الآية ١٠٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٠٣ من سورة الأعراف

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ١٠٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 84 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( ثم بعثنا من بعدهم ) أي : الرسل المتقدم ذكرهم ، كنوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين .

( موسى بآياتنا ) أي : بحججنا ودلائلنا البينة إلى ) فرعون ) وهو ملك مصر في زمن موسى ، ) وملئه ) أي : قومه ، ( فظلموا بها ) أي : جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادا ، كقوله تعالى ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) [ النمل : 14 ] أي : الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله ، أي : انظر - يا محمد - كيف فعلنا بهم ، وأغرقناهم عن آخرهم ، بمرأى من موسى وقومه .

وهذا أبلغ في النكال بفرعون وقومه ، وأشفى لقلوب أولياء الله - موسى وقومه - من المؤمنين به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم بعثنا من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، موسى بن عمران.

* * * و " الهاء والميم " اللتان في قوله: " من بعدهم "، هي كناية ذكر الأنبياء عليهم السلام التي ذكرت من أول هذه السورة إلى هذا الموضع.

* * * =" بآياتنا " يقول: بحججنا وأدلتنا (14) " إلى فرعون وملئه ", يعني: إلى جماعة فرعون من الرجال (15) = " فظلموا بها "، يقول: فكفروا بها.

و " الهاء والألف " اللتان في قوله: " بها " عائدتان على " الآيات ".

ومعنى ذلك: فظلموا بآياتنا التي بعثنا بها موسى إليهم= وإنما جاز أن يقال: " فظلموا بها," بمعنى: كفروا بها, لأن الظلم وَضْعُ الشيء في غير موضعه.

وقد دللت فيما مضى على أن ذلك معناه، بما أغنى عن إعادته.

(16) .

* * * والكفر بآيات الله، وضع لها في غير موضعها, وصرف لها إلى غير وجهها الذي عُنِيت به= " فانظر كيف كان عاقبه المفسدين "، يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد، بعين قلبك، كيف كان عاقبة هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض؟

(17) = يعني فرعون وملأه, إذ ظلموا بأيات الله التي جاءهم بها موسى عليه السلام , وكان عاقبتهم أنهم أغرقوا جميعًا في البحر.

------------------ الهوامش : (14) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف في فهارس اللغة ( أيى ) .

(15) انظر تفسير (( الملأ )) فيما سلف 12 : 565 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(16) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .

(17) انظر تفسير (( العاقبة )) فيما سلف 12 : 560 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .

= وتفسير (( الفساد )) فيما سلف 12 : 560 تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدينقوله تعالى ثم بعثنا من بعدهم أي من بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب .موسى أي موسى بن عمران بمعجزاتنا .فظلموا بها أي كفروا ولم يصدقوا بالآيات .

والظلم : وضع الشيء في غير موضعه .فانظر كيف كان عاقبة المفسدين أي آخر أمرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى الكليم، الإمام العظيم، والرسول الكريم، إلى قوم عتاة جبابرة، وهم فرعون وملؤه، من أشرافهم وكبرائهم، فأراهم من آيات اللّه العظيمة ما لم يشاهد له نظير فَظَلَمُوا بِهَا بأن لم ينقادوا لحقها الذي من لم ينقد له فهو ظالم، بل استكبروا عنها.

فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ كيف أهلكهم اللّه، وأتبعهم الذم واللعنة في الدنيا ويوم القيامة، بئس الرفد المرفود،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ثم بعثنا من بعدهم ) أي : من بعد نوح وهود وصالح وشعيب ، ( موسى بآياتنا ) بأدلتنا ، ( إلى فرعون وملئه فظلموا بها ) فجحدوا بها ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان ، ( فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) وكيف فعلنا بهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم بعثنا من بعدهم» أي الرسل المذكورين «موسى بآياتنا» التسع «إلى فرعون وملئِهِ» قومه «فظلموا» كفروا «بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين» بالكفر من إهلاكهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم بعثنا من بعد الرسل المتقدم ذِكْرهم موسى بن عمران بمعجزاتنا البينة إلى فرعون وقومه، فجحدوا وكفروا بها ظلمًا منهم وعنادًا، فانظر -أيها الرسول- متبصرًا كيف فعلنا بهم وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه؟

وتلك نهاية المفسدين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والآن فلنستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى لنا قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل فى نحو سبعين آية تبدؤها بقوله - تعالى - : ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن .

.

.

) .هذا هو الدرس الأول من قصة موسى مع فرعون وفيه نرى ما دار بين موسى وفرعون من محاورات ، وما دار بين موسى والسحرة من مناقشات ومساجلات انتهت بإيمان السحرة وهم يضرعون إلى الله بلسان صادق ، وقلب سليم فيقولون - كما حكى القرآن عنهم - : ( رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) .

ولنبدأ فى تفسير آيات هذا الدرس من أولها فنقول :قوله - تعالى - ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى بِآيَاتِنَآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ) معطوف على ما قبله من قصص الأنبياء الذين تحدثت عنهم السورة الكريمة .وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران من نسل لاوى بن يعقوب .

ويرى بعض المؤرخين أن ولادة موسى كانت فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وأن بعثته كانت فى عهد منفتاح بن رمسيس الثانى .وفرعون : لقب لملوك مصر القدماء ، كلقب قيصر لملك الروم ، وكسرى لملوك الفرس ، والمعنى : ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق الحديث عنهم - وهم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا التى تدل على صدقه فيما يبلغه عن ربه إلى فرعون وملئه ، وهم أشراف قومه ، ووجهاء دولته .قال بعض العلماء : " ولم يقل - سبحانه - إلى فرعون وقومه ، لأن الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل ، وبيدهم أمرهم ، وليس لسائر المصريين من الأمر شىء ، ولأنهم كانوا مستعبدين - أيضا ولكن الظلم على بنى إسرائيل الغرباء كان أشد " .وقوله ( بِآيَاتِنَآ ) متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعول بعثنا ، أو صفة لمصدره .

أى : بعثناه - عليه السلام - ملتبسا بها .

أو بعثناه بعثاً ملتبساً بها .والمراد بها الآيات التسع وهى العصا ، واليد البيضاء ، والسنون ، ونقص الثمرات ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم .ثم بين - سبحانه - فى الآية الأولى من هذه القصة كيف تلقى فرعون وملؤه دعوة موسى وآياته فقال : ( فَظَلَمُواْ بِهَا ) أى : فكفروا بهذه الآيات تكبراً وجحوداً ، فكان عليهم وزر ذلك ، وقد عدى الظلم هنا بالباء مع أنه يتعدى بنفسه لتضمنه معنى الكفر ، إذ هما من واد واحد قال - تعالى - ( إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ويجوز أن تكون الباء للسببية والمفعول محذوف ، أى : ظلموا أنفسهم بسببها بأن عرضوها للعقاب المهين .

أو ظلموا الناس بصدهم عن الإيمان بهذه الآيات ، واستمروا على ذلك إلى أن حق عليهم العذاب الأليم .ثم ختمت الاية بالأمر بالتدبر فى أحوال هؤلاء الظالمين وفيما حل بهم من سوء المصير فقال - تعالى - ( فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين ) أى : فانظر أيها الرسول الكريم - أو أيها العاقل - كيف كانت عاقبة فرعون وملئه الذين أفسدوا فى الأرض ، لقد أخذهم الله بذنوبهم فأغرقهم فى اليم ، وموسى وقومه ينظرون إليهم ، وتلك عاقبة كل من طغى وآثر الحياة الدنيا .ووضع - سبحانه - المفسدين موضع ضميرهم للايذان بأن الظلم مستلزم للافساد .و ( كَيْفَ ) خبر لكان مقدم عليها لاقتضائه الصادرة .

