الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٢٤ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 87 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٤ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم فسر هذا الوعيد بقوله : ( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ) يعني : يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى أو بالعكس .
و ( لأصلبنكم أجمعين ) وقال في الآية الأخرى : ( في جذوع النخل ) [ طه : 71 ] أي : على الجذوع .
قال ابن عباس : وكان أول من صلب ، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف ، فرعون .
القول في تأويل قوله : لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل فرعون للسحرة إذ آمنوا بالله وصدقوا رسوله موسى: " لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف "، وذلك أن يقطع من أحدهم يده اليمنى ورجله اليسرى, أو يقطع يده اليسرى ورجله اليمنى, فيخالف بين العضوين في القَطْع, فمخالفته في ذلك بينهما هو " القطع من خلاف ".
(6) .
* * * ويقال: إن أوّل من سن هذا القطع فرعون= " ثم لأصلبنكم أجمعين "، وإنما قال هذا فرعون, لما رأى من خذلان الله إياه، وغلبة موسى عليه السلام وقهره له.
14956 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو داود الحفري وحبوية الرازي, عن يعقوب القمي, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين "، قال: أوّل من صلّب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف، فرعون.
(7) .
---------------- الهوامش : (6) انظر تفسير (( القطع من خلاف )) فيما سلف 10 : 268 .
(7) الأثر 14956 - (( حبوية الرازي )) ، هو (( إسحق بن إسماعيل الرازي )) ، (( أبو يزيد )) ، مضى برقم : 14365 ، 14550 .
قال ابن عباس : كان فرعون أول من صلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف ، الرجل اليمنى واليد اليسرى ، واليد اليمنى والرجل اليسرى ، عن الحسن .
ثم توعدهم فرعون بقوله: {فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} ما أحل بكم من العقوبة.
{لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} زعم الخبيث أنهم مفسدون في الأرض، وسيصنع بهم ما يصنع بالمفسدين، من تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، أي: اليد اليمنى والرجل اليسرى.
{ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ} في جذوع النخل، لتختزوا بزعمه {أَجْمَعِينَ} أي: لا أفعل هذا الفعل بأحد دون أحد، بل كلكم سيذوق هذا العذاب
( لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ) وهو أن يقطع من كل شق طرفا .
قال الكلبي : لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى ، ( ثم لأصلبنكم أجمعين ) على شاطئ نهر مصر .
«لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف» أي يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى «ثم لأصلِّبنَّكم أجمعين».
لأقطعنَّ أيديكم وأرجلكم -أيها السحرة- من خلاف: بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى والرجل اليمنى، ثم لأعلقنَّكم جميعًا على جذوع النخل؛ تنكيلا بكم وإرهابًا للناس.
ثم فصل هذا الوعيد بقوله : ( لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) .أى : أقسم لأقطعن من كل شق منكم عضواً مغايراً للآخر ، كاليد من الجانب الأيمن ، والرجل من الجانب الأيسر ، ثم لأصلبنكم أجمعين تفضيحاً لكم ، وتنكيلا لأمثالكم .
ومع أن فرعون قد توعد هؤلاء المؤمنين بالعذاب والتشويه والتنكيل والموت القاسى البطىء الموهوب ، فإننا نراهم يقابلون كل ذلك بالصبر الجميل ، والإيمان العميق ، والاستهانة ببطش فرعون وجبروته فيقولون له بكل ثبات واطمئنان :
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية حفص ﴿ أَمِنتُمْ ﴾ بهمزة واحدة على لفظ الخبر وكذلك في طه والشعراء وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي ﴿ أَأَمِنتُمْ ﴾ بهمزتين في جميع القرآن وقرأ الباقون بهمزة واحدة ممدودة في جميع على الاستفهام.
قال الفراء: أما قراءة حفص ﴿ أَمِنتُمْ ﴾ بلفظ الخبر من غير مد، فالوجه فيها أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم والإنكار عليهم، وأما القراءة بالهمزتين فأصله ﴿ أَأَمِنتُمْ ﴾ على وزن أفعلتم.
المسألة الثانية: اعلم أن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوة موسى عليه السلام عند اجتماع الخلق العظيم خاف أن يصير ذلك حجة قوية عند قومه على صحة نبوة موسى عليه السلام فألقى في الحال نوعين من الشبهة إلى إسماع العوام، لتصير تلك الشبهة مانعة للقوم من اعتقاد صحة نبوة موسى عليه السلام.
فالشبهة الأولى: قوله: ﴿ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة ﴾ والمعنى: أن إيمان هؤلاء بموسى عليه السلام ليس لقوة الدليل، بل لأجل أنهم تواطئوا مع موسى أنه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك ونقر بنبوتك، فهذا الإيمان إنما حصل بهذا الطريق.
والشبهة الثانية: أن غرض موسى والسحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة وإبطال ملكهم، ومعلوم عند جميع العقلاء أن مفارقة الوطن والنعمة المألوفة من أصعب الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين اللتين لا يوجد أقوى منهما في هذا الباب.
وروى محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم: أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال موسى عليه السلام: «أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به الحق؟
قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع قولهما، فهذا هو قول فرعون ﴿ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ ».
واعلم أن هذا يحتمل أنه كان قد حصل، ويحتمل أيضاً أن فرعون ألقى هذا الكلام في البين، ليصير صارفاً للعوام عن التصديق بنبوة موسى عليه السلام.
قال القاضي: وقوله: ﴿ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ ﴾ دليل على مناقضة فرعون في ادعاء الإلهية، لأنه لو كان إلهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا به مع أنه يدعوهم إلى إلهية غيره، ثم قال: وذلك من خذلان الله تعالى الذي يظهر على المبطلين.
أما قوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ لا شبهة في أنه ابتداء وعيد، ثم إنه لم يقتصر على هذا الوعيد المجمل، بل فسره فقال: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقطع اليد والرجل من خلاف معروف المعنى، وهو أن يقطعهما من جهتين مختلفتين، أما من اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو من اليد اليسرى والرجل اليمنى، وأما الصلب فمعروف فتوعدهم بهذين الأمرين العظيمين، واختلفوا في أنه هل وقع ذلك منه؟
وليس في الآية ما يدل على أحد الأمرين.
واحتج بعضهم على وقوعه بوجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن الملأ من قوم فرعون أنهم قالوا له: ﴿ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة وقومه أحياء وما قتلهم، لذكرهم أيضاً ولحذرهم عن الإفساد الحاصل من جهتهم.
ويمكن أن يجاب عنه بأنهم دخلوا تحت قومه فلا وجه لإفرادهم بالذكر.
والثاني: أن قوله تعالى حكاية عنهم ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ يدل على أنه كان قد نزل بهم بلاء شديد عظيم، حتى طلبوا من الله تعالى أن يصبرهم عليه.
ويمكن أن يجاب عنه بأنهم طلبوا من الله تعالى الصبر على الإيمان وعدم الالتفات إلى وعيده.
الثالث: ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه فعل ذلك وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وهذا هو الأظهرمبالغة منه في تحذير القوم عن قبول دين موسى عليه السلام.
وقال آخرون: إنه لم يقع من فرعون ذلك، بل استجاب الله تعالى لهم الدعاء في قولهم: ﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ لأنهم سألوه تعالى أن يكون توفيهم من جهته لا بهذا القتل والقطع وهذا الاستدلال قريب.
ثم حكى تعالى عن القوم ما لا يجوز أن يقع من المؤمن عند هذا الوعيد أحسن منه، وهو قولهم لفرعون: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بئايات رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا ﴾ فبينوا أن الذي كان منهم لا يوجب الوعيد ولا إنزال النقمة بهم، بل يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يتأسى بهم في الإقرار بالحق والاحتراز عن الباطل عند ظهور الحجة والدليل.
يقال: نقمت أنقم إذا بالغت في كراهية الشيء، وقد مر عند قوله: ﴿ قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا ﴾ قال ابن عباس: يريد ما أتينا بذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا.
والمراد: ما أتى به موسى عليه السلام من المعجزات القاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله تعالى.
ثم قالوا: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ معنى الإفراغ في اللغة الصب.
يقال: درهم مفرغ إذا كان مصبوباً في قالبه وليس بمضروب، وأصله من إفراغ الإناء وهو صب ما فيه حتى يخلو الإناء وهو من الفراغ، فاستعمل في الصبر على التشبيه بحال إفراغ الإناء.
قال مجاهد: المعنى صب علينا الصبر عند الصلب والقطع، وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ أكمل من قوله: أنزل علينا صبراً، لأنا ذكرنا أن إفراغ الإناء هو صب ما فيه بالكلية، فكأنهم طلبوا من الله كل الصبر لا بعضه.
والفائدة الثانية: أن قوله: ﴿ صَبْراً ﴾ مذكور بصيغة التنكير، وذلك يدل على الكمال والتمام، أي صبراً كاملاً تاماً كقوله تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة ﴾ أي على حياة كاملة تامة.
والفائدة الثالثة: إن ذلك الصبر من قبلهم ومن أعمالهم، ثم إنهم طلبوه من الله تعالى، وذلك يدل على أن فعل العبد لا يحصل إلا بتخليق الله وقضائه.
قال القاضي: إنما سألوه تعالى الألطاف التي تدعوهم إلى الثبات والصبر، وذلك معلوم في الأدعية.
والجواب: هذا عدول عن الظاهر، ثم الدليل يأباه، وذلك لأن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعية الجازمة وحصولها ليس إلا من قبل الله عز وجل، فيكون الكل من الله تعالى.
وأما قوله: ﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ فمعناه توفنا على الدين الحق الذي جاء به موسى عليه السلام وفيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا على أن الإيمان والإسلام لا يحصل إلا بخلق الله تعالى، ووجه الاستدلال به ظاهر.
والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف والكلام عليه معلوم مما سبق.
المسألة الثانية: احتج القاضي بهذه الآية على أن الإيمان والإسلام واحد.
فقال إنهم قالوا أولاً ﴿ ءَامَنَّا بئايات رَبِّنَا ﴾ ثم قالوا ثانياً: ﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ فوجب أن يكون هذا الإسلام هو ذاك الإيمان، وذلك يدل على أن أحدهما هو الآخر والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ءَامَنْتُمْ بِهِ ﴾ على الإخبار، أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، توبيخاً لهم وتقريعاً.
وقرئ: ﴿ أآمنتم ﴾ ، بحرف الاستفهام، ومعناه الإنكار والاستبعاد ﴿ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي المدينة ﴾ إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا إلى هذه الصحراء قد تواطأتم على ذلك لغرض لكم، وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل، وكان هذالكلام من فرعون تمويهاً على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان.
وروي أن موسى عليه السلام قال للساحر الأكبر: أتؤمن بي إن غلبتك؟
قال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر.
وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون يسمع، فلذلك قال ما قال: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ وعيد أجمله ثم فصله بقوله: ﴿ لأُقَطّعَنَّ ﴾ وقرئ: ﴿ لأقطعن ﴾ بالتخفيف، وكذلك ﴿ ثُمَّ لأُصَلّبَنَّكُمْ ﴾ ﴿ مّنْ خلاف ﴾ من كل شقّ طرفاً.
وقيل: إن أوّل من قطع من خلاف وصلب لفرعون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ بِاللَّهِ أوْ بِمُوسى، والِاسْتِفْهامُ فِيهِ لِلْإنْكارِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوحٌ عَنْ يَعْقُوبَ وهِشامٌ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ عَلى الأصْلِ.
وقَرَأ حَفْصٌ ﴿ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ عَلى الإخْبارِ، وقَرَأ قُنْبَلٌ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ ﴾ ، و « آمَنتُمْ» يُبْدِلُ في حالِ الوَصْلِ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ واوًا مَفْتُوحَةً ويَمُدُّ بَعْدَها مَدَّةً في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ وقَرَأ في طَهَ عَلى الخَبَرِ بِهَمْزَةٍ وألِفٍ وقَرَأ في الشُّعَراءِ عَلى الِاسْتِفْهامِ بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ مُطَوَّلَةٍ في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ الأُولى وتَلْيِينِ الثّانِيَةِ.
