الآية ١٢٠ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٢٠ من سورة الأعراف

وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ ١٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٠ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ، عليه السلام ، في ذلك الموقف العظيم ، الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل ، يأمره بأن يلقي ما في يمينه وهي عصاه ، ( فإذا هي تلقف ) أي : تأكل ( ما يأفكون ) أي : ما يلقونه ويوهمون أنه حق ، وهو باطل .

قال ابن عباس : فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته ، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء ، وليس هذا بسحر ، فخروا سجدا وقالوا : ( آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) وقال محمد بن إسحاق : جعلت تبتلع تلك الحبال والعصي واحدة ، واحدة حتى ما يرى بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا ، ثم أخذها موسى فإذا هي عصا في يده كما كانت ، ووقع السحرة سجدا ( قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون ) لو كان هذا ساحرا ما غلبنا .

وقال القاسم بن أبي بزة : أوحى الله إليه أن ألق عصاك ، فألقى عصاه ، فإذا هي ثعبان فاغر فاه ، يبتلع حبالهم وعصيهم .

فألقي السحرة عند ذلك سجدا ، فما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلهما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فأما السحرة فقد آمنوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ـ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ أي: وصدقنا بما بعث به موسى من الآيات البينات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وألقي السحرة ساجدين ) لله تعالى .

قال مقاتل : ألقاهم الله .

وقيل : ألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا .

وقال الأخفش : من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأُلقي السحرة ساجدين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وخَرَّ السحرة سُجَّدًا على وجوههم لله رب العالمين لِمَا عاينوا من عظيم قدرة الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والمراد أن ظهور بطلان سحرهم ، وإدراكهم بأن موسى على الحق ، قد حملهم على السجود لله - تعالى - وأن ور الحق قد بهرهم وجعلهم يسارعون إلى الإيمان حتى لكأن أحدا قد دفعهم إليه دفعا ، وألقاهم إليه إلقاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال المفسرون: إن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى عليه السلام وصارت عصا كما كانت قال بعض السحرة لبعض هذا خارج عن السحر، بل هو أمر إلهي، فاستدلوا به على أن موسى عليه السلام نبي صادق من عند الله تعالى، قال المتكلمون: وهذه الآية من أعظم الدلائل على فضيلة العلم، وذلك لأن أولئك الأقوام كانوا عالمين بحقيقة السحر واقفين على منتهاه، فلما كانوا كذلك ووجدوا معجزة موسى عليه السلام خارجة عن حد السحر، علموا أنه من المعجزات الإلهية، لا من جنس التمويهات البشرية ولو أنهم ما كانوا كاملين في علم السحر لما قدروا على ذلك الاستدلال، لأنهم كانوا يقولون: لعله أكمل منا في علم السحر، فقدر على ما عجزنا عنه، فثبت أنهم كانوا كاملين في علم السحر.

فلأجل كمالهم في ذلك العلم انتقلوا من الكفر إلى الإيمان.

فإذا كان حال علم السحر كذلك، فما ظنك بكمال حال الإنسان في علم التوحيد.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين ﴾ قالوا: دلت هذه الآية على أن غيرهم ألقاهم ساجدين، وما ذاك إلا الله رب العالمين فهذا يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى.

قال مقاتل: ألقاهم الله تعالى ساجدين.

وقال المعتزلة: الجواب عنه من وجوه: الأول: أنهم لما شاهدوا الآيات العظيمة والمعجزات القاهرة لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين؛ فصار كأن ملقياً ألقاهم.

الثاني: قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.

الثالث: أنه ليس في الآية أنه ألقاهم ملق إلى السجود، إلا أنا نقول: إن ذلك الملقي هو أنفسهم.

والجواب: أن خالق تلك الداعية في قلوبهم هو الله تعالى، وإلا لافتقروا في خلق تلك الداعية الجازمة إلى داعية أخرى ولزم التسلسل وهو محال.

ثم إن أصل تلك القدرة مع تلك الداعية الجازمة تصير موجبة للفعل.

وخالق ذلك الموجب هو الله تعالى فكان ذلك الفعل والأثر مسنداً إلى الله تعالى، والله أعلم.

المسألة الثالثة: أنه تعالى ذكر أولاً أنهم صاروا ساجدين، ثم ذكر بعده أنهم قالوا: ﴿ ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين ﴾ فما الفائدة فيه مع أن الأيمان يجب أن يكون متقدماً على السجود؟

وجوابه من وجوه: الأول: أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله تعالى في الحال، وجعلوا ذلك السجود شكراً لله تعالى على الفوز بالمعرفة والإيمان، وعلامة أيضاً على انقلابهم من الكفر إلى الإيمان، وإظهار الخضوع والتذلل لله تعالى فكأنهم جعلوا ذلك السجود الواحد علامة على هذه الأمور الثلاثة على سبيل الجمع.

الوجه الثاني: لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا: ﴿ ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين ﴾ وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل والوجه الصحيح هو الأول.

المسألة الرابعة: احتج أهل التعليم بهذه الآية فقالوا: الدليل على أن معرفة الله لا تحصل إلا بقول النبي أن أولئك السحرة لما قالوا: ﴿ ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين ﴾ لم يتم إيمانهم فلما قالوا: ﴿ رَبِّ موسى وهارون ﴾ تم إيمانهم وذلك يدل على قولنا.

وأجاب العلماء عنه: بأنهم لما قالوا: ﴿ ءِامَنَّا بِرَبِّ العالمين ﴾ قال لهم فرعون إياي تعنون فلما قالوا: ﴿ رَبِّ موسى ﴾ قال إياي تعنون لأني أنا الذي ربيت موسى فلما قالوا: ﴿ وهارون ﴾ زالت الشبهة، وعرف الكل أنهم كفروا بفرعون وآمنوا بإله السماء، وقيل إنما خصهما بالذكر بعد دخولهما في جملة العالمين لأن التقدير آمنا برب العالمين، وهو الذي دعا إلى الإيمان به موسى وهرون.

وقيل: خصهما بالذكر تفضيلاً وتشريفاً كقوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تخييرهم إياه أدب حسن راعوه معه، كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا كالمتناظرين، قبل أن يتخاوضوا في الجدال، والمتصارعين قبل أن يتآخذوا للصراع.

وقولهم: ﴿ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين ﴾ فيه ما يدلّ على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل، وقد سوّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم.

وثقة بما كان بصدده من التأييد السماوي، وأن المعجزة لن يغلبها سحر أبداً ﴿ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس ﴾ أروها بالحيل والشعوذة وخيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه، كقوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى ﴾ [طه: 66] .

روي: أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فإذا هي أمثال الحيات، قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضاً ﴿ واسترهبوهم ﴾ وأرهبوهم إرهاباً شديداً، كأنهم استدعوا رهبتهم ﴿ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ في باب السحر.

روي أنهم لونوا حبالهم وخشبهم وجعلوا فيها ما يوهم الحركة.

قيل: جعلوا فيها الزئبق ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ ما موصولة أو مصدرية، بمعنى: ما يأفكونه أي يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزوّرونه تسمية للمأفوك بالإفك روي أنها لما تلقفت ملئ الوادي من الخشب والحبال رفعها موسى.

أوإفكهم فرجعت عصى كما كانت، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرّقها أجزاء لطيفة قالت للسحرة: لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ﴿ فَوَقَعَ الحق ﴾ فحصل وثبت.

ومن بدع التفاسير: فوقع قلوبهم، أي فأثر فيها من قولهم.

قاس وقيع ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ وصاروا أذلاء مبهوتين ﴿ وَأُلْقِىَ السحرة ﴾ وخرّوا سجداً: كأنما ألقاهم ملق لشدّة خرورهم.

وقيل: لم يتمالكوا مما رأوا، فكأنهم ألقوا.

وعن قتادة: كانوا أول النهار كفاراً سحرة؛ وفي آخره شهداء بررة.

وعن الحسن: تراه ولد في الإسلام ونشأ بين المسلمين يبيع دينه بكذا، وكذا، وهؤلاء كفار نشأوا في الكفر، بذلوا أنفسهم لله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ جَعَلَهم مُلْقِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَقَّ بَهَرَهم واضْطَرَّهم إلى السُّجُودِ بِحَيْثُ لَمْ يُبْقِ لَهم تَمالُكٌ، أوْ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ حَتّى يَنْكَسِرَ فِرْعَوْنُ بِالَّذِينِ أرادَ بِهِمْ كَسْرَ مُوسى ويَنْقَلِبُ الأمْرُ عَلَيْهِ، أوْ مُبالَغَةً في سُرْعَةِ خَرُورِهِمْ وشِدَّتِهِ.

﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ .

﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ أبْدَلُوا الثّانِيَ مِنَ الأوَّلِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أرادُوا بِهِ فِرْعَوْنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين} وخروا سجداً لله كأنما ألقاهم ملق لشدة خروهرم أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا فكانوا أول النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَغُلِبُوا ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.

﴿ هُنالِكَ ﴾ أيْ: في ذَلِكَ المَجْمَعِ العَظِيمِ.

﴿ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ أيْ: صارُوا أذِلّاءَ أوْ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ كَذَلِكَ، فالِانْقِلابُ إمّا مَجازٌ عَنِ الصَّيْرُورَةِ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ أوْ بِمَعْنى الرُّجُوعِ، فَصاغِرِينَ حالٌ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنَ قَطْعًا، وجُوِّزَ رُجُوعُ ضَمِيرِ غُلِبُوا وانْقَلَبُوا عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ إلى السَّحَرَةِ أيْضًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهم لا ذِلَّةَ لَهُمْ، والحَمْلُ عَلى الخَوْفِ مِن فِرْعَوْنَ أوْ عَلى ما قَبْلَ الإيمانِ لا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ مِن ( أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ) إلَخْ أنَّهم خَرُّوا ساجِدِينَ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الحَقَّ بَهَرَهم واضْطَرَّهم إلى السُّجُودِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم تَمالُكٌ فَكَأنَّ أحَدًا دَفَعَهم وألْقاهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ألْهَمَهم ذَلِكَ وحَمَلَهم عَلَيْهِ، فالمُلْقِي هو اللَّهُ تَعالى بِإلْهامِهِ لَهم حَتّى يَنْكَسِرَ فِرْعَوْنُ بِالَّذِينِ أرادَ بِهِمْ كَسْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَنْقَلِبَ الأمْرُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جارِيًا مَجْرى التَّمْثِيلِ مُبالَغَةً في سُرْعَةِ خُرُورِهِمْ وشِدَّتِهِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الأخْفَشِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ مُشاكَلَةً لِما مَعَهُ مِنَ الإلْقاءِ إلّا أنَّهُ دُونَ ما تَقَدَّمَ، يُرْوى أنَّ اجْتِماعَ القَوْمِ كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ، وأنَّهُ بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البَحْرِ، وأنَّها فَتَحَتْ فاهًا ثَمانِينَ ذِراعًا فابْتَلَعَتْ ما صَنَعُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، وقَصَدَتِ النّاسَ فَفَزِعُوا ووَقَعَ الزِّحامُ فَماتَ مِنهم لِذَلِكَ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، ثُمَّ أخَذَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَعادَتْ في يَدِهِ عَصًا كَما كانَتْ، وأعْدَمَ اللَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العِظامَ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، فَلَمّا رَأى السَّحَرَةُ ذَلِكَ عَرَفُوا أنَّهُ مِن أمْرِ السَّماءِ ولَيْسَ مِنَ السِّحْرِ في شَيْءٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ: خَرُّوا سُجَّدًا، والمُتَبادَرُ مِنَ السُّجُودِ حَقِيقَتُهُ، ولا يَبْعُدُ أنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِكَيْفِيَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ سَجَدا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ظُهُورِ الحَقِّ فاقْتَدَوْا بِهِما وسَجَدُوا مَعَهُما، وحُمِلَ السُّجُودُ عَلى الخُضُوعِ، أيْ أنَّهم خَضَعُوا لَمّا رَأوْا ما رَأوْا خِلافَ الظّاهِرِ الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ مِن غَيْرِ داعٍ إلى ارْتِكابِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني: اطرح عصاك إلى الأرض فألقى عَصَاهُ من يده فصارت حية أعظم من جميع حياتهم فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ يعني: تلتقم وتأكل جميع ما جاءوا به من الكذب والسحر.

قرأ عاصم في رواية حفص تَلْقَفْ بجزم اللام والتخفيف.

وقرأ الباقون بنصب اللام وتشديد القاف، ومعناهما واحد.

ثم إن الحية قصدت إلى فرعون، فنادى موسى فأخذها، فإذا هي عصا على حالها فنظرت السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت فَوَقَعَ الْحَقُّ أي استبان الحق وظهر أنه ليس بسحر وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر أي: ذهب وهلك واضمحل فَغُلِبُوا هُنالِكَ أي وغَلَب موسى السحرة عند ذلك وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ يعني: رجعوا ذليلين.

قالوا: لو كان هذا سحراً فأين صارت حبالنا وعصينا.

ولو كانت سحراً لبقيت حبالنا وعصينا وهذا من الله تعالى وليس بسحر.

فآمنوا بموسى.

قوله تعالى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ يعني: خروا ساجدين لله تعالى.

قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا.

ويقال: وفّقهم الله تعالى للسجود قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال لهم فرعون: إياي تعنون.

فأراد أن يلبس على قومه فقالوا: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ فقدم فرعون لما سألهم، لأن بعض الناس كانوا يظنون عند مقالتهم رب العالمين أنهم أرادوا به فرعون.

فلما سألهم فرعون وقالوا: برب موسى وهارون، ظهر عند جميع الناس أنهم لم يريدوا به فرعون، وإنما أرادوا به الإيمان بموسى وبرب العالمين.

قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ يعني: صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يعني: قبل أن آمركم بالإيمان بموسى.

قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم.

وقرأ الباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ويكون استفهاماً.

إلا عاصم في رواية حفص قرأ آمنتم بهمزة واحدة بغير مد على وجه الخبر.

إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يعني: صنعاً صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في المدينة لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعني: إنكم أردتم أن تخرجوا الناس من مصر بسحركم.

ثم قال لهم: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ماذا أفعل بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني: اليد اليمنى والرجل اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي: لا نبالي من عقوبتك وفعلك فإن مرجعنا إلى الله تعالى يوم القيامة.

قال تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا يعني: وما تعيب علينا، وما تنكر منا إلا إيماننا بالله تعالى.

ويقال: وما نقمتك علينا ولم يكن منا ذنب إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا يعني: لما ظهر عندنا أنه حق.

ثم سألوا الله تعالى الصبر على ما يصيبهم لكي لا يرجعوا عن دينهم فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً يعني: أنزل علينا صبراً عند القطع والصلب، ومعناه: ارزقنا الصبر وثبت قلوبنا حتى لا نرجع كفاراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ على دين موسى.

وروي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: كانت السحرة أول النهار كفاراً فجرة، وآخر النهار شهداء بررة.

وقال بعض الحكماء: إن سحرة فرعون كانوا كفروا خمسين سنة فغفر لهم بإقرار واحد وبسجدة فكيف بالذي أقر وسجد خمسين سنة كيف لا يرجو رحمته ومغفرته؟.

قوله تعالى وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني: إن السحرة قد آمنوا به فلو تركتهما يؤمن بهما جميع أهل مصر، فيفسدوا في الأرض يعني: موسى وقومه ويغيروا عليك دينك في أرض مصر وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ وذلك أن فرعون كان قد جعل لقومه أصناماً يعبدونها، وكان يقول لهم هؤلاء أربابكم الصغار، وأنا ربكم الأعلى.

فذلك قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني: يدعك ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها.

وروي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني: عبادتك وتعبدك.

قال ابن عباس: كان فرعون يُعْبد ولا يَعْبُد.

ويقال: معنى قوله: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني: يغلبوا عليكم، ويقتلون أبناءكم، ويستحيون نساءكم كما فعلتم بهم كما قال في آية أخرى إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر: 26] فقال لهم فرعون: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ لأنهم قد كانوا تركوا قتل الأبناء، فأمرهم أن يرجعوا إلى ذلك الفعل.

قرأ ابن كثير ونافع سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ بجزم القاف والتخفيف.

وقرأ الباقون بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة في القتل.

ثم قال: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي: مسلطون فشكت بنو إسرائيل إلى موسى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب «العَظِيم» ، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرّ «١» .

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ:

وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم/، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل.

وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسوله، وتَلْقَفُ معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير «٢» : «تَلْقُم» بالميم.

وقوله سبحانه: فَوَقَعَ الْحَقُّ ...

الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان «٣» :

فوقع، أي: فظهر، و «الحَقُّ» : يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهور الإعجاز، وما كانُوا يَعْمَلُونَ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: فَغُلِبُوا:

عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم.

قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)

وقوله سبحانه: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، لما رأَى السحرة من عظيم القدرة ما تيقّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.

قال ع «١» : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضمير في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم «٢» .

وقوله سبحانه: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا..

الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور «٣» : «تنْقِمُ» - بكسر القاف-، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ «٤» ، قال ابن عباسٍ:

لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل «٥» ، وقولُ ملإِ فرعونَ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَزَعَ يَدَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أدْخَلَ يَدَهُ في جَيْبِهِ، ثُمَّ أخْرَجَها، فَإذا هي تَبْرُقُ مِثْلَ البَرْقِ، لَها شُعاعٌ غَلَبَ نُورَ الشَّمْسِ، فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ؛ ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ فَصارَتْ كَما كانَتْ.

قالَ مُجاهِدٌ: بَيْضاءُ مِن غَيْرِ بَرَصٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَماذا تَأْمُرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما الَّذِي تُشِيرُونَ بِهِ عَلَيَّ؟

وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ، وأنَّ كَلامَ المَلَإ انْقَطَعَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ مِن أرْضِكُمْ ﴾ .

قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلَإ، كَأنَّهم خاطَبُوا فِرْعَوْنَ ومَن يَخُصُّهُ، أوْ خاطَبُوهُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ لَلرَّئِيسِ: المُطاعُ ماذا تَرَوْنَ؟

قَوْلُهُ تَعالى: أُرْجِئُهُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ "أرْجِهْؤُ" مَهْمُوزٌ بِواوٍ بَعْدَ الهاءِ في اللَّفْظِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ يَضُمُّ الهاءَ ضَمَّةً، مِن غَيْرِ أنْ يُبَلِّغَ بِها الواوَ؛ وكانا يَهْمِزانِ: (مُرْجَؤْنَ)[التَّوْبَةِ:١٠٦] و(تُرْجِئُ)[الأحْزابِ:٥١] .

وَقَرَأ قالُوا والمُسَيِّبِي عَنْ نافِعٍ "أرْجِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، ولا يَبْلُغُ بِها الياءَ، ولا يَهْمِزُ.

ورَوى عَنْهُ ورَشٌ: "أرْجِهِي" يَصِلُها بِياءٍ، ولا يَهْمِزُ بَيْنَ الجِيمِ والهاءِ.

وكَذَلِكَ قالَ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرَ عَنْ نافِعٍ؛ وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "أرْجِهْ" ساكِنَةَ الهاءِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ عاصِمٌ في غَيْرِ رِوايَةِ المُفَضَّلِ، وقَدْ رَوى عَنْهُ المُفَضَّلُ كَسْرَ الهاءِ مِن غَيْرِ إشْباعٍ ولا هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرَ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ (الشُّعَراءِ:٣٦) .

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أرِّجْهُ: أخِّرْهُ؛ وقَدْ يَهْمِزُ، يُقالُ: أرْجَأْتُ الشَّيْءَ، وأرْجَيْتُهُ.

ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ  ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ: بَنُو أسَدٍ تَقُولُ: أرَجِيتُ الأمْرَ، بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ عامَّةُ قِيسٍ؛ وبَعْضُ بَنِي تَمِيمٍ يَقُولُونَ: أرْجَأتُ الأمْرَ، بِالهَمْزِ، والقُرّاءُ مُولَعُونَ بِهَمْزِها، وتَرْكُ الهَمْزِ أجْوَدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرْسِلْ في المَدائِنِ ﴾ يَعْنِي مَدائِنَ مِصْرَ، (حاشِرِينَ) أيْ: مَن يَحْشُرُ السَّحَرَةَ إلَيْكَ ويَجْمَعُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ الشُّرْطُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: (ساحِرٌ) وفي (يُونُسَ:٧٩): (بِكُلِّ ساحِرٍ)؛ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (سَحّارٍ) في المَوْضِعَيْنِ؛ ولا خِلافَ في (الشُّعَراءِ:٣٧) أنَّها: (سَحّارٌ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ إنَّ لَنا لأجْرًا ﴾ مَكْسُورَةَ الألِفِ عَلى الخَبَرِ، وفي (الشُّعَراءِ:٤١) (آَيَنَ) مَمْدُودَةً مَفْتُوحَةَ الألِفِ، غَيْرَ أنَّ حَفْصًا رَوى عَنْ عاصِمٍ في (الشُّعَراءِ:٤١): (أإنْ) بِهَمْزَتَيْنِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: (آَيِنَ لَنا) مَمْدُودَةً في السُّورَتَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِهَمْزَتَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: الِاسْتِفْهامُ أشْبَهُ بِهَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا عَلى أنَّ لَهُمُ الأجْرَ، وإنَّما اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ أيْ: ولَكم مَعَ الأجْرِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ عِنْدِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَشَّوْا أعْيُنَ النّاسِ وأخَذُوها.

(واسْتَرْهَبُوهُمْ) أيْ: خَوَّفُوهم.

وقالَ الزَّجّاجُ: اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهم حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هي تَلْقَفُ ﴾ وقَرَأ عاصِمٌ: تَلَقُّف ساكِنَةَ اللّامِ، خَفِيفَةَ القافِ هاهُنا وفي (طه:٦٩)، و(الشُّعَراءِ:٤٥) .

ورَوى البَزِّيُّ، وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (تَلَقَّفَ) بِتَشْدِيدِ التّاءِ.

قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: لَقَفْتُ الشَّيْءَ، فَأنا ألْقُفَهُ لَقْفًا ولُقْفانًا؛ والمَعْنى: تَبْتَلِعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ أيْ: يَكْذِبُونَ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّها حَيّاتٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبانَ.

﴿ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ السِّحْرِ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ اخْتَلَفُوا في عَدَدِ السَّحَرَةِ عَلى ثَلاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا.

أحَدُها: اثْنانِ وسَبْعُونَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: اثْنانِ وسَبْعُونَ ألْفًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: سَبْعُونَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والرّابِعُ: اثْنا عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ كَعْبٌ.

والخامِسُ: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ عَطاءٌ، وَكَذَلِكَ قالَ وهْبٌ في رِوايَةٍ، ألا أنَّهُ قالَ: فاخْتارَ مِنهم سَبْعَةَ آَلافٍ.