وعاقبة ، اسمها ، وهذه الجملة الاستفهامية فى محل نصب على إسقاط حرف الجر ، إذ التقدير : فانظر بعين عقلك إلى كيفية ما فعلناه بهم .وهكذا نرى السورة الكريمة ترينا فى أول آية من هذه القصة الغرض الذى سيقت من أجله وهو التدبر فى عواقب المكذبين ، والتخويف من المصير الذى ساروا إليه ، وتنهى الناس فى كل زمان ومكان عن السير على منوالهم .

والسورة الكريمة عندما ترينا ذلك فى مطلع هذه القصة تكون متناسقة كل التناسق مع أسلوبها الذى اختارته فى دعوة الناس إلى وحدانية الله وإلى مكارم الأخلاق ، وهو أسلوب التذكير بالنعم ، والتحذير من عواقب الظلم والطغيان - كما سبق أن أشرنا إلى ذلك فى التمهيد بين يدى السورة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة السادسة من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة، وذكر في هذه القصة من الشرح والتفصيل ما لم يذكر في سائر القصص، لأجل أن معجزات موسى كانت أقوى من معجزات سائر الأنبياء، وجهل قومه كان أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام.

واعلم أن الكناية في قوله: ﴿ مّن بَعْدِهِمْ ﴾ يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين جرى ذكرهم، ويجوز أن تعود إلى الأمم الذين تقدم ذكرهم بإهلاكهم وقوله: ﴿ بئاياتنا ﴾ فيه مباحث.

البحث الأول: هذه الآية تدل على أن النبي لابد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره، إذ لو لم يكن مختصاً بهذه الآية لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره.

والبحث الثاني: هذه الآية تدل على أنه تعالى آتاه آيات كثيرة، ومعجزات كثيرة.

والبحث الثالث: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أول آياته العصا ثم اليد، ضرب بالعصا باب فرعون، ففزع منها فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فهو أول من خضب.

قال: وآخر الآيات الطمس.

قال: وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله: ﴿ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أُخرى  ﴾ وذكر الله من تلك المآرب في القرآن قوله: ﴿ اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا  ﴾ وذكر ابن عباس أشياء أخرى منها: أنه كان يضرب الأرض بها فتنبت، ومنها: أنه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه، ومنها: أنها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة، ومنها: أنها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة.

واعلم أن الفوائد المذكورة في القرآن معلومة، فأما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول وما لا فلا، وقوله أنه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف، لأن القرآن يدل على أن موسى عليه السلام، كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج من الحجر، وما كان يفزع إليها في طلب الطعام.

أما قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي فظلموا بالآيات التي جاءتهم، لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة، ثم إنهم كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الإيمان، كان ذلك ظلماً منهم على تلك الآيات.

ثم قال: ﴿ فانظر ﴾ أي بعين عقلك ﴿ كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين ﴾ وكيف فعلنا بهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مّن بَعْدِهِمْ ﴾ الضمير للرسل في قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم ﴾ [الأعراف: 101] أو للأمم ﴿ فَظَلَمُواْ بها ﴾ فكفروا بآياتنا.

أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من وادٍ واحد ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13] أو فظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدّوهم عنها، وآذوا من آمن بها، ولأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلماً، فلذلك قيل: فظلموا بها، أي: كفروا بها واضعين الكفر غير موضعه، وهو موضع الإيمان.

يقال: لملوك مصر: الفراعنة، كما يقال لملوك فارس: الأكاسرة، فكأنه قال: يا ملك مصر وكان اسمه قابوس.

وقيل: الوليد بن مصعب بن الريان ﴿ حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ ا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ فيه أربع قراآت، المشهورة: ﴿ وحقيق عليّ أن لا أقول ﴾ ، وهي قراءة نافع: ﴿ وحقيق أن لا أقول ﴾ وهي قراءة عبد الله: ﴿ وحقيق بأن لا أقول ﴾ وهي قراءة أبيّ وفي المشهورة إشكال، ولا تخلو من وجوه، أحدها: أن تكون مما يقلب من الكلام لأمن الإلباس، كقوله: وَتَشْقَى الرِّمَاحُ بِالضَّيَاطِرَةِ الْحُمْرِ ومعناه: وتشقى الضياطرة بالرماح ﴿ وحقيق عليّ أن لا أقول ﴾ وهي قراءة نافع.

والثاني: أنّ ما لزمك فقد لزمته، فلما كان قول الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قول الحق، أي لازماً له.

والثالث: أن يضمن ﴿ حَقِيقٌ ﴾ معنى حريص، كما ضمن (هيجني) معنى ذكرني في بيت الكتاب.

والرابع:- وهو الأوجه- الأدخل في نكت القرآن: أن يغرق موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما وقد روى أنّ عدو الله فرعون قال له- لما قال: ﴿ إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ العالمين ﴾ كذبت، فيقول: أنا حقيق عليَّ قول الحق أي واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائم به، ولا يرضى إلاّ بمثلي ناطقاً به ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل ﴾ فخلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدّسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم، وذلك أن يوسف عليه السلام لما توفي وانقرضت الأسباط، غلب فرعون نسلهم واستعبدهم، فأنقذهم الله بموسى عليه السلام، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى ﴾ الضَّمِيرُ لِلرُّسُلِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ أوْ لِلْأُمَمِ.

﴿ بِآياتِنا ﴾ يَعْنِي المُعْجِزاتِ.

﴿ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها ﴾ بِأنْ كَفَرُوا بِها مَكانَ الإيمانِ الَّذِي هو مِن حَقِّها لِوُضُوحِها، ولِهَذا المَعْنى وُضِعَ ظَلَمُوا مَوْضِعَ كَفَرُوا.

وفِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ مِصْرَ كَكِسْرى لِمَن مَلَكَ فارِسَ وكانَ اسْمُهُ قابُوسٌ، وقِيلَ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ.

﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ .

﴿ وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ إلَيْكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ لَعَلَّهُ جَوابٌ لِتَكْذِيبِهِ إيّاهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ عَلَيْهِ وكانَ أصْلُهُ (حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) كَما قَرَأ نافِعٌ فَقُلِبَ لِأمْنِ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ.

أوْ لِأنَّ ما لَزِمَكَ فَقَدْ لَزِمْتَهُ، أوْ لِلْإغْراقِ في الوَصْفِ بِالصِّدْقِ، والمَعْنى أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ عَلى القَوْلِ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلُهُ لا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ، أوْ ضِمْنَ حَقِيقٍ مَعْنى حَرِيصٍ، أوْ وُضِعَ عَلى مَكانِ الباءِ لِإفادَةِ التَّمَكُّنِ كَقَوْلِهِمْ: رَمَيْتُ عَلى القَوْسِ وجِئْتُ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِالباءِ.

وقُرِئَ « حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ» بِدُونِ عَلى.

﴿ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فَخَلِّهِمْ حَتّى يَرْجِعُوا مَعِيَ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي هي وطَنُ آبائِهِمْ، وكانَ قَدِ اسْتَعْبَدَهم واسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم} الضمير للرسل في قوله وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم أو للأمم {موسى بآياتنا} بالمعجزات الواضحات إلى فرعون وملئه {فَظَلَمُواْ بِهَا} فكفروا بآياتنا أجرى الظلم مجرى الكفر لانهما من

الأعراف ٩٧ ١٠٢ واد واحد أن الشرك لظلم

عظيم أو فظلموا الناس بسببها حين آذوا من آمن لأنه إذا وجب الإيمان بها فكفورا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلماً حيث وضعوا الكفر غير موضعه وهو موضع الإيمان {فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين} حيث صاروا مغرقين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى ﴾ أيْ: أرْسَلْناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الرُّسُلِ أوْ بَعْدَ الأُمَمِ، والأوَّلُ مُتَقَدِّمٌ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ ﴾ والثّانِي مَدْلُولٌ عَلَيْهِ (بِتِلْكَ القُرى)، والِاحْتِمالُ الأوَّلُ أوْلى، والتَّصْرِيحُ بِالبَعْدِيَّةِ مَعَ ثُمَّ الدّالَّةِ عَلَيْها قِيلَ لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ فَإنَّها كَثِيرًا ما تُسْتَعْمَلُ في غَيْرِهِ، وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ بَعْثَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَرى عَلى سُنَنِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ تَتْرى، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ بِآياتِنا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ بَعَثْنا أوْ صِفَةً لِمَصْدَرِهِ، أيْ: بَعَثْناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُلْتَبِسًا بِها، أوْ بَعَثْناهُ بَعْثًا مُلْتَبِسًا بِها، وأُرِيدَ بِها الآياتُ التِّسْعُ المُفَصَّلَةُ ﴿ إلى فِرْعَوْنَ ﴾ ، هو عَلَمُ شَخْصٍ ثُمَّ صارَ لَقَبًا لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِصْرَ مِنَ العَمالِقَةِ، كَما أنَّ كِسْرى لَقَبُ مَن مَلَكَ فارِسَ، وقَيْصَرُ لَقَبُ مَن مَلَكَ الرُّومَ، والنَّجّاشِيُّ لَقَبُ مَن مَلَكَ الحَبَشَةَ، وتُبَّعٌ لَقَبُ مَن مَلَكَ اليَمَنَ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَقَبٌ لِمَن ذُكِرَ، واسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الرَّيّانِ، وقِيلَ: قابُوسٌ وكُنْيَتُهُ أبُو العَبّاسِ، وقِيلَ: أبُو مُرَّةَ، وقِيلَ: أبُو الوَلِيدِ، وعَنْ جَماعَةٍ أنَّ قابُوسًا والوَلِيدَ اسْمانِ لِشَخْصَيْنِ أحَدُهُما فِرْعَوْنُ مُوسى والآخَرُ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وعَنِ النَّقّاشِ وتاجِ القُرّاءِ أنَّ فِرْعَوْنَ مُوسى هو والِدُ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: ابْنُهُ، وذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ، ويُلَقَّبُ بِهِ كُلُّ عاتٍ، ويُقالُ فِيهِ فُرْعُونُ كَزُنْبُورٍ، وحَكى ابْنُ خالَوَيْهِ عَنِ الفَّراءِ ضَمَّ فائِهِ وفَتْحَ عَيْنِهِ، وهي لُغَةٌ نادِرَةٌ، ويُقالُ فِيهِ: فُرَيْعٌ كَزُبَيْرٍ وعَلَيْهِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ: حَيِّ داوُدَ بْنَ عادٍ ومُوسى ∗∗∗ وفُرَيْعٌ بُنْيانُهُ بِالثِّقالِ وقِيلَ: هو فِيهِ ضَرُورَةُ شِعْرٍ، ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، وحَكى أبُو الخَطّابِ بْنُ دِحْيَةَ في مُرُوجِ البَحْرِينِ عَنْ أبِي النَّصْرِ القُشَيْرِيِّ في التَّيْسِيرِ أنَّهُ بِلُغَةِ القِبْطِ اسْمٌ لِلتِّمْساحِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ لا سَمِيَّ لَهُ كَإبْلِيسَ عِنْدَ مَن أخَذَهُ مِن أبْلَسَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: هو وأضْرابُهُ السّابِقَةُ أعْلامُ أشْخاصٍ ولَيْسَتْ مِن عَلَمِ الجِنْسِ لِجَمْعِها عَلى فَراعِنَةٍ وقَياصِرَةٍ وأكاسِرَةٍ، وعَلَمُ الجِنْسِ لا يُجْمَعُ فَلا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِوَضْعٍ خاصٍّ لِكُلِّ مَن تُطْلَقُ عَلَيْهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الَّذِي غَرَّهُ قَوْلُ الرَّضِيِّ إنَّ عَلَمَ الجِنْسِ لا يُجْمَعُ لِأنَّهُ كالنَّكِرَةِ شامِلٌ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ لِوَضْعِهِ لِلْماهِيَّةِ فَلا حاجَةَ لِجَمْعِهِ، وقَدْ صَرَّحَ النُّحاةُ بِخِلافِهِ، ومِمَّنْ ذَكَرَ جَمْعَهُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ فَكَأنَّ مُرادَ الرَّضِيِّ أنَّهُ لا يَطَّرِدُ جَمْعُهُ، وما ذَكَرَهُ تَعَسُّفٌ نَحْنُ في غِنًى عَنْهُ، ﴿ ومَلَئِهِ ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ كافَّةً لِأصالَتِهِمْ في تَدْبِيرِ الأُمُورِ واتِّباعِ غَيْرِهِمْ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ، ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ أيْ: بِالآياتِ، وأصْلُ الظُّلْمِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهو يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لا بِالباءِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ هو والكُفْرُ مِن وادٍ واحِدٍ عُدِّيَ تَعْدِيَتَهُ أوْ هو بِمَعْنى الكُفْرِ مَجازًا أوْ تَضْمِينًا أوْ هو مُضَمَّنٌ مَعْنى التَّكْذِيبِ، أيْ: ظَلَمُوا كافِرِينَ بِها أوْ مُكَذِّبِينَ بِها، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ المَعْنى: كَفَرُوا بِها مَكانَ الإيمانِ الَّذِي هو مِن حَقِّها لِوُضُوحِها ظاهِرٌ في التَّضْمِينِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَفَرُوا بِها واضِعِينَ الكُفْرَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ كانَ اللّائِقُ بِهِمُ الإيمانَ.

وقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، ومَفْعُولُ ظَلَمُوا مَحْذُوفٌ، أيْ: ظَلَمُوا النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَنِ الإيمانِ أوْ أنْفُسَهم كَما قالَ الحَسَنُ، والجُبّائِيُّ بِسَبَبِها، والمُرادُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ بِها إلى أنْ لَقُوا مِنَ العَذابِ ما لَقُوا.

﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ أيْ: آخِرَ أمْرِهِمْ، ووَضَعَ المُفْسِدِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّ الظُّلْمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإفْسادِ، والفاءُ لِأنَّهُ كَما أنَّ ظُلْمَهم بِالآياتِ مُسْتَتْبِعٌ لِتِلْكَ العاقِبَةِ الهائِلَةِ كَذَلِكَ حِكايَتُهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ إلَيْها، والخِطابُ إمّا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ النَّظَرُ، و( كَيْفَ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها لِاقْتِضائِهِ الصَّدارَةَ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِإسْقاطِ الخافِضِ كَما قِيلَ، أيْ: فانْظُرْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ إلى كَيْفِيَّةِ ما فَعَلْنا بِهِمْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني: أو لم يبين.

قال القتبي: أصل الهدى الإرشاد كقوله: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي يعني: يرشدني.

ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يعني: أو لم يبيِّن لهم.

ومنها إرشادٌ بمعنى بالدعاء كقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] يعني: نبياً يدعوهم وقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي يدعون الخلق.

وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني: أو لم نبين لهم الطريق.

