الآية ١٢٧ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٢٧ من سورة الأعراف

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ ١٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 100 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٧ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٧ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه ، وما أظهروه لموسى ، عليه السلام ، وقومه من الأذى والبغضة : ( ( 129 ) وقال الملأ من قوم فرعون ) أي : لفرعون ( أتذر موسى وقومه ) أي : أتدعهم ليفسدوا في الأرض ، أي : يفسدوا أهل رعيتك ويدعوهم إلى عبادة ربهم دونك ، يالله للعجب !

صار هؤلاء يشفقون من إفساد موسى وقومه !

ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون ، ولكن لا يشعرون ; ولهذا قالوا : ( ويذرك وآلهتك ) قال بعضهم : " الواو " هنا حالية ، أي : أتذره وقومه يفسدون وقد ترك عبادتك ؟

وقرأ ذلك أبي بن كعب : " وقد تركوك أن يعبدوك وآلهتك " ، حكاه ابن جرير .

وقال آخرون : هي عاطفة ، أي : لا تدع موسى يصنع هو وقومه من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى تركه آلهتك .

وقرأ بعضهم : " إلاهتك " أي : عبادتك ، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد .

وعلى القراءة الأولى قال بعضهم : كان لفرعون إله يعبده .

قال الحسن البصري : كان لفرعون إله يعبده في السر .

وقال في رواية أخرى : كان له جمانة في عنقه معلقة يسجد لها .

وقال السدي في قوله تعالى : ( ويذرك وآلهتك ) وآلهته ، فيما زعم ابن عباس ، كانت البقر ، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها ، فلذلك أخرج لهم عجلا جسدا .

فأجابهم فرعون فيما سألوه بقوله : ( سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ) وهذا أمر ثان بهذا الصنيع ، وقد كان نكل بهم به قبل ولادة موسى ، عليه السلام ، حذرا من وجوده ، فكان خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون .

وهكذا عومل في صنيعه [ هذا ] أيضا ، إنما أراد قهر بني إسرائيل وإذلالهم ، فجاء الأمر على خلاف ما أراد : نصرهم الله عليه وأذله ، وأرغم أنفه ، وأغرقه وجنوده .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وقالت جماعة رجال من قوم فرعون لفرعون (13) أتدع موسى وقومه من بني إسرائيل (14) = " ليفسدوا في الأرض "، يقول: كي يفسدوا خدمك وعبيدك عليك في أرضك من مصر (15) =(ويذرك وآلهتك)، يقول: " ويذرك "، ويدع خِدْمتك موسى وعبادتك وعبادة آلهتك.

* * * وفي قوله: (ويذرك وآلهتك)، وجهان من التأويل.

أحدهما: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، وقد تركك وترك عبادتك وعبادة آلهتك= وإذا وجه الكلام إلى هذا الوجه من التأويل، كان النصبُ في قوله: (ويذرك)، على الصرف, (16) لا على العطف به على قوله: " ليفسدوا ".

والثاني: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، وليذرك وآلهتك = كالتوبيخ منهم لفرعون على ترك موسى ليفعل هذين الفعلين.

وإذا وجِّه الكلام إلى هذا الوجه، كان نصب: (ويذرك) على العطف على (ليفسدوا).

قال أبو جعفر: والوجه الأول أولى الوجهين بالصواب, وهو أن يكون نصب (ويذرك) على الصرف, لأن التأويل من أهل التأويل به جاء.

* * * وبعدُ, فإن في قراءة أبيّ بن كعب الذي:- 14961 - حدثنا أحمد بن يوسف قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا حجاج عن هارون قال، في حرف أبي بن كعب: ( وقَدْ تَرَكُوكَ أَنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ ).

(17) * * * دلالةً واضحةً على أن نصب ذلك على الصرف.

* * * وقد روي عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك: ( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ )، عطفًا بقوله: (ويذرك) على قوله: (أتذر موسى).

= كأنه وجَّه تأويله إلى: أتذر موسى وقومه، ويذرك وآلهتك، ليفسدوا في الأرض.

وقد تحتمل قراءة الحسن هذه أن يكون معناها: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض، وهو يذرك وآلهتك؟

= فيكون " يذرك " مرفوعًا بابتداء الكلام والسلامة من الحوادث.

(18) * * * وأما قوله: (وآلهتك)، فإن قرأة الأمصار على فتح " الألف " منها ومدِّها, بمعنى: وقد ترك موسى عبادتك وعبادة آلهتك التي تعبدها.

* * * وقد ذكر عن ابن عباس أنه قال: كان له بقرة يعبدها.

* * * وقد روي عن ابن عباس ومجاهد أنهما كانا يقرآنها: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ) بكسر الألف بمعنى: ويذرك وعبودتك.

(19) * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نرى القراءة بغيرها, هي القراءة التي عليها قرأة الأمصار، لإجماع الحجة من القرأة عليها.

* * * * ذكر من قال: كان فرعون يعبد آلهة = على قراءة من قرأ: (ويذرك وآلهتك).

14962 - حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (ويذرك وآلهتك)، وآلهته فيما زعم ابن عباس, كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها, فلذلك أخرج لهم عِجْلا وبقرة.

14963 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان, عن عمرو, عن الحسن قال: كان لفرعون جمانة معلقة في نحره، يعبدها ويسجد لها.

14964 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا أبان بن خالد قال، سمعت الحسن يقول: بلغني أن فرعون كان يعبدُ إلهًا في السر، وقرأ: " ويذرك وآلهتك ".

14965 - حدثنا محمد بن سنان, قال : حدثنا أبو عاصم, عن أبي بكر, عن الحسن قال: كان لفرعون إله يعبده في السر.

* * * * ذكر من قال: معنى ذلك: ويذرك وعبادتك, على قراءة من قرأ: (وَإَلاهَتَكَ).

14966 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن عيينة, عن عمرو بن دينار, عن محمد بن عمرو بن الحسن, عن ابن عباس: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ) قال: إنما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد.

(20) 14967 - .

.

.

قال، حدثنا أبي, عن نافع, عن ابن عمر, عن عمرو بن دينار, عن ابن عباس أنه قرأ، ( ويَذَرَكَ وإِلاهَتَكَ ) قال: وعبادتك, ويقول: إنه كان يُعْبَد ولا يَعْبُد.

(21) 14968 - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ)، قال: يترك عبادتك.

14969 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل عن عمرو بن دينار, عن ابن عباس أنه كان يقرأ: (وَإِلاهَتَكَ)، يقول: وعبادتك.

14970 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ)، قال: عبادتك.

14971 - حدثنا سعيد بن الربيع الرازي قال، حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن محمد بن عمرو بن حسين, عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: (وَيَذَرَكَ وَإِلاهَتَكَ)، وقال : إنما كان فرعون يُعْبَد ولا يَعْبُد.

(22) * * * وقد زعم بعضهم: أن من قرأ: " وَإِلاهَتَكَ"، إنما يقصد إلى نحو معنى قراءة من قرأ: (وآلِهَتَكَ)، غير أنه أنّث وهو يريد إلهًا واحدًا, كأنه يريد: ويذرك وإلاهك = ثم أنث " الإله " فقال: " وإلاهتك ".

* * * وذكر بعض البصريين أن أعرابيًّا سئل عن " الإلاهة " فقال: " هي عَلَمة " يريد علمًا, فأنث " العلم ", فكأنه شيء نصب للعبادة يعبد.

وقد قالت بنت عتيبة بن الحارث اليربوعي: (23) تَرَوَّحْنَــا مِــنَ اللَّعْبَــاء قَصْـرًا وَأَعْجَلْنَـــا الإلاهَــةَ أَنْ تَؤُوبَــا (24) يعني بـ" الإلاهة "، في هذا الموضع، الشمس.

وكأنّ هذا المتأول هذا التأويل, وجّه " الإلاهة "، إذا أدخلت فيها هاء التأنيث, وهو يريد واحد " الآلهة ", إلى نحو إدخالهم " الهاء " في " وِلْدتي" و " كوكبتي" و " مَاءتي", (25) وهو " أهلة ذاك ", وكما قال الراجز: (26) يَـا مُضَـرُ الْحَـمْرَاءُ أَنْـتِ أُسْـرَتِي وأنــت ملجــاتي وأنـت ظهـرتي (27) يريد: ظهري.

* * * وقد بين ابن عباس ومجاهد ما أرادا من المعنى في قراءتهما ذلك على ما قرآ, فلا وجه لقول هذا القائل ما قال، مع بيانهما عن أنفسهما ما ذهبا إليه من معنى ذلك.

* * * وقوله: (قال سنقتل أبناءهم)، يقول: قال فرعون: سنقتل أبناءهم الذكور من أولاد بني إسرائيل =(ونستحيي نساءهم)، يقول: ونستبقي إناثهم (28) =(وإنا فوقهم قاهرون)، يقول: وإنا عالون عليهم بالقهر, يعني بقهر الملك والسلطان.

(29) وقد بينا أن كل شيء عالٍ بالقهر وغلبة على شيء, فإن العرب تقول: هو فوقه.

(30) ----------------- الهوامش : (13) انظر تفسير (( الملأ )) فيما سلف ص 18 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(14) انظر تفسير (( يذر )) فيما سلف 12 : 136 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(15) انظر تفسير (( الفساد في الأرض )) فيما سلف ص : 13 ، تعلق : 1 ، والمراجع هناك .

(16) (( الصرف )) ، مضى تفسيره في 7 : 247 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 391 .

(17) انظر أيضاً معاني القرآن للفراء 1 : 391 .

(18) في المطبوعة ، حذف قوله: (( والسلامة من الحوادث )) ، كأنه لم يفهمها ، وإنما أراد سلامته من العوامل التي ترفعه أو تنصبه أو تجره .

وفي المخطوطة : (( إلى ابتداء الكلام )) ، وفي المطبوعة : (( على إبتدا الكلام )) ، و الأجود ما أثبت .

(19) انظر ما سلف 1 : 123 ، 124 ، وفي تفسير (( الإلاهة )) ، وخبرا ابن عباس ومجاهد بإسنادهما ، وسيأتي برقم : 14966 - 14971 .

(20) الأثر : 14966 - (( محمد بن عمرو بن الحسن بن على بن أبي طالب )) تابعي ثقة ، مضى برقم : 2892 ، 2892 م .

وكان في المخطوطة والمطبوعة هنا : (( محمد بن عمرو ، عن الحسن )) ، وهو خطأ .

وقد مضى الخبر على الصواب بهذا الإسناد فيما سلف رقم : 143 ، وسيأتيعلى الصواب برقم 19471 .

(21) الأثر : 14967 - (( نافع بن عمر )) ، مضى مرارًا ، وكان في المخطوطة والمطبوعة (( عن نافع ، عن ابن عم )) ، وهو خطأ ، والصواب كما مضى برقم : 142 (22) الأثر : 14971 - ((محمد بن عمرو بن الحسن بن على بن أبي طالب )) ، انظر التعليق على رقم 14966 .

(23) في المخطوطة : (( وقد قال عتيبة بن شهاب اليربوعي )) ، وهو خطأ لا شك فيه ، وفي المطبوعة : (( وقد قالت بنت عتيبة بن الحارث اليربوعي )) ، وهو صواب من تغيير ناشر المطبوعة الأولى ، وقد أثبت حق النسب ، جامعاً بين ما في المخطوطة والمطبوعة .

ويقال هي (( أمنه بنت عتيبة )) ، ويقال اسمها (( ميه )) ، وهي (( أم البنين )) .

ويقال : هو لنائحة عتيبة .

(24) بلاغات النساء : 189 ، معجم ما استعجم : 1156 ، معجم البلدان (( اللعباء )) ، اللسان (لعب ) (أله ) ، وغيرها كثير .

قالت ترثى أباها ، وقتل يوم خو ، قتلته بنو أسد ، وبعد البيت : عَــلَى مِثْــلِ ابـنِ مَيَّـهَ، فَانْعِيَـاهُ يَشُــقُّ نَــوَاعِمُ البَشَــرِ الجُيُوبَـا وَكـانَ أَبِـى عُتَيْبَـةُ شَـمَّرِيًّا عَـوَانُ وَلا تَلْقَـــاهُ يَدَّخِـــرُ النَّصِيبَـــا ضَرُوبًــا بِــاليَدَيْنِ إذَا اشْــمَعَلَّتْ الحَـــرْبِ، لا وَرِعًــــا هَيُوبَــا و(( اللعباء )) بين الربذة ، وأرض بنى سليم ، وهي لفزارة ، ويقال غير ذلك .

و (( قصرا )) ، أي عشيا .وفي المطبوعة : (( عصراً )) ، وهي إحدى روايات البيت ، وأثبت ما في المخطوطة .

(25) في المطبوعة : (( أماتى )) وهو خطأ ، صوابه ما في المخطوطة .

(26) لم أعرف قائله .

(27) (3 ) قوله : (( ملجاتى )) بتسهيل الهمزة ، وأصله (( ملجأتى )) ، وألحق التاء أيضاً في هذا بقولهم : (( ملجأ )) بالحرفان جميعاً شاهد على ما قاله أبو جعفر .

(28) انظر تفسير (( الاستحياء )) فيما سلف 2 : 41 - 48 .

(29) انظر تفسير (( القهر )) فيما سلف 11 : 284 ، 408 (30) انظر تفسير (( فوق )) فيما سلف 11 : 284 ، وفهارس اللغة (( فوق ))

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض أي بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل .

ويذرك بنصب الراء جواب الاستفهام ، والواو نائبة عن الفاء .

وآلهتك قال الحسن : كان فرعون يعبد الأصنام ، فكان يعبد ويعبد .

قال سليمان التيمي : بلغني أن فرعون كان يعبد البقر .

قال التيمي : فقلت للحسن هل كان فرعون يعبد شيئا ؟

قال نعم ; إنه كان يعبد شيئا كان قد جعله في عنقه .

وقيل : معنى وآلهتك أي وطاعتك ، كما قيل في قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله إنهم ما عبدوهم ولكن أطاعوهم ; فصار تمثيلا .

وقرأ نعيم بن ميسرة ( ويذرك ) بالرفع على تقدير : وهو يذرك .

وقرأ الأشهب العقيلي ( ويذرك ) مجزوما مخفف " يذرك " لثقل الضمة .

وقرأ أنس بن مالك ( ونذرك ) بالرفع والنون .

أخبروا عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيا .

وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك ( وإلاهتك ) ومعناه وعبادتك .

وعلى هذه القراءة كان يعبد ولا يعبد ، أي ويترك عبادته لك .

قال أبو بكر الأنباري : فمن مذهب أصحاب هذه القراءة أن فرعون لما قال أنا ربكم الأعلى و ما علمت لكم من إله غيري نفى أن يكون له رب وإلاهة .

فقيل له : ويذرك وإلاهتك ; بمعنى ويتركك وعبادة الناس لك .وقراءة العامة وآلهتك كما تقدم ، وهي مبنية على أن فرعون ادعى الربوبية في ظاهر أمره وكان يعلم أنه مربوب .

ودليل هذا قوله عند حضور الحمام آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل فلم يقبل هذا القول منه لما أتى به بعد إغلاق باب التوبة .

وكان قبل هذا الحال له إله يعبده سرا دون رب العالمين جل وعز ; قاله الحسن وغيره .

وفي حرف أبي ( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك ) .

وقيل : " وإلاهتك " قيل : كان يعبد بقرة ، وكان إذا استحسن بقرة أمر بعبادتها ، وقال : أنا ربكم ورب هذه .

ولهذا قال : [ ص: 236 ] فأخرج لهم عجلا جسدا .

ذكره ابن عباس والسدي .

قال الزجاج : كان له أصنام صغار يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه ; ولهذا قال : أنا ربكم الأعلى .

قال إسماعيل بن إسحاق : قول فرعون أنا ربكم الأعلى .

يدل على أنهم كانوا يعبدون شيئا غيره .

وقد قيل : إن المراد بالإلاهة على قراءة ابن عباس البقرة التي كان يعبدها .

وقيل : أرادوا بها الشمس وكانوا يعبدونها .

قال الشاعر :وأعجلنا الإلاهة أن تئوباثم آنس قومه فقال ( سنقتل أبناءهم ) بالتخفيف ، قراءة نافع وابن كثير .

والباقون بالتشديد على التكثير .

ونستحيي نساءهم أي لا تخافوا جانبهم .

وإنا فوقهم قاهرون آنسهم بهذا الكلام .

ولم يقل سنقتل موسى لعلمه أنه لا يقدر عليه .

وعن سعيد بن جبير قال : كان فرعون قد ملئ من موسى رعبا ; فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا وفرعون وملؤه وعامتهم المتبعون للملأ قد استكبروا عن آيات الله، وجحدوا بها ظلما وعلوا، وقالوا لفرعون مهيجين له على الإيقاع بموسى، وزاعمين أن ما جاء باطل وفساد: {أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ} بالدعوة إلى الله، وإلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، التي هي الصلاح في الأرض، وما هم عليه هو الفساد، ولكن الظالمين لا يبالون بما يقولون.

{وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ} أي: يدعك أنت وآلهتك، وينهى عنك، ويصد الناس عن اتباعك.

فـ {قَالَ} فرعون مجيبا لهم، بأنه سيدع بني إسرائيل مع موسى بحالة لا ينمون فيها، ويأمن فرعون وقومه - بزعمه - من ضررهم: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} أي: نستبقيهن فلا نقتلهن، فإذا فعلنا ذلك أمنا من كثرتهم، وكنا مستخدمين لباقيهم، ومسخرين لهم على ما نشاء من الأعمال {وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} لا خروج لهم عن حكمنا، ولا قدرة، وهذا نهاية الجبروت من فرعون والعتو والقسوة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال الملأ من قوم فرعون ) له ( أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ) وأرادوا بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته ، ( ويذرك ) أي : وليذرك ، ( وآلهتك ) فلا يعبدك ولا يعبدها .

قال ابن عباس : كان لفرعون بقرة يعبدها ، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها ، فلذلك أخرج السامري لهم عجلا .

وقال الحسن : كان قد علق على عنقه صليبا يعبده .

وقال السدي : كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها ، وقال لقومه هذه آلهتكم وأنا ربها وربكم ، فذلك قوله ( أنا ربكم الأعلى ) ( النازعات - 24 ) ، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك : " ويذرك وإلاهتك " بكسر الألف ، أي : عبادتك فلا يعبدك ، لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد وقيل : أراد بالآلهة الشمس .

وكانوا يعبدونها قال الشاعر : تروحنا من اللعباء قصرا وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا ( قال ) فرعون ( سنقتل أبناءهم ) قرأ أهل الحجاز : " سنقتل " بالتخفيف من القتل ، وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على التكثير ، ( ونستحيي نساءهم ) نتركهن أحياء ، ( وإنا فوقهم قاهرون ) غالبون .

قال ابن عباس : كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل أنه يولد مولود يذهب بملكك ، فلم يزل يقتلهم حتى أتاهم موسى بالرسالة ، وكان من أمره ما كان ، فقال فرعون : أعيدوا عليهم القتل ، فأعادوا عليهم القتل ، فشكت ذلك بنو إسرائيل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الملأ من قوم فرعون» له «أتذر» تترك «موسى وقومه ليفسدوا في الأرض» بالدعاء إلى مخالفتك «ويذرك وآلهتك» وكان صنع لهم أصناما صغارا يعبدونها وقال أنا ربُّكم وربها ولذا قال أنا ربكم الأعلى «قال سنُقَتِّل» بالتشديد والتخفيف «أبناءهم» المولودين «ونستحي» نستبقي «نساءهم» كفعلنا بهم من قبل «وإنا فوقهم قاهرون» قادرون ففعلوا بهم ذلك فشكا بنو إسرائيل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال السادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون: أَتَدَعُ موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسدوا الناس في أرض "مصر" بتغيير دينهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادتك وعبادة آلهتك؟

قال فرعون: سنُقَتِّل أبناء بني إسرائيل ونستبقي نساءهم أحياء للخدمة، وإنَّا عالون عليهم بقهر المُلْكِ والسلطان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - ( وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) .أى : قال الزعماء والوجهاء من قوم فرعون له ، بعد أن أصابتهم الهزيمة والخذلان فى معركة الطغيان والإيمان ، قالوا له على سبيل التهييج والإثارة : أتترك موسى وقومه أحراراً آمنين فى أرضك ، ليفسدوا فيها بإدخال الناس فى دينهم ، أو جعلهم تحت سلطانهم ورياستهم .روى أنهم قالوا له ذلك بعد أن رأوا عدداً كبيراً من الناس ، قد دخل فى الإيمان متبعاً السحرة الذين قالوا ( آمَنَّا بِرَبِّ العالمين ) وقوله ( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) معناه : أتتركهم أنت يعبدون رب موسى وهارون ، ويتركون عبادتك وعبادة آلهتك ، فيظهر للناس عجزك وعجزها ، فتكون الطامة الكبرى التى بها بفسد ملكك .قال السدى : إن فرعون كان قد صنع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها ، وسمى نفسه الرب الأعلى .وقال الحسن إنه كان يعبد الكواكب ويعتقد أنها المربية للعالم السفلى كله ، وهو رب النوع الإنسانى .وقد قرىء ( وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) بالنصب والرفع أما النصب فعلى أنه معطوف على ( لِيُفْسِدُواْ ) وأما الرفع فعلى أنه عطف على ( أَتَذَرُ ) أو على الاستئناف ، أو على أنه حال بحذف المبتدأ أى : وهو يذرك .والمتأمل فى هذا الكلام الذى حكاه القرآن عن الملأ من قوم فرعون ، يراه يطفح بأشد ألوان التآمر والتحريض .

فهم يخوفونه فقدان الهيبة والسلطان بتحطيم الأوهام التى يستخدمها السلطان ، لذا نراه يرد عليهم بمنطق الطغاة المستكبرين فيقول : ( سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) .أى : لا تخافوا ولا ترتاعوا أيها الملأ فإن قوم موسى أهون من ذلك ، وسننزل بهم ما كنا نفعله معهم من قبل وهو تقتيل الأبناء ، وترك النساء أحياء ، وإنا فوقهم غالبون كما كنا ما تغير شىء من حالنا ، فهم الضعفاء ونحن الأقوياء ، وهم الأذلة ونحن الأعزة .فأنت ترى أن ما قاله الملأ من قوم فرعون هو منطق حاشية السوء فى كل عهود الطغيان فهم يرون أن الدعوة إلى وحدانية الله إفساد فى الأرض ، لأنها ستأتى على بنيانهم من القواعد .

ولأنها هى الدعوة إلى وحدانية الله إفساد فى الأرض ، لأنها ستأتى على بنيانهم من القواعد .

ولأنها هى الدعوة إلى وحدانية الله التى ستحرر الناس من ظلمهم وجبرتهم ، وتفتح العيون على النور الذى يخشاه أولئك الفاسقون .وترى أن ما قاله فرعون هو منطق الطغاة المستكبرين دائماً .

فهم يلجأون إلى قوتهم المادية ليحموا بها آثامهم ، وشهواتهم ، وسلطانهم القائم على الظلم ، والبطش ، والمنافع الشخصية .ويبلغ موسى وقومه هذا التهديد والوعيد من فرعون وملئه فماذا قال موسى - عليه السلام -؟

لقد حكى القرآن عنه أنه لم يحفل بهذا التهديد بل أوصى قومه بالصبر ، ولوح لهم بالنصر .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض فرعون لموسى ولا أخذه ولا حبسه، بل خلى سبيله فقال قومه له: ﴿ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ .

واعلم أن فرعون كان كلما رأى موسى خافه أشد الخوف، فلهذا السبب لم يتعرض له إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك، فحملوه على أخذه وحبسه.

وقوله: ﴿ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ أي يفسدوا على الناس دينهم الذي كانوا عليه، وإذا أفسدوا عليهم أديانهم توسلوا بذلك إلى أخذ الملك.

أما قوله: ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ فالقراءة المشهورة فيه ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ بالنصب.

وذكر صاحب الكشاف: فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قوله: ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ عطفاً على قوله: ﴿ لِيُفْسِدُواْ ﴾ لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم، كان ذلك مؤدياً إلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك.

وثانيها: أنه جواب للاستفهام بالواو، وكما يجاب بالفاء مثل قول الحطيئة: ألم أكُ جارَكم ويكون بيني *** وبينكم المودة والآخاءُ؟

والتقدير: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض فيذرك وآلهتك.

قال الزجاج: والمعنى أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى؟.

وثالثها: النصب بإضمار أن تقديره: أتذر موسى وقومه ليفسدوا وأن يذرك وآلهتك؟

قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ ﴾ بالرفع عطفاً على ﴿ أَتَذَرُ ﴾ بمعنى أتذره ويذرك؟

أي انطلق له، وذلك يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى أتذره هو يذرك وإلهتك؟

وقرأ الحسن ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ بالجزم، وقرأ أنس ﴿ ونذرك ﴾ بالنون والنصب، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها.

وأما قوله: ﴿ وَءالِهَتَكَ ﴾ قال أبو بكر الأنباري: كان ابن عمر ينكر قراءة العامة، ويقرأ إلاهتك أي عبادتك، ويقول إن فرعون كان يعبد ولا يعبد، قال ابن عباس: أما قراءة العامة ﴿ وَءالِهَتَكَ ﴾ فالمراد جمع إله، وعلى هذا التقدير: فقد اختلفوا فيه.

فقيل إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً، وأمرهم بعبادتها.

وقال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى ﴾ ورب هذه الأصنام، فذلك قوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى ﴾ وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام.

وأقول: الذي يخطر ببالي إن فرعون إن قلنا: إنه ما كان كامل العقل لم يجز في حكمة الله تعالى إرسال الرسول إليه، وإن كان عاقلاً لم يجز أن يعتقد في نفسه كونه خالقاً للسموات والأرض، ولم يجز في الجمع العظيم من العقلاء أن يعتقدوا فيه ذلك لأن فساده معلوم بضرورة العقل.

بل الأقرب أن يقال إنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع، وكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب، وأما المجدي في هذا العلم للخلق، ولتلك الطائفة والمربي لهم فهو نفسه، فقوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى ﴾ أي مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم.

وقوله: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنَ إله غَيْرِى  ﴾ أي لا أعلم لكم أحداً يجب عليكم عبادته إلا أنا، وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال إنه كان قد اتخذ أصناماً على صور الكواكب، ويعبدها ويتقرب إليها على ما هو دين عبدة الكواكب وعلى هذا التقدير: فلا امتناع في حمل قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ﴾ على ظاهره، فهذا ما عندي في هذا الباب، والله أعلم.

واعلم أن على جميع الوجوه والاحتمالات فالقوم أرادوا بذكر هذا الكلام حمل فرعون على أخذ موسى عليه السلام، وحبسه، وإنزال أنواع العذاب به، فعند هذا لم يذكر فرعون ما هو حقيقة الحال وهو كونه خائفاً من موسى عليه السلام.

ولكنه قال: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير ﴿ سَنُقَتِّلُ ﴾ بفتح النون والتخفيف، والباقون بضم النون والتشديد على التكثير.

يعني أبناء بني إسرائيل ومن آمن بموسى عليه السلام.

المسألة الثانية: أن موسى عليه السلام إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته، وذلك بأن نقتل أبناء بني إسرائيل ونستحيي نساءهم.

ثم بين أنه قادر على ذلك بقوله: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون ﴾ والمقصود منه ترك موسى وقومه، لا من عجز وخوف، ولو أراد به البطش لقدر عليه، كأنه يوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه ولعدم خوفه منه.

واختلف المفسرون، فمنهم من قال: كان يفعل ذلك كما فعله ابتداء عند ولادة موسى، ومنهم من قال بل منع منه واتفق المفسرون على أن هذا التهديد وقع في غير الزمان الأول ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ وهذا يدل على أن الذي قاله الملأ لفرعون، والذي قال فرعون لهم قد عرفه موسى عليه السلام ووصل إليه، فعند ذلك فال لقومه ﴿ استعينوا بالله واصبروا إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فهاهنا أمرهم بشيئين وبشرهم بشيئين.

أما الذان أمر موسى عليه السلام بهما؛ فالأول: الاستعانة بالله تعالى.

والثاني: الصبر على بلاء الله.

وإنما أمرهم أولاً بالاستعانة بالله وذلك لأن من عرف أنه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى انشرح صدره بنور معرفة الله تعالى وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء، ولأنه يرى عند نزول البلاء أنه إنما حصل بقضاء الله تعالى وتقديره.

واستعداده بمشاهدة قضاء الله، خفف عليه أنواع البلاء، وأما الذان بشر بهما؛ فالأول: قوله: ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وهذا إطماع من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه، وذلك معنى الإرث، وهو جعل الشيء للخلف بعد السلف.

والثاني: قوله: ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فقيل: المراد أمر الآخرة فقط، وقيل: المراد أمر الدنيا فقط وهو: الفتح، والظفر، والنصر على الأعداء، وقيل المراد مجموع الأمرين، وقوله: ﴿ لّلْمُتَّقِينَ ﴾ إشارة إلى أن كل من اتقى الله تعالى وخافه فالله يعينه في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ عطف على ﴿ لِيُفْسِدُوا ﴾ لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم، وكان ذلك مؤدّياً إلى ما دعوه فساداً وإلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك.

أو هو جواب للاستفهام بالواو كما يجاب بالفاء، نحو قول الحطيئة: أَلَمْ أَكُ جَارَكُمْ وَيَكُونُ بَيْنِي ** وَبَيْنَيكُمُ المْمَوَدَّةُ وَالإخَاءُ والنصب بإضمار (إن) تقديره: أيكون منك ترك موسى، ويكون تركه إياك وآلهتك.

وقرئ: (ويذرك وآلهتك) بالرفع عطفاً على أتذر موسى، بمعنى: أتذره وأيذرك، يعني: تطلق له ذلك.

أو يكون مستأنفاً أو حالاً على معنى: أتذره وهو يذرك وآلهتك.

وقرأ الحسن: (ويذرك) بالجزم، كأنه قيل: يفسدوا، كما قرئ: ﴿ وَأَكُن مّنَ الصالحين ﴾ [المنافقون: 10] كأنه قيل: ﴿ أصدّق ﴾ .

وقرأ أنس رضي الله عنه: ﴿ ونذرك ﴾ ، بالنون والنصب، أي يصرفنا عن عبادتك فنذرها.

وقرئ: ﴿ ويذرك وإلاهتك ﴾ ، أي عبادتك.

وروي: أنهم قالوا له ذلك، لأنه وافق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفس، فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك وخافوا أن يغلبوا على الملك، وقيل: صنع فرعون لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه كما يعبد عبدة الأصنام الأصنام، ويقولون: ليقربونا إلى الله زلفى، ولذلك قال: أنا ربكم الأعلى ﴿ سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ ﴾ يعني سنعيد عليهم ما كنا محناهم به من قتل الأبناء، ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر، وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا واستيلائنا، ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي أخبر المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده، فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه، وأنه منتظر بعد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ بِتَغْيِيرِ النّاسِ عَلَيْكَ ودَعْوَتِهِمْ إلى مُخالَفَتِكَ.

﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى (يُفْسِدُوا)، أوْ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ بِالواوِ كَقَوْلِ الحُطَيْئَةِ: ألَمْ أكُ جارَكم ويَكُونُ بَيْنِي.

.

.

وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ عَلى مَعْنى أيَكُونُ مِنكَ تَرْكُ مُوسى ويَكُونُ مِنهُ تَرْكُهُ إيّاكَ.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى أنْذَرَ أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ.

وقُرِئَ بِالسُّكُونِ كَأنَّهُ قِيلَ: (يُفْسِدُوا ويَذَرَكَ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ ﴾ ، ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ مَعْبُوداتِكَ قِيلَ كانَ يَعْبُدُ الكَواكِبَ.

وقِيلَ صَنَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا وأمَرَهم أنْ يَعْبُدُوها تَقَرُّبًا إلَيْهِ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ وقُرِئَ « إلاهَتَكَ» أيْ عِبادَتِكَ.

﴿ قالَ ﴾ فِرْعَوْنُ ﴿ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ كَما كُنّا نَفْعَلُ مِن قَبْلُ لِيَعْلَمَ أنّا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يَتَوَهَّمَ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ سَنَقْتُلُ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿ وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ غالِبُونَ وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ أيْدِينا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)

{وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض} أرض مصر بالاستعلاء فيها وتغيير دين أهلها لأنه والق السحرة على الإيمان ستمائة ألف نفر {ويذرك وآلهتك} عطف على لفسدوا قبل صنع فرعون لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه كما يعبد عبدة الأصنام الأصنام ويقولون

ليقربونا إلى الله زلفى ولذلك قَالَ انا ربكم الأعاى {قال} فرعون مجيبا ببملأ {سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون} سَنُقَتّلُ حجازي أي سنعيد عليهم قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا ولئلا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون بذهاب ملكنا على يده فيثبطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتباعه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ مُخاطِبِينَ لَهُ بَعْدَ ما شاهَدُوا مَن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاهَدُوا: ﴿ أتَذَرُ مُوسى ﴾ أيْ: أتَتْرُكُهُ ﴿ وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ أيْ: في أرْضِ مِصْرَ.

والمُرادُ بِالإفْسادِ ما يَشْمَلُ الدِّينِيَّ والدُّنْيَوِيَّ، ومَفْعُولُ الفِعْلِ مَحْذُوفٌ لِلتَّعْمِيمِ، أوْ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ يُقَدَّرُ: يُفْسِدُوا النّاسَ بِدَعْوَتِهِمْ إلى دِينِهِمْ والخُرُوجِ عَلَيْكَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ أتْبَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴿ ويَذَرَكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى يُفْسِدُوا المَنصُوبِ بِأنْ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ كَما يُنْصَبُ بَعْدَ الفاءِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الحَطِيئَةِ: ألَمْ أكْ جارَكم ويَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ والمَعْنى: كَيْفَ يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وقَوْمَهُ مُفْسِدِينَ في الأرْضِ وتَرْكِهِمْ إيّاكَ إلَخْ.

أيْ: لا يُمْكِنُ وُقُوعُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الحَسَنُ ونُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى (تَذَرُ) أوِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ، أيْ: وهو يَذَرُكَ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُضارِعِيَّةَ لا تَقْتَرِنُ بِالواوِ عَلى الفَصِيحِ، والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِئْنافِ مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ما سَبَقَ، أيْ: تَذَرُهُ وعادَتُهُ تَرْكُكَ، ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ هو عَلى ما قالَ الطِّيبِيُّ كَما في احْتِمالِ الحالِ لِيَدُلَّ عَلى الدَّوامِ، وعَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ تَكُونُ مُقَرِّرَةً لِجِهَةِ الإشْكالِ.

وعَنِ الأشْهَبِ أنَّهُ قَرَأ بِسُكُونِ الرّاءِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّهُ تُرِكَتِ الضَّمَّةُ لِلتَّخْفِيفِ كَما في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو: (يَأْمُرْكُمْ) بِإسْكانِ الرّاءِ اسْتِقْلالًا لِلضَّمَّةِ عِنْدَ تَوالِي الحَرَكاتِ، واخْتارَهُ أبُو البَقاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ عُطِفَ عَلى ما تَقَدَّمَ بِحَسْبِ المَعْنى، ويُقالُ لَهُ في غَيْرِ القُرْآنِ عَطْفُ التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُفْسِدُوا ويَذَرَكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ ﴾ ﴿ وآلِهَتَكَ ﴾ أيْ: مَعْبُوداتِكَ.

يُرْوى أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الكَواكِبَ فَهي آلِهَتُهُ، وكانَ يَعْتَقِدُ أنَّها المُرَبِّيَةُ لِلْعالَمِ السُّفْلِيِّ مُطْلَقًا، وهو رَبُّ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ قَدِ اتَّخَذَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا وأمْرَهم بِأنْ يَعْبُدُوها تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ كانَتْ لَهُ بَقَرَةٌ يَعْبُدُها وكانَ إذا رَأى بَقَرَةً حَسَنَةً أمَرَ قَوْمَهُ بِعِبادَتِها، ولِذَلِكَ أخْرَجَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ عِجْلًا وهو رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ في عُنُقِهِ شَيْئًا يَعْبُدُهُ، وأمْرُ الجَمْعِ عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى عِنايَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ: و(إلَهَتَكَ) كَعِبادَتِكَ لَفْظًا ومَعْنًى فَهو مَصْدَرٌ.

وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُنْكِرُ قِراءَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ ويَقْرَأُ بِالمَصْدَرِ ويَقُولُ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿ ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي ﴾ ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: الأقْرَبُ أنَّهُ كانَ دَهْرِيًّا مُنْكِرًا لِلصّانِعِ، وقِيلَ: الإلَهَةُ اسْمٌ لِلشَّمْسِ، وكانَ يَعْبُدُها وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: وأعْجَلَنا الإلَهَةُ أنْ تَؤُبا قالَ مُجِيبًا لَهُمْ: ﴿ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ كَما كُنّا نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ مِن قَبْلُ لِيُعْلَمَ أنّا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ: (سَنَقْتُلُ) بِالتَّخْفِيفِ والتَّضْعِيفِ كَما في مُوِّتَتِ الإبِلُ.

﴿ وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ أيْ: غالِبُونَ كَما كُنّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُنا وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ أيْدِينا، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدِ انْقَطَعَ طَمَعُهُ عَنْ قَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَعِدِ المَلَأ بِقَتْلِهِ لِما رَأى مِن عُلُوِّ أمْرِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَعِدْ بِقَتْلِ قَوْمِهِ أيْضًا، والظّاهِرُ عَلى ما قِيلَ: إنَّ هَذا مِن فِرْعَوْنَ بَيانٌ لِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ وإيذانٌ بِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وأنَّ أمْرَهم فِيما بَعْدُ كَأمْرِهِمْ فِيما قَبْلُ، وأنَّ قَتْلَهم عَبَثٌ لا ثَمَرَةَ فِيهِ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وإنْ صَدَرَ مِنَ الأحْمَقِ، وأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ كالتَّذْيِيلِ لِما قَبْلَها.

فافْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ يعني: اطرح عصاك إلى الأرض فألقى عَصَاهُ من يده فصارت حية أعظم من جميع حياتهم فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ يعني: تلتقم وتأكل جميع ما جاءوا به من الكذب والسحر.

قرأ عاصم في رواية حفص تَلْقَفْ بجزم اللام والتخفيف.

وقرأ الباقون بنصب اللام وتشديد القاف، ومعناهما واحد.

ثم إن الحية قصدت إلى فرعون، فنادى موسى فأخذها، فإذا هي عصا على حالها فنظرت السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت فَوَقَعَ الْحَقُّ أي استبان الحق وظهر أنه ليس بسحر وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر أي: ذهب وهلك واضمحل فَغُلِبُوا هُنالِكَ أي وغَلَب موسى السحرة عند ذلك وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ يعني: رجعوا ذليلين.

قالوا: لو كان هذا سحراً فأين صارت حبالنا وعصينا.

ولو كانت سحراً لبقيت حبالنا وعصينا وهذا من الله تعالى وليس بسحر.

فآمنوا بموسى.

قوله تعالى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ يعني: خروا ساجدين لله تعالى.

قال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا.

ويقال: وفّقهم الله تعالى للسجود قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال لهم فرعون: إياي تعنون.

فأراد أن يلبس على قومه فقالوا: رَبِّ مُوسى وَهارُونَ فقدم فرعون لما سألهم، لأن بعض الناس كانوا يظنون عند مقالتهم رب العالمين أنهم أرادوا به فرعون.

فلما سألهم فرعون وقالوا: برب موسى وهارون، ظهر عند جميع الناس أنهم لم يريدوا به فرعون، وإنما أرادوا به الإيمان بموسى وبرب العالمين.

قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ يعني: صدقتم بموسى قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ يعني: قبل أن آمركم بالإيمان بموسى.

قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر آمنتم.

وقرأ الباقون بغير مد بهمزتين ومعناهما واحد ويكون استفهاماً.

إلا عاصم في رواية حفص قرأ آمنتم بهمزة واحدة بغير مد على وجه الخبر.

إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ يعني: صنعاً صنعتموه فيما بينكم وبين موسى في المدينة لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعني: إنكم أردتم أن تخرجوا الناس من مصر بسحركم.

ثم قال لهم: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: تعلمون ماذا أفعل بكم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني: اليد اليمنى والرجل اليسرى ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ أي: لا نبالي من عقوبتك وفعلك فإن مرجعنا إلى الله تعالى يوم القيامة.

قال تعالى: وَما تَنْقِمُ مِنَّا يعني: وما تعيب علينا، وما تنكر منا إلا إيماننا بالله تعالى.

ويقال: وما نقمتك علينا ولم يكن منا ذنب إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا يعني: لما ظهر عندنا أنه حق.

ثم سألوا الله تعالى الصبر على ما يصيبهم لكي لا يرجعوا عن دينهم فقالوا: رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً يعني: أنزل علينا صبراً عند القطع والصلب، ومعناه: ارزقنا الصبر وثبت قلوبنا حتى لا نرجع كفاراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ على دين موسى.

وروي عن عبيد الله بن عمير أنه قال: كانت السحرة أول النهار كفاراً فجرة، وآخر النهار شهداء بررة.

وقال بعض الحكماء: إن سحرة فرعون كانوا كفروا خمسين سنة فغفر لهم بإقرار واحد وبسجدة فكيف بالذي أقر وسجد خمسين سنة كيف لا يرجو رحمته ومغفرته؟.

قوله تعالى وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني: إن السحرة قد آمنوا به فلو تركتهما يؤمن بهما جميع أهل مصر، فيفسدوا في الأرض يعني: موسى وقومه ويغيروا عليك دينك في أرض مصر وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ وذلك أن فرعون كان قد جعل لقومه أصناماً يعبدونها، وكان يقول لهم هؤلاء أربابكم الصغار، وأنا ربكم الأعلى.

فذلك قوله تعالى: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني: يدعك ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها.

وروي عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يعني: عبادتك وتعبدك.

قال ابن عباس: كان فرعون يُعْبد ولا يَعْبُد.

ويقال: معنى قوله: أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ يعني: يغلبوا عليكم، ويقتلون أبناءكم، ويستحيون نساءكم كما فعلتم بهم كما قال في آية أخرى إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر: 26] فقال لهم فرعون: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ لأنهم قد كانوا تركوا قتل الأبناء، فأمرهم أن يرجعوا إلى ذلك الفعل.

قرأ ابن كثير ونافع سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ بجزم القاف والتخفيف.

وقرأ الباقون بالتشديد على معنى التكثير والمبالغة في القتل.

ثم قال: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ أي: مسلطون فشكت بنو إسرائيل إلى موسى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأَبطَلَ سعيهم، وقوله سبحانه: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ: نصٌّ في أن لهم فِعْلاً ما زائداً على ما يُحْدِثُونه من التزْوِيقِ، وَاسْتَرْهَبُوهُمْ بمعنى: أرهبوهم، أي: فزَّعوهم، ووصف اللَّه سبحانه سِحْرَهُمْ ب «العَظِيم» ، ومعنى ذلك مِنْ كثرته، ورُوِي أنهم جَلَبُوا ثَلاَثِمَائَةٍ وَسِتِّينَ بعيراً موقُورَةً بالْحِبَالِ، والعِصِيِّ، فلما أَلْقَوْهَا، تحرَّكت، ومَلأَت الوادِيَ، يركَبُ بعضُها بعضاً فاستهول النَّاس ذلك، واسترْهَبَهم، قال الزَّجَّاج: قيل: إنهم جعلوا فيهم الزِّئْبَقَ، فكانَتْ لا تستقرّ «١» .

وقوله سبحانه: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ:

وروي أن موسى عليه السلام لَمَّا كان يَوْمُ الجمعِ، خَرَجَ متَّكِئاً عى عصاه، ويُدُه في يَدِ أخيه، وقد صُفَّ له السحرةُ في عَدَدٍ عظيم/، حَسْبما ذُكِر، فلما أَلْقَوْا واسترهَبُوا، أَوحَي اللَّه إِليه أَنْ أَلْقِ، فألقى عصاه فإِذا هي ثعبانٌ مبينٌ، فعَظُم حتَّى كان كالجَبَل.

وروي أن السحرة، لَمَّا أَلْقَوْا، وألقى موسَى، جعلوا يَرْقَوْنَ، وجَعَلَتْ حبالُهم تَعْظُمْ وجعلَتْ عصا موسى تَعْظُمُ حتى سدَّت الأُفُقَ، وابتلعت الكُلَّ، ورُوِي أن الثعبانَ استوفى تلك الحِبَالَ والعِصيَّ أَكْلاً، وأعْدَمها اللَّه عزَّ وجلَّ، ومَدَّ موسى يده إِلى فمه، فعاد عصا كما كان، فعلم السَّحَرَةُ حينئذٍ أنَّ ذلك ليس من عند البَشَر، فَخَرُّوا سُجَّداً مؤمنين باللَّه ورسوله، وتَلْقَفُ معناه: تبتلع وتَزْدَرِد، وقرأ ابن جبير «٢» : «تَلْقُم» بالميم.

وقوله سبحانه: فَوَقَعَ الْحَقُّ ...

الآية: أيْ: نَزلَ ووُجِد، وقال أبو حيان «٣» :

فوقع، أي: فظهر، و «الحَقُّ» : يريدُ به سطوعَ البرهانِ، وظهور الإعجاز، وما كانُوا يَعْمَلُونَ لفظٌ يعمُّ سحْرَ السحرة، وسعْيَ فرعونَ، وشيعتِهِ، والضميرُ في قوله: فَغُلِبُوا:

عائدٌ على جميعهم أيضاً، وفي قوله: وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، إِنْ قَدَّرَنا انقلاب الجمع قبل إِيمان السحرة، فهم في الضمير، وإِن قدَّرناه بعد إِيمانهم، فليسوا في الضمير، ولا لحقهم صَغَارٌ لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم.

قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧)

وقوله سبحانه: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ، لما رأَى السحرة من عظيم القدرة ما تيقّنوا به نبوَّة موسى، آمنوا بقلوبهم، وانضاف إِلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفَزَعُ مِنْ قدرة اللَّه عزَّ وجَلَّ، فخرُّوا للَّه سبحانه مُتَطَارِحِينَ قائلين بألسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.

قال ع «١» : وهارونُ أخو موسى أسَنُّ منه بثلاثِ سِنِينَ، وقولُ فرعون: آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ: دليلٌ عَلى وَهَنِهِ، وضَعْف أمره لأنه إِنما جعل ذَنْبَهُمْ عَدَمَ إِذنه، والضمير في «به» يحتمل أن يعود على اسم اللَّه سبحانه، ويحتملُ أنْ يعود على موسى عليه السلام، وعنَّفهم فرعونُ على الإِيمان قبل إِذْنِهِ، ثم ألزمهم أنَّ هذا كان عن اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس، وابن مسعود، أن موسى اجتمع مع رَئِيس السَّحَرة، واسْمُهُ شَمْعُونُ، فقال له موسى: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبْتُكُمْ أتؤمنُونَ بي، فقالَ: نَعَمْ، فَعَلِمَ بذلك فرعونُ فلهذا قال: إِن هذا لمكْرٌ مكَرْتُمُوه في المدينة، ثم توعَّدهم «٢» .

وقوله سبحانه: قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا..

الآية: هذا استسلامٌ مِنْ مؤمني السَّحرة، واتكالٌ على اللَّه سبحانه، وثقةٌ بما عنده، وقرأ الجمهور «٣» : «تنْقِمُ» - بكسر القاف-، ومعناه: وما تَعُدّ علينا ذنباً تؤاخذُنا به إِلاَّ أنْ آمنا، قال ابنُ عبَّاس وغيره فيهم: أَصْبَحُوا سَحَرَةً، وَأَمْسَوْا شُهَدَاءَ «٤» ، قال ابن عباسٍ:

لما آمنت السحرةُ اتبع موسى سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ من بني إِسرائيل «٥» ، وقولُ ملإِ فرعونَ:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تَنْقِمُ مِنّا ﴾ أيْ وما تَكْرَهُ مِنّا شَيْئًا، ولا تُطِعْنَ عَلَيْنا إلّا لِأنّا آَمَنّا.

﴿ رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: عَلى القَطْعِ والصَّلْبِ حَتّى لا نَرْجِعَ كُفّارًا ﴿ وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ﴾ أيْ: مُخْلِصِينَ عَلى دِينِ مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ ﴾ هَذا إغْراءٌ مِنَ المَلَإ لَفِرْعَوْنَ.

وفِيما أرادُوا بِالفَسادِ في الأرْضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَتْلُ أبْناءِ القِبْطِ، واسْتِحْياءُ نِسائِهِمْ، كَما فَعَلُوا بِبَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: دُعاؤُهُمُ النّاسَ إلى مُخالَفَةِ فِرْعَوْنَ وتَرْكِ عِبادَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ الرّاءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بِرَفْعِها.

قالَهُ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ "وَيَذَرَكَ" نَصَبَهُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِالواوِ؛ والمَعْنى: أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى وأنْ يَذَرَكَ؟

ومَن رَفَعَهُ جَعَلَهُ مُسْتَأْنِفًا، فَيَكُونُ المَعْنى: أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ، وهو يَذَرُكَ وآَلِهَتُكَ؟

والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى "أُنْذِرُ" فَيَكُونُ المَعْنى: أتَذَرُ مُوسى، وأيَذَرَكَ مُوسى؟

أيْ: أتُطْلِقُ لَهُ هَذا؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِرْعَوْنُ قَدْ صَنَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا صِغارًا، وأمَرَهم بِعِبادَتِها، وقالَ أنا رَبُّكم ورَبُّ هَذِهِ الأصْنامِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ .

وقالَ غَيْرُهُ: كانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَ تِلْكَ الأصْنامَ تَقْرُّبًا إلَيْهِ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَعْبُدُ تَيْسًا في السِّرِّ.

وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ سِرًّا.

وقِيلَ: كانَ يَجْعَلُ في عُنُقِهِ شَيْئًا يَعْبُدُهُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "والَإهْتَكَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وقَصْرِها وفَتْحِ اللّامِ وبِألِفٍ بَعْدَها.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ويَذَرُكَ ورُبُوبِيَّتِكَ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الإلاهَةُ: العِبادَةُ؛ فالمَعْنى: ويَذَرُكَ وعِبادَةَ النّاسِ إيّاكَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ: "وَإلاهَتَكَ" أرادَ: ويَذَرُكَ والشَّمْسَ الَّتِي تُعْبَدُ، وقَدْ كانَ في العَرَبِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ ويُسَمُّونَها آَلِهَةً.

قالَ الأعْشى: فَمًا أذْكُرُ الرَّهْبَةَ حَتّى انْقَلَبَتْ قُبَيْلَ الآَلِهَةِ مِنها قَرِيبًا يَعْنِي الشَّمْسَ.

والرَّهَبُ: ناقَتُهُ.

يَقُولُ: اشْتَغَلْتُ بِهَذِهِ المَرْأةِ عَنْ ناقَتِي إلى هَذا الوَقْتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهُمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سَنَقْتُلُ" و"يُقَتِّلُونَ أبْناءَكُمْ" [الأعْرافِ: ١٤١] بِالتَّشْدِيدِ، وَخَفَضَهُما نافِعٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" خَفِيفَةً، "وَيُقَتِّلُونَ" مُشَدَّدَةً.

وإنَّما عَدَلَ عَنْ قَتْلِ مُوسى إلى قَتْلِ الأبْناءِ لَعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

﴿ وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ أيْ: عالُونَ بِالمُلْكِ والسُّلْطانِ.

فَشَكا بَنُو إسْرائِيلَ إعادَةَ القَتْلِ عَلى أبْنائِهِمْ، فَقالَ مُوسى: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا ﴾ عَلى ما يَفْعَلُ بِكم ﴿ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وهُبَيْرَةُ عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: "يُورِثُها" بِالتَّشْدِيدِ.

فَأطْعَمَهم مُوسى أنْ يُعْطِيَهُمُ اللهُ أرْضَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الجَنَّةُ.

والثّانِي: النَّصْرُ والظَّفْرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ﴾ ﴿ وَما تَنْقِمُ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبِّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ هَذا تَسْلِيمٌ مِن مُؤْمِنِي السَحَرَةِ، واتِّكالٌ عَلى اللهِ وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَنْقِمُ" بِكَسْرِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو البَرَهْسَمِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تَنْقَمُ" بِفَتْحِها، وهُما لُغَتانِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: الوَجْهُ في القِراءَةِ كَسْرُ القافِ، وكُلُّ العُلَماءِ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ الرُقَيّاتِ: ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ....

∗∗∗..............................

بِفَتْحِ القافِ.

ومَعْناهُ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ﴾ مَعْناهُ: عُمَّنا كَما يَعُمُّ الماءُ مَن أُفْرِغَ عَلَيْهِ، وهي هُنا اسْتِعارَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَمّا آمَنَتِ السَحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّهُ قالَ: مَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَحَرَةِ عامًا أو نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ.

وقَوْلُ مَلَإ فِرْعَوْنَ: ﴿ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ ﴾ مَقالَةٌ تَتَضَمَّنُ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ، وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ أو تَغْيِيرِ ما بِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عن دِينِ فِرْعَوْنَ، ومَعْنى ﴿ أتَذَرُ مُوسى ﴾ ؟

أتَتْرُكُ؟، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَذَرَكَ"، ونَصْبُهُ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُقَدَّرَ: "وَأنْ يَذَرَكَ" فَهي واوُ الصَرْفِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أتَذَرُهُ وأنْ يَذَرَكَ؟

أيْ: أتَتْرُكُهُ وتَرْكَكَ؟، والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِيُفْسِدُوا".

وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ: "وَيَذَرُكَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِمْ: "أتَذَرُ"، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "وَنَذَرُكَ" بِالنُونِ ورَفْعِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى تَوَعُّدٍ مِنهُمْ، أو عَلى مَعْنى إخْبارِ أنَّ الأمْرَ يَؤُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "فِي الأرْضِ وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ وآلِهَتَكَ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ"، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "وَآلِهَتَكَ" عَلى الجَمْعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى ما رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ في زَمَنِهِ لِلنّاسِ آلِهَةٌ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ شَرَعَ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ -عَلى هَذا- ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنِهِ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ.

وقِيلَ: إنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا كانَ يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ أو نَحْوِها، قالَ الحَسَنُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ حَنّانَةٌ مُعَلَّقَةٌ في نَحْرِهِ يَعْبُدُها ويَسْجُدُ لَها، وقالَ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، ذَكَرَهُ أبُو حاتِمٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ، وجَماعَةٌ وغَيْرُهُمْ: "وَإلاهَتَكَ"، أيْ: وعِبادَتَكَ والتَذَلُّلَ لَكَ، وزَعَمَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يُبِحْ عِبادَةَ شَيْءٍ سِواهُ، وأنَّهُ في قَوْلِهِ: "الأعْلى" إنَّما أرادَ: "الأعْظَمَ والأكْبَرَ" دُونَ مُناسَبَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "سَنَقْتُلُ" بِالتَخْفِيفِ، و"يُقَتِّلُونَ" بِالتَشْدِيدِ، وخَفَّفَهُما جَمِيعًا نافِعٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُقَتِّلُونَ" و"سَنُقَتِّلُ" بِالتَشْدِيدِ عَلى المُبالَغَةِ، والمَعْنى: سَنَسْتَمِرُّ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِن تَعْذِيبِهِمْ وقَطْعِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ ﴾ يُرِيدُ: في المَنزِلَةِ والتَمَكُّنِ مِنَ الدُنْيا، و"قاهِرُونَ" يَقْتَضِي تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، أيْ: هم أقَلُّ مِن أنْ يُهْتَمَّ بِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة: ﴿ قال الملأ ﴾ عطف على جملة: ﴿ قال فرعون آمنتم به ﴾ [الأعراف: 123] أو على حملة ﴿ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم ﴾ [الأعراف: 109].

وإنما عطفت ولم تفصل لأنها خارجة عن المحاورة التي بين فرعون ومن آمن من قومه بموسى وآياته، لأن أولئك لم يعرجوا على ذكر ملأ فرعون، بل هي محاورة بين ملإ فرعون وبينه في وقت غير وقت المحاورة التي جرت بين فرعون والسحرة، فإنهم لمّا رأوا قلة اكتراث المؤمنين بوعيد فرعون، ورأوا قلة اكتراث المؤمنين بوعيد فرعون، ورأوا نهوض حجتهم على فرعون وإفحامَه.

وأنه لم يَحرْ جَوَاباً.

راموا إيقاظ ذهنه، وإسعارَ حميته، فجاءوا بهذا الكلام المثير لغضب فرعون، ولعلهم رأوا منه تأثراً بمعجزة موسى وموعظة الذين آمنوا من قومه وتوقعوا عدوله عن تحقيق وعيده، فهذه الجملة معترضة بين ما قبلها وبين جملة: ﴿ قال موسى لقومه استعينوا بالله ﴾ .

والاستفهام في قوله: ﴿ أتذر موسى ﴾ مستعمل في الإغراء بإهلاك موسى وقومه والإنكار على الإبطاء بإتلافهم، وموسى مفعول ﴿ تذر ﴾ أي تتركه متصرفاً ولا تأخذ على يده.

والكلام على فعل ﴿ تذر ﴾ تقدم في قوله: ﴿ وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ﴾ في الأنعام (70).

وقوم موسى هم من آمن به، وأولئك هم بنوا إسرائيل كلهم ومَن آمن من القبط.

واللام في قوله: ليفسدوا } لام التعليل وهو مبالغة في الإنكار إذ جعلوا ترك موسى وقومه معللاً بالفساد، وهذه اللام تسمى لام العاقبة، وليست العاقبة معنى من معاني اللام حقيقة ولكنها مجاز: شُبه الحاصل عقب الفعل لا محالة بالغرض الذي يفعل الفعل لتحصيله، واستعير لذلك المعنى حرفُ اللام عوَضاً عن فاء التعقيب كما في قوله تعالى: ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً ﴾ [القصص: 8].

والإفساد عندهم هو إبطال أصول ديانتهم وما ينشأ عن ذلك من تفريق الجماعة وحث بني إسرائيل على الحرية، ومغادرة أرض الاستعباد.

و ﴿ الأرض ﴾ مملكة فرعون وهي قطر مصر.

وقوله: ﴿ ويذَرَك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ فهو داخلي التعليل المجازي، لأنّ هذا حاصل في بقائهم دون شك، ومعنى تركهم فرعون، تركهم تأليهه وتعظيمه، ومعنى ترك آلهته نبذُهم عبادتَها ونهيُهم الناس عن عبادتها.

والآلهة جمع إله، ووزنه أفعلة، وكان القبط مشركين يعبدون آلهة متنوعة من الكواكب والعناصر وصوروا لها صوراً عديدة مختلفة باختلاف العصور والأقطار، أشهرها (فتاح) وهو أعظمها عندهم وكان يُعبد بمدينة (مَنْفيس)، ومنها (رع) وهو الشمس وتتفرع عنه آلهة باعتبار أوقات شعاع الشمس، ومنها (ازيريس) و(إزيس) و(هوروس) وهذا عندهم ثالوث مجموع من أب وأم وابن، ومنها (توت) وهو القمر وكان عندهم رب الحكمة، ومنها (أمُون رع) فهذه الأصنام المشهورة عندهم وهي أصل إضلال عقولهم.

وكانت لهم أصنام فرعية صغرى عديدة مثل العجل (إيبيس) ومثل الجعران وهو الجُعل.

وكان أعظم هذه الأصنام هو الذي ينتسب فرعونُ إلى بُنوتهِ وخدمته، وكان فرعون معدوداً ابنَ الآلهة وقد حلت فيه الإلهية على نحو عقيدة الحلول، ففرعون هو المنفذ للدين، وكان يعد إله مصر، وكانت طاعته طاعة للآلهة كما حكى الله تعالى عنه: ﴿ فقال أنا ربكم الأعلى ﴾ [النازعات: 24] ﴿ ما علمْتُ لكم من إله غيري ﴾ [القصص: 38].

وتوعُد فرعون موسى وقومه بالاستئصال بقتل الأبناء والمراد الرجال بقرينة مقابلته بالنساء، والضمير المضاف إليه عائد على موسى وقومه، فالإضافة على معنى (من) التبعيضية.

وقرأ نافع وابن كثير، وأبو جعفر: ﴿ سنقتل ﴾ بفتح النون وسكون القاف وضم التاء وقرأه البقية بضم النون وفتح القاف وتشديد التاء للمبالغة في القتل مبالغة كثرة واستيعاب.

والاستحياء: مبالغة في الإحياء، فالسين والتاء فيه للمبالغة، وإخباره ملأه باستحياء النساء تتميم لا أثر له في إجابة مقترح ملئه، لأنهم اقترحوا عليه أن لا يُبقي موسى وقومه فأجابهم بما عزم عليه في هذا الشأن، والغرض من استبقاء النساء أن يتخذوهن سراري وخدماً.

وجملة: ﴿ وإنّا فوقهم قاهرون ﴾ اعتذار من فرعون للملإ من قومه عن إبطائه باستئصال موسى وقومه، أي: هم لا يقدرون أن يفسدوا في البلاد ولا أن يخرجوا عن طاعتي والقاهر: الغالب بإذلال.

و ﴿ فوقهم ﴾ مستعمل مجازاً في التمكن من الشيء وكلمة ﴿ فوقهم ﴾ مستعارة لاستطاعة قهرهم لأن الاعتلاء على الشيء أقوى أحوال التمكن من قهره، فهي تمثيلية.

وجملة: ﴿ قال موسى لقومه ﴾ واقعة جواباً لقول قومه ﴿ إنا إلى ربنا منقلبون ﴾ [الأعراف: 125] إلى آخرها الذي أجابوا به عن وعيد فرعون، فكان موسى معدوداً في المحاورة، ولذلك نزل كلامه الذي خاطب به قومه منزلة جواب منه لفرعون، لأنه في قوة التصريح بقلة الاكتراث بالوعيد، وبدفع ذلك بالتوكل على الله.

والتوكل هو جُماع قوله: ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ وقد عبر عن ذلك بلفظ التوكل في قوله: ﴿ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ﴾ في سورة يونس (84)، فإن حقيقة التوكل أنه طلب نصر الله وتأييده في الأمر الذي يُرغب حصوله، وذلك داخل في الاستعانة وهو يستلزم الصبر على الضر لاعتقاد أنه زائل بإذن الله.

وخاطب موسى قومه بذلك تطميناً لقلوبهم، وتعليماً لهم بنصر الله إياهم لأنه علم لأنه بوحي الله إليه.

وجملة: ﴿ إن الأرض لله ﴾ تذييل وتعليل للأمر بالاستعانة بالله والصبر، أي: افعلوا ذلك لأن حكم الظلم لا يدوم، ولأجل هذا المعنى فصلت الجملة.

وقوله: ﴿ إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ كناية عن ترقب زوال استعباد فرعون إياهم، قصد منها صرف اليأس عن أنفسهم الناشئ عن مشاهدة قوة فرعون وسلطانه، بأن الله الذي خوله ذلك السلطان قادر على نزعه منه لأن ملك الأرض كلها لله فهو الذي يقدر لمن يشاء ملك شيء منها وهو الذي يقدر نزعه.

فالمراد من الأرض هنا الدنيا لأنه أليق بالتذييل وأقوى في التعليل، فهذا إيماء إلى أنهم خارجون من مصر وسيملكون أرضاً أخرى.

وجملة: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ تذييل، فيجوز أن تكون الواو اعتراضية، أي: عاطفة على ما في قوله: ﴿ إن الأرض لله ﴾ من معنى التعليل، فيكون هذا تعليلاً ثانياً للأمر بالاستعانة والصبر، وبهذا الاعتبار أوثر العطف بالواو على فصل الجملة مع أن مقتضى التذييل أن تكون مفصولة.

والعاقبة حقيقتها نهاية أمر من الأمور وآخره، كقوله تعالى: ﴿ فكان عاقبتهما أنهما في النار ﴾ [الحشر: 17]، وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ في أول سورة الأنعام (11)، فإذا عُرفَت العاقبة باللام كان المراد منها انتهاء أمر الشيء بأحسن من أوله ولعل التعريف فيها من قبيل العلم بالغلبة.

وذلك لأن كل أحد يود أن يكون آخرُ أحواله خيراً من أولها؛ لكراهة مفارقة الملائم، أو للرغبة في زوال المنافر، فلذلك أطلقت العاقبة معرَفة على انتهاء الحال بما يسر ويلائم، كما قال تعالى: ﴿ والعاقبة للتقوى ﴾ [طه: 132].

وفي حديث أبي سفيان قول هرقل: «وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة» فلا تطلق المعرفة على عاقبة السوء.

فالمراد بالعاقبة هنا عاقبة أمورهم في الحياة الدنيا ليناسب قوله ﴿ إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ وتشمل عاقبة الخير في الآخرة لأنها أهم ما يلاحظه المؤمنون.

والمتقون: المؤمنون العاملون.

وجيء في جملتي: ﴿ إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ﴾ بلفظين عامين، وهما: من يشاء من عباده والمتقين، لتكون الجملتان تذييلاً للكلام وليحرص السامعون على أن يكونوا من المتقين.

وقد علم من قوله: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ أن من يشاء الله أن يورثهم الأرض هم المتقون إذا كان في الناس متقون وغيرهم، وأن تمليك الأرض لغيرهم إمّا عارض وإمّا لاستواء أهل الأرض في عدم التقوى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآيَةَ: ﴿ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أشْرافُهم.

والثّانِي: رُؤَساؤُهم.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرَّهْطُ والنَّفَرُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهم.

والفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْطِ والنَّفَرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ الرَّهْطِ وقِلَّةُ النَّفَرِ.

والثّانِي: قُوَّةُ الرَّهْطِ وضَعْفُ النَّفَرِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِالمَلَإ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُرادُ مِنهم.

والثّانِي: لِأنَّهم تَمْلَأُ النُّفُوسَ هَيْبَتُهم.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: لِأنَّهم يَمْلَأُونَ صُدُورَ المَجالِسِ.

فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ إقْدامِهِمْ عَلى الإنْكارِ عَلى فِرْعَوْنَ مَعَ عِبادَتِهِمْ لَهُ؟

قِيلَ: لِأنَّهم رَأوْا مِنهُ خِلافَ عادَتِهِ وعادَةِ المُلُوكِ في السَّطْوَةِ بِمَن أظْهَرَ العِنادَ وخالَفَ، وكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِمُوسى.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيُفْسِدُوا فِيها بِعِبادَةِ غَيْرِكَ والدُّعاءِ إلى خِلافِ دِينِكَ.

والثّانِي: لِيُفْسِدُوا فِيها بِالغَلَبَةِ عَلَيْها وأخْذِ قَوْمِهِ مِنها.

ثُمَّ قالُوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لَهُ وهم قَدْ صَدَقُوهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى  ﴾ .

قِيلَ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ وكانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ البَقَرِ ولِذَلِكَ أخْرَجَ السّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ وقالَ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، وكانَ مَعْبُودًا في قَوْمِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها كانَتْ أصْنامًا يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَذَرَكَ وإلاهَتَكَ أيْ وعِبادَتَكَ.

قالَ الحَسَنُ: وكانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ ويُعْبَدُ.

وَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.

وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثانِيًا: أنَّ الإلاهَةَ الشَّمْسُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الشَّمْسَ الإلاهَةَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: ولَمْ أذْكُرِ الرُّعْبَ حَتّى انْتَقَلْتُ قُبَيْلَ الإلاهَةِ مِنها قَرِيبًا يَعْنِي الشَّمْسَ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الآيَةِ: ويَذَرُكَ والشَّمْسَ حَتّى تَعْبُدَ فَعَلى هَذا يَكُونُ السُّؤالُ مُتَوَجِّهًا عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.

﴿ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ وإنَّما عَدَلَ عَنْ قَتْلِ مُوسى إلى قَتْلِ الأبْناءِ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ مُوسى إمّا لِقُوَّتِهِ وإمّا تَصَوُّرِهِ أنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ قَتْلِهِ، فَعَدَلَ إلى قَتْلِ الأبْناءِ لِيَسْتَأْصِلَ قَوْمَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَضْعُفُ عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ نُفَتِّشَ أرْحامَهُنَّ فَنَنْظُرُ ما فِيهِنَّ مِنَ الوَلَدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَياءِ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ الفَرْجِ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ: نَسْتَبْقِيهِنَّ أحْياءً لِضَعْفِهِنَّ عَنِ المُنازَعَةِ وعَجْزِهِنَّ عَنِ المُحارَبَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَهم بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهم مِن وعِيدِ فِرْعَوْنَ كَما يَقُولُ مَن نالَتْهُ شِدَّةٌ: اسْتَعَنْتُ بِاَللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَوْعِدٌ مِنهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعِينُهم عَلى فِرْعَوْنَ إنِ اسْتَعانُوا بِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ واصْبِرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واصْبِرُوا عَلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ طَمَعًا في ثَوابِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ انْتِظارًا لِنَصْرِ اللَّهِ.

﴿ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِقَوْمِهِ في أنَّ الدُّنْيا لا تُبْقِي عَلى أحَدٍ فَتُبْقِي عَلى فِرْعَوْنَ لِأنَّها تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أشْعَرَهم بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يُورِثُهم أرْضَ فِرْعَوْنَ.

﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ.

والثّانِي: في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدِ أخْذِ الجِزْيَةِ.

قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّ الأذى مِن قَبْلِ: تَسْخِيرِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ في أعْمالِهِمْ لِنِصْفِ النَّهارِ وإرْسالِهِمْ في بَقِيَّتِهِ لِيَكْسِبُوا لِأنْفُسِهِمْ.

والأذى مِن بَعْدِ: تَسْخِيرِهِمْ في جَمِيعِ النَّهارِ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الأذى الَّذِي كانَ مِن قَبْلِ: الِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأبْناءِ، والَّذِي كانَ مِن بَعْدِ: الوَعِيدِ بِتَجْدِيدِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

والرّابِعُ: أنَّ الأذى الَّذِي كانَ مِن قَبْلُ أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويُعْطِيهِمُ التِّبْنَ، والأذى مِن بَعْدُ أنْ صارُوا يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويَجْعَلُ عَلَيْهِمُ التِّبْنَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِالرِّسالَةِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ إلَيْكَ أنَّهُ يُخَلِّصُنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِهِ.

وَفي هَذا القَوْلِ مِنهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَكْوى ما أصابَهم مِن فِرْعَوْنَ واسْتِعانَةً بِمُوسى.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِبْطاءً لِوَعْدِ مُوسى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ عَسى في اللُّغَةِ طَمَعٌ وإشْفاقٌ.

قالَ الحَسَنُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: عَسى مِنَ اللَّهِ يَقِينٌ.

﴿ وَيَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ فَيَنْظُرَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَيَرى.

والثّانِي: فَيَعْلَمُ وفي قَوْلِ مُوسى ذَلِكَ لِقَوْمِهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ والِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ.

والثّانِي: التَّحْذِيرُ مِنَ الفَسادِ فِيها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس.

أنه كان يقرأ ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال: عبادتك، وقال: إنما فرعون يُعبد ولا يَعبد.

وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال: يترك عبادتك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال: وعبادتك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك.

أنه قال: كيف تقرأون هذه الآية ﴿ ويذرك ﴾ قالوا: ويذرك وآلهتك.

فقال الضحاك: إنما هي آلهتك أي عبادتك، ألا ترى أنه يقول أنا ربكم الأعلى؟

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال: قال ابن عباس ليس يعنون الأصنام، إنما يعنون بآلهتك تعظيمك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال: ليس يعنون به الأصنام إنما يعنون تعظيمه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سليمان التيمي قال: قرأت على بكر بن عبد الله ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال بكر: أتعرف هذا في العربيه؟

فقلت: نعم.

فجاء الحسن فاستقرأني بكر، فقرأتها كذلك فقال الحسن ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ فقلت للحسن: أو كان يعبد شيا؟

قال: أي والله ان كان ليعبد.

قال سليمان التيمي: بلغني أنه كان يحمل في عنقه شيئاً يعبده قال: وبلغني أيضاً عن ابن عباس أنه كان يعبد البقر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ قال: كان فرعون له آلهة يعبدها سراً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بن إسرائيل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية.

هذا إغراء من الملأ وتحريض لفرعون على موسى، وإنكار أن يتركه مقيماً على مخالفته.

قال سعيد بن جبير: (كان فرعون قد ملئ رعباً من موسى، وكان إذا رآه بال كما يبول الحمار، ولم يعلم قوم فرعون ذلك الرعب من فرعون، فأنكروا عليه خلاف عادة الملوك في السطوة لمن خالف عليهم، وشقِّ العصّا ولم يعلموا أنه غير قادر على قهره) (١) وقوله تعالى: ﴿ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: يعبدوا الله ويوحدوه) (٢) وقال غيره: (أراد بالإفساد في الأرض دعاؤهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته وتجهيلهم إياه) (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ .

قال ابن الأنباري: (إنه ينتصب على الصرف (٤) ﴿ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ وقد ترك أن يطيعك وأن يعبد ألهتك).

وهذا قول الفراء (٥) (٦) قال أبو بكر: (وقال بعض النحويين: الواو نائبة عن الفاء، والتقدير: فيذرك وآلهتك) (٧) ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ على جواب الاستفهام بالواو، والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى وأن يذرك موسى) (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ .

قال أبو بكر: (كان ابن عباس ينكر قراءة العامة ويقرأ: (وإلاهتك) أي: عبادتك، ويقول: (١٠) (١١) (١٢) قال الزجاج: (والمعنى: ويذرك وربوبيتك فـ (إلاهتك) بمنزلة ربوبيتك) (١٣) ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ على جمع إله مثل إزار وآزرة، وقد مرّ مستقصًى شرحه في أول الكتاب (١٤) ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ (١٥) (١٦) وقال الحسن: (كان فرعون يعبد الأصنام) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: (كان فرعون قد ترك قتل أبناء بني إسرائيل، فلما أتاه موسى بالرسالة -وكان من أمره ما كان- أمر بإعادة القتل عليهم، فذلك قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ (٢٠) قال أهل المعاني: (إنما دعي فرعون إلى قتل موسى، لكنه لم يطمع في ذلك لما رأى من قوة أمره وعلوّ شأنه، فعدل عن ذلك إلى إضعاف بني إسرائيل بقتل أبنائهم واستحياء نساءهم للمهنة والخدمة) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: وإنا على ذلك قادرون) (٢٢) (١) لم أقف عليه.

(٢) "تنوير المقباس" 2/ 119.

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 24، 25، والسمرقندي 1/ 562، والماوردي 2/ 248.

(٤) واو الصرف: هي واو المعية عند الكوفين.

انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" ص 125.

(٥) انظر: "معاني الفراء" 1/ 391، وهو قول الطبري في "تفسيره" 9/ 25.

(٦) ذكر القراءة أيضًا عن أبي: أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 127، والطبري في "تفسيره" 9/ 25، والنحاس في "إعراب القرآن" 1/ 632، وابن عطية 6/ 42، والقرطبي 7/ 262، وأبو حيان في "البحر" 4/ 367، وجاء عند الجميع إلا النحاس: (وقد تركوك أن يعبدوك).

(٧) انظر: "الإيضاح" لابن الأنباري 2/ 663، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 419 - 420.

(٨) "معاني الزجاج" 2/ 367، وانظر: "إعراب النحاس" 1/ 632.

(٩) قال ابن الأنباري في "الإيضاح" 2/ 663: (قال اليزيدي: ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ منصوب على معنى: ﴿ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ وليذرك وآلهتك) اهـ.

وقال السمين في "الدر" 5/ 423: (في النصب وجهان: أظهرهما أنه على العطف على ﴿ لِيُفْسِدُوا ﴾ ، والثاني: النصب على جواب الاستفهام) اهـ.

(١٠) أخرج الطبري 9/ 25، 26، وابن أبي حاتم 5/ 1538 من طرق جيدة عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ بكسر الألف، وقال: (إنما كان فرعون يُعْبدَ ولا يَعْبُد) == اهـ وأخرج أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 172، القراءة بسند جيد، وانظر: "الدر المنثور" 3/ 200.

(١١) ذكره عن ابن الأنباري السمين في "الدر" 5/ 424، وانظر: "تفسير الرازي" 14/ 211.

(١٢) ذكرها الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 ب، 6/ 8 أعن ابن مسعود وابن عباس وابن أبي إسحاق والضحاك والشعبي، وذكرها البغوي 3/ 267، و"الخازن" 2/ 273، عن ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك وذكرها عن ابن مسعود وابن عباس أكثرهم.

انظر: "مختصر الشواذ" ص 55، و"المحتسب" 1/ 256، وابن عطية 6/ 43، وابن الجوزي 3/ 244، و"البحر" 4/ 367 وهي قراءة مجاهد كما أخرجه الطبري 9/ 26 بسند جيد.

(١٣) لم أقف عليه في "معانيه"، وذكره عن الزجاج ابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 244.

(١٤) انظر: "البسيط" تفسير البسملة من الفاتحة.

(١٥) ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 7 ب، وابن الجوزي 3/ 244، وذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221 من رواية الكلبي عن ابن عباس.

(١٦) "معاني الزجاج" 2/ 367.

(١٧) أخرجه الطبري 9/ 25، وابن أبي حاتم 5/ 1538 من عدة طرق جيدة، وذكره الثعلبي 6/ 7 ب، والماوردي 2/ 248، والبغوي 3/ 267.

(١٨) أخرجه الطبري 9/ 25 بسند جيد.

(١٩) أخرج ابن أبي حاتم 5/ 1538 بسند جيد، وذكره النحاس في "معانيه" 3/ 65.

(٢٠) ذكره الثعلبي في "الكشف" 6/ 8 أ، والواحدي في "الوسيط" 1/ 221، والبغوي 3/ 267.

(٢١) انظر: "تفسير الماوردي" 2/ 248، والرازي 14/ 211، 212.

(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 221.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية: وعيد من فرعون للسحرة، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، لكن روى أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره، وقد ذكر معنى من خلاف في العقود [المائدة: 36] ﴿ قالوا إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ أي لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى ربنا ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا ﴾ أي ما تعيب منا إلا إيماننا ﴿ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ أي يخربوا ملك فرعون وقومه ويخالفوا دينه ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ معطوف على ليفسدوا، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ قيل: إن فرعون كان قد جعل للناس أصناماً يعبدونها، وجعل نفسه الإله الأكبر فلذلك قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [النازعات: 24]، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام، وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وآلهتك: أي عبادتك والتذلل لك ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ ﴾ تعليل للصبر ولذا أمرهم به يعني أرض الدنيا هنا وفي قوله: ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض ﴾ وقيل: يعني أرض فرعون، فأشار لهم موسى أولاً بالنصر في قوله: ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، ثم صرح في قوله: ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ الآية ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ حض على الاستقامة والطاعة.

بالسنين: أي الجدب والقحط.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.

الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.

الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.

الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.

﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.

التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.

وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.

والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.

قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.

وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.

وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.

ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله  انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.

وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.

ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.

فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.

ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله  لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.

عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.

وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.

فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.

ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .

و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.

ثم حكى  ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.

فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.

قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.

والسنون من الجموع المصححة الشاذة.

عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.

وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.

قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.

قال القاضي: في الآية دلالة على أنه  أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.

وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.

وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟

﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.

وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.

وكان النبي  يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.

قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.

ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.

وقد تشاءمت اليهود بالنبي  وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.

قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.

وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.

ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.

﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.

وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.

قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.

وقيل: هو الموتان.

وقيل: الطاعون.

والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.

فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله  ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.

وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.

فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.

وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.

وقيل: البراغيث.

وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.

وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.

وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.

فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.

فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.

وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.

وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.

وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى  مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.

ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.

ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.

وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.

أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.

ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.

وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.

ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.

وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.

وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.

قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة  ﴾ إلى تمام الآيتين.

ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.

وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.

وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.

وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.

ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات  ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.

ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.

وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.

وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله  كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى  ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.

وعن علي  أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.

ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.

﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.

وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.

﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.

وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.

قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال  ﴿ يبغونكم الفتنة  ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.

ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.

والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.

وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.

التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.

﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.

وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.

﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.

يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.

﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ ﴾ .

هذا يدلّ على أن الإيمان هو التصديق لا غير؛ لأنه لما قال السحرة ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قال لهم فرعون: ﴿ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ وهم لم يأتوا بسوى التصديق، دلّ على أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا ﴾ هذا من فرعون نوع من التمويه على قومه كما قلنا في الابتداء ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ هو حرف التمويه والتلبيس على قومه فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ هو تمويه منه وتلبيس على قومه، لئلا يؤمنوا كما آمن السحرة برب موسى.

وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ .

أي: شيء صنعتموه فيما بينكم وبين موسى، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ﴾ .

هذا لجهله بأشدّ العقوبة والنكال، وإلا لم يوعدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف؛ إذ ذلك أيسر وأقل في العقوبة من [القطع من] جانب، والقطع من جانب أشدّ وأنكل من القطع من خلاف؛ إذ القطع من خلاف لا يمنع القيام ببعض المنافع، ولا يعمل في إتلاف النفس؛ إذ جعل ذلك حدّاً في بعض العقوبات، ولم يجعل القطع من جانب عقوبة بحال، فدل أنه أشد وأنكل، ويعمل في إهلاك النفس، والقطع من خلاف لا يعمل، دلّ أنه لجهله ما قال.

أو أن اختار القطع من خلاف ليكون مؤنة الصلب عليهم لا عليه؛ لأن المقطوع من خلاف قد يمكن له الصعود على الخشبة، والثاني: لا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ .

وقال في موضع آخر ﴿ لاَ ضَيْرَ  ﴾ ، هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: [أحدهما]: على الإقرار منهم بالبعث، والإيمان به.

والثاني: وعيد منهم لفرعون [لعنه الله]؛ حيث أوعدهم بقطع الأيدي والأرجل والصلب وغير ذلك من العقوبات، فقالوا: إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فتجزى وتعاقب جزاء صنيعك بنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: قوله: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ ﴾ أي: وما تعيب علينا، وتطعن إلا بما كان منا من الإيمان بآيات ربنا لما جاءتنا، وهو ما جاءهم من الآيات.

وقيل: وما تعاقبنا وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا، وكان الحق عليك - [وعلينا] - أن تؤمن بها كما آمنا نحن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ .

قوله: ﴿ أَفْرِغْ ﴾ .

قيل: أنزل علينا صبراً.

وقيل: أتمم لنا صبراً.

وقيل: اصبب علينا صبراً، وهو كله واحد.

ثم يحتمل سؤالهم الصبر لما لعله إذا فعل بهم بما أوعد من العقوبات لم يقدروا على التصبر، [على ذلك] فيتركون الإيمان؛ لذلك سألوا ربهم الصبر على ذلك ليثبتوا على الإيمان به.

﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ .

سألوا ربهم - أيضاً - التوفي على الإسلام، وهكذا كان دعاء الأنبياء، كما قال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً...

 ﴾ الآية.

[وكذلك أوصى إبراهيم] بنيه؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مسلم ومؤمن أن يتضرع إلى الله في كل وقت، ويبتهل إليه في كل ساعة؛ لئلا يسلب الإيمان لكسب يكتسبه؛ إذ الأنبياء والرسل - عليهم السلام - مع عصمتهم كانوا يخافون ذلك ليعلم أن العصمة لا تسقط الخوف، ولا تؤمن [عن] الزلات.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ دلالة على أنهم علموا أنهم إذا أفرغ عليهم الصبر صبروا؛ إذ لو لم يعلموا ذلك لم يكن لسؤالهم الصبر معنى، فهذا على المعتزلة في قولهم: إنه يفرغ ولا يصبرون، وإنه قد أعطاهم غاية ما يصلح في الدين، فدلّ سؤالهم ذلك على أنه لم يعطهم، وأن عنده مزيداً لو أعطى لهم ذلك كان.

﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقوله: [لتفسدوا في الأرض].

قال بعضهم: في إخراجكم من أرض مصر وإفسادهم العيش عليكم، أو ما ذكروا من ترك عبادة فرعون وخدمته.

﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ وقد قرئ: بآلهتك فمن قرأه: ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ حمله على العبادة، أي: يذرك وعبادتك، ومن قرأه بآلهتك، وهو قول ابن عباس ومجاهد، قالوا: إن فرعون [لعنه الله] قد كان جعل لقومه آلهة يعبدونها؛ ليتقربوا بعبادتهم تلك الأصنام إلى فرعون، على ما كان يعبد أهل الشرك الأصنام دون الله، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ [فقالوا]: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ التي جعلت لهم.

وقال آخرون: إن فرعون كان يعبد الأصنام والأوثان على ما عبد غيره.

وقال غيرهم: لا يحتمل أن يكون هو [عبد] الأصنام، ولكن [جعل] لقومه الأصنام على ما ذكرنا.

ألا ترى أنه قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ ثم قال [اللعين]: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ ﴾ يعني: رجالهم، ﴿ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ ؛ لأنه لا يحتمل قتل الأبناء، ولم يكن منهم إليه صنع إنما كان ذلك من الرجال.

وقال بعضهم: قد كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام [الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكك، ويغير دين أهل الأرض، فلم يزل يقتلهم في ذلك العام [الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكه] ويترك البنات، فذلك قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ قيل: مسلطون عليهم.

فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر هذه القصص والأنباء السالفة في القرآن؟

قيل: لوجوه - والله أعلم -: [أحدها:] أن فيها دليل إثبات رسالة محمد  ونبوته؛ لأن هذه القصص والأنباء كانت في كتبهم [ثابتة] مبينة، وقد علموا أن لسانه كان على غير ما كانت كتبهم، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك؛ ليتعلم منه، ولا سمع عن أحد منهم ثم أنبأهم على ما كانت، دل أنه إنما عرف ذلك بمن يعلم علم الغيب.

والثاني: أن البشر جبلوا على حبّ السماع للأخبار والأحاديث، وحبب ذلك في قلوبهم حتى إن واحداً منهم يولد أحاديث وينشئها من ذات نفسه لأن يستمعوا في ذلك إليه ويسمعوا منه، فذكر لهم هذه الأنباء والقصص ليكون استماعهم إليها وسماعهم لها، وذلك أحسن وأوفق إذ أخبر أن ذلك أحسن القصص؛ بقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ  ﴾ .

والثالث: ذكر لهم هذا ليعلموا ما حل بهم في العاقبة من الهلاك والاستئصال، وأنواع العذاب لفسادهم وتكذيبهم الرسل، وما عاقبة المفسد منهم والمصلح؛ ليكون ذلك زجراً لهم عن صنيع مثلهم.

والرابع: ذكر ذلك ليعرفوا كيف كانت معاملة الأنبياء والرسل أعداءهم، ومعاملة الأعداء الرسل ليعاملوا أعداءهم مثل معاملتهم.

والخامس: أنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسولٌ، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا كلهم من البشر.

والسادس: أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان، ويقولون: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، فأخبر أن كان في آبائهم السعداء، وهم الأنبياء والأشقياء، فكيف اقتديتم أنتم بالأشقياء منهم؟:!

وهلا اتبعتم السعداء دون الأشقياء!

والسابع: فيها أن كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عرفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يأمر به، ومن ينهي عنه.

وأيضاً إن فيه ذكر الصالحين منهم بعدما ماتوا وانقرضوا فكانوا بالذكر كالأحياء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ ﴾ : على أداء طاعته، وبما يتقربون إلى الله  ويكون لهم زلفى لديه.

أو أن يقول لهم: استعينوا بالله بالنصر لكم والظفر، واصبروا على أذاهم والبلاء.

﴿ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أن يخرج ذلك من موسى مخرج الوعد لهم بالنصر والظفر على الأعداء، وجعل الأرض لهم من بعد إهلاك العدو، وهو كما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ  ﴾ الآية.

ويحتمل أن يخرج ذلك منه مخرج التصبر على الرضاء بقضاء الله -  - أن الأرض له يصيرها لمن يشاء، فاصبروا أنتم على البلاء، وارضوا بقضائه.

﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .

قال الحسن: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ ﴾ ، أي: الآخرة للمتقين خاصّة، وأمّا الدّنيا فإنها بالشركة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، يكون لهؤلاء ما لأولئك، وأمّا الآخرة فليست للكفار إنما هي [للمؤمنين] خاصّة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...

 ﴾ الآية، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.

وقال غيره: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي عاقبة الأمر بالنصر، والظفر للمتقين على أعدائهم، وإن كان في الدفعة الأولى عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أن يخرج مخرج استبطاء النصر والظفر لهم، كأنهم استبطئوا النصر وإهلاك العدو والظفر عليهم، فقال لهم موسى عند ذلك: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

والثاني: أن يخرج ذلك منهم مخرج الاعتذار لموسى لما خطر ببال موسى أنهم يقولون: إن ما أصابهم من البلايا والشدائد إنما كان لسببه ولمكانه، فقالوا ذلك له اعتذاراً منهم له أن قد أصابنا ذلك نحن من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؛ لئلا يوهم أنهم يقولون ذلك أو يخطر بباله ذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكونوا قالوا ذلك على التعيير له والتوبيخ، يقولون: لم يزل يصيبنا من الأذى لسببك ولأجلك من قبل أن تأتينا من الاستخدام، ومن بعد ما جئتنا من أنواع الضرر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ والعسى من الله واجب، فوعدهم إهلاك العدو واستخلافهم في الأرض.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ أُوذِينَا ﴾ : في سببك ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا ﴾ بالرسالة، يعنون بالأذى: قتل الأبناء واستخدام النساء، ﴿ وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ بالرسالة: من الشدائد التي أصابتهم من بعد، لكن الأول أقرب وأشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ .

يحتمل هذا - أيضاً - وجهين: أحدهما: أن يجعل لكم الأرض، ويوسع عليكم الرزق يمتحنكم في ذلك ويبتليكم، لا أنه يجعل لكم ذلك على غير امتحان تعملون ما شئتم في ذلك.

والثاني: يمتحنكم بالشدائد والبلايا؛ لينظر كيف تصبرون على ذلك.

ويحتمل وجهاً آخر وهو: أن يقول لهم: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تشكرون ربكم فيما أنعم عليكم.

وقوله: ﴿ فَيَنظُرَ ﴾ كيف الواقع لكم من [الجزاء والثواب].

وقوله: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ ﴾ : أمرهم - والله أعلم - بطلب المعونة من الله  على قضاء جميع حوائجهم ديناً ودنيا، ويحتمل أن يكون على طلب التوفيق لما أمر به، والعصمة عما حذَّرَ عنه، وكذلك الأمر البين في الخلق من طلب التوفيق والمعونة من الله، والعصمة عن المنهي عنه جرت به سنة الأخيار، وبالله المعونة.

ثم لا يصح ذلك على قول المعتزلة؛ لأن الدعاء بالمعونة على أداء ما كلف وقد أعطى؛ إذ على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شيء مما به أداء ما كلف عند الله، وطلب ما أعطى كتمان للعطية؛ وكتمان العطية كفران، فيصير كأن الله أمر بكفران نعمه وكتمانها وبطلبها منه تعنتاً، وظن مثله بالله كفر، ثم لا يخلو من أن يكون عند الله ما يطلب فلم يعط التمام إذاً، أو ليس عنده، فيكون طلبه استهزاء به؛ إذ من طلب إلى آخر ما يعلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف مع ما كان الذي يطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف، فيبطل قولهم لا يجوز أن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطي، أو ليس له ألا يعطي فكأنه قال: اللهم لا تجر ولا تظلم ومن هذا علمه بربه فالإسلام أولى به، فهذا مع ما لا يدعو الله أحد بالمعونة، وإلاَّ ويطمئن قلبه أنه لا يزلّ عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثله يملك الله عند المعتزلة، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال السادة والكبراء من قوم فرعون لفرعون، محرضين إياه على موسى ومن معه من المؤمنين: أتترك -يا فرعون- موسى وقومه لينشروا الفساد في الأرض، وليتركك أنت وآلهتك، ويدعو إلى عبادة الله وحده؟!

قال فرعون: سَنُقَتِّلُ أبناء بني إسرائيل الذكور، ونستبقي نساءهم للخدمة، وإنا مستعلون عليهم بالقهر والغلبة والسلطان.

<div class="verse-tafsir" id="91.dRy2X"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر