الآية ١١٢ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١١٢ من سورة الأعراف

يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَـٰحِرٍ عَلِيمٍۢ ١١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٢ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٢ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال : ( قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى .

فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى ) [ طه : 57 - 60 ] وقال تعالى هاهنا :

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشورة الملأ من قوم فرعون على فرعون, أن يرسل في المدائن حاشرين يحشرون كل ساحر عليم.

* * * =وفي الكلام محذوف، اكتفى بدلالة الظاهر من إظهاره, وهو: فأرسل في المدائن حاشرين، يحشرون السحرة.

* * *

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يأتوك جزم ; لأنه جواب الأمر ولذلك حذفت منه النون .

قرأ أهل الكوفة إلا عاصما ( بكل سحار ) وقرأ سائر الناس ساحر وهما متقاربان ; إلا أن فعالا أشد مبالغة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فحينئذ انعقد رأيهم إلى أن قالوا لفرعون: أَرْجِهْ وَأَخَاهُ أي: احبسهما وأمهلهما، وابعث في المدائن أناسا يحشرون أهل المملكة ويأتون بكل سحار عليم، أي: يجيئون بالسحرة المهرة، ليقابلوا ما جاء به موسى، فقالوا: يا موسى اجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى.

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى * فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فذلك قوله : ( يأتوك بكل ساحر عليم ) قرأ حمزة والكسائي : " سحار " هاهنا وفي سورة يونس ، ولم يختلفوا في الشعراء أنه " سحار " .

قيل : الساحر : الذي يعلم السحر ولا يعلم ، والسحار : الذي يعلم ، وقيل : الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت ، والسحار من يديم السحر .

قال ابن عباس وابن إسحاق والسدي : قال فرعون لما رأى من سلطان الله في العصا ما رأى : إنا لا نغالب إلا بمن هو أعلم منه ، فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر ، فعلموهم سحرا كثيرا ، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث إلى السحرة فجاءوا ومعلمهم معهم ، فقال له : ماذا صنعت؟

قال : قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء ، فإنه لا طاقة لهم به ، ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا إلا أتى به .

واختلفوا في عددهم ، فقال مقاتل : كانوا اثنين وسبعين ، اثنان من القبط ، وهما رأسا القوم ، وسبعون من بني إسرائيل .

وقال الكلبي : كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى ، وكانوا سبعين غير رئيسهم .

وقال كعب : كانوا اثني عشر ألفا .

وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألفا .

وقال عكرمة : كانوا سبعين ألفا .

وقال محمد بن المنكدر : كانوا ثمانين ألفا ، وقال مقاتل : كان رئيس السحرة شمعون .

وقال ابن جريج : رئيس السحرة يوحنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يأتوك بكل ساحر» وفي قراءة سحَّار «عليم» بفضل موسى في علم السحر فجمعوا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليجمعوا لك كل ساحر واسع العلم بالسحر.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع والكسائي ﴿ أَرْجِهْ ﴾ بغير همز وكسر الهاء والإشباع، وقرأ عاصم وحمزة ﴿ أَرْجِهْ ﴾ بغير الهمز وسكون الهاء.

وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر ﴿ وأرجئه ﴾ بالهمز وضم الهاء، ثم أن ابن كثير أشبع الهاء على أصله والباقون لا يشبعون.

قال الواحدي: رحمه الله ﴿ قَالُواْ أَرْجِهْ ﴾ مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ  ﴾ ﴿ ترجي مَن تَشَاء  ﴾ قرئ في الآيتين باللغتين، وأما قراءة عاصم وحمزة بغير الهمز، وسكون الهاء فقال الفراء: هي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وأنشد.

فيصلح اليوم ويفسده غداً *** قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون: هذه طلحة قد أقبلت، وأنشد: لما رأى أن لا دعه ولا شبع *** ثم قال الواحدي: ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس.

وقال الزجاج: هذا شعر لا نعرف قائله، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له أخطأت.

المسألة الثانية: في تفسير قوله: ﴿ أَرْجِهْ ﴾ قولان: الأول: الإرجاء التأخير فقوله: ﴿ أَرْجِهْ ﴾ أي أخره.

ومعنى أخره: أي أخر أمره ولا تعجل في أمره بحكم، فتصير عجلتك حجة عليك، والمقصود أنهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى عليه السلام.

والقول الثاني: وهو قول الكلبي وقتادة ﴿ أَرْجِهْ ﴾ احبسه.

قال المحققون هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس، والثاني: أن فرعون ما كان قادراً على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا.

أما قوله: ﴿ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وإلا لم يصح قوله: ﴿ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ ﴾ ويدل على أن في طباع الخلق معرفة المعارفة، وإنها إذا أمكنت فلا نبوة، وإذا تعذرت فقد صحت النبوة، وأما بيان أن السحر ما هو وهل له حقيقة أم لا بل هو محض التمويه، فقد سبق الاستقصاء فيه، في سورة البقرة.

المسألة الثانية: نقل الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي: أنه قال اختلف أصحابنا في المدينة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها فعيلة لأنها مأخوذة من قولهم مدن بالمكان يمدن مدونا إذا أقام به، وهذا القائل يستدل بإطباق القراء على همز المدائن، وهي فعائل كصحائف وصحيفة وسفائن وسفينة والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة، وإذا كانت من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معايش ومعيشة.

والقول الثاني: أنها مفعلة، وعلى هذا الوجه، فمعنى المدينة المملوكة من دانه يدينه، فقولنا مدينة من دان، مثل معيشة من عاش، وجمعها مداين على مفاعل.

كمعايش، غير مهموز، ويكون اسماً لمكان والأرض التي دانهم السلطان فيها أي ساسهم وقهرهم.

والقول الثالث: قال المبرد مدينة أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها، واجتمع ساكنان الواو المزيدة التي هي واو المفعول، والياء التي هي من نفس الكلمة، فحذفت الواو لأنها زائدة، وحذف الزائد أولى من حذف الحرف الأصلي، ثم كسروا الدال لتسلم الياء، فلا تنقلب واواً لانضمام ما قبلها فيختلط ذوات الواو بذوات الياء، وهكذا القول في المبيع والمخيط والمكيل، ثم قال الواحدي: والصحيح أنها فعيلة لاجتماع القراء على همز المدائن.

المسألة الثالثة: ﴿ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين ﴾ يريد وأرسل في مدائن صعيد مصر رجالاً يحشروا إليك ما فيها من السحرة.

قال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، ونقل القاضي عن ابن عباس، أنهم كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم، وكان الذي يعلمهم رجلاً مجوسياً من أهل نينوى بلدة يونس عليه السلام، وهي قرية بالموصل.

وأقول هذا النقل مشكل، لأن المجوس أتباع زرادشت، وزرادشت إنما جاء بعد مجيء موسى عليه السلام.

أما قوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي بكل سحار، والباقون بكل ساحر، فمن قرأ سحار فحجته أنه قد وصف بعليم، ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به، فحسن لذلك أن يذكر بالاسم الدال على المبالغة في السحر، ومن قرأ ساحر فحجته قوله: ﴿ وَأُلْقِىَ السحرة  ﴾ ﴿ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة  ﴾ والسحرة جمع ساحر مثل كتبه وكاتب وفجرة وفاجر.

واحتجوا أيضاً بقوله: ﴿ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس  ﴾ واسم الفاعل من سحروا ساحر.

المسألة الثانية: الباء في قوله: ﴿ بِكُلّ ساحر ﴾ يحتمل أن تكون بمعنى مع، ويحتمل أن تكون باء التعدية والله أعلم.

المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان، وهذا يدل على صحة ما يقوله المتكلمون، من أنه تعالى يجعل معجزة كل نبي من جنس ما كان غالباً على أهل ذلك الزمان فلما كان السحر غالباً على أهل زمان موسى عليه السلام كانت معجزته شبيهة بالسحر وإن كان مخالفاً للسحر في الحقيقة، ولما كان الطب غالباً على أهل زمان عيسى عليه السلام كانت معجزته من جنس الطب، ولما كانت الفصاحة غالبة على أهل زمان محمد عليه الصلاة والسلام لا جرم كانت معجزته من جنس الفصاحة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لاجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع، وابن كثير، وحفص، عن عاصم، ﴿ إن لنا لأجراً ﴾ بكسر الألف على الخبر والباقون على الاستفهام، ثم اختلفوا، فقرأ أبو عمرو بهمزة ممدودة على أصله والباقون بهمزتين قال الواحدي رحمه الله: الاستفهام أحسن في هذا الموضع، لأنهم أرادوا أن يعلموا هل لهم أجر أم لا؟

ويقطعون على أن لهم الأجر ويقوي ذلك إجماعهم في سورة الشعراء على الهمز للاستفهام وحجة نافع وابن كثير على أنهما أرادا همزة الاستفهام، ولكنهما حذفا ذلك من اللفظ وقد تحذف همزة الاستفهام من اللفظ، وإن كانت باقية في المعنى كقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ  ﴾ فإنه يذهب كثير من الناس إلى أن معناه أو تلك بالاستفهام، وكما في قوله: ﴿ هذا رَبّى  ﴾ والتقدير أهذا ربي وقيل: أيضاً المراد أن السحرة أثبتوا لأنفسهم أجراً عظيماً، لأنهم قالوا: لابد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم كقول العرب: إن له لإبلاً، وإن له لغنماً، يقصدون الكثرة.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: هلا قيل: ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ .

وجوابه: هو على تقدير: سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤه.

فأجيب بقوله: ﴿ قالوا أئن لنا لأجراً ﴾ أي جعلا على الغلبة.

فإن قيل: قوله: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين ﴾ معطوف، وما المعطوف عليه؟

وجوابه: أنه معطوف على محذوف، سد مسده حرف الإيجاب، كأنه قال إيجاباً لقولهم: إن لنا لأجراً، نعم إن لكم لأجراً، وإنكم لمن المقربين.

أراد أني لا أقتصر بكم على الثواب، بل أزيدكم عليه، وتلك الزيادة إني أجعلكم من المقربين عندي.

قال المتكلمون: وهذا يدل على أن الثواب إنما يعظم موقعه إذا كان مقروناً بالتعظيم، والدليل عليه أن فرعون لما وعدهم بالأجر قرن به ما يدل على التعظيم، وهو حصول القربة.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مهيناً عاجزاً، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام، وتدل أيضاً على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون، لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان، فلم لم يقبلوا التراب ذهباً، ولم لم ينقلوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم لم يجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساء الدنيا، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق، وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ ﴾ أي عالم بالسحر ماهر فيه، قد أخذ عيون الناس بخدعة من خدعه، حتى خيل إليهم العصى حية، والآدم أبيض.

فإن قلت: قد عزى هذا الكلام إلى فرعون في سورة الشعراء، وأنه قاله للملأ وعُزي هاهنا إليهم قلت قد قاله هو وقالوه هم، فحكى قوله ثم وقولهم ههنا: أو قاله ابتداء فتلقته منه الملأ، فقالوه لأعقابهم.

أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ، كما يفعل الملوك يرى الواحد منهم الرأي فيكلم به من يليه من الخاصة ثم تبلغه الخاصة العامة.

والدليل عليه أنهم أجابوه في قولهم: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المدائن حاشرين يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ ﴾ .

وقرئ: ﴿ سحار ﴾ ، أي يأتوك بكل ساحر مثله في العلم والمهارة: أو بخير منه.

وكانت هذه مؤامرة مع القبط.

وقولهم: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ من أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي.

وقيل: قال فماذا تأمرون؟

من كلام فرعون، قاله للملأ لما قالوا له: إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم، كأنه قيل قال: فماذا تأمرون؟

قالوا: أرجئه وأخاه، ومعنى أرجئه وأخاه: أخرهما وأصدرهما عنك، حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما.

وقيل: احبسهما.

وقرئ: أرجئه، بالهمزة: ﴿ وأرجه ﴾ ، من أرجاءه وأرجاه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ قِيلَ قالَهُ هو وأشْرافُ قَوْمِهِ عَلى سَبِيلِ التَّشاوُرِ في أمْرِهِ، فَحَكى عَنْهُ في سُورَةِ الشُّعَراءِ وعَنْهم ها هُنا.

﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ تُشِيرُونَ في أنْ نَفْعَلَ.

﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ .

﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ كَأنَّهُ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ آراؤُهم فَأشارُوا بِهِ عَلى فِرْعَوْنَ، والإرْجاءُ التَّأْخِيرُ أيْ أخِّرْ أمْرَهُ، وأصْلُهُ أُرْجِئُهُ كَما قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ ويَعْقُوبُ مَن أرْجَأْتُ، وكَذَلِكَ « أرْجِئْهُوهُ» عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى الأصْلِ في الضَّمِيرِ، أوْ (أرْجِهِيِ) مِن أرْجَيْتُ كَما قَرَأ نافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ وإسْماعِيلُ والكِسائِيُّ، وأمّا قِراءَتُهُ في رِوايَةِ قالُونَ ﴿ أرْجِهْ ﴾ بِحَذْفِ الياءِ فَلِلِاكْتِفاءِ بِالكَسْرَةِ عَنْها، وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ وعاصِمٌ وحَفْصٌ أرْجِهْ بِسُكُونِ الهاءِ فَلِتَشْبِيهِ المُنْفَصِلِ بِالمُتَّصِلِ وجُعِلَ ﴿ أرْجِهْ ﴾ كَإبْلٍ في إسْكانِ وسَطِهِ وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِرِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ « أرْجِئْهِ» بِالهَمْزَةِ وكَسْرِ الهاءِ فَلا يَرْتَضِيهِ النُّحاةُ فَإنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا كانَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، ووَجْهُهُ أنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَتْ تُقْلَبُ ياءً أُجْرِيَتْ مَجْراها.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ « بِكُلِّ سَحّارٍ» فِيهِ وفي « يُونُسَ» ويُؤَيِّدُهُ اتِّفاقُهم عَلَيْهِ في « الشُّعَراءِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ} سَحَّارٍ حمزة وعلي أي يأتوك بكل ساحر عليم مثله في المهارة أو بخير منه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ أيْ: ماهِرٍ في السِّحْرِ، والفِعْلُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الطَّلَبِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (سَحّارٍ) وجاءَ فِيهِ الإمالَةُ وعَدَمُها وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ، وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ الَّذِي يُدِيمُ السِّحْرَ، والسّاحِرُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ سَحَرَ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وقِيلَ: السّاحِرُ هو المُبْتَدِئُ في صِناعَةِ السِّحْرِ، والسَّحّارُ هو المُنْتَهِي الَّذِي يُتَعَلَّمُ مِنهُ ذَلِكَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني: أو لم يبين.

قال القتبي: أصل الهدى الإرشاد كقوله: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي يعني: يرشدني.

ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يعني: أو لم يبيِّن لهم.

ومنها إرشادٌ بمعنى بالدعاء كقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] يعني: نبياً يدعوهم وقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي يدعون الخلق.

وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني: أو لم نبين لهم الطريق.

ومن قرأ بالياء معناه: أو لم يبين الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يعني: ينزلون الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها.

ويقول أو نبيّن لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر معبودهم على نصرتهم.

أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يعني: أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب.

ثم قال: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة عقوبة لهم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ الحق ولا يقبلون المواعظ.

ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها، نخبرك في القرآن من حديثها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات الواضحة، والبراهين القاطعة، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا.

فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يعني: إن أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية.

وقال مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] وقال السدي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به.

وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار.

ويقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم.

كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: هكذا يختم الله تعالى عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ مجازاة لكفرهم.

قوله تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ مِنْ زيادة للصلة يعني: ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني: الذين كذبوا من الأمم الخالية.

ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ لأنهم أقروا يوم الميثاق، ثم نقضوا العهد حيث كفروا.

ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي قبول العهد الذي عاهدوا على لسان الرسل.

ثم قال: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ يعني: وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد، تاركين لما أمروا به.

قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى يعني: أرسلنا من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة.

ويقال: ثم بعثنا من بعد هلاكهم موسى وهو موسى بن عمران بِآياتِنا يعني: اليد البيضاء والعصا إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام.

فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة.

وأنكر عليه ذلك عامة المفسرين.

وقالوا هو كان غيره، وكان جباراً، ظهر بمصر واستولى عليها، وأرسل الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني: جنوده وأتباعه فَظَلَمُوا بِها يعني: فجحدوا بالآيات فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني: كيف صار آخر أمر المشركين.

وقال ابن عباس-  ما-: أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون، ففزع منها فرعون، فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فأول من خضب بالسواد فرعون.

قال ابن عباس: كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى، وكانت من آس الجنة يضرب بها الأرض فتخرج النبات، فلما دخل عليه مع هارون وَقالَ له مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك قال له فرعون: كذبت.

قال موسى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قرأ نافع حقيق علي بالتشديد.

وقرأ الباقون بتخفيف على.

فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول، أي: واجب أن أترك القول على الله إلا الحق.

ومن قرأ بالتشديد معناه: واجب علي ترك القول على الله إلا الحق.

أي لا أقول على الله إلا الحق فلما كذبوه قال: إني لا أقول بغير حجة وبرهان قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: قد جئتكم بعلامة لنبوتي فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تستعبدهم، لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم في الأعمال سخرة ف قالَ له فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي بعلامة لنبوتك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول الله فَأَلْقى موسى عَصاهُ يعني: ألقى موسى عَصَاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وهي أعظم الحيات، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون، ففتحت فاها نحو فرعون، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره، وهرب منها، وهرب الناس، وصاحوا إلى موسى، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى.

ومعنى قوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: أنها حية تسعى لا لبس فيها.

فقال له فرعون: هل معك غير هذا؟

فقال: نعم وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12] يعني: من غير برص فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب على نور الشمس.

ومعنى قوله: لِلنَّاظِرِينَ يعني: يتعجب ويتحير منها الناظرون.

ويقال: إن البياض من غير برص.

لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء.

ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت.

قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يعني: الأشراف والرؤساء.

قال مقاتل: إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: 34] يعني: حاذق بالسحر.

ثم قال لقومه: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ تصديقاً لقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر.

فقال لهم فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: أي فماذا تشيرون في أمره؟

ويقال: إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون؟

أي ماذا ترون في أمره قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: احبسهما ولا تقتلهما.

وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما.

فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان.

فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذٍ.

فذلك قوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ أي: ابعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني: الشرط يحشرون الناس إليكم أي: يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي: حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهوا بالهمزة والواو بعد الهاء.

وقرأ الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء.

وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة.

وهذه اللغات كلها مروية عن العرب.

وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سَحَّار عليم على وجه المبالغة في السحر.

وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء.

قوله تعالى: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: قالوا لفرعون أتعطينا جعلاً ومالاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى قالَ لهم فرعون نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم المنزلة به سوى العطية يعني: إنكم تكونون أول من يدخل علي بالسلام قرأ أبو عمرو آينَّ لنا لأجْراً بمد الألف.

وقرأ عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع إنَّ لَنَا بهمزة واحدة بغير ياء.

وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أإن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوماً وأعلن الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [طه: 59] أي: يوم عيد كان لهم ويقال: يوم النيروز.

فلما اجتمعت السحرة قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يعني: إما أن تطرح عصاك على الأرض وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نحن الملقين قبلك.

قالَ لهم موسى أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا يعني: السحرة ألقوا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أخذوا أعينهم بالسحر وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: طلبوا رهبتهم حتى رهبهم الناس.

قال الكلبي: كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلاً.

وقال بعضهم: كانوا اثنين وسبعين حبلاً.

وروى أسباط عن السدي قال: قال ابن عباس كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً.

وقال محمد بن إسحاق: كانوا ألف رجل وخمسمائة رجل ومع كل واحد منهم عصا: وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات، لأن الزئبق لا يستقر في مكان واحد، فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيهاً بالحيات فنظر موسى فإذا الوادي قد امتلأ بالحيات، فدخل فيه الخوف، ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من كثرة الحيات.

فذلك قوله: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: أفزعوهم وأخافوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بسحر تام.

ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بقول عظِيمٌ حيث قالوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [الشعراء: 44] ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ حيث قالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون.

قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها.

وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «١» ، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «٢» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر.

والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «٣» ، وقال قتادة:

صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً «٤» ، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك.

وقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً «٥» ، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ.

قال ع «٦» : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما.

ت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.

قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)

وقوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «١» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: ٣٥] .

و «ما» : استفهامُ، و «ذَا» : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون» : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «٢» .

وقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ.

واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «٣» ، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، ثُمَّ أخْرَجَها، فَإذا هي تَبْرُقُ مِثْلَ البَرْقِ، لَها شُعاعٌ غَلَبَ نُورَ الشَّمْسِ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ؛ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ فَصارَتْ كَما كانَتْ.

قالَ مُجاهِدٌ: بَيْضاءُ مِن غَيْرِ بَرَصٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الَّذِي تُشِيرُونَ بِهِ عَلَيَّ؟

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، وأنَّ كَلامَ المَلَإ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ مِن أرْضِكُمْ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلَإ، كَأنَّهم خاطَبُوا فِرْعَوْنَ ومَن يَخُصُّهُ، أوْ خاطَبُوهُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَلرَّئِيسِ: المُطاعُ ماذا تَرَوْنَ؟

قَوْلُهُ تَعالى: أُرْجِئُهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "أرْجِهْؤُ" مَهْمُوزٌ بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ في اللَّفْظِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ يَضُمُّ الهاءَ ضَمَّةً، مِن غَيْرِ أنْ يُبَلِّغَ بِها الواوَ؛ وكانا يَهْمِزانِ: (مُرْجَؤْنَ)[التَّوْبَةِ:١٠٦] و(تُرْجِئُ)[الأحْزابِ:٥١] .

وَقَرَأ قالُوا والمُسَيِّبِي عَنْ نافِعٍ "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ولا يَبْلُغُ بِها الياءَ، ولا يَهْمِزُ.

ورَوى عَنْهُ ورَشٌ: "أرْجِهِي" يَصِلُها بِياءٍ، ولا يَهْمِزُ بَيْنَ الجِيمِ والهاءِ.

وكَذَلِكَ قالَ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرَ عَنْ نافِعٍ؛ وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أرْجِهْ" ساكِنَةَ الهاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ عاصِمٌ في غَيْرِ رِوايَةِ المُفَضَّلِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ المُفَضَّلُ كَسْرَ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ ولا هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرَ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ (الشُّعَراءِ:٣٦) .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرِّجْهُ: أخِّرْهُ؛ وقَدْ يَهْمِزُ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الشَّيْءَ، وأرْجَيْتُهُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: بَنُو أسَدٍ تَقُولُ: أرَجِيتُ الأمْرَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ عامَّةُ قِيسٍ؛ وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ يَقُولُونَ: أرْجَأتُ الأمْرَ، بِالهَمْزِ، والقُرّاءُ مُولَعُونَ بِهَمْزِها، وتَرْكُ الهَمْزِ أجْوَدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسِلْ في المَدائِنِ ﴾ يَعْنِي مَدائِنَ مِصْرَ، (حاشِرِينَ) أيْ: مَن يَحْشُرُ السَّحَرَةَ إلَيْكَ ويَجْمَعُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الشُّرْطُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: (ساحِرٌ) وفي (يُونُسَ:٧٩): (بِكُلِّ ساحِرٍ)؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سَحّارٍ) في المَوْضِعَيْنِ؛ ولا خِلافَ في (الشُّعَراءِ:٣٧) أنَّها: (سَحّارٌ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ مَكْسُورَةَ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، وفي (الشُّعَراءِ:٤١) (آَيَنَ) مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألِفِ، غَيْرَ أنَّ حَفْصًا رَوى عَنْ عاصِمٍ في (الشُّعَراءِ:٤١): (أإنْ) بِهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (آَيِنَ لَنا) مَمْدُودَةً في السُّورَتَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِهَمْزَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الِاسْتِفْهامُ أشْبَهُ بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ، وإنَّما اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ أيْ: ولَكم مَعَ الأجْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ عِنْدِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَشَّوْا أعْيُنَ النّاسِ وأخَذُوها.

(واسْتَرْهَبُوهُمْ) أيْ: خَوَّفُوهم.

وقالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهم حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هي تَلْقَفُ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ: تَلَقُّف ساكِنَةَ اللّامِ، خَفِيفَةَ القافِ هاهُنا وفي (طه:٦٩)، و(الشُّعَراءِ:٤٥) .

ورَوى البَزِّيُّ، وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (تَلَقَّفَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: لَقَفْتُ الشَّيْءَ، فَأنا ألْقُفَهُ لَقْفًا ولُقْفانًا؛ والمَعْنى: تَبْتَلِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ أيْ: يَكْذِبُونَ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّها حَيّاتٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبانَ.

﴿ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ السِّحْرِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ عَلى ثَلاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: اثْنانِ وسَبْعُونَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اثْنانِ وسَبْعُونَ ألْفًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: سَبْعُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ كَعْبٌ.

والخامِسُ: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ عَطاءٌ، وَكَذَلِكَ قالَ وهْبٌ في رِوايَةٍ، ألا أنَّهُ قالَ: فاخْتارَ مِنهم سَبْعَةَ آَلافٍ.

والسّادِسُ: سَبْعُمِائَةٍ.

ورَوى عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَدَدُ السَّحَرَةِ الَّذِينَ عارَضُوا مُوسى سَبْعِينَ ألْفًا، مُتَخَيِّرِينَ مِن سَبْعِمِائَةِ ألْفٍ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ اخْتارَ مِنَ السَّبْعِينَ الألْفَ سَبْعَمِائَةٍ.

والسّابِعُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّامِنُ: تِسْعُمِائَةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والتّاسِعُ: ثَمانُونَ ألْفًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.

والعاشِرُ: بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والحادِي عَشَرَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي عَشَرَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثَ عَشَرَ: أرْبَعُمِائَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَأمّا أسْماءُ رُؤَسائِهِمْ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: رُؤُوسُ السَّحَرَةِ سانُورُ، وعاذُورُ، وحَطْحَطُ، ومُصَفّى، وهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا، كَذا حَكاهُ ابْنُ ماكُولا.

ورَأيْتُ عَنْ غَيْرِ ابْنُ إسْحاقَ: سابُورا، وعازُورا، وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ أكْبَرِهِمْ شَمْعُونُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا، وخَشَبًا طِوالًا، فَكانَتْ مِيلًا في مِيلٍ، فَألْقى مُوسى عَصاهُ، فَإذا هي أعْظَمُ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، قَدْ سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فاها ثَمانِينَ ذِراعًا، فابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، وجَعَلَتْ تَأْكُلُ جَمِيعَ ما قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِن صَخْرَةٍ أوْ شَجَرَةٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وفِرْعَوْنُ يَضْحَكُ تَجَلُّدًا، فَأقْبَلَتِ الحَيَّةُ نَحْوَ فِرْعَوْنَ، فَصاحَ: يا مُوسى، يا مُوسى، فَأخَذَها مُوسى، وعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّ هَذا مِنَ السَّماءِ، ولَيْسَ هَذا بِسِحْرٍ، فَخَرُّوا سُجَّدًا، وقالُوا آَمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ فَقالَ فِرْعَوْنُ: إيّايَ تُمَنُّونَ؟

فَقالُوا: رَبُّ مُوسى وهارُونَ، فَأصْبَحُوا سَحَرَةً، وأمْسَوْا شُهَداءَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَما صارَتْ ثُعْبانًا حَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعُشْرُونَ ألْفًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَ مُوسى أمِيرَ السَّحَرَةِ، فَقالَ: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا، أتُؤْمِنُ بِي ؟فَقالَ السّاحِرُ: لَآَتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ السِّحْرُ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبَتْنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِالإلْقاءِ، وفِعْلُ السِّحْرِ كُفْرٌ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ مَضْمُونَ أمْرِهِ: إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فَألْقَوْا.

والثّانِي: ألْقَوْا عَلى ما يَصِحُّ، لا عَلى ما يُفْسِدُ ويَسْتَحِيلُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ والثّالِثُ: إنَّما أمَرَهم بِالإلْقاءِ لِتَكُونَ مُعْجِزَتُهُ أظْهَرَ، لِأنَّهم إذا ألْقَوْا، ألْقى عَصاهُ فابْتَلَعَتْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ وإنَّما سَجَدُوا بِاخْتِيارِهِمْ؟

فالجَوابُ أنَّهُ لَمّا زالَتْ كُلُّ شُبْهَةٍ بِما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِهِ، اضْطَرَّهم عَظِيمُ ما عايَنُوا إلى مُبادَرَةِ السُّجُودِ، فَصارُوا مَفْعُولِينَ في الإلْقاءِ تَصْحِيحًا وتَعْظِيمًا لَشَأْنِ ما رَأوْا مِنَ الآَياتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا آَمَنَتِ السَّحَرَةُ، اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةَ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ ﴾ ﴿ قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ.

وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ.

و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا.

قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.

ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.

قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ.

وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.

وقالَ الآخَرُ: لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ.

و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ السَحَرَةُ ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.

أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ.....

∗∗∗ ∗∗∗...........................

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".

والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ ﴾ الآيَةُ.

"أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ.

وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم.

و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جرت جملة: ﴿ قال الملأ ﴾ على طريقة الفصل لأنها جرت في طريق المحاورة الجارية بين موسى وبين فرعون وملئه فإنه حوار واحد.

وتقدم الكلام على الملإِ آنفاً في القصص الماضية، فملأ قوم فرعون هم سادتهم وهم أهل مجلس فرعون ومشورته، وقد كانت دعوة موسى أول الأمر قاصرة على فرعون في مجلسه فلم يكن بمرأى ومسمع من العامة لأن الله تعالى قال في آية أخرى ﴿ اذهبا إلى فرعون إنه طغى ﴾ [طه: 43] وقال في هذه الآية: ﴿ إلى فرعون وملائه ﴾ [الأعراف: 103] وإنما أشهرت دعوته في المرة الآتية بعد اجتماع السحرة.

وإنما قالوا هذا الكلام على وجه الشورى مع فرعون واستنباط الاعتذار لأنفسهم عن قيام حجة موسى في وجوههم فاعتلوا لأنفسهم بعضهم لبعض بأن موسى إنما هو ساحر عليم بالسحر أظهر لهم ما لا عهد لهم بمثله من أعمال السحرة، وهذا القول قد أعرب عن رأي جميع أهل مجلس فرعون، ففرعون كان مشاركاً لهم في هذا لأن القرآن حكى عن فرعون في غير هذه السورة أنه قال للملإ حوله ﴿ إن هذا لساحر عليم ﴾ ، وهذه المعذرة قد انتحلوها وتواطأوا عليها تبعوا فيها ملكهم أو تبعهم فيها، فكل واحد من أهل ذلك المجلس قد وطَّن نفسه على هذا الاعتذار ولذلك فالخطاب في قوله: ﴿ يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون ﴾ خطاب بعضهم لبعض وهو حاصل من طوائف ذلك الملأ لطوائفَ يرددونه بينهم ويقوله بعضهم لبعض.

ووجه استفادتهم أن موسى يريد إخراجهم من أرضهم، إما أنهم قاسوا ذلك عن قول موسى ﴿ فأرسل معى بني إسرائيل ﴾ [الأعراف: 105] بقاعدة ما جاز على المثل يجوز على المماثل، يعنون أنه ما أظهر إخراج بني إسرائيل إلاْ ذريعة لإخراج كل من يؤمن به ليتخدهم تبعاً ويقيم بهم ملكاً خارجَ مصر.

فزعموا أن تلك مكيدة من موسى لثلم ملك فرعون.

وإما أن يكون ملأ فرعون محتوياً على رجال من بني إسرائيل كانوا مقربين عند فرعون ومن أهل الرأي في المملكة، فهم المقصود بالخطاب، أي: يريد إخراج قومكم من أرضكم التي استوطنتموها أربعة قرون وصارت لكم موطناً كما هي للمصريين، ومقصدهم من ذلك تذكيرهم بحب وطنهم، وتقريبهم من أنفسهم، وإنساؤهم ما كانوا يلقون من اضطهاد القبط واستذلالهم، شعوراً منهم بحراجة الموقف.

وإما إنهم علموا أنه إذا شاع في الأمة ظهور حجة موسى وعَجْز فرعون وملئه أدخل ذلك فتنة في عامة الأمة فآمنوا بموسى وأصبح هو الملك على مصر فأخرج فرعونَ وملأه منها.

ويجوز أن يكون الملأ خاطبوا بذلك فرعون.

فجرَتْ ضمائر الخطاب في قوله: ﴿ أن يخرجكم من أرضكم ﴾ على صيغة الجمع تعظيماً للملك كما في قوله تعالى: ﴿ قال رب ارجعون ﴾ [المؤمنون: 99] وهذا استعمال مطرد.

والأمر حقيقته طلبُ الفعل، فمعنى ﴿ فماذا تأمرون ﴾ ماذا تطلبون أن نفعل، وقال جماعة من أهل اللغة: غلب استعمال الأمر في الطلب الصادر من العلي إلى من دونه فإذا التزم هذا كان إطلاقه هنا على وجه التلطف مع المخاطبين، وأياً ما كان فالمقصود منه الطلب على وجه الإفتاء والاشتوار لأن أمرهم لا يتعين العمل به، فإذا كان المخاطب فرعون على ما تقدم، كان مراداً من الأمر الطلب الذي يجب امتثاله كما قال ملأ بلقيس: ﴿ فانظُرِي ماذا تأمرين ﴾ [النمل: 33].

والساحر فاعل السحر، وتقدم الكلام على السحر عند قوله تعالى: ﴿ يعلمون الناس السحر ﴾ في سورة البقرة (102).

وجملة: ﴿ قالوا أرجه ﴾ جواب القوم المستشَارين، فتجر يدها من حرف العطف لجريانها في طريق المحاورة، أي: فأجاب بعض الملأ بإبداء رأي لفرعون فيما يتعين عليه اتخاذه.

ويجوز أن تكون جملة: ﴿ قالوا أرجه ﴾ بدلاً من جملة: ﴿ قال الملأ من قوم فرعون ﴾ بإعادة فعل القول وهو العامل في المبدل منه إذا كان فرعون هو المقصود بقولهم: ﴿ فماذا تأمرون ﴾ .

وفعل ﴿ أرجه ﴾ أمر من الإرجاء وهو التأخير.

قرأه نافع، وعاصم، والكسائي وأبو جعفر ﴿ أرجه ﴾ بجيم ثم هاء وأصله (أرجئه) بهمزة بعد الجيم فسُهلت الهمزة تخفيفاً، فصارت ياء ساكنة، وعوملت معاملة حرف العلة في حالة الأمر، وقرأه الباقون بالهمز ساكناً على الأصل ولهم في حركات هاء الغيبة وإشباعها وجوه مقررة في علم القراءات.

والمعنى: أخّرْ المجادلة مع موسى إلى إحضار السحرة الذين يدافعون سحره، وحكى القرآن ذكر الأخ هنا للإشارة إلى أنه طوي ذكره في أول القصة، وقد ذكر في غير هذه القصة ابتداء.

وعدي فعل الإرسال (بفي) دون (إلى) لأن الفعل هنا غير مقصود تعديته إلى المرسل إليهم بل المقصود منه المرسَلون خاصة.

وهو المفعول الأول.

إذ المعنى: وأرسل حاشرين في المدائن يأتوك بالسّحرة، فعُلم أنهم مرسلون للبحث والجلب.

لا للإبلاغ وهذا قريب من قوله تعالى: ﴿ فأرسلنا فيهم رسولاً منهم ﴾ في سورة المؤمنين (32)، قال في ﴿ الكشاف ﴾ هنالك: «لم يُعَد الفعل بقي مثلَ ما يُعدى بإلى، ولكن الأمة جعلت موضعاً للإرسال كما قال رؤبة: أرسلتَ فيها مُصْعَبا ذَا إقحام *** وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك في قوله: ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ﴾ [الفرقان: 51]، وقد تقدم آنفاً قريب منه عند قوله تعالى: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي ﴾ [الأعراف: 94].

والمَدائن: جمع مدينة، وهي بوزن فعيلة، مشتقة من مَدَن بالمكان إذا أقام ولعل (مَدَن) هو المشتق من المدينة لا العكس، وأيّاً ما كان فالأظهر أن ميم مدينة أصلية ولذلك جمعت على مدائن بالهمزة كما قالوا (صَحَائف) جمع صحيفة.

ولو كانت مَفْعَلة من دانه لقالوا في الجمع مداين بالياء مثل معايش.

ومداين مصر في ذلك الزمن كثيرة وسنذكر بعضها عند قوله تعالى: ﴿ فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ﴾ في سورة الشعراء (53).

قيل أرادوا مدائن الصعيد وكانت مقر العلماء بالسحر.

والحاشرون الذين يحشرون الناس ويجمعونهم.

والشأن أن يكون ملأ فرعون عقلاءَ أهلَ سياسة، فعلموا أن أمر دعوة موسى لا يكاد يخفى.

وأن فرعون إنْ سجنه أو عاند، تحقق الناس أن حجة موسى غلبت، فصار ذلك ذريعة للشك في دين فرعون، فرأوا أن يلاينوا موسى، وطمعوا أن يوجد في سحَرة مصر من يدافع آيات موسى، فتكون الحجة عليه ظاهرة للناس.

وجَزْم ﴿ يأتوك ﴾ على جواب الأمر للدلالة على شدة اتصال السببية بين الإرسال والإتيان، فالتقدير: إنْ تُرْسل يأتُوك، وقد قيل: في مثله إنه مجزوم بلام الأمر محْذوفة، على أن الجملة بدل من ﴿ أرسلْ ﴾ بدلَ اشتمال.

أي: أرسلهم آمراً لهم فليأتوك بكل ساحر عليم، وهذا الاستعمال كثير في كلام العرب مع فعل القول نحو: ﴿ قل لعباديَ الذين آمنوا يُقيموا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 31] فكذلك ما كان فيه معنى القول كما هنا.

و (كل) مستعمل في معنى الكثرة، أي: بجمع عظيم من السحرة يشبه أن يكون جميع ذلك النوع.

وقرأ الجمهور: ﴿ بكل ساحر ﴾ وقرأ جمزة، والكسائي، وخلف: ﴿ بكل سَحّار ﴾ ، على المبالغة في معرفة السحر، فيكون وصف ﴿ عليم ﴾ تأكيداً لمعنى المبالغة لأن وصف ﴿ عليم ﴾ الذي هو من أمثلة المبالغة للدلالة على قوة المعرفة بالسحر، وحذف متعلق ﴿ عليم ﴾ لأنه صار بمنزلة أفعال السجايا.

والمقام يدل على أن المراد قوة علم السحر له.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أخِّرْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.

والثّانِي: احْبِسْهُ، قالَهُ قَتادَةُ والكَلْبِيُّ.

﴿ وَأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ وهو قَوْلُ الجَماعَةِ أرْسَلَهم في حَشْرِ السَّحَرَةِ وكانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن مجاهد.

انه كان يقرأ ﴿ حقيق عليّ أن لا أقول ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ فألقى عصاه ﴾ قال: ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم، اعطاه اياها ملك حين توجه إلى مدين، فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار، فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه، قال الله عز وجل ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: حية تكاد تساوره.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المنهال قال: ارتفعت الحية في السماء ميلاً، فأقبلت إلى فرعون فجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت.

وجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: وأخذه بطنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لقد دخل موسى على فرعون وعليه زرمانقة من صوف ما تجاوز مرفقه، فاستؤذن على فرعون فقال: ادخلوه.

فدخل فقال: إن ألهي أرسلني إليك.

فقال للقوم حوله: ما علمت لكم من إله غيري خذوه.

قال إني قد جئتك بآية ﴿ قال فائت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه ﴾ فصارت ثعباناً ما بين لحييه ما بين السقف إلى الأرض، وأدخل يده في جيبه فأخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار فخروا على وجوههم، وأخذ موسى عصاه ثم خرج ليس أحد من الناس إلا يفر منه، فلما أفاق وذهب عن فرعون الروع قال للملأ حوله: ماذا تأمرون؟

قالوا: أرجئه وأخاه لا تأتنا به ولا يقربنا، وأرسل في المدائن حاشرين، وكانت السحرة يخشون من فرعون، فلما أسرع إليهم قالوا: قد احتاج إليكم إلهكم قال: إن هذا فعل كذا وكذا.

قالوا: إن هذا ساحر يسحر، أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟

قال: ساحر يسحر الناس ولا يسحر الساحر الساحر؟

قال: نعم وإنكم إذاً لمن المقربين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحكم قال: كانت عصا موسى من عوسج، ولم يسخر العوسج لأحد بعده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: عصا موسى اسمها ماشا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم قال: عصا موسى هي الدابة يعني دابة الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: الحية الذكر.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق معمر عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: تحوّلت حية عظيمة.

قال معمر، قال غيره: مثل المدينة.

وأخرج أبو الشيخ عن الكلبي قال: حية صفراء ذكر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب ابن منبه قال: كان بين لحيي الثعبان الذي من عصا موسى إثنا عشر ذراعاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن فرقد السبخي قال: كان فرعون إذا كانت له حاجة ذهبت به السحرة مسيرة خمسين فرسخاً، فإذا قضى حاجته جاءوا به، حتى كان يوم عصا موسى فإنها فتحت فاها فكان ما بين لحييها أربعين ذراعاً، فأحدث يومئذ أربعين مرة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فإذا هي ثعبان مبين ﴾ قال: الذكر من الحيات فاتحة فمها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سور القصر ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل.

فأخذها موسى فصارت عصا.

وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ونزع يده ﴾ قال: الكف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ قال: يستخرجكم من أرضكم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ارجئه ﴾ قال: أخِّره.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قالوا ﴿ ارجئه وأخاه ﴾ قالف احبسه وأخاه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ قال: الشرط.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ، وقرئ (١) ﴿ سَحَّار ﴾ ؛ فمن قرأ ﴿ سَاحِرٍ ﴾ فحجته قوله: ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ  ﴾ ﴿ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ  ﴾ ، والسحرة جمع ساحر مثل كاتب وكتبه، وفاجر وفجرة، ومن حجته أيضًا (٢) ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ  ﴾ ، واسم الفاعل من سحروا ساحر، ومن قرأ ﴿ سَحَّار ﴾ فحجته أنه قد وصف بـ (عليم) ووصفه به يدل على تناهيه فيه وحذقه به؛ فحسن لذلك أن يذكر بالاسم (٣) (٤) (١) قرأ حمزة والكسائي: (سَحَّار) على وزن فعال بتشديد الحاء وألف بعدها، وقرأ الباقون: ﴿ سَاحِرٍ ﴾ على وزن فاعل بتخفيف الحاء وكسرها وألف قبلها.

انظر: "السبعة" ص 289، و"المبسوط" ص 183، و"التذكرة" 2/ 422، و"التيسير" ص 112، و"النشر" 2/ 270.

(٢) لفظ: (أيضاً) ساقط من (ب).

(٣) في (ب): (أن يذكر الاسم).

(٤) ما تقدم هو قول أبي علي في "الحجة" 4/ 64، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 416، و"إعراب القراءات" 1/ 199، و"الحجة" لابن خالويه ص160، ولابن زنجلة ص 291، و"الكشف" 1/ 471.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَرْجِهْ ﴾ من قرأه بالهمزة فهو من أرجأت الرجل إذا أخرته، فمعناه أهرهما حتى ننظر في أمرهما، وقيل: المراد بالإرجاء هنا السجن، ومن قرأ بغير همز فتحتمل أن تكون بمعنى المهموز وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء أي أطعمه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلعله أجرى فيها الوصل مجرى الوقف ﴿ حَاشِرِينَ ﴾ يعني الشرطة أي جامعين للسحرة ﴿ وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ ﴾ قيل: هنا محذوف يدل عليه سياق الكلام وهو أنه بعث إلى السحرة ﴿ إِنَّ لَنَا لأَجْراً ﴾ من قرأه بهمزتين أإن فهو استفهام ومن قرأه بهمزة واحدة فيحتمل أن يكون خبراً أو استفهاماً حذفت منه الهمزة، والأجر هنا: الأجرة، طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، فأنعم لهم فرعون بها وزادهم التقريب منه والجاه عنده ﴿ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين ﴾ عطف على معنى نعم كأنه قال نعطيكم أجراً ونقربكم، واختلف في عدد السحرة اختلافاً متبايناً من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفاً وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل ﴿ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ﴾ خيروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يبدأوا هم بإلقاء سحرهم، فأمرهم أن يلقوا، وانظر كيف عبروا عن إلقاء المتمكنون فيه ﴿ واسترهبوهم ﴾ أي خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حقيق على ﴾ بالتشديد: نافع.

الباقون: بالتخفيف ﴿ معي ﴾ بفتح الياء حيث كان: حفص ﴿ أرجه ﴾ بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ أرجه ﴾ بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون ﴿ أرجهي ﴾ بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل ﴿ أرجئه ﴾ بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني ﴿ أرجئهو ﴾ بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ﴿ أرجئه ﴾ بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ سحار ﴾ بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس.

وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة.

البقون ﴿ ساحر ﴾ .

﴿ أن لنا ﴾ بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص.

﴿ أئن لنا ﴾ بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام.

يدخل بينهما مدة ﴿ آين لنا ﴾ المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد.

﴿ أين لنا ﴾ بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح.

الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل.

﴿ آمنتم ﴾ بهمزة واحدة ممدودة: حفص.

﴿ أأمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ فرعون وآمنتم ﴾ بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل ﴿ وآمنتم ﴾ بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل.

الوقوف: ﴿ فظلموا بها ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج وقف لمن قرأ ﴿ حقيق عليّ ﴾ بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل ﴿ حقيق ﴾ وصف الرسول و"على" بمعنى الباء ﴿ إلا الحق ﴾ ط ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ﴿ من أرضكم ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون ﴿ قاهرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب الأمر ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه ﴿ الملقين ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عصاك ﴾ ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ﴿ ما يأفكون ﴾ ه ﴿ وكذلك يعملون ﴾ ه ﴿ صاغرين ﴾ ه ج لمكان حروف العطف ﴿ ساجدين ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قالوا ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ العالمين ﴾ ه لا للبدر ﴿ هرون ﴾ ه ﴿ آذن لكم ﴾ ج للابتداء مع اتحاد القائل ﴿ أهلها ﴾ ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ منقلبون ﴾ ه للآية مع اتحاد المقول ﴿ جاءتنا ﴾ ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ﴿ المسلمين ﴾ ه.

التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى  .

وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء.

والضمير في قوله ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي.

﴿ فظلموا بها ﴾ أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها.

﴿ وانظر ﴾ أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ كيف فعلنا بهم؟

وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ﴾ أي إله قادر عليم حكيم.

وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ﴿ حقيق على أن لا أقول ﴾ من قرأ بالتشديد في ﴿ عليّ ﴾ و ﴿ حقيق ﴾ إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك.

تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً.

وأما قراءة العامة ﴿ حقيق علي أن لا أقول ﴾ مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط  ﴾ أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ ﴿ حقيق بأن لا أقول ﴾ أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق.

ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص.

ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع.

وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به.

وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله  ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها  ﴾ ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات.

فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق.

ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ أي بمعجزة قاهرة باهرة منه.

ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم.

وذلك أن يوسف  لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟

والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً.

وثانيهما: أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية ﴾ وقوله ﴿ فأت بها ﴾ كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟

وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك.

ثم إن فرعون لما طالب موسى  بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله  ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ﴾ ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات.

أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر.

روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك.

وهرب الناسوصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً.

والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء  ﴾ روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟

فقال: يدك.

ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى  آدم شديد الأدمة وقوله ﴿ للناظرين ﴾ يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب.

واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل.

والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة.

فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء.

قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً.

هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين.

قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة.

والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله  قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى  كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله  ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ ولا ينافي هذا ما حكاه الله  في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة.

والأظهر أن قوله ﴿ فماذا تأمرون ﴾ من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك.

قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز.

وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا.

﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز ﴿ مدائن ﴾ لأنه كصحائف.

وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن.

وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر.

وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ﴿ يأتوك بكلّ سحار ﴾ الباء بمعنى "مع" أو للتعدية.

قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم.

وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.

وقيل: سبعين ألفاً.

وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل.

وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى.

وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا  فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟

فأجيب ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ﴿ قال نعم ﴾ أي إن لكم أجراً ﴿ وإنكم لمن المقربين ﴾ أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم.

روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.

وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟

قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به.

وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم.

ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا ﴿ يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم ﴿ وإما أن نكون نحن ﴾ بالأمر أليق منه بالخبر.

وبدليل قوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد.

فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله  كان لا ينقص عددها علىالعشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده.

ثم بين السبب في الغلبة فقال ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون  ﴾ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة.

وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور.

قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم.

وقال الأنصار.

شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا.

وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله  بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة.

وبعث رسول الله  عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة.

وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك.

قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله  أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال  وتعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ .

قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.

وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره.

وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر.

وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.

ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي الذي عملوه أو عملهم ﴿ فغلبوا هنالك ﴾ أي حين التحدي ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته.

روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي.

قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة.

وفي قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين ﴾ دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله  الموجد للدواعي والقدر.

وقال الأخفش.

من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.

قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟

وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان.

قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون.

فلما قالوا ﴿ رب موسى ﴾ قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا ﴿ هارون ﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون.

وقيل:أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى.

وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً.

ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم.

أما الإنكار فذلك قوله ﴿ آمنتم له ﴾ من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار.

وفي قوله قبل ﴿ أن آذن لكم ﴾ دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين.

وأما الشبهة فقوله ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ﴾ أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل.

وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة  م أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟

فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد إجمالي وتفصيله ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي كل من شق طرفاً ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا.

فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون ﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض  ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله ﴿ وقومه ﴾ وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده.

وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ﴿ وما تنقم منا ﴾ قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ﴾ وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله  وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً.

فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله  وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف.

واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ، ﴿ وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ ، ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ ، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا ﴿ وأرسل في المدائن ﴾ وهناك ﴿ وابعث ﴾ فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره.

وإنما قال ههنا ﴿ آمنتم به ﴾ وفي طه والشعراء ﴿ آمنتم له ﴾ باللام لأن ضمير ﴿ به ﴾ في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد.

وقال ههنا ﴿ ثم لأصلبنكم ﴾ وفي السورتين ﴿ لأصلبنكم ﴾ لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه.

التأويل: ﴿ فظلموا بها ﴾ بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها ﴿ حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله ﴿ هي عصاي  ﴾ ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ﴿ ألقها يا موسى  ﴾ ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله  في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية.

﴿ قالوا أرجه وأخاه ﴾ توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم.

﴿ أئن لنا لأجر ﴾ لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية ﴿ قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾ أجرى الله  هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي ﴾ أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله  بالسجود والإيمان ﴿ بسحر عظيم ﴾ أي عظيم في الإثم كما قال ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس ﴿ فوقع الحق ﴾ بإثبات لا إله إلا الله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ من تزيين زخارف الدنيا في العيون ﴿ فغلبوا ﴾ أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية.

﴿ رب موسى ﴾ الروح ﴿ وهارون ﴾ القلب.

واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق.

وفي القصة دلالة على أنه  قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله ﴿ لمكر مكرتموه ﴾ في موافقة موسى الروح في مدينة القالب ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ هو اللذات والشهوات البدنية ﴿ لأقطعن ﴾ بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ﴿ ثم لأصلبنكم في جذوع ﴾ تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ثم بعثنا من بعد هلاك قرون كثيرة موسى رسولاً بآياتنا إلى فرعون وملئه، يحتمل قوله: ﴿ بِآيَٰتِنَآ ﴾ ، حججنا، ثم يحتمل حجج وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل آيات رسالته ونبوته، وعلى قول الحسن: بآياتنا: ديننا، وعلى ذلك يتناول جميع الآيات التي ذكرت في القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ ﴾ .

إن موسى كان مبعوثاً إليهم جميعاً إلى فرعون والملأ والأتباع جميعاً، لا أنه كان مبعوثاً إلى فرعون وملئه خاصة دون الأتباع، وكذلك ذكر في مكان آخر إلى فرعون خاصّة، وهو بعث إليهم جميعاً، لكن يخرج تخصيص ذكر هؤلاء القادة - والله أعلم - لما أن الذي ينازع الأنبياء والرسل هم الكبراء والرؤساء دون الأتباع والسفلة، والأتباع هم الذين يصدرون لآراء الكبراء، ويتبعونهم فيما يدعونهم إليه، وعلى ذلك سموا الكبراء والرؤساء أضداد الرسل، وإلا كان موسى مبعوثاً إليهم جميعاً؛ الوضيع منهم والرفيع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي: ظلموا بالآيات والحجج التي أتى [بها] موسى إلى فرعون وقومه، سمي ظلماً؛ لأنهم سموا تلك الآيات سحراً بعد ما عرفوا أنها منزلة من الله، فوضعوها غير موضعها، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه.

وقال قائلون: قوله: ﴿ فَظَلَمُواْ بِهَا ﴾ أي: ظلموا نعم الله التي أنعمها عليهم حيث عبدوا غيره، فصرفوا شكر تلك النعم إلى غير الذي أنعمها عليهم، فذلك ظلم، شكروا من لم ينعم عليهم وصرفوا عمن أنعم عليهم، والله أعلم.

ويحتمل: ظلموا الأتباع بتلك الآيات حيث منعوهم عن اتباع الرسول واستتبعوهم.

أو يقول: ظلموا بها أنفسهم حيث تركوا اتباعها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ ﴾ .

هذا الخطاب في الظاهر لرسول الله  وكان المراد بالخطاب غيره، أمر كلاً بالنظر في عاقبة المفسدين لما حل بهم بفسادهم؛ لأن من نظر في عاقبة ما حل بغيره بمعصية أو فساد يمتنع عن مثله، وأمكن أن يكون الخطاب لرسول الله  لوجهين: أحدهما: لما له بما حل بهم بعض التسلي لأذاهم إياه؛ لأن من توسم حلول الهلاك على عدوه في العاقبة صبر على أذاه، ويكون له بعض التسلي في ذلك [والثاني] يذكرهم وينبئهم بما يحل بهم في العاقبة؛ ليمتنعوا عما ارتكبوا من المعاصي؛ لأن ذلك أزجر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

فإن قيل: كيف قال إني رسول الله وذلك يخرج في الظاهر مخرج الامتداح والتزكية، وقد نهينا عن ذلك؛ لأنه أخبر [أنه] بمحل الذي توضع الرسالة فيه، وأنه أهل لها؟

قيل: ليس فيه امتداح نفسه ولا تزكية له؛ لأنه إنما يذكر منة الله  أنه جعله بحيث توضع فيه الرسالة، وجعله أهلاً لها والتزكية والامتداح إنما يقع فيما هو فعله حقيقة لا فعل الله، أو إن كان تزكية وامتداحاً فهو أمر بذلك، فجاز ذلك بالأمر.

أو أراد بذلك تعريفه؛ لما كان من عادة الملوك أنهم إذا بعث بعضهم إلى بعض رسولاً فإنهم لا يستقبلون الرسل بالمكروه والشر، بل يعظمون الرسل ويكرمونهم، وإن كان بينهم معاداة، فذكر أنه رسول من ربّ العالمين؛ لئلا يستقبل بالمكروه.

وقوله : ﴿ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قيل: العالم: هو جوهر الكل، وهو قول الفلاسفة.

وقال أبو بكر الأصم: رب العالمين، أي: مليك الخلائق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ .

قال أهل التأويل: إن موسى لما قال لفرعون [إني رسول من رب العالمين فقال له كذبت فعند ذلك قال له موسى ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ، وأمكن أن يكون ذلك منه على غير تكذيب القول من فرعون ولكنه قال ذلك؛ لما أنه] حقيق على كل أحد أكرمه الله بالرسالة واختاره لها ألا يقول على الله إلا الحق، أو أن يقول: إني رسول من ربّ العالمين حقيق على [بعد] ما أكرمني بالرسالة أن لا أقول على الله إلا الحق.

وقوله: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ : قد ذكرنا ألا يصح الابتداء بهذا إلا بعد أن يسبق من فرعون كلام خرج ذلك الكلام من موسى جواباً لما كان منه، وهو ما قال أهل التأويل: [أنه قال له: لما قال: إني رسول من رب العالمين إليك -: كذبت؛ لم يرسلك إلينا، وكلاماً نحو هذا؛ فعند ذلك قال: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ أي ما كان ينبغي لي أن أقول على الله الكذب وهو كما] قال عيسى: ﴿ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ  ﴾ ، لما قال له: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله كان ذلك القول من عيسى [بعد] ما ادعى قومه على عيسى أنه قال لهم ذلك، وكذلك قول الملائكة: ﴿ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ بعد ما قال لهم: ﴿ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ  ﴾ ، فعند ذلك قالوا: ﴿ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ  ﴾ ، خرج ذلك القول منهم جواب ما تقدم، فعلى ذلك قول موسى: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ ، خرج على تقدم قول كان منهم، والله أعلم.

ومن قرأ: ﴿ حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لاَّ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فتأويله: محقوق: على ألا أقول على الله إلا الحق، ومن قرأ بتشديد عليَّ فتأويله: حق عليّ ألا أقول على الله إلا الحق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ما يبيّن وحدانية الله  وألوهيته.

ويحتمل: ببينة الرسالة ما يبين أني رسول رب العالمين، غير كاذب عليه ولا مفتر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: لا تستعبدهم؛ فإنهم ليسوا بعبيد، لم يرد إرسالهم معه، ولكن طلب استنقاذهم من العبودة؛ كقوله: ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ .

دل قول فرعون: ﴿ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ ﴾ أن موسى أراد بقوله: ﴿ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ...

﴾ : الآية.

ودل قوله: ﴿ قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ أنه [لعنه الله] قد كان عرف أنه ليس بإله، وعرف عبودة نفسه حيث طلب منه الآية على صدق ما ادعى من الرسالة، ولو كان عنده أنه إله، لكان قال لموسى: أنا الإله فمتى أرسلتك، ولم يطلب منه الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ ﴾ .

قال أبو عوسجة الثعبان: الحيّة: قال: كل حيّة تسمى ثعباناً، والثعابين جماعة.

وعن ابن عباس -  - قال: الثعبان هي الحيّة الذكر.

وقوله: ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: مبين أنها حية، وهو كما ذكر: ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ  ﴾ .

﴿ مُّبِينٌ ﴾ : لا يشك أحد أنها ليست بحيّة، ويحتمل ﴿ مُّبِينٌ ﴾ أي: مبين أن ذلك التغيير والتحويل لا يكون إلا من الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ .

ذكر نزع يده ولم يذكر من ماذا، فهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ [أي: من غير أذى ولا آفة]، وقال أهل التأويل: من غير برص، ولكن عندنا: من غير سوء من غير أن تستقبح أو تستقذر؛ لأن خروج الشيء عن خلقته وجوهره مما يستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك.

فإن قيل لنا: ما الحكمة في إدخال يده جيبه على ما هي عليه وإخراجه إياها بيضاء من غير أن كانت كذلك قبل أن يدخلها، وكذلك صيرورة العصا [حية] بعد ما طرحها على الأرض دون أن تصير حية وهي في يده قبل ذلك؟

[قيل] - والله أعلم -: إنه إنما أراهم آيته بعد ما أخرج العصا عن سلطانه وتدبيره؛ ليعلم أنها إنما صارت لا بتدبيره وتغييره ولكن بالله عز وجل، وكذلك اليد صيرها آية بعدما غيبها عن بصره وتدبيره؛ ليعلم أنها صارت كذلك لا به ولكن بالله عز جل والآية: هي التي تخرج عن وسع الخلق وتدبيرهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقال في آية أخرى: ﴿ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ  ﴾ ، يحتمل أن يكون فرعون قال للملأ: إن هذا كذا، ثم قال الملأ لقومه: إن هذا لساحر عليم، أراد والله أعلم - تلبيس ما أتى به موسى من الآية على قومه، وأراد بقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ إغراء قومه عليه.

والسحر عندنا هو من آيات الرسالة ولو كان ما أتى [به] موسى سحراً كان ذلك من آيات رسالته ونبوته؛ لأنه لا يستفاد إلا بعلم من السماء وخبر منها، وكذلك هذه الحرف والمكاسب التي تكتسب في الخلق؛ لأنه لا يعلم إلا بالوحي من السماء، لكنه ليس بآية على الإشارة، ولو كان ما أتى به سحراً لكان له آية؛ لأن نشأ بين أظهرهم لم يروه اختلف إلى ساحر قط ولا عرفوا أنه تعلم ذلك من أحد، فدل ذلك أنه من الآية، لكنه أخرج ذلك عما عرفوا من السحر لما لا أحد يعرف أنه لم يختلف في ذلك، ولا تعلم من أحد، فأخرجه عن وسع السحرة وتدبيرهم؛ ليعرف كل أحد أنه [من] آيات رسالته ونبوته لا السحر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ .

كان موسى لا يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن - والله أعلم - كأنه قال فرعون لقومه: لو اتبعتم موسى وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه لأخرجتكم [من أرضكم] لكن أضاف ذلك إلى موسى لما كان هو سبب إخراجهم، والله أعلم.

أو يقول: يريد أن يذهب بعيشكم الطيب وراحتكم وتلذذكم بأنواع التلذذ؛ لأنهم كانوا يستعبدون بني إسرائيل، ويستخدمونهم، ويستريحون هم وينعمون، فيقول للقبط: يريد أن يذهب بذلك كله عنكم.

وجائز أن يكون موسى لم يكن يريد أن يخرجهم من أرضهم، ولكن يريد أن يخرجهم من دينهم الذي كانوا عليه، ولكنه كان يغري قومه عليه.

وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ .

دل هذا القول من فرعون أنه كان يعرف أنه ليس بإله ولا رب؛ لأنه لو كان ما يقول: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ لكان لا يطلب من قومه الأمر والإشارة في ذلك، دل ذلك أنه كان يعرف عجزه وضعفه؛ لكنه يكابر ويلبس على قومه ويموه بقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ ﴾ هذا الحرف حرف إغراء وتحريش عليه، وقوله: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ هو حرف تقريب حيث جعل إليهم الأمر والإشارة، وجعلهم من أهل مشورته.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .

هذا الحرف لا يقال ابتداء إلا أن يكون هنالك تقدم شيء؛ فكأنه هم بقتله؛ كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ فقالوا له: ﴿ أَرْجِهْ ﴾ ، أي: أخره واحبسه ولا تقتله ليتبين سحره عند الخلق جميعاً، كانوا يمنعون فرعون عن قتله.

ألا ترى أنه قال: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ  ﴾ لو لم يكن منهم منع عن قتله لم يكن ليقول لهم: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ .

قال القتبي: أرجه وأخاه هارون، يقول: احبسه، أي: أخّره، ومنه قوله: ترجي من تشاء، ومنه سميت المرجئة.

وقال ابن عباس -  -: ﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ ولا تقتلهما ﴿ وَأَرْسِلْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ ﴾ أي: أرسل إلى المدائن الشرط، يأتون من المدائن حاشرين، أي: يحشرون عليك السحرة والناس.

إلى هذا يذهب ابن عباس،  .

وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ لا تقتله حتى يأتوك بكل ساحر عليم، أي: ليجتمع كل أنواع السحر [عنده] ليتبيّن سحره، [وإلا كان ساحر واحد كافياً، ولكن أرادوا والله أعلم بقوله: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ليجتمع جميع أنواع السحر عنده لتبين سحره].

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يَأْتِكَ هؤلاء الذين أرسلتهم لجمع السحرة من المدائن بكل ساحر ماهر بالسحر قوي في صناعته.

<div class="verse-tafsir" id="91.mQ4a9"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله