الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٠ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ممتنا على عبيده فيما مكن لهم من أنه جعل الأرض قرارا ، وجعل لها رواسي وأنهارا ، وجعل لهم فيها منازل وبيوتا ، وأباح منافعها ، وسخر لهم السحاب لإخراج أرزاقهم منها ، وجعل لهم فيها معايش ، أي : مكاسب وأسبابا يتجرون فيها ، ويتسببون أنواع الأسباب ، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك ، كما قال تعالى : ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) [ إبراهيم : 34 ] .
وقد قرأ الجميع : ( معايش ) بلا همز ، إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها .
والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز; لأن معايش جمع معيشة ، من عاش يعيش عيشا ، ومعيشة أصلها " معيشة " فاستثقلت الكسرة على الياء ، فنقلت إلى العين فصارت معيشة ، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال ، فقيل : معايش .
ووزنه مفاعل; لأن الياء أصلية في الكلمة .
بخلاف مدائن وصحائف وبصائر ، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة من : مدن وصحف وأبصر ، فإن الياء فيها زائدة ، ولهذا تجمع على فعائل ، وتهمز لذلك ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (10) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولقد وطَّأْنا لكم، أيها الناس، في الأرض, (41) وجعلناها لكم قرارًا تستقرُّون فيها, ومهادًا تمتهدونها, وفراشًا تفترشونها (42) =( وجعلنا لكم فيها معايش)، تعيشون بها أيام حياتكم, من مطاعم ومشارب, نعمة مني عليكم، وإحسانًا مني إليكم =(قليلا ما تشكرون)، يقول: وأنتم قليل شكركم على هذه النعم التي أنعمتها عليكم لعبادتكم غيري, واتخاذكم إلهًا سواي.
* * والمعايش: جمع " معيشة ".
* * * واختلفت القرأة في قراءتها.
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: (مَعَايِشَ) بغير همز.
* * * وقرأه عبد الرحمن الأعرج: " مَعَائِشَ" بالهمز.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: (مَعَايِشَ) بغير همز, لأنها " مفاعل " من قول القائل " عشتَ تعيش ", فالميم فيها زائدة، والياء في الحكم متحركة, لأن واحدها " مَفْعلة "،" مَعْيشة "، متحركة الياء, نقلت حركة الياء منها إلى " العين " في واحدها .
فلما جُمعت، رُدّت حركتها إليها لسكون ما قبلها وتحركها.
وكذلك تفعل العرب بالياء والواو إذا سكن ما قبلهما وتحركتا، في نظائر ما وصفنا من الجمع الذي يأتي على مثال " مفاعل ", وذلك مخالف لما جاء من الجمع على مثال " فعائل " التي تكون الياء فيها زائدة ليست بأصل.
فإن ما جاء من الجمع على هذا المثال، فالعرب تهمزه، كقولهم: " هذه مدائن " و " صحائف " ونظائرهما, (43) لأن " مدائن " جمع " مدينة ", و " المدينة "،" فعيلة " من قولهم: " مدنت المدينة ", وكذلك،" صحائف " جمع " صحيفة ", و " الصحيفة "،" فعيلة " من قولك: " صحفت الصحيفة ", فالياء في واحدها زائدة ساكنة, فإذا جمعت همزت، لخلافها في الجمع الياء التي كانت في واحدها, وذلك أنها كانت في واحدها ساكنة, وهي في الجمع متحركة.
ولو جعلت " مدينة "" مَفْعلة " من: " دان يدين ", وجمعت على " مفاعل ", كان الفصيح ترك الهمز فيها.
وتحريك الياء.
وربما همزت العرب جمع " مفعلة " في ذوات الياء والواو = وإن كان الفصيح من كلامها ترك الهمز فيها.
إذا جاءت على " مفاعل " = تشبيهًا منهم جمعها بجمع " فعيلة ", كما تشبه " مَفْعلا "" بفعيل " فتقول: " مَسِيل الماء ", من: " سال يسيل ", ثم تجمعها جمع " فعيل ", فتقول: " هي أمسلة "، في الجمع، تشبيهًا منهم لها بجمع " بعير " وهو " فعيل ", إذ تجمعه " أبعرة ".
وكذلك يجمع " المصير " وهو " مَفْعل "،" مُصْران " تشبيهًا له بجمع: " بعير " وهو " فعيل ", إذ تجمعه " بُعْران ", (44) وعلى هذا همز الأعرج " معايش ".
وذلك ليس بالفصيح في كلامها، وأولى ما قرئ به كتاب الله من الألسن أفصحها وأعرفها، دون أنكرها وأشذِّها.
---------------- الهوامش : (41) في المطبوعة : (( ولقد وطنا لكم أيها الناس )) ، والصواب من المخطوطة .
(42) انظر تفسير (( مكن )) فيما سلف 11 : 263 .
(43) في المطبوعة والمخطوطة : (( ونظائر )) والسياق ما أثبت .
(44) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 373 ، 374
قوله تعالى ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرونأي جعلناها لكم قرارا ومهادا ، وهيأنا لكم فيها أسباب المعيشة .
والمعايش جمع معيشة ، أي ما يتعيش به من المطعم والمشرب وما تكون به الحياة .
يقال : عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشا ومعيشة وعيشة .
وقال الزجاج : المعيشة ما يتوصل به إلى العيش .
ومعيشة في قول الأخفش وكثير من النحويين مفعلة .
وقرأ الأعرج : ( معائش ) بالهمز .
وكذا روى خارجة بن [ ص: 152 ] مصعب عن نافع .
قال النحاس : والهمز لحن لا يجوز ; لأن الواحدة معيشة ، أصلها معيشة ، فزيدت ألف الوصل وهي ساكنة والياء ساكنة ، فلا بد من تحريك إذ لا سبيل إلى الحذف ، والألف لا تحرك فحركت الياء بما كان يجب لها في الواحد .
ونظيره من الواو منارة ومناور ، ومقام ومقاوم ; كما قال الشاعر :وإني لقوام مقاوم لم يكن جريرولا مولى جرير يقومهاوكذا مصيبة ومصاوب - هذا الجيد - ولغة شاذة : مصائب .
قال الأخفش : إنما جاز مصائب ; لأن الواحدة معتلة .
قال الزجاج : هذا خطأ يلزمه عليه أن يقول مقائم .
ولكن القول أنه مثل وسادة وإسادة .
وقيل : لم يجز الهمز في معايش لأن المعيشة مفعلة ; فالياء أصلية ، وإنما يهمز إذا كانت الياء زائدة مثل مدينة ومدائن ، وصحيفة وصحائف ، وكريمة وكرائم ، ووظيفة ووظائف ، وشبهه .
يقول تعالى ممتنا على عباده بذكر المسكن والمعيشة: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ } أي: هيأناها لكم، بحيث تتمكنون من البناء عليها وحرثها، ووجوه الانتفاع بها { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } مما يخرج من الأشجار والنبات، ومعادن الأرض، وأنواع الصنائع والتجارات، فإنه هو الذي هيأها، وسخر أسبابها.
{ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } اللّه، الذي أنعم عليكم بأصناف النعم، وصرف عنكم النقم.
قوله تعالى : ( ولقد مكناكم في الأرض ) أي : مكناكم ، والمراد من التمكين التمليك والقدرة ، ( وجعلنا لكم فيها معايش ) أي : أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب ، والمعايش جمع المعيشة ، ( قليلا ما تشكرون ) فيما صنعت إليكم .
«ولقد مكَّناكم» يا بني آدم «في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش» بالياء أسبابا تعيشون بها جمع معيشة «قليلا ما» لتأكيد القلة «تشكرون» على ذلك.
ولقد مكَّنَّا لكم -أيها الناس- في الأرض، وجعلناها قرارًا لكم، وجعلنا لكم فيها ما تعيشون به من مطاعم ومشارب، ومع ذلك فشكركم لنعم الله قليل.
ثم حكى القرآن جانباً من مظاهر نعم الله على خلقه فقال - تعالى - : ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي .
.
.
.
) .مكناكم : من التمكين بمعنى التمليك ، أو معناه : جعلنا لكم فيها مكانا وقراراً وأقدرناكم على التصرف فيها ومعايش : جمع معيشة وهى ما يعاش به من المطاعم والمشارب وما تكون به الحياة .والمعنى : ولقد جعلنا لكم - يا بنى آدم - مكانا وقرارا فى الأرض ، وأقدرناكم على التصرف فيها ، وأنشأنا لكم أنواعا شتى من المطاعم والمشارب التى تتعيشون بها عيشة راضية ، ولكن كثيراً منكم لم يقابلوا هذه النعم بالشكر ، بل قابلوها بالجحود والكفران .
وفضلا عن ذلك فنحن الذين خلقنا أباكم آدم من طين غير مصور ، ثم صورناه بعد ذلك .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا، وهو قوله: ﴿ وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها ﴾ ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين: أحدهما: السؤال؛ وهو قوله: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ والثاني: بوزن الأعمال، وهو قوله: ﴿ والوزن يَوْمَئِذٍ الحق ﴾ رغبهم في قبول دعوة الأنبياء عليهم السلام في هذه الآية بطريق آخر وهو أنه كثرت نعم الله عليهم، وكثرة النعم توجب الطاعة، فقال: ﴿ وَلَقَدْ مكناكم فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش ﴾ فقوله: ﴿ مكناكم فِي الأرض ﴾ أي جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً ومكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها وجعلنا لكم فيها معايش، والمراد من المعايش: وجوه المنافع وهي على قسمين، منها ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثماء وغيرها، ومنها ما يحصل بالاكتساب وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه، فيكون الكل إنعاماً من الله تعالى، وكثرة الانعام لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد، ثم بين تعالى أنه مع هذا الإفضال والانعام عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي، فقال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ وهذا يدل على أنهم قد يشكرون والأمر كذلك، وذلك لأن الإقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة عقل كل عاقل، ونعم الله على الإنسان كثيرة، فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه، إنما التفاوت في أن بعضهم قد يكون كثير الشكر، وبعضهم يكون قليل الشكر.
المسألة الثانية: روى خارجة عن نافع أنه همز ﴿ معائش ﴾ قال الزجاج: جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز ﴿ معائش ﴾ خطأ، وذكروا أنه إنما يجوز جعل الياء همزة إذا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف، فأما معايش فمن العيش، والياء أصلية، وقراءة نافع لا أعرف لها وجهاً، إلا أن لفظة هذه الياء التي هي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة لقولنا صحيفة، فجعل قوله: ﴿ معائش ﴾ شبيهاً لقولنا صحائف فكما أدخلوا الهمزة في قولنا: صحائف فكذا في قولنا معائش على سبيل التشبيه، إلا أن الفرق ما ذكرناه أن الياء في معيشة أصلية وفي صحيفة زائدة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مكناكم فِي الأرض ﴾ جعلنا لكم فيها مكاناً وقراراً.
أو ملكناكم فيها وأقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش ﴾ جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها.
أوما يتوصل به إلى ذلك.
والوجه تصريح الياء.
وعن ابن عامر: أنه همز، على التشبيه بصحائف.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ ﴾ أيْ مَكَّنّاكم مِن سُكْناها وزَرْعِها والتَّصَرُّفِ فِيها.
﴿ وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ﴾ أسْبابًا تَعِيشُونَ بِها، جَمْعُ مَعِيشَةٍ.
وعَنْ نافِعٍ أنَّهُ هَمْزَةٌ تَشْبِيهًا بِما الياءُ فِيهِ زائِدَةٌ كَصَحائِفَ.
﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ فِيما صَنَعْتُ إلَيْكم.
﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ أيْ خَلَقْنا أباكم آدَمَ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ ثُمَّ صَوَّرْناهُ.
نَزَلَ خَلْقُهُ وتَصْوِيرُهُ مَنزِلَةَ خَلْقِ الكُلِّ وتَصْوِيرِهِ، أوِ ابْتَدَأْنا خَلْقَكم ثُمَّ تَصْوِيرَكم بِأنْ خَلَقْنا آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناهُ.
﴿ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ وقِيلَ ثُمَّ لِتَأْخِيرِ الإخْبارِ.
﴿ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴾ مِمَّنْ سَجَدَ لِآدَمَ.
<div class="verse-tafsir"
{ولقد مكناكم في الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش} جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرهما والوجه تصريح الياء لأنها أصلية بخلاف صحائف فالياء فيها زائدة وعن نافع أنه همز تشبيهاً
بصحائف {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} مثل قَلِيلاً ما تذكرون
﴿ ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ ﴾ تَرْغِيبٌ في قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَذْكِيرِ النِّعَمِ إثْرَ تَرْغِيبٍ.
وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الإنْذارِ فَإنَّهُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قُلِ اتَّبِعُوا وقُلْ واللَّهِ لَقَدْ مَكَّنّاكم والمَعْنى جَعَلْنا لَكم في الأرْضِ مَكانًا وقَرارًا.
وقِيلَ: أقَدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها فَهو حِينَئِذٍ كِنايَةٌ ورُجِّحَتْ هُنا الحَقِيقَةُ ﴿ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ﴾ أيْ ما تَعِيشُونَ بِهِ وتَحْيَوْنَ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ ونَحْوِها أوْ ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى ذَلِكَ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ عاشَ يَعِيشُ وعِيشَةً ومَعاشًا ومَعِيشَةً بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ والجُمْهُورُ عَلى التَّصْرِيحِ بِالياءِ فِيها ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَعائِشَ بِالهَمْزَةِ وغَلَّطَهُ النَّحْوِيُّونَ ومِنهم سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُهْمَزُ عِنْدَهم بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ إلّا الياءُ الزّائِدَةُ كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وأمّا مَعايِشُ فَياؤُهُ أصْلِيَّةٌ هي عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّها مِنَ العَيْشِ وبالَغَ أبُو عُثْمانَ فَقالَ إنَّ نافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي بِالعَرَبِيَّةِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وإنْ كانَتْ شاذَّةً غَيْرَ مُتَواتِرَةٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفُصَحاءِ الثِّقاتِ والعَرَبُ قَدْ تُشَبِّهُ الأصْلِيَّ بِالزّائِدِ لِكَوْنِهِ عَلى صُورَتِهِ وقَدْ سُمِعَ هَذا عَنْهم فِيما ذُكِرَ وفي مَصائِبَ ومَنائِرَ أيْضًا.
وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّها غَلَطٌ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ الجادَّةِ والقِياسِ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الغَلَطُ في كِتابَهِ بِهَذا المَعْنى والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما التَّأْخِيرُ عَنْهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مُنْبِئًا عَنْ مَنفَعَةِ السّامِعِ تَبْقى مُتَرَقَّبَةً لِوُرُودِ المُؤَخَّرِ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ الوُرُودِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ وأمّا تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى في فَلِما أنَّهُ المُنْبِئُ عَمّا ذَكَرَ مِنَ المَنفَعَةِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أتَمُّ والمُسارَعَةُ إلى ذِكْرِهِ أهَمُّ وقِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما أحَدُ الظَّرْفَيْنِ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِرُّ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ والظَّرْفُ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ أوْ بِالمَحْذُوفِ الواقِعِ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما مَرَّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في الإخْبارِ بِجَعْلِ المَعايِشِ حاصِلَةً لَهم أوْ حاصِلَةً في الأرْضِ ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ (10) تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ وهو تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سُوءِ المُخاطَبِينَ وتَحْذِيرِهِمْ قالَ الطَّيِّبِيُّ: والتَّذْيِيلُ بِذَلِكَ لِأنَّ الشُّكْرَ مُناسِبٌ لِتَمْكِينِهِمْ في البِلادِ والتَّصَرُّفِ فِيها كَما أنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُوافِقٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ ودِينِ الباطِلِ وبَقِيَّةُ الكَلامِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ في نَظِيرِها فَتَذَكَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أَيّ وزن الأعمال يومئذ بالعدل فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ أي رجحت حسناته على سيئاته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون.
وتكلموا في وزن الأعمال.
قال بعضهم: توزن الصحائف التي كتبها الحفظة في الدنيا.
وقال بعضهم: يجعل للأعمال صورة وتوضع في الميزان.
وقال بعضهم: هذا على وجه المثل وهو كناية عن التعديل، وهو قول المعتزلة.
وقال بعضهم: قد ذكر الله تعالى الوزن فنؤمن به ولا نعرف كيفيته.
وروى بلال الحبشي عن حذيفة عن النبيّ أنه قال: «إنَّ جِبْرِيلَ صَاحِبُ المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ رَبُّهُ زِنْ بَيْنَهُمْ فَرَدَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلا دِرْهَمَ يَوْمَئذٍ، وَلا فِضَّةَ، وَلا دِينَارَ، فَيَرُدُّ الظَّالِمُ عَلَى المَظْلُومِ مَا وَجَدَ لَهُ مِنْ حَسَنَةٍ.
فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ المَظْلُومِ فَتُرَدُّ عَلَى الظَّالِمِ فَيَرْجِعُ الظَّالِمُ وَعَلَيْهِ سَيِّئاتٌ مِثْلُ الجَبَلِ» .
وروي عن ابن عباس أنه قال: توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان وكفتان.
فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة، وتثقل حسناته على سيئاته.
وأما الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورة، وتثقل سيئاته على حسناته.
وقال بعضهم: لا يوزن عمل الكافر، وإنما توزن الأعمال التي بإزائها الحسنات.
ثم قال تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ أي رجحت سيئاته على حسناته فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي غبنوا حظ أنفسهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ بما كانوا بآياتنا يجحدون، بأنه ليس من الله تعالى.
وقد ذكر الموازين بلفظ الجمع.
قال بعضهم: لأن المراد بها جميع الموزون.
وقال بعضهم: أراد به الميزان لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهين والخيوط.
وقد ذكر باسم الجماعة.
قال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ أي مكناكم في الأرض وعمرناكم، فذكر لهم التهديد، ثم ذكر لهم النعم ليستحيوا من ربهم ولا يعصوه وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ يعني: الرزق وهو ما يخرج من الأرض من الكروم والثمار والحبوب.
وروى خارجة عن نافع أنه قرأ معائش بالهمز لأنه على ميزان فعائل مثل الكبائر والصغائر.
وقرأ الباقون بغير همز، لأنّ الياء أصلية وكان على ميزان مفاعل.
ثم قال: قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ يعني: إنكم لا تشكرون هذه النعمة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وأما الكفار، ومن نفذ عليه الوَعِيد من العُصَاةِ، فيعقبهم جوابهم عَذَاباً وتوبيخاً.
ت: وروى أبو عمر بن عبد البر «١» في كتاب «فَضْلِ العلمِ» بِسَنَدِهِ عن مَالِك أنه قال: بلغني أن العلماء يُسْأَلُونَ يوم القيامة كما تُسْأَلُ الأنبياء يعني عن تَبْلِيغ العِلمِ/ انتهى.
وخرج أبو نُعَيْم الحافظ من حديث الأَعْمَشِ، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من عَبْدٍ يخطو خطوةً إِلا يُسْأَلُ عنها ما أَرَادَ بها» «٢» .
وقد ذكرنا حَدِيثَ مسلم عن أبي برزة في غير هذا المَوْضِعِ.
وخرج الطبراني بسنده عن ابن عُمَرَ قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إذا كان يَوْمُ القِيَامَةِ دَعَا اللَّه بِعَبْدٍ من عِبَادِهِ، فيوقفه بين يَدَيْهِ، فيسأله عن جَاهِهِ، كما يسأله عن عَمَلِهِ» «٣» .
انتهى.
وروى مالك عن يحيى بن سَعِيدٍ، قال: بلغني أن أَوَّلَ ما ينظر فيه من عَمَلِ الْمَرْءِ، الصلاة، فإن قُبِلَتْ منه نُظِرَ في ما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه لم يُنْظَرْ في شَيْءٍ من عمله.
وروى أبو داود، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه معنى هذا الحديث مرفوعاً عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أول ما يُحاسَبُ به النَّاسُ يوم القِيَامَةِ من أعمالهم الصَّلاَةُ» قال: يقول رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ للملائكة انْظُرُوا في صَلاَةِ عَبْدِي أتمَّهَا أم نَقَصَها، فإن كانت تَامَّةً كتبت تَامَّةً، وإن كان انتُقِصَ منها شيءٌ، قال الله: انظروا هل لعبدي من تَطَوُّعٍ؟
فإن كان له تَطَوَّع قال: أتموا لعبدي فَرِيضَتَهُ من تَطَوُّعِهِ، ثم تؤخذ الأعمال «٤» على ذلك.
انتهى.
واللفظ لأبي داود.
وقال النسائي: ثم سائر الأعمال تجري على ذلك انتهى من «التذكرة» » .
وقوله سبحانه: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ أي: فَلنسْرِدَنَّ عليهم أعمالهم قِصَّةً قصة، بِعِلْمٍ أي: بحقيقة ويقين وَما كُنَّا غائِبِينَ.
وقوله عز وجل: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ التقدير: والوزن الحق ثابت، أو ظاهر يومئذٍ، أي يوم القيامة.
قال جمهور الأمّة: إنّ الله عز وجل أراد أن يبين لعباده أن الحِسَابَ والنظر يوم القِيَامَةِ هو في غَايَةِ التحرير، ونهاية العَدْلِ بأَمْرٍ قد عرفوه في الدُّنْيَا، وعهدته أفهامهم، فميزان القِيَامَةِ له عمود وَكِفَّتَانِ على هيئة مَوَازِينِ الدنيا، جَمَع لفظ «المَوَازِين» إذ في الميزان مَوْزُونَاتٌ كثيرة، فكأنه أراد التَّنْبِيه عليها.
قال الفخر «١» : والأظْهَرُ إثبات مَوَازِينَ في يوم القيامة لا ميزان واحدِ، لظواهر الآيات، وحمل الموازين على الموزونات، أو على الميزان الواحد يوجبان العُدُولَ عن ظَاهِرِ اللفظ، وذلك إنما يُصَارُ إليه عند تَعَذُّرِ حَمْلِ الكلام على ظَاهِرِهِ، ولا مانع هاهنا منه، فوجب إِجْرَاءُ اللفظ على حقيقته، فكما لم يمتنع إثبات مِيزانٍ له كِفَّتان، فكذلك لا يمتنع إِثْبَاتُ موازين بهذه الصِّفَةِ، وما الموجب لتَرْكِهِ، والمصير إلى التأويل.
انتهى.
قال أبو حَيَّان «٢» : موازينه جُمِعَ باعتبار المَوْزُونَاتِ «٣» ، وهذا على مذهب الجمهور في أن الميزَانَ واحد.
وقال الحسن: لكل واحدِ ميزَانٌ «٤» ، فالجمع إذن حَقِيقَةٌ انتهى.
والآيات هُنَا البَرَاهِينُ والأوامر والنواهي.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ ...
الآية خطاب لجميع الناس، والمعايش: بكسر الياء دون هَمْزٍ جمع معيشة، وهي لفظة تعمُّ جَمِيعَ المأكول الذي يُعَاشُ به، والتحرف الذي يُؤَدِّي إليه، وقَلِيلًا نصب ب تَشْكُرُونَ ويحتمل أن تكون مَّا مع الفعل بتأويل المصدر، وقَلِيلًا نعت لِمَصْدَرٍ محذوف، تقديره: شكراً قليلاً شكركم، أو شكرا قليلا تشكرون.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مَكَّنّاكم إيّاها.
والثّانِي: سَهَّلْنا عَلَيْكُمُ التَّصَرُّفَ فِيها وَفِي المَعايِشِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما تَعِيشُونَ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ.
والثّانِي: ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى المَعايِشِ، مِن زِراعَةٍ، وعَمَلٍ، وكَسْبٍ.
وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى تَرْكِ الهَمْزِ في "مَعايِشَ" وقَدْ رَواها خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ مَهْمُوزَةً.
قالَ الزَّجّاجُ: وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ يَزْعُمُونَ أنْ هَمَزَها خَطَأٌ، لِأنَّ الهَمْزَ إنَّما يَكُونُ في الياءِ الزّائِدَةِ، نَحْوُ صَحِيفَةٌ وصَحائِفُ؛ فَصَحِيفَةٌ مِنَ الصُّحُفِ؛ والياءُ زائِدَةٌ، فَأمّا مَعايِشُ، فَمِنَ العَيْشِ؛ فالياءُ أصْلِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ أيْ: شُكْرُكم قَلِيلٌ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّكم غَيْرُ شاكِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الساجِدِينَ ﴾ اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والمُرادُ أنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ مُمْكِنٌ في الأرْضِ؛ و"اَلْمَعايِشُ": جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وهي لَفْظَةٌ تَعُمُّ المَأْكُولَ الَّذِي يُعاشُ بِهِ؛ والتَحَرُّفَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعايِشَ" بِكَسْرِ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "مَعائِشَ"؛ بِالهَمْزِ؛ كَـ "مَدائِنُ"؛ و"سَفائِنُ"؛ ورَواهُ خارِجَةُ عن نافِعٍ ؛ ورُوِيَ عن ورْشٍ: "مَعايْشَ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ فَمَن قَرَأ: "مَعايِشَ"؛ بِتَصْحِيحِ الياءِ فَهو الأصْوَبُ؛ لِأنَّها جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعِلَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ قالَهُما سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "مَفْعَلَةٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فالياءُ في "مَعِيشَةٌ" أصْلِيَّةٌ؛ وأُعِلَّتْ "مَعِيشَةٌ"؛ لِمُوافَقَتِها الفِعْلَ؛ الَّذِي هو "يَعِيشُ"؛ في الياءِ؛ أيْ في المُتَحَرِّكِ؛ والساكِنِ؛ وصُحِّحَتْ "مَعايِشُ"؛ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ لِزَوالِ المُوافَقَةِ المَذْكُورَةِ في اللَفْظِ؛ ولِأنَّ التَكْسِيرَ - مَعْنًى - لا يَكُونُ في الفِعْلِ؛ إنَّما تَخْتَصُّ بِهِ الأسْماءُ؛ ومَن قَرَأ "مَعايْشَ"؛ فَعَلى التَخْفِيفِ مِن "مَعايِشَ"؛ ومَن قَرَأ "مَعائِشَ"؛ فَأعَلَّها؛ فَذَلِكَ غَلَطٌ؛ وأمّا تَوْجِيهُهُ فَعَلى تَشْبِيهِ الأصْلِ بِالزائِدِ؛ لِأنَّ "مَعِيشَةٌ"؛ تُشْبِهُ في اللَفْظِ "صَحِيفَةٌ"؛ فَكَما يُقالُ: "صَحائِفُ"؛ قِيلَ: "مَعائِشُ"؛ وإنَّما هُمِزَتْ ياءُ "صَحائِفُ"؛ ونَظائِرُها؛ مِمّا الياءُ فِيهِ زائِدَةٌ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها في الحَرَكَةِ؛ وإنَّما وزْنُها "فَعِيلَةٌ"؛ ساكِنَةً؛ فَلَمّا اضْطُرَّ إلى تَحْرِيكِها في الجَمْعِ؛ بُدِّلَتْ بِأجْلَدَ مِنها.
و"قَلِيلًا"؛ نُصِبَ بِـ "تَشْكُرُونَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما"؛ زائِدَةً؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "شُكْرًا قَلِيلًا شُكْرُكُمْ"؛ أو "شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها التَنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ والتَعْجِيبِ؛ مِن غَرِيبِ الصَنْعَةِ؛ وإسْداءِ النِعْمَةِ؛ فَبَدَأ بِالخَلْقِ؛ الَّذِي هو الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ؛ ثُمَّ بِالتَصْوِيرِ في هَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ لِلْبَشَرِ؛ وإلّا فَلَمْ يُعَرَّ المَخْلُوقُ قَطُّ مِن صُورَةٍ.
واضْطِرابُ الناسِ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنَّ الخَلْقَ؛ والتَصْوِيرَ لِبَنِي آدَمَ؛ قَبْلَ القَوْلِ لِلْمَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا؛ وقَدْ صَحَّحَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ الأمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ ؛ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ الخِطابُ لِبَنِيهِ؛ وذَلِكَ لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -سَبَبَ وُجُودِ بَنِيهِ فَما فُعِلَ فِيهِ صَحَّ - مَعَ تَجَوُّزِ - أنْ يُقالَ: "إنَّهُ فُعِلَ في بَنِيهِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى: "وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفي وقْتِ اسْتِخْراجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ظَهْرِهِ؛ أمْثالَ الذَرِّ؛ في صُورَةِ البَشَرِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنْ تَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها في التَرْتِيبِ؛ والمُهْلَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والأعْمَشُ: اَلْمُرادُ: "خَلَقْناكم في ظُهُورِ الآباءِ؛ وصَوَّرْناكم في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "أمّا "خَلَقْناكُمْ"؛ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا "صَوَّرْناكُمْ"؛ فَذُرِّيَّتُهُ؛ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقالَ مُعَمَّرُ بْنُ راشِدٍ - مِن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ -: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ؛ مِن خَلْقٍ؛ وتَصْوِيرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: إنَّ "ثُمَّ"؛ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ لا لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ في أنْفُسِها؛ وقالَ الأخْفَشُ: "ثُمَّ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الواوِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ نَحْوِيُّو البَصْرَةِ.
و"مَلائِكَةٌ": وزْنُهُ: إمّا "مَفاعِلَةٌ"؛ وإمّا "مَعافِلَةٌ"؛ بِحَسَبِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي قَدْ مَضى ذِكْرُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ وهُنالِكَ ذَكَرْنا هَيْئَةَ السُجُودِ؛ والمُرادَ بِهِ؛ ومَعْنى "إبْلِيسُ"؛ وكَيْفَ كانَ قَبْلَ المَعْصِيَةِ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ -: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ؛ فَقالَ الزَجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ ولَكِنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُجُودِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ ﴾ ؛ وقالَ غَيْرُ الزَجّاجِ: اَلِاسْتِثْناءُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنّا لَوْ جَعَلْناهُ مُنْقَطِعًا - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ -؛ لَوَجَبَ أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُجُودِ؛ إلّا أنْ يَقُولَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ أمْرَ إبْلِيسَ كانَ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى "اُسْجُدُوا"؛ وذَلِكَ بَيِّنُ الضَعْفِ.
وَقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ ووَجْهُها أنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ "اُسْجُدُوا"؛ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الهاءِ؛ وذَلِكَ لا يُتَّجَهُ؛ لِأنَّها هَمْزَةٌ مَحْذُوفَةٌ مَعَ جَرِّ الهاءِ بِحَرَكَةٍ؛ أيْ شَيْءٌ يُلْغى؛ والإلْغاءُ إنَّما يَكُونُ في الوَصْلِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون ﴾ [الأعراف: 3] فهذا تذكير لهم بأن الله هو ولي الخلق، لأنّه خالقهم على وجه الأرض، وخالق ما به عيشهم الذي به بقاء وجودهم إلى أجل معلوم، وتوبيخ على قلّة شكرها، كما دلّ عليه تذييل الجملة بقوله: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ فإنّ النّفوس التي لا يزجُرها التّهديد قد تنفعها الذكريات الصّالحة، وقد قال أحد الخوارج وطُلب منه أن يخرج إلى قتال الحجّاج بن يوسف وكان قد أسدى إليه نِعماً: أأقَاتِلُ الحجّاجَ عن سلطانه *** بيدٍ تُقِرّ بأنَّها مَوْلاَتِه وتأكيد الخبر بلام القسم وقد، المفيد للتّحقيققِ، تنزيلٌ للذين هم المقصود من الخطاب منزّلة من ينكر مضمون الخبر لأنّهم لما عَبدوا غير الله كان حالهم كحال من ينكر أنّ الله هو الذي مكَّنهم من الأرض، أو كحال من ينكر وقوع التمكين من أصله.
والتّمكين جعل الشّيء في مكان، وهو يطلق على الإقدار على التّصرف، على سبيل الكناية، وقد تقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ مَكَّنَّاهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ في سورة الأنعام (6) وهو مستعمل هنا في معناه الكنائي لا الصّريح، أي جعلنا لكم قدرة، أي أقدَرناكم على أمور الأرض وخوّلناكم التّصرف في مخلوقاتها، وذلك بما أودع الله في البشر من قوّة العقل والتفكير التي أهلته لسيادة هذا العالم والتّغلّب على مصاعبه، وليس المراد من التّمكين هنا القوّة والحكم كالمراد في قوله تعالى: ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ [الكهف: 84] لأنّ ذلك ليس حاصلاً بجميع البشر إلاّ على تأويل، وليس المراد بالتمكين أيضاً معناه الحقيقي وهو جعل المكان في الأرض لأنّ قوله: ﴿ في الأرض ﴾ يمنع من ذلك، لأنّه لو كان كذلك لقال ولقد مكناكم الأرضَ، وقد قال تعالى عن عاد: ﴿ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ﴾ [الأحقاف: 26] أي جعلنا ما أقررناهم عليه أعظم ممّا أقدرناكم عليه، أي في آثارهم في الأرض أمّا أصل القرار في الأرض فهو صراط بينهما.
ومعايش جمع معيشه، وهي ما يعيش به الحيّ من الطّعام والشّراب، مشتقّة من العيش وهو الحياة، وأصل المعيشة اسم مصدر عاش قال تعالى: ﴿ فإن له معيشة ضنكاً ﴾ [طه: 124] سمي به الشّيء الذي يحصل به العيش، تسمية للشّيء باسم سببه على طريقة المجاز الذي غلب حتّى صار مساوياً للحقيقة.
وياء (معايش) أصل في الكلمة لأنّها عين الكلمة من المصدر (عَيْش) فوزن معيشة مفعلة ومعايش مَفاعل، فحقّها أن ينطق بها في الجمع ياء وأن لا تقلب همزة.
لأن استعمال العرب في حرف المدّ الذي في المفرد أنّهم إذا جمعوه جمعاً بألف زائدة ردّوه إلى أصله واواً أو ياء بعد ألف الجمع، مثل: مفَازة ومفاوِز، فيما أصله واو من الفوز ومعيبة ومعايب فيما أصله الياء، فإذا كان حرف المدّ في المفرد غير أصلي فإنّهم إذا جمعوه جمعاً بألف زائدة قلبوا حرف المد همزة نحو قِلاَدة وقلائِد، وعَجُوز وعجَائز، وصحيفَه وصحائف، وهذا الاستعمال من لطائف التّفرقه بين حرف المد الأصلي والمد الزّائد واتّفق القراء على قراءته بالياء، وروى خارجة بن مصعب، وحميد بن عمير، عن نافع أنّه قرأ: معائش بهمز بعد الألف، وهي رواية شاذة عنه لا يُعْبَأ بها، وقُرئ في الشاذ: بالهمز، رواه عن الأعرج، وفي «الكشاف» نسبة هذه القراءة إلى ابن عامر وهو سهو من الزمخشري.
وقوله: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ هو كقوله في أوّل السّورة ﴿ قليلاً ما تذكّرون ﴾ [الأعراف: 3] ونظائره.
والخطاب للمشركين خاصة، لأنّهم الذين قَل شكرهم لله تعالى إذا اتّخذوا معه آلهة.
ووصف قليل يستعمل في معنى المعدوم كما تقدّم آنفاً في أوّل السّورة، ويجوز أن يكون على حقيقته أي إن شكركم الله قليل.
لأنّهم لمّا عرفوا أنّه ربّهم فقد شَكروه، ولكن أكثر أحوالهم هو الإعراض عن شكره والإقبال على عبادة الأصنام وما يتبعها، ويجوز أن تكون القلّة كناية عن العدم على طريقة الكلام المقتصد استنزالاً لتذكرهم.
وانتصب (قليلاً) على الحال من ضمير المخاطبين و(ما) مصدريّة، والمصدر المؤول في محلّ الفاعل بقليلاً فهي حال سببيّة.
وفي التّعقيب بهذه الآية لآية: ﴿ وكم من قرية أهلكناها ﴾ [الأعراف: 4] إيماء إلى أنّ إهمال شكر النّعمة يعرّض صاحبها لزوالها، وهو ما دلّ عليه قوله: ﴿ أهلكناها ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَهَّلْنا عَلَيْكُمُ التَّصَرُّفَ فِيها حَتّى وصَلْتُمْ إلى مُرادِكم مِنها.
والثّانِي: مَلَّكْناكم إيّاها حَتّى صِرْتُمْ أحَقَّ بِها.
﴿ وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ما تَعِيشُونَ بِهِ مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ.
والثّانِي: ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى مَعايِشِكم فِيها مِن زِراعَةٍ أوْ عَمَلٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج اللالكائي في السنة والبيهقي في البعث عن عمر بن الخطاب قال: «بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم في أناس إذ جاء رجل ليس عليه سحناء سفر، وليس من أهل البلد، يتخطى حتى ورك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ما الإِسلام؟
قال: الإِسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان، قال: فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟
قال نعم.
قال: صدقت يا محمد قال: ما الإِيمان؟
قال: الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالجنة والنار والميزان، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
قال: فإذا فعلت هذا فأنا مؤمن؟
قال: نعم.
قال: صدقت» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ قال: العدل ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ قال: حسناته ﴿ ومن خفت موازينه ﴾ قال: حسناته.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن عبد الله بن العيزار قال: إن الإِقدام يوم القيامة لمثل النبل في القرن، والسعيد من وجد لقدميه موضعاً، وعند الميزان ملك ينادي: ألا إن فلان بن فلان ثقلت موازينه وسعد سعادة لن يشقي بعدها أبداً، ألا إن فلان خَفَّتْ موازنيه وشقى شقاء لن يسعد بعده أبداً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ قال: توزن الأعمال.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، فمن أراد الله به خيراً ختم له بخير عمله، ومن أراد به شراً ختم له بشر عمله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحارث الأعور قال: إن الحق ليثقل على أهل الحق كثقله في الميزان، وأن الحق ليخف على أهل الباطل كخفته في الميزان.
وأخرج ابن المنذر واللالكائي عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان.
وأخرج أبو الشيخ عن كعب قال: يوضع الميزان بين شجرتين عند بيت المقدس.
وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير واللالكائي عن حذيفة قال: صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام، يرد بعضهم على بعض فيؤخذ من حسنات الظالم فترد على المظلوم، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فردت على الظالم.
وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي في قوله: ﴿ والوزن يومئذ الحق ﴾ قال: أخبرني أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: له لسان وكفتان يوزن، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ومنازلهم في الجنة بما كانوا بآياتنا يظلمون.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ﴾ قال: للنبي صلى الله عليه وسلم بعض أهله: يا رسول الله هل يذكر الناس أهليهم يوم القيامة؟
قال: «أما في ثلاث مواطن فلا: عند الميزان، وعند تطاير الصحف في الأيدي، وعند الصراط» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يحاسب الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحده دخل النار، ثم قرأ ﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ الآيتين.
ثم قال.
إن الميزان يخف بمثقال حبة ويرجح، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الأعراف.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإِخلاص عن علي بن أبي طالب قال: من كان ظاهره أرجح من باطنه خف ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة.
وأخرج أبو الشيخ عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار» .
وأخرج البزار وابن مردويه واللالكائي والبيهقي عن أنس رفعه قال: إن ملكاً موكل بالميزان، فيؤتى بالعبد يوم القيامة فيوقف بين كفتي الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان بن قلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وإن خفت ميزانه نادى الملك: شقى فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والآجري في الشريعة والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن عائشة.
أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالك..؟!
قالت: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟
قال: أما في ثلاث مواطن فلا يذكر أحداً حيث توضع الميزان حتى يعلم اتخف ميزانه أم تثقل، وعند تطاير الكتب حين يقال: ﴿ هاؤم اقرأوا كتابيه ﴾ [ الحاقة: 19] حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أو من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم حافتاه كلاليب كثيرة وحسك كثير يحبس الله بها من شاء من خلقه حتى يعلم أينجو أم لا» .
وأخرج الحاكم وصححه عن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟
فيقول الله: لمن شئت من خلقي.
فتقول الملائكة: سبحانك...
!
ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تنحى على هذا؟
فيقول: من شئت من خلقي.
فيقولون: سبحانك...
!
ما عبدناك حق عبادتك» .
وأخرج ابن المبارك في الزهد والآجري في الشريعة واللالكائي عن سلمان قال: يوضع الميزان وله كفتان لو وضع في إحداهما السموات والأرض ومن فيهن لوسعه، فتقول الملائكة: من يزن هذا؟
فيقول: من شئت من خلقي.
فتقول الملائكة: سبحانك...
!
ما عبدناك حق عباتك.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خلق الله كفتي الميزان مثل السماء والأرض.
فقالت الملائكة: يا ربنا من تزن بهذا؟
قال: أزن به من شئت.
وخلق الله الصراط كحد السيف فقالت الملائكة: يا ربنا من تجيز على هذا؟
قال: أجيز عليه من شئت» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: الميزان له لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات، فيؤتى بالحسنات في أحسن صورة فتوضع في كفة الميزان، فتثقل على السيئات فتؤخذ فتوضع في الجنة عند منازله، ثم يقال للمؤمن: الحق بعملك.
فينطلق إلى الجنة فيعرف منازله بعمله، ويؤتى بالسيئات في أقبح صوره فتوضع في كفة الميزان، فتخف والباطل خفيف فتطرح في جهنم إلى منازله فيها، ويقال له: الحق بعملك إلى النار.
فيأتي النار فيعرف منازله بعمله وما أعد الله له فيها من ألوان العذاب.
قال ابن عباس: فلهم أعرف بمنازلهم في الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين إلى منازلهم.
وأخرج الترمذي وحسنه والبيهقي في البعث عن أنس قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال «أنا فاعل» .
قلت: يا رسول الله أين أطلبك؟
قال: «أطلبني أول ما تطلبني على الصراط» .
قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟
قال: «فاطلبني عند الميزان» .
قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟
قال: «فاطلبني عند الحوض» ، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن.
وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في البعث عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر، فيقول: أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون؟
فيقول: لا يا رب.
فيقول: أفلك عذراً وحسنة؟
فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب.
فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، وأنه لا أظلم عليك اليوم.
فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟
فيقال: إنك لا تظلم.
فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء» .
وأخرج أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم «توضع الموازين يوم القيامة فيؤتي بالرجل فيوضع في كفه ويوضع ما أحصى عليه فتمايل به الميزان فيبعث به إلى النار فإذا أدبر به، صائح يصيح عند الرحمن: لا تعجلوا لا تعجلوا فإنه قد بقي له.
فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله.
فتوضع مع الرجل في كفة حتى تميل به الميزان» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والنميري في كتاب الأعلام عن عبد الله بن عمرو قال: «إن لآدم عليه السلام من الله عز وجل موقفاً في فسح من العرش، عليه ثوبان أخضران كأنه سحوق، ينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى الجنة، وينظر إلى من ينطلق به من ولده إلى النار، فبينا آدم على ذلك إذ نظر إلى رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ينطلق به إلى النار، فينادي آدم: يا أحمد.
فيقول: لبيك يا أبا البشر.
فيقول هذا رجل من أمتك ينطلق به إلى النار، فأشد المئزر وأسرع في أثر الملائكة وأقول: يا رسل ربي قفوا.
فيقولون: نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصي الله ما أمرنا ونفعل ما نؤمر.
فإذا أيس النبي صلى الله عليه وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه، فيقول: يا رب قد وعدتني أن لا تخزيني في أمتي؟
فيأتي النداء من عند العرش: أطيعوا محمداً وردوا هذا العبد إلى المقام.
فأخرج من حجزتي بطاقة بيضاء كالأنملة، فألقيها في كفة الميزان اليمنى وأنا أقول: بسم الله.
فترجح الحسنات على السيئات، فينادي سعد وسعد جده وثقلت موازينه: انطلقوا به إلى الجنة، فيقول: يا رسل ربي قفوا حتى أسأل هذا العبد الكريم على ربه.
فيقول: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وأحسن خلقك من أنت؟
فقد: أقلتني عثرتي.
فيقول: أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك التي كنت تصلي علي، وافتك أحوج ما تكون إليها» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر عن النبي صى الله عليه وسلم قال: «أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله» .
وأخرج البخاري ومسلم والترميذي والنسائي وابن ماجة واللالكائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لو جيء بالسموات والأرض ومن فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى لرجحت بهن» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وأبو يعلى والطبراني والبيهقي بسند جيد عن أنس قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر فقال: «ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟
قال: بلى يا رسول الله.
قال عليك بحسن الخُلق وطول الصمت، فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال: قلت لأم الدرداء: أما سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً؟
قالت: نعم، دخلت عليه فسمعته يقول: «أول ما يوضع في الميزان الخُلق الحسن» .
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن حبان واللالكائي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خُلق حسن» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب قال: أعطيت ناقة في سبيل الله، فأردت أن أشتري من نسلها، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعها تأتي يوم القيامة هي وأولادها جميعاً في ميزانك» .
وأخرج أبو نعيم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن مغيث بن سميّ وعن مسروق قالا: تعبَّد راهب في صومعة ستين سنة، فنظر يوماً في غب سماء فقال: لو نزلت فإني لا أرى أحداً فشربت من الماء وتوضأت ثم رجعت إلى مكاني، فتعرضت له امرأة فتكشفت له، فلم يملك نفسه إن وقع عليها، فدخل بعض تلك الغدران يغتسل فيه، وأدركه الموت وهو على تلك الحال، ومر به سائل فأوما إليه أن خذ الرغيف رغيفاً كان في كسائه، فأخذ المسكين الرغيف ومات، فجيء بعمل ستين سنة فوضع في كفة، وجيء بخطيئته فوضعت في كفة، فرجحت بعمله حتى جيء بالرغيف، فوضع مع عمله فرجح بخطيئته.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ خمس ما أثقلهن في الميزان.
سبحان الله، ولا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر، وفرط صالح يفرطه المسلم» .
وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن عمرو بن حريث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أنفقت عن خادمك من عمله كان لك أجره في موازينك» .
وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من توضأ فمسح بثوب نظيف فلا بأس به ومن لم يفعل فهو أفضل، لأن الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب أنه كره المنديل بعد الوضوء، وقال: هو يوزن.
وأخرج الترمذي والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن كل قطره توزن.
وأخرج المرهبي في فضل العلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» .
وأخرج الديلمي من حديث ابن عمر وابن عمرو.
مثله.
وأخرج عبد البر في فضل العلم عن إبراهيم النخعي قال: يجاء بعمل الرجل فيوضع في كفة ميزانه يوم القيامة فيخف، فيجاء بشيء أمثال الغمام فيوضع في كفة ميزانه فترجح، فيقال له: أتدري ما هذا؟
فيقول: لا.
فيقال له: هذا فضل العلم الذي كنت تعلمه الناس.
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن حماد بن أبي سليمان قال: يجيء رجل يوم القيامة فيرى عمله محتقراً، فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع في ميراثه، فيقال: هذا ما كنت تعلم الناس من الخير فورث بعدك فأجرت فيه.
وأخرج ابن المبارك عن أبي الدرداء قال: من كان الأجوفان همه خسر ميزانه يوم القيامه.
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن ليث قال: قال عيسى ابن مريم عليه السلام: أمة محمد أثقل الناس في الميزان، ذلت ألسنتهم بكلمة ثقلت على من كان قبلهم: لا إله إلا الله.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أيوب قال: سمعت من غير واحد من أصحابنا: أن العبد يوقف على الميزان يوم القيامة فينظر في الميزان، وينظر إلى صاحب الميزان فيقول صاحب الميزان: يا عبد الله أتفقد من عملك ذلك شيئاً؟
فيقول: نعم.
فيقول: ماذا؟
فيقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
فيقول صاحب الميزان: هي أعظم من أن توضع في الميزان.
قال موسى بن عبيدة: سمعت أنها تأتي يوم القيامة تجادل عمن كان يقولها في الدنيا جدال الخصم.
وأخرج أبو داود والحاكم عن أبي الأزهر زهير الأنماري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه قال: «اللهمَّ أغفر لي، وأخسَّ شيطاني، وفكَّ رهاني، وثَقِّلْ ميزاتي، واجعلني في النديّ الأعلى» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال الزجاج: (معنى التمكين في الأرض: التمليك والقدرة) (١) (٢) (٣) وقولى تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ ، يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشًا ومعيشة وعيشة ومعيشا بغير هاء (٤) إليك أشكو شِدَّةَ المَعِيشِ (٥) قال الليث: (العيش: المطعم والمشرب (٦) (٧) (٨) (٩) وقد أشار ابن عباس إلى المعنين اللذين ذكرهما الزجاج فقال في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ (يريد: بما أفضل عليكم في الرزق وما فضلكم به على العرب، وهو أنهم ينسبون إلى الله وإلى حرمه وأمنه والعرب لهم تبع) (١٠) (١١) فأما القراءة (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ معائش ﴾ بالهمز (١٧) قال الفراء: (ربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة لشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسلة (١٨) (١٩) وقال أبو إسحاق: (جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز ﴿ مَعَايِشَ ﴾ خطأ، وذكروا أن الهمز إنما يكون في هذه الياء إذا كانت زائدة نحو: صحيفة وصحائف، فأما ﴿ مَعَايِشَ ﴾ فمن العيش الياء أصلية، فأما ما (٢٠) ﴿ مَعَايِشَ ﴾ فلا أعرف له وجهًا إلا أن لفظ هذه الياء التي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصار على لفظ صحيفة فحمل الجمع على ذلك، ولا أحب القراءة بالهمز) (٢١) قال أبو علي الفارسي: (قوله: ﴿ مَعَايِشَ ﴾ العين منه ياء ووزن المعيشة من الفعل عند الخليل (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ معائش ﴾ بالهمز (٢٩) وجميع (٣٠) فإذا جمع معيشة مكسرًا ردت ألف الجمع ثالثة قبل الياء والألف ساكنة والياء أيضًا ساكنة، ومن حكم الساكنين إذا اجتمعا أن يحرك أحدهما أو يحذف، فالحذف هنا لا يجوز لالتباس الجمع بالواحد، وإذا لم يجز الحذف لاجتماعهما لزم تحريك أحدهما ، ولا يخلو من أن يكون الأول (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وإنَّي لَقَوَّامُ مقاوم لَمْ يَكُنْ ...
جَرِيرٌ وَلاَ مَوْلَى جَرِيرٍ يَقُومُهَا فصحح الواو في الجمع لما لزم تحريكها لاجتماع الساكنين، فبان بهذا أن جمع (معيشة) على (معايش) يزيل مشابهته الفعل في البناء وعلمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد (٣٥) فإن قيل: هل أعل العين إذا كانت ياء أو واوًا في نحو هذا الجمع كما أعلت في قائل وبائع بقلبها همزة لما اعتلا في الفعل؟
والجواب أن إعلال (معايش) لا يلزم؛ لأن زنة الفعل قد بطلت عنه ولزم (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقال غير أبي علي [في] (٣٩) (٤٠) (٤١) فأما (معايش) ففي تصحيح يائه ما يغني عن الهمزة) رجعنا إلى كلام أبي علي قال: (فأما قراءة هذا القارئ ﴿ معائش ﴾ بالهمز، فقال أبو عثمان: (أصل أخذ هذه القراءة عن نافع قال: ولم يكن يدري ما (٤٢) (٤٣) ﴿ مَعَايِشَ ﴾ فمجازه على وجه الغلط كما حكى سيبويه (أن بعضهم قال في جمع مصيبة: مصائب فهمز وهو غلط لأن مصائب مفاعل (٤٤) قال: ومنهم من يقول: مصاوب فيجيء به على الأصل والقياس) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ ، (ومثل هذا مما حمل على الغلط قول بعضهم في جمع مَسِيل: مسلان، فمسيل مفعل والياء فيه عين الفعل، فتوهم من قال في جمعه: مسلان أنها زائدة للمد فجمعه على فعلان كما يجمع قضيب على قضبان، وعلى هذا (٥٢) (٥٣) وَأَمْسِلَةٍ مَدَافِعُها خَلِيفُ (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) ﴿ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴾ (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: أنكم غير شاكرين لأنعمي (٦١) (٦٢) (٦٣) (١) "معاني القرآن" للزجاج 2/ 320، وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 125، و"معاني النحاس" 3/ 11.
(٢) في (ب): (مكناكم).
(٣) "تنوير المقباس" 2/ 81 - 82، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 160.
(٤) النص من "تهذيب اللغة" 3/ 2281، وانظر: "اللسان" 5/ 3190 (عيش).
(٥) "ديوانه" ص 78، و"الزاهر" 1/ 250، والقرطبي 3/ 81، و"الدر المصون" 2/ 420، 5/ 258، وتمامه: ومر أعوام نتفن ريشي أي أذهبن مالي، وفي "الديوان": أَشْكُو إِلَيْك شِدَّةَ المعَيشِ ...
دهرًا تنقَّى المُخَ بِالتَمشِيشِ (٦) في (ب): (والمشروب).
(٧) "تهذيب اللغة" 3/ 2281، وانظر: "العين" 2/ 189، و"الجمهرة" 2/ 872، و"الصحاح" 3/ 1512، و"المجمل" 2/ 639، و"مقاييس اللغة" 4/ 194، و"المفردات" ص 596 (عيش).
(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٩) "معاني الزجاج" 2/ 320، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 11.
(١٠) في "تنوير المقباس" 2/ 82 نحوه.
(١١) لفظ: (الوصلة) ساقط من (أ).
(١٢) قرأ الجمهور ﴿ معايش ﴾ بالياء، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - وزيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع، وابن عامر في رواية: ﴿ معائش ﴾ بالهمز، والقياس بدون همز؛ لأن الياء أصل وإذا كانت زائدة همزت مثل صحيفة وصحائف.
لكن قال الفراء في "معانيه" 1/ 373: (وربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة بشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 271: (رواها عرب فصحاء ثقات فوجب قبولها، وقد ردها نحاة البصرة ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة) اهـ.
بتصرف.
وانظر: "السبعة" ص 278، و"إعراب النحاس" 1/ 600، و"معرفة القراءات" 1/ 400، و"إعراب القراءات" 1/ 176، و"مختصر الشواذ" ص 48، و"المبسوط" ص 179، و"الدر المصون" 5/ 258.
(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(١٤) في (ب): (فترجع).
(١٥) "معاني الفراء" 1/ 273.
(١٦) خارجة بن مُصْعَب بن خارجة الضبعي أبو الحجاج الخراساني، فقيه، مقرئ، متروك الحديث.
أخذ القراءة عن نافع وغيره، وله شذوذ كثير عنه لم يتابع عليه، توفي سنة 168 هـ وله 98 سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 375، و"ميزان الاعتدال" 1/ 625، و"غاية النهاية" 1/ 268، و"تهذيب التهذيب" 1/ 512.
(١٧) ذكرها أكثرهم كما في المراجع السابقة في فقرة رقم (2).
(١٨) في (أ): (مسله) وهو تحريف.
(١٩) "معاني الفراء" 1/ 373 - 374.
(٢٠) في (ب): (فأما رواه)، وهو تحريف.
(٢١) "معاني الزجاج" 2/ 320 - 321، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 600، 601، و"المشكل" 1/ 283 - 284.
(٢٢) في "الكتاب" 4/ 349، وكذا في "الإغفال" ص730 (فمعيشة يصلح أن تكون مَفْعلُة -بفتح الميم وسكون الفاء وضم العين-، أو -مفعلة- بكسر العين) اهـ.
وانظر "الكتاب" 4/ 349، وص 355.
(٢٣) في (ب): (كما يعل الفعل)، ثم تكرر قوله: (وقد وجدنا) إلى قوله: (كما يعل).
(٢٤) قرأ الجمهور ﴿ معايش ﴾ بالياء، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - وزيد بن علي، والأعمش، وخارجة بن مصعب عن نافع، وابن عامر في رواية: ﴿ معائش ﴾ بالهمز، والقياس بدون همزة لأن الياء أصل وإذا كانت زائدة همزت مثل صحيفة وصحائف.
لكن قال الفراء في "معانيه" 1/ 373: (وربما همزت العرب هذا وشبهه يتوهمون أنها فعيلة بشبهها بوزنها في اللفظ وعدة الحروف كما جمعوا مسيل الماء أمسله شبه بفعيل وهو مفعل وقد همزت العرب المصائب وواحدتها مصيبة، شبهت بفعيلة لكثرتها في الكلام) اهـ.
وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 271: (رواها عرب فصحاء ثقات فوجب قبولها، وقد ردها نحاة البصرة ولسنا متعبدين بأقوال نحاة البصرة) اهـ.
بتصرف.
وانظر: "السبعة" ص 278، و"إعراب النحاس" 1/ 600، و"معرفة القراءات" 1/ 400، و"إعراب القراءات" 1/ 176، و"مختصر الشواذ" ص 48، و"المبسوط" ص 179، و"الدر المصون" 5/ 258.
(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٢٦) في (ب): (فترجع).
(٢٧) "معاني الفراء" 1/ 273.
(٢٨) خارجة بن مُصْعَب بن خارجة الضبعي أبو الحجاج الخراساني، فقيه، مقرئ، متروك الحديث.
أخذ القراءة عن نافع وغيره، وله شذوذ كثير عنه لم يتابع عليه، توفي سنة 168 هـ وله 98 سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 375، و"ميزان الاعتدال" 1/ 625، و"غاية النهاية" 1/ 268، و"تهذيب التهذيب" 1/ 512.
(٢٩) ذكرها أكثرهم كما في المراجع السابقة في فقرة رقم (2).= و"معجم الأدباء" 7/ 107، و"سير أعلام النبلاء" 12/ 270، و"لسان الميزان" 2/ 57.
(٣٠) انظر: "المنصف" 7/ 107، و"المقتضب" 1/ 261.
(٣١) لفظ: (الأول) غير واضح في (أ)، وفي (ب): (الأول والثاني).
(٣٢) في (أ): (رجعت واوًا صحيحة ياء كما أن).
(٣٣) في (أ): (وإذا).
(٣٤) الشاهد للأخطل في "ديوانه" ص 322، و"أمالي القالي" 3/ 77، و"الخصائص" 3/ 145، وللفرزدق في "المقتضب" 1/ 260، و"المخصص" 14/ 21، وبدون نسبة في "معاني الزجاج" 1/ 206 - 2/ 320، و"إعراب النحاس" 1/ 601، و"المنصف" 1/ 306.
والشاهد قوله: (مقاوم) في جمع مقامة وأصلها مجلس القوم.
(٣٥) في "الحجة" لأبي علي 4/ 7: (فمعيشة موافقة للفعل في البناء ألا ترى أنه مثل يعيش في الزنة وتكسيرها يزيل مشابهته في البناء فقد علمت بذلك زوال المعنى الموجب للإعلال في الواحد في المجمع فلزم التصحيح في التكسير لزوال المشابهة في اللفظ) اهـ.
(٣٦) في (أ): (ولزوم).
(٣٧) قوله: (وهو الأمر من المفاعلة) ليس في "الإغفال".
(٣٨) انظر: "الحجة" لأبي علي 4/ 7 - 8، و"الإغفال" ص 730 - 740، و"معجم الإبدال والإعلال" للخراط ص 198.
(٣٩) لفظ: (في) ساقط من (ب).
(٤٠) في (ب): (عن الواو والياء).
(٤١) ذكره نحو المبرد في "المقتضب" 1/ 237، وابن جني في "المنصف" 1/ 280، وانظر: "الكتاب" 4/ 345، و"التصريف" للجرجاني ص 86، و"الممتع" لابن عصفور 1/ 327، و"شرح مختصر تصريف العزي" للتفتازاني ص 131، و"شذا العرف" للحملاوي ص 74.
(٤٢) في (أ): (يدري العربية).
(٤٣) انظر: "المنصف" 1/ 307، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 271 - 272: (أما قول المازني (أصل أخذ هذه القراءة عن نافع) فليس بصحيح لأنها نقلت عن ابن عامر والأعرج وزيد بن علي والأعمش، وأما قوله (إن نافعًا لم يكن يدري ما العربية) فشهادة على النفي، ولو فرضنا أنه لا يدري ما العربية وهي هذه الصناعة التي يتوصل بها إلى التكلم بلسان العرب فهو لا يلزمه ذلك، إذ هو فصيح متكلم بالعربية ناقل للقراءة عن العرب الفصحاء، وكثير من هؤلاء النحاة يسيئون الظن بالقراء، ولا يجوز لهم ذلك) اهـ.
(٤٤) في "الكتاب" 4/ 356، و"الإغفال" ص 741 (وهو غلط، وإنما هو مُفْعِلة وتوهموها فَعْيِلة).
(٤٥) "الكتاب" 4/ 356.
(٤٦) في (أ): (وقال)، وهو تحريف.
(٤٧) (وهو)، وهو تحريف.
(٤٨) في "الإغفال" (التي تزاد للمد).
(٤٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥٠) في "الإغفال" ص 742: صفائح.
(٥١) انظر "البسيط" النسخة الأزهرية 1/ 98 أ.
(٥٢) هذا من "الحجة" 3/ 8.
(٥٣) أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي.
تقدمت ترجمته.
(٥٤) "شرح ديوان الهذليين" للسكري 1/ 185، و"المخصص" 5/ 123، 10/ 107، و"الدر المصون" 5/ 259، وصدره: بَوادٍ لا أنِيسَ به يَبَابٍ ويباب بالفتح؛ خراب فقر ليس فيه أحد.= انظر: "اللسان" 8/ 4947 (يبب)، وأمسلة، بسكون الميم وكسر السين: جمع مَسِيل وهو: مجرى الماء.
انظر: "اللسان" 7/ 4205 (مسل) ومدافعها.
المجاري التي تدفع إلى الأودية.
انظر: "اللسان" 3/ 1394 (دفع)، وخليف بفتح الخاء وكسر اللام: الطريق بين الجبلين انظر: "اللسان" 2/ 1242 (خلف).
(٥٥) إلى هنا انتهى النقل من "الحجة".
(٥٦) في (ب): (فلذلك).
(٥٧) في (أ): (همزة).
(٥٨) انظر: "الإغفال" ص 730 - 744، و"الحجة" 4/ 7 - 8، وهو أخذ منهما مع بعض التصرف اليسير في العبارة وانظر: "تفسير الطبري" 8/ 25، و"المشكل" 1/ 283، والمراجع المذكورة في "القراءة" ص 30 من هذا الجزء.
(٥٩) في (ب): (وأرسل فرعون في المدائن حاشرين) من هذه السورة إن شاء الله.
وهذا وهم، وجاء في سورة الشعراء الآية: 53 قوله تعالى: ﴿ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ﴾ .
(٦٠) انظر تفسير هذه الآية في هذا الجزء ص 267.
(٦١) لفظ: (ولا) ساقط من (ب).
(٦٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 160، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 172، وفي "تنوير المقباس" 2/ 82 نحوه.
(٦٣) لفظ: (وقد مر) ساقط من (أ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم ﴾ أي على الرسل والأمم ﴿ والوزن ﴾ يعني وزن الأعمال ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي يوم يسأل الرسل وأممهم وهو يوم القيامة ﴿ بِآيَOتِنَا يِظْلِمُونَ ﴾ أي يكذبون بها ظلماً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يتذكرون ﴾ بياء الغيبة ثم تاء التفعل: ابن عامر.
والباقون كما مر في آخر الأنعام.
الوقوف: ﴿ المص ﴾ ه كوفي ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ قائلون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ غائبين ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ معايش ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه.
التفسير: قد تقدم في أول الكتاب مباحث هذه المقطعة على سبيل العموم.
وعن ابن عباس معنى المص أنا الله أعلم وأفصل.
وقال السدي: معناه أنا المصوّر.
وقيل: معناه ألم نشرح لك صدرك بدليل ﴿ فلا يكن في صدرك حرج منه ﴾ كما زاد في الرعد راء لقوله بعده ﴿ رفع السموات ﴾ ثم إن جعلنا هذه الحروف بدل جملة فلا محل لها من الإعراب، وإن كانت اسماً للسورة جاز أن يكون ﴿ المص ﴾ مبتدأ و ﴿ كتاب ﴾ يعني به السورة خبره والجملة بعده صفة له، وجاز أن يكون ﴿ المص ﴾ خبر مبتدأ محذوف وكذا ﴿ كتاب ﴾ أي هذه المص هو كتاب أنزل إليك.
والدليل على أنه منزل من الله هو أنه ما تلمذ لأستاذ ولا تعلم من معلم ولا طالع كتاباً ولم يخالط أهل الأخبار والأشعار وقد مضى على ذلك أربعون سنة ثم ظهر عليه هذا الكتاب المشتمل على علوم الأولين والآخرين فلن تبقى شبهة في أنه مستفاد بطريق الوحي.
القائلون بخلق القرآن زعموا أن الإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال وهذا من سمات المحدثات.
وأجيب بأن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو الحروف والألفاظ ولا نزاع في كونها محدثة مخلوقة.
فإن قيل: الحروف أعراض غير باقية بدليل أنه لا يمكن الإتيان بها إلا على سبيل التوالي وعدم الاستقرار فكيف يعقل وصفها بالنزول؟
أجيب بأنه أحدث هذه الرقوم في اللوح المحفوظ ثم إن الملك طالع تلك النقوش وحفظها ونزل فعلمها محمداً صلى الله عليه وآله.
ثم قال: ﴿ فلا يكن في صدرك حرج ﴾ أي شك.
وسمي الشك حرجاً لأن الشاك ضيق الصدر حرج كما أن المتيقن منفسح الصدر منشرح، ومعنى ﴿ منه ﴾ أي من شأن الكتاب أي لا تشك في أنه منزل من عند الله أو من تبليغه أي لا يضق صدرك من الأداء وتوجه النهي إلى الحرج كقولهم لا أرينك ههنا والمراد نهيه عن الكون بحضرته فإن ذلك سبب رؤيته ومثله قوله ﴿ وليجدوا فيكم غلظة ﴾ ظاهره أمر للمشركين وإنه في الحقيقة أمر للمؤمنين بأن يغلظوا على المشركين.
وفي متعلق قوله ﴿ لتنذر ﴾ أقوال.
قال الفراء: إنه متعلق بـ ﴿ أنزل ﴾ وفي الكلام تقديم وتأخير أي أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج.
وفائدة التقديم والتأخير أن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر.
وقال ابن الأنباري: إنه متعلق بالنهي واللام بمعنى كي والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تقدر على إنذار غيرك لأنه إذا لم يخفهم أنذرهم وكذلك إذا أيقن أنه من عند الله شجعه اليقين على الإنذار لأن صاحب اليقين جسور لتوكله على ربه وثقته بعصمته.
وقال صاحب النظم: اللام بمعنى "أن" كقوله: ﴿ يريدون أن يطفئوا ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ليطفؤا ﴾ والتقدير لا يضق صدرك ولا تضعف عن أن تنذر به.
وقيل: إن تقدير الكلام هذا الكتاب أنزله الله عليك وإذا علمت أنه تنزيل الله فاعلم أن عناية الله معك وإذا علمت هذا فلا يكن في صدرك حرج لأن من كان الله له حافظاً وناصراً لم يخف أحداً، وإذا زال الخوف والضيق عن القلب فاشتغل بالإبلاغ والإنذار اشتغال الرجال الأبطال ولا تبال بأحد من أهل الضلال والإبطال.
ثم قال: ﴿ وذكرى للمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: يريد مواعظ للمصدقين.
وقال الزجاج: هو اسم في موضع المصدر.
قال الليث: الذكرى اسم للتذكرة.
وقال صاحب الكشاف: محل ذكرى يحتمل النصب بإضمار فعلها كأنه قيل لتنذر به وتذكر تذكيراً، والرفع عطفاً على كتاب، أو بأنه خبر مبتدأ محذوف والجر للعطف على محل ﴿ أن تنذر ﴾ أي للإنذار وللذكرى.
وإنما لم نقل على محل لتنذر لأن المفعول له يجب أن يكون فاعله وفاعل الفعل المعلل واحداً ولو صح ذلك لكان محله النصب لا الجر.
وخص الذكرى بالمؤمنين كقوله: ﴿ هدى للمتقين ﴾ والتحقيق فيه أن النفوس البشرية منها بليدة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في بحر اللذات الجسمانية فتحتاج إلى زاجر قويّ، ومنها مشرقة بالأنوار الإلهية مستعدة للإنجذاب إلى عالم القدس إلا أنها غشيتها غواش من عالم الجسم فعرض لها نوع ذهول وغفلة، فالصنف الأول يحتاج إلى إنذار وتخويف وأما الصنف الثاني فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصل بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت معدنها وأبصرت مركزها واشتاقت إلى ما هنالك من الروح والراحة والريحان فلمتحتج إلا إلى تذكرة وتنبيه، فثبت أنه أنزل هذا الكتاب على رسوله ليكون إنذاراً في حق طائفة وذكرى في شأن طائفة.
ثم كما أمر الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلب قوي وعزم صحيح أمر المرسل إليهم وهم الأمة بالمتابعة فقال: ﴿ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ ومعنى كونه منزلاً إليهم أنهم مخاطبون بذلك مكلفون به وإلا فهو بالحقيقة منزل على الرسول، قالت العلماء: المنزل متناول للقرآن والسنة جميعاً.
عن الحسن: يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة رسوله.
وفي الآية دلالة على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس غير جائز لأن متابعة المنزل واجبة فلو عمل بالقياس لزم التناقض.
فإن قيل: العمل بالقياس لكونه مستفاداً من القرآن وهو قوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ عمل بالقرآن أيضاً.
قلنا: بعد التسليم إن الترجيح معنا لأن العمل بالمنزل ابتداء أولى من العمل بالمنزل بواسطة، ثم أكد الأمر المذكور بقوله: ﴿ ولا تتبعوا من دونه ﴾ أي لا تتخذوا من دون الله ﴿ أولياء ﴾ من شياطين الجن والإنس فيحملوكم على عبادة الأوثان والأهواء والبدع.
ويجوز أن يكون الضمير في ﴿ من دونه ﴾ لما أنزل أي لا تتبعوا من دون دين الله أولياء.
احتج نفاة القياس بأن الآية دلت على أنه لا يجوز متابعة غير ما أنزل الله والعمل بالقياس.
متابعة غير ما أنزل فلا يجوز.
لا يقال العمل بالقياس عمل بالمنزل لقوله: ﴿ فاعتبروا ﴾ لأنا نقول: لو كان الأمر كذلك لكان تارك العمل بمقتضى القياس كافراً لقوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ وقد أجمعت الأمة على عدم تكفيره.
أجاب مثبتو القياس بأن كون القياس حجة ثبت بإجماع الصحابة والإجماع دليل قاطع وظاهر العموم دليل مظنون فلا يعارض القاطع.
وزيف بأنكم أثبتم أن الإجماع حجة بعموم قوله ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ ﴿ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ﴾ وبعموم قوله صلى الله عليه وآله "لا تجتمع أمتي على الضلالة" والفرع لا يكون أقوى من الأصل.
أجاب المثبتون بأن الآيات والأحاديث والإجماع لما تعاضدت في إثبات القياس قوي الظن وحصل الترجيح.
ومن الحشوية من أنكر النظر في البراهين العقلية تمسكاً بالآية.
وأجيب بأن العلم بكون القرآن لحجة موقوف على صحة التمسك بالدلائل العقلية فكيف تنكر.
ثم ختم المخاطبة بنوع معاتبة فقال: ﴿ قليلاً ما تذكرون ﴾ أي تذكرون تذكراً قليلا.
و"ما" مزيدة لتوكيد القلة.
ثم ذكر ما في ترك المتابعة من الوعيد فقال: ﴿ وكم من قرية ﴾ فموضع "كم" رفع بالابتداء و"من" مزيدة للتأكيد والبيان أي كثير من القرى ﴿ أهلكناها ﴾ مثل زيد ضربته وتقدم النصب أيضاً عربي جيد وفي الآية حذف لا لقرينة الإهلاك فقط فإن القرية تهلك بالهدم والخسف كما يهلك أهلها ولكنه يقال التقدير: وكم من أهل قرية لقوله ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ والبأس بالأهل أنسب ولقوله: ﴿ أوهم قائلون ﴾ ولأن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بهلاكهم ولأن معنى البيات والقيلولة لا يصح إلا فيهم.
وإنما قال: ﴿ فجاءها ﴾ رداً بالكلام على اللفظ أو كما يقال الرجال فعلت.
وهنا سؤال وهو أن قوله: ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ يقتضي أن يكون الهلاك مقدماً على مجيء البأس ولكن الأمر بالعكس.
والعلماء أجابوا بوجوه منها: أن المراد حكمنا بهلاكها أو أردنا أهلاكها فجاءها كقوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ﴾ ومنها أن معنى الإهلاك ومعنى مجيء البأس واحد فكأنه قيل: وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا وهذا كلام صحيح.
فإن قيل: كيف يصح والعطف يوجب المغايرة؟
فالجواب أن الفاء قد تجيء للتفسير كقوله صلى الله عليه وآله "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ويديه" فإن غسل الوجه واليدين كالتفسير لوضع الطهور مواضعه فكذا ههنا مجيء البأس جار مجرى التفسير للإهلاك لأن الإهلاك قد يكون بالموت المعتاد وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم وقريب منه قول الفراء: لا يبعد أن يقال البأس والهلاك يقعان معاً كما يقال: أعطيتني فأحسنت.
وما كان الإحسان بعد الإعطاء ولا قبله وإنما وقعا معاً.
ومنها أن ذلك محمول على حذف المعطوف والتقدير: أهلكناهم فحكم بمجيء البأس لأن الإهلاك أمارة للحكم بوصول مجيء البأس.
ومنها أنه من باب القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس كقوله: عرضت الناقة على الحوض.
وقوله ﴿ بياتاً ﴾ قال الجوهري: بيت العدوّ أي أوقع بهم ليلاً والاسم البيات.
وفي الكشاف أنه مصدر بات الرجل بياتاً حسناً.
وعلى القولين فإنه وقع موقع الحال بمعنى بائتين أو مبيتين.
ثم قال: ﴿ أوهم قائلون ﴾ والجملة حال معطوفة على ﴿ بياتاً ﴾ كأنه قيل: فجاءها بأسنا مبيتين أو بائتين أو قائلين.
وإنما حسن ترك الواو ههنا من الجملة الاسمية الواقعة حالاً لأن واو الحال قريب من واو العطف لأنها استعيرت منها للوصل فالجمع بين حرف العطف وبينه جمع بين المثلين وذلك مستثقل.
فقولك: جائني زيد راجلاً أو هو فارس.
كلام فصيح، ولو قلت: جاءني زيد هو فارس كان ضعيفاً.
وقال بعض النحويين: الواو محذوفة مقدرة ورده الزجاج لما قلنا.
أما معنى القيلولة فالمشهور أنها نومة الظهيرة.
وقال الأزهري: هي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن نوم لقوله : ﴿ أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ﴾ والجنة لا نوم فيها وإنما خص وقتا البيات والقيلولة لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد وأفظع.
وكأنه قيل للكفار لا تغتروا بالفراغ والرفاه والأمن والسكون فإن عذاب الله إنما يجيء دفعة من غير سبق أمارة.
أيا راقد الليل مسوراً بأوّله *** إن الحوادث قد يطرقن أسحارا فقوم لوط أهلكوا وقت السحر، وقوم شعيب وقت القيلولة.
ثم قرر حالهم عند مجيء البأس فقال: ﴿ فما كان دعواهم ﴾ أي ما كانوا يدعونه من قبل دينهم وينتحلونه من مذهبهم إلا اعترافهم ببطلانه وفساده والإقرار بالإساءة والظلم على أنفسهم.
وقال ابن عباس: فما كان تضرعهم واستغاثتهم إلا قولهم هذا وذلك إقرار منهم على أنفسهم بالشرك.
وقال أهل اللغة: الدعوى اسم يقوم مقام الدعاء.
حكى سيبويه اللهم أشركنا في صالح دعاء المسلمين ودعوى المسلمين أي فما كان دعاؤهم ربهم إلا اعترافهم بعلمهم أن الدعاء لا ينفعهم فلا يزيدون على ذم أنفسهم وتحسرهم على ما فرط منهم وفرطوا فيه.
ومحل ﴿ دعواهم ﴾ وعلى عكسه محل ﴿ إن قالوا ﴾ يجوز أن يكون نصباً أو رفعاً كما سبق في إعراب قوله: ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا ﴾ ثم ذكر على ترك القبول والمتابعة وعيداً آجلاً فقال: ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ نسأل المرسل إليهم عما أجابوا به رسلهم كقوله: ﴿ ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ﴾ ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ ﴿ فلنقصن عليهم ﴾ أي على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم ﴿ بعلم ﴾ عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وأقوالهم وأفعالهم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عنهم وعما وجد منهم.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال المرسل إليهم بعدما أخبر عنهم أنهم اعترفوا بذنوبهم؟
فالجواب أنهم لما أقروا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب الظلم أو التقصير تقريعاً وتوبيخاً.
فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
قلنا: ليلتحق كل التقصير بالأمة فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع مواجب التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ﴿ فلنسئلن ﴾ وبين قوله: ﴿ فيومئذٍ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان ﴾ فالجواب بعد تسليم اتحاد الزمان والمكان أن القوم لعلهم لا يسألون عن الأعمال لأن الكتب مشتملة عليها ولكنهم يسألون عن الدواعي التي دعتهم إليها وعن الصوارف التي صرفتهم عنها.
أو المراد نفي سؤال الاستفادة والاسترشاد وإثبات سؤال التوبيخ والإهانة فلا تناقض.
وفي الآية إبطال قول من زعم أنه لا حساب على الأنبياء ولا على الكفار، وفيها أنه عالم بالكليات وبالجزئيات ولا يعزب عن علمه شيء في الأرض ولا في السموات، فالإلهية لا تكمل إلا بذلك.
وفيها أنه غير مختص بشيء من الأحياز والجهات وإلا كان غائباً من غيره.
ثم بيّن أن من جملة أحوال يوم القيامة وزن الأعمال فقال: ﴿ والوزن ﴾ وهو مبتدأ خبره ﴿ يومئذ ﴾ وقوله ﴿ الحق ﴾ صفة المبتدأ أي الوزن العدل يوم يسأل الله الأمم ورسلهم.
وقيل: لا يجوز الإخبار عن شيء وقد بقيت منه بقية فيجب على هذا أن يكون ﴿ الحق ﴾ خبراً و ﴿ يومئذٍ ﴾ ظرفاً للوزن ومعنى الحق أنه كائن لا محالة.
وفي كيفية الميزان قولان: الأول ما جاء في الخبر "إنه ينصب ميزاناً له لسان وكفتان يوم القيامة يوزن به أعمال العباد خيرها وشرها" .
وكيف توزن فيه وجهان: أحدهما أن المؤمن تتصوّر أعماله بصور حسنة وأعمال الكافر بصور قبيحة فتوزن تلك الصور ذكره ابن عباس.
وثانيهما أن الوزن يعود إلى الصحف التي تكون فيها أعمال العباد.
"يروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله سئل عما يوزن يوم القيامة فقال: الصحف" .
وعن عبد الله بن سلام أن ميزان العالمين ينصب بين الجن والإنس يستقبل به العرش إحدى كفتي الميزان على الجنة والأخرى على جهنم ولو وضعت السموات والأرض في إحدهما لوسعتهن، وجبريل آخذ بعموده ناظر إلى لسانه، وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "يؤتى برجل يوم القيامة إلى الميزان ويؤتى له بتسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس كالأنملة فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله فيوضع في الآخرة فترجح" قال القاضي: يجب أن يحمل هذا على أنه يأتي بالشهادتين بحقهما من العبادات وإلا كان إغراء على المعصية.
ورد بأنه خلاف الظاهر وبأنه لا يبعد أن يكون ثواب كلمة الشهادة أوفى وأوفر من سائر الأعمال لأن معرفة الله أشرف العقائد والأعمال.
وروى الواحدي في البسيط أنه إذا خف حسنات المؤمن أخرج رسول الله من حجزته بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان اليمنى التي فيها حسناته فترجح الحسنات فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي : بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وخلقك فمن أنت؟
فيقول: أنا نبيك وهذه صلواتك التي كنت تصليها عليّ قد وافتك أحوج ما تكون إليها القول الثاني قول مجاهد والضحاك والأعمش وكثير من المتأخرين أن المراد من الميزان العدل لأن العدل في الأخذ والإعطاء لا يظهر إلا بالوزن والكيل فلا يبعد جعل الوزن مجازاً عن العدل.
ومما يؤكد ذلك أن أعمال العباد أعراض وأنها قد فنيت وعدمت ووزن المعدوم محال وكذا لو قدر بقاؤها.
وأما قولهم الموزون صحائف الأعمال أو صور مخلوقة على حسب مقادير الأعمال فنقول: المكلف يوم القيامة إما أن يكون مقراً بأنه عادل حكيم وحينئذٍ يكفيه حكم الله بمقادير الثواب والعقاب في علمه بأنه عدل وصواب، وإما أن لا يكون مقراً فلا نعرف من رجحات الحسنات على السيئات وبالعكس حقية الرجحان.
أجاب الأولون بأن جميع المكلفين يعترفون يوم القيامة أنه منزه عن الظلم والجور لكن الفائدة في وضع الميزان ظهور الرجحان لأهل الموقف وازدياد الفرح والسرور للمؤمن وبالضدّ للكافر.
واختلف العلماء أيضاً في كيفية الرجحان فقال بعضهم: يظهر هناك نور في رجحان الحسنات وظلمة في رجحان السيئات.
وقال آخرون: بل يظهر الرجحان في الكفة.
واختلف أيضاً في الموازين فقيل: إنها جمع موزون وأراد الأعمال الموزونة والميزان المنصوب واحد.
ولئن سلم أنها جمع الميزان فالعرب قد توقع لفظاً لجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الأفراس والبغال.
قاله الزجاج.
وقال الأكثرون: كما لا يمتنع إثبات ميزان له لسان وكفتان فكذلك لا يمتنع إثبات موازين بهذه الصفة فما الموجب لترك الظاهر والمصير إلى التأويل قال عز من قائل: ﴿ ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ﴾ وأيضاً لا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان ولأفعال الجوارح ميزان ولما يتعلق بالقول ميزان آخر.
ثم إن المرجئة الذين يقولون المعصية لا تضر مع الإيمان قالوا: إن الله حصر أهل الموقف في قسمين منهم من تزيد حسناته على سيئاته ومنهم على العكس ولا ريب أن هذا القسم أهل الكفر لأنه حكم عليهم بأنهم الذين خسروا أنفسهم بسبب الظلم بآيات الله أي التكذيب بها وهذا لا يليق إلا بالكافر.
ولئن سلم أن العاصي معاقب لكنه يعاقب أياماً ثم يعفى عنه ويتخلص إلى رحمة الله فهو بالحقيقة ما خسر نفسه بل فاز برحمة الله أبد الآباد من غير زوال ولا انقطاع.
قيل: في الآية دلالة على أن الذي تكون حسنات وسيئاته متعادلتين متساويتين غير موجود والله أعلم.
ثم لما فرغ من التخويف بالعذاب الآجل رغب الخلائق في قبول دعوة الأنبياء بطريق آخر وهو تذكير النعم فإن ذلك يوجب الطاعة فقال: ﴿ ولقد مكناكم في الأرض ﴾ أقدرناكم على التصرف فيها ﴿ وجعلنا لكم فيها معايش ﴾ هي جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، أو ما يتوصل به إلى ذلك وبالجملة وجوه المنافع التي تحصل بتخليق الله ابتداء كالأثمار، أو بواسطة كالاكتساب والوجه في معايش تصريح الياء لأنها أصلية لا زائدة كصحائف بالهمز في صحيفة.
وعن ابن عامر أو نافع في بعض الروايات الهمز تشبيهاً بصحائف واستبعده النحويون البصريون.
ثم عاتب المكلفين بأنهم لا يقومون بشكر نعمه كما ينبغي فقال: ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ وفيه إشارة إلى أنهم قد يشكرون ﴿ وقليل من عبادي الشكور ﴾ .
التأويل: ﴿ المص ﴾ هو إله من لطفه أفرد عباده للمحبة وللمعرفة وأنعم عليهم بالصدق والصبر لقبول كمالية المعرفة والمحبة بواسطة ﴿ كتاب أنزل على قلبك ﴾ فانفسح له صدرك وانشرح فلم يبق فيه ضيق وحرج بخلاف ما أنزل من الكتب في الألواح والصحف فقد عرض لبعضهم ضيق عطن فألقى الألواح.
وكما شرف نبيه بالكتاب المنزل على قلبه حتى صار خلقه القرآن شرف أمته بأن أمرهم باتباع ما أنزل إليهم ليتخلقوا بأخلاق الله.
﴿ وكم من قرية ﴾ قبل أفسدنا استعدادها ﴿ فجاءها بأسنا ﴾ أي إزاغة قلوبهم بإصبع القهارية وأهلها نائمون على فراش الحسبان ﴿ قائلون ﴾ في نهار الخذلان فما كان ادّعاؤهم إلا أن قالوا من قصر نظرهم لا من طريق الأدب ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ فنسبوا التصرف إلى أنفسهم ولم يعلموا أن الله مقلب أفئدتهم وأبصارهم ﴿ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ﴾ وهم عامة الخلائق هل قبلتم الدعوة وعملتم بما أمرتم أم لا فيكون السؤال سؤال تعنيف وتعذيب أو هم الذين قبلوا الدعوة فيكون السؤال سؤال تشريف وتقريب ﴿ ولنسئلن المرسلين ﴾ سؤال إنعام وإكرام هل بلغتم وهل وجدتم أمماً قابِلِي الدعوة ﴿ فلنقصن عليهم بعلم ﴾ فليعلمن أنا ما أرسلنا الرسل إليهم عبثاً وإنما أرسلناهم لأمر عظيم وخطب جسيم ﴿ وما كنا غائبين ﴾ عن الرسل بالنصر والمعونة وعن المرسل إليهم بالتوفيق والعناية ﴿ والوزن يومئذ ﴾ لأهل الحق لا الباطل لا نقيم لهم يوم القيامة وزناً.
روي أنه يوم القيامة يؤتى بالرجل العظيم الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة.
﴿ فمن ثقلت موازينه ﴾ بالأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والأحوال الكاملة ﴿ فأولئك هم المفلحون ﴾ من شر أنانيتهم وإنما جمع الموازين لأن لبدن كل مكلفٍ ميزاناً يوزن به أعماله ولنفسه ميزاناً يوزن به صفاتها ولقلبه ميزاناً يوزن به أوصافه ولروحه ميزاناً يوزن به نعوته ولسره ميزاناً يوزن به أحواله ولخفيه ميزاناً يوزن به أخلاقه.
والخفي لطيفة روحانيّة قابلة لفيض الأخلاق الربانية ولهذا قال صلى الله عليه وآله: " ما وضع في الميزان شيء أقل من حسن الخلق" وذلك أنه ليس من نعوت المخلوقين وإنما هو خلق رب العالمين والعباد مأمورون بالتخلق بأخلاقه ﴿ خسروا أنفسهم ﴾ أفسدوا استعدادها ﴿ ولقد مكناكم ﴾ هيأنا لكم خلافة الأرض دون غيركم من الحيوانات والملك ﴿ وجعلنا لكم ﴾ خاصة ﴿ معايش ﴾ ولكل صنف من الملك والحيوانات معيشة واحدة وذلك أن الإنسان مجموع من الملكية والحيوانية والشيطانية والإنسانية.
فمعيشة الملك هي معيشة روحه، ومعيشة الحيوان هي معيشة بدنه، ومعيشة الشيطان هي معيشة نفسه الأمارة بالسوء، وقد حصل للإنسان بهذا التركيب مراتب الإنسانية وإنها لم تكن لكل واحد من الملك والحيوان والشيطان وهي القلب والسر والخفي، فمعيشة قلبه هي الشهود، ومعيشة سره هي الكشوف، ومعيشة خفيه هي الوصال والوصول.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال أبو بكر الكيساني: "مكناكم"، أي: ملكناكم فى الأرض ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ﴾ تتعيشون بها، يذكرهم نعمه ومنته [عليهم] [بما ملكهم في الأرض]، وجعل لهم منافع ليشكروا عليها.
وقال الحسن: "مكناكم"، أي: جعلناكم مستخلفين [في الأرض]: يذكرهم - عز وجل - أيضاً - نعمه عليهم بما جعلهم خلفاء الأولين، وجعل لهم معايش ويخوفهم زوال ذلك عنهم بما صار ذلك لهم بزوالها عن الأولين، وأمكن أن يذكرهم هذا بما جعل لهم مكان القرار، وموضع الانتشار والتقلب والتعيش، والبشر لا بد له من ذلك، وكله يرجع إلى واحد كقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً ﴾ أي: جعلنا الحرم آمناً لكم بحيث تأمنون فيه وتتقلبون وتتعيشون فيه، ويتخطف الناس من حولهم، [فهو] يذكر لهم [عظيم] نعمه ومننه التي جعلها لهم هذا إذا كان الخطاب به لأهل مكة، وإن كان الخطاب به للناس كافة، فيخرج على تذكير النعم لهم حيث جعل الأرض لهم بحيث يقرون فيها ويتقلبون فيها.
وقوله عز وجل ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ يحتمل وجوهاً، وكذلك قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ : أحدها: أنهم كانوا يقرون أنه خالقهم بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، كانوا يقرون بألوهيته ويصرفون العبادة إلى غيره؛ فلذلك قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ .
والثاني: ألا تشكرونه ولا تذكرونه ألبتة.
والثالث: يحتمل ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ أي: المؤمنون يشكرون، ولا يشكر أولئك، والمؤمنون قليل وهم أكثر.
والرابع: أي: ليس في وسعهم القيام بشكر [جميع ما أنعم عليهم؛ لكثرة نعمه لا يتهيأ لهم القيام بشكر واحدة، فكيف يشكرون] الجميع؟!
فذلك الشكر قليل.
<div class="verse-tafsir"
ولقد مَكَّناكم -يا بني آدم- في الأرض، وجعلنا لكم فيها أسبابًا للعيش، فكان عليكم أن تشكروا الله على ذلك، لكن شكركم كان قليلًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.RN6XJ"