﴿ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ ﴾ أيْ إنَّ هَذا الصَّنِيعَ لَحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى.
﴿ فِي المَدِينَةِ ﴾ في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا لِلْمِيعادِ.
﴿ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها ﴾ يَعْنِي القِبْطَ وتَخْلُصُ لَكم ولِبَنِي إسْرائِيلَ.
﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ عاقِبَةَ ما فَعَلْتُمْ، وهو تَهْدِيدٌ مُجْمَلٌ تَفْصِيلُهُ: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ﴾ مِن كُلِّ شِقٍّ طَرَفًا.
﴿ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ تَفْضِيحًا لَكم وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكم.
قِيلَ إنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ ذَلِكَ فَشَرَعَهُ اللَّهُ لِلْقُطّاعِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِمْ ولِذَلِكَ سَمّاهُ مُحارَبَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ، ولَكِنْ عَلى التَّعاقُبِ لِفَرْطِ رَحْمَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{لأَقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ} من كل شق طرفاً {ثُمَّ لأَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} هو أول من قطع من خلاف وصلب
ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالتَّفْصِيلِ فَقالَ: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ﴾ أيْ: مِن كُلِّ جانِبٍ عُضْوًا مُغايِرًا لِلْآخَرِ كاليَدِ مِن جانِبٍ والرِّجْلِ مِن آخَرَ، والجارُّ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُخْتَلِفَةً، والقَوْلُ بِأنَّ (مِن) تَعْلِيلِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ أيْ لِأجْلِ خِلافِكم بَعِيدٌ.
﴿ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ تَفْضِيحًا لَكم وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكُمْ، والتَّصْلِيبُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّلْبِ وهو الشَّدُّ عَلى خَشَبَةٍ أوْ غَيْرِها، وشاعَ في تَعْلِيقِ الشَّخْصِ بِنَحْوِ حَبْلٍ في عُنُقِهِ لِيَمُوتَ وهو المُتَعارَفُ اليَوْمَ، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ الصَّلْبَ الَّذِي عَناهُ الجَبّارُ هو شَدُّ الشَّخْصِ مِن تَحْتِ الإبِطَيْنِ وتَعْلِيقُهُ حَتّى يَهْلَكَ، وهو كَقَطْعِ الأيْدِي والأرْجُلِ أوَّلُ مَن سَنَّهُ فِرْعَوْنُ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وشَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِمْ، ولِهَذا سَمّاهُ سُبْحانَهُ مُحارَبَةً لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني: اطرح عصاك إلى الأرض فألقى عَصَاهُ من يده فصارت حية أعظم من جميع حياتهم فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ يعني: تلتقم وتأكل جميع ما جاءوا به من الكذب والسحر.
قرأ عاصم في رواية حفص تَلْقَفْ بجزم اللام والتخفيف.
وقرأ الباقون بنصب اللام وتشديد القاف، ومعناهما واحد.
ثم إن الحية قصدت إلى فرعون، فنادى موسى فأخذها، فإذا هي عصا على حالها فنظرت السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت فَوَقَعَ الْحَقُّ أي استبان الحق وظهر أنه ليس بسحر وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر أي: ذهب وهلك واضمحل فَغُلِبُوا هُنالِكَ أي وغَلَب موسى السحرة عند ذلك وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ يعني: رجعوا ذليلين.
قالوا: لو كان هذا سحراً فأين صارت حبالنا وعصينا.
ولو كانت سحراً لبقيت حبالنا وعصينا وهذا من الله تعالى وليس بسحر.
فآمنوا بموسى.
قوله تعالى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ يعني: خروا ساجدين لله تعالى.
قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا.
ويقال: وفّقهم الله تعالى للسجود قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال لهم فرعون: إياي تعنون.
فأراد أن يلبس على قومه فقالوا: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ فقدم فرعون لما سألهم، لأن بعض الناس كانوا يظنون عند مقالتهم رب العالمين أنهم أرادوا به فرعون.
فلما سألهم فرعون وقالوا: برب موسى وهارون، ظهر عند جميع الناس أنهم لم يريدوا به فرعون، وإنما أرادوا به الإيمان بموسى وبرب العالمين.
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ يعني: صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يعني: قبل أن آمركم بالإيمان بموسى.
قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم.
وقرأ الباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ويكون استفهاماً.
إلا عاصم في رواية حفص قرأ آمنتم بهمزة واحدة بغير مد على وجه الخبر.
إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يعني: صنعاً صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في المدينة لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعني: إنكم أردتم أن تخرجوا الناس من مصر بسحركم.
ثم قال لهم: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ماذا أفعل بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني: اليد اليمنى والرجل اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي: لا نبالي من عقوبتك وفعلك فإن مرجعنا إلى الله تعالى يوم القيامة.
قال تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا يعني: وما تعيب علينا، وما تنكر منا إلا إيماننا بالله تعالى.
ويقال: وما نقمتك علينا ولم يكن منا ذنب إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا يعني: لما ظهر عندنا أنه حق.
ثم سألوا الله تعالى الصبر على ما يصيبهم لكي لا يرجعوا عن دينهم فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً يعني: أنزل علينا صبراً عند القطع والصلب، ومعناه: ارزقنا الصبر وثبت قلوبنا حتى لا نرجع كفاراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ على دين موسى.
وروي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: كانت السحرة أول النهار كفاراً فجرة، وآخر النهار شهداء بررة.
وقال بعض الحكماء: إن سحرة فرعون كانوا كفروا خمسين سنة فغفر لهم بإقرار واحد وبسجدة فكيف بالذي أقر وسجد خمسين سنة كيف لا يرجو رحمته ومغفرته؟.
قوله تعالى وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني: إن السحرة قد آمنوا به فلو تركتهما يؤمن بهما جميع أهل مصر، فيفسدوا في الأرض يعني: موسى وقومه ويغيروا عليك دينك في أرض مصر وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ وذلك أن فرعون كان قد جعل لقومه أصناماً يعبدونها، وكان يقول لهم هؤلاء أربابكم الصغار، وأنا ربكم الأعلى.
فذلك قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني: يدعك ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها.
وروي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني: عبادتك وتعبدك.
قال ابن عباس: كان فرعون يُعْبد ولا يَعْبُد.
ويقال: معنى قوله: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني: يغلبوا عليكم، ويقتلون أبناءكم، ويستحيون نساءكم كما فعلتم بهم كما قال في آية أخرى إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر: 26] فقال لهم فرعون: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ لأنهم قد كانوا تركوا قتل الأبناء، فأمرهم أن يرجعوا إلى ذلك الفعل.
قرأ ابن كثير ونافع سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ بجزم القاف والتخفيف.
وقرأ الباقون بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة في القتل.
ثم قال: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي: مسلطون فشكت بنو إسرائيل إلى موسى: <div class="verse-tafsir"
وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب «العَظِيم» ، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرّ «١» .
وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ:
وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم/، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل.
وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسوله، وتَلْقَفُ معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير «٢» : «تَلْقُم» بالميم.
وقوله سبحانه: فَوَقَعَ الْحَقُّ ...
الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان «٣» :
فوقع، أي: فظهر، و «الحَقُّ» : يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهور الإعجاز، وما كانُوا يَعْمَلُونَ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: فَغُلِبُوا:
عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم.
قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)
وقوله سبحانه: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، لما رأَى السحرة من عظيم القدرة ما تيقّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.
قال ع «١» : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضمير في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم «٢» .
وقوله سبحانه: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا..
الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور «٣» : «تنْقِمُ» - بكسر القاف-، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ «٤» ، قال ابن عباسٍ:
لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل «٥» ، وقولُ ملإِ فرعونَ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "ءَآَمَنتُمْ بِهِ" بِهَمْزَةٍ ومُدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "أآَمَنتُمْ" بِهِ فاسْتَفْهَمُوا بِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مَمْدُودَةٌ.
وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "آَمَنتُمْ بِهِ" عَلى الخَبَرِ.
ورَوى ابْنُ الإخْرِيطِ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "قالَ فِرْعَوْنُ وأمِنتُمْ بِهِ" فَقَلَبَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وجَعَلَ الثّانِيَةَ مُلَيَّنَةً بَيْنَ بَيْنَ.
ورَوى قَنْبَلٌ عَنِ القَوّاسِ مِثْلَ رِوايَةِ ابْنِ الإخْرِيطِ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ بَعْدَ الواوِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هَمْزٌ بَعْدَ الواوِ، لِأنَّ هَذِهِ الواوَ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وبَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ "أفَعَلْتُمْ" فَحَقَّقَها ولَمْ يُخَفِّفْها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ ﴾ قالَ ابْنُ السّائِبِ: لَصَنِيعٌ صَنَعْتُمُوهُ فِيما بَيْنَكم وبَيْنَ مُوسى في مِصْرَ قَبْلَ خُرُوجِكم إلى هَذا المَوْضِعِ لَتَسْتَوْلُوا عَلى مِصْرَ فَتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) عاقِبَةَ ما صَنَعْتُمْ، ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ﴾ وهو قَطْعُ اليَدِ اليُمْنى والرِّجْلِ اليُسْرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وأوَّلُ مَن صُلِبَ، فِرْعَوْنُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ﴾ ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ ﴿ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ﴾ ﴿ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ ﴾ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا" أيْ بِأنْ ألْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى "أيْ"، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا كانَ يَوْمُ الجَمْعِ، خَرَجَ مُتَّكِئًا عَلى عَصاهُ ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صَفَّ لَهُ السَحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ حَسَبَما ذُكِرَ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا أوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ، فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَعَظُمَ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: إنَّهُ طالَ حَتّى جازَ النِيلَ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِمِصْرَ وإنَّهُ طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ مِنَ الصَوابِ مُفْرِطُ الإغْراقِ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا ألْقَوْا وألْقى مُوسى عَصاهُ جَعَلُوا يَرْقُونَ، وجَعَلَتْ حِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ، وجَعَلَتْ عَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ عَصًا فَعِنْدَها آمَنَ السَحَرَةُ.
ورُوِيَ أنَّ عَصا مُوسى كانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِما السَلامُ، وكانَتْ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: كانَتْ مِنَ العَيْنِ الَّذِي في وسَطِ ورَقِ الرَيْحانِ، وقِيلَ: كانَتْ غُصْنًا مِنَ الخُبَّيْزِ، وقِيلَ: كانَتْ لَها شُعْبَتانِ، وقِيلَ: كانَتْ عَصا الأنْبِياءِ مُخْتَزَنَةً عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا اسْتَرْعى مُوسى، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَخُذْ عَصًا فَذَهَبَ إلى البَيْتِ فَطارَتْ هَذِهِ إلى يَدِهِ، فَأمَرَهُ شُعَيْبٌ بَرَدِّها وأخْذِ غَيْرِها فَفَعَلَ فَطارَتْ هي إلى يَدِهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ شُعَيْبًا فَتَرَكَها لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ دَفَعَ العَصا إلى مُوسى في طَرِيقِ مَدْيَنَ.
و"تَلْقَفُ" مَعْناهُ: تَبْتَلِعُ وتَزْدَرِدُ، و"ما يَأْفِكُونَ" مَعْناهُ: ما صَوَّرُوا فِيهِ إفْكَهم وكَذِبَهُمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلَقَّفُ"، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وفَتْحِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "تَّلَقَّفُ" بِتَشْدِيدِ التاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ مِن "تَتَلَقَّفُ"، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تَتَرَتَّبُ إلّا في الوَصْلِ، وأمّا في الِابْتِداءِ في الفِعْلِ فَلا يُمْكِنُ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَلْقَمُ" بِالمِيمِ، أيْ تَبْتَلِعُ كاللُقْمَةِ.
ورُوِيَ أنَّ الثُعْبانَ اسْتَوْفى تِلْكَ الحِبال والعَصِيَّ أكْلًا وأعْدَمَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ إلى فَمِهِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللهِ ورَسُولِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَقَعَ الحَقُّ ﴾ الآيَةُ، "وَقَعَ" مَعْناهُ: نَزَلَ ووُجِدَ، و"الحَقُّ" يُرِيدُ بِهِ سُطُوعَ البُرْهانِ وظُهُورَ الإعْجازِ واسْتِمْرارَ التَحَدِّي إلى الدِينِ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، و ﴿ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ سِحْرَ السَحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَغُلِبُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِهِمْ مِن سَحَرَةٍ ومِن سَعْيِ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ﴾ إنْ قَدَّرْنا انْقِلابَ الجَمْعِ قَبْلَ إيمانِ السَحَرَةِ فَهم في الضَمِيرِ، وإنْ قَدَّرْناهُ بَعْدَ إيمانِهِمْ، فَلَيْسُوا في الضَمِيرِ، ولا لَحِقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتُشْهِدُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ ﴾ الآياتُ، لَمّا رَأى السَحَرَةُ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ ما تَيَقَّنُوا بِهِ نُبُوَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ، وانْضافَ إلى ذَلِكَ الِاسْتِهْوالُ والِاسْتِعْظامُ والفَزَعُ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَخَرُّوا سُجَّدًا لِلَّهِ تَعالى مُتَطارِحِينَ، وآمَنُوا نُطْقًا بِألْسِنَتِهِمْ، وتَبَيُّنُهُمُ الرَبَّ بِذِكْرِ مُوسى وهارُونَ زَوالٌ عن رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ وما كانَ يَتَوَهَّمُ فِيهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ رَبُّ الناسِ، وهارُونُ أخُو مُوسى أسَنُّ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ.
وَقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ، لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم مُفارَقَةَ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ في كُلِّ القُرْآنِ: "أمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "آمَنتُمْ" بِهَمْزَةٍ ومَدَّةٍ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وكَذَلِكَ في طَهَ والشُعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في الثَلاثَةِ مَواضِعَ: "أآمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَمْدُودَةٌ، ورَواها الأعْمَشُ عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ أبِي الإخْرِيطِ عنهُ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَها واوًا فَأجْرى المُنْفَصِلَ مَجْرى المُتَّصِلِ في قَوْلِهِمْ "تُوَدَةٌ" في "تُؤَدَةٍ"، وقَرَأ قُنْبُلٌ عَنِ القَوّاسِ: "وَآمَنتُمْ" وهي عَلى القِراءَةِ بِالهَمْزَتَيْنِ "أآمَنتُمْ" إلّا أنَّهُ سَهَّلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ واوًا، وتَرَكَ ألِفَ أفَعَلْتُمْ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
والضَمِيرُ في "بِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعَنَّفَهم فِرْعَوْنُ عَلى الإيمانِ قَبْلَ إذْنِهِ ثُمَّ ألْزَمُهم أنَّ هَذا كانَ عَلى اتِّفاقٍ مِنهُمْ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَحَرَةِ واسْمُهُ شَمْعُونُ، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي؟
فَقالَ لَهُ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ ﴾ ثُمَّ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكُمْ ﴾ الآيَةُ، فَرَجَعَ فِرْعَوْنُ في مَقالَتِهِ هَذِهِ إلى الخِذْلانِ والغُشْمِ وعادَةِ مُلُوكِ السُوءِ إذا غُولِبُوا.
وقَرَأ حُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، ومُجاهِدٌ: "لَأقْطَعَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ وإسْكانِ القافِ، "وَلَأصْلُبَنَّ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الصادِ وضَمِّ اللامِ، ورُوِيَ بِكَسْرِها، و"مِن خِلافٍ" مَعْناهُ: يُمْنى ويُسْرى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ فِرْعَوْنَ تَوَعَّدَ، ولَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَ ذَلِكَ وأوقَعَهُ، ولَكِنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ صَلَبَ بَعْضَهم وقَطَعَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فِرْعَوْنُ أوَّلُ مَن صَلَبَ وقَطَعَ مِن خِلافٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ فِيهِمْ: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وأمّا التَوَعُّدُ فَلِجَمِيعِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
عَطْف على ﴿ فغُلبوا وانقَلبوا ﴾ [الأعراف: 119]، فهو في حيز فاء التعقيب، أي: حصل ذلك كله عقب تلقف العصا ما يأفكون، أي: بدون مهلة، وتعقيب كل شيء بحسبه، فسجود السحرة متأخر عن مصيرهم صاغرين، ولكنه متأخر بزمن قليل وهو زمن انقداح الدليل على صدق موسى في نفوسهم، فإنهم كانوا أعلم الناس بالسحر فلا يخفى عليهم ما هو خارج عن الأعمال السحرية، ولذلك لما رأوا تلقف عصا موسى لحبالهم وعصيهم جزموا بأن ذلك خارج عن طوق الساحر، فعلموا أنه تأييد من الله لموسى وأيقنوا أن ما دعاهم إليه موسى حق، فلذلك سجدوا، وكان هذا خاصاً بهم دون بقية الحاضرين، فلذلك جيء بالاسم الظاهر دون الضمير لئلا يلتبس بالضمير الذي قبله الذي هو شامل للسحرة وغيرهم.
والإلقاء: مستعمل في سرعة الهُوِي إلى الأرض، أي: لم يتمالكوا أن سجدوا بدون تريث ولا تردد.
وبُني فعل الإلقاء للمجهول لظهور الفاعل، وهو أنفسُهم، والتقدير: وألقَوْا أنفسهم على الأرض.
و ﴿ ساجدين ﴾ حال، والسجود هيئة خاصة لإلقاء المرء نفسه على الأرض يقصد منها الإفراط في التعظيم، وسجودهم كان لله الذي عرفوه حينئذٍ بظهور معجزة موسى عليه السلام والداعي إليه بعنوان كونه رب العالمين.
وجملة: ﴿ قالوا ﴾ بدل اشتمال من جملة: ﴿ ألقي السحرة ﴾ لأن الهوي للسجود اشتمل على ذلك القول، وهم قصدوا من قولهم ذلك الإعلان بإيمانهم بالله لئلا يظن الناس أنهم سجدوا لفرعون، إذ كانت عادة القبط السجود لفرعون، ولذلك وصفوا الله بأنه رب العالمين بالعنوان الذي دَعا به موسى عليه السلام، ولعلهم لم يكونوا يعرفون اسماً علماً لله تعالى، إذ لم يكن لله اسم عندهم، وقد عُلم بذلك أنهم كفروا بالإهية فرعون.
وزادوا هذا القصد بياناً بالإبدال من ﴿ رب العالمين ﴾ قولّهم ﴿ رب موسى وهارون ﴾ لئلا يُتوهم المبالغة في وصف فرعون بأنه رب جميع العالمين، وتعين في تعريف البدل طريق تعريف الإضافة لأنها أخصر طريق، وأوضحه هنا، لاسيما إذا لم يكونوا يعرفون اسماً علماً على الذات العلية.
وهذا ما يقتضيه تعليم الله اسمه لموسى حين كلمه فقال: ﴿ إنني أنا الله ﴾ في سورة طه (14).
وفي سفر الخروج ﴿ وقال الله لموسى هكذا تقول لبني إسرائيل (يهوه) إله آبائكم ﴾ الخ الإصحاح الثالث.
وفصلت جملة: ﴿ قال فرعون ﴾ لوقوعها في طريق المحاورة.
وقوله: ﴿ أآمنتم ﴾ قرأه الجمهور بصيغة الاستفهام بهمزتين فمنهم من حققها، وهم: حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وروْح عن يعقوب، وخلفٌ، ومنهم من سهل الثانية مَدّة، فصار بعد الهمزة الأولى مدتان، وهؤلاء هم: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأه حفص عن عاصم بهمزة واحدة فيجوز أن يكون إخباراً، ويجوز أن تكون همزة الاستفهام محذوفة وما ذلك ببدع.
والاستفهام للإنكار والتهديد مجازاً مرسلاً مركباً، والإخبار مستعمل كذلك أيضاً لظهور أنه لا يقصد حقيقة الاستفهام ولا حقيقة الإخبار لأن المخاطبين صرحُوا بذلك وعلموه، والضمير المجرور بالباء عائد إلى موسى، أي: آمنتم بما قاله، أو إلى رب موسى.
وجملة: ﴿ إن هذا لمكر ﴾ الخ...
خبر مراد به لازم الفائدة أي: قد علمتُ مرادكم لأن المخاطَب لا يخبَر بشيء صَدر منه، كقول عنترة: إنْ كنتتِ أزمعتتِ الفراق فإنما *** زُمّتْ ركابُكُم بليل مظلم أي: إن كنت أخفيتتِ عني عزمك على الفراق فقد علمتُ أنكم شددتُم رحالكم بليل لترحلوا خفية.
وقوله: ﴿ قَبْلَ أنْ آذنَ لكُم ﴾ ترق في موجب التوبيخ، أي لم يكفكم أنكم آمنتم بغيري حتى فعلتم ذلك عن غير استئذان، وَفصْلها عما قبلها لأنها تعداد للتوبيخ.
والمكر تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ في سورة آل عمران (54)، وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ أفأمنوا مَكر الله ﴾ [الأعراف: 99] والضمير المنصوب في ﴿ مكرتموه ﴾ ضمير المصدر المؤكّد لفعله.
و ﴿ في ﴾ ظرفية مجازية: جعل مكرهم كأنه موضوع في المدينة كما يوضع العنصر المفسد، أي: أردتم إضرار أهلها، وليست ظرفية حقيقية لأنها لا جدوى لها إذ معلوم لكل أحد أن مكرهم وقع في تلك المدينة، وفسره في «الكشاف» بأنهم دبروه في المدينة حين كانوا بها قبل الحضور إلى الصحراء التي وقعت فيها المحاورة، وقد تبين أن المراد بالظرفية ما ذكرناه بالتعليل الذي بعدها في قوله: ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ والمراد هنا بعض أهلها، وهم بنو إسرائيل، لأن موسى جاء طلباً لإخراج بني إسرائيل كما تقدم.
وقول فرعون هذا يحتمل أنه قاله موافقاً لظنه على سبيل التهمة لهم لأنه لم يكن له علم بدقائق علم السحر حتى يفرق بينه وبين المعجزة الخارقة للعادة، فظن أنها مكيدة دبرها موسى مع السحرة، وأنه لكونه أعلمهم أو معلمهم أمرهم فاتمروا بأمره، كما في الآية الأخرى ﴿ إنه لكبيركم الذي علمكم السحر ﴾ [طه: 71].
ويحتمل أنه قاله تمويهاً وبهتاناً ليصرف الناس عن اتباع السحرة، وعن التأثر بغلبة موسى إياهم فيدخل عليهم شكاً في دلالة الغلبة واعتراف السحرة بها، وأن ذلك مواطاة بين الغالب والمغلوب لغاية مقصودة، وهو موافق في قوله هذا، لما كان أشار به.
الملأ من قومه حين قالوا: ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ [الشعراء: 35] وأيّا ما كان فعزمه على تعذيبهم مصير إلى الظلم والغشم لأنه ما كان يحق له أن يأخذهم بالتهمة، بله أن يعاقبهم على المصير إلى الحجة، ولكنه لما أعجزته الحجة صار إلى الجبروت.
وَفرع على الإنكار والتوبيخ الوعيدَ بقوله: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ ، وحذف مفعول ﴿ تعلمون ﴾ لقصد الإجمال في الوعيد لإدخال الرعب، ثم بيّنه بجملة ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ .
ووقوع الجمع معرفاً بالإضافة يكسبه العموم فيعم كل يدَ وكل رجْل من أيدي وأرجل السحرة.
و ﴿ منْ ﴾ في قوله: ﴿ من خلاف ﴾ ابتدائية لبيان موضع القطع بالنسبة إلى العضو الثاني، وقد تقدم بيان نظيرها عند قوله تعالى: ﴿ أو تُقطّعُ أيْدِيهمْ وَأرْجُلُهمْ من خلاف ﴾ في سورة المائدة (33).
فالمعنى: أنه يقطع من كل ساحر يداً ورجلاً متخالفتي الجهة غير متقابلتيها، أي: إنْ قطعَ يدَه اليمنى قطعَ رجله اليسرى والعكس، وإنما لم يقطع القوائم الأربع لأن المقصود بقاء الشخص متمكناً من المشي متوكئاً على عود تحت اليد من جهة الرجل المقطوعة.
ودلت ثُم } على الارتقاء في الوعيد بالثلب، والمعروف أن الصلب أن يقتل المرء مشدوداً على خشبة، وتقدم في قوله: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ في سورة النساء (157)، وعلى هذا يكون توعّدهم بنوعين من العذاب.
والوعيد موجّه إلى جماعتهم فعلم أنه جعلهم فريقين: فريق يعذب بالقطع من خلاف، وفريق يعذب بالصلب والقتل، فعلى هذا ليس المعنى على أنه يصلبهم بعد أن يقطعهم، إذ لا فائدة في تقييد القطع بكونه من خلاف حينئذٍ ويحتمل أن يراد بالصلب: الصلب دون قتل، فيكون أراد صلبهم بعد القطع ليجعلهم نكالاً ينذعر بهم الناس، كيلا يُقدم أحد على عصيان أمره من بعد، فتكون (ثم) دالة على الترتيب والمهلة، ولعل المهلة قصد منها مدة كيّ واندمال موضع القطع، وهذا هو المناسب لظاهر قوله: ﴿ أجمعين ﴾ المفيد أن الصلب ينالهم كلهم.
وفصلت جملة ﴿ قالوا إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ لوقوعها في سياق المحاورة.
والانقلابُ: الرجوع وقد تقدم قريباً.
وهذا جواب عن وعيد فرعون بأنه وعيد لا يضيرهم، لأنهم يعلمون أنهم صائرون إلى الله رب الجميع، وقد جاء هذا الجواب موجزاً إيجازاً بديعاً لأنه يتضمن أنهم يرجون ثواب الله على ما ينالهم من عذاب فرعون، ويرجون منه مغفرة ذنوبهم، ويرجون العقابَ لفرعون على ذلك، وإذا كان المراد بالصلب القتل وكان المراد تهديد جميع المؤمنين، كان قولهم: ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ تشوقاً إلى حلول ذلك بهم محبة للقاء الله تعالى، فإن الله تعالى لما هداهم إلى الإيمان أكسبهم محبة لقائه، ثم بينوا أن عقاب فرعون لا غضاضة عليهم منه، لأنه لم يكن عن جناية تَصمهم بل كان على الإيمان بآيات لما ظهرت لهم.
أي: فإنك لا تعرف لنا سبباً يوجب العقوبة غير ذلك.
والنّقْم: بسكون القاف وبفتحها، الإنكار على الفعل، وكراهة صدوره وحقد على فاعله، ويكون باللسان وبالعمل، وفعله من باب ضرب وتعب، والأول أفصح ولذلك قرأه الجميع ﴿ ومَا تنقمُ ﴾ بكسر القاف.
والاستثناء في قولهم: ﴿ إلاّ أن آمنا بآيات ربنا ﴾ متصل، لأن الإيمان ينقمه فرعون عليهم، فليس في الكلام تأكيد الشيء بما يشبه ضده.
وجملة ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ من تمام كلامهم، وهي انتقال من خطابهم فرعون إلى التوجه إلى دعاء الله تعالى، ولذلك فصلت عن الجملة التي قبلها.
ومعنى قوله: ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ اجعل لنا طاقة لتحمل ما توعدنا به فرعون.
ولما كان ذلك الوعيد مما لا تطيقه النفوس سألوا الله أن يجعل لنفوسهم صبراً قوياً، يفوق المتعارف، فشه الصبر بماء تشبيه المعقول بالمحسوس، على طريقة الاستعارة المكنية، وشبه خلقُه في نفوسهم بإفراغ الماء من الإناء على طريقة التخييلية، فإن الإفراغ صّب جميع ما في الإناء، والمقصود من ذلك الكناية عن قوة الصبر لأن إفراغ الإناء يستلزم أنه لم يبق فيه شيء مما حواه، فاشتملت هذه الجملة على مكنية وتخييلية وكناية.
وتقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ في سورة البقرة (250).
ودعوا لأنفسهم بالوفاة على الإسلام إيذاناً بأنهم غير راغبين في الحياة، ولا مبالين بوعيد فرعون، وأن همتهم لا ترجو إلاّ النجاة في الآخرة، والفوزَ بما عند الله، وقد انخذل بذلك فرعون، وذهب وعيده باطلاً، ولعله لم يحقق ما توعدهم به لأن الله أكرمهم فنجاهم من خزي الدنيا كما نجاهم من عذاب الآخرة.
والقرآن لم يتعرض هنا، ولا في سورة الشعراء، ولا في سورة طه، للإخبار عن وقوع ما توعدهم به فرعون لأن غرض القصص القرآنية هو الاعتبار بمحل العبرة وهو تأييد الله موسى وهداية السحرة وتصلبهم في إيمانهم بعد تعرضهم للوعيد بنفوس مطمئنّة.
وليس من غرض القرآن معرفة الحوادث كما قال في سورة النازعات (26): ﴿ إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ﴾ فاختلاف المفسرين في البحث عن تحقيق وعيد فرعون زيادة في تفسير الآية.
والظاهر أن فرعون أفحم لما رأى قلة مبالاتهم بوعيده فلم يُرد جواباً.
وذكرُهم الإسلام في دعائهم يدل على أن الله ألهمهم حقيقته التي كان عليها النبيّون والصديقون من عهد إبراهيم عليه السلام.
والظاهر أن كلمة مسلمين } تعبير القرآن عن دعائهم بأن يتوفاهم الله على حالة الصديقين، وهي التي يجمعُ لفظُ الإسلام تفصيلها، وقد تقدم شرح معنى كون الإسلام وهو دين الأنبياء عند قوله: ﴿ فلا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون ﴾ في سورة البقرة (132).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآيَةَ: ﴿ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أشْرافُهم.
والثّانِي: رُؤَساؤُهم.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرَّهْطُ والنَّفَرُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهم.
والفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْطِ والنَّفَرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ الرَّهْطِ وقِلَّةُ النَّفَرِ.
والثّانِي: قُوَّةُ الرَّهْطِ وضَعْفُ النَّفَرِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِالمَلَإ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُرادُ مِنهم.
والثّانِي: لِأنَّهم تَمْلَأُ النُّفُوسَ هَيْبَتُهم.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: لِأنَّهم يَمْلَأُونَ صُدُورَ المَجالِسِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ إقْدامِهِمْ عَلى الإنْكارِ عَلى فِرْعَوْنَ مَعَ عِبادَتِهِمْ لَهُ؟
قِيلَ: لِأنَّهم رَأوْا مِنهُ خِلافَ عادَتِهِ وعادَةِ المُلُوكِ في السَّطْوَةِ بِمَن أظْهَرَ العِنادَ وخالَفَ، وكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِمُوسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيُفْسِدُوا فِيها بِعِبادَةِ غَيْرِكَ والدُّعاءِ إلى خِلافِ دِينِكَ.
والثّانِي: لِيُفْسِدُوا فِيها بِالغَلَبَةِ عَلَيْها وأخْذِ قَوْمِهِ مِنها.
ثُمَّ قالُوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لَهُ وهم قَدْ صَدَقُوهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ .
قِيلَ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ وكانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ البَقَرِ ولِذَلِكَ أخْرَجَ السّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ وقالَ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، وكانَ مَعْبُودًا في قَوْمِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها كانَتْ أصْنامًا يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَذَرَكَ وإلاهَتَكَ أيْ وعِبادَتَكَ.
قالَ الحَسَنُ: وكانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ ويُعْبَدُ.
وَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثانِيًا: أنَّ الإلاهَةَ الشَّمْسُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الشَّمْسَ الإلاهَةَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: ولَمْ أذْكُرِ الرُّعْبَ حَتّى انْتَقَلْتُ قُبَيْلَ الإلاهَةِ مِنها قَرِيبًا يَعْنِي الشَّمْسَ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الآيَةِ: ويَذَرُكَ والشَّمْسَ حَتّى تَعْبُدَ فَعَلى هَذا يَكُونُ السُّؤالُ مُتَوَجِّهًا عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.
﴿ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ وإنَّما عَدَلَ عَنْ قَتْلِ مُوسى إلى قَتْلِ الأبْناءِ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ مُوسى إمّا لِقُوَّتِهِ وإمّا تَصَوُّرِهِ أنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ قَتْلِهِ، فَعَدَلَ إلى قَتْلِ الأبْناءِ لِيَسْتَأْصِلَ قَوْمَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَضْعُفُ عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ نُفَتِّشَ أرْحامَهُنَّ فَنَنْظُرُ ما فِيهِنَّ مِنَ الوَلَدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَياءِ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ الفَرْجِ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ: نَسْتَبْقِيهِنَّ أحْياءً لِضَعْفِهِنَّ عَنِ المُنازَعَةِ وعَجْزِهِنَّ عَنِ المُحارَبَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَهم بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهم مِن وعِيدِ فِرْعَوْنَ كَما يَقُولُ مَن نالَتْهُ شِدَّةٌ: اسْتَعَنْتُ بِاَللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَوْعِدٌ مِنهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعِينُهم عَلى فِرْعَوْنَ إنِ اسْتَعانُوا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ واصْبِرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واصْبِرُوا عَلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ طَمَعًا في ثَوابِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ انْتِظارًا لِنَصْرِ اللَّهِ.
﴿ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِقَوْمِهِ في أنَّ الدُّنْيا لا تُبْقِي عَلى أحَدٍ فَتُبْقِي عَلى فِرْعَوْنَ لِأنَّها تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أشْعَرَهم بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يُورِثُهم أرْضَ فِرْعَوْنَ.
﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ.
والثّانِي: في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدِ أخْذِ الجِزْيَةِ.
قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ الأذى مِن قَبْلِ: تَسْخِيرِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ في أعْمالِهِمْ لِنِصْفِ النَّهارِ وإرْسالِهِمْ في بَقِيَّتِهِ لِيَكْسِبُوا لِأنْفُسِهِمْ.
والأذى مِن بَعْدِ: تَسْخِيرِهِمْ في جَمِيعِ النَّهارِ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الأذى الَّذِي كانَ مِن قَبْلِ: الِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأبْناءِ، والَّذِي كانَ مِن بَعْدِ: الوَعِيدِ بِتَجْدِيدِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والرّابِعُ: أنَّ الأذى الَّذِي كانَ مِن قَبْلُ أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويُعْطِيهِمُ التِّبْنَ، والأذى مِن بَعْدُ أنْ صارُوا يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويَجْعَلُ عَلَيْهِمُ التِّبْنَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِالرِّسالَةِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ إلَيْكَ أنَّهُ يُخَلِّصُنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِهِ.
وَفي هَذا القَوْلِ مِنهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَكْوى ما أصابَهم مِن فِرْعَوْنَ واسْتِعانَةً بِمُوسى.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِبْطاءً لِوَعْدِ مُوسى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ عَسى في اللُّغَةِ طَمَعٌ وإشْفاقٌ.
قالَ الحَسَنُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: عَسى مِنَ اللَّهِ يَقِينٌ.
﴿ وَيَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ فَيَنْظُرَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَيَرى.
والثّانِي: فَيَعْلَمُ وفي قَوْلِ مُوسى ذَلِكَ لِقَوْمِهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ والِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ.
والثّانِي: التَّحْذِيرُ مِنَ الفَسادِ فِيها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء.
وفي لفظ: كانوا سحرة في أول النهار وشهداء آخر النهار حين قتلوا.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: كان سحرة فرعون اثني عشر ألفاً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: جمع له خمسة عشر ألف ساحر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: سحرة فرعون سبعة عشر الفاً.
وفي لفظ تسعة عشر ألفاً.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال: كان السحرة بضعة وثلاثين ألفاً ليس منهم رجل إلا معه حبل أو عصا، فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن القاسم بن أبي بزة قال: سحرة فرعون كانوا سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوحى الله إليه: يا موسى ألقِ عصاك.
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان فاغر فاه فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: كانت السحرة الذين توفاهم الله مسلمين ثمانين ألفاً.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: السحرة ثلاثمائة من قرم، ثلاثمائة من العريش، ويشكون في ثلاثمائة من الاسكندرية.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ قالوا إنَّ لنا لأجراً ﴾ أي ائن لنا لعطاء وفضيلة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلما ألقوا ﴾ قال: ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً، فأقبلت تخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ﴾ قال: أوحى الله إلى موسى أن ألق ما في يمينك، فألقى عصاه فأكلت كل حية، فلما رأوا ذلك سجدوا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك ﴾ فألقى عصاه فتحولت حية، فأكلت سحرهم كله وعصيهم وحبالهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ قال: يكذبون.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ تلقف ما يأفكون ﴾ قال: تسترط حبالهم وعصيهم.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن السحرة قالوا حين اجتمعوا: إن يك ما جاء به سحراً فلن يغلب، وإن يك من الله فسترون.
فلما ألقى عصاه أكلت ما افكوا من سحرهم وعادت كما كانت علموا أنه من الله، فألقوا عند ذلك ساجدين قالوا: آمنا برب العالمين.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال: التقى موسى وأمير السحرة، فقال له موسى، أرأيتك إن غلبتك اتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟
قال الساحر: لآتينَّ غداً بسحر لا يغلبه سحر، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ولأشهدن أنك حق وفرعون ينظر إليهم، وهو قول فرعون: إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة إذ التقيتما لتظاهر أفتخرجا منها أهلها؟.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ فوقع الحق ﴾ قال: ظهر ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ قال: ذهب الإِفك الذي كانوا يعملون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: لما خرَّ السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله: ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة ﴾ إذ التقيتما لتظاهر افتخرجا منها أهلها ﴿ لأقطعن أيديكم...
﴾ الآية: قال قتلهم وقطعهم كما قال.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: كان من رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى فيها بلغني سابور، وعاذور، وحطحط، ومصفى.
أربعة هم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوا من سلطان الله، فآمنت معهم السحرة جميعاً.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أول من صلب فرعون، وهو أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: لما ألقوا ما في أيديهم من السحر، ألقى موسى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فتحت فَماً لها مثل الرحى فوضعت مشفرها على الأرض ورفعت المشفر الآخر فاستوعبت كل شيء ألقوه من حبالهم وعصيهم، ثم جاء إليها فأخذها فصارت عصا كما كانت، فخرت بنو إسرائيل سجداً وقالوا: آمنا برب موسى وهارون قال: ﴿ آمنتم له قبل أن آذن لكم ﴾ الآية.
قال: فكان أول من قطع من خلاف وأول من صلب في الأرض فرعون.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ قال: يداً من هاهنا ورجلاً من ههنا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنهم كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية.
استعمل لفظ التقطيع هاهنا لمكان الأيدي وهي جمع.
وقوله تعالى: ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾ .
قال عبد العزيز بن يحيى: (على مخالفة، وهو أن يقطع من كل شق طرف كاليد اليمنى مع الرجل اليسرى) (١) (٢) (١) لم أقف عليه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1537 بسند جيد، وذكره الثعلبي 7/ 6 أ، وأخرجه الطبري 9/ 23 بسند لا بأس به عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية: وعيد من فرعون للسحرة، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، لكن روى أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره، وقد ذكر معنى من خلاف في العقود [المائدة: 36] ﴿ قالوا إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ أي لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى ربنا ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا ﴾ أي ما تعيب منا إلا إيماننا ﴿ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ أي يخربوا ملك فرعون وقومه ويخالفوا دينه ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ معطوف على ليفسدوا، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ قيل: إن فرعون كان قد جعل للناس أصناماً يعبدونها، وجعل نفسه الإله الأكبر فلذلك قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [النازعات: 24]، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام، وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وآلهتك: أي عبادتك والتذلل لك ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ ﴾ تعليل للصبر ولذا أمرهم به يعني أرض الدنيا هنا وفي قوله: ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض ﴾ وقيل: يعني أرض فرعون، فأشار لهم موسى أولاً بالنصر في قوله: ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، ثم صرح في قوله: ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ الآية ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ حض على الاستقامة والطاعة.
بالسنين: أي الجدب والقحط.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ حقيق على ﴾ بالتشديد: نافع.
الباقون: بالتخفيف ﴿ معي ﴾ بفتح الياء حيث كان: حفص ﴿ أرجه ﴾ بإسكان هاء الضمير: حمزة وعاصم غير المفضل ﴿ أرجه ﴾ بكسر الجيم والهاء من غير إشباع يزيد وقالون ﴿ أرجهي ﴾ بالإشباع: نافع غير قالون وعلي وعباس وخلف المفضل ﴿ أرجئه ﴾ بالهمزة: أبو عمرو غير عباس وسهل ويعقوب وابن الأخرم عن ابن ذكوان وهشام غير الحلواني ﴿ أرجئهو ﴾ بالإشباع: ابن كثير والحلواني عن هشام ﴿ أرجئه ﴾ بكسر الهاء: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ سحار ﴾ بالمبالغة: حمزة وعلي وخلف وكذلك في يونس.
وقرأ قتيبة ونصير والدوري وحمزة في رواية ابن سعدان وأبي عمرو بالإمالة.
البقون ﴿ ساحر ﴾ .
﴿ أن لنا ﴾ بحذف همزة الاستفهام: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وحفص.
﴿ أئن لنا ﴾ بإثبات همزة الاستفهام: عاصم غير حفص وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وهشام.
يدخل بينهما مدة ﴿ آين لنا ﴾ المدة وقلب الهمزة ياء: أبو عمرو وزيد.
﴿ أين لنا ﴾ بالياء ولا مدة: سهل ويعقوب غير زيد ﴿ تلقف ﴾ بالتخفيف حيث كان: حفص والمفضل ﴿ تلقف ﴾ بالتشديد وإدغام التاء الأولى في الثانية: البزي وابن فليح.
الباقون: بتشديد القاف وحذف تاء التفعل.
﴿ آمنتم ﴾ بهمزة واحدة ممدودة: حفص.
﴿ أأمنتم ﴾ بزيادة همزة الاستفهام: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.
﴿ آمنتم ﴾ بالمد وتليين الهمزة: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير غير الهاشمي وابن مجاهد وأبي عون عن قنبل ﴿ فرعون وآمنتم ﴾ بالواو الخالصة: الهاشمي عن قنبل ﴿ وآمنتم ﴾ بالواو وتحقيق الهمزة الأولى: ابن مجاهد وأبو عون والهرندي عن قنبل.
الوقوف: ﴿ فظلموا بها ﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع العطف بالفاء ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ج وقف لمن قرأ ﴿ حقيق عليّ ﴾ بالتشديد أي واجب عليّ، ومن قرأه مخففاً جاز له الوصل على جعل ﴿ حقيق ﴾ وصف الرسول و"على" بمعنى الباء ﴿ إلا الحق ﴾ ط ﴿ بني إسرائيل ﴾ ط ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه للفصل بين الجملتين والوصل أجود للجمع بين الحجتين ﴿ للناظرين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه لا لأن ما بعده وصف لساحر ﴿ من أرضكم ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الملأ لفرعون وحده، والجمع للتعظيم أوله ولعظمائه حضرته، وأن يكون ابتداء جواب من فرعون أي فماذا تشيرون ﴿ قاهرون ﴾ ه ﴿ حاشرين ﴾ ه لا لأن ما بعده جواب الأمر ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الغالبين ﴾ ه ﴿ المقربين ﴾ ه ﴿ الملقين ﴾ ه ﴿ ألقوا ﴾ ج للعطف ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ عصاك ﴾ ط لحق المحذوف لأن التقدير فألقاها فإذا هي ﴿ ما يأفكون ﴾ ه ﴿ وكذلك يعملون ﴾ ه ﴿ صاغرين ﴾ ه ج لمكان حروف العطف ﴿ ساجدين ﴾ ه ج لاحتمال كون ﴿ قالوا ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ العالمين ﴾ ه لا للبدر ﴿ هرون ﴾ ه ﴿ آذن لكم ﴾ ج للابتداء مع اتحاد القائل ﴿ أهلها ﴾ ج لأن "سوف" للتهديد مع العطف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ ه ﴿ منقلبون ﴾ ه للآية مع اتحاد المقول ﴿ جاءتنا ﴾ ط للعدول عن المحاباة إلى المناجاة ﴿ المسلمين ﴾ ه.
التفسير: القصة السابعة من قصص هذه السورة قصة موسى .
وقد ذكر في هذه القصة من البسط والتفصيل ما لم يذكر في غيرها لأن جهل قومه أعظم وأفحش من جهل سائر الأقوام ولهذا كانت معجزاته أقوى من معجزات متقدميه من الأنبياء.
والضمير في قوله ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ يعود إلى الرسل أو إلى الأمم المذكورين، في قوله ﴿ بآياتنا ﴾ دلالة على كثرة معجزاته وأن النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن المتنبي.
﴿ فظلموا بها ﴾ أي بتلك الآيات والمراد كفرهم بها لأن وضع الإنكار في موضع الإقرار وإيراد الكفر بدل الإيمان وضع للشيء في غير موضعه، أو تظلموا الناس بسببها حين أوعدوهم وصدوهم عنها وأذوا من آمن بها.
﴿ وانظر ﴾ أيها المعتبر المستبصر بعين بصيرتك ﴿ كيف كان عاقبة المفسدين ﴾ كيف فعلنا بهم؟
وهذه قصة إجمالية ثم شرع في تفصيلها وذلك قوله ﴿ وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين ﴾ أي إله قادر عليم حكيم.
وفيه أن العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه ﴿ حقيق على أن لا أقول ﴾ من قرأ بالتشديد في ﴿ عليّ ﴾ و ﴿ حقيق ﴾ إما بمعنى فاعل أي واجب عليّ ترك القول على الله إلا بالحق، أو بمعنى مفعول أي حق عليّ ذلك.
تقول العرب إني لمحقوق علي أن أفعل خيراً.
وأما قراءة العامة ﴿ حقيق علي أن لا أقول ﴾ مرسلة الياء ففيه وجوه أحدها: أن يكون "علي" بمعنى "الباء" كقولهم جئت على حال حسنة وبحال حسنة، قال الأخفش: وهذا كما قال ﴿ ولا تقعدوا بكل صراط ﴾ أي على كل صراط ويؤكد هذا الوجه قراءة أبيّ ﴿ حقيق بأن لا أقول ﴾ أي أنا خليق بذلك: وثانيها: أن الحق هو الدائم الثابت والحقيق مبالغة فيه، وكل ما لزمك فقد لزمته فكأن المعنى أنا ثابت مستمر على أن لا أقول إلا الحق.
ثالثها: أن يضمن حقيق معنى حريص.
ورابعها: أن يكون من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس فيؤل المعنى إلى قراءة نافع.
وخامسها: أن يكون إغراقاً في الوصف ومبالغة بالصدق والمراد أنا حقيق على قول الحق أي واجب عليّ أن أكون أنا قائله والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به.
وسادسها: أن يكون على هذه هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الأصلية كقوله ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ ويقال: جاءني فلان على هيئته وعلى عادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات.
فمعنى الآية لم أتحقق إلا على قول الحق.
ولما كان ظهور المعجزة على وفق الدعوى دالاً على وجود الإله القادر المختار وعلى تصديق الرسول جميعاً قال ﴿ قد جئتكم ببينة من ربكم ﴾ أي بمعجزة قاهرة باهرة منه.
ثم فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله ﴿ فأرسل معي بني إسرائيل ﴾ أي أطلقهم وخل سبيلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم ومولد آبائهم.
وذلك أن يوسف لما توفي وانقرضت الأسباط غلب فرعون نسلهم واستعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة ﴿ قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين ﴾ فيه سؤالان: أحدهما لفظي وهو أن ههنا شرطين فإني جوابهما؟
والجواب أن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى نظيره قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيداً.
وثانيهما: أن قوله ﴿ إن كنت جئت بآية ﴾ وقوله ﴿ فأت بها ﴾ كلاهما واحد في المعنى فكيف يفيد تعليق أحدهما بالآخر؟
وجوابه المنع إذ المراد إن كنت جئت من عند من أرسلك بآية فأحضرها لتصح دعواك.
ثم إن فرعون لما طالب موسى بإقامة البينة الدالة على وجود الرب وعلى صحة نبوته قلب العصا ثعباناً وأظهر اليد البيضاء وذلك قوله ﴿ فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ﴾ ومعنى كون الثعبان مبيناً أن أمره ظاهر لا يشك في أنه ثعبان ليس مما جاءت به السحرة من التمويهات وإنما هو من قبيل المعجزات.
أو المراد أنه أبان قول موسى عن قول المدعي الكاذب والثعبان في اللغة الحية الضخم الذكر.
روي أنه كان أشقر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً وضع لحيه الأسفل على الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب فرعون من سريره وهرب واخذه البطن يومئذ أربعمائة مرة وكان لم ير منه الحدث قبل ذلك.
وهرب الناسوصاحوا وحمل على الناس فانهزموا ومات منهم خمسة وعشرون ألفاً، ودخل فرعون البيت وصاحوا يا موسى خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه موسى فعاد عصاً.
والنزع في اللغة القلع والإخراج أن أخرجها من جيبه أو من جناحه بدليل قوله في موضع آخر ﴿ وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ﴾ روي أنه أرى فرعون يده وقال: ما هذه؟
فقال: يدك.
ثم أدخلها في جيبه وعليه مدرعة صوف ثم نزعها فإذا هي بيضاء بياضاً نورانياً غلب شعاعها الشمس، وكان موسى آدم شديد الأدمة وقوله ﴿ للناظرين ﴾ يتعلق ببيضاء فإنها لا تكون بيضاء للناظرين إلا إذا كان بياضها عجيباً خراجاً عن العادة اجتمع الناس للنظر إليه كما يجتمعون للعجائب.
واعلم أن القول بجواز انقلاب العادات عن مجاريها مقام صعب مشكل ولهذا اضطربت أقوال العلماء فيه؛ فالأشاعرة جوّزوا ذلك على الإطلاق بناء على القول بالفاعل المختار فجوّزوا في الإنسان وسائر أنواع الحيوان أن يتولد دفعة واحدة من غير سابقة مادة ومدة، وجوّزوا في الجوهر الفرد أن يكون حياً عالماً قادراً قاهراً من غير حصول بنية ولا مزاج، وجوّزوا في الأعمى الذي بالأندلس أن يبصر في ظلمة الليل البقة التي تكون بأقصى المشرق وفي سليم البصر أن لا يرى الشمس في كبد السماء من غير حائل.
والمعتزلة جوّزوا انخراق العادات في بعض الصور دون بعض من غير ضابط ولا قانون اللهم إلا أن يحال على الشرع، والطبيعيون المتفلسفون أنكروا ذلك على الإطلاق وزعموا أنه لا يجوز حدوث الأشياء ودخولها في الوجود إلا على هذا الوجه المخصوص والطريق المعين والإلزام فتح باب الجهالات فإنه إذا جاز أن تنقلب العصا ثعباناً جاز في الشخص الذي شاهدناه كموسى وعيسى ومحمد مثلاً أنه ليس هو الشخص الأوّل وهذا يوجب القدح في النبوّة والرسالة.
فإن زعم زاعم أن هذه الأمور تختص بزمان دعوة الأنبياء.
قلنا: المخصص في ذلك الزمان لا يعرف إلا بدليل غامض، وكل من لا يقف على ذلك الدليل يقع في تيه الإشكال والضلال مع أن زمان جواز الكرامات لا ينقرض عندكم أبداً فلا ينقضي التجويز سرمداً.
هذا وإنما جمع بين العصا واليد مع أن المعجز الواحد كافٍ لأن كثرة الدلائل توجب مزيد اليقين.
قال بعض المتحذلقين: هما شيء واحد والمراد أن حجة موسى كانت قوية ظاهرة فمن حيث إن الحجة أبطلت أقوال المخالفين كانت كالثعبان الذي يلقف ما يأفكون، ومن حيث إنها كانت ظاهرة في نفسها وصفت باليد البيضاء كما يقال لفلان يد بيضاء في الأمر الفلاني أي قوّة كاملة ومرتبة ظاهرة.
والتحقيق أن انقلاب العصا وغير ذلك أمور ممكنة في ذواتها لأن الأجسام متماثلة في الجسمية فكل ما صح على شيء صح على مثله والله قادر على كل الممكنات، فكل ما ثبت وقوعه بالتواتر وجب قبوله من غير تأويل ودفع، ثم أن السحر كان غالباً في ذلك الزمان وكانت السحرة متفاوتين في ذلك، فزعم أتباع فرعون أن موسى كان لكونه في النهاية من علم السحر أتى بتلك الصفة وأنه كان يطلب بذلك الملك والرياسة وذلك قوله ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم ﴾ ولا ينافي هذا ما حكاه الله في سورة الشعراء أنه قال ذلك فرعون، فإنه يحتمل صدور هذا القول في تلك الحالة منه ومنهم أو لعل فرعون قاله ابتداء فتلقفه الملأ فقالوه لغيرهم، أو قالوا عنه لسائر الناس على طريق التبليغ فأن الملوك إذا رأوا رأياً ذكروه للخاصة وهم يذكرونه للعامة.
والأظهر أن قوله ﴿ فماذا تأمرون ﴾ من كلام فرعون إما لأن الأمر لا يجوز أن يكون من الأدنى للأعلى، أو لأنه من قولهم أمرته فأمرني بكذا إذا شاورته فأشار عليك برأي ولهذا قال الملأ في جوابه ﴿ أرجه وأخاه ﴾ أي أخر أمره وأمر أخيه ولا تعجل بقضاء في شأنهما فتصير عجلتك حجة عليك.
قال الجوهري: أرجأت الأمر وأخرته يهمز ولا يهمز.
وعن الكلبي وقتادة أن المعنى أحسبه، وزيف بأنه خلاف اللغة إلا أن يقال حبس المرء نوع من التأخير في أمره وبأن فرعون ما كان يظن أنه قادر على حبس موسى بعد مشاهدة حال العصا.
﴿ وأرسل في المدائن حاشرين ﴾ أي جامعين جمع مدينة وهي فعيلة من مدن بالمكان يمدن مدوناً إذا أقم به، ولهذا أطبق القراء على همز ﴿ مدائن ﴾ لأنه كصحائف.
وقيل: إنها مفعلة من دنت أي ملكت وكأن هذا القائل لا يهمز مدائن.
وقال المبرد: أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه، فُعِلَ بها ما فعل بنحو "مبيع" في "مبيوع" وليس المراد مدائن الأرض كلها ولكن المقصود مدائن صعيد مصر.
وقال ابن عباس: وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ﴿ يأتوك بكلّ سحار ﴾ الباء بمعنى "مع" أو للتعدية.
قيل: كانوا سبعين ساحراً سوى رئيسهم.
وقيل: بضعة وثلاثين ألفاً.
وقيل: سبعين ألفاً.
وقيل ثمانين ألفاً وقيل: كان يعلمهم مجوسيان من أهل نينوى قرية بقرب الموصل.
وضعف بأن المجوس من أتباع زرادشت وهو إنما جاء بعد موسى.
وفي الآية دلالة على كثرة السحرة في ذلك الزمان ولهذا كانت معجزة موسى شبيهة بالسحر وإن كانت مخالفة في الحقيقة كما أن الطب لما كان غالباً على أهل زمن عيسى كانت معجزته من جنس ذلك كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكانت الفصاحة والبلاغة غالبة في عصر نبينا فلا جرم كانت معجزته العظمى وهي القرآن من جنس الفصاحة، وتحقيق السحر وسائر ما يتعلق به قد مر في سورة البقرة فليتذكر ﴿ وجاء السحرة فرعون قالوا ﴾ لم يقل فقالوا بناء للكلام على سؤال مقدر كأن سائلاً سأل ما قالوا إذ جاءوه؟
فأجيب ﴿ قالوا إن لنا لأجراً ﴾ أي جعلاً على الغلبة والتنكير للتعظيم كقول العرب إن له لإبلاً وإن له لغنماً يقصدون الكثرة ﴿ قال نعم ﴾ أي إن لكم أجراً ﴿ وإنكم لمن المقربين ﴾ أراد إني لا أقتصر لكم على الثواب بل لكم مع ذلك ما يقل معه الثواب وهو التقريب والتكريم لأن الثواب إنما يهنأ إذا كان مقروناً بالتعظيم.
روي أنه قال لهم تكونون أوّل من يدخل وآخر من يخرج.
وروي أنه دعا برؤساء السحرة فقال لهم: ما صنعتم؟
قالوا قد عملنا سحراً لا يطيقة سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمراً من السماء فإنه لا طاقة لنا به.
وفي الآية إشارة إلى أن أهل السحر ليسوا قادرين على قلب الأعيان وإلا قلبوا الحجر ذهباً بل قلبوا ملك فرعون إلى أنفسهم ولم يطلبوا منه الأجر، فعلى العاقل أن لا يغترّ بأكاذيبهم ومزخرفاتهم.
ثم إن السحرة راعوا حسن الأدب فخيروا موسى أوّلاً وقدموه في الذكر ثانياً حيث قالوا ﴿ يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ﴾ كما هو دأب المتناظرين والمتصارعين، مع أن في قولهم ﴿ وإما أن نكون نحن ﴾ بالأمر أليق منه بالخبر.
وبدليل قوله ﴿ والله مع الصابرين ﴾ وفيه ترغيب في الثبات على الجهاد.
فمعنى الآية إذن أن يكن منكم عشرون فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى يغلبوا مائتين، ثم الصبر لا يحصل إلا بكونه شديد الأعضاء قوياً جلداً شجاعاً غير جبان ولا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة، وعند حصول هذه الأمور كان يجب الواحد على أن يثبت للعشرة لما سبق من وعد النصر في قوله ﴿ حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ﴾ وإنما كرر النسبة مرتين لأن السرايا التي كان يبعثها رسول الله كان لا ينقص عددها علىالعشرين وما كانت تزيد على المائة فورد على وفق الواقعة، وإما في الكرة الثانية فإنما كررت النسبة للطباق ولكيون فيه بشارة وإشارة إلى أن عدد عسكر الإسلام سيؤول من العشرات والمئات إلى الألوف والله أعلم بمراده.
ثم بين السبب في الغلبة فقال ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ أي بسبب أن الكفار قوم جهلة لا يعرفون معاداً وقد انحصرت السعادة عندهم في هذه الحياة العاجلة.
وأيضاً إنهم يعولون على قوتهم وشوكتهم والمسلمون يتوكلون على ربهم ويستغيثونه ويتوقعون منه إنجاز ما وعد من النصر والتأييد، ووجه آخر هو أن أهل العلم والمعرفة يكون لهم في أعين الناس هيبة وحشمة ويكونون في أنفسهم أقوياء أشداء لما تجلى عليهم من أنوار المعرفة والبصيرة يعرف ذلك أصحاب العلوم وأرباب المعارف بخلاف الجهلة الذين لا بصيرة لهم ولا نور.
قال عطاء: عن ابن عباس لما نزل التكليف الأول ضج المهاجرون وقالوا: يا رب نحن جياع وعدوّنا شباع ونحن في غربة وعدونا في أهليهم.
وقال الأنصار.
شغلنا بعدوّنا وواسينا إخواننا.
وعن ابن جريج كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة وكان رسول الله بعث حمزة في ثلاثين راكباً قبل بدر فلقي أبا جهل في ثلثمائة راكب وأردوا قتالهم فمنعهم حمزة.
وبعث رسول الله عبد الله بن أنيس إلى خالد بن صفوان وكان في جماعة وابتدر عبد الله فقال: يا رسول الله صفه لي فقال: إنك إذا رأيته ذكرت الشيطان ووجدت لذلك قشعريرة.
وبلغني أنه جمع لي فأخرج إليه وأقتله، فلما خرجت تعمية للمأفوك بالإفك.
قال المفسرون: لما ألقى موسى العصا صارت حية عظيمة حتى سدت الأفق ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً وابتلعت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، فلما أخذها موسى صارت عصاً كما كانت من غير تفاوت في الحجم والمقدار أصلاً، فلعل الله أعدم بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة ثم قال وتعالى ﴿ فوقع الحق ﴾ .
قال مجاهد والحسن: ظهر، وقال الفراء: فتبين الحق من السحر.
وقيل: الوقوع ظهور الشيء ووجوده نازلاً إلى مستقره.
وسبب هذا الظهور أن السحرة قالوا: لو كان ما صنع موسى سحراً لبقيت حبالنا وعصينا ولم تفقد، ولما فقدت ثبت أن ذلك بخلق الله وتقديره وبهذا تميز المعجزة عن السحر.
وقال القاضي: معناه قوة الظهور بحيث لا يصح فيه نقيضه كما لا يصح في الواقع أن يصير لا واقعاً.
ومع ثبوت هذا الحق زالت الأعيان التي أفكوها وهي تلك الحبال والعصي وذلك قوله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ أي الذي عملوه أو عملهم ﴿ فغلبوا هنالك ﴾ أي حين التحدي ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ لأنه لا ذل ولا صغار أعظم من حق المبطل من دحوض حجته.
روي أن تلك الحبال والعصي كانت حمل ثلثمائة بعير، فلما ابتلعها ثعبان موسى وصارت عصاً كما كانت قال بعض السحرة لبعض: هذا خارج عن حد السحر وإنما هو أمر إلهي.
قال المحققون: إنهم لأجل كمالهم في علم السحر ميزوا السحر عن غيره فانتقلوا ببركة ذلك من الكفر إلى الإيمان، فما ظنك بالإنسان الكامل في علم التوحيد والشريعة والحكمة.
وفي قوله ﴿ وألقي السحرة ساجدين ﴾ دليل على أن ملقياً ألقاهم وما ذاك إلا الله الموجد للدواعي والقدر.
وقال الأخفش.
من سرعة ما سجدوا صاروا كأنهم ألقاهم غيرهم لأنهم لم يتمالكوا أن وقعوا ساجدين.
قال بعض العلماء: الإيمان مقدم على السجود فكيف نقل عنهم أنهم سجدوا ثم قالوا آمنا برب العالمين؟
وأجيب بأنه لا يبعد أنهم عند الذهاب إلى السجود قالوا ذلك، أو أنهم لما ظفروا بالمعرفة سجدوا لله في الحال شكراً على الفوز بذلك وإظهاراً للخشوع والتذلل وإقراراً باللسان بعد التصديق بالجنان.
قال المفسرون: لما قالوا آمنا برب العالمين قال فرعون: إياي يعنون.
فلما قالوا ﴿ رب موسى ﴾ قال: إياي يعنون لأني أنا الذي ربيته فلما زادوا ﴿ هارون ﴾ زالت الشبهة وعرف الكل أنهم آمنوا بإله السماء وكفروا بفرعون.
وقيل:أفردا بالذكر من جملة العالمين ليعلم أن الداعي إلى إيمانهم هو موسى.
وقيل: خصا بالذكر تعظيماً وتشريفاً.
ثم إن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوّة موسى بمحضر جمع عظيم خاف أن يصير ذلك حجة عليه عند قومه فألقى في الحال شبهة في البين بعدما أنكر عليهم إيمانهم.
أما الإنكار فذلك قوله ﴿ آمنتم له ﴾ من لم يزد حرف الاستفهام فعلى أنه إخبار توبيخاً أي فعلتم هذا الفعل الشنيع، ومن قرأ بحرف الاستفهام فمعناه الاستبعاد والإنكار.
وفي قوله قبل ﴿ أن آذن لكم ﴾ دلالة على مناقضة فرعون من ادعائه الإلهية لأنه لو كان إلۤهاً لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا بغيره وهذا من جملة الخذلان والدحوض الذي يظهر على المبطلين.
وأما الشبهة فقوله ﴿ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها ﴾ أي هذه حيلة احتلتموها أنتم وموسى أو تواطأتم عليها لغرض لكم وهو أن تخرجوا القبط وتسكنوا بني إسرائيل.
وروي محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة م أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به حق؟
فقال الساحر: لآتين غداً بحسر لا يغلبه سحر وإن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر إليهما ويسمع فلذلك زعم التواطؤ ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وعيد إجمالي وتفصيله ﴿ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ﴾ أي كل من شق طرفاً ﴿ ثم لأصلبنكم أجمعين ﴾ واختلف المفسرون هل وقع ذلك منه أم لا.
فمن قائل إنه لم يقع لأنهم سألوا ربهم أن يتوفاهم من جهته لا بهذا القتل والقطع، ومن قائل وقع وهو الأظهر وعليه الأكثر ومنهم ابن عباس لأنه حكى عن الملأ أنهم قالوا لفرعون ﴿ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ ولو أنه ترك أولئك السحرة لذكورهم أيضاً وحذروه إياهم، لأنهم قالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ والصبر لا يطلب إلا عند نزول البلاء وقد يجاب عن الأول بأنهم داخلون تحت قوله ﴿ وقومه ﴾ وعن الثاني بأنهم طلبوا الصبر على الإيمان والثبات عليه وعدم الالتفات إلى وعيده.
وعن قتادة: كانوا أوّل النهار كفاراً سحرة وفي آخره شهداء بررة، ثم حكى عن القوم أنهم قالوا عند الوعيد ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ أي نحن لا نبالي بالموت لأنا ننقلب إلى لقاء ربنا ونخلص منك، أو ننقلب إلى الله يوم الجزاء فيثيبنا على شدائد القطع والصلب أو إنا جميعاً يعنون أنفسهم وفرعون يرجع إلى الله فيحكم بيننا، أو إنا لا محالة ميتون فما تقدر أن تفعل بنا إلا ما لا بد لنا منه ﴿ وما تنقم منا ﴾ قال ابن عباس: ما أتينا بذنب تعذبنا عليه وما تعب منا ﴿ إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ﴾ وهي المعجزات الظاهرة التي لا يقدر على مثلها إلا الله وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب ثم لما لجأوا إلى الدعاء كما هو دأب الصديقين عند نزول البلاء فقالوا ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ أفض علينا سجال الثبات على متابعة الدين أو على ما توعدونا به فرعون ﴿ وتوفنا مسلمين ﴾ ثابتين على الدين الذي جاء به موسى وأخبروا عن إيمانهم أوّلاً وسألوا التوفي على الإسلام ثانياً.
فيمكن أن يستدل بالآية على أن الإيمان والإسلام واحد، واحتجت الأشاعرة بالآية على أن الإيمان والإسلام بخلق الله وإلا لم يطلبوا ذلك منه، والمعتزلة يحملون أمثال ذلك على منح الألطاف.
واعلم أن مبني القصة في هذه السورة على الاختصار وفي الشعراء على التطويل فلهذا قيل هناك ﴿ يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ﴾ ، ﴿ وإنكم إذا لمن المقربين ﴾ ، ﴿ قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ ، ﴿ فسوف تعلمون ﴾ وفي كل ذلك زيادة وأما قوله ههنا ﴿ وأرسل في المدائن ﴾ وهناك ﴿ وابعث ﴾ فلأن الإرسال يفيد معنى البعث مع العلو فخص هذه السورة بذلك ليعلم أنّ المخاطب به فرعون دون غيره.
وإنما قال ههنا ﴿ آمنتم به ﴾ وفي طه والشعراء ﴿ آمنتم له ﴾ باللام لأن ضمير ﴿ به ﴾ في هذه يعود إلى رب العالمين، وفي السورتين إلى موسى، وقيل آمنت به وآمنت له واحد.
وقال ههنا ﴿ ثم لأصلبنكم ﴾ وفي السورتين ﴿ لأصلبنكم ﴾ لأنه لما أفاد الترتيب كان العطف المطلق كافياً وكثر من متشابهات هذه السور الثلاث يعود إلى رعاية الفواصل فتنبه.
التأويل: ﴿ فظلموا بها ﴾ بأن جعلوها سحراً فوضعوها في غير موضعها ﴿ عاقبة المفسدين ﴾ الذين أفسدوا الاستعداد الفطري بالركون إلى الدنيا ولذاتها ﴿ حقيق علي أن لا أقول على الله إلا الحق ﴾ لأن قائم بحقائق الجميع فانٍ على الخلق وآثار التفرقة ﴿ فإذا هي ثعبان ﴾ لأنه أضاف العصا إلى نفسه في قوله ﴿ هي عصاي ﴾ ويعلم منه أن كل شيء أضفته إلى نفسك وجعلته محل حاجاتك فإنه ثعبان يبتلعك ولهذا قيل ﴿ ألقها يا موسى ﴾ ﴿ فإذا هي بيضاء ﴾ فيه أن الأيدي قبل تعلقها بالأشياء كانت بيضاء نقية نورانية روحانية وأن اليد لموسى كانت روحانية في جميع الأوقات ولكن ما كانت نورانيتها منظورة للناظرين إلا بإظهار الله في بعض الأوقات خرقاً للعادات على يده الجسمانية ﴿ يريد أن يخرجكم ﴾ لا شك أن موسى أراد أن يخرجهم من أرضهم ولكن من أرض بشريتهم إلى نور الروحانية.
﴿ قالوا أرجه وأخاه ﴾ توهموا أن التأخير وحسن التدبير يغير شيئاً من التقدير، ولم يعلموا أن عند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم.
﴿ أئن لنا لأجر ﴾ لم يعلموا أن أجرهم في المغلوبية لا في الغالبية ﴿ قال نعم وإنكم لمن المقربين ﴾ أجرى الله هذا على لسان فرعون حقاً وصدقاً فصاروا مقربين عند الله ﴿ قالوا يا موسى إما أن تلقي ﴾ أكرموا موسى بالتقديم والاستئذان فأكرمهم الله بالسجود والإيمان ﴿ بسحر عظيم ﴾ أي عظيم في الإثم كما قال ﴿ سبحانك هذا بهتان عظيم ﴾ وعظمة إثم السحر لمعارضة المعجزة ﴿ فإذا هي تلقف ما يأفكون ﴾ فيه أن عصا الذكر إذا ألقيتها عند إلقاء سحر سحرة صفات النفس تبتلع بفم لا النفي جميع ما سحروا به أعين الناس ﴿ فوقع الحق ﴾ بإثبات لا إله إلا الله ﴿ وبطل ما كانوا يعملون ﴾ من تزيين زخارف الدنيا في العيون ﴿ فغلبوا ﴾ أي سحرة صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر ﴿ وانقلبوا صاغرين ﴾ ذليلين تحت أوامر الشرع ونواهيه ﴿ وألقى السحرة ساجدين ﴾ أي صارت صفات النفس بعد التمرد منقادة للعبودية.
﴿ رب موسى ﴾ الروح ﴿ وهارون ﴾ القلب.
واعلم أن صفات النفس إذا تنوّرت بنور الذكر يتبدل كفرها بالإيمان ولكن النفس بذاتها لا تؤمن ولا تتبدل اللهم إلا عند غرقها في بحر الواردات والمواهب الربانية كحال فرعون وإيمانه عند الغرق.
وفي القصة دلالة على أنه قد يبرز العدوّ في صورة الولي مثل بلعام وبالعكس كالسحرة ﴿ قبل أن آذن لكم ﴾ هذا من جملة جهل فرعون، ظن أن الإيمان بإذنه ولم يعلم أن الإيمان بإذن الله ﴿ لمكر مكرتموه ﴾ في موافقة موسى الروح في مدينة القالب ﴿ لتخرجوا منها أهلها ﴾ هو اللذات والشهوات البدنية ﴿ لأقطعن ﴾ بسكين التسويل عن الأعمال الصالحة ﴿ ثم لأصلبنكم في جذوع ﴾ تعلقات الدنيا وزخارفها والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ ﴾ .
هذا يدلّ على أن الإيمان هو التصديق لا غير؛ لأنه لما قال السحرة ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قال لهم فرعون: ﴿ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ وهم لم يأتوا بسوى التصديق، دلّ على أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا ﴾ هذا من فرعون نوع من التمويه على قومه كما قلنا في الابتداء ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ هو حرف التمويه والتلبيس على قومه فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ هو تمويه منه وتلبيس على قومه، لئلا يؤمنوا كما آمن السحرة برب موسى.
وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ .
أي: شيء صنعتموه فيما بينكم وبين موسى، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ﴾ .
هذا لجهله بأشدّ العقوبة والنكال، وإلا لم يوعدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف؛ إذ ذلك أيسر وأقل في العقوبة من [القطع من] جانب، والقطع من جانب أشدّ وأنكل من القطع من خلاف؛ إذ القطع من خلاف لا يمنع القيام ببعض المنافع، ولا يعمل في إتلاف النفس؛ إذ جعل ذلك حدّاً في بعض العقوبات، ولم يجعل القطع من جانب عقوبة بحال، فدل أنه أشد وأنكل، ويعمل في إهلاك النفس، والقطع من خلاف لا يعمل، دلّ أنه لجهله ما قال.
أو أن اختار القطع من خلاف ليكون مؤنة الصلب عليهم لا عليه؛ لأن المقطوع من خلاف قد يمكن له الصعود على الخشبة، والثاني: لا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ .
وقال في موضع آخر ﴿ لاَ ضَيْرَ ﴾ ، هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: [أحدهما]: على الإقرار منهم بالبعث، والإيمان به.
والثاني: وعيد منهم لفرعون [لعنه الله]؛ حيث أوعدهم بقطع الأيدي والأرجل والصلب وغير ذلك من العقوبات، فقالوا: إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فتجزى وتعاقب جزاء صنيعك بنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: قوله: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ ﴾ أي: وما تعيب علينا، وتطعن إلا بما كان منا من الإيمان بآيات ربنا لما جاءتنا، وهو ما جاءهم من الآيات.
وقيل: وما تعاقبنا وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا، وكان الحق عليك - [وعلينا] - أن تؤمن بها كما آمنا نحن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ .
قوله: ﴿ أَفْرِغْ ﴾ .
قيل: أنزل علينا صبراً.
وقيل: أتمم لنا صبراً.
وقيل: اصبب علينا صبراً، وهو كله واحد.
ثم يحتمل سؤالهم الصبر لما لعله إذا فعل بهم بما أوعد من العقوبات لم يقدروا على التصبر، [على ذلك] فيتركون الإيمان؛ لذلك سألوا ربهم الصبر على ذلك ليثبتوا على الإيمان به.
﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ .
سألوا ربهم - أيضاً - التوفي على الإسلام، وهكذا كان دعاء الأنبياء، كما قال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً...
﴾ الآية.
[وكذلك أوصى إبراهيم] بنيه؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مسلم ومؤمن أن يتضرع إلى الله في كل وقت، ويبتهل إليه في كل ساعة؛ لئلا يسلب الإيمان لكسب يكتسبه؛ إذ الأنبياء والرسل - عليهم السلام - مع عصمتهم كانوا يخافون ذلك ليعلم أن العصمة لا تسقط الخوف، ولا تؤمن [عن] الزلات.
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ دلالة على أنهم علموا أنهم إذا أفرغ عليهم الصبر صبروا؛ إذ لو لم يعلموا ذلك لم يكن لسؤالهم الصبر معنى، فهذا على المعتزلة في قولهم: إنه يفرغ ولا يصبرون، وإنه قد أعطاهم غاية ما يصلح في الدين، فدلّ سؤالهم ذلك على أنه لم يعطهم، وأن عنده مزيداً لو أعطى لهم ذلك كان.
﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقوله: [لتفسدوا في الأرض].
قال بعضهم: في إخراجكم من أرض مصر وإفسادهم العيش عليكم، أو ما ذكروا من ترك عبادة فرعون وخدمته.
﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ وقد قرئ: بآلهتك فمن قرأه: ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ حمله على العبادة، أي: يذرك وعبادتك، ومن قرأه بآلهتك، وهو قول ابن عباس ومجاهد، قالوا: إن فرعون [لعنه الله] قد كان جعل لقومه آلهة يعبدونها؛ ليتقربوا بعبادتهم تلك الأصنام إلى فرعون، على ما كان يعبد أهل الشرك الأصنام دون الله، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ [فقالوا]: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ التي جعلت لهم.
وقال آخرون: إن فرعون كان يعبد الأصنام والأوثان على ما عبد غيره.
وقال غيرهم: لا يحتمل أن يكون هو [عبد] الأصنام، ولكن [جعل] لقومه الأصنام على ما ذكرنا.
ألا ترى أنه قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ ثم قال [اللعين]: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ ﴾ يعني: رجالهم، ﴿ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ ؛ لأنه لا يحتمل قتل الأبناء، ولم يكن منهم إليه صنع إنما كان ذلك من الرجال.
وقال بعضهم: قد كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام [الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكك، ويغير دين أهل الأرض، فلم يزل يقتلهم في ذلك العام [الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكه] ويترك البنات، فذلك قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ قيل: مسلطون عليهم.
فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر هذه القصص والأنباء السالفة في القرآن؟
قيل: لوجوه - والله أعلم -: [أحدها:] أن فيها دليل إثبات رسالة محمد ونبوته؛ لأن هذه القصص والأنباء كانت في كتبهم [ثابتة] مبينة، وقد علموا أن لسانه كان على غير ما كانت كتبهم، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك؛ ليتعلم منه، ولا سمع عن أحد منهم ثم أنبأهم على ما كانت، دل أنه إنما عرف ذلك بمن يعلم علم الغيب.
والثاني: أن البشر جبلوا على حبّ السماع للأخبار والأحاديث، وحبب ذلك في قلوبهم حتى إن واحداً منهم يولد أحاديث وينشئها من ذات نفسه لأن يستمعوا في ذلك إليه ويسمعوا منه، فذكر لهم هذه الأنباء والقصص ليكون استماعهم إليها وسماعهم لها، وذلك أحسن وأوفق إذ أخبر أن ذلك أحسن القصص؛ بقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ .
والثالث: ذكر لهم هذا ليعلموا ما حل بهم في العاقبة من الهلاك والاستئصال، وأنواع العذاب لفسادهم وتكذيبهم الرسل، وما عاقبة المفسد منهم والمصلح؛ ليكون ذلك زجراً لهم عن صنيع مثلهم.
والرابع: ذكر ذلك ليعرفوا كيف كانت معاملة الأنبياء والرسل أعداءهم، ومعاملة الأعداء الرسل ليعاملوا أعداءهم مثل معاملتهم.
والخامس: أنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسولٌ، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا كلهم من البشر.
والسادس: أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان، ويقولون: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ، فأخبر أن كان في آبائهم السعداء، وهم الأنبياء والأشقياء، فكيف اقتديتم أنتم بالأشقياء منهم؟:!
وهلا اتبعتم السعداء دون الأشقياء!
والسابع: فيها أن كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عرفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يأمر به، ومن ينهي عنه.
وأيضاً إن فيه ذكر الصالحين منهم بعدما ماتوا وانقرضوا فكانوا بالذكر كالأحياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ ﴾ : على أداء طاعته، وبما يتقربون إلى الله ويكون لهم زلفى لديه.
أو أن يقول لهم: استعينوا بالله بالنصر لكم والظفر، واصبروا على أذاهم والبلاء.
﴿ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أن يخرج ذلك من موسى مخرج الوعد لهم بالنصر والظفر على الأعداء، وجعل الأرض لهم من بعد إهلاك العدو، وهو كما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ ﴾ الآية.
ويحتمل أن يخرج ذلك منه مخرج التصبر على الرضاء بقضاء الله - - أن الأرض له يصيرها لمن يشاء، فاصبروا أنتم على البلاء، وارضوا بقضائه.
﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
قال الحسن: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ ﴾ ، أي: الآخرة للمتقين خاصّة، وأمّا الدّنيا فإنها بالشركة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، يكون لهؤلاء ما لأولئك، وأمّا الآخرة فليست للكفار إنما هي [للمؤمنين] خاصّة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...
﴾ الآية، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقال غيره: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي عاقبة الأمر بالنصر، والظفر للمتقين على أعدائهم، وإن كان في الدفعة الأولى عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أن يخرج مخرج استبطاء النصر والظفر لهم، كأنهم استبطئوا النصر وإهلاك العدو والظفر عليهم، فقال لهم موسى عند ذلك: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
والثاني: أن يخرج ذلك منهم مخرج الاعتذار لموسى لما خطر ببال موسى أنهم يقولون: إن ما أصابهم من البلايا والشدائد إنما كان لسببه ولمكانه، فقالوا ذلك له اعتذاراً منهم له أن قد أصابنا ذلك نحن من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؛ لئلا يوهم أنهم يقولون ذلك أو يخطر بباله ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكونوا قالوا ذلك على التعيير له والتوبيخ، يقولون: لم يزل يصيبنا من الأذى لسببك ولأجلك من قبل أن تأتينا من الاستخدام، ومن بعد ما جئتنا من أنواع الضرر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ والعسى من الله واجب، فوعدهم إهلاك العدو واستخلافهم في الأرض.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ أُوذِينَا ﴾ : في سببك ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا ﴾ بالرسالة، يعنون بالأذى: قتل الأبناء واستخدام النساء، ﴿ وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ بالرسالة: من الشدائد التي أصابتهم من بعد، لكن الأول أقرب وأشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ .
يحتمل هذا - أيضاً - وجهين: أحدهما: أن يجعل لكم الأرض، ويوسع عليكم الرزق يمتحنكم في ذلك ويبتليكم، لا أنه يجعل لكم ذلك على غير امتحان تعملون ما شئتم في ذلك.
والثاني: يمتحنكم بالشدائد والبلايا؛ لينظر كيف تصبرون على ذلك.
ويحتمل وجهاً آخر وهو: أن يقول لهم: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تشكرون ربكم فيما أنعم عليكم.
وقوله: ﴿ فَيَنظُرَ ﴾ كيف الواقع لكم من [الجزاء والثواب].
وقوله: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ ﴾ : أمرهم - والله أعلم - بطلب المعونة من الله على قضاء جميع حوائجهم ديناً ودنيا، ويحتمل أن يكون على طلب التوفيق لما أمر به، والعصمة عما حذَّرَ عنه، وكذلك الأمر البين في الخلق من طلب التوفيق والمعونة من الله، والعصمة عن المنهي عنه جرت به سنة الأخيار، وبالله المعونة.
ثم لا يصح ذلك على قول المعتزلة؛ لأن الدعاء بالمعونة على أداء ما كلف وقد أعطى؛ إذ على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شيء مما به أداء ما كلف عند الله، وطلب ما أعطى كتمان للعطية؛ وكتمان العطية كفران، فيصير كأن الله أمر بكفران نعمه وكتمانها وبطلبها منه تعنتاً، وظن مثله بالله كفر، ثم لا يخلو من أن يكون عند الله ما يطلب فلم يعط التمام إذاً، أو ليس عنده، فيكون طلبه استهزاء به؛ إذ من طلب إلى آخر ما يعلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف مع ما كان الذي يطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف، فيبطل قولهم لا يجوز أن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطي، أو ليس له ألا يعطي فكأنه قال: اللهم لا تجر ولا تظلم ومن هذا علمه بربه فالإسلام أولى به، فهذا مع ما لا يدعو الله أحد بالمعونة، وإلاَّ ويطمئن قلبه أنه لا يزلّ عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثله يملك الله عند المعتزلة، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
لأقطعن من كل واحد منكم يده اليمنى ورجله اليسرى أو يده اليسرى ورجله اليمنى، ثم لأعلقنَّكم جميعًا على جذوع النخل تنكيلًا بكم وترهيبًا لكل من يشاهدكم على هذه الحالة.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZezmL"