الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٠٧ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 95 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( ( 108 ) ثعبان مبين ) الحية الذكر .
وكذا قال السدي ، والضحاك .
وفي حديث " الفتون " ، من رواية يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ( فألقى عصاه ) فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها ، مسرعة إلى فرعون ، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه ، اقتحم عن سريره ، واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل .
وقال قتادة : تحولت حية عظيمة مثل المدينة .
وقال السدي في قوله : ( فإذا هي ثعبان مبين ) والثعبان : الذكر من الحيات ، فاتحة فاها ، واضعة لحيها الأسفل في الأرض والآخر على سور القصر ، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه .
فلما رآها ذعر منها ، ووثب وأحدث ، ولم يكن يحدث قبل ذلك ، وصاح : يا موسى ، خذها وأنا أومن بك ، وأرسل معك بني إسرائيل .
فأخذها موسى ، عليه السلام ، فعادت عصا .
وروي عن عكرمة عن ابن عباس نحو هذا .
وقال وهب بن منبه : لما دخل موسى على فرعون ، قال له فرعون : أعرفك ؟
قال : نعم ، قال : ( ألم نربك فينا وليدا ) [ الشعراء : 18 ] ؟
قال : فرد إليه موسى الذي رد ، فقال فرعون : خذوه ، فبادره موسى ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ) فحملت على الناس فانهزموا منها ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، قتل بعضهم بعضا ، وقام فرعون منهزما حتى دخل البيت .
رواه ابن جرير ، والإمام أحمد في كتابه " الزهد " ، وابن أبي حاتم .
وفيه غرابة في سياقه والله أعلم .
القول في تأويل قوله : فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) قال أبو جعفر: يقول جل ثناؤه: فألقى موسى عصاه= " فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ"، يعني حية= " مُبِينٌ" يقول: تتبين لمن يراها أنها حية.
(5) .
* * * وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 14909 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر, عن قتادة: " فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ" قال: تحولت حية عظيمة.
وقال غيره: مثل المدينة.
14910 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ"، يقول: فإذا هي حية كاد يَتَسوَّره= يعني: كاد يَثبُ عليه.
(6) .
14911 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ"، " والثعبان " : الذكر من الحيات, فاتحةً فاها, واضعة لحيها الأسفل في الأرض, والأعلى على سور القصر، (7) ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه, فلما رأها ذُعِر منها, ووثب فأحدث, ولم يكن يُحْدِث قبل ذلك, وصاح: يا موسى، خذها وأنا مؤمن بك، وأرسل معك بنى إسرائيل!
فأخذها موسى فعادت عصًا.
14912 - حدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال، حدثنا أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس: " فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ" قال: ألقى العصا فصارت حية, فوضعت فُقْمًا لها أسفل القبة, وفُقْمًا لها أعلى القبة (8) = قال عبد الكريم، قال إبراهيم: وأشار سفيان بأصبعه الإبهام والسبابة هكذا: شِبْه الطاق (9) = فلما أرادت أن تأخذه, قال فرعون: يا موسى خذها !
فأخذها موسى بيده, فعادت عصا كما كانت أول مرة.
14913 - حدثنا العباس بن الوليد قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: ألقى عصاه فتحولت حيه عظيمة فاغرةً فاها, مسرعة إلى فرعون، فلما رأى فرعون أنها قاصدةٌ إليه, اقتحم عن سريره, (10) فاستغاث بموسى أن يكفَّها عنه, ففعل.
14914 - حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " ثُعْبَانٌ مُبِينٌ" قال: الحية الذكر.
14915 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما دخل موسى على فرعون, قال له فرعون: (11) أعرفك؟
قال: نعم!
قال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا ؟
[سورة الشعراء: 18].
قال: فرد إليه موسى الذي ردَّ, فقال فرعون: خذوه!
فبادره موسى فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين, فحملت على الناس فانهزموا, فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا, قتل بعضُهم بعضًا, وقام فرعون منهزمًا حتى دخل البيتَ.
14916 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو سعد قال، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ، [سورة طه: 20]، (12) قال: ما بين لَحْيَيها أربعون ذراعًا.
---------------- الهوامش : (5) انظر تفسير (( مبين )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين ) .
(6) في المطبوعة : (( كادت )) بالتأنيث في الموضعين وأثبت ما في المخطوطة .
وفي ((الحية )) ذكر وأنثى .
(7) ( اللحي )) بفتح اللام وسكون الحاء ، وهما (( لحيان )) : وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحى .
(8) (( الفقم )) ( بضم فسكون ) هو (( اللحي )) الذي فسرته قبل ، وهما (( فقمان )) .
(9) (( الطاق )) هو عقد البناء ، وهو ما عطف من الأبنية كأنه القوس .
(10) (( اقتحم عن سريره )) ، رمي بنفسه وسقط عن سريره .
(11) في المطبوعة والمخطوطة : (( قال له موسي : أعرفك )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، صوابه من تفسير ابن كثير 3 : 527 .
(12) في المطبوعة والمخطوطة : (( فألقي عصاه فإذا هي حية تسعي )) ليس هذا في شيء من التلاوة ، والتلاوة ما أثبت .
فألقى عصاه يستعمل في الأجسام والمعاني .
وقد تقدم .
والثعبان : الحية الضخم الذكر ، وهو أعظم الحيات .
مبين أي حية لا لبس فيها .
فَأَلْقَى موسى عَصَاهُ في الأرض فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ أي: حية ظاهرة تسعى، وهم يشاهدونها.
( فألقى ) موسى ( عصاه ) من يده ( فإذا هي ثعبان مبين ) والثعبان : الذكر العظيم من الحيات ، فإن قيل : أليس قال في موضع : ( كأنها جان ) ( النمل - 10 ) ، والجان الحية الصغيرة؟
قيل : إنها كانت كالجان في الحركة والخفة ، وهي في جثتها حية عظيمة .
قال ابن عباس والسدي : إنه لما ألقى العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها ما بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض بقدر ميل ، وقامت له على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه ، وروي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها فوثب فرعون من سريره هاربا وأحدث .
قيل : أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة ، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل ، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال فرعون : هل معك آية أخرى؟
قال : نعم .
«فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين» حية عظيمة.
فألقى موسى عصاه، فتحولت حيَّة عظيمة ظاهرة للعيان.
وهنا يحكى لنا القرآن ما أسرع بفعله موسى للرد على فرعون فقال : ( فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ) : أى فألقى موسى عصاه التى كانت بيده أمام فرعون فإذا هى ثعبان مبين ، أى : ظاهر بين لاخفاء فى كونه ثعباناً حقيقياً يسعى فى خفة وسرعة كأنه جان .والثعبان : الذكر العظيم من الحيات ، وقيل : إنه الحية مطلقا .وذد ذكر بعض المفسرين روايات عن ضخامة هذا الثعبان وأحواله ، إلا أننا أضربنا عنها صفحا لضعفها .
اعلم أن فرعون لما طالب موسى عليه السلام بإقامة البينة على صحة نبوته بين الله تعالى أن معجزته كانت قلب العصا ثعباناً، وإظهار اليد البيضاء، والكلام في هذه الآية يقع على وجوه: الأول: أن جماعة الطبيعيين ينكرون إمكان انقلاب العصا ثعباناً.
وقالوا: الدليل على امتناعه أن تجويز انقلاب العصا ثعباناً يوجب ارتفاع الوثوق عن العلوم الضرورية وذلك باطل، وما يفضي إلى الباطل فهو باطل.
إنما قلنا: إن تجويزه يوجب ارتفاع الوثوق على العلوم الضرورية، وذلك لأنا لو جوزنا أن يتولد الثعبان العظيم من العصا الصغيرة لجوزنا أيضاً أن يتولد الإنسان الشاب القوي عن التبنة الواحدة والحية الواحدة من الشعير، ولو جوز ذلك لجوزناه في هذا الإنسان الذي نشاهده الآن أنه إنما حدث الآن دفعة واحدة لا من الأبوين، ولجوزنا في زيد الذي نشاهده الآن أنه ليس هو زيد الذي شاهدناه بالأمس، بل هو شخص آخر حدث الآن دفعة واحدة، ومعلوم أن من فتح على نفسه أبواب هذه التجويزات فإن جمهور العقلاء يحكمون عليه بالخبل والعته والجنون، ولأن لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يقال: إن الجبال انقلبت ذهباً ومياه البحار انقلبت دماً، ولجوزنا في التراب الذي كان في مزبلة البيت أنه انقلب دقيقاً، وفي الدقيق الذي كان في البيت أنه نقلب تراباً وتجويز أمثال هذه الأشياء مما يبطل العلوم الضرورية ويوجب دخول الإنسان في السفسطة، وذلك باطل قطعاً فما يفضي إليه كان أيضاً باطلاً.
فإن قال قائل: تجويز أمثال هذه الأشياء مختص بزمان دعوة الأنبياء، وهذا لزمان ليس كذلك فقد حصل الأمان في هذا الزمان عن تجويز هذه الأحوال.
فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا التجويز إذا كان قائماً في الجملة كان تخصيص هذا التجويز بزمان دون زمان مما لا يعرف إلا بدليل غامض فكان يلزم أن يكون الجاهل بذلك الدليل الغامض جاهلاً باختصاص ذلك التجويز بذلك الزمان المعين فكان يلزم من جمهور العقلاء الذين لا يعرفون ذلك الدليل الغامض أن يجوزوا كل ما ذكرناه من الجهات وأن لا يكونوا قاطعين بامتناع وقوعها، وحيث نراهم قاطعين بامتناع وقوعها علمنا أن ما ذكرتموه فاسد.
والثاني: أنا لو جوزنا أمثال هذه الأحوال في زمان دعوة النبوة فإنه يبطل أيضاً به القول بصحة النبوة، فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً، جاز في الشخص الذي شاهدناه أنه ليس هو الشخص الأول، بل الله أعدم الشخص الأول دفعة واحدة، وأوجد شخصاً آخر يساويه في جميع الصفات.
وعلى هذا التقدير فلا يمكننا أن نعلم أن هذا الذي نراه الآن هو الذي رأيناه بالأمس وحينئذ يلزم وقوع الشك في الذين رأوا موسى وعيسى ومحمداً عليهم السلام أن ذلك الشخص هل هو الذي رأوه بالأمس أم لا؟
ومعلوم أن تجويزه يوجب القدح في النبوة والرسالة.
والثالث: وهو أن هذا الزمان وإن لم لكن زمان جواز المعجزات إلا أنه زمان جواز الكرامات عندكم فيلزمكم تجويزه، فهذا جملة الكلام في هذا المقام.
واعلم أن القول بتجويز انقلاب العادات عن مجاريها صعب مشكل، والعقلاء اضطربوا فيه وحصل لأهل العلم فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: قول من يجوز ذلك على الإطلاق وهو قول أصحابنا، وذلك لأنهم جوزوا تولد الإنسان وسائر أنواع الحيوان والنبات دفعة واحدة من غير سابقة مادة ولا مدة ولا أصل ولا تربية وجوزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً عاقلاً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج ولا رطوبة ولا تركيب، وجوزوا في الأعمى الذي يكون بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقعة التي تكون بأقصى المشرق، مع أن الإنسان الذي يكون سليم البصر لا يرى الشمس الطالعة في ضياء النهار، فهذا هو قول أصحابنا.
والقول الثاني: قول الفلاسفة الطبيعيين وهو أن ذلك ممتنع على الإطلاق، وزعموا أنه لا يجوز حدوث هذه الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين.
وقالوا: وبهذا الطريق دفعنا عن أنفسنا التزام الجهالات التي ذكرناها والمحالات التي شرحناها، واعلم أنهم وإن زعموا أن ذلك غير لازم لهم، إلا أنهم في الحقيقة يلزمهم ذلك لزوماً لا دافع له، وتقريره أن هذه الحوادث التي تحدث في عالمنا هذا إما أن تحدث لا لمؤثر أو لمؤثر، وعلى التقديرين: فالقول الذي ذكرناه لازم أما على القول بأنها تحدث لا عن مؤثر، فهذا القول باطل في صريح العقل، إلا أن مع تجويزه فالإلزام المذكور لازم لأنا إذا جوزنا حدوث الأشياء لا عن مؤثر ولا عن موجد، فكيف يكون الأمان من تجويز حدوث إنسان لا عن الأبوين، ومن تجويز انقلاب الجبل ذهباً والبحر دماً؟
فإن تجويز حدوث بعض الأشياء لا عن مؤثر ليس أبعد عند العقل من تجويز حدوث سائر الأشياء لا عن مؤثر، فثبت على هذا التقدير أن الإلزام المذكور لازم.
أما على التقدير الثاني وهو إثبات مؤثر ومدبر لهذا العالم فذلك المؤثر إما أن يكون موجباً بالذات وأما أن يكون فاعلاً بالاختيار.
أما على التقدير الأول فالإلزامات المذكورة لازمة، وتقريره: أنه إذا كان مؤثراً ومرجحه موجباً بالذات وجب الجزم بأن اختصاص كل وقت معين بالحادث المعين الذي حدث فيه إنما كان لأجل أنه بحسب اختلاف الأشكال الفلكية تختلف حوادث هذا العالم إذ لو لم يعتبر هذا المعنى لامتنع أن تكون العلة القديمة الدائمة سبباً لحدوث المعلول الحادث المتغير.
وإذا ثبت هذا فنقول: كيف الأمان من أن يحدث في الفلك شكل غريب يقتضي حدوث إنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل من الصورة الجبلية إلى الصورة الذهبية أو للصورة الحيوانية؟
وحينئذ تعود جميع الإلزامات المذكورة.
وأما على التقدير الثاني وهو أن يكون مؤثر العالم ومرجحه فاعلاً مختاراً، فلا شك أن جميع الأشياء المذكورة محتملة لأنه لا يمتنع أن يقال إن ذلك الفاعل المختار يخلق بإرادته إنساناً دفعة واحدة لا عن الأبوين وانتقال مادة الجبل ذهباً والبحر دماً، فثبت أن الأشياء التي ألزموها علينا واردة على جميع التقديرات وعلى جميع الفرق وأنه لا دافع لها ألبتة.
والقول الثالث: وهو قول المعتزلة فإنهم يجوزون انخراق العادات وانقلابها عن مجاريها في بعض الصور دون بعض، فأكثر شيوخهم يجوزون حدوث الإنسان دفعة واحدة لا عن الأبوين، ويجوزون انقلاب الماء ناراً وبالعكس، ويجوزون حدوث الزرع لا عن سابقة بذر.
ثم قالوا إنه لا يجوز أن يكون الجوهر الفرد موصوفاً بالعلم والقدرة والحياة، بل صحة هذه الأشياء مشروطة بحصول بنية مخصوصة ومزاج مخصوص، وزعموا أن عند كون الحاسة سليمة وكون المرئي حاضراً وعدم القرب القريب والبعد البعيد يجب حصول الإدراك وعند فقدان أحد هذه الشروط يمتنع حصول الإدراك، وبالجملة فالمعتزلة في بعض الصور لا يعتبرون مجاري العادات ويزعمون أن انقلابها ممكن وانخراقها جائز، وفي سائر الصور يزعمون أنها واجبة ويمتنع زوالها وانقلابها، وليس لهم بين الناس قانون مضبوط ولا ضابط معلوم، فلا جرم كان قولهم أدخل الأقاويل في الفساد.
إذا عرفت هذه التفاصيل فنقول: ذوات الأجسام متماثلة في تمام الماهية وكل ما صح على الشيء صح على مثله، فوجب أن يصح على كل جسم ما صح على غيره، فإذا صح على بعض الأجسام صفة من الصفات وجب أن يصح على كلها مثل تلك الصفة، وإذا كان كذلك كان جسم العصا قابلاً للصفات التي باعتبارها تصير ثعباناً، وإذا كان كذلك كان انقلاب العصا ثعباناً أمراً ممكناً لذاته، وثبت أنه تعالى قادر على جميع الممكنات، فلزم القطع بكونه تعالى قادراً على قلب العصا ثعباناً، وذلك هو المطلوب، وهذا الدليل موقوف على إثبات مقدمات ثلاث: إثبات أن الأجسام متماثلة في تمام الذات، وإثبات أن حكم الشيء حكم مثله، وإثبات أنه تعالى قادر على كل الممكنات ومتى قامت الدلالة على صحة هذه المقدمات الثلاثة فقد حصل المطلوب التام والله أعلم.
قوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ ﴾ أي العصا وهي مؤنثة، والثعبان الحية الضخمة الذكر في قول جميع أهل اللغة.
فأما مقدارها فغير مذكور في القرآن، ونقل عن المفسرين في صفتها أشياء، فعن ابن عباس: إنها ملأت ثمانين ذراعاً ثم شدت على فرعون لتبتلعه فوثب فرعون عن سريره هارباً وأحدث، وانهزم الناس ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً.
وقيل: كان بين لحييها أربعون ذراعاً ووضع لحيها الأسفل على الأرض، والأعلى على سور القصر، وصاح فرعون يا موسى خذها فأنا أومن بك، فلما أخذها موسى عادت عصا كما كانت، وفي وصف ذلك الثعبان بكونه مبيناً وجوه: الأول: تمييز ذلك عما جاءت به السحرة من التمويه الذي يلتبس على من لا يعرف سببه، وبذلك تتميز معجزات الأنبياء من الحيل والتمويهات.
والثاني: في المراد أنهم شاهدوا كونه حية لم يشتبه الأمر عليهم فيه.
الثالث: المراد أن ذلك الثعبان أبان قول موسى عليه السلام عن قول المدعي الكاذب.
وأما قوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ فالنزع في اللغة عبارة عن إخراج الشيء عن مكانه فقوله: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ أي أخرجها من جيبه أو من جناحه، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ﴾ وقوله: ﴿ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ ﴾ وقوله: ﴿ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين ﴾ قال ابن عباس: وكان لها نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض.
واعلم أنه لما كان البياض كالعيب بين الله تعالى في غير هذه الآية أنه كان من غير سوء.
فإن قيل: بم يتعلق قوله: ﴿ للناظرين ﴾ .
قلنا: يتعلق بقوله: ﴿ بَيْضَاء ﴾ والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة، ولا تكون بيضاء للنظارة إلا إذا كان بياضها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادة يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب.
وبقي هاهنا مباحث: فأولها: أن انقلاب العصا ثعباناً، من كم وجه يدل على المعجز؟
والثاني: أن هذا المعجز كان أعظم أم اليد البيضاء؟
وقد استقصينا الكلام في هذين المطلوبين في سورة طه.
والثالث: أن المعجز الواحد كان كافياً، فالجمع بينهما كان عبثاً.
وجوابه: أن كثرة الدلائل توجب القوة في اليقين وزوال الشك، ومن الملحدين من قال: المراد بالثعبان وباليد البيضاء شيء واحد، وهو أن حجة موسى عليه السلام كانت قوية ظاهرة قاهرة، فتلك الحجة من حيث إنها أبطلت أقوال المخالفين، وأظهرت فسادها، كانت كالثعبان العظيم الذي يتلقف حجج المبطلين، ومن حيث كانت ظاهرة في نفسها، وصفت باليد البيضاء، كما يقال في العرف: لفلان يد بيضاء في العلم الفلاني.
أي قوة كاملة، ومرتبة ظاهرة.
واعلم أن حمل هذين المعجزين على هذا الوجه يجري مجرى دفع التواتر وتكذيب الله ورسوله.
ولما بينا أن انقلاب العصا حية أمر ممكن في نفسه، فأي حامل يحملنا على المصير إلى هذا التأويل؟
ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه السلام أظهر هذين النوعين من المعجزات.
حكى عن قوم فرعون أنهم قالوا: ﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ وذلك لأن السحر كان غالباً في ذلك الزمان، ولا شك أن مراتب السحرة كانت متفاضلة متفاوتة، ولا شك أنه يحصل فيهم من يكون غاية في ذلك العلم ونهاية فيه فالقوم زعموا أن موسى عليه السلام لكونه في النهاية من علم السحر، أتى بتلك الصفة، ثم ذكروا أنه إنما أتى بذلك السحر لكونه طالباً للملك والرياسة.
فإن قيل: قوله: ﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ حكاه الله تعالى في سورة الشعراء أنه قاله فرعون لقومه، وحكى هاهنا أن قوم فرعون قالوه، فكيف الجمع بينهما؟
وجوابه من وجهين: الأول: لا يمتنع أنه قد قاله هو وقالوه هم، فحكى الله تعالى قوله ثم، وقولهم هاهنا.
والثاني: لعل فرعون قاله ابتداء فتلقنه الملأ منه فقالوه لغيره أو قالوه عنه لسائر الناس على طريق التبليغ، فإن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة، فكذا هاهنا.
وأما قوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ فقد ذكر الزجاج فيه ثلاثة أوجه: الأول: أن كلام الملأ من قوم فرعون تم عند قوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ ثم عند هذا الكلام قال فرعون مجيباً لهم: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ واحتجوا على صحة هذا القول بوجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ خطاب للجمع لا للواحد، فيجب أن يكون هذا كلام فرعون للقوم.
أما لو جعلناه كلام القوم مع فرعون لكانوا قد خاطبوه بخطاب الواحد لا بخطاب الجمع.
وأجيب عنه: بأنه يجوز أن يكونوا خاطبوه بخطاب الجمع تفخيماً لشأنه، لأن العظيم إنما يكنى عنه بكناية الجمع كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً ﴾ ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ .
والحجة الثانية: أنه تعالى لما ذكر قوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ قال بعده: ﴿ قَالُواْ أَرْجِهْ ﴾ ولا شك أن هذا كلام القوم، وجعله جواباً عن قولهم: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ فوجب أن يكون القائل لقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ غير الذي قالوا أرجه، وذلك يدل على أن قوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ كلام لغير الملأ من قوم فرعون.
وأجيب عنه: بأنه لا يبعد أن القوم قالوا: ﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ ثم قالوا لفرعون ولأكابر خدمه ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ ثم أتبعوه بقولهم: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ فإن الخدم والأتباع يفوضون الأمر والنهي إلى المخدوم والمتبوع أولاً، ثم يذكرون ما حضر في خواطرهم من المصلحة.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ من بقية كلام القوم، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أنه منسوق على كلام القوم من غير فاصل، فوجب أن يكون ذلك من بقية كلامهم.
والثاني: أن الرتبة معتبرة في الأمر، فوجب أن يكون قوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ خطاباً من الأدنى مع الأعلى، وذلك يوجب أن يكون هذا من بقية كلام فرعون معه.
وأجيب عن هذا الثاني: بأن الرئيس المخدوم قد يقول للجمع الحاضر عنده من رهطه ورعيته ماذا تأمرون؟
ويكون غرضه منه تطييب قلوبهم وإدخال السرور في صدورهم وأن يظهر من نفسه كونه معظماً لهم ومعتقداً فيهم، ثم إن القائلين بأن هذا من بقية كلام قوم فرعون ذكروا وجهين: أحدهما: أن المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وحده، فإنه يقال للرئيس المطاع ما ترون في هذه الواقعة؛ أي ما ترى أنت وحدك، والمقصود أنك وحدك قائم مقام الجماعة.
والغرض منه التنبيه على كماله ورفعة شأنه وحاله.
والثاني: أن يكون المخاطب بهذا الخطاب هو فرعون وأكابر دولته وعظماء حضرته، لأنهم هم المستقلون بالأمر والنهي، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: كيف قال له: ﴿ فَأْتِ بِهَا ﴾ بعد قوله: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بآية ﴾ ؟
قلت: معناه إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأتني بها وأحضرها عندي لتصحّ دعواك ويثبت صدقك ﴿ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان.
وروى أنه كان ثعباناً ذكراً أشعر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحية الأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب، وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وهرب الناس وصاحوا، وحمل على الناس فانهزموا فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً، ودخل فرعون البيت وصاح: يا موسى، خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصى.
فإن قلت: بم يتعلق ﴿ للناظرين ﴾ ؟
قلت: يتعلق ببيضاء.
والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظارة ولا تكون بيضاء للنظارة إلاّ إذا كان بياضا عجيباً خارجاً عن العادة، يجتمع الناس للنظر إليه كما تجتمع النظارة للعجائب، وذلك ما يروى: أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟
قال: يدك، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعة صوف ونزعها، فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى عليه السلام آدم شديد الأدمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ﴾ مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ.
﴿ فَأْتِ بِها ﴾ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِيَثْبُتَ بِها صِدْقُكَ.
﴿ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في الدَّعْوى.
﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لا يُشَكُّ في أنَّهُ ثُعْبانٌ وهو الحَيَّةُ العَظِيمَةُ.
رُوِيَ: أنَّهُ لَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لِحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا، وضَعَ لِحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ.
ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنهُ وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمِينَ فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، وصاحَ فِرْعَوْنُ يا مُوسى أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ خُذْهُ وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ فَأخَذَهُ فَعادَ عَصًا.
﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ مِن جَيْبِهِ أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ.
﴿ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ أيْ بَيْضاءَ بَياضًا خارِجًا عَنِ العادَةِ تَجْتَمِعُ عَلَيْها النَّظارَةُ، أوْ بَيْضاءَ لِلنُّظّارِ لا أنَّها كانَتْ بَيْضاءَ في جِبِلَّتِها.
رُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ آدَمَ شَدِيدَ الأدَمَةِ، فَأدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ أوْ تَحْتَ إبِطِهِ ثُمَّ نَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ نُورانِيَّةٌ غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَأُلْقِىَ} موسى عليه السلام {عصاه} من يده {فَإِذَا هِىَ} إِذَا هذه للمفاجأة وهي من ظروف المكان بمنزة ل ثمة وهناك {ثُعْبَانٌ} حية عظيمة {مُّبِينٌ} ظاهر أمره روي أنه كان ذكراً فاغراً فاه بين لحييه يمانون ذراعا ووضع لحيه الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك وحمل على الناس فمات منهم خسمة وعشرون ألفاً قتل بعضهم بعضاً فصاح فرعون يا موسى خذه وانا أومن بك فأخذ موسى فعاد عصاً
﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ وكانَتْ كَما رَوى ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن عَوْسَجٍ.
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّها كانَتْ مِن لَوْزٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أعْطاها لِمُوسى مَلَكٌ حِينَ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ بِالنَّهارِ فَيَخْرُجُ لَهُ رِزْقُهُ ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ، والمَشْهُورُ أنَّها كانَتْ مِن آسِ الجَنَّةِ وكانَتْ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ وصَلَتْ إلى شُعَيْبٍ فَأعْطاهُ إيّاها، وجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اسْمَها مَأْشا، ﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ ﴾ أيْ: حَيَّةٌ ضَخْمَةُ طَوِيلَةٌ.
وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ الثُّعْبانَ هو الذَّكَرُ العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ الحَيَّةُ مُطْلَقًا.
وفِي مَجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ثَعَبَ الماءُ إذا انْفَجَرَ، فَكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَجْرِي كَعُنُقِ الماءِ إذا انْفَجَرَ ﴿ مُبِينٌ ﴾ أيْ: ظاهِرٌ أمْرُهُ لا يُشَكُّ في كَوْنِهِ ثُعْبانًا، فَهو إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّيْرُورَةَ حَقِيقِيَّةٌ لا تَخْيِيلِيَّةٌ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ وثَباتِ وصْفِ الثُّعْبانِيَّةِ فِيها كَأنَّها في الأصْلِ كَذَلِكَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقاها صارَتْ حَيَّةً صَفْراءَ شَعْراءَ فاغِرَةً فاهًا بَيْنَ لَحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وارْتَفَعَتْ مِنَ الأرْضِ بِقَدْرِ مِيلٍ، وقامَتْ عَلى ذَنَبِها واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ ولَحْيَها الأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَوَثَبَ عَنْ سَرِيرِهِ هارِبًا وأحْدَثَ، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ أحْدَثَ في ذَلِكَ اليَوْمِ أرْبَعَمِائَةِ مَرَّةً، وفي أُخْرى أنَّهُ اسْتَمَرَّ مَعَهُ داءُ البَطْنِ حَتّى غَرِقَ، وقِيلَ: إنَّها أخَذَتْ قُبَّةَ فِرْعَوْنَ بَيْنَ أنْيابِها، وأنَّها حَمَلَتْ عَلى النّاسِ، فانْهَزَمُوا مُزْدَحِمِينَ فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، فَصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى، أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ أنْ تَأْخُذَها، وأنا أُؤْمِنُ بِكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذَها فَعادَتْ عَصًا كَما كانَتْ.
وعَنْ مَعْمَرٍ أنَّها كانَتْ في العِظَمِ كالمَدِينَةِ، وقِيلَ: كانَ طُولُها ثَمانِينَ ذِراعًا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ بَيْنَ لَحْيَيْها اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا، وعَلى جَمِيعِ الرِّواياتِ لا تَعارُضَ بَيْنَ ما هُنا وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَأنَّها جانٌّ ﴾ بِناءً عَلى أنَّ الجانَّ هي الحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ، لِما قالُوا: إنَّ القِصَّةَ غَيْرُ واحِدَةٍ، أوْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ تَشْبِيهُها في خِفَّةِ الحَرَكَةِ بِالجانِّ لا بَيانُ جُثَّتِها، أوْ لِما قِيلَ: إنَّها انْقَلَبَتْ جانًّا وصارَتْ ثُعْبانًا فَحُكِيَتِ الحالَتانِ في آيَتَيْنِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ.
والآيَةُ مِن أقْوى أدِلَّةِ جَوازِ انْقِلابِ الشَّيْءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ كالنُّحاسِ إلى الذَّهَبِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ تَخْيِيلًا لَبَطَلَ الإعْجازُ، ولَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ (مُبِينٌ) مَعْنًى مُبِينٌ، وارْتِكابُ غَيْرِ الظّاهِرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ أيْضًا أنَّهُ لا مانِعَ في القُدْرَةِ مِن تَوَجُّهِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ إلى ما ذُكِرَ وتَخْصِيصِ الإرادَةِ لَهُ، والقَوْلُ بِأنَّ قَلْبَ الحَقائِقِ مُحالٌ والقُدْرَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ فَلا يَكُونُ النُّحاسُ ذَهَبًا رَصاصَ مُمَوِّهٍ، والحَقُّ جَوازُ الِانْقِلابِ إمّا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ بَدَلَ النُّحاسِ ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ المُحَقِّقِينَ، أوْ بِأنْ يَسْلُبَ عَنْ أجْزاءِ النُّحاسِ الوَصْفَ الَّذِي صارَ بِهِ نُحاسًا ويَخْلُقَ فِيهِ الوَصْفَ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ ذَهَبًا عَلى ما هو رَأْيُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ مِن تَجانُسِ الجَواهِرِ واسْتِوائِها في قَبُولِ الصِّفاتِ، والمُحالُ إنَّما هُوَ: انْقِلابُهُ ذَهَبًا مَعَ كَوْنِهِ نُحاسًا لِامْتِناعِ كَوْنِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الواحِدِ نُحاسًا وذَهَبًا، وعَلى أحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ تَوَكَّأ أئِمَّةُ التَّفْسِيرِ في أمْرِ العَصا، <div class="verse-tafsir"
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني: أو لم يبين.
قال القتبي: أصل الهدى الإرشاد كقوله: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي يعني: يرشدني.
ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يعني: أو لم يبيِّن لهم.
ومنها إرشادٌ بمعنى بالدعاء كقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] يعني: نبياً يدعوهم وقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي يدعون الخلق.
وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني: أو لم نبين لهم الطريق.
ومن قرأ بالياء معناه: أو لم يبين الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يعني: ينزلون الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها.
ويقول أو نبيّن لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر معبودهم على نصرتهم.
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يعني: أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب.
ثم قال: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة عقوبة لهم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ الحق ولا يقبلون المواعظ.
ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها، نخبرك في القرآن من حديثها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات الواضحة، والبراهين القاطعة، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا.
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يعني: إن أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية.
وقال مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] وقال السدي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به.
وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار.
ويقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم.
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: هكذا يختم الله تعالى عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ مجازاة لكفرهم.
قوله تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ مِنْ زيادة للصلة يعني: ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني: الذين كذبوا من الأمم الخالية.
ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ لأنهم أقروا يوم الميثاق، ثم نقضوا العهد حيث كفروا.
ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي قبول العهد الذي عاهدوا على لسان الرسل.
ثم قال: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ يعني: وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد، تاركين لما أمروا به.
قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى يعني: أرسلنا من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة.
ويقال: ثم بعثنا من بعد هلاكهم موسى وهو موسى بن عمران بِآياتِنا يعني: اليد البيضاء والعصا إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام.
فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة.
وأنكر عليه ذلك عامة المفسرين.
وقالوا هو كان غيره، وكان جباراً، ظهر بمصر واستولى عليها، وأرسل الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني: جنوده وأتباعه فَظَلَمُوا بِها يعني: فجحدوا بالآيات فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني: كيف صار آخر أمر المشركين.
وقال ابن عباس- ما-: أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون، ففزع منها فرعون، فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فأول من خضب بالسواد فرعون.
قال ابن عباس: كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى، وكانت من آس الجنة يضرب بها الأرض فتخرج النبات، فلما دخل عليه مع هارون وَقالَ له مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك قال له فرعون: كذبت.
قال موسى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قرأ نافع حقيق علي بالتشديد.
وقرأ الباقون بتخفيف على.
فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول، أي: واجب أن أترك القول على الله إلا الحق.
ومن قرأ بالتشديد معناه: واجب علي ترك القول على الله إلا الحق.
أي لا أقول على الله إلا الحق فلما كذبوه قال: إني لا أقول بغير حجة وبرهان قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: قد جئتكم بعلامة لنبوتي فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تستعبدهم، لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم في الأعمال سخرة ف قالَ له فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي بعلامة لنبوتك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول الله فَأَلْقى موسى عَصاهُ يعني: ألقى موسى عَصَاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وهي أعظم الحيات، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون، ففتحت فاها نحو فرعون، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره، وهرب منها، وهرب الناس، وصاحوا إلى موسى، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى.
ومعنى قوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: أنها حية تسعى لا لبس فيها.
فقال له فرعون: هل معك غير هذا؟
فقال: نعم وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12] يعني: من غير برص فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب على نور الشمس.
ومعنى قوله: لِلنَّاظِرِينَ يعني: يتعجب ويتحير منها الناظرون.
ويقال: إن البياض من غير برص.
لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء.
ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يعني: الأشراف والرؤساء.
قال مقاتل: إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: 34] يعني: حاذق بالسحر.
ثم قال لقومه: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ تصديقاً لقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر.
فقال لهم فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: أي فماذا تشيرون في أمره؟
ويقال: إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون؟
أي ماذا ترون في أمره قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: احبسهما ولا تقتلهما.
وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما.
فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان.
فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذٍ.
فذلك قوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ أي: ابعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني: الشرط يحشرون الناس إليكم أي: يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي: حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهوا بالهمزة والواو بعد الهاء.
وقرأ الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء.
وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة.
وهذه اللغات كلها مروية عن العرب.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سَحَّار عليم على وجه المبالغة في السحر.
وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء.
قوله تعالى: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: قالوا لفرعون أتعطينا جعلاً ومالاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى قالَ لهم فرعون نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم المنزلة به سوى العطية يعني: إنكم تكونون أول من يدخل علي بالسلام قرأ أبو عمرو آينَّ لنا لأجْراً بمد الألف.
وقرأ عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع إنَّ لَنَا بهمزة واحدة بغير ياء.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أإن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوماً وأعلن الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [طه: 59] أي: يوم عيد كان لهم ويقال: يوم النيروز.
فلما اجتمعت السحرة قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يعني: إما أن تطرح عصاك على الأرض وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نحن الملقين قبلك.
قالَ لهم موسى أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا يعني: السحرة ألقوا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أخذوا أعينهم بالسحر وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: طلبوا رهبتهم حتى رهبهم الناس.
قال الكلبي: كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلاً.
وقال بعضهم: كانوا اثنين وسبعين حبلاً.
وروى أسباط عن السدي قال: قال ابن عباس كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً.
وقال محمد بن إسحاق: كانوا ألف رجل وخمسمائة رجل ومع كل واحد منهم عصا: وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات، لأن الزئبق لا يستقر في مكان واحد، فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيهاً بالحيات فنظر موسى فإذا الوادي قد امتلأ بالحيات، فدخل فيه الخوف، ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من كثرة الحيات.
فذلك قوله: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: أفزعوهم وأخافوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بسحر تام.
ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بقول عظِيمٌ حيث قالوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [الشعراء: 44] ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ حيث قالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون.
قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها.
وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «١» ، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «٢» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر.
والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «٣» ، وقال قتادة:
صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً «٤» ، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك.
وقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً «٥» ، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ.
قال ع «٦» : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما.
ت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
وقوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «١» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: ٣٥] .
و «ما» : استفهامُ، و «ذَا» : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون» : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «٢» .
وقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ.
واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «٣» ، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يَعْنِي: الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَكَذَّبُوا بِها.
وقالَ غَيْرُهُ: فَجَحَدُوا بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ "عَلى" بِمَعْنى الباءِ.
قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَجْعَلُ الباءَ في مَوْضِعِ "عَلى"؛ تَقُولُ: رَمَيْتُ بِالقَوْسِ، وعَلى القَوْسِ، وجِئْتُ بِحالٍ حَسَنَةٍ، وعَلى حالٍ حَسَنَةٍ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ:" حَقِيقٌ" بِمَعْنى: حَرِيصٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: (حَقِيقٌ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الياءِ وفَتْحِها، عَلى الإضافَةِ.
والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: العَصا.
﴿ فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ: أطْلَقَ عَنْهُمْ؛ وكانَ قَدِ اسْتَخْدَمَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ.
﴿ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أيْ: حَيَّةٌ ظاهِرَةٌ.
قالَ الفَرّاءُ: الثُّعْبانُ: أعْظَمُ الحَيّاتِ، وهو الذَّكَرُ.
وكَذَلِكَ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الثُّعْبانُ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللهِ إلا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ ﴾ ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( مِن بَعْدِهِمْ ) عائِدٌ عَلى الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وعَلى أُمَمِهِمْ، والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في التِسْعِ وغَيْرِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَظَلَمُوا بِها ﴾ المَعْنى: فَظَلَمُوا أنْفُسَهم فِيها وبِسَبَبِها وظَلَمُوا أيْضًا مَظْهَرَها ومُتَّبِعِي مَظْهَرِها.
وقِيلَ: لَمّا نُزِّلَتْ "ظَلَمُوا" مَنزِلَةَ "كَفَرُوا" و"جَحَدُوا" عُدِّيَتْ بِالباءِ، كَما قالَ: قَدْ قَتَلَ اللهُ زِيادًا عَنِّي فَأُنْزِلَ "قَتْلَ" مَنزِلَةَ "صَرَفَ"، ثُمَّ حَذَّرَ اللهُ مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ الظالِمِينَ، وجَعَلَهم مِثالًا يَتَوَعَّدُ بِهِ كَفَرَةَ عَصْرِ النَبِيِّ .
وفِرْعَوْنُ: اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ لِمِصْرَ في ذَلِكَ الزَمانِ، فَخاطَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأعْظَمِ أسْمائِهِ وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مِنَ الفَراعِنَةِ كالنَمارِذَةِ في اليُونانِ وقَيْصَرَ في الرُومِ وكِسْرى في فارِسَ والنَجاشِيِّ في الحَبَشَةِ.
ورُوِيَ أنَّهُ مُوسى بْنُ عُمْرانَ بْنِ فاهَتَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَحْمَنِ، ورُوِيَ أنَّ اسْمَ فِرْعَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وقِيلَ: هو فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وأنَّهُ عَمَّرَ نَيِّفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ إنَّ يُوسُفَ المَبْعُوثَ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ ﴾ هو غَيْرُ يُوسُفَ الصِدِّيقِ فَلَيْسَ يَحْتاجُ إلى نَظَرٍ، ومَن قالَ إنَّهُ يُوسُفُ الصِدِّيقُ فَيُعارِضُهُ ما يَظْهَرُ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ، وذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ بَعْدَ عَزِيزِها، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أنْ يَعِيشَ عَزِيزُها إلى مُدَّةِ مُوسى؟
فَيَنْفَصِلُ أنَّ العَزِيزَ لَيْسَ بِفِرْعَوْنَ المَلِكِ، إنَّما كانَ حاجِبًا لَهُ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "عَلَيَّ" بِإضافَةِ "عَلى" إلَيْهِ، وقَرَأ الباقُونَ "عَلى" بِسُكُونِ الياءِ، قالَ الفارِسِيُّ: مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ "عَلى" وضَعَتْ مَوْضِعَ "الباءِ"، كَأنَّهُ قالَ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ عَلى اللهِ إلّا الحَقَّ" كَما وضُعِتِ "الباءُ" مَوْضِعَ "عَلى" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ ﴾ فَيَتُوَصَّلُ إلى المَعْنى بِهَذِهِ وبِهَذِهِ، وكَما تَجِيءُ "عَلى" أيْضًا بِمَعْنى "عن"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ قَوْسِهِ: أرْمِي عَلَيْها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ ∗∗∗ وهي ثَلاثُ أذْرُعٍ وإصْبَعُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: و"حَقِيقٌ" -عَلى هَذا- مَعْناهُ: جَدِيرٌ وخَلِيقٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" مَعْناهُ: حَرِيصٌ فَلِذَلِكَ وُصِلَتْ بِـ"عَلى"، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ، وقالَ قَوْمٌ: "حَقِيقٌ" صِفَةٌ لِـ"رَسُولٌ"، تَمَّ عِنْدَها الكَلامُ، و"عَلَيَّ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أنْ لا أقُولَ" ابْتِداءٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ، وإعْرابُ "أنْ" عَلى قِراءَةِ مَن سَكَّنَ الياءَ خَفْضٌ، وعَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَها مُشَدَّدَةً رَفْعٌ، وقالَ الكِسائِيُّ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ بِألّا أقُولَ"، وقالَ أبُو عَمْرٍو: في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "حَقِيقٌ أنْ أقُولَ" وبِهِ قَرَأ الأعْمَشُ.
وهَذِهِ المُخاطَبَةُ -إذا تَأمَّلْتَ- غايَةٌ في التَلَطُّفِ في القَوْلِ اللَيِّنِ الَّذِي أُمِرَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ الآيَةُ.
البَيِّنَةُ هُنا إشارَةُ إلى جَمِيعِ آياتِهِ، وهي عَلى المُعْجِزَةِ هُنا أدَلُّ، وهَذا مِن مُوسى عَرْضُ نُبُوَّتِهِ، ومِن فِرْعَوْنَ اسْتِدْعاءُ خَرْقِ العادَةِ الدالِ عَلى الصِدْقِ.
وَظاهِرُ الآيَةِ وغَيْرِها أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ تَنْبَنِ شَرِيعَتُهُ إلّا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ولَمْ يَدْعُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلّا إلى إرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ، وذَكَرَهُ لَعَلَّهُ يَخْشى أو يَزَّكّى ويُوَحِّدُ كَما يُذَكِّرُ كُلَّ كافِرٍ، إذْ كَلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى التَوْحِيدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِهِ ومُقاتِلًا عَلَيْهِ، وأمّا أنَّهُ دَعاهُ إلى أنْ يُؤْمِنَ ويَلْتَزِمَ جَمِيعَ الشَرْعِ فَلَمْ يُرِدْ هَذا نَصًّا، والأمْرُ مُحْتَمَلٍ، وبِالجُمْلَةِ فَيَظْهَرُ فَرْقُ ما بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أبَدًا ولا عارَضَهُمْ، وكانَ القِبْطُ مَثَلًا عَبَدَةَ البَقَرِ وغَيْرَهُمْ؟
وإنَّما احْتاجَ إلى مُحاوَرَةِ فِرْعَوْنَ لِتَمَلُّكِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقى عَصاهُ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَلِقَ بِهِ وبِمُحاوَرَتِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِأعْوانِهِ: خُذُوهُ، فَألْقى مُوسى العَصا فَصارَتْ ثُعْبانًا وهَمَّتْ بِفِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنها، وقالَ السُدِّيُّ: إنَّهُ أحْدَثَ وقالَ: يا مُوسى كُفَّهُ عَنِّي فَكَفَّهُ، وقالَ نَحْوَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
و"إذا" ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عن جُثَّةٍ، والصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، ويُقالُ: إنَّ الثُعْبانَ وضَعَ أسْفَلَ لِحْيَيْهِ في الأرْضِ وأعْلاهُما في شُرُفاتِ القَصْرِ.
والثُعْبانُ: الحَيَّةُ الذَكَرُ، وهو أهْوَلُ وأجْرَأُ، قالَهُ الضَحّاكُ.
وقالَ قَتادَةُ: صارَتْ حَيَّةً شَعْراءَ ذَكَرًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: غَرَزَتْ ذَنَبَها في الأرْضِ ورَفَعَتْ صَدْرَها إلى فِرْعَوْنَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ مُبِينٌ ﴾ مَعْناهُ: لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو بَيَّنَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وهو مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، أو مَن بانَ بِمَعْنى سَلَبَ عن أجْزائِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ مَعْناهُ: مِن جَيْبِهِ أو كُمِّهِ حَسَبَ الخِلافِ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هي بَيْضاءُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كاللَبَنِ أو أشَدَّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَمْسِ تَتَألَّقُ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذا دَمٍ أحْمَرَ إلى السَوادِ، ثُمَّ كانَ يَرُدُّ يَدَهُ فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ بَدَنِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلْمُعارَضَةِ، ودَعا إلى اللهِ بِهِما، وَخَرَقَ العادَةَ بِهِما، وتَحَدّى الناسَ إلى الدِينِ بِهِما، فَإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ إلى الدِينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى، وإذا جَعَلْنا التَحَدِّيَ الدُعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عن مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ، لِأنَّ المُعارَضَةَ والعَجْزَ فِيها وقَعا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ: التَحَدِّي هو الدُعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ، فَهَذا نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدّى مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّ الظاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما لِلنَّظَرِ مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما، ورُوِيَ عن فَرَقَدٍ السَبَخِيِّ أنَّ فَمَ الحَيَّةِ كانَ يَنْفَتِحُ أرْبَعِينَ ذِراعًا.
<div class="verse-tafsir"
عُطف قول موسى بالواو، ولم يفصل عمّا قبله، مع أن جملة هذا القول بمنزلة البيان لجملة ﴿ بعثنا من بعدهم موسى ﴾ [الأعراف: 103]، لأنه لما كان قوله: ﴿ بآياتنا ﴾ [الأعراف: 103] حالاً من موسى فقد فهم أن المقصود تنظير حال الذين أرسل إليهم موسى بحال الأمم التي مضى الإخبار عنها في المكابرة على التكذيب، مع ظهور آيات الصدق، ليتم بذلك تشابه حال الماضين مع حال الحاضرين المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم فجُعلت حكايةُ محاورة موسى مع فرعون وملئه خَبَراً مستقلاً لأنه لم يُحك فيه قوله المقارن لإظهار الآية بل ذكرت الآية من قبلُ، بخلاف ما حكي في القصص التي قبلَها فإن حكاية أقوال الرسل كانت قبل ذكر الآية، ولأن القصة هنا قد حكي جميعها باختصار بجُمَل ﴿ بَعَثْنَا ﴾ [الأعراف: 103]، ﴿ فظلموا ﴾ [الأعراف: 103]، ﴿ فانظر ﴾ [الأعراف: 103]، فصارت جملة: ﴿ قال ﴾ تفصيلاً لبعض ما تقدم، فلا تكون مفصولة لأن الفصل إنما يكون بين جملتين، لا بين جملة وبين عدة جمل أخرى.
والظاهر أن خطاب موسى فرعونَ بقوله: ﴿ يا فرعون ﴾ خطاب إكرام لأنه ناداه بالاسم الدال على الملك والسلطان بحسب متعارف أمته فليس هو بترفع عليه لأن الله تعالى قال له ولهارون ﴿ فقولا له قولاً لينّاً ﴾ [طه: 44]، والظاهر أيضاً أن قول موسى هذا هو أول ما خاطب به فرعون كما دلت عليه سورة طه.
وصوغ حكاية كلام موسى بصيغة التأكيد بحرف (إن) لأن المخاطب مظنة الإنكار أو التردد القوي في صحة الخبر.
واختيار صفة ﴿ رب العالمين ﴾ في الإعلام بالمرسِل إبطال لاعتقاد فرعون أنه رب مصر وأهلها فإنه قال لهم: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [النازعات: 24] فلما وصف موسى مُرْسلَه بأنه رب العالمين شمل فرعون وأهل مملكته فتبطل دعوى فرعون أنه إلاه مصر بطريق اللزوم، ودخل في ذلك جميع البلاد والعباد الذين لم يكن فرعون يدعي أنه إلههم مثل الفرس والأشوريين.
وقوله: ﴿ حقيق عَليّ ﴾ قرأه نافع بالياء في آخر (علي) فهي ياء المتكلم دخل عليها حرف (على) وتعدية حقيق بحرف (على) معروفة.
قال تعالى: ﴿ فحق علينا قول ربنا ﴾ [الصافات: 31]، ولأن حقيق بمعنى واجب فتعديته بحرف على واضحة، و ﴿ حقيقٌ ﴾ خبر ثان عن ﴿ إني ﴾ ، فليس في ضمير المتكلم من قوله: (علي) على قراءة نافع التفات، بخلاف ما لو جعل قوله: ﴿ حقيق ﴾ صفة ل ﴿ رسول ﴾ فحينئذٍ يكون مقتضى الظاهر الإتيان بضمير الغائب، فيقول: حقيق عليه، فيكون العدول إلى التكلم التفاتاً، وفاعل ﴿ حقيق ﴾ هو المصدر المأخوذ من قوله: ﴿ أنْ لا أقولَ ﴾ أي: حقيق علي عدم قولي على الله غيرَ الحق.
وحقيق فعيل بمعنى فاعل، وهو مشتق من (حَق) بمعنى وجب وثبت أي: متعين وواجب علي قول الحق على الله، و(على) الأولى للاستعلاء المجازي و(على) الثانية بمعنى عن، وقرأ الجمهور (علىَ) بألف بعد اللام، وهي (على) الجارة.
ففي تعلق (على) ومجرورها الظاهر ب ﴿ حقيق ﴾ تأويلٌ بوجوه أحسنها قول الفراء، وأبي علي الفارسي: أن (على) هنا بمعنى الباء وأن ﴿ حقيق ﴾ فعيل بمعنى مفعول: أي محقوق بأن لا أقول على الله إلاّ الحق، أي: مجعول قولُ الحق حقّاً علي، كقَول الأعشى: " لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجيبيِ لقَوْلِهِ " أي محقوقة بأن تستجيبي، وقول سعيد بن زيد «ولوْ أنّ أُحُداً انْقضّ لِما صنعتم بعُثْمانَ لكان محقوقاً بأن ينقضّ».
ومنها ما قال صاحب «الكشاف» «والأوْجهُ الأدْخلُ في نُكت القرآن أن يُغْرِقَ موسى في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام فيقول: أنا حقيق على قوللِ الحق، أي: أنا واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله والقائمَ به».
قال شارحوه: فالمعنى لو كان قول الحق شخصاً عاقلاً لكنتُ أنا واجباً عليه.
أن لا يصْدُرَ إلاّ عنّي وأن أكون قائله، وهو على هذا استعارة بالكناية: شُبه قول الحق بالعقلاء الذين يختارون مواردهم ومصادرهم.
ورُمز إلى المشبه به بما هو من رَوادفه، وهو كون ما يناسبه متعيناً عليه.
ومنها ما قيل: ضمن ﴿ حقيق ﴾ معنى حريص فعُدّي بعلى إشارة إلى ذلك التضمين وأحسن من هذا أن يضمن ﴿ حقيق ﴾ معنى مكين وتكون (على) استعارة للاستعلاء المجازي.
وجملة ﴿ قد جئتمكم ببينة ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن مقام الإنكار مما يثير سؤال سائل أن يقول هذه دعوى غريبة تحتاج إلى بينة.
والبينة: الحجة.
وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ قل إني على بينة من ربي ﴾ في سورة [الأنعام: 57].
والحجة هنا يجوز أن يكون المراد بها البراهين العقلية على صدق ما جاء به موسى من التوحيد والهُدى، ويجوز أن تكون المعجزة الدالةَ على صدق الرسول.
فعلى الوجه الأول تكون الباء في قوله: ﴿ ببينة ﴾ لتعدية فعل المجيء، وعلى الوجه الثاني تكون الباء للملابسة، والمراد بالملابسة ملابسة التمكن من إظهار المعجزة التي أظهرها الله له كما في سورة [طه: 17] ﴿ وما تلك بيمينك يا موسى ﴾ ويحتمل المعنى الأعم الشامل للنوعين على ما يحتمله كلام موسى المترجم عنه هنا.
والفاء في قوله فأرْسلْ } لتفريع طلب تسريح بني إسرائيل على تحقق الرسالة عن رب العالمين، والاستعداد لإظهار البينة على ذلك، وقد بنى موسى كلامه على ما يثق به من صدق دعوته مع الاستعداد للتبيين على ذلك الصدق بالبراهين أو المعجزة إن طلبها فرعون لأن شأن الرسل أن لا يبتدئوا بإظهار المعجزات صوناً لمقام الرسالة عن تعريضه للتكذيب، كما بيناه عند قوله تعالى: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليُؤمنن بها ﴾ الآيات في سورة [الأنعام: 109].
والإرسال: الإطلاق والتخلية، كقولهم: أرسلها العراك، وهو هنا مجاز لغوي في الإذن لبني إسرائيل بالخروج، المطلوب من فرعون.
وتقييده ب ﴿ معي ﴾ لأن المقصود من إخراجهم من مصر أن يكونوا مع الرسول ليرشدهم ويدبر شؤونهم.
وقول فرعون: ﴿ إن كنت جئت برية فأت بها ﴾ مُتعين لأن يكون معناه: إن كنت جئت بمعجزة، فإن أكثر موارد الآية في القرآن مراد فيه المعجزة، وأكثر موارد البينة مراد فيه الحجة، فالمراد بالبينة في قول موسى ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ الحجة على إثبات الإلهية وعلى حقية ما جاء به من إرشاد لقومه، فكان فرعون غير مقتنع ببرهان العقل أو قاصراً عن النظر فيه فانتقل إلى طلب خارق العادة، فالمعنى: إن كنت جئتنا متمكناً من إظهار المعجزات، لأن فرعون قال ذلك قبل أن يظهر موسى عليه السلام معجزته، فالباء في قوله: ﴿ بآية ﴾ للمعية التقديرية، أي: متمكناً من آية، أو الباء للملابسة، والملابسة معناها واسع، أي: لك تمكين من إظهار آية.
وقوله: ﴿ فأت بها ﴾ استعمل الإتيان في الإظهار مجازاً مرسلاً، فالباء في قوله: ﴿ بها ﴾ لتعدية فعل الإتيان، وبذلك يتضح ارتباط الجزاء بالشرط، لأن الإتيان بالآية المذكورة في الجزاء هو غير المجيء بالآية المذكورة في الشرط، أي: إن كنت جئت متمكناً من إظهار الآية فأظهر هذه الآية.
والإلقاء: الرمي على الأرض أو في الماء أو نحو ذلك، أي: فرمى عصاه من يده.
و (إذا) للمفاجأة وهي حدوث الحادث عن غير ترقب.
والثعبان: حية عظيمة، و ﴿ مبين ﴾ اسم فاعل من أبان القاصر المرادف لبان، أي ظهر، أي: الظاهر الذي لا شك فيه ولا تخيل.
ونزع: أزال اتصال شيء عن شيء، ومنه نزع ثوبه، والمعنى هنا أنه أخرج يده من جيب قميصه بعد أن أدخلها في جيبه كما في سورة النمل وسورة القصص فلما أخرجها صارت بيضاء، أي بياضاً من النور.
وقد دل على هذا البياض قوله: ﴿ للناظرين ﴾ ، أي بياضاً يراه الناظرون رؤية تعجب من بياضها.
فالمقصود من ذكر قوله: ﴿ للناظرين ﴾ تتميم معنى البياض.
واللام في قوله: ﴿ للناظرين ﴾ لم يعرج المفسرون على بيان معناها وموقعها سوى أن صاحب «الكشاف» قال: «يتعلق للناظرين ببيضاء» دون أن يبين نوع التعلق ولا معنى اللام، وسكت عليه «شراحه» والبيضاوي، وظاهر قوله يتعلق أنه ظرف لغو تعلق ببيضاء فلعله لما في بيضاء من معنى الفعل كأنه قيل: ابيضّت للناظرين كما يتعلق المجرور بالمشتق فتعين أن يكون معنى اللام هو ما سماه ابن مالك بمعنى التعدية وهو يريد به تعدية خاصة (لا مطلقَ التعدية أي تعدية الفعل القاصر إلى ما لا يتعدى له بأصل وضعه لأن ذلك حاصل في جميع حروف الجر، فلا شك أنه أراد تعدية خاصة لم يبين حقيقتها.
وقد مثل لها في «شرح الكافية» بقوله تعالى: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً ﴾ [مريم: 5] وجعل في «شرح التسهيل» هذا المثال مثالاً لمعنى شبه الملك، واختار ابن هشام أن يمثل للتعدية بنحو ما أضرب زيداً لعمرو.
ولم يفصحوا عن هذه التعدية الخاصة باللام، ويظهر لي أنها عمل لفظي محض، أي لا يفيد معنى جزئياً كمعاني الحروف، فتحصّل أنهم في ارتباك في تحقيق معنى التعدية، وعندي أن قوله تعالى: ﴿ بيضاء للناظرين ﴾ أحسن ما يمثل به لكون اللام للتعدية وأن نفسر هذا المعنى بأنه تقريب المتعلّق بكسر اللام لمتعلّق بفتح اللام تقريباً لا يجعله في معنى المفعول به.
وإن شئت إرجاع معنى التعدية إلى أصل من المعاني المشهورة للام، فالظاهر أنها من فروع معنى شبه الملك كما اقتضاه جعل ابن مالك المثال الذي مثل به للتعدية مثالاً لشبه الملك.
وأقرب من ذلك أن تكون اللام بمعنى (عند) ويكون مفاد قوله تعالى: ﴿ بيضاء للناظرين ﴾ أنها بيضاء بياضاً مستقراً في أنظار الناظرين ويكون الظرف مستقراً يجعل حالاً من ضمير يده.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ في ﴿ حَقِيقٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَرِيصٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والثّانِي: واجِبٌ، مَأْخُوذٌ مِن وُجُوبِ الحَقِّ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلا الحَقَّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا الصِّدْقَ.
والثّانِي: إلّا ما فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الرِّسالَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو الشيخ عن مجاهد.
انه كان يقرأ ﴿ حقيق عليّ أن لا أقول ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فألقى عصاه ﴾ قال: ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم، اعطاه اياها ملك حين توجه إلى مدين، فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار، فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه، قال الله عز وجل ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: حية تكاد تساوره.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المنهال قال: ارتفعت الحية في السماء ميلاً، فأقبلت إلى فرعون فجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت.
وجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: وأخذه بطنه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لقد دخل موسى على فرعون وعليه زرمانقة من صوف ما تجاوز مرفقه، فاستؤذن على فرعون فقال: ادخلوه.
فدخل فقال: إن ألهي أرسلني إليك.
فقال للقوم حوله: ما علمت لكم من إله غيري خذوه.
قال إني قد جئتك بآية ﴿ قال فائت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه ﴾ فصارت ثعباناً ما بين لحييه ما بين السقف إلى الأرض، وأدخل يده في جيبه فأخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار فخروا على وجوههم، وأخذ موسى عصاه ثم خرج ليس أحد من الناس إلا يفر منه، فلما أفاق وذهب عن فرعون الروع قال للملأ حوله: ماذا تأمرون؟
قالوا: أرجئه وأخاه لا تأتنا به ولا يقربنا، وأرسل في المدائن حاشرين، وكانت السحرة يخشون من فرعون، فلما أسرع إليهم قالوا: قد احتاج إليكم إلهكم قال: إن هذا فعل كذا وكذا.
قالوا: إن هذا ساحر يسحر، أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟
قال: ساحر يسحر الناس ولا يسحر الساحر الساحر؟
قال: نعم وإنكم إذاً لمن المقربين.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم قال: كانت عصا موسى من عوسج، ولم يسخر العوسج لأحد بعده.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: عصا موسى اسمها ماشا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم قال: عصا موسى هي الدابة يعني دابة الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: الحية الذكر.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: تحوّلت حية عظيمة.
قال معمر، قال غيره: مثل المدينة.
وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي قال: حية صفراء ذكر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب ابن منبه قال: كان بين لحيي الثعبان الذي من عصا موسى إثنا عشر ذراعاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن فرقد السبخي قال: كان فرعون إذا كانت له حاجة ذهبت به السحرة مسيرة خمسين فرسخاً، فإذا قضى حاجته جاءوا به، حتى كان يوم عصا موسى فإنها فتحت فاها فكان ما بين لحييها أربعين ذراعاً، فأحدث يومئذ أربعين مرة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: الذكر من الحيات فاتحة فمها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل.
فأخذها موسى فصارت عصا.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ونزع يده ﴾ قال: الكف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ قال: يستخرجكم من أرضكم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ارجئه ﴾ قال: أخِّره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قالوا ﴿ ارجئه وأخاه ﴾ قالف احبسه وأخاه.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ قال: الشرط.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾ أي: العصا، وهي مؤنثة، والثعبان: الحية الضخم الذكر في قول جميع أهل اللغة (١) (٢) ﴿ مُبِينٌ ﴾ .
قال الزجاج: (أي: بين أنه حية لا لبس فيه) (٣) (١) انظر: "العين" 2/ 111، و"الجمهرة" 1/ 260، و"تهذيب اللغة" 1/ 480، والصحاح 1/ 92، و"مقاييس اللغة" 1/ 378، و"المجمل" 1/ 159، و"المفردات" ص 173، و"اللسان" 1/ 481 - 482 (ثعب).
(٢) "معاني الفراء" ص 387، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 148، و"معاني النحاس" 3/ 61.
(٣) "معاني الزجاج" 2/ 363، وفيه: (أي مبين أنها حية).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ﴾ الضمير لأهل القرى والمعنى وجدناهم ناقضين للعهود ﴿ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ من قرأ عليّ بالتشديد على أنها ياء المتكلم فالمعنى ظاهر، وهو أن أنه خبر حقيق، وحقيق مبتدأ أو بالعكس ومن قرأ على بالتخفيف فموضع أن لا أقول خفض بحرف الجر، وحقيق صفة لرسول، وفي المعنى على هذا وجهان، أحدهما: أن على بمعنى الباء فمعنى الكلام: رسول حقيق بأن لا أقول على الله إلا بالحق، والثاني: أن معنى حقيق حريص ولذلك تعدّى بعلى ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ أي بمعجزة تدل على صدقي؛ وهي العصا أو جنس المعجزات ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ أي خلهم يذهبوا معي إلى الأرض المقدسة موطن آبائهم، وذلك أنه لما توفي يوسف عليه السلام غلب فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف عليه السلام غلب فرعون على بني إسرائيل واستبعدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حقيق على ﴾ بالتشديد: نافع.
الباقون: بالتخفيف ﴿ معي ﴾ بفتح الياء حيث كان: حفص ﴿ أرجه ﴾ بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ أرجه ﴾ بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون ﴿ أرجهي ﴾ بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل ﴿ أرجئه ﴾ بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني ﴿ أرجئهو ﴾ بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ﴿ أرجئه ﴾ بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ سحار ﴾ بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس.
وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة.
البقون ﴿ ساحر ﴾ .
﴿ أن لنا ﴾ بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص.
﴿ أئن لنا ﴾ بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام.
يدخل بينهما مدة ﴿ آين لنا ﴾ المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد.
﴿ أين لنا ﴾ بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح.
الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل.
﴿ آمنتم ﴾ بهمزة واحدة ممدودة: حفص.
﴿ أأمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ فرعون وآمنتم ﴾ بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل ﴿ وآمنتم ﴾ بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل.
الوقوف: ﴿ فظلموا بها ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج وقف لمن قرأ ﴿ حقيق عليّ ﴾ بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل ﴿ حقيق ﴾ وصف الرسول و"على" بمعنى الباء ﴿ إلا الحق ﴾ ط ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ﴿ من أرضكم ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون ﴿ قاهرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب الأمر ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه ﴿ الملقين ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عصاك ﴾ ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ﴿ ما يأفكون ﴾ ه ﴿ وكذلك يعملون ﴾ ه ﴿ صاغرين ﴾ ه ج لمكان حروف العطف ﴿ ساجدين ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قالوا ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ العالمين ﴾ ه لا للبدر ﴿ هرون ﴾ ه ﴿ آذن لكم ﴾ ج للابتداء مع اتحاد القائل ﴿ أهلها ﴾ ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ منقلبون ﴾ ه للآية مع اتحاد المقول ﴿ جاءتنا ﴾ ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ﴿ المسلمين ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى .
وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء.
والضمير في قوله ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي.
﴿ فظلموا بها ﴾ أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها.
﴿ وانظر ﴾ أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ كيف فعلنا بهم؟
وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ﴾ أي إله قادر عليم حكيم.
وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ﴿ حقيق على أن لا أقول ﴾ من قرأ بالتشديد في ﴿ عليّ ﴾ و ﴿ حقيق ﴾ إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك.
تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً.
وأما قراءة العامة ﴿ حقيق علي أن لا أقول ﴾ مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ ﴿ حقيق بأن لا أقول ﴾ أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق.
ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص.
ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع.
وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به.
وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات.
فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق.
ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ أي بمعجزة قاهرة باهرة منه.
ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم.
وذلك أن يوسف لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟
والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً.
وثانيهما: أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية ﴾ وقوله ﴿ فأت بها ﴾ كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟
وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك.
ثم إن فرعون لما طالب موسى بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ﴾ ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات.
أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر.
روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك.
وهرب الناسوصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً.
والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ﴾ روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟
فقال: يدك.
ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى آدم شديد الأدمة وقوله ﴿ للناظرين ﴾ يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب.
واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل.
والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة.
فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء.
قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً.
هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين.
قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة.
والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ ولا ينافي هذا ما حكاه الله في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة.
والأظهر أن قوله ﴿ فماذا تأمرون ﴾ من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك.
قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز.
وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا.
﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز ﴿ مدائن ﴾ لأنه كصحائف.
وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن.
وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر.
وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ﴿ يأتوك بكلّ سحار ﴾ الباء بمعنى "مع" أو للتعدية.
قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم.
وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.
وقيل: سبعين ألفاً.
وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل.
وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى.
وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟
فأجيب ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ﴿ قال نعم ﴾ أي إن لكم أجراً ﴿ وإنكم لمن المقربين ﴾ أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم.
روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.
وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟
قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به.
وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم.
ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا ﴿ يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم ﴿ وإما أن نكون نحن ﴾ بالأمر أليق منه بالخبر.
وبدليل قوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد.
فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله كان لا ينقص عددها علىالعشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده.
ثم بين السبب في الغلبة فقال ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة.
وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور.
قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم.
وقال الأنصار.
شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا.
وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة.
وبعث رسول الله عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة.
وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك.
قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال وتعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ .
قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.
وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره.
وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر.
وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.
ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي الذي عملوه أو عملهم ﴿ فغلبوا هنالك ﴾ أي حين التحدي ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته.
روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي.
قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة.
وفي قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين ﴾ دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله الموجد للدواعي والقدر.
وقال الأخفش.
من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.
قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟
وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان.
قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون.
فلما قالوا ﴿ رب موسى ﴾ قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا ﴿ هارون ﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون.
وقيل:أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى.
وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً.
ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم.
أما الإنكار فذلك قوله ﴿ آمنتم له ﴾ من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار.
وفي قوله قبل ﴿ أن آذن لكم ﴾ دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين.
وأما الشبهة فقوله ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ﴾ أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل.
وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة م أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟
فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد إجمالي وتفصيله ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي كل من شق طرفاً ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا.
فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون ﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله ﴿ وقومه ﴾ وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده.
وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ﴿ وما تنقم منا ﴾ قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ﴾ وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً.
فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف.
واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ، ﴿ وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ ، ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ ، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا ﴿ وأرسل في المدائن ﴾ وهناك ﴿ وابعث ﴾ فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره.
وإنما قال ههنا ﴿ آمنتم به ﴾ وفي طه والشعراء ﴿ آمنتم له ﴾ باللام لأن ضمير ﴿ به ﴾ في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد.
وقال ههنا ﴿ ثم لأصلبنكم ﴾ وفي السورتين ﴿ لأصلبنكم ﴾ لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه.
التأويل: ﴿ فظلموا بها ﴾ بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها ﴿ حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ﴿ ألقها يا موسى ﴾ ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية.
﴿ قالوا أرجه وأخاه ﴾ توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم.
﴿ أئن لنا لأجر ﴾ لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية ﴿ قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾ أجرى الله هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي ﴾ أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله بالسجود والإيمان ﴿ بسحر عظيم ﴾ أي عظيم في الإثم كما قال ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس ﴿ فوقع الحق ﴾ بإثبات لا إله إلا الله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ من تزيين زخارف الدنيا في العيون ﴿ فغلبوا ﴾ أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية.
﴿ رب موسى ﴾ الروح ﴿ وهارون ﴾ القلب.
واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق.
وفي القصة دلالة على أنه قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله ﴿ لمكر مكرتموه ﴾ في موافقة موسى الروح في مدينة القالب ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ هو اللذات والشهوات البدنية ﴿ لأقطعن ﴾ بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ﴿ ثم لأصلبنكم في جذوع ﴾ تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ ﴾ .
يحتمل قوله: ثم بعثنا من بعد هلاك قرون كثيرة موسى رسولاً بآياتنا إلى فرعون وملئه، يحتمل قوله: ﴿ بِآيَٰتِنَآ ﴾ ، حججنا، ثم يحتمل حجج وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل آيات رسالته ونبوته، وعلى قول الحسن: بآياتنا: ديننا، وعلى ذلك يتناول جميع الآيات التي ذكرت في القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ .
إن موسى كان مبعوثاً إليهم جميعاً إلى فرعون والملأ والأتباع جميعاً، لا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وملئه خاصة دون الأتباع، وكذلك ذكر في مكان آخر إلى فرعون خاصّة، وهو بعث إليهم جميعاً، لكن يخرج تخصيص ذكر هؤلاء القادة - والله أعلم - لما أن الذي ينازع الأنبياء والرسل هم الكبراء والرؤساء دون الأتباع والسفلة، والأتباع هم الذين يصدرون لآراء الكبراء، ويتبعونهم فيما يدعونهم إليه، وعلى ذلك سموا الكبراء والرؤساء أضداد الرسل، وإلا كان موسى مبعوثاً إليهم جميعاً؛ الوضيع منهم والرفيع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي: ظلموا بالآيات والحجج التي أتى [بها] موسى إلى فرعون وقومه، سمي ظلماً؛ لأنهم سموا تلك الآيات سحراً بعد ما عرفوا أنها منزلة من الله، فوضعوها غير موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.
وقال قائلون: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي: ظلموا نعم الله التي أنعمها عليهم حيث عبدوا غيره، فصرفوا شكر تلك النعم إلى غير الذي أنعمها عليهم، فذلك ظلم، شكروا من لم ينعم عليهم وصرفوا عمن أنعم عليهم، والله أعلم.
ويحتمل: ظلموا الأتباع بتلك الآيات حيث منعوهم عن اتباع الرسول واستتبعوهم.
أو يقول: ظلموا بها أنفسهم حيث تركوا اتباعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .
هذا الخطاب في الظاهر لرسول الله وكان المراد بالخطاب غيره، أمر كلاً بالنظر في عاقبة المفسدين لما حل بهم بفسادهم؛ لأن من نظر في عاقبة ما حل بغيره بمعصية أو فساد يمتنع عن مثله، وأمكن أن يكون الخطاب لرسول الله لوجهين: أحدهما: لما له بما حل بهم بعض التسلي لأذاهم إياه؛ لأن من توسم حلول الهلاك على عدوه في العاقبة صبر على أذاه، ويكون له بعض التسلي في ذلك [والثاني] يذكرهم وينبئهم بما يحل بهم في العاقبة؛ ليمتنعوا عما ارتكبوا من المعاصي؛ لأن ذلك أزجر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
فإن قيل: كيف قال إني رسول الله وذلك يخرج في الظاهر مخرج الامتداح والتزكية، وقد نهينا عن ذلك؛ لأنه أخبر [أنه] بمحل الذي توضع الرسالة فيه، وأنه أهل لها؟
قيل: ليس فيه امتداح نفسه ولا تزكية له؛ لأنه إنما يذكر منة الله أنه جعله بحيث توضع فيه الرسالة، وجعله أهلاً لها والتزكية والامتداح إنما يقع فيما هو فعله حقيقة لا فعل الله، أو إن كان تزكية وامتداحاً فهو أمر بذلك، فجاز ذلك بالأمر.
أو أراد بذلك تعريفه؛ لما كان من عادة الملوك أنهم إذا بعث بعضهم إلى بعض رسولاً فإنهم لا يستقبلون الرسل بالمكروه والشر، بل يعظمون الرسل ويكرمونهم، وإن كان بينهم معاداة، فذكر أنه رسول من ربّ العالمين؛ لئلا يستقبل بالمكروه.
وقوله : ﴿ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قيل: العالم: هو جوهر الكل، وهو قول الفلاسفة.
وقال أبو بكر الأصم: رب العالمين، أي: مليك الخلائق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .
قال أهل التأويل: إن موسى لما قال لفرعون [إني رسول من رب العالمين فقال له كذبت فعند ذلك قال له موسى ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ، وأمكن أن يكون ذلك منه على غير تكذيب القول من فرعون ولكنه قال ذلك؛ لما أنه] حقيق على كل أحد أكرمه الله بالرسالة واختاره لها ألا يقول على الله إلا الحق، أو أن يقول: إني رسول من ربّ العالمين حقيق على [بعد] ما أكرمني بالرسالة أن لا أقول على الله إلا الحق.
وقوله: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ : قد ذكرنا ألا يصح الابتداء بهذا إلا بعد أن يسبق من فرعون كلام خرج ذلك الكلام من موسى جواباً لما كان منه، وهو ما قال أهل التأويل: [أنه قال له: لما قال: إني رسول من رب العالمين إليك -: كذبت؛ لم يرسلك إلينا، وكلاماً نحو هذا؛ فعند ذلك قال: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ أي ما كان ينبغي لي أن أقول على الله الكذب وهو كما] قال عيسى: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ ، لما قال له: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله كان ذلك القول من عيسى [بعد] ما ادعى قومه على عيسى أنه قال لهم ذلك، وكذلك قول الملائكة: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ بعد ما قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾ ، فعند ذلك قالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ ﴾ ، خرج ذلك القول منهم جواب ما تقدم، فعلى ذلك قول موسى: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ، خرج على تقدم قول كان منهم، والله أعلم.
ومن قرأ: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فتأويله: محقوق: على ألا أقول على الله إلا الحق، ومن قرأ بتشديد عليَّ فتأويله: حق عليّ ألا أقول على الله إلا الحق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
يحتمل: ﴿ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ما يبيّن وحدانية الله وألوهيته.
ويحتمل: ببينة الرسالة ما يبين أني رسول رب العالمين، غير كاذب عليه ولا مفتر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: لا تستعبدهم؛ فإنهم ليسوا بعبيد، لم يرد إرسالهم معه، ولكن طلب استنقاذهم من العبودة؛ كقوله: ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .
دل قول فرعون: ﴿ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ﴾ أن موسى أراد بقوله: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ...
﴾ : الآية.
ودل قوله: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه [لعنه الله] قد كان عرف أنه ليس بإله، وعرف عبودة نفسه حيث طلب منه الآية على صدق ما ادعى من الرسالة، ولو كان عنده أنه إله، لكان قال لموسى: أنا الإله فمتى أرسلتك، ولم يطلب منه الآية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ .
قال أبو عوسجة الثعبان: الحيّة: قال: كل حيّة تسمى ثعباناً، والثعابين جماعة.
وعن ابن عباس - - قال: الثعبان هي الحيّة الذكر.
وقوله: ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: مبين أنها حية، وهو كما ذكر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ .
﴿ مُّبِينٌ ﴾ : لا يشك أحد أنها ليست بحيّة، ويحتمل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: مبين أن ذلك التغيير والتحويل لا يكون إلا من الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ .
ذكر نزع يده ولم يذكر من ماذا، فهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ [أي: من غير أذى ولا آفة]، وقال أهل التأويل: من غير برص، ولكن عندنا: من غير سوء من غير أن تستقبح أو تستقذر؛ لأن خروج الشيء عن خلقته وجوهره مما يستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك.
فإن قيل لنا: ما الحكمة في إدخال يده جيبه على ما هي عليه وإخراجه إياها بيضاء من غير أن كانت كذلك قبل أن يدخلها، وكذلك صيرورة العصا [حية] بعد ما طرحها على الأرض دون أن تصير حية وهي في يده قبل ذلك؟
[قيل] - والله أعلم -: إنه إنما أراهم آيته بعد ما أخرج العصا عن سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنها إنما صارت لا بتدبيره وتغييره ولكن بالله عز وجل، وكذلك اليد صيرها آية بعدما غيبها عن بصره وتدبيره؛ ليعلم أنها صارت كذلك لا به ولكن بالله عز جل والآية: هي التي تخرج عن وسع الخلق وتدبيرهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وقال في آية أخرى: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ، يحتمل أن يكون فرعون قال للملأ: إن هذا كذا، ثم قال الملأ لقومه: إن هذا لساحر عليم، أراد والله أعلم - تلبيس ما أتى به موسى من الآية على قومه، وأراد بقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ إغراء قومه عليه.
والسحر عندنا هو من آيات الرسالة ولو كان ما أتى [به] موسى سحراً كان ذلك من آيات رسالته ونبوته؛ لأنه لا يستفاد إلا بعلم من السماء وخبر منها، وكذلك هذه الحرف والمكاسب التي تكتسب في الخلق؛ لأنه لا يعلم إلا بالوحي من السماء، لكنه ليس بآية على الإشارة، ولو كان ما أتى به سحراً لكان له آية؛ لأن نشأ بين أظهرهم لم يروه اختلف إلى ساحر قط ولا عرفوا أنه تعلم ذلك من أحد، فدل ذلك أنه من الآية، لكنه أخرج ذلك عما عرفوا من السحر لما لا أحد يعرف أنه لم يختلف في ذلك، ولا تعلم من أحد، فأخرجه عن وسع السحرة وتدبيرهم؛ ليعرف كل أحد أنه [من] آيات رسالته ونبوته لا السحر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ .
كان موسى لا يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن - والله أعلم - كأنه قال فرعون لقومه: لو اتبعتم موسى وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه لأخرجتكم [من أرضكم] لكن أضاف ذلك إلى موسى لما كان هو سبب إخراجهم، والله أعلم.
أو يقول: يريد أن يذهب بعيشكم الطيب وراحتكم وتلذذكم بأنواع التلذذ؛ لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل، ويستخدمونهم، ويستريحون هم وينعمون، فيقول للقبط: يريد أن يذهب بذلك كله عنكم.
وجائز أن يكون موسى لم يكن يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن يريد أن يخرجهم من دينهم الذي كانوا عليه، ولكنه كان يغري قومه عليه.
وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ .
دل هذا القول من فرعون أنه كان يعرف أنه ليس بإله ولا رب؛ لأنه لو كان ما يقول: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ لكان لا يطلب من قومه الأمر والإشارة في ذلك، دل ذلك أنه كان يعرف عجزه وضعفه؛ لكنه يكابر ويلبس على قومه ويموه بقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ هذا الحرف حرف إغراء وتحريش عليه، وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ هو حرف تقريب حيث جعل إليهم الأمر والإشارة، وجعلهم من أهل مشورته.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .
هذا الحرف لا يقال ابتداء إلا أن يكون هنالك تقدم شيء؛ فكأنه هم بقتله؛ كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾ فقالوا له: ﴿ أَرْجِهْ ﴾ ، أي: أخره واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق جميعاً، كانوا يمنعون فرعون عن قتله.
ألا ترى أنه قال: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ﴾ لو لم يكن منهم منع عن قتله لم يكن ليقول لهم: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .
قال القتبي: أرجه وأخاه هارون، يقول: احبسه، أي: أخّره، ومنه قوله: ترجي من تشاء، ومنه سميت المرجئة.
وقال ابن عباس - -: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ ولا تقتلهما ﴿ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ﴾ أي: أرسل إلى المدائن الشرط، يأتون من المدائن حاشرين، أي: يحشرون عليك السحرة والناس.
إلى هذا يذهب ابن عباس، .
وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ لا تقتله حتى يأتوك بكل ساحر عليم، أي: ليجتمع كل أنواع السحر [عنده] ليتبيّن سحره، [وإلا كان ساحر واحد كافياً، ولكن أرادوا والله أعلم بقوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ليجتمع جميع أنواع السحر عنده لتبين سحره].
<div class="verse-tafsir"
فرمى موسى عصاه فتحولت حية عظيمة ظاهرة لمن يشاهدها.
<div class="verse-tafsir" id="91.32ROd"