ومن قرأ بالياء معناه: أو لم يبين الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يعني: ينزلون الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها.

ويقول أو نبيّن لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر معبودهم على نصرتهم.

أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يعني: أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب.

ثم قال: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة عقوبة لهم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ الحق ولا يقبلون المواعظ.

ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها، نخبرك في القرآن من حديثها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات الواضحة، والبراهين القاطعة، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا.

فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يعني: إن أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية.

وقال مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] وقال السدي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به.

وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار.

ويقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم.

كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: هكذا يختم الله تعالى عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ مجازاة لكفرهم.

قوله تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ مِنْ زيادة للصلة يعني: ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني: الذين كذبوا من الأمم الخالية.

ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ لأنهم أقروا يوم الميثاق، ثم نقضوا العهد حيث كفروا.

ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي قبول العهد الذي عاهدوا على لسان الرسل.

ثم قال: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ يعني: وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد، تاركين لما أمروا به.

قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى يعني: أرسلنا من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة.

ويقال: ثم بعثنا من بعد هلاكهم موسى وهو موسى بن عمران بِآياتِنا يعني: اليد البيضاء والعصا إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام.

فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة.

وأنكر عليه ذلك عامة المفسرين.

وقالوا هو كان غيره، وكان جباراً، ظهر بمصر واستولى عليها، وأرسل الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني: جنوده وأتباعه فَظَلَمُوا بِها يعني: فجحدوا بالآيات فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني: كيف صار آخر أمر المشركين.

وقال ابن عباس-  ما-: أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون، ففزع منها فرعون، فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فأول من خضب بالسواد فرعون.

قال ابن عباس: كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى، وكانت من آس الجنة يضرب بها الأرض فتخرج النبات، فلما دخل عليه مع هارون وَقالَ له مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك قال له فرعون: كذبت.

قال موسى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قرأ نافع حقيق علي بالتشديد.

وقرأ الباقون بتخفيف على.

فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول، أي: واجب أن أترك القول على الله إلا الحق.

ومن قرأ بالتشديد معناه: واجب علي ترك القول على الله إلا الحق.

أي لا أقول على الله إلا الحق فلما كذبوه قال: إني لا أقول بغير حجة وبرهان قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: قد جئتكم بعلامة لنبوتي فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تستعبدهم، لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم في الأعمال سخرة ف قالَ له فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي بعلامة لنبوتك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول الله فَأَلْقى موسى عَصاهُ يعني: ألقى موسى عَصَاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وهي أعظم الحيات، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون، ففتحت فاها نحو فرعون، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره، وهرب منها، وهرب الناس، وصاحوا إلى موسى، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى.

ومعنى قوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: أنها حية تسعى لا لبس فيها.

فقال له فرعون: هل معك غير هذا؟

فقال: نعم وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12] يعني: من غير برص فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب على نور الشمس.

ومعنى قوله: لِلنَّاظِرِينَ يعني: يتعجب ويتحير منها الناظرون.

ويقال: إن البياض من غير برص.

لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء.

ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت.

قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يعني: الأشراف والرؤساء.

قال مقاتل: إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: 34] يعني: حاذق بالسحر.

ثم قال لقومه: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ تصديقاً لقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر.

فقال لهم فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: أي فماذا تشيرون في أمره؟

ويقال: إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون؟

أي ماذا ترون في أمره قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: احبسهما ولا تقتلهما.

وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما.

فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان.

فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذٍ.

فذلك قوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ أي: ابعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني: الشرط يحشرون الناس إليكم أي: يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي: حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهوا بالهمزة والواو بعد الهاء.

وقرأ الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء.

وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة.

وهذه اللغات كلها مروية عن العرب.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سَحَّار عليم على وجه المبالغة في السحر.

وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء.

قوله تعالى: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: قالوا لفرعون أتعطينا جعلاً ومالاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى قالَ لهم فرعون نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم المنزلة به سوى العطية يعني: إنكم تكونون أول من يدخل علي بالسلام قرأ أبو عمرو آينَّ لنا لأجْراً بمد الألف.

وقرأ عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع إنَّ لَنَا بهمزة واحدة بغير ياء.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أإن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوماً وأعلن الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [طه: 59] أي: يوم عيد كان لهم ويقال: يوم النيروز.

فلما اجتمعت السحرة قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يعني: إما أن تطرح عصاك على الأرض وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نحن الملقين قبلك.

قالَ لهم موسى أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا يعني: السحرة ألقوا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أخذوا أعينهم بالسحر وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: طلبوا رهبتهم حتى رهبهم الناس.

قال الكلبي: كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلاً.

وقال بعضهم: كانوا اثنين وسبعين حبلاً.

وروى أسباط عن السدي قال: قال ابن عباس كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً.

وقال محمد بن إسحاق: كانوا ألف رجل وخمسمائة رجل ومع كل واحد منهم عصا: وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات، لأن الزئبق لا يستقر في مكان واحد، فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيهاً بالحيات فنظر موسى فإذا الوادي قد امتلأ بالحيات، فدخل فيه الخوف، ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من كثرة الحيات.

فذلك قوله: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: أفزعوهم وأخافوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بسحر تام.

ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بقول عظِيمٌ حيث قالوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [الشعراء: 44] ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ حيث قالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون.

قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها.

وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «١» ، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «٢» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر.

والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «٣» ، وقال قتادة:

صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً «٤» ، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك.

وقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً «٥» ، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ.

قال ع «٦» : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما.

ت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.

قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)

وقوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «١» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: ٣٥] .

و «ما» : استفهامُ، و «ذَا» : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون» : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «٢» .

وقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ.

واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «٣» ، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي: الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكَذَّبُوا بِها.

وقالَ غَيْرُهُ: فَجَحَدُوا بِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ "عَلى" بِمَعْنى الباءِ.

قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَجْعَلُ الباءَ في مَوْضِعِ "عَلى"؛ تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ، وعَلى القَوْسِ، وجِئْتُ بِحالٍ حَسَنَةٍ، وعَلى حالٍ حَسَنَةٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ:" حَقِيقٌ" بِمَعْنى: حَرِيصٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: (حَقِيقٌ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الياءِ وفَتْحِها، عَلى الإضافَةِ.

والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: العَصا.

﴿ فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أطْلَقَ عَنْهُمْ؛ وكانَ قَدِ اسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ.

﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: حَيَّةٌ ظاهِرَةٌ.

قالَ الفَرّاءُ: الثُّعْبانُ: أعْظَمُ الحَيّاتِ، وهو الذَّكَرُ.

وكَذَلِكَ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها.

وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ: قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ  .

وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ.

ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ  ﴾ هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟

فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ  ﴾ فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ: أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ.

وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الآيَةُ.

البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.

وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟

وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ الآيَةُ.

رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ.

والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ.

وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مُبِينٌ ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هي بَيْضاءُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من أخبار الرسالات السابقة إلى أخبار رسالة عظيمة لأمة باقية إلى وقت نزول القرآن فضّلها الله بفضله فلم تُوَف حق الشكر وتلقت رسولها بين طاعة وإباء وانقياد ونفار، فلم يعاملها الله بالاستيصال ولكنه أراها جزاء مختلف أَعمالها، جزاء وفاقاً، إنْ خيراً فخير، وإن شراً فشر.

وخصت بالتفضيل قصة إرسال موسى لِما تحتوي عليه من الحوادث العظيمة، والأنباء القيمة، ولأن رسالته جاءت بأعظم شريعة بين يدي شريعة الإسلام، وأرسل رسولها هادياً وشارعاً تمهيداً لشريعة تأتي لأمة أعظم منها تكون بعدها، ولأن حال المرسل إليهم أشبه بحال من أرسل إليهم محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا فريقيْن كثيريْن اتَبع أحدهم موسى وكفَر به الآخر، كما اتّبع محمداً عليه السلام جمع عظيم وكفر به فريق كثير، فأهلك الله من كفر ونصر من آمن.

وقد دلت ﴿ ثم ﴾ على المُهلة: لأن موسى عليه السلام بعث بعد شعيب بزمن طويل، فإنه لما توجه إلى مدين حين خروجه من مصر، رجَا الله أن يهديَه فوجد شعيباً، وكان اتصاله به ومصاهرته تدريجاً له في سلم قبول الرسالة عن الله تعالى فالمهلة باعتبار مجموع الأمم المحكي عنها قبل، فإن منها ما بينه وبين موسى قرونَ مثل قوم نوح، ومثل عاد وثمود، وقوم لوط، فالمهلة التي دلت عليها ﴿ ثم ﴾ متفاوتة المقدار، مع ما يقتضيه عطف الجملة بحرف ﴿ ثم ﴾ من التراخي الرتبي وهو ملازم لها إذا عطفت بها الجمل.

فحرف (ثم) هنا مستعمل في معنيي المهلة الحقيقي والمجازي.

والضمير في قوله: ﴿ من بعدهم ﴾ يعود إلى القرى، باعتبار أهلها، كما عادت عليهم الضمائر في قوله ﴿ ولقد جاءتهم رسلهم ﴾ الآيتين [الأعراف: 101].

والباء في ﴿ بآياتنا ﴾ للملابسة، وهي في موضع الحال من موسى، أي: مصحوباً بآيات منا، والآيات: الدلائل على صدق الرسول، وهي المعجزات، قال تعالى: ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ﴾ [الأعراف: 106، 107].

و ﴿ فرعون ﴾ علَم جنس لملك مصر في القديم، أي: قبل أن يملكها اليونان، وهو اسم من لغة القبط.

قيل: أصله في القبطية (فاراه) ولعل الهاء فيه مبدلة عن العين فإن (رع) اسم الشمس فمعنى (فاراه) نور الشمس لأنهم كانوا يعبدون الشمس فجعلوا ملك مصر بمنزلة نور الشمس، لأنه يصلح الناس، نقل هذا الاسم عنهم في كتب اليهود وانتقل عنهم إلى العربية، ولعله مما أدخله الإسلام، وهذا الاسم نظير (كسرى) لملك ملوك الفرس القدماء، و(قيصر) لملك الروم، و(نمروذ) لملك كنعان، و(النجاشي) لملك الحبش، و(تُبَع) لملك ملوك اليمن، و(خان) لملك الترك.

واسم فرعون الذي أرسل موسى إليه: منفطاح الثاني، أحد ملوك العائلة التاسعة عشرة من العائلات التي ملكت مصر، على ترتيب المؤرخين من الإفرنج وذلك في سنة 1491 قبل ميلاد المسيح.

والملأ: الجماعة من علية القوم، وتقدم قريباً، وهم وزراء فرعون وسادة أهل مصر من الكهنة وقواد الجند، وإنما خص فرعون وملأه لأنهم أهل الحل والعقد الذين يأذنون في سراح بني إسرائيل، فإن موسى بعثه الله إلى بني إسرائيل ليحررهم من الرق الذي كانوا فيه بمصر، ولما كان خروجهم من مصر متوقفاً على أمر فرعون وملئه بعثه الله إليهم ليعلموا أن الله أرسل موسى بذلك، وفي ضمن ذلك تحصل دعوة فرعون للهُدى، لأن كل نبيء يُعلن التوحيد ويأمر بالهدى، وإن كان المأمور من غير المبعوث إليهم حرصاً على الهُدى إلاّ أنَّه لا يقيم فيهم ولا يكرر ذلك، والفاء في قوله: ﴿ فظلموا ﴾ للتعقيب أي فبادروا بالتكذيب.

والظلم: الاعتداء على حق الغير، فيجوز أن يكون ﴿ فظلموا ﴾ هنا على أصل وضعه وتكون الباء للسببية، وحذف مفعول (ظلموا) لقصد العموم، والمعنى: فظلموا كل من له حق في الانتفاع بالآيات، أي منعوا الناس من التصديق بها وآذوا الذين آمنوا بموسى لَمّا رأوا آياته، كما قال تعالى: ﴿ قال فرعون أآمنتم به قبل أن آذن لكم إلى قوله لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ [الأعراف: 123، 124] الآية.

وظلموا أنفسهم إذ كابروا ولم يُؤمنوا، فكان الظلم بسبب الآيات أي بسبب الاعتراف بها.

ويجوز أن يكون ضمّن ﴿ ظلموا ﴾ معنى كفروا فعدّي إلى الآيات بالباء، والتقدير: فظلموا إذ كفروا بها، لأن الكفر بالآيات ظلم حقيقة، إذ الظلم الاعتداء على الحق فمن كفر بالدلائل الواضحة المسماة (آيات) فقد اعتدى على حق التأمل والنظر.

والفاء في قوله: ﴿ فانظر ﴾ لتفريع الأمر على هذا الإخبار، أي: لا تتريّث عند سماع خبر كفرهم عن أن تبادر بالتدبّر فيما سنقص عليك من عاقبتهم.

والمنظور هو عاقبتهم التي دل عليها قوله: ﴿ فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين ﴾ [الأعراف: 136] وهذا النظر نظر العقل وهو الفكر المُؤَدِّي إلى العلم فهو من أفعال القلوب.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد هو ومن يَبْلغْه، أو المخاطب غيرُ معين وهو كل من يتأتى منه النظر والاعتبار عند سماع هذه الآيات، فالتقدير: فانظر أيها الناظر، وهذا استعمال شائع في كل كلام موجه لغير معين.

ولما كان ما آل إليه أمر فرعون وملئه حالة عجيبة، عبر عنه ب (كيف) الموضوعة للسؤال عن الحال، والاستفهام المستفاد من (كيف) يقتضي تقدير شيء، أي: انظر عاقبة المفسدين التي يسأل عنها بكيف.

وعُلّق فعل النظر عن العمل لمجيء الاستفهام بعده، فصار التقدير: فانظر، ثم افتتح كلاماً بجملة ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ ، والتقدير في أمثاله أن يقدر: فانظر جوابَ كيفَ كان عاقبة المفسدين.

والعاقبة: آخر الأمر ونهايته، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ في سورة الأنعام (11).

والمراد بالمفسدين: فرعون وملأه، فهو من الإظهار في مقام الإضمار تنبيهاً على أنهم أصيبوا بسوء العاقبة لكفرهم وفسادهم، والكفر أعظم الفساد لأنه فساد القلب ينشأ عنه فساد الأعمال، وفي الحديث: «ألا وإن في الجسد مُضْغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا وهي القلب».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ في ﴿ حَقِيقٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَرِيصٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: واجِبٌ، مَأْخُوذٌ مِن وُجُوبِ الحَقِّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا الحَقَّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا الصِّدْقَ.

والثّانِي: إلّا ما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الرِّسالَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: إنما سمي موسى لأنه ألقي بين ماء وشجر، فالماء بالقبطية: مو، والشجر: سى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان فرعون فارسياً من أهل اصطخر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن لهيعة.

إن فرعون كان من أبناء مصر.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن محمد بن المنكدر قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة، منها مائتان وعشرون سنة لم ير فيها ما يقذي عينيه، ودعاه موسى ثمانين سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة.

أن فرعون كان قبطياً ولد زنا، طوله سبعة أشبار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان فرعون علجاً من همدان.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أمهلت فرعون أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ويكذب بآلائك، ويجحد رسلك.

فأوحى الله إليه: أنه كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: أول من خضب بالسواد فرعون.

وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم بن مقسم الهذلي قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم يصدع له رأس.

وأخرج عن أبي الأشرس قال: مكث فرعون أربعمائة سنة، الشباب يغدو فيه ويروح.

وأخرج الخطيب عن الحكم بن عتيبة قال: أول من خضب بالسواد فرعون حيث قال له موسى: إن أنت آمنت بالله سألته أن يرد عليك شبابك، فذكر ذلك لهامان فخضبه هامان بالسواد.

فقال له موسى: ميعادك ثلاثة أيام.

فلما كانت ثلاثة أيام فصل خضابه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان يغلق دون فرعون ثمانون باباً، فما يأتي موسى باباً إلا انفتح له، ولا يكلم أحداً حتى يقوم بين يديه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ، الكناية يجوز أن تعود إلى الأنبياء الذين (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ (٣) (٤) (٥) ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ أي: فظلموا بالآيات التي جاءتهم؛ لأنهم إذا جاءتهم الآيات فكفروا فقد ظلموا أبين الظلم؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، فجعلوا بدل الإيمان بها الكفر، فذلك معنى: ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ (٦) ﴿ فَانْظُرْ ﴾ أي: بعين قلبك كيف كان عاقبتهم وكيف فعلنا بهم.

(١) وهو قول الأكثر.

انظر: الطبري 9/ 13، والسمرقندي 1/ 558، والبغوي 3/ 262، وابن الجوزي 3/ 237، والقرطبي 7/ 256.

(٢) انظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 558 - 559، و"الكشاف" 2/ 100، والرازي 14/ 189، و"البحر" 4/ 254، وقال ابن عطية 6/ 24: (الضمير عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم) اهـ، والجمع أولى.

(٣) سقط من (ب) تفسير قوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ الآيات 103، 105 الأعراف، وهو سقط من الناسخ حيث جاء في نصف ص 159 أتفسير باقي الآية 105 بعد الآية 103.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 214، وابن الجوزي 3/ 237.

(٥) انظر: تفصيل ذلك في "عرائس المجالس" ص 190، و"تفسير ابن كثير" 2/ 263.

(٦) "معاني الزجاج" 2/ 362، ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 60.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ﴾ الضمير لأهل القرى والمعنى وجدناهم ناقضين للعهود ﴿ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ من قرأ عليّ بالتشديد على أنها ياء المتكلم فالمعنى ظاهر، وهو أن أنه خبر حقيق، وحقيق مبتدأ أو بالعكس ومن قرأ على بالتخفيف فموضع أن لا أقول خفض بحرف الجر، وحقيق صفة لرسول، وفي المعنى على هذا وجهان، أحدهما: أن على بمعنى الباء فمعنى الكلام: رسول حقيق بأن لا أقول على الله إلا بالحق، والثاني: أن معنى حقيق حريص ولذلك تعدّى بعلى ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي بمعجزة تدل على صدقي؛ وهي العصا أو جنس المعجزات ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي خلهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة موطن آبائهم، وذلك أنه لما توفي يوسف عليه السلام غلب فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف عليه السلام غلب فرعون على بني إسرائيل واستبعدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حقيق على ﴾ بالتشديد: نافع.

الباقون: بالتخفيف ﴿ معي ﴾ بفتح الياء حيث كان: حفص ﴿ أرجه ﴾ بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ أرجه ﴾ بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون ﴿ أرجهي ﴾ بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل ﴿ أرجئه ﴾ بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني ﴿ أرجئهو ﴾ بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ﴿ أرجئه ﴾ بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ سحار ﴾ بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس.

وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة.

البقون ﴿ ساحر ﴾ .

﴿ أن لنا ﴾ بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص.

﴿ أئن لنا ﴾ بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام.

يدخل بينهما مدة ﴿ آين لنا ﴾ المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد.

﴿ أين لنا ﴾ بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح.

الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل.

﴿ آمنتم ﴾ بهمزة واحدة ممدودة: حفص.

﴿ أأمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ فرعون وآمنتم ﴾ بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل ﴿ وآمنتم ﴾ بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل.

الوقوف: ﴿ فظلموا بها ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج وقف لمن قرأ ﴿ حقيق عليّ ﴾ بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل ﴿ حقيق ﴾ وصف الرسول و"على" بمعنى الباء ﴿ إلا الحق ﴾ ط ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ﴿ من أرضكم ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون ﴿ قاهرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب الأمر ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه ﴿ الملقين ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عصاك ﴾ ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ﴿ ما يأفكون ﴾ ه ﴿ وكذلك يعملون ﴾ ه ﴿ صاغرين ﴾ ه ج لمكان حروف العطف ﴿ ساجدين ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قالوا ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ العالمين ﴾ ه لا للبدر ﴿ هرون ﴾ ه ﴿ آذن لكم ﴾ ج للابتداء مع اتحاد القائل ﴿ أهلها ﴾ ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ منقلبون ﴾ ه للآية مع اتحاد المقول ﴿ جاءتنا ﴾ ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ﴿ المسلمين ﴾ ه.

التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى  .

وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء.

والضمير في قوله ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي.

﴿ فظلموا بها ﴾ أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها.

﴿ وانظر ﴾ أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ كيف فعلنا بهم؟

وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ﴾ أي إله قادر عليم حكيم.

وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ﴿ حقيق على أن لا أقول ﴾ من قرأ بالتشديد في ﴿ عليّ ﴾ و ﴿ حقيق ﴾ إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك.

تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً.

وأما قراءة العامة ﴿ حقيق علي أن لا أقول ﴾ مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط  ﴾ أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ ﴿ حقيق بأن لا أقول ﴾ أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق.

ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص.

ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع.

وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به.

وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله  ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها  ﴾ ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات.

فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق.

ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ أي بمعجزة قاهرة باهرة منه.

ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم.

وذلك أن يوسف  لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟

والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً.

وثانيهما: أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية ﴾ وقوله ﴿ فأت بها ﴾ كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟

وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك.

ثم إن فرعون لما طالب موسى  بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله  ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ﴾ ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات.

أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر.

روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك.

وهرب الناسوصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً.

والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء  ﴾ روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟

فقال: يدك.

ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى  آدم شديد الأدمة وقوله ﴿ للناظرين ﴾ يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب.

واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل.

والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة.

فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء.

قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً.

هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين.

قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة.

والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله  قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى  كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله  ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ ولا ينافي هذا ما حكاه الله  في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة.

والأظهر أن قوله ﴿ فماذا تأمرون ﴾ من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك.

قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز.

وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا.

﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز ﴿ مدائن ﴾ لأنه كصحائف.

وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن.

وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر.

وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ﴿ يأتوك بكلّ سحار ﴾ الباء بمعنى "مع" أو للتعدية.

قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم.

وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.

وقيل: سبعين ألفاً.

وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل.

وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى.

وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا  فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟

فأجيب ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ﴿ قال نعم ﴾ أي إن لكم أجراً ﴿ وإنكم لمن المقربين ﴾ أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم.

روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.

وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟

قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به.

وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم.

ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا ﴿ يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم ﴿ وإما أن نكون نحن ﴾ بالأمر أليق منه بالخبر.

وبدليل قوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد.

فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله  كان لا ينقص عددها علىالعشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده.

ثم بين السبب في الغلبة فقال ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون  ﴾ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة.

وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور.

قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم.

وقال الأنصار.

شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا.

وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله  بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة.

وبعث رسول الله  عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة.

وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك.

قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله  أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال  وتعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ .

قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.

وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره.

وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر.

وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.

ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي الذي عملوه أو عملهم ﴿ فغلبوا هنالك ﴾ أي حين التحدي ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته.

روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي.

قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة.

وفي قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين ﴾ دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله  الموجد للدواعي والقدر.

وقال الأخفش.

من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.

قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟

وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان.

قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون.

فلما قالوا ﴿ رب موسى ﴾ قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا ﴿ هارون ﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون.

وقيل:أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى.

وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً.

ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم.

أما الإنكار فذلك قوله ﴿ آمنتم له ﴾ من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار.

وفي قوله قبل ﴿ أن آذن لكم ﴾ دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين.

وأما الشبهة فقوله ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ﴾ أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل.

وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة  م أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟

فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد إجمالي وتفصيله ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي كل من شق طرفاً ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا.

فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون ﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض  ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله ﴿ وقومه ﴾ وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده.

وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ﴿ وما تنقم منا ﴾ قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ﴾ وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله  وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً.

فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله  وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف.

واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ، ﴿ وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ ، ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ ، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا ﴿ وأرسل في المدائن ﴾ وهناك ﴿ وابعث ﴾ فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره.

وإنما قال ههنا ﴿ آمنتم به ﴾ وفي طه والشعراء ﴿ آمنتم له ﴾ باللام لأن ضمير ﴿ به ﴾ في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد.

وقال ههنا ﴿ ثم لأصلبنكم ﴾ وفي السورتين ﴿ لأصلبنكم ﴾ لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه.

التأويل: ﴿ فظلموا بها ﴾ بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها ﴿ حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله ﴿ هي عصاي  ﴾ ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ﴿ ألقها يا موسى  ﴾ ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله  في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية.

﴿ قالوا أرجه وأخاه ﴾ توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم.

﴿ أئن لنا لأجر ﴾ لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية ﴿ قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾ أجرى الله  هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي ﴾ أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله  بالسجود والإيمان ﴿ بسحر عظيم ﴾ أي عظيم في الإثم كما قال ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس ﴿ فوقع الحق ﴾ بإثبات لا إله إلا الله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ من تزيين زخارف الدنيا في العيون ﴿ فغلبوا ﴾ أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية.

﴿ رب موسى ﴾ الروح ﴿ وهارون ﴾ القلب.

واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق.

وفي القصة دلالة على أنه  قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله ﴿ لمكر مكرتموه ﴾ في موافقة موسى الروح في مدينة القالب ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ هو اللذات والشهوات البدنية ﴿ لأقطعن ﴾ بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ﴿ ثم لأصلبنكم في جذوع ﴾ تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ثم بعثنا من بعد هلاك قرون كثيرة موسى رسولاً بآياتنا إلى فرعون وملئه، يحتمل قوله: ﴿ بِآيَٰتِنَآ ﴾ ، حججنا، ثم يحتمل حجج وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل آيات رسالته ونبوته، وعلى قول الحسن: بآياتنا: ديننا، وعلى ذلك يتناول جميع الآيات التي ذكرت في القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ .

إن موسى كان مبعوثاً إليهم جميعاً إلى فرعون والملأ والأتباع جميعاً، لا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وملئه خاصة دون الأتباع، وكذلك ذكر في مكان آخر إلى فرعون خاصّة، وهو بعث إليهم جميعاً، لكن يخرج تخصيص ذكر هؤلاء القادة - والله أعلم - لما أن الذي ينازع الأنبياء والرسل هم الكبراء والرؤساء دون الأتباع والسفلة، والأتباع هم الذين يصدرون لآراء الكبراء، ويتبعونهم فيما يدعونهم إليه، وعلى ذلك سموا الكبراء والرؤساء أضداد الرسل، وإلا كان موسى مبعوثاً إليهم جميعاً؛ الوضيع منهم والرفيع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي: ظلموا بالآيات والحجج التي أتى [بها] موسى إلى فرعون وقومه، سمي ظلماً؛ لأنهم سموا تلك الآيات سحراً بعد ما عرفوا أنها منزلة من الله، فوضعوها غير موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.

وقال قائلون: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي: ظلموا نعم الله التي أنعمها عليهم حيث عبدوا غيره، فصرفوا شكر تلك النعم إلى غير الذي أنعمها عليهم، فذلك ظلم، شكروا من لم ينعم عليهم وصرفوا عمن أنعم عليهم، والله أعلم.

ويحتمل: ظلموا الأتباع بتلك الآيات حيث منعوهم عن اتباع الرسول واستتبعوهم.

أو يقول: ظلموا بها أنفسهم حيث تركوا اتباعها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .

هذا الخطاب في الظاهر لرسول الله  وكان المراد بالخطاب غيره، أمر كلاً بالنظر في عاقبة المفسدين لما حل بهم بفسادهم؛ لأن من نظر في عاقبة ما حل بغيره بمعصية أو فساد يمتنع عن مثله، وأمكن أن يكون الخطاب لرسول الله  لوجهين: أحدهما: لما له بما حل بهم بعض التسلي لأذاهم إياه؛ لأن من توسم حلول الهلاك على عدوه في العاقبة صبر على أذاه، ويكون له بعض التسلي في ذلك [والثاني] يذكرهم وينبئهم بما يحل بهم في العاقبة؛ ليمتنعوا عما ارتكبوا من المعاصي؛ لأن ذلك أزجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

فإن قيل: كيف قال إني رسول الله وذلك يخرج في الظاهر مخرج الامتداح والتزكية، وقد نهينا عن ذلك؛ لأنه أخبر [أنه] بمحل الذي توضع الرسالة فيه، وأنه أهل لها؟

قيل: ليس فيه امتداح نفسه ولا تزكية له؛ لأنه إنما يذكر منة الله  أنه جعله بحيث توضع فيه الرسالة، وجعله أهلاً لها والتزكية والامتداح إنما يقع فيما هو فعله حقيقة لا فعل الله، أو إن كان تزكية وامتداحاً فهو أمر بذلك، فجاز ذلك بالأمر.

أو أراد بذلك تعريفه؛ لما كان من عادة الملوك أنهم إذا بعث بعضهم إلى بعض رسولاً فإنهم لا يستقبلون الرسل بالمكروه والشر، بل يعظمون الرسل ويكرمونهم، وإن كان بينهم معاداة، فذكر أنه رسول من ربّ العالمين؛ لئلا يستقبل بالمكروه.

وقوله : ﴿ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قيل: العالم: هو جوهر الكل، وهو قول الفلاسفة.

وقال أبو بكر الأصم: رب العالمين، أي: مليك الخلائق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .

قال أهل التأويل: إن موسى لما قال لفرعون [إني رسول من رب العالمين فقال له كذبت فعند ذلك قال له موسى ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ، وأمكن أن يكون ذلك منه على غير تكذيب القول من فرعون ولكنه قال ذلك؛ لما أنه] حقيق على كل أحد أكرمه الله بالرسالة واختاره لها ألا يقول على الله إلا الحق، أو أن يقول: إني رسول من ربّ العالمين حقيق على [بعد] ما أكرمني بالرسالة أن لا أقول على الله إلا الحق.

وقوله: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ : قد ذكرنا ألا يصح الابتداء بهذا إلا بعد أن يسبق من فرعون كلام خرج ذلك الكلام من موسى جواباً لما كان منه، وهو ما قال أهل التأويل: [أنه قال له: لما قال: إني رسول من رب العالمين إليك -: كذبت؛ لم يرسلك إلينا، وكلاماً نحو هذا؛ فعند ذلك قال: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ أي ما كان ينبغي لي أن أقول على الله الكذب وهو كما] قال عيسى: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ ، لما قال له: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله كان ذلك القول من عيسى [بعد] ما ادعى قومه على عيسى أنه قال لهم ذلك، وكذلك قول الملائكة: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ بعد ما قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  ﴾ ، فعند ذلك قالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ، خرج ذلك القول منهم جواب ما تقدم، فعلى ذلك قول موسى: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ، خرج على تقدم قول كان منهم، والله أعلم.

ومن قرأ: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فتأويله: محقوق: على ألا أقول على الله إلا الحق، ومن قرأ بتشديد عليَّ فتأويله: حق عليّ ألا أقول على الله إلا الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ما يبيّن وحدانية الله  وألوهيته.

ويحتمل: ببينة الرسالة ما يبين أني رسول رب العالمين، غير كاذب عليه ولا مفتر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: لا تستعبدهم؛ فإنهم ليسوا بعبيد، لم يرد إرسالهم معه، ولكن طلب استنقاذهم من العبودة؛ كقوله: ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

دل قول فرعون: ﴿ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ﴾ أن موسى أراد بقوله: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ...

﴾ : الآية.

ودل قوله: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه [لعنه الله] قد كان عرف أنه ليس بإله، وعرف عبودة نفسه حيث طلب منه الآية على صدق ما ادعى من الرسالة، ولو كان عنده أنه إله، لكان قال لموسى: أنا الإله فمتى أرسلتك، ولم يطلب منه الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال أبو عوسجة الثعبان: الحيّة: قال: كل حيّة تسمى ثعباناً، والثعابين جماعة.

وعن ابن عباس -  - قال: الثعبان هي الحيّة الذكر.

وقوله: ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: مبين أنها حية، وهو كما ذكر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ  ﴾ .

﴿ مُّبِينٌ ﴾ : لا يشك أحد أنها ليست بحيّة، ويحتمل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: مبين أن ذلك التغيير والتحويل لا يكون إلا من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ .

ذكر نزع يده ولم يذكر من ماذا، فهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ [أي: من غير أذى ولا آفة]، وقال أهل التأويل: من غير برص، ولكن عندنا: من غير سوء من غير أن تستقبح أو تستقذر؛ لأن خروج الشيء عن خلقته وجوهره مما يستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك.

فإن قيل لنا: ما الحكمة في إدخال يده جيبه على ما هي عليه وإخراجه إياها بيضاء من غير أن كانت كذلك قبل أن يدخلها، وكذلك صيرورة العصا [حية] بعد ما طرحها على الأرض دون أن تصير حية وهي في يده قبل ذلك؟

[قيل] - والله أعلم -: إنه إنما أراهم آيته بعد ما أخرج العصا عن سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنها إنما صارت لا بتدبيره وتغييره ولكن بالله عز وجل، وكذلك اليد صيرها آية بعدما غيبها عن بصره وتدبيره؛ ليعلم أنها صارت كذلك لا به ولكن بالله عز جل والآية: هي التي تخرج عن وسع الخلق وتدبيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ  ﴾ ، يحتمل أن يكون فرعون قال للملأ: إن هذا كذا، ثم قال الملأ لقومه: إن هذا لساحر عليم، أراد والله أعلم - تلبيس ما أتى به موسى من الآية على قومه، وأراد بقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ إغراء قومه عليه.

والسحر عندنا هو من آيات الرسالة ولو كان ما أتى [به] موسى سحراً كان ذلك من آيات رسالته ونبوته؛ لأنه لا يستفاد إلا بعلم من السماء وخبر منها، وكذلك هذه الحرف والمكاسب التي تكتسب في الخلق؛ لأنه لا يعلم إلا بالوحي من السماء، لكنه ليس بآية على الإشارة، ولو كان ما أتى به سحراً لكان له آية؛ لأن نشأ بين أظهرهم لم يروه اختلف إلى ساحر قط ولا عرفوا أنه تعلم ذلك من أحد، فدل ذلك أنه من الآية، لكنه أخرج ذلك عما عرفوا من السحر لما لا أحد يعرف أنه لم يختلف في ذلك، ولا تعلم من أحد، فأخرجه عن وسع السحرة وتدبيرهم؛ ليعرف كل أحد أنه [من] آيات رسالته ونبوته لا السحر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ .

كان موسى لا يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن - والله أعلم - كأنه قال فرعون لقومه: لو اتبعتم موسى وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه لأخرجتكم [من أرضكم] لكن أضاف ذلك إلى موسى لما كان هو سبب إخراجهم، والله أعلم.

أو يقول: يريد أن يذهب بعيشكم الطيب وراحتكم وتلذذكم بأنواع التلذذ؛ لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل، ويستخدمونهم، ويستريحون هم وينعمون، فيقول للقبط: يريد أن يذهب بذلك كله عنكم.

وجائز أن يكون موسى لم يكن يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن يريد أن يخرجهم من دينهم الذي كانوا عليه، ولكنه كان يغري قومه عليه.

وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ .

دل هذا القول من فرعون أنه كان يعرف أنه ليس بإله ولا رب؛ لأنه لو كان ما يقول: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ لكان لا يطلب من قومه الأمر والإشارة في ذلك، دل ذلك أنه كان يعرف عجزه وضعفه؛ لكنه يكابر ويلبس على قومه ويموه بقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ هذا الحرف حرف إغراء وتحريش عليه، وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ هو حرف تقريب حيث جعل إليهم الأمر والإشارة، وجعلهم من أهل مشورته.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .

هذا الحرف لا يقال ابتداء إلا أن يكون هنالك تقدم شيء؛ فكأنه هم بقتله؛ كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ فقالوا له: ﴿ أَرْجِهْ ﴾ ، أي: أخره واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق جميعاً، كانوا يمنعون فرعون عن قتله.

ألا ترى أنه قال: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ  ﴾ لو لم يكن منهم منع عن قتله لم يكن ليقول لهم: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .

قال القتبي: أرجه وأخاه هارون، يقول: احبسه، أي: أخّره، ومنه قوله: ترجي من تشاء، ومنه سميت المرجئة.

وقال ابن عباس -  -: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ ولا تقتلهما ﴿ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ﴾ أي: أرسل إلى المدائن الشرط، يأتون من المدائن حاشرين، أي: يحشرون عليك السحرة والناس.

إلى هذا يذهب ابن عباس،  .

وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ لا تقتله حتى يأتوك بكل ساحر عليم، أي: ليجتمع كل أنواع السحر [عنده] ليتبيّن سحره، [وإلا كان ساحر واحد كافياً، ولكن أرادوا والله أعلم بقوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ليجتمع جميع أنواع السحر عنده لتبين سحره].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ثم أرسلنا بعد أولئك الرسل موسى  بحججنا وأدلتنا البينة الدالة على صدقه إلى فرعون وقومه، فما كان منهم إلا أن جحدوا تلك الآيات وكفروا بها، فتأمل -أيها الرسول- كيف كان عاقبة فرعون وقومه، فقد أهلكهم الله بالغرق، وأتبعهم اللعنة في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.7nlqb"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله