتحون لها أسماعهم فيسمعون القرآن بعدها فتجب عليهم الحجة .وقال جماعة : هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بقيتها ; كقول ابن عباس وغيره : الألف من الله , واللام من جبريل , والميم من محمد صلى الله عليه وسلم .وقيل : الألف مفتاح اسمه الله , واللام مفتاح اسمه لطيف , والميم مفتاح اسمه مجيد .وروى أبو الضحى عن ابن عباس في قوله : " الم " قال : أنا الله أعلم , " الر " أنا الله أرى , " المص " أنا الله أفصل .فالألف تؤدي عن معنى أنا , واللام تؤدي عن اسم الله , والميم تؤدي عن معنى أعلم .واختار هذا القول الزجاج وقال : أذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى ; وقد تكلمت العرب بالحروف المقطعة نظما لها ووضعا بدل الكلمات التي الحروف منها , كقوله : فقلت لها قفي فقالت قاف أراد : قالت وقفت .وقال زهير : بالخير خيرات وإن شرا فا ولا أريد الشر إلا أن تا أراد : وإن شرا فشر .وأراد : إلا أن تشاء .وقال آخر : نادوهم ألا الجموا ألا تا قالوا جميعا كلهم ألا فا أراد : ألا تركبون , قالوا : ألا فاركبوا .وفي الحديث : ( من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة ) قال شقيق : هو أن يقول في اقتل : اق ; كما قال عليه السلام ( كفى بالسيف شا ) معناه : شافيا .وقال زيد بن أسلم : هي أسماء للسور .وقال الكلبي : هي أقسام أقسم الله تعالى بها لشرفها وفضلها , وهي من أسمائه ; عن ابن عباس أيضا , ورد بعض العلماء هذا القول فقال : لا يصح أن يكون قسما لأن القسم معقود على حروف مثل : إن وقد ولقد وما ; ولم يوجد ههنا حرف من هذه الحروف , فلا يجوز أن يكون يمينا .والجواب أن يقال : موضع القسم قوله تعالى : " لا ريب فيه " فلو أن إنسانا حلف فقال : والله هذا الكتاب لا ريب فيه ; لكان الكلام سديدا , وتكون " لا " جواب القسم .فثبت أن قول الكلبي وما روي عن ابن عباس سديد صحيح .فإن قيل : ما الحكمة في القسم من الله تعالى , وكان القوم في ذلك الزمان على صنفين : مصدق , ومكذب ; فالمصدق يصدق بغير قسم , والمكذب لا يصدق مع القسم ؟
.قيل له : القرآن نزل بلغة العرب ; والعرب إذا أراد بعضهم أن يؤكد كلامه أقسم على كلامه ; والله تعالى أراد أن يؤكد عليهم الحجة فأقسم أن القرآن من عنده .وقال بعضهم : " الم " أي أنزلت عليك هذا الكتاب من اللوح المحفوظ .وقال قتادة في قوله : " الم " قال اسم من أسماء القرآن .وروي عن محمد بن علي الترمذي أنه قال : إن الله تعالى أودع جميع ما في تلك السورة من الأحكام والقصص في الحروف التي ذكرها في أول السورة , ولا يعرف ذلك إلا نبي أو ولي , ثم بين ذلك في جميع السورة ليفقه الناس .وقيل غير هذا من الأقوال ; فالله أعلم .والوقف على هذه الحروف على السكون لنقصانها إلا إذا أخبرت عنها أو عطفتها فإنك تعربها .واختلف : هل لها محل من الإعراب ؟
فقيل : لا ; لأنها ليست أسماء متمكنة , ولا أفعالا مضارعة ; وإنما هي بمنزلة حروف التهجي فهي محكية .هذا مذهب الخليل وسيبويه .ومن قال : إنها أسماء السور فموضعها عنده الرفع على أنها عنده خبر ابتداء مضمر ; أي هذه " الم " ; كما تقول : هذه سورة البقرة .أو تكون رفعا على الابتداء والخبر ذلك ; كما تقول : زيد ذلك الرجل .وقال ابن كيسان النحوي : " الم " في موضع نصب ; كما تقول : اقرأ " الم " أو عليك " الم " .وقيل : في موضع خفض بالقسم ; لقول ابن عباس : إنها أقسام أقسم الله بها .
الحروف المقطعة في أوائل السور, فالأسلم فيها, السكوت عن التعرض لمعناها [من غير مستند شرعي], مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.
مكية كلها إلا خمس آيات ، أولها " واسألهم عن القرية التي كانت " ( المص )
«المص» الله أعلم بمراده بذلك.
سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.
سورة الأعراف من السور التى ابتدأت ببعض حروف التهجى " ألمص " ولم يسبقها فى النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهى سور : ( ن ، ق ، ص ) ويبلغ عدد السور القرآنية التى ابتدئت بالحروف المقطعة تسعاً وعشرين سورة .هذا ، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود من حروف التهجى التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ويمكن إجمال اختلافهم فى رأيين :الرأى الأول : أن المعنى المقصود منها غير معروف ، فهى من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى إحدى الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى ، وسفيان الثورى ، وغيرهما من العلماء؛ فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن الشعبى أنه سئل عن فواتح السور فقال : " إن لكل كتاب سرّا ، وإن سر هذا القرآن فواتح السور " وروى عن ابن عباس أنه قال : " عجزت العلماء عن إدراكها " وعن على - رضى الله عنه - أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجى " وفى رواية أخرى للشعبى أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه " .ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل التكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها .وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ لم ينتف الإفهام عنها عند لك الناس فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين .
ولكن الذى ننفيه أن يكون الناس جميعاً فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور .
وهناك مناقشات للعلماء حول هذا الرأى لا مجال لذكرها هنا .أما الرأى الثانى : فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله بعلمه ، وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى :1 - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم : " من قرأ حم السجدة ، حفظ إلى أن يصبح " ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها ، كسورة " ص " وسورة " يس " إلخ .ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، فلو كانت أسماء للسور لم تتكر لمعان مختلفة؛ لأن الغرض من التسمية رفع الاشتباه .
وأيضا فالتسمية بها أمر عارض لا يتنافى مع المراد منها فى ذاتها .2 - وقيل إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى .3 - وقيل إنها حروف مقطعة بعضها من أسماء الله تعالى ، وبعضها من صفاته ، فمثلا : " ألم " أصلها أنا الله أعلم .4 - وقيل إنها اسم الله الأعظم ، إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال ، والتى أوصلها الإمام السيوطى في كتابه " الإتقان " ، إلى أكثر من عشرين قولا .5 - ولعل أقرب الأقوال إلى الصواب أن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى بعض سور القرآن على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن ، فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك العارضين فى أن القرآن من عند الله : هاكم القرآن ترونه مؤلفا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم .
ومنوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم فى شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله ، أو ادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونوكم فى ذلك .ومما يشهد بصحة هذا الرأى أن الآيات التى تلى هذه الأحرف المقطعة تتحدث عن الكتاب المنزل معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكثيراً ما تبدأ هذه الآيات باسم الإشارة صراحة ، مثل قوله تعالى : ( الاما ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ ) أو ضمنا مثل قوله - تعالى - : فى أول سورة الأعراف ( الاماصا كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ ) وأيضا فإن هذه السور تجعل هدفها الأول منذ بدئها إلى نهايتها اثبات الرسالة عن طريق هذا الكتاب المنزل .هذه خلاصة موجزة لآراء العلماء فى الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيدا لذلك فليردع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشى ، وإلى كتاب " الإتقان " للسيوطى .
في الأية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: ﴿ المص ﴾ أنا الله أفصل، وعنه أيضاً: أنا الله أعلم وأفصل، قال الواحديّ: وعلى هذا التفسير فهذه الحروف واقعة في موضع جمل، والجمل إذا كانت ابتداء وخبراً فقط لا موضع لها من الإعراب، فقوله: أنا الله أعلم، لا موضع لها من الأعراب، فقوله: أنا مبتدأ وخبره قوله: الله وقوله: أعلم خبر بعد خبر، وإذا كان المعنى ﴿ المص ﴾ أنا الله أعلم كان إعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها، وقال السُّدّيّ: ﴿ المص ﴾ على هجاء قولنا في أسماء الله تعالى أنه المصور.
قال القاضي: ليس هذا اللفظ على قولنا: أنا الله أفصل، أولى من حمله على قوله: أنا الله أصلح، أنا الله أمتحن، أنا الله الملك، لأنه إن كانت العبرة بحرف الصاد فهو موجود في قولنا أنا الله أصلح، وإن كانت العبرة بحرف الميم، فكما أنه موجود في العلم فهو أيضاً موجود في الملك والامتحان، فكان حمل قولنا: ﴿ المص ﴾ على ذلك المعنى بعينه محض التحكم، وأيضاً فإن جاء تفسير الألفاظ بناء على ما فيها من الحروف، من غير أن تكون تلك اللفظة موضوعة في اللغة لذلك المعنى، انفتحت طريقة الباطنية في تفسير سائر ألفاظ القرآن بما يشاكل هذا الطريق.
وأما قول بعضهم: إنه من أسماء الله تعالى فأبعد، لأنه ليس جعله إسماً لله تعالى، أولى من جعله اسماً لبعض رسله من الملائكة، أو الأنبياء، لأن الاسم إنما يصير اسماً للمسمى بواسطة الوضع والاصطلاح، وذلك مفقود هاهنا، بل الحق أن قوله: ﴿ المص ﴾ اسم لقب لهذه السورة، وأسماء الألقاب لا تفيد فائدة في المسميات، بل هي قائمة مقام الإشارات، ولله تعالى أن يُسَميّ هذه السورة بقوله: ﴿ المص ﴾ كما أن الواحد منا إذا حَدَثَ له ولد فإنه يسميه بمحمد.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله: ﴿ المص ﴾ مبتدأ، وقوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ خبره، وقوله: ﴿ أَنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ صفة لذلك الخبر.
أي السورة المسماة بقولنا: ﴿ المص كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
فإن قيل: الدليل الذي دل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هوأن الله تعالى خصه بإنزال هذا القرآن عليه، فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته، وما لم نعرف نبوته، لا يمكننا أن نحتج بقوله، فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة عليه من عند الله بقوله: لزم الدور.
قلنا: نحن بمحض العقل نعلم أن هذه السورة كتاب أنزل إليه من عند الله.
والدليل عليه أنه عليه الصلاة والسلام ما تلمذ لأستاذ، ولا تعلم من معلم، ولا طالع كتاباً ولم يخالط العلماء والشعراء وأهل الأخبار، وانقضى من عمره أربعون سنة، ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال، ثم بعد انقضاء الأربعين ظهر عليه هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والآخرين، وصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا بطريق الوحي من عند الله تعالى.
فثبت بهذا الدليل العقلي أن ﴿ المص ﴾ كتاب أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه وإلهه.
المسألة الثانية: احتج القائلون بخلق القرآن بقوله: ﴿ كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلاً، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال، وذلك لا يليق بالقديم، فدل على أنه مُحْدَث.
وجوابه: أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف، ولا نزاعَ في كونها مُحْدَثة مخلوقة، والله أعلم.
فإن قيل: فهب أن المراد منه الحروف، إلا أن الحروف أعراض غير باقية، بدليل أنها متوالية، وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها، وإذا كان كذلك، فالعَرَض الذي لا يبقى زمانين، كيف يعقل وصفه بالنزول؟
والجواب: أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ، ثم إن الملك يطالع تلك النقوش، وينزل من السماء إلى الأرض، ويعلم محمداً تلك الحروف والكلمات، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها.
المسألة الثالثة: الذين أثبتوا لله مكاناً تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنّ كلمة من لابتداء الغاية.
وكلمة إلى لانتهاء الغاية.
فقوله: ﴿ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يقتضي حُصول مَسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد، وذلك يدل على أنه- تعالى- مختص بجهة فوق، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل.
وجوابه: لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجِهة على الله تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ ﴾ وفي تفسير الحرج قولان: الأول: الحرج الضيق، والمعنى: لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ.
والثاني: ﴿ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ ﴾ أي شك منه، كقوله تعالى: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ وسمي الشك حرجاً، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب.
ثم قال تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ هذه اللام بماذا تتعلق؟
فيه أقوال: الأول: قال الفراء: إنه متعلق بقوله: ﴿ أَنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ على التقديم والتأخير، والتقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه.
فإن قيل: فما فائدة هذا التقديم والتأخير؟
قلنا: لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ.
الثاني: قال ابن الأنباري: اللام هاهنا بمعنى: كي.
والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك.
الثالث: قال صاحب النظم: اللام هاهنا: بمعنى: أن.
والتقدير: لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به، والعرب تضع هذه اللام في موضع أن قال تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ﴾ وفي موضع أخر ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ ﴾ وهما بمعنى واحد.
والرابع: تقدير الكلام: أن هذا الكتاب أنزله الله عليك، وإذا علمت أنه تنزيل الله تعالى، فاعلم أن عناية الله معك، وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج، لأن من كان الله حافظاً له وناصراً، لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب، فاشتغل بالإنذار والتبليغ والتذكير اشتغال الرجال الأبطال، ولا تبال بأحد من أهل الزيغ والضلال والإبطال.
ثم قال: ﴿ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.
قال الزجاج: وهو اسم في موضع المصدر.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة، وفي محل ذكرى من الإعراب وجوه قال الفراء: يجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: لتنذر به ولتذكر، ويجوز أن يكون رفعاً بالرد على قوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ والتقدير: كتاب حق وذكرى، ويجوز أيضاً أن يكون التقدير، وهو ذكرى، ويجوز أن يكون خفضاً، لأن معنى لتنذر به، لأن تنذر به فهو في موضع خفض، لأن المعنى للإنذار والذكرى.
فإن قيل: لم قيد هذه الذكرى بالمؤمنين؟
قلنا: هو نظير قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ والبحث العقلي فيه أن النفوس البشرية على قسمين: نفوس بليدة جاهلة، بعيدة عن عالم الغيب، غريقة في طلب اللذات الجِسْمانية، والشهوات الجسدانية ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة بالحوادث الروحانية، فبعثة الأنبياء والرسل في حق القسم الأول، إنذار وتخويف، فإنهم لما غرقوا في نوم الغفلة ورقدة الجهالة، احتاجوا إلى موقظ يوقظهم، وإلى منبه ينبههم.
وأما في حق القسم الثاني فتذكير وتنبيه، وذلك لأن هذه النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية مستعدة للانجذاب إلى عالم القدس والاتصال بالحضرة الصَّمدية، إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الجسم، فيعرض لها نوع ذهول وغفلة، فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تعالى، تذكرت مركزها وأبصرت منشأها، واشتاقت إلى ما حصل هنالك من الروح والراحة والريحان، فثبت أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة، وذكرى في حق طائفة أخرى، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كِتَابٌ ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي هو كتاب.
و ﴿ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ صفة له.
والمراد بالكتاب السورة ﴿ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ ﴾ أي شك منه، كقوله: ﴿ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ [يونس: 94] وسمى الشك حرجاً، لأن الشاك ضيق الصدر حرجه، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه.
أي لا تشكّ في أنه منزل من الله، ولا تحرج من تبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له فأمّنه الله ونهاه عن المبالاة بهم.
فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ لّتُنذِرَ ﴾ ؟
قلت: بأنزل، أي أنزل إليك لإنذارك به أو بالنهي، لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم، وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار؛ لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه، متكل على عصمته، فإن قلت؛ فما محل ذكرى؟
قلت: يحتمل الحركات الثلات.
النصب بإضمار فعلها.
كأنه قيل: لتنذر به وتذكر تذكيراً لأن الذكرى اسم بمعنى التذكير، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف.
والجر للعطف على محل أن تنذر، أي للإنذار وللذكرى.
فإن قلت: النهي في قوله: ﴿ فَلاَ يَكُن ﴾ متوجه إلى الحرج فما وجهه؟
قلت: هو من قولهم: لا أرينك ههنا.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ غَيْرَ ثَمانِي آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿ واسْألْهُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ ﴾ مَحْكَمَةٌ كُلُّها.
وقِيلَ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ وآيُها مِائَتانِ وخَمْسٌ أوْ سِتُّ آياتٍ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ المص ﴾ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِهِ.
﴿ كِتابٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو كِتابٌ، أوْ خَبَرُ ﴿ المص ﴾ والمُرادُ بِهِ السُّورَةُ أوِ القُرْآنُ.
﴿ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ صِفَتُهُ.
﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ أيْ شَكٌّ، فَإنَّ الشّاكَّ حَرِجُ الصَّدْرِ أوْ ضِيقُ قَلْبٍ مِن تَبْلِيغِهِ مَخافَةَ أنْ تُكَذَّبَ فِيهِ، أوْ تُقَصِّرَ في القِيامِ بِحَقِّهِ، وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ ها هُنا.
والفاءُ تَحْتَمِلُ العَطْفَ والجَوابَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ فَلا يُحْرَجُ صَدْرُكَ.
﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ أوْ بِلا يَكُنْ لِأنَّهُ إذا أيْقَنَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ جَسُرَ عَلى الإنْذارِ، وكَذا إذا لَمْ يَخَفْهم أوْ عَلِمَ أنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلْقِيامِ بِتَبْلِيغِهِ.
﴿ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ بِإضْمارِ فِعْلِها أيْ: لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى فَإنَّها بِمَعْنى التَّذْكِيرِ، والجَرَّ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ تُنْذِرَ والرَّفْعَ عَطْفًا عَلى ﴿ كِتابٌ ﴾ أوْ خَبَرَ المَحْذُوفِ.
<div class="verse-tafsir"
{كِتَابٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب {أُنزِلَ إِلَيْكَ} صفته والمراد بالكتاب السورة {فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ} شك فيه وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرجه كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسحه أي لا شك في أنه منزل من الله أو حرج منه بتبليغه لأنه كان يخاف قومه وتكذيبهم له وإعراضهم عنه وأذاهم فكان يضيق صدره من الأذى ولا ينشط له فأمنه الله ونهاه عن المبالاة بهم والنهي متوجه إلى الحرج وفيه من المبالغة ما فيه والفاء للعطف أي هذا الكتاب انزلته إليك فلا يكن بعد إنزاله حرج في صدرك واللام فى {لتنذر به} متعلق بانزل أى أنزل اليك لا لانذارك به وبالنهي لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذا إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الانذار به لأن صاحب اليقين جسور متوكل على ربه {وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ} في محل النصب بإضمار فعلها أي لتنذر به وتذكر تذكيراً فالذكرى اسم بمعنى التذكير أو الرفع بالعطف على كِتَابٌ أي هو كتاب وذكرى للمؤمنين أو بأنه خبر مبتدأ
محذوف أو الجر بالعطف على محل لّتُنذِرَ أي للإنذار وللذكرى
( 7 سُورَةُ الأعْرافِ ) أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ إلى ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴾ مَدَنِيٌّ: وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِيا شَيْئًا وهي مِائَتانِ وخَمْسُ آياتٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وسِتٌّ في المَدَنِيِّ والكُوفِيِّ فالمص وبَدَأكم تَعُودُونَ كُوفِيٌّ و ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ و ﴿ ضِعْفًا مِنَ النّارِ ﴾ و ﴿ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ مَدَنِيٌّ وكُلُّها مُحْكَمٌ وقِيلَ: إلّا مَوْضِعَيْنِ الأوَّلُ ﴿ وأُمْلِي لَهُمْ ﴾ فَإنَّهُ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ والثّانِي ﴿ خُذِ العَفْوَ ﴾ فَإنَّهُ نُسِخَ بِها أيْضًا عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ وادَّعى أيْضًا أنَّ ﴿ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ ﴾ كَذَلِكَ وفِيما ذَكَرَ نَظَرٌ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ لَمّا كانَتْ لِبَيانِ الخَلْقِ وفِيها ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في بَيانِ القُرُونِ ﴿ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ ﴾ وأُشِيرَ إلى ذِكْرِ المُرْسَلِينَ وتَعْدادِ الكَثِيرِ مِنهم وكانَ ما ذُكِرَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ جِيءَ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَها مُشْتَمِلَةً عَلى شَرْحِهِ وتَفْصِيلِهِ فَبُسِطَ فِيها قِصَّةُ آدَمَ وفُصِّلَتْ قِصَصُ المُرْسَلِينَ وأُمَمُهم وكَيْفِيَّةُ هَلاكِهِمْ أكْمَلَ تَفْصِيلٍ ويَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ﴾ ولِهَذا صَدَّرَ السُّورَةَ بِخَلْقِ آدَمَ الَّذِي جَعَلَهُ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقالَ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ عادٍ: ﴿ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ﴾ وفي قِصَّةِ ثَمُودَ ﴿ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ وهو كَلامٌ مُوجَزٌ وبَسَطَ سُبْحانَهُ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ ..
إلَخْ.
وأمّا وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ الأُولى فَهو أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿ وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ﴾ ﴿ وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ ﴾ وافْتَتَحَ هَذا الأمْرَ بِاتِّباعِ الكِتابِ وأيْضًا لِما تَقَدَّمَ ﴿ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ: ﴿ فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ﴾ إلَخْ وذَلِكَ في شَرْحِ التَّنْبِئَةِ المَذْكُورَةِ وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ ﴾ الآيَةَ وذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا في المِيزانِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ الوَزْنِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ ﴾ ثُمَّ ﴿ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ﴾ وهو مَن زادَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ ثُمَّ ﴿ مَن خَفَّتْ ﴾ وهو عَلى العَكْسِ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدُ أصْحابَ الأعْرافِ وهم في أحَدِ الأقْوالِ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئِاتُهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ المص ﴾ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِهِ وبَيانُ ما فِيهِ فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ خَلا أنَّهُ قِيلَ هُنا: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ المُصَوِّرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأُفَصِّلُ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ وكَذا نَظائِرُهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وهو مِن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ مَعْناهُ أنا اللَّهُ الصّادِقُ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ الألِفَ واللّامَ مِنَ اللَّهِ والمِيمَ مِنَ الرَّحْمَنِ والصّادَ مِنَ الصَّمَدِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ ما مِن سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِالم إلّا وهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى ثَلاثَةِ أُمُورٍ بَدْءُ الخَلْقِ والنِّهايَةُ الَّتِي هي المَعادُ والوَسَطُ الَّذِي هو المَعاشُ وإلَيْها الإشارَةُ بِالِاشْتِمالِ عَلى المَخارِجِ الثَّلاثَةِ الحَلْقِ واللِّسانِ والشَّفَتَيْنِ وزِيدَ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ذَلِكَ الصّادُ لِما فِيها مِن ذِكْرِ شَرْحِ القِصَصِ وهو كَما تَرى واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمُرادِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي مائتان وست آيات مكية قوله تعالى: المص قال ابن عباس يعني: أنا الله أعلم وأفصل معناه: أعلم بأمور الخلق وأفصل الأحكام والأمور والمقادير، وليس لي شريك في تدبير الخلق: ويقال: معناه أنا الله المصور.
ويقال: أنا الله الناصر.
ويقال: أنا الله الصادق.
وروى معمر بن قتادة قال: إنه اسم من أسماء القرآن ويقال هو قسم كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعني: أن هذا الكتاب أُنزل إليك يا محمد فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي: فلا يقعن في قلبك شك منه من القرآن أنه من الله عز وجل.
فالخطاب للنبي والمراد به غيره.
كقوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: 94] .
ويقال: فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ أي فلا يضيقنّ صدرك بتكذيبهم إياك.
كقوله عز وجل: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء: 30] والحرج في اللغة هو الضيق.
ثم قال: لِتُنْذِرَ بِهِ على معنى التقديم يعني: كتاب أنزلناه إليك لتنذر به أي لتخوف بالقرآن أهل مكة وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي.
وعظة للمؤمنين الذين يتبعونك.
ثم قال: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي صدقوا، واعملُوا بما أنزل على نبيكم محمد من القرآن ويقرءوه عليكم وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي: ولا تتّخذوا من دون الله أرباباً، ولا تعبدوا غيره.
ثم أخبر عنهم فقال: قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ ما: صلة في الكلام ومعناه: قليلاً تتعظون.
يعني: إنهم لا يتعظون به شَيْئاً.
قرأ ابن عامر يَتَذَكَّرُونَ على لفظ المغايبة بالياء.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر تَذَكَّرُونَ بالتاء على معنى المخاطبة بتشديد الذال والكاف لأن أصله تتذكرون فأدغم إحدى التاءين في الذال.
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص تذكرون بتخفيف الذال، فأسقط التشديد للتخفيف.
ثم خوفهم فقال: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها معناه: وكم من أهل قرية وعظناهم فلم يتعظوا فأهلكناهم فَجاءَها بَأْسُنا أي جاءها عذابنا بعد التكذيب بَياتاً أي ليلاً.
سمي الليل بياتاً لأنه يبات فيه أَوْ هُمْ قائِلُونَ عند القيلولة.
فإن لم تتّعظوا أنتم يأتيكم العذاب ليلاً أو نهاراً كما أتاهم.
ثم أخبر عن حال من أتاهم العذاب فقال: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا أي لم يكن قولهم حين جاءهم العذاب ولم تكن لهم حيلة إلا أنهم تضرعوا قَالُواْ: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ أي ظلمنا أنفسنا بترك طاعة ربنا من التوحيد يعني: إن قولهم بعد ما جاءهم العذاب يعني: الهلاك لم ينفعهم فاعتبروا بهم.
فإنكم إذا جاءكم العذاب لا ينفعكم التضرع.
ثم أخبر عن حال يوم القيامة فقال: فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني: الأمم لنسألنهم هل بلغكم الرسل ما أرسلوا به إليكم وماذا أجبتم الرسل؟
وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عن تبليغ الرسالة.
وهذا كقوله عز وجل: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: 8] ثم قال تعالى: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فلنخبرنّهم بما عملوا في الدنيا ببيان وعلم منا وَما كُنَّا غائِبِينَ عَمّا بلغت الرسل وعما ردَّ عليهم قومهم.
ومعناه: وما كنا نسألهم لنعلم ذلك ولكن نسألهم حجةً عليهم.
قوله: <div class="verse-tafsir"
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥)
وقوله سبحانه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ قالت فرقة: المراد وكم من أَهْلِ قرية.
وقالت فرقة: اللفظ يَتَضَمَّنُ هَلاَكَ القرية وأهلها، وهو أعظم العُقُوبَةِ، و «الفاء» في قوله سُبْحَانَهُ: فَجاءَها بَأْسُنا لترتيب القَوْلِ فقط.
وقيل: المعنى أَهْلَكْنَاهَا بالخذلان، وعدم التوفيق، فجاءها بَأْسُنَا بعد ذَلِكَ وبَياتاً، نصب على المصدر في موضع الحال، وقائِلُونَ من القائلة، وإنما خَصَّ وَقْتَيِ الدَّعَةِ «١» والسكون لأن مجيء العَذَابِ فيهما أَفْظَعُ وأَهْوَلُ لما فيه من البَغْتَةِ والفَجْأَةِ.
قال أبو «٢» حيان: أو للتفصيل، أي: جاء بعضهم بَأْسُنَا لَيْلاً، وبعضهم نهارا «٣» انتهى.
وقوله عز وجل: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ هذه الآية يَتَبَيَّنُ منها أن المراد في الآية قبلها أهل القُرَى، والدعوى «٤» في كلام العَرَبِ تأتي لمعنين:
أحدهما: الدعاء، ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ: فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ [الأنبياء: ١٥] .
والثاني: الادِّعاءُ، وهذه الآية تَحْتَمِلُ المعنيين، ثم استثنى سُبْحَانَهُ من غير الأول كأنه قال: لم يكن منهم دُعَاءٌ أو ادِّعَاءٌ إِلاَّ الإقرار «٥» ، والاعتراف، أي: هذا كان بدل الدعاء،
سُورَةُ الأعْرافِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ، وابْنُ أبِي طَلْحَةُ، وأبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ سُورَةَ (الأعْرافِ) مِنَ المَكِّيِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وقَتادَةَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ، إلّا خَمْسُ آَياتٍ؛ أوَّلُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: كُلُّها مَكِّيَّةٌ، إلّا قَوْلَهُ: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ فَإنَّهُنَّ مَدَنِيّاتٌ.
﴿ المص ﴾ فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المص ﴾ قَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ سُورَةِ (البَقَرَةِ) كَلامًا مُجْمَلًا في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ أوائِلَ السُّوَرِ، فَهو يَعُمُّ هَذِهِ أيْضًا.
فَأمّا ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الآَيَةِ فَفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأُفَصِّلُ، رَواهُ أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّ الألِفَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "اللَّهُ" واللّامَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "لَطِيفٌ" والمِيمَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "مَجِيدٌ" والصّادَ مِفْتاحٌ اسْمُهُ "صادِقٌ" قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والخامِسُ: أنَّ ﴿ المص ﴾ اسْمٌ لَلسُّورَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآَنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّابِعُ: أنَّها بَعْضُ كَلِمَةٍ.
ثُمَّ في تِلْكَ الكَلِمَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المُصَوِّرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: المُصَيِّرُ إلى كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ" وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ ﴾ ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ الـمـص ﴾ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و ﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".
ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".
وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛ ﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛ ﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛ ﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
هذه الحروف الأربعة المقطّعة التي افتتحت بها هاته السّورة، يُنطَق بأسمائها (ألِفْ لاَمْ مِيمْ صَادْ) كما يَنْطِق بالحروف ملقِّن المتعلّمين للهجاء في المكتب، لأنّ المقصود بها أسماء الحروف لا مسميّاتها وأشكالها، كما أنّك إذا أخبرت عن أحد بخبر تذكر اسم المخبر عنه دون أن تَعْرِض صورته أو ذاته، فتقولُ مثلاً: لقيت زيداً، ولا تقول: لقيت هذه الصورة، ولا لقيتُ هذه الذات.
فالنّطق بأسماء الحروف هو مقتضَى وقوعها في أوائل السّور التي افتتحت بها، لقصد التّعريض بتعجيز الذين أنكروا نزول القرآن من عند الله تعالى، أي تعجيزِ بلغائهم عن معارضته بمثله كما تقدّم في سورة البقرة.
وإنّما رسموها في المصاحف بصور الحروف دون أسمائها، أي بمسمّيات الحروف التي يُنطق بأسمائها ولم يرسموها بما تُقْرأ به أسماؤُها، مراعاة لحالة التّهجي (فيما أحسب)، أنّهم لو رسموها بالحروف التي يُنطق بها عند ذكر أسمائها خَشُوا أن يلتبس مجموعُ حروف الأسماءِ بكلمات مثل (يَاسين)، لو رسمت بأسماء حروفها أن تلتبس بنداء من اسمه سين.
فعدلوا إلى رسم الحروف علماً بأنّ القارئ في المصحف إذا وجد صورة الحرف نَطق باسم تلك الصّورة.
على معتادهم في التّهجي طرداً للرسم على وتيرة واحدة.
على أنّ رسم المصحف سنّة سنّها كُتاب المصاحف فأقِرّت.
وإنّما العمدة في النّطق بالقرآن على الرّواية والتّلقي، وما جُعلت كتابة المصحف إلاّ تذكرة وعوناً للمتلقّي.
وتقدّم هذا في أوّل سورة البقرة وفيما هنا زيادة عليه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ، وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: مَكِّيَّةٌ إلّا خَمْسَ آياتٍ وهي قَوْلُهُ: ﴿ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ ﴾ إلى آخِرِ الخَمْسِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ المص ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ تِسْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ: أنا اللَّهُ أُفَضِّلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ [حَرْفُ] هِجاءٍ [مِنَ] المُصَوِّرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ السُّورَةِ مِفْتاحٌ لَها، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ اخْتِصارٌ مِن كَلامٍ يَفْهَمُهُ النَّبِيُّ ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والسّادِسُ: هي حُرُوفُ هِجاءٍ مُقَطَّعَةٌ نَبَّهَ بِها عَلى إعْجازِ القُرْآنِ.
والسّابِعُ: هي مِن حِسابِ الجُمَلِ المَعْدُودِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.
والثّامِنُ: هي حُرُوفٌ تَحْوِي مَعانِيَ كَثِيرَةً دَلَّ اللَّهُ تَعالى خَلْقَهُ بِها عَلى مُرادِهِ مِن كُلِّ ذَلِكَ.
والتّاسِعُ: هي حُرُوفُ اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ.
وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي قَوْلًا عاشِرًا: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ: المَصِيرَ إلى كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، فَحَذَفَ باقِيَ الكَلِمَةِ تَرْخِيمًا وعَبَّرَ عَنْهُ بِحُرُوفِ الهِجاءِ لِأنَّها تَذْهَبُ بِالسّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ولِلْعَرَبِ في الِاقْتِصارِ عَلى الحُرُوفِ مَذْهَبٌ كَما قالَ الشّاعِرُ: قُلْتُ لَها قِفِي فَقالَتْ قافِ.
..
...
...
أيْ وقَفْتُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ﴾ وفي الحَرَجِ ها هُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الضِّيقُ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو أصْلُهُ.
قالَ الشَّمّاخُ بْنُ ضِرارٍ: ولَوْ رَدَّتِ المَعْرُوفَ عِنْدِي رَدَدْتُها ∗∗∗ لِحاجَةٍ لا العالِي ولا المُتَحَرِّجِ وَيَكُونُ مَعْناهُ: فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ خَوْفًا ألّا تَقُومَ بِحَقِّهِ.
والثّانِي: أنَّ الحَرَجَ هُنا الشَّكُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
قالَ الرّاجِزُ: آلَيْتُ لَوْلا حَرَجٌ يَعْرُونِي ∗∗∗ ما جِئْتُ أغْزُوكَ ولا تَغْزُونِي وَمَعْناهُ: فَلا تَشْكُ فِيما يَلْزَمُكَ فِيهِ فَإنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ.
والثّالِثُ: فَلا يَضِيقُ صَدْرُكَ بِأنْ يُكَذِّبُوكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ فَجَعَلَهُ إنْذارًا لِلْكافِرِينَ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَعُودَ نَفْعُهُ عَلى الفَرِيقَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ آلمص ﴾ قال: أنا الله أفصل.
وأخرج ابن جرير عن سعيد في قوله: ﴿ آلمص ﴾ قال: أنا الله أفصل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي بن ابن عباس في قوله: ﴿ آلمص ﴾ وطه، وطسم، ويس، وص، وحم، وحم عسق، وق، ون، وأشباه هذا فإنه قسم أقسم الله به، وهي من أسماء الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ آلمص ﴾ قال: هو المصوّر.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ آلمص ﴾ قال: الالف من الله، والميم من الرحمن، والصاد من الصمد.
وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك ﴿ آلمص ﴾ قال: أنا الله الصادق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المص ﴾ قال أبو إسحاق: (الذي اخترنا (١) (٢) - (٣) (٤) (٥) (٦) ﴿ المص ﴾ : أنا الله أعلم كان إعرابها كإعراب الشيء الذي هو تأويل لها) (٧) (١) في (ب): (أخبرنا)، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 8/ 115، وابن أبي حاتم 5/ 1437، والبيهقي في "الأسماء والصفات" 1/ 232 عن ابن عباس قال: (أنا الله أفصل) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 125.
وفي سنده عطاء بن السائب الثقفي، صدوق اختلط فساء حفظه - انظر "تهذيب التهذيب" 3/ 103.
والراجح أن الحروف المقطعة في أوائل السور حروف هجائية.
ذكرت للدلالة على إعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها ليكون عجزهم أبلغ في "الحجة" عليهم وهذا اختيار جماعة من المحققين انظر: "الكشاف" 1/ 76، و"تفسير ابن كثير" 2/ 224، والشوكاني 2/ 273، والشنقيطي 3/ 3 - 7.
(٣) في (أ): (رحمه الله).
(٤) في (أ): و (الجملة).
(٥) في (ب): (يرتفع أنا).
(٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب)، ويريد أن قوله: "أعلم خبر بعد خبر".
انظر "تفسير الرازي" 14/ 14، حيث نقل قول الواحدي.
(٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 313 - 314 <div class="verse-tafsir"
﴿ المص ﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة ﴿ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ أي ضيق من تبليغه مع تكذيب قومك، وقيل: الحرج هنا الشك، فتأويله كقوله: ﴿ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين ﴾ [آل عمران: 60] ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ متعلق بأنزل ﴿ وذكرى ﴾ منصوب على المصدرية بفعل مضمر تقديره لتنذر وتذكر ذكرى، لأن الذكر بمعنى التذكير، أو مرفوع على أنه خبر ابتداء مضمر، أو مخفوض عطفاً على موضع لتنذر أي للأنذار والذكرى ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ انتصب قليلاً بتذكرون أي تذكرون تذكراً قليلاً، وما زائدة للتوكيد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.
والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.
التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.
وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.
وقال السدي: معناه أنا المصوّر.
وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.
والدليل على أنه منزل من الله هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.
القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.
وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.
فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟
أجيب بأنه أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.
ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.
وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.
وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.
قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.
وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.
وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.
وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.
وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.
ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.
وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.
وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.
وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.
عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.
فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.
قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.
احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله والعمل بالقياس.
متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.
لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.
أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.
وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.
ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.
وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.
ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.
و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.
وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.
وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.
والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.
فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟
فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.
وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.
ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.
ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.
وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.
وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.
وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.
ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.
وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.
فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.
كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.
وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.
أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.
وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.
وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.
ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.
وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.
وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.
حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.
ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟
فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.
أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.
وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.
وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.
ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.
وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.
وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .
وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.
وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.
"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .
وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.
ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله أشرف العقائد والأعمال.
وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟
فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.
ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.
وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.
أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.
واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.
وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.
واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.
ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.
قاله الزجاج.
وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.
ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.
ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.
قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.
ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.
وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.
ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.
وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.
﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.
﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.
والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.
فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
<div class="verse-tafsir"
الحمد لله العليم بخلقه، اللطيف لرشد عباده، ضرب لهم الآيات والبيان؛ لينقلهم بحكمته وتدبيره من الجهالة إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ووصى رسوله أن يدعو عباده إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، فبعث محمداً إلى الناس كافة، وأنزل إليه الكتاب تلا فيه ما في الكتب الأولى؛ ليبين لأهل الكتاب والمشركين أن النبي الأمي العربي لم يعلم ما في الكتب الأعجمية إلا من عند الله؛ ليكون ذلك أوضح لهم في الحجة.
وكان رسول الله قبل الرسالة معروفاً عند الفريقين أنه لم يتل كتاباً، ولا خطه بيمينه، ولا كان عندهم من شعرائهم، ولا المعروف بأنسابهم وعلم أنبيائهم؛ وذلك أبلغ في البرهان، فأنبأ فيه علم الغيوب، وفرض الفرائض، وحكم فيه الأحكام، وأنزل فيه الحجج بتأليف يعجز عنه من دون الله؛ ليبين لهم أنه من عند الله، فأنف قومه، وأبوا أن يستمعوه واستكبروا عليه، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ وقالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ ؛ فأتاهم العليم الخبير من قبل أنفسهم وكبرهم؛ فأنزل في الكتاب كلاماً افتتح به السورة لم يكن من كلام قومه؛ فلما سمعوه ظنوا أنه بديع ابتدعه محمد كإبداعهم البلاغات والأوابد، وأنفوا أن يكون محمد يقدر من ذلك على ما لا يقدرون، فتدبروا الكتاب ليعلموا صدوره بما بعده من الكلام، فسمعوا كلاماً مجيداً [حكيماً]، ونبأ عظيما، وحججاً نيرة، ومواعظ شافية؛ فدخل أكثرهم في الإسلام، وقعد عنه رجلان: معاندٌ متعمد، وجاهل مقلد لا ينظر، وفيما أنزل مما وصف قوله: ﴿ كۤهيعۤصۤ ﴾ ، و ﴿ طسۤمۤ ﴾ \[الشعراء، القصص: 1\]، و [ ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ ] و ﴿ الۤر ﴾ \[يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر: 1\] وما أشبهها.
فقال: ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ .
ليعطف بها على النظر فيما بعدها.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .
يقول: كتاب من ربك؛ لتنذر به عباده.
﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ .
يقول: فلا يضيقن صدرك عن الذي فرض الله عليك فيه من البلاغ إلى قومك، وبما فرض عليك من البراءة منهم، وممّا يعبدون من دون الله؛ فكأن الرسول يخاف ما خافت الرسل من بين يديه، فقال موسى: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ وقد كان يعرف قومه بالتسرع إلى القتل فيما ليس مثل ما يأتيهم به، فأمنه الله منهم بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وقال في آخر هذه السورة: ﴿ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ : يفهمونها عن الله - - فإنها من أعظم آيات الله لرسوله أعلمه أنهم لا يصلون إلى ما يخاف منهم.
وفي الأثر "أن الله - - لما أرسله إلى قومه، فقال: أي رب إذا يثلغوا رأسي فيذروه مثل خُبزَة فأمنه الله - - من ذلك" ، فقال: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ من البلاغ، ولا يضيقن صدرك بما فرض الله عليك من العبادة والحكم الذي تخالف فيه قومك.
ثم وصف الكتاب فقال: ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
يقول: يتذكرون بما فيه ويتدبرونه فيعلمون به الحق من الباطل، ويذكرون به ما فرض عليهم.
ويحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطاباً خاطب الله بها رسله يفهمونها لا يفهمها غيرهم، [على ما يكون لملوك الأرض بينهم وبين خواصّهم إشارات يفهمها خواصهم ولا يفهمها غيرهم]، هذا متعارف فيما بين الخلق أن يكون لهم فيما بينهم وبين خواصهم ما ذكرنا؛ فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة خطابات من الله خاطب بها رسله - وهم خواصه - يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ثم وجهُ فهمهم يكون لوجهين: يخبرهم فيقول: إني إذا أنزلت إليكم كذا فمرادي من ذلك كذا، أو كان البيان والمراد منها مقروناً بها وقت إنزالها ففهموا المراد منها بما أفهمهم الله وأراهم ما لم ير ذلك غيرهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ ، أرى رسله شيئاً لم ير ذلك غيرهم، ولا أطلعهم على ذلك، فهو من المتشابه على غيرهم؛ وأما على الرسل فليس من المتشابه.
وقال الفراء: يحتمل أن تكون هذه الحروف المقطعة المتفرقة التي أنزلها من أ ب ت ث إلى آخرها كأنه قال: إني جمعت هذه الحروف المقطعة فجعلتها كتاباً، فأنزلتها؛ من نحو: ﴿ الۤمۤصۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ ٱللَّهُ ﴾ ، و ﴿ الۤـمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤر ﴾ ونحوه، والله أعلم بما أراد به ذلك.
وقد ذكرنا هذا في صدر الكتاب مقدار ما حفظنا وفهمنا من أقاويل أهل العلم في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ .
قيل: الحرج: هو الضيق في الصدر، ثم يحتمل ضيق الصدر وجوهاً: يحتمل ضيق الصدر ما يحل عليه في ذلك من الشدائد والخطورات بتبليغه إلى الكفرة الذين نشئوا على الكفر والشرك، وخاصة الفراعنة والملوك الذين همتهم القتل والإهلاك لمن استقبلهم بالخلاف.
أو أن يوسوس في صدره الشيطان أنه ليس من عند الله، أو أن يقول له: إنه من أساطير الأولين؛ على ما قال أولئك الكفرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ .
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ ﴾ على النهي، أي: لا يكن في صدرك منه حرج، أي: لا يضق صدرك مما حمل عليك.
وقال بعضهم: ﴿ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ ﴾ ، أي: شك أنه من عند الله نزل.
وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي؛ لأنه بالنهي ما يكون عصمه.
ويحتمل: ليس على النهي، ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ : ليس على النهي؛ ولكن على ألا تحمل على نفسك ما فيه هلاكك؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
ثم إن الله - عز وجل - أمنه عما كان يخاف من أولئك بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ ، وأمنه من وساوس الشيطان؛ على ما روي في الخبر أنه قيل: "ألك شيطان؟
فقال: كان، ولكن أعنت عليه؛ فأسلم" أمّن - عز وجل - رسوله عن ذلك كله؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ .
يحتمل أنه أمره أن ينذر به الكفرة، ويبشر به المؤمنين؛ كقوله: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ الكفرة.
﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
أي: بشرى على ما ذكرنا، ويكون في الإنذار بشرى؛ لأنه إذا أنذر فقبل الإنذار، فهو له بشرى.
ويحتمل قوله: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ ﴾ ، أي: الكل الموافق والمخالف جميعاً؛ كقوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، ﴿ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، أي: الذي ينتفع به المؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعُواْ ﴾ .
لا تتبعوا أولئك في التحليل والتحريم وفي الأمر والنهي؛ لأنه ليس إلى الخلق التحليل والتحريم.
وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
أمر المؤمنين أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم، على ما أمر رسوله أن يتبع ما أنزل إليه من ربه؛ كقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴾ ؛ ليعلم أن ما أنزل إلى رسول الله هو منزل إلى المؤمنين [جميعاً].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
فيما ذكر، وما يحل وما يحرم، وما يأمر وينهى.
﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
قيل: أرباباً، أي لا تتبعوا من دونه أولياء فيما يحلون ويحرمون، ويأمرون وينهون، أي: إنما عليهم اتباع ما حرم عليهم، واستحلال ما أحل لهم.
وأما إنشاء التحليل والتحريم فلا.
وقال بعض أهل التأويل: أولياء الأصنام، والأوثان.
ولكن لا يحتمل هاهنا، ولكن قد ذكرنا أنهم كانوا يتبعون عظماءهم في التحليل والتحريم؛ كقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وكانوا لا يتخذون أولئك الأحبار أرباباً في الحقيقة، ولكن كانوا يتبعونهم فيما يحلون ويحرمون ويصدرون عن آرائهم؛ فسموا بذلك لشدة اتباعهم أولئك في التحليل والتحريم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل: يعني بالقليل: المؤمنين، ولكن يحتمل قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: لا تتذكرون رأساً؛ لأن الخطاب جرى فيه لأولئك الكفرة، وفيهم نزلت الآية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ المص ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.
<div class="verse-tafsir" id="91.nRl9N"