الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١١٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١١٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال لهم موسى ، عليه السلام : ( ألقوا ) أي : أنتم أولا قبلي .
والحكمة في هذا - والله أعلم - ليرى الناس صنيعهم ويتأملوه ، فإذا فرغ من بهرجهم ومحالهم ، جاءهم الحق الواضح الجلي بعد تطلب له والانتظار منهم لمجيئه ، فيكون أوقع في النفوس .
وكذا كان .
ولهذا قال تعالى : ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ) أي : خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج ، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال ، كما قال تعالى : ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) [ طه : 66 : 69 ] .
قال سفيان بن عيينة : حدثنا أبو سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا .
قال : فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى .
وقال محمد بن إسحاق : صف خمسة عشر ألف ساحر ، مع كل ساحر حباله وعصيه ، وخرج موسى ، عليه السلام ، معه أخوه يتكئ على عصاه ، حتى أتى الجمع ، وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته ، ثم قال السحرة : ( يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم ) [ طه : 65 ، 66 ] فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون ، ثم أبصار الناس بعد ، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي فإذا حيات كأمثال الجبال ، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا .
وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ، ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ) يقول : فرقوهم أي : من الفرق .
وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، عن هشام الدستوائي ، حدثنا القاسم ابن أبي بزة قال : جمع فرعون سبعين ألف ساحر ، فألقوا سبعين ألف حبل ، وسبعين ألف عصا ، حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ; ولهذا قال تعالى : ( وجاءوا بسحر عظيم )
القول في تأويل قوله : قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال موسى للسحرة: (ألقوا) ما أنتم ملقون!
فألقت السحرة ما معهم، فلما ألقوا ذلك= " سحروا أعين الناس "، خيلوا إلى أعين الناس بما أحدثوا من التخييل والخُدَع أنها تسعى (37) " واسترهبوهم "، يقول: واسترهبوا الناس بما سحروا في أعينهم, حتى خافوا من العصيّ والحبال, ظنًّا منهم أنها حيات= " وجاءوا " كما قال الله، = " بسحر عظيم "، بتخييل عظيم كبير, من التخييل والخداع (38) .
وذلك كالذي: - 14938 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون!
فألقوا حبالهم وعصيهم!
وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل, ليس منهم رجل إلا معه حبل وعصا= " فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم " يقول: فرَّقوهم، (39) فأوجس في نفسه خيفة موسى.
14939 - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال: حدثنا أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: ألقوا حبالا غلاظًا طوالا وخشبًا طوالا قال: فأقبلت يخيَّل إليه من سحرهم أنها تسعى.
14940 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: صفّ خمسة عشر ألف ساحر, مع كل ساحر حباله وعصيه.
وخرج موسى معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمعَ، وفرعونُ في مجلسه مع أشراف مملكته, ثم قالت السحرة: يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه: 65-66].
(40) .
فكان أوّل ما اختطفوا بسحرهم بصرَ موسى وبصرَ فرعون, ثم أبصارَ الناس بعدُ.
ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من العصىّ والحبال, فإذا هي حيات كأمثال الجبال, (41) قد ملأت الوادي يركبُ بعضها بعضًا= فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ، [طه: 67]، وقال: والله إن كانت لعصيًّا في أيديهم, ولقد عادت حيات!
وما تعدو عصايَ هذه!
(42) أو كما حدّث نفسه.
(43) .
14941 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية , عن هشام الدستوائي قال، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر, وألقوا سبعينَ ألف حبل، وسبعين ألف عصًا, حتى جعل يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
----------------- الهوامش : (37) انظر تفسير (( السحر )9 فيما سلف ص : 19 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(38) انظر تفسير (( السحر )9 فيما سلف ص : 19 ، تعليق 2 ، والمراجع هناك .
(39) (( فرقوهم )) ( بتشديد الراء) ، أدخلوا عليهم الفرق ( بفتح الفاء والراء ) ، وهو الفزع .
(40) في المطبوعة والمخطوطة : (( كأمثال الحبال )) بالحاء ، والصواب من التاريخ .
(41) في المطبوعة والمخطوطة : (( كأمثال الحبال )) بالحاء ، والصواب من التاريخ .
(42) في المطبوعة والمخطوطة : (( وما تعدوا هذه )) بإسقاط (( عصأي )) ، أثبتها من التاريخ .
(43) الأثر : 14940 - وهو جزء من أثر طويل رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 210 ، 211 ، وهو تابع للأثر السالف رقم 14934 ، وبينهما فصل من كلام .
قال ألقوا قال الفراء : في الكلام حذف .
والمعنى : قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا آياته .
وهذا من معجز القرآن الذي لا يأتي مثله في كلام الناس ، ولا يقدرون عليه .
يأتي اللفظ اليسير بجمع المعاني الكثيرة .
وقيل : هو تهديد .
أي ابتدئوا بالإلقاء ، فسترون ما يحل بكم من الافتضاح ; إذ لا يجوز على موسى أن يأمرهم بالسحر .
وقيل : أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم .فلما ألقوا أي الحبال والعصي سحروا أعين الناس أي خيلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها ، بما يتخيل من التمويه الذي جرى مجرى الشعوذة وخفة اليد .
كما تقدم في " البقرة " بيانه .ومعنى عظيم أي عندهم ; لأنه كان كثيرا وليس بعظيم على الحقيقة .
قال ابن زيد : كان الاجتماع بالإسكندرية فبلغ ذنب الحية وراء البحيرة .
وقال غيره : وفتحت فاها فجعلت تلقف - أي تلتقم - ما ألقوا من حبالهم وعصيهم .
وقيل : كان ما ألقوا حبالا من أدم فيها زئبق فتحركت وقالوا هذه حيات .
فـ قَالَ موسى: أَلْقُوا لأجل أن يرى الناس ما معهم وما مع موسى.
فَلَمَّا أَلْقَوْا حبالهم وعصيهم، إذا هي من سحرهم كأنها حيات تسعى، فـ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لم يوجد له نظير من السحر.
( قال ) موسى بل ( ألقوا ) أنتم ، ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس ) أي : صرفوا أعينهم عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل ، وهذا هو السحر ، ( واسترهبوهم ) أي : أرهبوهم وأفزعوهم ، ( وجاءوا بسحر عظيم ) وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا .
وفي القصة أن الأرض كانت ميلا في ميل صارت حيات وأفاعي في أعين الناس .
«قال ألقوا» أمر للإذن بتقديم إلقائهم توصلا به إلى إظهار الحق «فلما ألقوا» حبالهم وعصيهم «سحروا أعين الناس» صرفوها عن حقيقة إدراكها «واسترهبوهم» خوفوهم حيث خيلوها حيات تسعى «وجاءوا بسحر عظيم».
قال موسى للسحرة: ألقوا أنتم، فلما ألقَوا الحبال والعصيَّ سحروا أعين الناس، فخُيِّل إلى الأبصار أن ما فعلوه حقيقة، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، وأرهبوا الناس إرهابًا شديدًا، وجاؤوا بسحر قوي كثير.
أما هنا فيحكى لنا القرآن أن موسى - عليه السلام - قد طلب منهم أن يلقوا أولا مستهينا بتحديهم له ، غير مبال بهم ولا بمن جمعهم ، لأنه قد اعتمد على خالقه ( قَالَ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) .أى : قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون أولا ، فلما ألقوا ما كان معهم من الحبال والعصى ( سحروا أَعْيُنَ الناس ) أى : خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة فى الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صنعة وخيال ، ولذا لم يقل - سبحانه - سحروا الناس .وقوله ( واسترهبوهم ) أى : خوفوهم وأفزعوهم بما فعلوا من السحر .
( وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) أى : فى باب السحر ، أو فى عين من رآه ، فإنه ألقى كل واحد منهم عصاه ، فصارت كأنها ثعابين .والتعبير بقوله - سبحانه - ( واسترهبوهم ) تعبير مصور بليغ ، فهو يوحى بأنهم استجاشوا وجدان الناس قسرا ، وساقوهم سوقا بوسائل مصطنعة مفتعلة لا تستند إلى واقع سليم .روى أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا ، فإذا حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادى يركب بعضها بعضا .وروى أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة .
قيل : جعلوا فيها الزئبق .وقال بعض العلماء : قيل إنها كانت عصيا مجوفة قد ملئت زئبقا ، وقد حفروا قبل ذلك تحت المواضع أسراباً ملؤها نارا ، فلما طرحت عليها العصى المجوفة المملوءة عليها العصى المجوفة المملوءة بالزئبق حركها ، لأن شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير ، فأخبر الله أن ذلك كان مموها على غير حقيقته .
فعلى هذا يكون سحرهم لأعين الناس عبارة عن هذه الحيلة الصناعية " .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء والكسائي: في باب أما وإما إذا كنت آمراً أو ناهياً أو مخبراً فهي مفتوحة وإذا كانت مشترطاً أو شاكاً أو مخيراً فهي مكسورة تقول في المفتوحة أما الله فاعبدوه وأما الخمر فلا تشربوها وأما زيد فقد خرج.
وأما النوع الثاني: فتقول: إذا كنت مشترطاً، إما تعطين زيداً فإنه يشكرك، قال الله تعالى: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحرب فَشَرّدْ ﴾ وتقول في الشك لا أدري من قام إما زيد وإما عمرو، وتقول في التخيير، لي بالكوفة دار فإما أن أسكنها، وإما أن أبيعها والفرق بين، أما إذا أتت للشك وبين أو، أنك إذا قلت جاءت زيد أو عمرو فقد يجوز أن تكون قد بنيت كلامك على اليقين ثم أدركك الشك فقلت أو عمرو فصار الشك فيهما جميعاً فأول الإسمين في أو يجوز أن يكون بحيث يحسن السكوت عليه ثم يعرض الشك فتستدرك بالاسم الآخر، ألا ترى أنك تقول: قام أخوك وتسكت، ثم تشك فتقول: أو أبوك، وإذا ذكرت إما فإنما تبني كلامك من أول الأمر على الشك وليس يجوز أن تقول ضربت إما عبد الله وتسكت وأما دخول ﴿ أَن ﴾ في قوله: ﴿ إِمَّا أَن تُلْقِىَ ﴾ وسقوطها من قوله: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ فقال الفراء: أدخل ﴿ أَن ﴾ في ﴿ إِمَّا ﴾ في هذه الآية لأنها في موضع أمر بالاختيار وهي في موضع نصب، كقول القائل: اختر ذا أو ذا، كأنهم قالوا اختر أن تلقي أو نلقي وقوله: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ ليس فيه أمر بالتخيير.
ألا ترى أن الأمر لا يصلح هاهنا، فلذلك لم يكن فيه أن والله أعلم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِمَّا أَن تُلْقِىَ ﴾ يريد عصاه ﴿ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ﴾ أي ما معنا من الحبال والعصي فمفعول الإلقاء محذوف وفي الآية دقيقة أخرى وهي أن القوم راعوا حسن الأدب حيث قدموا موسى عليه السلام في الذكر وقال أهل التصوف إنهم لما راعوا هذا الأدب لا جرم رزقهم الله تعالى الإيمان ببركة رعاية هذا الأدب ثم ذكروا ما يدل على رغبتهم في أن يكون ابتداء الإلقاء من جانبهم وهو قولهم: ﴿ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ﴾ لأنهم ذكروا الضمير المتصل وأكدوه بالضمير المنفصل وجعلوا الخبر معرفة لا نكرة.
واعلم أن القوم لما راعوا الأدب أولاً وأظهروا ما يدل عى رغبتهم في الابتداء بالإلقاء قال موسى عليه السلام: ﴿ ألقوا ما أنتم ملقون ﴾ وفيه سؤال: وهو أن إلقاءهم حبالهم وعصيهم معارضة للمعجزة بالسحر وذلك كفر والأمر بالكفر كفر، وحيث كان كذلك فكيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول ألقوا؟
والجواب عنه من وجوه: الأول: أنه عليه الصلاة والسلام إنما أمرهم بشرط أن يعلموا في فعلهم أن يكون حقاً فإذا لم يكن كذلك فلا أمر هناك كقول القائل منا لغيره اسقني الماء من الجرة فهذا الكلام إنما يكون أمراً بشرط حصول الماء في الجرة، فأما إذا لم يكن فيها ماء فلا أمر ألبتة كذلك هاهنا.
الثاني: أن القوم إنما جاؤوا لإلقاء تلك الحبال والعصي، وعلم موسى عليه السلام أنهم لابد وأن يفعلوا ذلك وإنما وقع التخيير في التقديم والتأخير، فعند ذلك أذن لهم في التقديم ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما وعده الله تعالى به من التأييد والقوة، وأن المعجزة لا يغلبها سحر أبداً.
الثالث: أنه عليه الصلاة والسلام كان يريد إبطال ما أتوا به من السحر، وإبطاله ما كان يمكن إلا بإقدامهم على إظهاره، فأذن لهم في الإتيان بذلك السحر ليمكنه الإقدام على إبطاله.
ومثاله أن من يريد سماع شبهة ملحد ليجيب عنها ويكشف عن ضعفها وسقوطها؛ يقول له هات، وقل، واذكرها، وبالغ في تقريرها، ومراده منه أنه إذا أجاب عنها بعد هذه المبالغة فإنه يظهر لكل أحد ضعفها وسقوطها، فكذا هاهنا، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس ﴾ واحتج به القائلون بأن السحر محض التمويه.
قال القاضي: لو كان السحر حقاً، لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم؟
فثبت أن المراد أنهم تخيلوا أحوالاً عجيبة مع أن الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه.
قال الواحدي: بل المراد سحروا أعين الناس، أي قلبوها عن صحة أدراكها بسبب تلك التمويهات، وقيل إنهم أتوا بالحبال والعصي ولطخوا تلك الحبال بالزئبق، وجعلوا الزئبق في دواخل تلك العصي، فلما أثر تسخين الشمس فيها تحركت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جداً، فالناس تخيلوا أنها تتحرك وتلتوي باختيارها وقدرتها.
وأما قوله: ﴿ واسترهبوهم ﴾ فالمعنى: أن العوام خافوا من حركات تلك الحبال والعصي.
قال المبرد: ﴿ استرهبوهم ﴾ أرهبوهم، والسين زائدة.
قال الزجاج: استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس، وذلك بأن بعثوا جماعة ينادون عند إلقاء ذلك: أيها الناس احذروا، فهذا هو الاسترهاب.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه خيل إلى موسى عليه السلام أن حبالهم وعصيهم حيات مثل عصا موسى، فأوحى الله عز وجل إليه ﴿ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ قال المحققون: إن هذا غير جائز، لأنه عليه السلام لما كان نبياً من عند الله تعالى كان على ثقة ويقين من أن القوم لم يغالبوه، وهو عالم بأن ما أتوا به على وجه المعارضة فهو من باب السحر والباطل، ومع هذا الجزم فإنه يمتنع حصول الخوف.
فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى ﴾ .
قلنا: ليس في الآية أن هذه الخيفة إنما حصلت لأجل هذا السبب، بل لعله عليه السلام خاف من وقوع التأخير في ظهور حجة موسى عليه السلام على سحرهم.
ثم إنه تعالى قال في صفة سحرهم: ﴿ وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ روي أن السحرة قالوا قد علمنا سحراً لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء، فإنه لا طاقة لنا به.
وروي أنهم كانوا ثمانين ألفاً.
وقيل: سبعين ألفاً.
وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.
واختلفت الروايات، فمن مقل ومن مكثر، وليس في الآية ما يدل على المقدار والكيفية والعدد.
ثم قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ يحتمل أن يكون المراد من هذا الوحي حقيقة الوحي.
وروى الواحدي عن ابن عباس: أنه قال: يريد وألهمنا موسى أن أَلْقِ عَصَاكَ.
ثم قال: ﴿ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: فيه حذف وإضمار والتقدير ﴿ فألقاها فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ ﴾ .
المسألة الثانية: قرأ حفص عن عاصم ﴿ تَلْقَفْ ﴾ ساكنة اللام خفيف القاف، والباقون بتشديد القاف مفتوحة اللام.
وروي عن ابن كثير ﴿ تَلْقَفْ ﴾ بتشديد القاف.
وعلى هذا الخلاف في طه والشعراء.
أما من خفف فقال ابن السكيت: اللقف مصدر لقفت الشيء ألقفه لقفاً إذا أخذته، فأكلته أو ابتلعته، ورجل لقف سريع الأخذ، وقال اللحياني: ومثله ثقف يثقف ثقاً وثقيف كلقيف بين الثقافة واللقافة، وأما القراءة بالتشديد فهو من تلقف يتلقف، وأما قراءة بن كثير فأصلها تتلقف أدغم إحدى التاءين في الأخرى.
المسألة الثالثة: قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فكها فكان ما بين فكيها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصا كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً.
واعلم أن هذا مما يدل على وجود الإله القادر المختار وعلى المعجز العظيم لموسى عليه السلام، وذلك لأن ذلك الثعبان العظيم لما ابتلعت تلك الحبال والعصي مع كثرتها ثم صارت عصا كما كانت فهذا يدل على أنه تعالى أعدم أجسام تلك الحبال والعصي، أو على أنه تعالى فرق بين تلك الأجزاء وجعلها ذرات غير محسوسة وأذهبها في الهواء بحيث لا يحس بذهابها وتفرقها وعلى كلا التقديرين، فلا يقدر على هذه الحالة أحد إلا الله سبحانه وتعالى.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ فيه وجهان: الأول: معنى الإفك في اللغة قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذب إفك لأنه مقلوب عن وجهه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ يريد يكذبون، والمعنى: أن العصا تلقف ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه وعلى هذ التقدير فلفظة ﴿ مَا ﴾ موصوله والثاني: أن يكون ﴿ مَا ﴾ مصدرية، والتقدير: فإذا هي تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك.
ثم قال تعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحق ﴾ قال مجاهد والحسن: ظهر.
وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.
قال أهل المعاني: الوقوع: ظهور الشيء بوجوده نازلاً إلى مستقره، وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا لوكان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، فلما فقدت ثبت أن ذلك إنما حصل بخلق الله سبحانه وتعالى وتقديره، لا لأجل السحر، فهذا هو الذي لأجله تميز المعجز عن السحر.
قال القاضي قوله: ﴿ فَوَقَعَ الحق ﴾ يفيد قوة الثبوت والظهور بحيث لا يصح فيه البطلان كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.
فإن قيل: قوله: ﴿ فَوَقَعَ الحق ﴾ يدل على قوة هذا الظهور، فكان قوله: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ تكريراً من غير فائدة!
قلنا: المراد أن مع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي، فعند ذلك ظهرت الغلبة، فلهذا قال تعالى: ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ ﴾ لأنه لا غلبة أظهر من ذلك ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله وحجته، على وجه لا يمكن فيه حيلة ولا شبهة أصلاً قال الواحدي: لفظة ﴿ مَا ﴾ في قوله: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ يجوز أن تكون بمعنى الذي فيكون المعنى بطل الحبال والعصي الذي عملوا به السحر أي زال وذهب بفقدانها ويجوز أن تكون بمعنى المصدر كأنه قيل بطل عملهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين، قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع.
وقولهم: ﴿ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ﴾ فيه ما يدلّ على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل، وقد سوّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم.
وثقة بما كان بصدده من التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً ﴿ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس ﴾ أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، كقوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ﴾ [طه: 66] .
روي: أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فإذا هي أمثال الحيات، قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضاً ﴿ واسترهبوهم ﴾ وأرهبوهم إرهاباً شديداً، كأنهم استدعوا رهبتهم ﴿ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ في باب السحر.
روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة.
قيل: جعلوا فيها الزئبق ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ ما موصولة أو مصدرية، بمعنى: ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه تسمية للمأفوك بالإفك روي أنها لما تلقفت ملئ الوادي من الخشب والحبال رفعها موسى.
أوإفكهم فرجعت عصى كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرّقها أجزاء لطيفة قالت للسحرة: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ﴿ فَوَقَعَ الحق ﴾ فحصل وثبت.
ومن بدع التفاسير: فوقع قلوبهم، أي فأثر فيها من قولهم.
قاس وقيع ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ وصاروا أذلاء مبهوتين ﴿ وَأُلْقِىَ السحرة ﴾ وخرّوا سجداً: كأنما ألقاهم ملق لشدّة خرورهم.
وقيل: لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا.
وعن قتادة: كانوا أول النهار كفاراً سحرة؛ وفي آخره شهداء بررة.
وعن الحسن: تراه ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا، وكذا، وهؤلاء كفار نشأوا في الكفر، بذلوا أنفسهم لله.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ ﴾ خَيَّرُوا مُوسى مُراعاةً لِلْأدَبِ أوْ إظْهارًا لِلْجَلادَةِ، ولَكِنْ كانَتْ رَغْبَتُهم في أنْ يُلْقُوا قَبْلَهُ فَنَبَّهُوا عَلَيْها بِتَغْيِيرِ النُّظُمِ إلى ما هو أبْلَغُ وتَعْرِيفُ الخَبَرِ وتَوْسِيطُ الفَصْلِ أوْ تَأْكِيدُ ضَمِيرِهِمُ المُتَّصِلِ بِالمُنْفَصِلِ فَلِذَلِكَ: قالَ ﴿ بَلْ ألْقُوا ﴾ كَرَمًا وتَسامُحًا، أوِ ازْدِراءً بِهِمْ ووُثُوقًا عَلى شَأْنِهِ.
﴿ فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْها ما الحَقِيقَةُ بِخِلافِهِ.
﴿ واسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ وأرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهم طَلَبُوا رَهْبَتَهم.
﴿ وَجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ في فَنِّهِ.
رُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طُوالًا كَأنَّها حَيّاتٌ مَلَأتِ الوادِي، ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا.
<div class="verse-tafsir"
{قال} لهم موسى {أَلْقَوْاْ} تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه كما يفعل المناظرون قبل أن يتحاوروا فى الجدال وقد سوغ لهم موسى ما رغبوا فيه ازدراء لشأنهم وقلة مبالاة بهم واعمادا على أن المعجزة لن يغلبها سحرا أبدا {ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس} أروها بالحيل
والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه روي أنهم القوا سحروا أعين الناس اروها بالحبل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه روي أنهم القوه حبالا غلاظا وحشبا طوالا فإذا هى امثال الحيات قد ملت الأرض وركب بعضها بعضاً {واسترهبوهم} وأرهبوهم إرهاباً شديدا كانهم استدعوا رهبتهم بالحيلة {وجاؤوا بسحر عظيم} فى
الأعراف ١١١ ١١٨ باب السحر أو في عين من رآه
﴿ قالَ ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -وُثُوقًا بِشَأْنِهِ وتَحْقِيرًا لَهم وعَدَمِ مُبالاةٍ بِهِمْ-: ﴿ ألْقُوا ﴾ أنْتُمْ ما تُلْقُونَ أوَّلًا، وبِما ذَكَرْنا يُعْلَمُ جَوابُ ما يُقالُ: إنَّ إلْقاءَهم مُعارَضَةٌ لِلْمُعْجِزَةِ بِالسِّحْرِ وهي كُفْرٌ، والأمْرُ بِهِ مِثْلُهُ.
فَكَيْفَ أمَرَهم وهو هُوَ؟
وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، وإنَّما وقَعَ التَّخْيِيرُ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ أوَّلَ مَن ألْقى ﴾ فَجَوَّزَ لَهُمُ التَّقْدِيمَ لا لِإباحَةِ فِعْلِهِمْ بَلْ لِتَحْقِيرِهِمْ، ولَيْسَ هُناكَ دَلالَةٌ عَلى الرِّضا بِتِلْكَ المُعارَضَةِ، وقَدْ يُقالُ أيْضًا: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أذِنَ لَهم لِيُبْطِلَ سِحْرَهُمْ، فَهو إبْطالٌ لِلْكُفْرِ بِالآخِرَةِ وتَحْقِيقٌ لِمُعْجِزَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما جاءَ في بَعْضِ الآثارِ مِن أنَّهم لَمّا قالُوا سَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُنادِيًا يَقُولُ: بَلْ ألْقُوا أنْتُمْ يا أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِن ذَلِكَ حَتّى أُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ذَلِكَ، ﴿ فَلَمّا ألْقَوْا ﴾ ما ألْقَوْا وكانَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصًا ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْها ما الحَقِيقَةُ بِخِلافِهِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ سَحَرُوا النّاسَ.
فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى ﴾ ﴿ واسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ أيْ: أرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهم طَلَبُوا إرْهابَهم ﴿ وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ في بابِهِ.
يُرْوى أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخَشَبًا طِوالًا فَإذا حَيّاتٌ كَأمْثالِ الجِبالِ قَدْ مَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا.
وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الأرْضَ كانَ سِعَتُها مِيلًا في مِيلٍ وقَدِ امْتَلَأتْ مِنَ الحَيّاتِ والأفاعِي، ويُقالُ: إنَّهم طَلَوْا تِلْكَ الحِبالَ بِالزِّئْبَقِ ولَوَّنُوها وجَعَلُوا داخِلَ العِصِيِّ زِئْبَقًا أيْضًا وألْقَوْها عَلى الأرْضِ، فَلَمّا أثَّرَ حَرُّ الشَّمْسِ فِيها تَحَرَّكَتْ والتَوى بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حَتّى تَخَيَّلَ لِلنّاسِ أنَّها حَيّاتٌ.
واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ كالمُعْتَزِلَةِ إنَّ السِّحْرَ لا حَقِيقَةَ لَهُ وإنَّما هُوَ: مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ، وفِيهِ أنَّهم إنْ أرادُوا أنَّ ما وقَعَ في القِصَّةِ مِنَ السَّحَرِ كانَ كَذَلِكَ فَمُسَلَّمٌ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنْ أرادُوا أنَّ كُلَّ سِحْرٍ تَخْيِيلٌ فَمَمْنُوعٌ، والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ، والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ السِّحْرَ أقْسامٌ، وأنَّ مِنهُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ ومِنهُ ما لَهُ حَقِيقَةٌ كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ سِحْرُ اللَّعِينِ لَبِيدِ بْنِ الأعْصَمِ اليَهُودِيِّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وسِحْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حِينَ ذَهَبَ لِيَخْرِصَ تَمْرَهم.
وذَكَرُوا أنَّهُ قَدْ يَصِلُ السِّحْرُ إلى حَدِّ المَشْيِ عَلى الماءِ والطَّيَرانِ في الهَواءِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَرَتُّبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَرَتُّبِ الشِّبَعِ عَلى الأكْلِ والرِّيِّ عَلى الشُّرْبِ والإحْراقِ عَلى النّارِ، والفاعِلُ الحَقِيقِيُّ في كُلِّ ذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى.
نَعَمْ قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السِّحْرِ ما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ إنْزالِ الجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ وفَلْقِ الحَجَرِ وقَلْبِ العَصا وإحْياءِ المَوْتى وإنْطاقِ العَجْماءِ، وأمْثالِ ذَلِكَ مِن آياتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ومَن أنْكَرَ حَقِيقَتَهُ اسْتَدَلَّ بِلُزُومِ الِالتِباسِ بِالمُعْجِزَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ الفَرْقَ مِثْلُ الصُّبْحِ ظاهِرٌ.
<div class="verse-tafsir"
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ يعني: أو لم يبين.
قال القتبي: أصل الهدى الإرشاد كقوله: عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي يعني: يرشدني.
ثم يصير الإرشاد لمعان منها إرشاد بيان مثل قوله أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يعني: أو لم يبيِّن لهم.
ومنها إرشادٌ بمعنى بالدعاء كقوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: 7] يعني: نبياً يدعوهم وقوله: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [الأنبياء: 73] أي يدعون الخلق.
وقرأ بعضهم أو لم نهد بالنون يعني: أو لم نبين لهم الطريق.
ومن قرأ بالياء معناه: أو لم يبين الله للذين يرثون الأرض من بعد أهلها يعني: ينزلون الأرض مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها.
ويقول أو نبيّن لأهل مكة هلاك الأمم الخالية كيف أهلكناهم ولم يقدر معبودهم على نصرتهم.
أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يعني: أهلكناهم بذنوبهم كما أهلكنا من كان قبلهم عند التكذيب.
ثم قال: وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: نختم على قلوبهم بأعمالهم الخبيثة عقوبة لهم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ الحق ولا يقبلون المواعظ.
ثم قال عز وجل: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها، نخبرك في القرآن من حديثها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني: بالعلامات الواضحة، والبراهين القاطعة، التي لو اعتبروا بها لاهتدوا.
فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ يعني: إن أهل مكة لم يصدقوا بما كذب به الأمم الخالية.
وقال مجاهد: فما كانوا ليؤمنوا بعد العذاب بما كذبوا من قبل وهذا مثل قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] وقال السدي: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي يوم الميثاق فما كانوا ليؤمنوا في دار الدنيا بما كذبوا من قبل يوم الميثاق وأقروا به.
وهو قوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [الأعراف: 172] ثم في الدنيا ما وجدناهم على ذلك الإقرار.
ويقال: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا عند مجيء الرسل بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ مجيء الرسل معناه أن مجيء الرسل لم ينفعهم.
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يعني: هكذا يختم الله تعالى عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ مجازاة لكفرهم.
قوله تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ مِنْ زيادة للصلة يعني: ما وجدنا لأكثرهم وفاءً فيما أمروا به يعني: الذين كذبوا من الأمم الخالية.
ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ لأنهم أقروا يوم الميثاق، ثم نقضوا العهد حيث كفروا.
ويقال: مَا وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ أي قبول العهد الذي عاهدوا على لسان الرسل.
ثم قال: وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ يعني: وقد وجدنا أكثرهم لناقضين العهد، تاركين لما أمروا به.
قوله تعالى ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى يعني: أرسلنا من بعد الرسل الذين ذكرهم في هذه السورة.
ويقال: ثم بعثنا من بعد هلاكهم موسى وهو موسى بن عمران بِآياتِنا يعني: اليد البيضاء والعصا إِلى فِرْعَوْنَ وهو ملك مصر واسمه الوليد بن مصعب.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: كان فرعون في وقت يوسف فعاش إلى وقت موسى عليهما السلام.
فبعث الله تعالى إليه موسى ليأخذ عليه الحجة.
وأنكر عليه ذلك عامة المفسرين.
وقالوا هو كان غيره، وكان جباراً، ظهر بمصر واستولى عليها، وأرسل الله تعالى إليه موسى فذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني: جنوده وأتباعه فَظَلَمُوا بِها يعني: فجحدوا بالآيات فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني: كيف صار آخر أمر المشركين.
وقال ابن عباس- ما-: أول الآيات العصا فضرب بها موسى باب فرعون، ففزع منها فرعون، فشاب رأسه، فاستحيا فخضب بالسواد، فأول من خضب بالسواد فرعون.
قال ابن عباس: كان طول العصا عشرة أذرع على طول موسى، وكانت من آس الجنة يضرب بها الأرض فتخرج النبات، فلما دخل عليه مع هارون وَقالَ له مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك قال له فرعون: كذبت.
قال موسى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قرأ نافع حقيق علي بالتشديد.
وقرأ الباقون بتخفيف على.
فمن قرأ بالتخفيف فمعناه واجب علي أن لا أقول، أي: واجب أن أترك القول على الله إلا الحق.
ومن قرأ بالتشديد معناه: واجب علي ترك القول على الله إلا الحق.
أي لا أقول على الله إلا الحق فلما كذبوه قال: إني لا أقول بغير حجة وبرهان قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني: قد جئتكم بعلامة لنبوتي فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولا تستعبدهم، لأن فرعون كان قد استعبد بني إسرائيل واتخذهم في الأعمال سخرة ف قالَ له فرعون: إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي بعلامة لنبوتك فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ بأنك رسول الله فَأَلْقى موسى عَصاهُ يعني: ألقى موسى عَصَاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ وهي أعظم الحيات، ويقال الثعبان الحية الذكر الصفراء الشقراء ويقال صارت حية من أعظم الحيات رأسها مع شرف قصر فرعون، ففتحت فاها نحو فرعون، وكان فرعون على سريره فوثب فرعون عن سريره، وهرب منها، وهرب الناس، وصاحوا إلى موسى، ونادى فرعون يا موسى خذها عني فأخذها، فإذا هي عصا بيضاء بيده كما كانت، وجعل الناس يضحكون مما يصنع موسى.
ومعنى قوله: ثُعْبانٌ مُبِينٌ يعني: أنها حية تسعى لا لبس فيها.
فقال له فرعون: هل معك غير هذا؟
فقال: نعم وَنَزَعَ يَدَهُ يعني: أخرج يده أخرجها من جيبه كما قال في آية أخرى وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل: 12] يعني: من غير برص فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ يعني: لها شعاع غلب على نور الشمس.
ومعنى قوله: لِلنَّاظِرِينَ يعني: يتعجب ويتحير منها الناظرون.
ويقال: إن البياض من غير برص.
لأن الناس يكرهون النظر إلى الأبرص، فأخبر أن ذلك بياض ينظرون إليه من غير سوء.
ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فصارت كما كانت.
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ يعني: الأشراف والرؤساء.
قال مقاتل: إن فرعون قال بهذه المقالة فصدقه قومه كما قال في سورة الشعراء: قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: 34] يعني: حاذق بالسحر.
ثم قال لقومه: إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ تصديقاً لقوله: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ يعني: من أرض مصر.
فقال لهم فرعون: فَماذا تَأْمُرُونَ يعني: أي فماذا تشيرون في أمره؟
ويقال: إن بعضهم قال لبعض فماذا تأمرون؟
أي ماذا ترون في أمره قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ يعني: احبسهما ولا تقتلهما.
وأصله في اللغة التأخير أي أخر أمرهما حتى تجتمع السحرة فيغلبوهما.
فإنك إن قتلتهما قبل أن يظهر حالهما يظن الناس أنهما صادقان.
فإذا تبين كذبهما عند الناس فاقتلهما حينئذٍ.
فذلك قوله: أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ أي: ابعث فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني: الشرط يحشرون الناس إليكم أي: يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أي: حاذق بالسحر قرأ ابن كثير أرجئهوا بالهمزة والواو بعد الهاء.
وقرأ الكسائي أرجهي إلا أنه بكسر الهاء ولا يتبع الياء.
وقرأ أبو عمر وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر في إحدى الروايتين أرجئه بالهمز بغير مد والضمة.
وهذه اللغات كلها مروية عن العرب.
وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي بكل سَحَّار عليم على وجه المبالغة في السحر.
وقرأ الباقون بكل ساحر وهكذا في يونس واتفقوا في الشعراء.
قوله تعالى: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً يعني: قالوا لفرعون أتعطينا جعلاً ومالاً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى قالَ لهم فرعون نَعَمْ لكم الجعل وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ يعني: لكم المنزلة به سوى العطية يعني: إنكم تكونون أول من يدخل علي بالسلام قرأ أبو عمرو آينَّ لنا لأجْراً بمد الألف.
وقرأ عاصم في رواية حفص إن بهمزة واحدة بغير ياء وقرأ الباقون بهمزتين وقرأ ابن كثير ونافع إنَّ لَنَا بهمزة واحدة بغير ياء.
وقرأ عاصم وحمزة والكسائي أإن لنا بهمزتين فلما اجتمع السحرة وغدوا للخروج يوماً وأعلن الناس بخروجهم ليجتمعوا عند سحرهم كما قال في آية أخرى: قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ [طه: 59] أي: يوم عيد كان لهم ويقال: يوم النيروز.
فلما اجتمعت السحرة قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يعني: إما أن تطرح عصاك على الأرض وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نحن الملقين قبلك.
قالَ لهم موسى أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا يعني: السحرة ألقوا الحبال والعصي سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي أخذوا أعينهم بالسحر وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: طلبوا رهبتهم حتى رهبهم الناس.
قال الكلبي: كانت السحرة سبعين فألقوا سبعين عصا وسبعين حبلاً.
وقال بعضهم: كانوا اثنين وسبعين حبلاً.
وروى أسباط عن السدي قال: قال ابن عباس كانوا بضعاً وثلاثين ألفاً.
وقال محمد بن إسحاق: كانوا ألف رجل وخمسمائة رجل ومع كل واحد منهم عصا: وقد كانوا خاطوا الحبال وجعلوها مموهة بالرصاص وحشوها بالزئبق حتى إذا ألقوها تحركت كأنها حيات، لأن الزئبق لا يستقر في مكان واحد، فلما طلعت عليه الشمس صارت شبيهاً بالحيات فنظر موسى فإذا الوادي قد امتلأ بالحيات، فدخل فيه الخوف، ونظر الناس إلى ذلك فخافوا من كثرة الحيات.
فذلك قوله: وَاسْتَرْهَبُوهُمْ يعني: أفزعوهم وأخافوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بسحر تام.
ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ يعني: بقول عظِيمٌ حيث قالوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ [الشعراء: 44] ويقال: وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ حيث قالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون.
قال الله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، روي أن موسى قَلِقَ به، وبمجاورته فرعون، فقال لأعوانِهِ: خذوه، فألقى موسَى العصا، فصارَتْ ثعباناً، وهمَّت بفرعون، فَهَرَبَ منْها.
وقَالَ السّديُّ: إِنه أَحَدَث، وقال: يا موسى كُفَّهُ عني «١» ، فَكفَّه، وقال نحوه سعيدُ بنُ «٢» جبير، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لَحْيَيْهِ في الأرض وأعلاهما في أعلى شرفات القصر.
والثعبان: الحَيَّة الذَّكَر/ وهو أهولُ وأجَرأُ قاله الضحاك «٣» ، وقال قتادة:
صارَتْ حَيَّةً أشْعَرَ ذَكَراً «٤» ، وقال ابن عباس: غرزَتْ ذَنَبها في الأرض، ورفَعَتْ صدْرَها إِلى فرعون، وقوله: مُبِينٌ معناه: لا تَخْييلَ فيه، بل هو بَيِّن إنه ثعبانٌ حقيقة، وَنَزَعَ يَدَهُ: معناه: مِنْ جيبه، أو من كُمِّه حسب الخلافِ في ذلك.
وقوله: فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ، قال مجاهد: كاللبن أَو أَشَدَّ بياضاً «٥» ، وروي أنها كانت تظهر منيرةً شفَّافةً كالشَّمْس تأْتَلِقُ، وكان موسى عليه السلام آدَمَ أَحْمَرَ إِلى السوادِ، ثم كان يَرُدُّ يده، فترجع إِلى لون بَدَنِهِ.
قال ع «٦» : فهاتان الآيتان عرضهما عليه السلام للمعارَضَة، ودعا إلى اللَّه بهما، وخَرَق العادة بهما.
ت: وظاهر الآية كما قال، وليس في الآية ما يَدُلُّ على أنه أراد بإلقاء العصا الانتصار والتخويفَ كما يعطيه ما تقدَّم ذكْرُهُ من القصص.
قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
وقوله عز وجل: قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ لا محالةَ أنهم خافوا أمْرَ موسى، وجالَتْ ظنونهم كُلَّ مجالٍ، وقوله: فَماذا تَأْمُرُونَ الظاهرُ أنه من كلام المَلإ بعضِهِمْ لبعض، وقيل: إنه من كلام فرعونَ لهم، وَرَوى كَرْدم عَنْ نافعٍ: تَأْمُرُونَ «١» بكسر النون وكذلك في «الشعراء» [الشعراء: ٣٥] .
و «ما» : استفهامُ، و «ذَا» : بمعنى الَّذي، فهما ابتداءٌ وخبرٌ، وفي «تأمرون» : ضميرٌ عائدٌ على الذي، تقديرُهُ: تَأْمُرونَ به، ويجوز أنْ تجعل «مَاذَا» بمنزلةِ اسم واحدٍ في موضع نصب ب «تأمرون» ولا يضمر فيه على هذا، وقوله: قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ أشار المَلأُ على فرعونَ بأن يؤخِّر موسى وهارون، وَيَدَعَ النظر في أمرهما، وَيَجْمَعَ السحرةَ، وحكَى النَّقَّاش أنه لم يكن يجالسُ فرعونَ وَلَدُ غِيَّةٍ، وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإِرجاء، ولم يشيروا بالقَتْل، وقالوا: إنْ قتلته، دخلَتْ على الناسِ شُبْهَةٌ، ولكنِ اغلبه بالحجة «٢» .
وقوله سبحانه: وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ: «الأَجر» هنا: الأجْرَةُ.
واختلف الناسُ في عدد السَّحَرة على أقوالٍ كثيرةٍ ليس لها سَنَدٌ يوقَفُ عنده «٣» ، والحاصلُ من ذلك أنهم جَمْعٌ عظيم، وقوله تعالى: قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ، وخيَّر السحرةُ موسى في أن يتقدَّم في الإِلقاء أو يتأخَّر، وهذا فعْلُ المُدِلِّ الواثقِ بِنَفْسِهِ، والظاهرُ أنَّ التقدُّم في التخْييلاتِ وَالمَخَارِيقِ أنْجَحُ لأنَّ بديهتها تمضِي بالنفُوس، فليظهر اللَّه أمر نبوَّة موسَى، قوى نفسه ويقينه، وِوَثقَ بالحَقِّ، فأعطاهم التقدُّم، فَنَشَطُوا وَسُرُّوا حتَّى أظهر الله الحق،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، ثُمَّ أخْرَجَها، فَإذا هي تَبْرُقُ مِثْلَ البَرْقِ، لَها شُعاعٌ غَلَبَ نُورَ الشَّمْسِ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ؛ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ فَصارَتْ كَما كانَتْ.
قالَ مُجاهِدٌ: بَيْضاءُ مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الَّذِي تُشِيرُونَ بِهِ عَلَيَّ؟
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، وأنَّ كَلامَ المَلَإ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ مِن أرْضِكُمْ ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلَإ، كَأنَّهم خاطَبُوا فِرْعَوْنَ ومَن يَخُصُّهُ، أوْ خاطَبُوهُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَلرَّئِيسِ: المُطاعُ ماذا تَرَوْنَ؟
قَوْلُهُ تَعالى: أُرْجِئُهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "أرْجِهْؤُ" مَهْمُوزٌ بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ في اللَّفْظِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ يَضُمُّ الهاءَ ضَمَّةً، مِن غَيْرِ أنْ يُبَلِّغَ بِها الواوَ؛ وكانا يَهْمِزانِ: (مُرْجَؤْنَ)[التَّوْبَةِ:١٠٦] و(تُرْجِئُ)[الأحْزابِ:٥١] .
وَقَرَأ قالُوا والمُسَيِّبِي عَنْ نافِعٍ "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ولا يَبْلُغُ بِها الياءَ، ولا يَهْمِزُ.
ورَوى عَنْهُ ورَشٌ: "أرْجِهِي" يَصِلُها بِياءٍ، ولا يَهْمِزُ بَيْنَ الجِيمِ والهاءِ.
وكَذَلِكَ قالَ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرَ عَنْ نافِعٍ؛ وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "أرْجِهْ" ساكِنَةَ الهاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ عاصِمٌ في غَيْرِ رِوايَةِ المُفَضَّلِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ المُفَضَّلُ كَسْرَ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ ولا هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرَ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ (الشُّعَراءِ:٣٦) .
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرِّجْهُ: أخِّرْهُ؛ وقَدْ يَهْمِزُ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الشَّيْءَ، وأرْجَيْتُهُ.
ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: بَنُو أسَدٍ تَقُولُ: أرَجِيتُ الأمْرَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ عامَّةُ قِيسٍ؛ وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ يَقُولُونَ: أرْجَأتُ الأمْرَ، بِالهَمْزِ، والقُرّاءُ مُولَعُونَ بِهَمْزِها، وتَرْكُ الهَمْزِ أجْوَدُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسِلْ في المَدائِنِ ﴾ يَعْنِي مَدائِنَ مِصْرَ، (حاشِرِينَ) أيْ: مَن يَحْشُرُ السَّحَرَةَ إلَيْكَ ويَجْمَعُهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الشُّرْطُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: (ساحِرٌ) وفي (يُونُسَ:٧٩): (بِكُلِّ ساحِرٍ)؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سَحّارٍ) في المَوْضِعَيْنِ؛ ولا خِلافَ في (الشُّعَراءِ:٣٧) أنَّها: (سَحّارٌ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ مَكْسُورَةَ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، وفي (الشُّعَراءِ:٤١) (آَيَنَ) مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألِفِ، غَيْرَ أنَّ حَفْصًا رَوى عَنْ عاصِمٍ في (الشُّعَراءِ:٤١): (أإنْ) بِهَمْزَتَيْنِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (آَيِنَ لَنا) مَمْدُودَةً في السُّورَتَيْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِهَمْزَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الِاسْتِفْهامُ أشْبَهُ بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ، وإنَّما اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ أيْ: ولَكم مَعَ الأجْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ عِنْدِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَشَّوْا أعْيُنَ النّاسِ وأخَذُوها.
(واسْتَرْهَبُوهُمْ) أيْ: خَوَّفُوهم.
وقالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهم حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هي تَلْقَفُ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ: تَلَقُّف ساكِنَةَ اللّامِ، خَفِيفَةَ القافِ هاهُنا وفي (طه:٦٩)، و(الشُّعَراءِ:٤٥) .
ورَوى البَزِّيُّ، وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (تَلَقَّفَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ.
قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: لَقَفْتُ الشَّيْءَ، فَأنا ألْقُفَهُ لَقْفًا ولُقْفانًا؛ والمَعْنى: تَبْتَلِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ أيْ: يَكْذِبُونَ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّها حَيّاتٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبانَ.
﴿ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ السِّحْرِ.
الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ عَلى ثَلاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا.
أحَدُها: اثْنانِ وسَبْعُونَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: اثْنانِ وسَبْعُونَ ألْفًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: سَبْعُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والرّابِعُ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ كَعْبٌ.
والخامِسُ: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ عَطاءٌ، وَكَذَلِكَ قالَ وهْبٌ في رِوايَةٍ، ألا أنَّهُ قالَ: فاخْتارَ مِنهم سَبْعَةَ آَلافٍ.
والسّادِسُ: سَبْعُمِائَةٍ.
ورَوى عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَدَدُ السَّحَرَةِ الَّذِينَ عارَضُوا مُوسى سَبْعِينَ ألْفًا، مُتَخَيِّرِينَ مِن سَبْعِمِائَةِ ألْفٍ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ اخْتارَ مِنَ السَّبْعِينَ الألْفَ سَبْعَمِائَةٍ.
والسّابِعُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّامِنُ: تِسْعُمِائَةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والتّاسِعُ: ثَمانُونَ ألْفًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.
والعاشِرُ: بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والحادِي عَشَرَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والثّانِي عَشَرَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
والثّالِثَ عَشَرَ: أرْبَعُمِائَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.
فَأمّا أسْماءُ رُؤَسائِهِمْ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: رُؤُوسُ السَّحَرَةِ سانُورُ، وعاذُورُ، وحَطْحَطُ، ومُصَفّى، وهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا، كَذا حَكاهُ ابْنُ ماكُولا.
ورَأيْتُ عَنْ غَيْرِ ابْنُ إسْحاقَ: سابُورا، وعازُورا، وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ أكْبَرِهِمْ شَمْعُونُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا، وخَشَبًا طِوالًا، فَكانَتْ مِيلًا في مِيلٍ، فَألْقى مُوسى عَصاهُ، فَإذا هي أعْظَمُ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، قَدْ سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فاها ثَمانِينَ ذِراعًا، فابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، وجَعَلَتْ تَأْكُلُ جَمِيعَ ما قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِن صَخْرَةٍ أوْ شَجَرَةٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وفِرْعَوْنُ يَضْحَكُ تَجَلُّدًا، فَأقْبَلَتِ الحَيَّةُ نَحْوَ فِرْعَوْنَ، فَصاحَ: يا مُوسى، يا مُوسى، فَأخَذَها مُوسى، وعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّ هَذا مِنَ السَّماءِ، ولَيْسَ هَذا بِسِحْرٍ، فَخَرُّوا سُجَّدًا، وقالُوا آَمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ فَقالَ فِرْعَوْنُ: إيّايَ تُمَنُّونَ؟
فَقالُوا: رَبُّ مُوسى وهارُونَ، فَأصْبَحُوا سَحَرَةً، وأمْسَوْا شُهَداءَ.
وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَما صارَتْ ثُعْبانًا حَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعُشْرُونَ ألْفًا.
وقالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَ مُوسى أمِيرَ السَّحَرَةِ، فَقالَ: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا، أتُؤْمِنُ بِي ؟فَقالَ السّاحِرُ: لَآَتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ السِّحْرُ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبَتْنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِالإلْقاءِ، وفِعْلُ السِّحْرِ كُفْرٌ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّ مَضْمُونَ أمْرِهِ: إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فَألْقَوْا.
والثّانِي: ألْقَوْا عَلى ما يَصِحُّ، لا عَلى ما يُفْسِدُ ويَسْتَحِيلُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ والثّالِثُ: إنَّما أمَرَهم بِالإلْقاءِ لِتَكُونَ مُعْجِزَتُهُ أظْهَرَ، لِأنَّهم إذا ألْقَوْا، ألْقى عَصاهُ فابْتَلَعَتْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ وإنَّما سَجَدُوا بِاخْتِيارِهِمْ؟
فالجَوابُ أنَّهُ لَمّا زالَتْ كُلُّ شُبْهَةٍ بِما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِهِ، اضْطَرَّهم عَظِيمُ ما عايَنُوا إلى مُبادَرَةِ السُّجُودِ، فَصارُوا مَفْعُولِينَ في الإلْقاءِ تَصْحِيحًا وتَعْظِيمًا لَشَأْنِ ما رَأوْا مِنَ الآَياتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا آَمَنَتِ السَّحَرَةُ، اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةَ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ ﴿ وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ ﴾ ﴿ قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ ﴾ ﴿ قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقُوا سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ الساحِرُ كانَ عِنْدَهم في ذَلِكَ الزَمَنِ أعْلى المَراتِبِ وأعْظَمَ الرِجالِ، ولَكِنَّ وصْفَهم مُوسى بِذَلِكَ مَعَ مُدافَعَتِهِمْ لَهُ عَنِ النُبُوَّةِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وحَطٌّ، وذَلِكَ قَصَدُوا إنْ لَمْ يُمْكِنْهم أكْثَرَ، وقَوْلُهُمْ: ﴿ يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ ﴾ يَعْنُونَ بِأنَّهُ يَحْكُمُ فِيكم بِنَقْلِ رَعِيَّتِكم في بَنِي إسْرائِيلَ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم إذا ذَهَبَ الخَدَمَةُ والعُمَرَةُ، وأيْضًا فَلا مَحالَةَ أنَّهم خافُوا أنْ يُقاتِلَهُمْ، وجالَتْ ظُنُونُهم في كُلِّ مَجالٍ، وقالَ النَقّاشُ: كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ الظاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَلَإ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ.
وقِيلَ: هو مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ لَهُمْ، ورَوى كَرَدْمٌ عن نافِعٍ "تَأْمُرُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، وكَذَلِكَ في الشُعَراءِ.
و"ما" اسْتِفْهامٌ، و"إذا" بِمَعْنى "الَّذِي"، فَهُما ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وِفي "تَأْمُرُونَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي" تَقْدِيرُهُ: تَأْمُرُونَ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَأْمُرُونَ" ولا يُضْمَرُ فِيهِ عَلى هَذا.
قالَ الطَبَرِيُّ: والسِحْرُ مَأْخُوذٌ مِن: سَحَرَ المَطَرُ الأرْضَ إذا جادَّها حَتّى يَقْلِبَ نَباتَها ويَقْلَعَهُ مِن أُصُولِهِ، فَهو يَسْحَرُها سَحَرًا، والأرْضُ مَسْحُورَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما سَحَرَ المَطَرُ الطِينَ إذا أفْسَدَهُ حَتّى لا يُمْكِنَ فِيهِ عَمَلٌ، والسِحْرُ: الأخْذَةُ الَّتِي تَأْخُذُ العَيْنَ حَتّى تَرى الأمْرَ غَيْرَ ما هُوَ، ورُبَّما سَحَرَ الذِهْنَ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: وساحِرَةُ السَرابِ مِنَ المَوامِي ∗∗∗ تُرَقَّصُ في نَواشِزِها الأُرُومُ أرادَ: أنَّهُ يُخَيِّلُ نَفْسَهُ ماءً لِلْعُيُونِ.
ثُمَّ أشارَ المَلَأُ عَلى فِرْعَوْنَ بِأنْ يُؤَخِّرَ مُوسى وهارُونَ ويَدَعَ النَظَرَ في أمْرِهِما ويَجْمَعَ السَحَرَةَ مِن كُلِّ مَكانٍ حَتّى تَكُونَ غَلَبَةُ مُوسى بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ مَعْلُومَةٍ بَيِّنَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرْجِئْهُو" بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ المَضْمُومَةِ وبِالهَمْزِ قَبْلَ الهاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "أرْجِئْهُ" بِالهَمْزِ دُونَ واوٍ بَعْدَها، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ في رِوايَةِ قالُونَ: "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أخِّرْهُ فَسَهَّلَ الهَمْزَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الرَجا بِمَعْنى: أطْعِمْهُ ورَجِّهِ، قالَهُ المُبَرِّدُ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ: "أرْجِهِي" بِياءٍ بَعْدَ كَسْرَةِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أرْجِئْهِ" بِكَسْرِ الهاءِ وبِهَمْزَةٍ قَبْلَها.
قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ.
وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أرْجِهُ" بِضَمِّ الهاءِ دُونَ هَمْزٍ، ورَوى أبانُ عن عاصِمٍ: "أرْجِهْ" بِسُكُونِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ تَقِفُ عَلى هاءِ الكِنايَةِ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أنْحى عَلَيَّ الدَهْرُ رَجُلًا ويَدًا ∗∗∗ ∗∗∗ يُقْسِمُ لا أُصْلِحُ إلّا أفْسَدا فَيَصْلِحُ اليَوْمَ ويُفْسِدُ غَدا.
وقالَ الآخَرُ: لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ∗∗∗ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غِيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا، ولِذَلِكَ أشارُوا بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى الناسِ شُبْهَةٌ، ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ.
و"المَدائِنُ" جَمْعُ مَدِينَةٍ، وزْنُها فَعَيْلَةٍ مِن مَدَنَ، أو مُفْعِلَةٌ مَن دانَ يَدِينُ، وعَلى هَذا يُهْمَزُ مَدائِنُ أو لا يُهْمَزُ، و"حاشِرِينَ" مَعْناهُ: جامِعِينَ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وهُمُ الشُرَطُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِكُلِّ ساحِرٍ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "بِكُلِّ سَحّارٍ" عَلى بِناءِ المُبالِغَةِ، وكَذَلِكَ في سُورَةِ يُونُسَ، وأجْمَعُوا عَلى "سَحّارٍ" في سُورَةِ الشُعَراءِ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الإرْجاءِ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ: السَجْنُ والحَبْسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَ السَحَرَةُ ﴾ الآيَةُ، هُنا مَحْذُوفاتٌ يَقْتَضِيها ظاهِرُ الكَلامِ، وهي أنَّهُ بَعَثَ إلى السَحَرَةِ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: أنَّهُ بَعَثَ غِلْمانًا فَعَلَّمُوا بِالفَرَما وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "إنَّ لَنا لَأجْرًا" عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، وقَرَأُوا في الشُعَراءِ: "آنَّ لَنا" مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألْفِ غَيْرَ عاصِمٍ، فَإنَّهُ لا يَمُدُّها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ وحَذْفِ ألِفِها، وقَدْ قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:.
أفْرَحُ أنْ أُرْزَأ الكِرامَ.....
∗∗∗ ∗∗∗...........................
وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي الشُعَراءِ: "آئِنَّ" بِألْفِ الِاسْتِفْهامِ قَبْلَ "إنَّ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أئِنَّ" دُونَ مَدٍّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو هُنا وفي الشُعَراءِ: "أيِنَّ".
والأجْرُ هُنا: الأُجْرَةُ، فاقْتَرَحُوها إنْ غَلَبُوا، فَأنْعَمَ فِرْعَوْنُ لَهم بِها وزادُهُمُ المَنزِلَةَ والجاهَ، ومَعْناهُ: المُقَرَّبِينَ مِنِّي، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ الَّذِينَ جاءُوا إلى فِرْعَوْنَ كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا تِسْعَمِائَةٍ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهم كانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: كانُوا سَبْعِينَ ألْفًا، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْذِرِ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: مِائَتَيْ ألْفٍ ونَيِّفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَ لَها سَنَدٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وقالَ السُدِّيُّ: كانُوا بِضْعَةُ وثَلاثِينَ ألْفَ رَجُلٍ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ حَبْلٌ وعَصًا، وقالَ أبُو ثُمامَةَ: كانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ ﴾ الآيَةُ.
"أنْ" في قَوْلِهِ: "إمّا أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: إمّا أنْ تَفْعَلَ الإلْقاءَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ: إمّا هو الإلْقاءُ.
وخَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى في أنْ يَتَقَدَّمَ في الإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا فِعْلُ المُدِلِّ الواثِقِ بِنَفْسِهِ، والظاهِرُ أنَّ التَقَدُّمَ في التَخَيُّلاتِ والمَخارِقِ والحُجَجِ، لِأنَّ بَدِيلَتَها تَمْضِي بِالنَفْسِ، فَلِيُظْهِرَ اللهُ أمْرَ نُبُوَّةِ مُوسى قَوّى نَفْسَهُ ويَقِينَهُ، ووَثَقَ بِالحَقِّ فَأعْطاهُمُ التَقَدُّمُ، فَنَشِطُوا وسُرُّوا حَتّى أظْهَرَ اللهُ الحَقَّ وأبْطَلَ سَعْيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ ﴾ نَصٌّ في أنَّ لَهم فِعْلًا ما زائِدًا عَلى ما يُحَدِثُونَهُ مِنَ التَزْيِيفِ والآثارِ في العَصا وسائِرِ الأجْسامِ الَّتِي يَصْرِفُونَ فِيها صِناعَتَهم.
و"اسْتَرْهَبُوهُمْ" بِمَعْنى: أرْهَبُوهُمْ، أيْ: أفْزَعُوهُمْ، فَكَأنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضى واسْتَدْعى الرَهْبَةَ مِنَ الناسِ، ووَصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى سِحْرَهم بِالعِظَمِ، ومَعْنى ذَلِكَ: مِن كَثْرَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهم جَلَبُوا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ بَعِيرًا مُوقَرَةً بِالحِبالِ والعِصِيِّ فَلَمّا ألْقَوْها تَحَرَّكَتْ ومَلَأتِ الوادِيَ يَرْكَبُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَهْوَلَ الناسُ ذَلِكَ واسْتَرْهَبُوهُمْ، قالَ الزَجّاجُ: قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا فِيها الزِئْبَقَ فَكانَتْ لا تَسْتَقِرُّ.
<div class="verse-tafsir"
عطفت جملة ﴿ وجاء السحرة ﴾ على جملة: ﴿ قالوا أرجه وأخاه وأرْسلْ في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم ﴾ [الأعراف: 111، 112] وفي الكلام إيجاز حذف.
والتقدير: قالوا أرجه وأخاه وأرسل الخ، فأرسل فرعون في المدائن حاشرين فحشروا وجاء السحرة من المدائن فحضروا عند فرعون.
فالتعريف في قوله: ﴿ السحرة ﴾ تعريف العهد.
أي السحرة المذكورون، وكان حضور السحرة عند فرعون في اليوم الذي عينه موسى للقاء السحرة وهو المذكور في سورة طه.
وجملة: ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ استئناف بياني بتقدير سؤال من يسأل: ماذا صدر من السحرة حين مثُلوا بين يدي فرعون؟.
وقرأ نافع، وابن كثير، وحفص، وأبو جعفر ﴿ إن لنا لأجراً ﴾ ابتداء بحرف (إن) دون همزة استفهام، وقرأه الباقون بهمزة استفهام قبل (إن).
وعلى القراءتين فالمعنى على الاستفهام، كما هو ظاهر الجواب ب ﴿ نعم ﴾ ، وهمزة الاستفهام محذوفة تخفيفاً على القراءة الأولى، ويجوز أن يكون المعنى عليها أيضاً على الخبرية لأنهم وثقوا بحصول الأجر لهم، حتى صيروه في حيز المخبر به عن فرعون، ويكون جواب فرعون ب ﴿ نعم ﴾ تقريراً لما أخبروا به عنه.
وتنكير ﴿ أجراً ﴾ تنكير تعظيم بقرينة مقام المَلِك وعظم العمل، وضمير ﴿ نحن ﴾ تأكيد لضمير ﴿ كنا ﴾ إشعاراً بجدارتهم بالغلَب، وثقتهم بأنهم أعلم الناس بالسحر، فأكدوا ضميرهم لزيادة تقرير مدلوله، وليس هو بضمير فصل إذ لا يقصد إرادة القصر، لأن إخبارهم عن أنفسهم بالغالبين يغني عن القصر، إذ يتعين أن المغلوب في زعمهم هو موسى عليه السلام.
وقول فرعون ﴿ نعم ﴾ إجابة عما استفهموا، أو تقرير لما توسموا: على الاحتمالين المذكورين في قوله: ﴿ إن لنا لأجراً ﴾ آنفاً، فحرف (نعم) يقرر مضمون الكلام الذي يجاب به، فهو تصديق بعد الخبر، وإعلام بعد الاستفهام، بحصول الجانب المستفهم عنه، والمعنيان محتملان هنا على قراءة نافع ومن وافقه، وأما على قراءة غيرهم فيتعين المعنى الثاني.
وعُطف جملة: ﴿ إنكم لمن المقربين ﴾ على ما تضمنه حرف الجواب إذ التقدير: نعم لكم أجر وإنكم لمن المقربين، وليس هو من عطف التلقين: لأن التلقين إنما يعتبر في كلامين من متكلميْن لا من متكلم واحد.
وفصلت جملة: ﴿ قالوا يا موسى ﴾ لوقوعها في طريقة المحاورة بينهم وبين فرعون وموسى، لأن هؤلاء هم أهل الكلام في ذلك المجمع.
و ﴿ إمّا ﴾ حرف يدل على الترديد بين أحد شيئين أو أشياء، ولا عمل له ولا هو معمول، وما بعده يكون معمولاً للعامل الذي في الكلام.
ويَكون (إما) بمنزلة جزء كلمة مثل أل المعرفة، كقول تأبط شراً: هُمَا خُطّتَا إما إسارٍ ومنّةٍ *** وإمّا دَممٍ والموتُ بالحر أجدر وقوله: ﴿ أنْ تُلْقي وقوله: أن نكون نحن الملقين ﴾ يجوز كونهما في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف، أي إما إلقاؤك مقدم وإما كوننا ملقين مقدم، وقد دل على الخبر المقام لأنهم جاءوا لإلقاء آلات سحرهم، وزعموا أن موسى مثلهم.
وفي «الكشاف» في سورة طه، جَعَل ﴿ إما أن تلقي ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا، ولما كان الواقع لا يخلو عن أحد هذين الأمرين لم يكن المقصود بالخبر الفائدة لأنها ضرورية، فلا يحسن الإخبار بها مثل: السماء فوقنا، فتعين أن يكون الكلام مستعملاً في معنى غير الإخبار، وذلك هو التخيير أي: إِما أن تبتدئ بإلقاء آلات سحرك وإما أن نبتدئ، فاختر أنت أحد مرين ومن هنا جازَ جَعل المصدرين المنسبكين في محل نصب بفعل تخيير محذوف، كما قدره الفراء وجوزه في «الكشاف» في سورة طه، أي: اختر أن تلقي أو كوننا الملقين، أي: في الأولية، ابتدأ السحرة موسى بالتخيير في التقدم إظهاراً لثقتهم بمقدرتهم وإنهم الغالبون، سواء ابتدأ السحرة موسى بالأعمال أم كانوا هم المبتدئين، ووجه دلالة التخيير على ذلك أن التقدم في التخييلات والشعوذة أنجح للبادئ لأن بديهتها تمضي في النفوس وتستقر فيها، فتكون النفوس أشد تأثراً بها من تأثرها بما يأتي بعدها، ولعلهم مع ذلك أرادوا أن يسبروا مقدار ثقة موسى بمعرفته مما يبدو منه من استواء الأمرين عنده أو من الحرص على أن يكون هو المقدم، فإن لاستضعاف النفس تأثيراً عظيماً في استرهابَها وإبطال حيلتها، وقد جاءوا في جانبهم بكلام يسترهب موسى ويهول شأنهم في نفسه، إذ اعتنوا بما يدل على ذواتهم بزيادة تقرير الدلالة في نفس السامع المعبر عنها في حكاية كلامهم بتأكيد الضمير في قوله: ﴿ وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ .
وبذلك تعلم أن المقام لا يصلح لاحتمال أنهم دلوا على رغبتهم في أن يُلقوا سحرهم قبل موسى، لأن ذلك ينافي إظهار استواء الأمرين عندهم، خلافاً لما في «الكشاف» وغيره، ولذلك كان في جواب موسى إياهم بقوله: ﴿ ألْقُوا ﴾ استخفافٌ بأمرهم إذ مكّنهم من مباداة إظهار تخييلاتهم وسحرهم، لأن الله قوّى نفس موسى بذلك الجواب لتكون غلبته عليهم بعد أن كانوا هم المبتدئين أوقعَ حجةٍ وأقطع معذرة، وبهذا يظهر أن ليس في أمر موسى عليه السلام إياهم بالتقدم ما يقتضي تسويغ معارضة دعوة الحق لأن القوم كانوا معروفين بالكفر بما جاء به موسى فليس في معارضتهم إياه تجديد كفر، ولأنهم جاءوا مصممين على معارضته فليس الإذن لهم تسويغاً، ولكنهم خيروه في التقدم أو يتقدموا فاختار أن يتقدموا لحكمة إلهية تزيد المعجزة ظهوراً، ولأن في تقديمه إياهم إبلاغاً في إقامة الحجة عليهم، ولعل الله ألقى في نفسه ذلك، وفي هذا دليل على جواز الابتداء بتقرير الشبهة للذي يثق بأنه سيدفعها.
وقوله ﴿ فلما ألقوا ﴾ عطف على محذوف للإيجاز، والتقدير: فألْقَوا.
لأن قوله: ﴿ فلما ألقوا ﴾ يؤذن بهذا المحذوف، وحذف مفعول ﴿ ألقَوا ﴾ لظهوره، أي: ألقوا آلات سحرهم.
ومعنى ﴿ سحروا أعين الناس ﴾ : جعلوها متأثرة بالسحر بما ألقَوا من التخييلات والشعوذة.
وتعدية فعل ﴿ سحروا ﴾ إلى ﴿ أعين ﴾ مجاز عقلي لأن الأعين آلة إيصال التخييلات إلى الإدراك، وهم إنما سحروا العقول، ولذلك لو قيل: سحروا الناسَ لأفاد ذلك، ولكن تفوت نكتة التنبيه على أن السحر إنما هو تخيلات مرئية، ومثل هذه الزيادة زيادة الأعين في قول الأعشى: كذَلكَ فافْعَلْ ما حيَيتَ إذا شَتَوْا *** وَأقْدِم إذَا مَا أعْيُنُ النّاس تَفرقَ أي إذا ما الناس تفرَق فَرَقا يحصل من رؤية الأخطار المخيفة.
والاسترهاب: طلب الرهب أي الخَوْف.
وذلك أنهم عززوا تخيلات السحر بأمور أخرى تثير خوف الناظرين، لتزداد تمكن التخيلات من قلوبهم، وتلك الأمور أقوال وأفعال توهم أن سيقع شيء مُخيف كأن يقولوا للناس: خُذوا حذركم وحاذروا، ولا تقتربوا، وسيقع شيء عظيم، وسيحضر كبير السحرة، ونحو ذلك من التمويهات، والخزعبلات، والصياح، والتعجيب.
ولك أن تجعل السين والتاء في ﴿ واسترهبوهم ﴾ للتأكيد، أي: أرهبوهم رهَبا شديداً، كما يقال استكبر واستجاب.
وقد بينت في تفسير قوله تعالى: ﴿ يعلّمون الناس السحر ﴾ من سورة البقرة (102) أن مبنى السحر على التخييل والتخويف.
ووصف السحر بالعظيم لأنه من أعظم ما يفعله السحرة إذ كان مجموعاً مما تفرق بين سحرة المملكة من الخصائص المستورة بالتوهيم الخفية أسبابها عن العامة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَصا أوَّلُ آياتِ مُوسى وكانَتْ مِن آسِّ الجَنَّةِ، طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ بِطُولِ مُوسى، قَصَدَ بابَ فِرْعَوْنَ فَألْقى عَلَيْهِ الفَزَعَ، فَشابَ فَخَضَّبَ بِالسَّوادِ اسْتِحْياءً مِن قَوْمِهِ، فَكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلَ مَن خَضَّبَ بِسَوادٍ.
﴿ فَإذا هي تَلْقَفُ ﴾ مَعْنى تَلْقَفُ هو سُرْعَةُ التَّناوُلِ إلّا أنَّ المُرادَ هُنا سُرْعَةُ ابْتِلاعِهِ بِالفَمِ.
قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي في بَعْضِ القِراءاتِ تَلقَّمُ بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ، قالَ الشّاعِرُ: أنْتَ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلْقَمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يُقَلِّبُونَ، ومِنهُ المُؤْتَفِكاتُ أيِ المُنْقَلِباتُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
والثّانِي: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ لِأنَّ الإفْكَ هو الكَذِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أمَرَ مُوسى السَّحَرَةَ أنْ يُلْقُوا وذَلِكَ مِنهم كُفْرٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ بِهِ نَبِيٌّ؟
قِيلَ عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَضْمُونَ أمْرِهِ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فَألْقُوا.
والثّانِي: القَوْلُ عَلى ما يَصِحُّ ويَجُوزُ لا عَلى ما يَفْسِدُ ويَسْتَحِيلُ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ أيْ ظَهَرَ الحَقُّ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وفي الحَقِّ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ظَهَرَتْ عَصا مُوسى عَلى حِبالِ السَّحَرَةِ.
والثّانِي: ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ مُوسى عَلى رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ في سُجُودِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَجَدُوا لِمُوسى تَسْلِيمًا لَهُ وإيمانًا بِهِ.
والثّانِي: أنَّهم سَجَدُوا لِلَّهِ إقْرارًا بِرُبُوبِيَّتِهِ، لِأنَّهم ﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ وفي سُجُودِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم ذَلِكَ لُطْفًا بِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ مُوسى وهارُونَ سَجَدا شُكْرًا لِلَّهِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ فاقْتَدَوْا بِهِما في السُّجُودِ لِلَّهِ طاعَةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.
وفي لفظ: كانوا سحرة في أول النهار وشهداء آخر النهار حين قتلوا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: كان سحرة فرعون اثني عشر ألفاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: جمع له خمسة عشر ألف ساحر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: سحرة فرعون سبعة عشر الفاً.
وفي لفظ تسعة عشر ألفاً.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: كان السحرة بضعة وثلاثين ألفاً ليس منهم رجل إلا معه حبل أو عصا، فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم بن أبي بزة قال: سحرة فرعون كانوا سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله إليه: يا موسى ألقِ عصاك.
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان فاغر فاه فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: كانت السحرة الذين توفاهم الله مسلمين ثمانين ألفاً.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: السحرة ثلاثمائة من قرم، ثلاثمائة من العريش، ويشكون في ثلاثمائة من الاسكندرية.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا إنَّ لنا لأجراً ﴾ أي ائن لنا لعطاء وفضيلة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما ألقوا ﴾ قال: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فأقبلت تخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ﴾ قال: أوحى الله إلى موسى أن ألق ما في يمينك، فألقى عصاه فأكلت كل حية، فلما رأوا ذلك سجدوا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ﴾ فألقى عصاه فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله وعصيهم وحبالهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ قال: يكذبون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ قال: تسترط حبالهم وعصيهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن السحرة قالوا حين اجتمعوا: إن يك ما جاء به سحراً فلن يغلب، وإن يك من الله فسترون.
فلما ألقى عصاه أكلت ما افكوا من سحرهم وعادت كما كانت علموا أنه من الله، فألقوا عند ذلك ساجدين قالوا: آمنا برب العالمين.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى، أرأيتك إن غلبتك اتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟
قال الساحر: لآتينَّ غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم، وهو قول فرعون: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتظاهر أفتخرجا منها أهلها؟.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فوقع الحق ﴾ قال: ظهر ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ قال: ذهب الإِفك الذي كانوا يعملون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: لما خرَّ السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ﴾ إذ التقيتما لتظاهر افتخرجا منها أهلها ﴿ لأقطعن أيديكم...
﴾ الآية: قال قتلهم وقطعهم كما قال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: كان من رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى فيها بلغني سابور، وعاذور، وحطحط، ومصفى.
أربعة هم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله، فآمنت معهم السحرة جميعاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أول من صلب فرعون، وهو أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما ألقوا ما في أيديهم من السحر، ألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فتحت فَماً لها مثل الرحى فوضعت مشفرها على الأرض ورفعت المشفر الآخر فاستوعبت كل شيء ألقوه من حبالهم وعصيهم، ثم جاء إليها فأخذها فصارت عصا كما كانت، فخرت بنو إسرائيل سجداً وقالوا: آمنا برب موسى وهارون قال: ﴿ آمنتم له قبل أن آذن لكم ﴾ الآية.
قال: فكان أول من قطع من خلاف وأول من صلب في الأرض فرعون.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ قال: يداً من هاهنا ورجلاً من ههنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَلْقُوا ﴾ ، يقال على هذا: لم جاز أن يأمرهم موسى بالإلقاء، وهو كفر منهم؟
والجواب: إن معناه: ألقوا إن كنتم محقين، وألقوا على ما يصح، ويجوز دون ما يفسد (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا ﴾ ، يعني: تلك العصي والحبال، وهي مذكررة في قوله: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ ﴾ في سورة طه.
وقوله تعالى: ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: حيث رأوها حيات) (٣) (٤) ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بما تخيل من الأمور المموهة بلطف الحيلة التي تجري مجرى الخفّة والشعبذة مما لا يرجع إلى حقيقة، والمُحدث في العين ذلك التخيل هو الله عز وجل عندما أظهروا من تلك المخاريق، إلا أنه منسوب إليهم لأنهم عرضوها بما لو لم يعملوه لم يقع، كمن جعل طفلاً تحت الثلج فهو القاتل له في الحكم، والله خلق الموت فيه وأماته) (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ .
قال المبرد: (أرهبوهم، والسين زائدة) (٦) (٧) وقال الزجاج: (أي استدعوا رهبة الناس حتى رهبهم الناس) (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ .
قال أهل التفسير: (وذلك أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فإذا هي حيات قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضاً) (٩) قال أهل المعاني: (قوله: ﴿ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ ، أي: عظيم الشأن عند من يراه من الناس بما يملأ الصدر بهوله ويوفي على غيره من السحر ببعد مرام الحيلة فيه وشدة التمويه به فهو لذلك عظيم).
(١) في (أ): (ما يفسده)، وهو تحريف.
(٢) وقيل: إن هذا تهديد أي: ابتدئوا بالإلقاء فسترون ما يحل بكم من الافتضاح، وقيل: أمرهم بذلك ليبين كذبهم وتمويههم، انظر: "تفسير الرازي" 14/ 203، والقرطبي 7/ 259.
(٣) لم أقف عليه (٤) لفظ: (المعاني) ساقط من (ب).
(٥) انظر: "تفسير الرازي" 14/ 203، وفيه قال: (قال الواحدي: بل المراد ﴿ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ ﴾ أي: قلبوها عن صحة إدراكها بسبب تلك التمويهات) اهـ.
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 218، والرازي 14/ 203، والسمين في "الدر" 5/ 416.
(٧) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 218.
(٨) "معاني الزجاج" 2/ 366، ومثله ذكر النحاس في "معانيه" 3/ 63، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 179.
(٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 20، وأخرج عن السدي وابن إسحاق والقاسم بن أبي بزة بسند جيد نحوه.
وانظر: "تفسير السمرقندي" 1/ 560.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَرْجِهْ ﴾ من قرأه بالهمزة فهو من أرجأت الرجل إذا أخرته، فمعناه أهرهما حتى ننظر في أمرهما، وقيل: المراد بالإرجاء هنا السجن، ومن قرأ بغير همز فتحتمل أن تكون بمعنى المهموز وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء أي أطعمه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلعله أجرى فيها الوصل مجرى الوقف ﴿ حَاشِرِينَ ﴾ يعني الشرطة أي جامعين للسحرة ﴿ وَجَآءَ السحرة فِرْعَوْنَ ﴾ قيل: هنا محذوف يدل عليه سياق الكلام وهو أنه بعث إلى السحرة ﴿ إِنَّ لَنَا لأَجْراً ﴾ من قرأه بهمزتين أإن فهو استفهام ومن قرأه بهمزة واحدة فيحتمل أن يكون خبراً أو استفهاماً حذفت منه الهمزة، والأجر هنا: الأجرة، طلبوها من فرعون إن غلبوا موسى، فأنعم لهم فرعون بها وزادهم التقريب منه والجاه عنده ﴿ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين ﴾ عطف على معنى نعم كأنه قال نعطيكم أجراً ونقربكم، واختلف في عدد السحرة اختلافاً متبايناً من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفاً وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل ﴿ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ﴾ خيروا موسى بين أن يبدأ بالإلقاء أو يبدأوا هم بإلقاء سحرهم، فأمرهم أن يلقوا، وانظر كيف عبروا عن إلقاء المتمكنون فيه ﴿ واسترهبوهم ﴾ أي خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حقيق على ﴾ بالتشديد: نافع.
الباقون: بالتخفيف ﴿ معي ﴾ بفتح الياء حيث كان: حفص ﴿ أرجه ﴾ بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ أرجه ﴾ بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون ﴿ أرجهي ﴾ بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل ﴿ أرجئه ﴾ بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني ﴿ أرجئهو ﴾ بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ﴿ أرجئه ﴾ بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ سحار ﴾ بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس.
وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة.
البقون ﴿ ساحر ﴾ .
﴿ أن لنا ﴾ بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص.
﴿ أئن لنا ﴾ بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام.
يدخل بينهما مدة ﴿ آين لنا ﴾ المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد.
﴿ أين لنا ﴾ بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح.
الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل.
﴿ آمنتم ﴾ بهمزة واحدة ممدودة: حفص.
﴿ أأمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ فرعون وآمنتم ﴾ بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل ﴿ وآمنتم ﴾ بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل.
الوقوف: ﴿ فظلموا بها ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج وقف لمن قرأ ﴿ حقيق عليّ ﴾ بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل ﴿ حقيق ﴾ وصف الرسول و"على" بمعنى الباء ﴿ إلا الحق ﴾ ط ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ﴿ من أرضكم ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون ﴿ قاهرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب الأمر ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه ﴿ الملقين ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عصاك ﴾ ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ﴿ ما يأفكون ﴾ ه ﴿ وكذلك يعملون ﴾ ه ﴿ صاغرين ﴾ ه ج لمكان حروف العطف ﴿ ساجدين ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قالوا ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ العالمين ﴾ ه لا للبدر ﴿ هرون ﴾ ه ﴿ آذن لكم ﴾ ج للابتداء مع اتحاد القائل ﴿ أهلها ﴾ ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ منقلبون ﴾ ه للآية مع اتحاد المقول ﴿ جاءتنا ﴾ ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ﴿ المسلمين ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى .
وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء.
والضمير في قوله ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي.
﴿ فظلموا بها ﴾ أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها.
﴿ وانظر ﴾ أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ كيف فعلنا بهم؟
وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ﴾ أي إله قادر عليم حكيم.
وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ﴿ حقيق على أن لا أقول ﴾ من قرأ بالتشديد في ﴿ عليّ ﴾ و ﴿ حقيق ﴾ إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك.
تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً.
وأما قراءة العامة ﴿ حقيق علي أن لا أقول ﴾ مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ ﴿ حقيق بأن لا أقول ﴾ أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق.
ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص.
ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع.
وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به.
وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات.
فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق.
ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ أي بمعجزة قاهرة باهرة منه.
ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم.
وذلك أن يوسف لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟
والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً.
وثانيهما: أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية ﴾ وقوله ﴿ فأت بها ﴾ كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟
وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك.
ثم إن فرعون لما طالب موسى بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ﴾ ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات.
أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر.
روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك.
وهرب الناسوصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً.
والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ﴾ روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟
فقال: يدك.
ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى آدم شديد الأدمة وقوله ﴿ للناظرين ﴾ يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب.
واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل.
والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة.
فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء.
قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً.
هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين.
قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة.
والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ ولا ينافي هذا ما حكاه الله في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة.
والأظهر أن قوله ﴿ فماذا تأمرون ﴾ من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك.
قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز.
وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا.
﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز ﴿ مدائن ﴾ لأنه كصحائف.
وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن.
وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر.
وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ﴿ يأتوك بكلّ سحار ﴾ الباء بمعنى "مع" أو للتعدية.
قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم.
وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.
وقيل: سبعين ألفاً.
وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل.
وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى.
وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟
فأجيب ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ﴿ قال نعم ﴾ أي إن لكم أجراً ﴿ وإنكم لمن المقربين ﴾ أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم.
روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.
وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟
قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به.
وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم.
ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا ﴿ يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم ﴿ وإما أن نكون نحن ﴾ بالأمر أليق منه بالخبر.
وبدليل قوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد.
فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله كان لا ينقص عددها علىالعشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده.
ثم بين السبب في الغلبة فقال ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة.
وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور.
قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم.
وقال الأنصار.
شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا.
وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة.
وبعث رسول الله عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة.
وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك.
قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال وتعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ .
قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.
وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره.
وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر.
وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.
ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي الذي عملوه أو عملهم ﴿ فغلبوا هنالك ﴾ أي حين التحدي ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته.
روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي.
قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة.
وفي قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين ﴾ دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله الموجد للدواعي والقدر.
وقال الأخفش.
من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.
قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟
وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان.
قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون.
فلما قالوا ﴿ رب موسى ﴾ قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا ﴿ هارون ﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون.
وقيل:أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى.
وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً.
ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم.
أما الإنكار فذلك قوله ﴿ آمنتم له ﴾ من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار.
وفي قوله قبل ﴿ أن آذن لكم ﴾ دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين.
وأما الشبهة فقوله ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ﴾ أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل.
وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة م أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟
فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد إجمالي وتفصيله ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي كل من شق طرفاً ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا.
فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون ﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله ﴿ وقومه ﴾ وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده.
وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ﴿ وما تنقم منا ﴾ قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ﴾ وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً.
فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف.
واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ، ﴿ وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ ، ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ ، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا ﴿ وأرسل في المدائن ﴾ وهناك ﴿ وابعث ﴾ فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره.
وإنما قال ههنا ﴿ آمنتم به ﴾ وفي طه والشعراء ﴿ آمنتم له ﴾ باللام لأن ضمير ﴿ به ﴾ في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد.
وقال ههنا ﴿ ثم لأصلبنكم ﴾ وفي السورتين ﴿ لأصلبنكم ﴾ لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه.
التأويل: ﴿ فظلموا بها ﴾ بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها ﴿ حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ﴿ ألقها يا موسى ﴾ ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية.
﴿ قالوا أرجه وأخاه ﴾ توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم.
﴿ أئن لنا لأجر ﴾ لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية ﴿ قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾ أجرى الله هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي ﴾ أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله بالسجود والإيمان ﴿ بسحر عظيم ﴾ أي عظيم في الإثم كما قال ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس ﴿ فوقع الحق ﴾ بإثبات لا إله إلا الله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ من تزيين زخارف الدنيا في العيون ﴿ فغلبوا ﴾ أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية.
﴿ رب موسى ﴾ الروح ﴿ وهارون ﴾ القلب.
واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق.
وفي القصة دلالة على أنه قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله ﴿ لمكر مكرتموه ﴾ في موافقة موسى الروح في مدينة القالب ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ هو اللذات والشهوات البدنية ﴿ لأقطعن ﴾ بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ﴿ ثم لأصلبنكم في جذوع ﴾ تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ : في المنزلة والقدر عندي، هذا يدل أن همة الساحر ليس إلا الدنيا؛ [لأنهم طلبوا من فرعون الأجر والقدر والمنزلة عنده إنْ كانوا هم الغالبين، ولا يجوز من همته الدنيا] وما ذكر أن يكون له الرسالة بحال، وهمّة الأنبياء كانت الدين وطلب الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ﴾ .
هذا ليس على إلقاء هذا، وترك أولئك الإلقاء؛ لأنه لو كان على إلقاء أحدهما لكان لا يتبين السحر من الآية، لكن إلقاء الأول كأنهم قالوا: يا موسى إما أن تلقي أولاً أو نحن الملقون أول مرة، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ﴾ ، وقول موسى: ﴿ أَلْقَوْاْ ﴾ كأنه أمره ربه أن يأمر بذلك؛ قال موسى: ﴿ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ هذا يدل أن السحر إنما يأخذ الأبصار على غير حقيقة كانت له، وهو كالسراب الذي يرى من بعيد؛ كقوله: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...
﴾ الآية، فعلى ذلك السحر يأخذ الأبصار ظاهراً، فإذا هو في الحقيقة باطل لا شيء، وكالخيال في القلوب لا حقيقة له، وكان قصدهم بالسحر استرهاب الناس، وتخويفهم به.
ألا ترى أنه ذكر في آية أخرى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ ، وقد ذكرنا أن ما جاء به الرسل لو كان سحراً في الحقيقة، لكان ذلك حجة لهم في إثبات الرسالة؛ لأن قومهم لم يروهم اختلفوا إلى ساحر قط، فيدل ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله ، وهو كالأنباء التي أتى بها رسول الله .
وقوله: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أخذ سحرهم بصره كما أخذ أعين الناس.
والثاني: خاف أن سحرهم يمنع أولئك عن رؤية حقيقة ما جاء به.
وقوله: ﴿ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أي: أخذوا كقوله: ﴿ مَّسْحُورُونَ ﴾ ، أي: مأخوذ أعينكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فيه أن موسى كان لا يلقي عصاه إلا بعد الأمر بالإلقاء، وكذلك قوله: ﴿ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ﴾ و ﴿ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ ﴾ ونحوه، كان لا يضرب بالعصا، ولا يلقي إلا بعد الأمر بالإلقاء والضرب؛ ليعلم أن في ذلك امتحاناً لموسى فيما يؤمر بالإلقاء على الأرض لتصير حية، وفيما يأمره بالضرب بها الحجر والبحر، ولله أن يمتحن عبده بما شاء من أنواع المحن، وإلا كان قادراً أن يفلق البحر على غير الأمر بالضرب بالعصا، وكذلك يفجر الحجر، ويشقه على غير ضرب بالعصا، وكذلك يصير العصا حيّة وهي في يده، ولكن أمره بذلك كله - والله أعلم - امتحاناً منه إياه وابتلاء، إذ هي دار محنة وابتلاء؛ إذ في زمن موسى كان السحر هو الظاهر، وكان الناس وقتئذ يعملون بالسحر، فجاء موسى من الآيات على رسالته بنوع ما كانوا يعملون به، ومن جنس ذلك؛ ليعرفوا بخروجه عن وسعهم أن ذلك [ليس بسحر]، ولكن آية سماوية، وكذلك ما جاء عيسى من الآيات جاء بنوع ما كان يعمله قومه، وهو الطب، فجاء بنوع الطب ليعلموا أن بالله عرف ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ .
قال القتبى: تلقف: تلتقم وتلقم، اشتقاقه من اللقم والابتلاع.
وقوله: ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ قيل: ما يكذبون.
قال الحسن: ﴿ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ حبالهم وعصيهم.
وقيل: ﴿ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ ما جاءوا به من الكذب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ ﴾ .
قيل: أي: ظهر الحق، ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، أي: بطل ما عملوا من السحر.
والثاني: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: ترك السحرة العمل بالسحر إذ ظهر الحق لهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ ﴾ .
أي: عند ذلك غلب السحرة؛ لأنهم قالوا لفرعون في الابتداء: ﴿ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ ﴾ ، فذكر هاهنا أنهم غلبوا عند ظهور الحق، لا أنهم صاروا غالبين، وقوله: ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ ﴾ ليس غلبة القهر والقسر، ولكن غلبة بالحجج والبراهين، أي: غلبوا بالحجج والآيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: رجع السحرة لما غلبوا صاغرين مذللين.
لكن نقول: رجع فرعون وقومه إلى منازلهم مذللين لا السحرة؛ لأن السحرة قد آمنوا فلا يحتمل أن يوصفوا بالرجوع صاغرين مذللين، وقد رجعوا مع الإيمان.
وقوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَأُلْقِيَ ﴾ ، أي: أمروا بالسجود، فسجدوا.
وقال آخرون: قوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ﴾ ، أي: لسرعة ما سجدوا، كأنهم ألقوا، والآية [ترد] على المعتزلة؛ لأنهم ينكرون أن يكون لله في فعل العباد صنع، وههنا قد أضيف الفعل إلى غيرهم بقوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ دل أن لله في فعل العباد صنعاً.
وهو أن خلق فعل السجود منهم.
وقال جعفر بن حرب: يجوز أن يضاف الفعل إلى غير، وإن لم يكن لذلك الغير في ذلك الفعل صنع؛ نحو: ما يقال في السفر: إن هؤلاء خلفوا أولئك، وهم لم يخلفوا أولئك في الحقيقة، ولا صنع لهم في التخليف، ثم أضيف إليهم فعل التخليف، فعلى ذلك هذا.
يقال: إن لهم في ذلك صنعاً، وهو أنهم إذا لم ينتظروهم فقد خلفوهم، فلهم في ذلك صنع، فأضيف إليهم.
أو أن يقال: إنهم لا يملكون تخليف هؤلاء فأما الله وتعالى فهو قادر أن يلقيهم أي: بما يخلق منهم فعل السجود، فأضيف الفعل إليه لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴾ قال بعض أهل التأويل: إنهم لما قالوا: آمنا برب العالمين، قال لهم فرعون: إياي تعنون، فعند ذلك قالوا: لا، ولكن ربّ موسى وهارون، ولكن لا ندري هذا، وموسى أول ما جاء فرعون ودعاه إلى دينه قال له: ﴿ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فلا يحتمل أن يشكل عليه قولهم: ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ أنهم إياه عنوا بذلك، وجائز أن يكون آمنا بربّ العالمين الذي أرسل موسى وهارون رسولاً.
<div class="verse-tafsir"
فأجابهم موسى واثقًا بنصر ربه له غير مبال بهم: ارموا حبالكم وعصيكم، فلما ألقوها سحروا أعين الناس بصرفها عن صحة إدراكها، ورَعَبُوهم، وجاؤوا بسحر قوي في أعين الناظرين.
<div class="verse-tafsir" id="91.qpRVB"