والسّادِسُ: سَبْعُمِائَةٍ.

ورَوى عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ أبِيهِ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: كانَ عَدَدُ السَّحَرَةِ الَّذِينَ عارَضُوا مُوسى سَبْعِينَ ألْفًا، مُتَخَيِّرِينَ مِن سَبْعِمِائَةِ ألْفٍ، ثُمَّ إنَّ فِرْعَوْنَ اخْتارَ مِنَ السَّبْعِينَ الألْفَ سَبْعَمِائَةٍ.

والسّابِعُ: خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّامِنُ: تِسْعُمِائَةٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والتّاسِعُ: ثَمانُونَ ألْفًا، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.

والعاشِرُ: بِضْعَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والحادِي عَشَرَ: خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي عَشَرَ: تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا، رَواهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والثّالِثَ عَشَرَ: أرْبَعُمِائَةٍ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَأمّا أسْماءُ رُؤَسائِهِمْ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: رُؤُوسُ السَّحَرَةِ سانُورُ، وعاذُورُ، وحَطْحَطُ، ومُصَفّى، وهُمُ الَّذِينَ آَمَنُوا، كَذا حَكاهُ ابْنُ ماكُولا.

ورَأيْتُ عَنْ غَيْرِ ابْنُ إسْحاقَ: سابُورا، وعازُورا، وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ أكْبَرِهِمْ شَمْعُونُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا، وخَشَبًا طِوالًا، فَكانَتْ مِيلًا في مِيلٍ، فَألْقى مُوسى عَصاهُ، فَإذا هي أعْظَمُ مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، قَدْ سَدَّتِ الأُفُقَ، ثُمَّ فَتَحَتْ فاها ثَمانِينَ ذِراعًا، فابْتَلَعَتْ ما ألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ، وجَعَلَتْ تَأْكُلُ جَمِيعَ ما قَدَرَتْ عَلَيْهِ مِن صَخْرَةٍ أوْ شَجَرَةٍ، والنّاسُ يَنْظُرُونَ، وفِرْعَوْنُ يَضْحَكُ تَجَلُّدًا، فَأقْبَلَتِ الحَيَّةُ نَحْوَ فِرْعَوْنَ، فَصاحَ: يا مُوسى، يا مُوسى، فَأخَذَها مُوسى، وعَرَفَتِ السَّحَرَةُ أنَّ هَذا مِنَ السَّماءِ، ولَيْسَ هَذا بِسِحْرٍ، فَخَرُّوا سُجَّدًا، وقالُوا آَمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ فَقالَ فِرْعَوْنُ: إيّايَ تُمَنُّونَ؟

فَقالُوا: رَبُّ مُوسى وهارُونَ، فَأصْبَحُوا سَحَرَةً، وأمْسَوْا شُهَداءَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَما صارَتْ ثُعْبانًا حَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعُشْرُونَ ألْفًا.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَقِيَ مُوسى أمِيرَ السَّحَرَةِ، فَقالَ: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا، أتُؤْمِنُ بِي ؟فَقالَ السّاحِرُ: لَآَتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ السِّحْرُ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبَتْنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يَأْمُرَهم مُوسى بِالإلْقاءِ، وفِعْلُ السِّحْرِ كُفْرٌ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ مَضْمُونَ أمْرِهِ: إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فَألْقَوْا.

والثّانِي: ألْقَوْا عَلى ما يَصِحُّ، لا عَلى ما يُفْسِدُ ويَسْتَحِيلُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ والثّالِثُ: إنَّما أمَرَهم بِالإلْقاءِ لِتَكُونَ مُعْجِزَتُهُ أظْهَرَ، لِأنَّهم إذا ألْقَوْا، ألْقى عَصاهُ فابْتَلَعَتْ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ وإنَّما سَجَدُوا بِاخْتِيارِهِمْ؟

فالجَوابُ أنَّهُ لَمّا زالَتْ كُلُّ شُبْهَةٍ بِما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مِن أمْرِهِ، اضْطَرَّهم عَظِيمُ ما عايَنُوا إلى مُبادَرَةِ السُّجُودِ، فَصارُوا مَفْعُولِينَ في الإلْقاءِ تَصْحِيحًا وتَعْظِيمًا لَشَأْنِ ما رَأوْا مِنَ الآَياتِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا آَمَنَتِ السَّحَرَةُ، اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةَ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ﴾ ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ ﴿ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ.

ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.

و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.

ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.

وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.

والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟

فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.

وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عَطْف على ﴿ فغُلبوا وانقَلبوا ﴾ [الأعراف: 119]، فهو في حيز فاء التعقيب، أي: حصل ذلك كله عقب تلقف العصا ما يأفكون، أي: بدون مهلة، وتعقيب كل شيء بحسبه، فسجود السحرة متأخر عن مصيرهم صاغرين، ولكنه متأخر بزمن قليل وهو زمن انقداح الدليل على صدق موسى في نفوسهم، فإنهم كانوا أعلم الناس بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية، ولذلك لما رأوا تلقف عصا موسى لحبالهم وعصيهم جزموا بأن ذلك خارج عن طوق الساحر، فعلموا أنه تأييد من الله لموسى وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى حق، فلذلك سجدوا، وكان هذا خاصاً بهم دون بقية الحاضرين، فلذلك جيء بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يلتبس بالضمير الذي قبله الذي هو شامل للسحرة وغيرهم.

والإلقاء: مستعمل في سرعة الهُوِي إلى الأرض، أي: لم يتمالكوا أن سجدوا بدون تريث ولا تردد.

وبُني فعل الإلقاء للمجهول لظهور الفاعل، وهو أنفسُهم، والتقدير: وألقَوْا أنفسهم على الأرض.

و ﴿ ساجدين ﴾ حال، والسجود هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض يقصد منها الإفراط في التعظيم، وسجودهم كان لله الذي عرفوه حينئذٍ بظهور معجزة موسى عليه السلام والداعي إليه بعنوان كونه رب العالمين.

وجملة: ﴿ قالوا ﴾ بدل اشتمال من جملة: ﴿ ألقي السحرة ﴾ لأن الهوي للسجود اشتمل على ذلك القول، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون، ولذلك وصفوا الله بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دَعا به موسى عليه السلام، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسماً علماً لله تعالى، إذ لم يكن لله اسم عندهم، وقد عُلم بذلك أنهم كفروا بالإهية فرعون.

وزادوا هذا القصد بياناً بالإبدال من ﴿ رب العالمين ﴾ قولّهم ﴿ رب موسى وهارون ﴾ لئلا يُتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين، وتعين في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنها أخصر طريق، وأوضحه هنا، لاسيما إذا لم يكونوا يعرفون اسماً علماً على الذات العلية.

وهذا ما يقتضيه تعليم الله اسمه لموسى حين كلمه فقال: ﴿ إنني أنا الله ﴾ في سورة طه (14).

وفي سفر الخروج ﴿ وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل (يهوه) إله آبائكم ﴾ الخ الإصحاح الثالث.

وفصلت جملة: ﴿ قال فرعون ﴾ لوقوعها في طريق المحاورة.

وقوله: ﴿ أآمنتم ﴾ قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام بهمزتين فمنهم من حققها، وهم: حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وروْح عن يعقوب، وخلفٌ، ومنهم من سهل الثانية مَدّة، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان، وهؤلاء هم: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأه حفص عن عاصم بهمزة واحدة فيجوز أن يكون إخباراً، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع.

والاستفهام للإنكار والتهديد مجازاً مرسلاً مركباً، والإخبار مستعمل كذلك أيضاً لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحُوا بذلك وعلموه، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى، أي: آمنتم بما قاله، أو إلى رب موسى.

وجملة: ﴿ إن هذا لمكر ﴾ الخ...

خبر مراد به لازم الفائدة أي: قد علمتُ مرادكم لأن المخاطَب لا يخبَر بشيء صَدر منه، كقول عنترة: إنْ كنتتِ أزمعتتِ الفراق فإنما *** زُمّتْ ركابُكُم بليل مظلم أي: إن كنت أخفيتتِ عني عزمك على الفراق فقد علمتُ أنكم شددتُم رحالكم بليل لترحلوا خفية.

وقوله: ﴿ قَبْلَ أنْ آذنَ لكُم ﴾ ترق في موجب التوبيخ، أي لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان، وَفصْلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ.

والمكر تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ في سورة آل عمران (54)، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ أفأمنوا مَكر الله ﴾ [الأعراف: 99] والضمير المنصوب في ﴿ مكرتموه ﴾ ضمير المصدر المؤكّد لفعله.

و ﴿ في ﴾ ظرفية مجازية: جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع العنصر المفسد، أي: أردتم إضرار أهلها، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا جدوى لها إذ معلوم لكل أحد أن مكرهم وقع في تلك المدينة، وفسره في «الكشاف» بأنهم دبروه في المدينة حين كانوا بها قبل الحضور إلى الصحراء التي وقعت فيها المحاورة، وقد تبين أن المراد بالظرفية ما ذكرناه بالتعليل الذي بعدها في قوله: ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ والمراد هنا بعض أهلها، وهم بنو إسرائيل، لأن موسى جاء طلباً لإخراج بني إسرائيل كما تقدم.

وقول فرعون هذا يحتمل أنه قاله موافقاً لظنه على سبيل التهمة لهم لأنه لم يكن له علم بدقائق علم السحر حتى يفرق بينه وبين المعجزة الخارقة للعادة، فظن أنها مكيدة دبرها موسى مع السحرة، وأنه لكونه أعلمهم أو معلمهم أمرهم فاتمروا بأمره، كما في الآية الأخرى ﴿ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ﴾ [طه: 71].

ويحتمل أنه قاله تمويهاً وبهتاناً ليصرف الناس عن اتباع السحرة، وعن التأثر بغلبة موسى إياهم فيدخل عليهم شكاً في دلالة الغلبة واعتراف السحرة بها، وأن ذلك مواطاة بين الغالب والمغلوب لغاية مقصودة، وهو موافق في قوله هذا، لما كان أشار به.

الملأ من قومه حين قالوا: ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ [الشعراء: 35] وأيّا ما كان فعزمه على تعذيبهم مصير إلى الظلم والغشم لأنه ما كان يحق له أن يأخذهم بالتهمة، بله أن يعاقبهم على المصير إلى الحجة، ولكنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت.

وَفرع على الإنكار والتوبيخ الوعيدَ بقوله: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ ، وحذف مفعول ﴿ تعلمون ﴾ لقصد الإجمال في الوعيد لإدخال الرعب، ثم بيّنه بجملة ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ .

ووقوع الجمع معرفاً بالإضافة يكسبه العموم فيعم كل يدَ وكل رجْل من أيدي وأرجل السحرة.

و ﴿ منْ ﴾ في قوله: ﴿ من خلاف ﴾ ابتدائية لبيان موضع القطع بالنسبة إلى العضو الثاني، وقد تقدم بيان نظيرها عند قوله تعالى: ﴿ أو تُقطّعُ أيْدِيهمْ وَأرْجُلُهمْ من خلاف ﴾ في سورة المائدة (33).

فالمعنى: أنه يقطع من كل ساحر يداً ورجلاً متخالفتي الجهة غير متقابلتيها، أي: إنْ قطعَ يدَه اليمنى قطعَ رجله اليسرى والعكس، وإنما لم يقطع القوائم الأربع لأن المقصود بقاء الشخص متمكناً من المشي متوكئاً على عود تحت اليد من جهة الرجل المقطوعة.

ودلت ثُم } على الارتقاء في الوعيد بالثلب، والمعروف أن الصلب أن يقتل المرء مشدوداً على خشبة، وتقدم في قوله: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ في سورة النساء (157)، وعلى هذا يكون توعّدهم بنوعين من العذاب.

والوعيد موجّه إلى جماعتهم فعلم أنه جعلهم فريقين: فريق يعذب بالقطع من خلاف، وفريق يعذب بالصلب والقتل، فعلى هذا ليس المعنى على أنه يصلبهم بعد أن يقطعهم، إذ لا فائدة في تقييد القطع بكونه من خلاف حينئذٍ ويحتمل أن يراد بالصلب: الصلب دون قتل، فيكون أراد صلبهم بعد القطع ليجعلهم نكالاً ينذعر بهم الناس، كيلا يُقدم أحد على عصيان أمره من بعد، فتكون (ثم) دالة على الترتيب والمهلة، ولعل المهلة قصد منها مدة كيّ واندمال موضع القطع، وهذا هو المناسب لظاهر قوله: ﴿ أجمعين ﴾ المفيد أن الصلب ينالهم كلهم.

وفصلت جملة ﴿ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ لوقوعها في سياق المحاورة.

والانقلابُ: الرجوع وقد تقدم قريباً.

وهذا جواب عن وعيد فرعون بأنه وعيد لا يضيرهم، لأنهم يعلمون أنهم صائرون إلى الله رب الجميع، وقد جاء هذا الجواب موجزاً إيجازاً بديعاً لأنه يتضمن أنهم يرجون ثواب الله على ما ينالهم من عذاب فرعون، ويرجون منه مغفرة ذنوبهم، ويرجون العقابَ لفرعون على ذلك، وإذا كان المراد بالصلب القتل وكان المراد تهديد جميع المؤمنين، كان قولهم: ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ تشوقاً إلى حلول ذلك بهم محبة للقاء الله تعالى، فإن الله تعالى لما هداهم إلى الإيمان أكسبهم محبة لقائه، ثم بينوا أن عقاب فرعون لا غضاضة عليهم منه، لأنه لم يكن عن جناية تَصمهم بل كان على الإيمان بآيات لما ظهرت لهم.

أي: فإنك لا تعرف لنا سبباً يوجب العقوبة غير ذلك.

والنّقْم: بسكون القاف وبفتحها، الإنكار على الفعل، وكراهة صدوره وحقد على فاعله، ويكون باللسان وبالعمل، وفعله من باب ضرب وتعب، والأول أفصح ولذلك قرأه الجميع ﴿ ومَا تنقمُ ﴾ بكسر القاف.

والاستثناء في قولهم: ﴿ إلاّ أن آمنا بآيات ربنا ﴾ متصل، لأن الإيمان ينقمه فرعون عليهم، فليس في الكلام تأكيد الشيء بما يشبه ضده.

وجملة ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ من تمام كلامهم، وهي انتقال من خطابهم فرعون إلى التوجه إلى دعاء الله تعالى، ولذلك فصلت عن الجملة التي قبلها.

ومعنى قوله: ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ اجعل لنا طاقة لتحمل ما توعدنا به فرعون.

ولما كان ذلك الوعيد مما لا تطيقه النفوس سألوا الله أن يجعل لنفوسهم صبراً قوياً، يفوق المتعارف، فشه الصبر بماء تشبيه المعقول بالمحسوس، على طريقة الاستعارة المكنية، وشبه خلقُه في نفوسهم بإفراغ الماء من الإناء على طريقة التخييلية، فإن الإفراغ صّب جميع ما في الإناء، والمقصود من ذلك الكناية عن قوة الصبر لأن إفراغ الإناء يستلزم أنه لم يبق فيه شيء مما حواه، فاشتملت هذه الجملة على مكنية وتخييلية وكناية.

وتقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ في سورة البقرة (250).

ودعوا لأنفسهم بالوفاة على الإسلام إيذاناً بأنهم غير راغبين في الحياة، ولا مبالين بوعيد فرعون، وأن همتهم لا ترجو إلاّ النجاة في الآخرة، والفوزَ بما عند الله، وقد انخذل بذلك فرعون، وذهب وعيده باطلاً، ولعله لم يحقق ما توعدهم به لأن الله أكرمهم فنجاهم من خزي الدنيا كما نجاهم من عذاب الآخرة.

والقرآن لم يتعرض هنا، ولا في سورة الشعراء، ولا في سورة طه، للإخبار عن وقوع ما توعدهم به فرعون لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل العبرة وهو تأييد الله موسى وهداية السحرة وتصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم للوعيد بنفوس مطمئنّة.

وليس من غرض القرآن معرفة الحوادث كما قال في سورة النازعات (26): ﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ فاختلاف المفسرين في البحث عن تحقيق وعيد فرعون زيادة في تفسير الآية.

والظاهر أن فرعون أفحم لما رأى قلة مبالاتهم بوعيده فلم يُرد جواباً.

وذكرُهم الإسلام في دعائهم يدل على أن الله ألهمهم حقيقته التي كان عليها النبيّون والصديقون من عهد إبراهيم عليه السلام.

والظاهر أن كلمة مسلمين } تعبير القرآن عن دعائهم بأن يتوفاهم الله على حالة الصديقين، وهي التي يجمعُ لفظُ الإسلام تفصيلها، وقد تقدم شرح معنى كون الإسلام وهو دين الأنبياء عند قوله: ﴿ فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ في سورة البقرة (132).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَصا أوَّلُ آياتِ مُوسى وكانَتْ مِن آسِّ الجَنَّةِ، طُولُها عَشَرَةُ أذْرُعٍ بِطُولِ مُوسى، قَصَدَ بابَ فِرْعَوْنَ فَألْقى عَلَيْهِ الفَزَعَ، فَشابَ فَخَضَّبَ بِالسَّوادِ اسْتِحْياءً مِن قَوْمِهِ، فَكانَ فِرْعَوْنُ أوَّلَ مَن خَضَّبَ بِسَوادٍ.

﴿ فَإذا هي تَلْقَفُ ﴾ مَعْنى تَلْقَفُ هو سُرْعَةُ التَّناوُلِ إلّا أنَّ المُرادَ هُنا سُرْعَةُ ابْتِلاعِهِ بِالفَمِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وهي في بَعْضِ القِراءاتِ تَلقَّمُ بِالمِيمِ والتَّشْدِيدِ، قالَ الشّاعِرُ: أنْتَ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَلْقَمُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ما يَأْفِكُونَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ يُقَلِّبُونَ، ومِنهُ المُؤْتَفِكاتُ أيِ المُنْقَلِباتُ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

والثّانِي: مَعْناهُ يَكْذِبُونَ لِأنَّ الإفْكَ هو الكَذِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ أمَرَ مُوسى السَّحَرَةَ أنْ يُلْقُوا وذَلِكَ مِنهم كُفْرٌ ولا يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَ بِهِ نَبِيٌّ؟

قِيلَ عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَضْمُونَ أمْرِهِ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فَألْقُوا.

والثّانِي: القَوْلُ عَلى ما يَصِحُّ ويَجُوزُ لا عَلى ما يَفْسِدُ ويَسْتَحِيلُ.

قَوْلُهُ: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ أيْ ظَهَرَ الحَقُّ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وفي الحَقِّ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ظَهَرَتْ عَصا مُوسى عَلى حِبالِ السَّحَرَةِ.

والثّانِي: ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ مُوسى عَلى رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ في سُجُودِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَجَدُوا لِمُوسى تَسْلِيمًا لَهُ وإيمانًا بِهِ.

والثّانِي: أنَّهم سَجَدُوا لِلَّهِ إقْرارًا بِرُبُوبِيَّتِهِ، لِأنَّهم ﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ وفي سُجُودِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ ألْهَمَهم ذَلِكَ لُطْفًا بِهِمْ.

والثّانِي: أنَّ مُوسى وهارُونَ سَجَدا شُكْرًا لِلَّهِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ فاقْتَدَوْا بِهِما في السُّجُودِ لِلَّهِ طاعَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.

وفي لفظ: كانوا سحرة في أول النهار وشهداء آخر النهار حين قتلوا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: كان سحرة فرعون اثني عشر ألفاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: جمع له خمسة عشر ألف ساحر.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: سحرة فرعون سبعة عشر الفاً.

وفي لفظ تسعة عشر ألفاً.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: كان السحرة بضعة وثلاثين ألفاً ليس منهم رجل إلا معه حبل أو عصا، فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم بن أبي بزة قال: سحرة فرعون كانوا سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله إليه: يا موسى ألقِ عصاك.

فألقى عصاه فإذا هي ثعبان فاغر فاه فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: كانت السحرة الذين توفاهم الله مسلمين ثمانين ألفاً.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: السحرة ثلاثمائة من قرم، ثلاثمائة من العريش، ويشكون في ثلاثمائة من الاسكندرية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا إنَّ لنا لأجراً ﴾ أي ائن لنا لعطاء وفضيلة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما ألقوا ﴾ قال: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فأقبلت تخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ﴾ قال: أوحى الله إلى موسى أن ألق ما في يمينك، فألقى عصاه فأكلت كل حية، فلما رأوا ذلك سجدوا.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ﴾ فألقى عصاه فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله وعصيهم وحبالهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ قال: يكذبون.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ قال: تسترط حبالهم وعصيهم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن السحرة قالوا حين اجتمعوا: إن يك ما جاء به سحراً فلن يغلب، وإن يك من الله فسترون.

فلما ألقى عصاه أكلت ما افكوا من سحرهم وعادت كما كانت علموا أنه من الله، فألقوا عند ذلك ساجدين قالوا: آمنا برب العالمين.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى، أرأيتك إن غلبتك اتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟

قال الساحر: لآتينَّ غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم، وهو قول فرعون: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتظاهر أفتخرجا منها أهلها؟.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فوقع الحق ﴾ قال: ظهر ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ قال: ذهب الإِفك الذي كانوا يعملون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: لما خرَّ السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ﴾ إذ التقيتما لتظاهر افتخرجا منها أهلها ﴿ لأقطعن أيديكم...

﴾ الآية: قال قتلهم وقطعهم كما قال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: كان من رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى فيها بلغني سابور، وعاذور، وحطحط، ومصفى.

أربعة هم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله، فآمنت معهم السحرة جميعاً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أول من صلب فرعون، وهو أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما ألقوا ما في أيديهم من السحر، ألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فتحت فَماً لها مثل الرحى فوضعت مشفرها على الأرض ورفعت المشفر الآخر فاستوعبت كل شيء ألقوه من حبالهم وعصيهم، ثم جاء إليها فأخذها فصارت عصا كما كانت، فخرت بنو إسرائيل سجداً وقالوا: آمنا برب موسى وهارون قال: ﴿ آمنتم له قبل أن آذن لكم ﴾ الآية.

قال: فكان أول من قطع من خلاف وأول من صلب في الأرض فرعون.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ قال: يداً من هاهنا ورجلاً من ههنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: خروا لله عابدين سامعين مطيعين) (١) وقال مقاتل: (ألقاهم الله ساجدين) (٢) وقال الأخفش: (من سرعة ما سجدوا كأنهم أُلقوا؛ لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين، وكأن ملقياً ألقاهم) (٣) وقال غيره (٤) (١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 219.

(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266، وفي "تفسير مقاتل" 2/ 54: قال: ( ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ لله) اهـ.

(٣) ذكره السمرقندي في "تفسيره" 1/ 561، والثعلبي 6/ 6 ب، والبغوي 3/ 266، ولم أقف عليه في "معانيه".

(٤) هذا قول الطبري في "تفسيره" 9/ 22، وانظر: "تفسير الماوردي" 2/ 246.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ لما ألقاها صارت ثعباناً عظيماً على قدر الحبل وقيل: إنه طال حتى جاوز الفيل ﴿ تَلْقَفُ ﴾ أي تبتلع ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ أي ما صوروا من إفكهم وكذبهم، وروي: أن الثعبان أكل ملء الوادي من حبالهم وعصيهم ومدّ موسى يده إليه فصار عصا كما كان، فعلم السحرة أن ذلك ليس من السحر، وليس في قدرة البشر، فآمنوا بالله وبموسى عليه السلام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حقيق على ﴾ بالتشديد: نافع.

الباقون: بالتخفيف ﴿ معي ﴾ بفتح الياء حيث كان: حفص ﴿ أرجه ﴾ بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ أرجه ﴾ بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون ﴿ أرجهي ﴾ بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل ﴿ أرجئه ﴾ بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني ﴿ أرجئهو ﴾ بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ﴿ أرجئه ﴾ بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ سحار ﴾ بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس.

وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة.

البقون ﴿ ساحر ﴾ .

﴿ أن لنا ﴾ بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص.

﴿ أئن لنا ﴾ بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام.

يدخل بينهما مدة ﴿ آين لنا ﴾ المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد.

﴿ أين لنا ﴾ بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح.

الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل.

﴿ آمنتم ﴾ بهمزة واحدة ممدودة: حفص.

﴿ أأمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

﴿ آمنتم ﴾ بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ فرعون وآمنتم ﴾ بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل ﴿ وآمنتم ﴾ بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل.

الوقوف: ﴿ فظلموا بها ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج وقف لمن قرأ ﴿ حقيق عليّ ﴾ بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل ﴿ حقيق ﴾ وصف الرسول و"على" بمعنى الباء ﴿ إلا الحق ﴾ ط ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ﴿ من أرضكم ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون ﴿ قاهرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب الأمر ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه ﴿ الملقين ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عصاك ﴾ ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ﴿ ما يأفكون ﴾ ه ﴿ وكذلك يعملون ﴾ ه ﴿ صاغرين ﴾ ه ج لمكان حروف العطف ﴿ ساجدين ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قالوا ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ العالمين ﴾ ه لا للبدر ﴿ هرون ﴾ ه ﴿ آذن لكم ﴾ ج للابتداء مع اتحاد القائل ﴿ أهلها ﴾ ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ منقلبون ﴾ ه للآية مع اتحاد المقول ﴿ جاءتنا ﴾ ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ﴿ المسلمين ﴾ ه.

التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى  .

وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء.

والضمير في قوله ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي.

﴿ فظلموا بها ﴾ أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها.

﴿ وانظر ﴾ أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ كيف فعلنا بهم؟

وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ﴾ أي إله قادر عليم حكيم.

وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ﴿ حقيق على أن لا أقول ﴾ من قرأ بالتشديد في ﴿ عليّ ﴾ و ﴿ حقيق ﴾ إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك.

تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً.

وأما قراءة العامة ﴿ حقيق علي أن لا أقول ﴾ مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط  ﴾ أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ ﴿ حقيق بأن لا أقول ﴾ أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق.

ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص.

ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع.

وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به.

وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله  ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها  ﴾ ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات.

فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق.

ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ أي بمعجزة قاهرة باهرة منه.

ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم.

وذلك أن يوسف  لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟

والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً.

وثانيهما: أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية ﴾ وقوله ﴿ فأت بها ﴾ كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟

وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك.

ثم إن فرعون لما طالب موسى  بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله  ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ﴾ ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات.

أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر.

روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك.

وهرب الناسوصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً.

والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء  ﴾ روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟

فقال: يدك.

ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى  آدم شديد الأدمة وقوله ﴿ للناظرين ﴾ يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب.

واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل.

والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة.

فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء.

قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً.

هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين.

قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة.

والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله  قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى  كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله  ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ ولا ينافي هذا ما حكاه الله  في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة.

والأظهر أن قوله ﴿ فماذا تأمرون ﴾ من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك.

قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز.

وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا.

﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز ﴿ مدائن ﴾ لأنه كصحائف.

وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن.

وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر.

وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ﴿ يأتوك بكلّ سحار ﴾ الباء بمعنى "مع" أو للتعدية.

قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم.

وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.

وقيل: سبعين ألفاً.

وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل.

وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى.

وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا  فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟

فأجيب ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ﴿ قال نعم ﴾ أي إن لكم أجراً ﴿ وإنكم لمن المقربين ﴾ أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم.

روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.

وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟

قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به.

وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم.

ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا ﴿ يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم ﴿ وإما أن نكون نحن ﴾ بالأمر أليق منه بالخبر.

وبدليل قوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد.

فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين  ﴾ وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله  كان لا ينقص عددها علىالعشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده.

ثم بين السبب في الغلبة فقال ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون  ﴾ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة.

وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور.

قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم.

وقال الأنصار.

شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا.

وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله  بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة.

وبعث رسول الله  عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة.

وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك.

قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله  أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال  وتعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ .

قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.

وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره.

وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر.

وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.

ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي الذي عملوه أو عملهم ﴿ فغلبوا هنالك ﴾ أي حين التحدي ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته.

روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي.

قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة.

وفي قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين ﴾ دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله  الموجد للدواعي والقدر.

وقال الأخفش.

من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.

قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟

وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان.

قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون.

فلما قالوا ﴿ رب موسى ﴾ قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا ﴿ هارون ﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون.

وقيل:أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى.

وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً.

ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم.

أما الإنكار فذلك قوله ﴿ آمنتم له ﴾ من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار.

وفي قوله قبل ﴿ أن آذن لكم ﴾ دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين.

وأما الشبهة فقوله ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ﴾ أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل.

وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة  م أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟

فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد إجمالي وتفصيله ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي كل من شق طرفاً ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا.

فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون ﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض  ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله ﴿ وقومه ﴾ وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده.

وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ﴿ وما تنقم منا ﴾ قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ﴾ وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله  وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً.

فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله  وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف.

واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ، ﴿ وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ ، ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ ، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا ﴿ وأرسل في المدائن ﴾ وهناك ﴿ وابعث ﴾ فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره.

وإنما قال ههنا ﴿ آمنتم به ﴾ وفي طه والشعراء ﴿ آمنتم له ﴾ باللام لأن ضمير ﴿ به ﴾ في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد.

وقال ههنا ﴿ ثم لأصلبنكم ﴾ وفي السورتين ﴿ لأصلبنكم ﴾ لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه.

التأويل: ﴿ فظلموا بها ﴾ بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها ﴿ حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله ﴿ هي عصاي  ﴾ ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ﴿ ألقها يا موسى  ﴾ ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله  في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية.

﴿ قالوا أرجه وأخاه ﴾ توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم.

﴿ أئن لنا لأجر ﴾ لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية ﴿ قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾ أجرى الله  هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي ﴾ أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله  بالسجود والإيمان ﴿ بسحر عظيم ﴾ أي عظيم في الإثم كما قال ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس ﴿ فوقع الحق ﴾ بإثبات لا إله إلا الله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ من تزيين زخارف الدنيا في العيون ﴿ فغلبوا ﴾ أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية.

﴿ رب موسى ﴾ الروح ﴿ وهارون ﴾ القلب.

واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق.

وفي القصة دلالة على أنه  قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله ﴿ لمكر مكرتموه ﴾ في موافقة موسى الروح في مدينة القالب ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ هو اللذات والشهوات البدنية ﴿ لأقطعن ﴾ بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ﴿ ثم لأصلبنكم في جذوع ﴾ تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْوۤاْ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ ﴾ : في المنزلة والقدر عندي، هذا يدل أن همة الساحر ليس إلا الدنيا؛ [لأنهم طلبوا من فرعون الأجر والقدر والمنزلة عنده إنْ كانوا هم الغالبين، ولا يجوز من همته الدنيا] وما ذكر أن يكون له الرسالة بحال، وهمّة الأنبياء كانت الدين وطلب الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ ﴾ .

هذا ليس على إلقاء هذا، وترك أولئك الإلقاء؛ لأنه لو كان على إلقاء أحدهما لكان لا يتبين السحر من الآية، لكن إلقاء الأول كأنهم قالوا: يا موسى إما أن تلقي أولاً أو نحن الملقون أول مرة، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ  ﴾ ، وقول موسى: ﴿ أَلْقَوْاْ ﴾ كأنه أمره ربه أن يأمر بذلك؛ قال موسى: ﴿ أَلْقَوْاْ فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ هذا يدل أن السحر إنما يأخذ الأبصار على غير حقيقة كانت له، وهو كالسراب الذي يرى من بعيد؛ كقوله: ﴿ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...

 ﴾ الآية، فعلى ذلك السحر يأخذ الأبصار ظاهراً، فإذا هو في الحقيقة باطل لا شيء، وكالخيال في القلوب لا حقيقة له، وكان قصدهم بالسحر استرهاب الناس، وتخويفهم به.

ألا ترى أنه ذكر في آية أخرى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ  ﴾ ، وقد ذكرنا أن ما جاء به الرسل لو كان سحراً في الحقيقة، لكان ذلك حجة لهم في إثبات الرسالة؛ لأن قومهم لم يروهم اختلفوا إلى ساحر قط، فيدل ذلك أنهم إنما عرفوا ذلك بالله  ، وهو كالأنباء التي أتى بها رسول الله  .

وقوله: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ  ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أخذ سحرهم بصره كما أخذ أعين الناس.

والثاني: خاف أن سحرهم يمنع أولئك عن رؤية حقيقة ما جاء به.

وقوله: ﴿ سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ ﴾ أي: أخذوا كقوله: ﴿ مَّسْحُورُونَ  ﴾ ، أي: مأخوذ أعينكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ فيه أن موسى كان لا يلقي عصاه إلا بعد الأمر بالإلقاء، وكذلك قوله: ﴿ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ  ﴾ و ﴿ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ  ﴾ ونحوه، كان لا يضرب بالعصا، ولا يلقي إلا بعد الأمر بالإلقاء والضرب؛ ليعلم أن في ذلك امتحاناً لموسى فيما يؤمر بالإلقاء على الأرض لتصير حية، وفيما يأمره بالضرب بها الحجر والبحر، ولله أن يمتحن عبده بما شاء من أنواع المحن، وإلا كان قادراً أن يفلق البحر على غير الأمر بالضرب بالعصا، وكذلك يفجر الحجر، ويشقه على غير ضرب بالعصا، وكذلك يصير العصا حيّة وهي في يده، ولكن أمره بذلك كله - والله أعلم - امتحاناً منه إياه وابتلاء، إذ هي دار محنة وابتلاء؛ إذ في زمن موسى كان السحر هو الظاهر، وكان الناس وقتئذ يعملون بالسحر، فجاء موسى من الآيات على رسالته بنوع ما كانوا يعملون به، ومن جنس ذلك؛ ليعرفوا بخروجه عن وسعهم أن ذلك [ليس بسحر]، ولكن آية سماوية، وكذلك ما جاء عيسى من الآيات جاء بنوع ما كان يعمله قومه، وهو الطب، فجاء بنوع الطب ليعلموا أن بالله عرف ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ .

قال القتبى: تلقف: تلتقم وتلقم، اشتقاقه من اللقم والابتلاع.

وقوله: ﴿ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ قيل: ما يكذبون.

قال الحسن: ﴿ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ حبالهم وعصيهم.

وقيل: ﴿ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ ما جاءوا به من الكذب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ ﴾ .

قيل: أي: ظهر الحق، ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، أي: بطل ما عملوا من السحر.

والثاني: ﴿ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: ترك السحرة العمل بالسحر إذ ظهر الحق لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ ﴾ .

أي: عند ذلك غلب السحرة؛ لأنهم قالوا لفرعون في الابتداء: ﴿ إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ  ﴾ ، فذكر هاهنا أنهم غلبوا عند ظهور الحق، لا أنهم صاروا غالبين، وقوله: ﴿ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ ﴾ ليس غلبة القهر والقسر، ولكن غلبة بالحجج والبراهين، أي: غلبوا بالحجج والآيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنقَلَبُواْ صَاغِرِينَ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: رجع السحرة لما غلبوا صاغرين مذللين.

لكن نقول: رجع فرعون وقومه إلى منازلهم مذللين لا السحرة؛ لأن السحرة قد آمنوا فلا يحتمل أن يوصفوا بالرجوع صاغرين مذللين، وقد رجعوا مع الإيمان.

وقوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَأُلْقِيَ ﴾ ، أي: أمروا بالسجود، فسجدوا.

وقال آخرون: قوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ﴾ ، أي: لسرعة ما سجدوا، كأنهم ألقوا، والآية [ترد] على المعتزلة؛ لأنهم ينكرون أن يكون لله  في فعل العباد صنع، وههنا قد أضيف الفعل إلى غيرهم بقوله: ﴿ وَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ دل أن لله في فعل العباد صنعاً.

وهو أن خلق فعل السجود منهم.

وقال جعفر بن حرب: يجوز أن يضاف الفعل إلى غير، وإن لم يكن لذلك الغير في ذلك الفعل صنع؛ نحو: ما يقال في السفر: إن هؤلاء خلفوا أولئك، وهم لم يخلفوا أولئك في الحقيقة، ولا صنع لهم في التخليف، ثم أضيف إليهم فعل التخليف، فعلى ذلك هذا.

يقال: إن لهم في ذلك صنعاً، وهو أنهم إذا لم ينتظروهم فقد خلفوهم، فلهم في ذلك صنع، فأضيف إليهم.

أو أن يقال: إنهم لا يملكون تخليف هؤلاء فأما الله  وتعالى فهو قادر أن يلقيهم أي: بما يخلق منهم فعل السجود، فأضيف الفعل إليه لذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ ﴾ قال بعض أهل التأويل: إنهم لما قالوا: آمنا برب العالمين، قال لهم فرعون: إياي تعنون، فعند ذلك قالوا: لا، ولكن ربّ موسى وهارون، ولكن لا ندري هذا، وموسى أول ما جاء فرعون ودعاه إلى دينه قال له: ﴿ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ  ﴾ ، فلا يحتمل أن يشكل عليه قولهم: ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ أنهم إياه عنوا بذلك، وجائز أن يكون آمنا بربّ العالمين الذي أرسل موسى وهارون رسولاً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما كان من السحرة حين شاهدوا عظيم قدرة الله، ورأوا الآيات البينات، إلا أن خرُّوا سُجَّدًا له سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات من حكمة الله ورحمته أن جعل آية كل نبي مما يدركه قومه، وقد تكون من جنس ما برعوا به.

أنّ فرعون كان عبدًا ذليلًا مهينًا عاجزًا، وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى  .

يدل على ضعف السحرة -مع اتصالهم بالشياطين التي تلبي مطالبهم- طلبهم الأجر والجاه عند فرعون.

<div class="verse-tafsir" id="91.dqmVL"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله