الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٢٩ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 76 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٩ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
"قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا" أي : قد جرى علينا مثل ما رأيت من الهوان والإذلال من قبل ما جئت يا موسى ، ومن بعد ذلك .
فقال منبها لهم على حالهم الحاضرة وما يصيرون إليه في ثاني الحال : ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم [ ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ] ) وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر ، عند حلول النعم وزوال النقم .
القول في تأويل قوله : قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال قوم موسى لموسى، حين قال لهم اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا =(أوذينا) بقتل أبنائنا =(من قبل أن تأتينا)، يقول: من قبل أن تأتينا برسالة الله إلينا، لأن فرعون كان يقتل أولادهم الذكور حين أظلَّه زمان موسى على ما قد بينت فيما مضى من كتابنا هذا.
(32) وقوله: (ومن بعد ما جئتنا)، يقول: ومن بعد ما جئتنا برسالة الله, لأن فرعون لما غلبت سَحرَته، وقال للملأ من قومه ما قال, أراد تجديدَ العذاب عليهم بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم.
* * * وقيل: إن قوم موسى قالوا لموسى ذلك، حين خافوا أن يدركهم فرعون وهم منه هاربون, وقد تراءى الجمعان, فقالوا له: (يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا)، كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا =(ومن بعد ما جئتنا)، اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: * * * 14973 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (من قبل أن تأتينا)، من قبل إرسال الله إياك وبعده.
14974 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
14974 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي : فلما تراءى الجمعان فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد رَدِفهم, (33) قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، وقالوا: (أوذينا من قبل أن تأتينا)، كانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا =(ومن بعد ما جئتنا)، اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا = إنا لمدركون.
(34) 14975 - حدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: سار موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر, فالتفتوا فإذا هم برَهَج دوابِّ فرعون, فقالوا: " يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ", هذا البحر أمامنا وهذا فرعون بمن معه!
قال: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون).
* * * وقوله: (قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم)، يقول جل ثناؤه: قال موسى لقومه: لعل ربكم أن يهلك عدوكم : فرعون وقومه (35) =(ويستخلفكم)، يقول: يجعلكم تخلفونهم في أرضهم بعد هلاكهم, لا تخافونهم ولا أحدًا من الناس غيرهم (36) =(فينظر كيف تعملون)، يقول: فيرى ربكم ما تعملون بعدهم، من مسارعتكم في طاعته، وتثاقلكم عنها.
----------------- الهوامش : (32) انظر ما سلف 2: 41 - 48 .
(33) "ردفهم" : تبعهم.
(34) الأثر : 14974 - هو جزء من خبر طويل فرقه أبو جعفر في مواضع من تفسيره ، ورواه في تاريخه 1 : 214 .
(35) انظر تفسير (( عسى )) فيما سلف 10 : 405 ، تعليق 1 ، والمراجع هناك .ثم انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 225 .
= وتفسير (( الإهلاك )) فيما سلف من فهارس اللغة ( هلك ) (36) (2 ) انظر تفسير (( الاستخلاف )) فيما سلف 12 : 126 .
قوله تعالى قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملونقوله تعالى قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا أي في ابتداء ولادتك بقتل الأبناء واسترقاق النساء ومن بعد ما جئتنا أي والآن أعيد علينا ذلك ; يعنون الوعيد الذي كان من فرعون .
وقيل : الأذى من قبل تسخيرهم لبني إسرائيل في أعمالهم إلى نصف النهار ، وإرسالهم بقيته ليكتسبوا لأنفسهم .
والأذى من بعد : تسخيرهم جميع النهار كله بلا طعام ولا شراب ; قاله جويبر .
وقال الحسن : الأذى من قبل ومن بعد واحد ، وهو أخذ الجزية .قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض " عسى " من الله واجب ; جدد لهم الوعد وحققه .
وقد استخلفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليهما السلام ، وفتحوا بيت [ ص: 237 ] المقدس مع يوشع بن نون ; كما تقدم .
وروي أنهم قالوا ذلك حين خرج بهم موسى وتبعهم فرعون فكان وراءهم والبحر أمامهم ، فحقق الله الوعيد بأن غرق فرعون وقومه وأنجاهم .فينظر كيف تعملون أي يرى ذلك العمل الذي يجب به الجزاء ; لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم ; إنما يجازيهم على ما يقع منهم .
{قَالُوا} لموسى متضجرين من طول ما مكثوا في عذاب فرعون، وأذيته: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا} فإنهم يسوموننا سوء العذاب، يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا {وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} كذلك فـ {قَالَ} لهم موسى مرجيا [لهم] الفرج والخلاص من شرهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ} أي: يمكنكم فيها، ويجعل لكم التدبير فيها {فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} هل تشكرون أم تكفرون؟.
وهذا وعد أنجزه الله لما جاء الوقت الذي أراده الله.
( قالوا أوذينا ) قال ابن عباس : لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل ، فقالوا - يعني قوم موسى - إنا أوذينا ، ( من قبل أن تأتينا ) بالرسالة بقتل الأبناء ، ( ومن بعد ما جئتنا ) بإعادة القتل علينا .
وقيل : فالمراد منه أن فرعون كان يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار ، فلما جاء موسى استسخرهم جميع النهار بلا أجر .
وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون له اللبن بتبن فرعون ، فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم .
( قال ) موسى ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ) فرعون ، ( ويستخلفكم في الأرض ) أي : يسكنكم أرض مصر من بعدهم ، ( فينظر كيف تعملون ) فحقق الله ذلك بإغراق فرعون واستخلافهم في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل .
«قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربُّكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون» فيها.
قال قوم موسى -من بني إسرائيل- لنبيهم موسى: ابتُلينا وأُوذينا بذبح أبنائنا واستحياء نسائنا على يد فرعون وقومه، من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما جئتنا، قال موسى لهم: لعل ربكم أن يهلك عدوكم فرعون وقومه، ويستخلفكم في أرضهم بعد هلاكهم، فينظر كيف تعملون، هل تشكرون أو تكفرون؟
بهذا الأسلوب المؤثر البليغ ، وبهذه الوصايا الحكيمة ، وصى موسى قومه بنى إسرائيل فماذا كان ردهم عليه؟
لقد كان ردهم يدل على سفاهتهم ، فقد قالوا له : ( أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ) أى : قال بنو إسرائيل لموسى رداً على نصيحته لهم : لقد أصابنا الأذى من فرعون قبل أن تأتينا يا موسى بالرسالة ، فقد قتل منا ذلك الجبار الكثير من أبنائنا وأنزل بنا ألواناً من الظلم والاضطهاد وأصابنا الأذى بعد أن جئتنا بالرسالة كما ترى من سوء أحوالنا .
واشتغالنا بالأشغال الحقيرة المهينة ، فنحن لم نستفد من رسالتك شيئاً ، فإلى متى نسمع منك تلك النصائح التى لا جدوى من ورائها؟ومع هذا الرد السفيه من قوم موسى عليه ، نراه يرد عليهم بما يليق به فيقول : ( عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ) فرعون الذى فعل بكم ما فعل من أنواع الظلم ، وتوعدكم بما توعد من صنوف الاضطهاد .( وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض ) أى يجعلكم خلفاء فيها من بعد هلاكه هو وشيعته .
( فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) أى : فيرى - سبحانه - الكائن منكم من العمل ، حسنه وقبيحه ، ليجازيكم على حسب أعمالكم ، فإن استخلافكم فى الأرض من بعد هلاك أعدائكم ليس محاباة لكم ، وإنما هو استخلاف للاختبار والامتحان ، فإن أحسنتم زادكم الله من فضله ، وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم .وفى التعبير " بعسى " الذى يدل على الرجاء ، أدب عظيم من موسى مع ربه - عز وجل - : وتعليم للناس من بعده أن يلتزموا هذا الأدب السامى مع خالقهم ، وفيه كذلك منع لهم من الاتكال وترك العمل ، لأنه لو جزم لهم فى الوعد فقد يتركون السعى والجهاد اعتماداً على ذلك .وقيل : إن موسى ساق لهم ما وعدهم به فى صيغة الرجاء لئلا يكذبوه ، لضعف نفوسهم بسبب ما طال عليهم من الذل والاستخذاء لفرعون وقومه ، واستعظامهم لملكه وقوته ، فكأنهم يرون أن ما قاله موسى مستبعد الحصول ، لذا ساقه لهم فى صورة الرجاء .ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك فتحدثنا فى بضع آيات عن العذاب الذى أخذ الله به آل فرعون بسبب ظلمهم وطغيانهم ، وكيف أن الله - تعالى - قد حقق لموسى رجاءه ، وكيف أن أولئك الظالمين لمن يمنعهم العذاب الذى نزل بهم من ارتكاب المنكرات والآثام .
اعلم أن قوم موسى عليه السلام، لما سمعوا ما ذكره فرعون من التهديد والوعيد خافوا وفزعوا، وقالوا قد أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا وذلك، لأن بني إسرائيل كانوا قبل مجيء موسى عليه السلام مستضعفين في يد فرعون اللعين، فكان يأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ويمنعهم من الترفه والتنعم ويقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فلما بعث الله تعالى موسى عليه السلام قوي رجاؤهم في زوال تلك المضار والمتاعب، فلما سمعوا أن فرعون أعاد التهديد مرة ثانية عظم خوفهم وحزنهم، فقالوا هذا الكلام.
فإن قيل: أليس هذا القول يدل على أنهم كرهوا مجيء موسى عليه السلام وذلك يوجب كفرهم؟
والجواب: أن موسى عليه السلام لما جاء، وعدهم بزوال تلك المضار فظنوا أنها تزول على الفور.
فلما رأوا أنها ما زالت، رجعوا إليه في معرفة كيفية ذلك الوعد فبين موسى عليه السلام أن الوعد بإزالتها لا يوجب الوعد بإزالتها في الحال، وبين لهم أنه تعالى سينجز لهم ذلك الوعد في الوقت الذي قدره له، والحاصل أن هذا ما كان بنفرة عن مجيء موسى عليه السلام بالرسالة، بل استكشافاً لكيفية ذلك الوعد والله أعلم.
واعلم أن القوم لما ذكروا ذلك قال موسى عليه السلام: ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ قال سيبويه: ﴿ عَسَى ﴾ طمع وإشفاق.
قال الزجاج: وما يطمع الله تعالى فيه فهو واجب.
ولقائل أن يقول: هذا ضعيف لأن لفظ ﴿ عَسَى ﴾ هاهنا ليس كلام الله تعالى بل هو حكاية عن كلام موسى عليه السلام، إلا أنا نقول مثل هذا الكلام إذا صدر عن رسول ظهرت حجة نبوته عليه الصلاة والسلام بالمعجزات الباهرة أفاد قوة النفس وأزال ما خامرها من الانكسار والضعف فقوى موسى عليه السلام قلوبهم بهذا القول وحقق عندهم الوعد ليتمسكوا بالصبر ويتركوا الجزع المذموم ثم بين بقوله: ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ما يجري مجرى الحث لهم على التمسك بطاعة الله تعالى.
واعلم أن النظر قد يراد به النظر الذي يفيد العلم.
وهو على الله محال، وقد يراد به تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته.
وهو أيضاً على الله محال، وقد يراد به الانتظار.
وهو أيضاً على الله محال، وقد يراد به الرؤية، ويجب حمل اللفظ هاهنا عليها.
قال الزجاج: أي يرى ذلك بوقوع ذلك منكم لأن الله تعالى لا يجازيهم على ما يعلمه منهم، وإنما يجازيهم على ما يقع منهم.
فإن قيل: إذا حملتم هذا النظر على الرؤية لزم الإشكال، لأن الفاء في قوله: ﴿ فَيَنظُرَ ﴾ للتعقيب فيلزم أن تكون رؤية الله تعالى لتلك الأعمال متأخرة عن حصول تلك الأعمال، وذلك يوجب حدوث صفة الله تعالى.
قلنا: تعلق رؤية الله تعالى بذلك الشيء نسبة حادثة والنسب والإضافات لا وجود لها في الأعيان فلم يلزم حدوث الصفة الحقيقية في ذات الله تعالى.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله ﴾ قال لهم ذلك- حين قال فرعون: سنقتل أبناءهم فجزعوا منه وتضجروا- يسكنهم ويسلبهم، ويعدهم النصرة عليهم، ويذكر لهم ما وعد الله بني إسرائيل من إهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم.
فإن قلت: لم أخليت هذه الجملة عن الواو وأدخلت على التي قبلها؟
قلت: هي جملة مبتدأة مستأنفة.
وأمّا ﴿ وَقَالَ الملا ﴾ [الأعراف: 127] فمعطوفة على ما سبقها من قوله: ﴿ قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ ﴾ يجوز أن تكون اللام للعهد ويراد أرض مصر خاصة، كقوله: ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض ﴾ [الزمر: 74] وأن تكون للجنس فيتناول أرض مصر لأنها من جنس الأرض، كما قال ضمرة: إنما المرء بأصغريه، فأراد بالمرء الجنس، وغرضه أن يتناوله تناولاً أولياً ﴿ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ ﴾ بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط، وأن المشيئة متناولة لهم.
وقرأ: ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ بالنصب: أبيّ وابن مسعود، عطفاً على الأرض.
﴿ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى عليه السلام إلى أن استنبئى، وإعادته عليهم بعد ذلك، وما كانوا يستعبدون به ويمتهنون فيه من أنواع الخدم والمهن ويمسون به من العذاب ﴿ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل.
وكشف عنه، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفرانها، ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم.
وعن عمرو بن عبيد رحمه الله أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، فطلب زيادة لعمرو فلم توجد، فقرأ عمرو هذه الآية، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال: قد بقي فينظر كيف تعملون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا ﴾ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ وتَضَجَّرُوا مِنهُ تَسْكِينًا لَهم ﴿ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ تَسْلِيَةٌ لَهم وتَقْرِيرٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ والتَّثَبُّتُ في الأمْرِ.
﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وَعْدٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ وتَذْكِيرٌ لِما وعَدَهم مِن إهْلاكِ القِبْطِ وتَوْرِيثِهِمْ دِيارَهم وتَحْقِيقٌ لَهُ.
وقُرِئَ « والعاقِبَةَ» بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى اسْمِ إنَّ واللّامُ في الأرْضَ تَحْتَمِلُ العَهْدَ والجِنْسَ.
﴿ قالُوا ﴾ أيْ بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿ أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ﴾ بِالرِّسالَةِ بِقَتْلِ الأبْناءِ ﴿ وَمِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ بِإعادَتِهِ.
﴿ قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ ﴾ تَصْرِيحًا بِما كَنّى عَنْهُ أوَّلًا لَمّا رَأى أنَّهم لَمْ يَتَسَلَّوْا بِذَلِكَ، ولَعَلَّهُ أتى بِفِعْلِ الطَّمَعِ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِأنَّهُمُ المُسْتَخْلَفُونَ بِأعْيانِهِمْ أوْ أوْلادُهم.
وَقَدْ رُوِيَ أنَّ مِصْرَ إنَّما فُتِحَ لَهم في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ فَيَرى ما تَعْمَلُونَ مِن شُكْرٍ وكُفْرانٍ وطاعَةٍ وعِصْيانٍ فَيُجازِيَكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم.
<div class="verse-tafsir"
{قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى إلى أن استنبئ واعاجدته علهم بعد ذلك اشتكاء من فرعون واستبطاء لوعد النصر {قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض} تصريح بما رمز الله من البشارة قبل وكشف عنه وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر {فَيَنظُرَ كيف تعملون} فيى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه وشكر النعمة وكفراتها لجيازيكم على حسب ما يوجد منكم وعن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان وطلب المنصور زيادة لعمور فلم توجد فقرأ عمرو هذه الآية ثم دخل عليه بعد ما استخاف
الأعراف ١٢٢ ١٢٥ فذكر له ذلك
قد بقي فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
﴿ قالُوا ﴾ أيْ قَوْمُ مُوسى لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ أُوذِينا ﴾ مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ﴾ بِالرِّسالَةِ.
يَعْنُونَ بِذَلِكَ قَتْلَ الجَبّارِ أوْلادَهم قَبْلَ مَوْلِدِهِ وبَعْدَهُ إذْ قِيلَ لَهُ: يُولَدُ لِبَنِي إسْرائِيلَ غُلامٌ يَسْلُبُكَ مُلْكَكَ ويَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ.
﴿ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ أيْ: رَسُولًا.
يَعْنُونَ بِهِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن إعادَةِ قَتْلِ الأبْناءِ وسائِرِ ما كانَ يَفْعَلُ بِهِمْ لِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُنُونِ الجَوْرِ والعَذابِ، وقِيلَ: إنَّ نَفْسَ ذَلِكَ الإيعادِ إيذاءٌ، وقِيلَ: جَعَلَ إيعادَهُ بِمَنزِلَةِ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ جَبّارًا.
وقِيلَ: أرادُوا الإيذاءَ بِقَتْلِ الأبْناءِ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وبَعْدَ مَوْلِدِهِ، وقِيلَ: المُرادُ ما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ بِهِ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَلْحَقُهم بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَيْسَ لِذِكْرِهِ كَثِيرُ مُلاءَمَةٍ بِالمَقامِ، والظّاهِرُ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الإتْيانِ والمَجِيءِ، وأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما لِلتَّفَنُّنِ والبُعْدِ عَنِ التَّكْرارِ اللَّفْظِيِّ، فَإنَّ الطِّباعَ مَجْبُولَةٌ عَلى مُعاداةِ المُعاداتِ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِأنْ المَصْدَرِيَّةِ أوَّلًا وبِما أُخْتِها ثانِيًا.
وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ في الفَرْقِ بَيْنَهُما أنَّ الإتْيانَ يُسْتَعْمَلُ في المَعانِي والأزْمانِ، والمَجِيءَ في الجَواهِرِ والأعْيانِ، وهو غَيْرُ ظاهِرٍ هُنا إلّا أنْ يُتَكَلَّفَ، ونُقِلَ عَنِ الرّاغِبِ في الفَرْقِ بَيْنَهُما: أنَّ الإتْيانَ هو المَجِيءُ بِسُهُولَةٍ، فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ المَجِيءِ وهو كَسابِقِهِ هُنا أيْضًا، وهَذا مِنهم جارٍ مَجْرى التَّحَزُّنِ لِعَدَمِ الِاكْتِفاءِ بِما كَنّى لَهم عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَرْطِ ما عَراهم وفَظاعَةِ ما اعْتَراهُمْ، والمَقامُ يَقْتَضِي الإطْنابَ؛ فَإنَّ شَأْنَ الحَزِينِ الشّاكِي إطالَةُ الكَلامِ رَجاءَ أنْ يُطْفِئَ بِذَلِكَ بَعْضَ الأُوامِ، وقِيلَ: هو اسْتِبْطاءٌ مِنهم لِما وعَدَهم عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ النَّجاةِ والظَّفَرِ، والأوَّلُ أوْلى؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ الَّذِي فَعَلَ بِكم ما فَعَلَ وتَوَعَّدَكم بِما تَوَعَّدَ.
﴿ ويَسْتَخْلِفَكُمْ ﴾ أيْ: يَجْعَلَكم خُلَفاءَ ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ .
أيْ: أرْضِ مِصْرَ تَصْرِيحٌ بِما كَنّى عَنْهُ وتَوْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وفِيهِ إدْماجُ مَعْنى مَن عادى أوْلِياءَ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ بارَزَهُ بِالمُحارَبَةِ وحَقَّ لَهُ الدَّمارُ والخَسارُ.
وعَسى في مِثْلِهِ قَطْعٌ في إنْجازِ المَوْعُودِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ، ونَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكُرَماءِ.
وقِيلَ: تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ الأمْرُ مَجْزُومًا بِهِ بِوَحْيٍ وإعْلامٍ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ الجَزْمِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهُمُ المُسْتَخْلَفُونَ بِأعْيانِهِمْ أوْ أوْلادِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ مِصْرَ إنَّما فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها ﴾ فَإنَّ المُتَبادَرَ اسْتِخْلافُ المُسْتَضْعَفِينَ أنْفُسِهِمْ لا اسْتِخْلافُ أوْلادِهِمْ، والمَجازُ خِلافُ الأصْلِ.
نَعَمْ المَشْهُورُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مِصْرَ لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْها في حَياتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَيَنْظُرَ ﴾ أيْ: يَرى أوْ يَعْلَمَ.
﴿ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ أحَسَنًا أمْ قَبِيحًا، فَيُجازِيكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ.
إرْشادٌ لَهم إلى الشُّكْرِ وتَحْذِيرٌ لَهم عَنِ الوُقُوعِ في مُهاوِي الكُفْرِ، وقِيلَ: فِيهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ يعني: سلوا الله التوفيق وَاصْبِرُوا يعني: اصبروا على أذاهم حتى يأتيكم الفرج إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعني: أرض مصر ينزلها من يشاء من عباده ويقال الجنة قرأ عاصم في رواية حفص بالتشديد.
وقرأ الباقون بالتخفيف.
وهما لغتان ورّث وأوْرَث بمعنى واحد.
ثم قال: وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أي الذين يعملون في طاعة الله تعالى على نور من الله مخافة عقاب الله ورجاء ثواب الله تعالى، أي آخر الأمر لهم.
وروي في الخبر أن مسيلمة الكذاب كتب إلى النبيّ كتاباً من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله أما بعد.
فإن الأرض بيني وبينكم نصفان إلا أن العرب قوم يظلمون الناس فكتب إليه رسول الله : «مِنْ مُحَمَّد رَسُولِ الله إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ.
أمَّا بَعْدُ فَإنَّ الأرْضَ لله يورثها من يشاء من عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .
قوله تعالى: قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا يعني: إن قوم موسى قالوا لموسى: إنهم قد عذبوا قبل أن تأتينا بالرسالة وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا لأن قوم فرعون كانوا يكلفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقون، وكان آل فرعون لا يعرفون شيئاً من الأعمال، وكان بنو إسرائيل حذاقاً في الأشياء والأعمال، فكانوا يأمرونهم بالعمل ولا يعطونهم الأجر.
ف قالَ لهم موسى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ يعني: فرعون وقومه وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: يجعلكم سكاناً في أرض مصر من بعد هلاكهم يعني: من بعد هلاك فرعون وقومه فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ يعني: يبتليكم بالنعمة كما ابتلاكم بالشدة، فيظهر عملكم في حال اليسر والشدة، لأنه قد وعد لهم بقوله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] .
ويقال: فينظر كيف تعملون من بعده يعني: من بعد انطلاق موسى إلى الجبل فعبدوا العجل.
قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ أي: بالجوع والقحط وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي يتعظون ويؤمنون فلم يتعظوا.
قال الله تعالى: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعني: الخير والخصب والرخاء قالُوا لَنا هذِهِ يعني: نحن أهل لهذه الحسنة وأحق بها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني: القحط والبلاء والشدة يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ وأصله يتطيروا فأدغمت التاء في الطاء.
كقوله: يَذَّكَّرُونَ أي يتشاءمون بموسى ومن معه على دينه.
قال الله تعالى: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يعني: إن الذي أصابهم من عند الله وبفعلهم.
ويقال: إنما الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أنه من الله تعالى ولا يعلمون ما عليهم في الآخرة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ ...
الآية: مقالةٌ تتضمَّن إِغراء فرعون وتحريضَهُ، وقولُهم: وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، رُويَ أن فرعون كان في زمنه للناس آلهةٌ مِنْ بقرٍ، وأصنامٍ، وغير ذلك، وكان فرعونُ قَدْ شَرَع ذلك، وَجَعل نَفْسَه الإله الأَعلَى فقوله على هذا أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] إنما يريدُ: بالنَّسْبة إِلى تلك المعبودات.
وقيل: إِن فرعون كان يعبد حَجَراً يعلِّقه في صَدْره.
كأنه/ ياقوتَةٌ أو نحوها، وعن الحسنِ نحوه، وقوله: سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، المعنى: سنستمرُّ عَلى ما كنا عليه مِنْ تعذيبهم، وقوله: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ، يريد: في المنزلة، والتمكّن من الدنيا، وقاهِرُونَ: يقتضي تحقير أمرهم، أي: هم أقلُّ من أن يُهتمَّ بهم.
قلت: وهذا من عَدُوِّ الله تجلُّدٌ، وإِلاَّ فقد قال فيما أخبر الله سبحانه به عنه: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ [الشعراء: ٥٤، ٥٥، ٥٦] .
وقوله سبحانه: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ...
الآية: لما قال فرعونُ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ، وتوعدهم، قال موسى لبني إسرائيل، يثبتهم، ويعدهم عن اللَّه تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، والأرض هنا: أرضُ الدنيا، وهو الأظهرُ.
وقيل: المراد هنا أرضُ الجَنَّة، وأما في الثانية، فأرض الدنيا لا غير، والصَّبْرُ في هذه الآية: يعمُّ الانتظارَ الذي هو عبادةٌ، والصَّبْرَ في المناجزاتِ، والبأْسَ، وقولهم: أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا، يعنون به الذَّبْحَ الذي كان في المُدَّة التي كانَ فِرْعَون يتخوَّف فيها أنْ يولَدَ المولودُ الذي يُخَرِّبُ ملكه، وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنا، يعنون به وعيدَ فِرْعَونَ، وسائِرَ ما كان خلالَ تلك المدَّة، من الإخافة لهم.
وقال ابنُ عباس «١» والسدّيُّ «٢» : إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة، حين اتّبعهم
فرعون، واضْطَرَّهم إِلى البحر.
قال ع «١» : وبالجملة فهو كلامٌ يجري مع المعهودِ مِنْ بني إِسرائيل مِن اضطرابهم على أنبيائهم، وقلَّةِ يقينهم، واستعطاف موسى لهم بقوله: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ، ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض، يدُلَّ على أنه يستدعي نفوساً نافرةً ويقوِّي هذا الظنَّ في جهة بني إِسرائيل سلوكُهم هذا السبيلَ في غَيْر مَا قصَّةٍ، وقوله:
فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ تنبيهٌ وحضٌّ على الاستقامة، ولقد استخلفوا في مِصْرَ في زمن دَاوُدَ وسليمانَ، وقد فتحوا بَيْتَ المَقْدِسِ مع يُوشَعَ.
وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، أي: بالجُدُوب والقُحُوطِ، وهذه سِيرَةُ اللَّه في الأممِ، وقوله: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ، أي: حتى رُوِيَ أن النخلة مِنْ نخلهم لا تَحْمَلُ إِلا ثمرةً واحدةً، وقال نحوه رجاءُ بْنُ حَيْوَة «٢» وفعل اللَّه تعالى بهم هذا لينيبوا ويَزْدَجِرُوا عَمَّا هم عليه من الكُفْرِ إِذ أحوالُ الشدَّة ترقُّ معها القلوبُ، وترغبُ فيما عند اللَّه سبحانه.
وقوله عزَّ وجلَّ: فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ ...
الآية: كان القَصْدُ في إِصابتهم بِالقَحْط والنقْصِ في الثمراتِ أن ينيبوا ويرجعوا، فإذا هم قد ضَلُّوا، وجعلوها تشاؤماً بموسى، فكانوا إِذَا اتفق لهم اتفاق حسنٌ في غَلاَّت ونحوها، قالوا: هذه لنا، وبسببنا، وإذا نالهم ضُرٌّ، قالوا: هذا بسبب موسى وشُؤْمِهِ قاله مجاهد «٣» وغيره، وقرأ الجمهور «٤» «يَطَّيَّرُوا» - بالياء وشدِّ الطاء والياءِ الأخيرة-، وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ «٥» وغيره: «تَطِيرُوا» - بالتاء وتخفيف الطاء-، وقرأ «٦» مجاهدٌ: «تَشَاءَمُوا بمُوسَى» - بالتاء من فوق- وبلفظ الشؤم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ في هَذا الأذى سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ الأذى الأوَّلَ والثّانِي أخْذُ الجِزْيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَ الأوَّلَ ذَبْحُ الأبْناءِ، والثّانِي: إدْراكُ فِرْعَوْنَ يَوْمَ طَلَبِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ الأوَّلَ أنَّهم كانُوا يُسَخَّرُونَ في الأعْمالِ إلى نِصْفِ النَّهارِ، ويُرْسَلُونَ في بَقِيَّتِهِ يَكْتَسِبُونَ، والثّانِي تَسْخِيرُهم جَمِيعَ النَّهارِ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
والرّابِعُ: أنَّ الأوَّلَ تَسْخِيرَهم في ضَرْبِ اللَّبَنِ، وكانُوا يُعْطُونَهُمُ التِّبْنَ الَّذِي يَخْلِطُونَهُ في الطِّينِ؛ والثّانِي: أنَّهم كُلِّفُوا ضَرْبَ اللَّبَنِ وجَعْلَ التِّبْنِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والخامِسُ: أنَّ الأوَّلَ قَتْلُ الأبْناءِ، واسْتِحْياءُ البَناتِ، والثّانِي، تَكْلِيفُ فِرْعَوْنَ إيّاهم ما لا يُطِيقُونَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّادِسُ: أنَّ الأوَّلَ اسْتِخْدامُهم وقَتْلُ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءُ نِسائِهِمْ، والثّانِي: إعادَةُ ذَلِكَ العَذابِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَأْتِينا بِالرِّسالَةِ، ومِن بَعْدِ ما جِئْنا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: تَأْتِينا بِعَهْدِ اللَّهِ أنَّهُ سَيُخَلِّصُنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتِنا بِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: عَسى: طَمَعٌ وإشْفاقٌ، إلّا أنَّ ما يَطْمَعُ اللَّهُ فِيهِ فَهو واجِبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ ﴾ في هَذا الِاسْتِخْلافِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِخْلافٌ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
والثّانِي: اسْتِخْلافٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ خُلَفاءُ اللَّهِ في أرْضِهِ.
وفي الأرْضِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أرْضُ مِصْرَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أرْضُ الشّامِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: يَراهُ بِوُقُوعِهِ مِنكم، لِأنَّهُ إنَّما يُجازِيهِمْ عَلى ما وقَعَ مِنهم، لا عَلى ما عَلِمَ أنَّهُ سَيَقَعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُهُ: ابْتَلَيْناهم بِالجَدُوبِ.
وآَلُ فِرْعَوْنَ: أهْلُ دِينِهِ وقَوْمُهُ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هم أهْلُ مِصْرَ.
قالَ الفَرّاءُ: "بِالسِّنِينَ" أيْ: بِالقَحْطِ والجَدُوبِ عامًا بَعْدَ عامٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: السُّنُونَ في كَلامِ العَرَبِ: الجَدُوبُ، يُقالُ: مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ، وشِدَّةُ السَّنَةِ.
وإنَّما أخَذَهم بِالضَّرّاءِ، لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ، تُرِقُ القُلُوبَ، وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ وفي الرُّجُوعِ إلَيْهِ، قالَ قَتادَةُ: أمّا السُّنُونَ، فَكانَتْ في بَوادِيهِمْ ومَواشِيهِمْ، وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ، فَكانَ في أمْصارِهِمْ وقُراهم.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَبِسَ لَهم كُلُّ شَيْءٍ، وذَهَبَتْ مَواشِيهم، حَتّى يَبِسَ نِيلُ مِصْرَ، فاجْتَمَعُوا إلى فِرْعَوْنَ فَقالُوا لَهُ: إنْ كُنْتَ رِبًّا كَما تَزْعُمُ، فامْلَأْ لَنا نِيلَ مِصْرَ، فَقالَ غُدْوَةً يُصَبِّحُكُمُ الماءُ، فَلَمّا خَرَجُوا مِن عِنْدِهِ، قالَ: أيُّ شَيْءٍ صَنَعْتَ؟
أنا أقْدِرُ أنْ أجِيءَ بِالماءِ في نِيلِ مِصْرَ غُدْوَةَ أصْبَحَ، فَيُكَذِّبُونِي؟
فَلَمّا كانَ جَوْفُ اللَّيْلِ، اغْتَسَلَ، ثُمَّ لَبِسَ مِدْرَعَةً مِن صُوفٍ، ثُمَّ خَرَجَ حافِيًا حَتّى أتى بَطْنَنِيلِ مِصْرَ فَقامَ في بَطْنِهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أنِّي أعْلَمُ أنَّكَ تَقْدِرُ أنْ تَمْلَأ نِيلَ مِصْرَ ماءً، فامْلَأْهُ، فَما عَلِمَ إلّا بِخَرِيرِ الماءِ لَمّا أرادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الهَلَكَةِ.
قُلْتُ: وهَذا الحَدِيثُ بَعِيدُ الصِّحَّةِ، لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ دَهْرِيًّا لا يُثْبِتُ إلَهًا.
ولَوْ صَحَّ، كانَ إقْرارُهُ بِذَلِكَ كَإقْرارِ إبْلِيسَ، وتَبْقى مُخالَفَتُهُ عِنادًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ ﴾ لَمّا قالَ فِرْعَوْنُ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم وتَوَعَّدَهُمْ، قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يُثَبِّتُهم ويَعِدُهم ما عِنْدَ اللهِ: ﴿ اسْتَعِينُوا بِاللهِ واصْبِرُوا ﴾ ، وظاهِرُ هَذا الكَلامِ كُلِّهِ وعْدٌ بِغَيْبٍ فَكَأنَّ قُوَّتَهُ تَقْتَضِي أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، ولَيْسَ في اللَفْظِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، و"الأرْضَ" أرْضُ الدُنْيا وهو الأظْهَرُ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا أرْضُ الجَنَّةِ، وأمّا في الثانِيَةِ فَأرْضُ الدُنْيا لا غَيْرُ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُورَثُها" بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ السَبْعَةُ: "يُورِثُها" ساكِنَةَ الواوِ خَفِيفَةَ الراءِ مَكْسُورَةً، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ وهي قِراءَةُ الحَسَنِ "يُوَرِّثُها" بِتَشْدِيدِ الراءِ عَلى المُبالَغَةِ، والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الِانْتِظارَ الَّذِي هو عِبادَةٌ والصَبْرَ في المُناجَزاتِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ﴾ يَعْنُونَ بِهِ الذَبْحِ الَّذِي كانَ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ فِرْعَوْنُ يَتَخَوَّفُ فِيها أنْ يُولَدَ المَوْلُودُ الَّذِي يُخَرِّبُ مُلْكَهُ، والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ هَذِهِ المَقالَةَ حِينَ اتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِالجُمْلَةِ هو كَلامٌ يَجْرِي مَعَ المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِينِ، واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ ، ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَنَّ في بَنِي إسْرائِيلَ سُلُوكُهم هَذِهِ السَبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِمِصْرَ حِينَ كَلَّفَهم فِرْعَوْنُ مِنَ العَمَلِ ما لا يُطِيقُونَ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُكَلِّفُهم عَمَلَ الطُوبِ ويَمْنَعُهُمُ التِبْنَ لِيَشُقَّ عَلَيْهِمْ عَمَلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ وحَضٌّ عَلى الِاسْتِقامَةِ، وإنْ قُدِّرَ هَذا الوَعْدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، وقَدِ اسْتُخْلِفُوا في مِصْرَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ، وقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِنِينَ ﴾ الآيَةُ.
أخْبَرَ أنَّهُ أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ في تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي كانَ مُوسى يَدْعُوهم فِيها بِالسِنِينَ وهُوَ: الجُدُوبُ والقُحُوطُ، وهَذِهِ سِيرَةُ اللهِ في الأُمَمِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ بِقُرَيْشٍ.
والسَنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: القَحْطُ ومِنهُ قَوْلُ لَيْلى: "والناسُ مُسْنِتُونَ"، وسَنَةٌ وعِضَةٌ وما جَرى مَجْراهُما مِنَ الأسْماءِ المَنقُوصَةِ تُجْمَعُ بِالواوِ والنُونِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ جَمْعِ السَلامَةِ لَكِنْ عَلى جِهَةِ العِوَضِ، مِمّا نَقَصَ وكَذَلِكَ "أرْضٌ" تَوَهَّمُوا فِيها نَقْصَ هاءِ التَأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ كانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "أرَضَةً"، وأمّا "حُرَّةٌ وإحَرُّونَ" فَلِأنَّ التَضْعِيفَ أبَدًا يَعْتَلُّ فَتَوَهَّمُوهُ مِثْلَ النَقْصِ، وكَسْرُ السِينِ مِن "سُنُونَ وسِنِينَ" وزِيادَةُ الألِفِ في "إحَرِّينَ" دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجَمْعِ سَلامَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الثَمَراتِ ﴾ رُوِيَ أنَّ النَخْلَةَ كانَتْ لا تَحْمِلُ إلّا ثَمَرَةً واحِدَةً، وقالَ نَحْوَهُ رَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، وأرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنِيبُوا ويَزْدَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، إذْ أحْوالُ الشِدَّةِ تُرِقُّ القُلُوبَ وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللهِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالوا ﴾ حكاية جواب قوم موسى إياه، فلذلك فصلت جملة القول على طريقة المحاورة، وهذا الخبر مستعمل في الشكاية واستئثارتهم موسى ليدعو ربه أن يفرج كربهم.
والإيذاء: الإصابة بالأذى، والأذى ما يؤلم ويحزن من قول أو فعل، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ لن يضروكم إلاّ أذى ﴾ في سورة آل عمران (111)، وقوله: ﴿ فصَبروا على ما كُذبوا وأوذوا ﴾ في سورة الأنعام (34)، وهو يكون ضعيفاً وقوياً، ومرادهم هنا القوي منه، وهو ما لحقهم من الاستعباد وتكليفهم الأعمال الشاقة عليهم في خدمة فرعون وما توعدهم به فرعون بعد بعثة موسى من القطع والصلب وقتل الأبناء، وكأنهم أرادوا التعريض بنفاد صبرهم وأن الأذى الذي مسهم بعد بعثة موسى لم يكن بداية الأذى، بل جاء بعد طول مدة في الأذى، فلذلك جمعوا في كلامهم ما لحقهم قبل بعثة موسى.
وقد توهم بعض المفسرين أن هذا امتعاض منهم مما لحقهم بسبب موسى وبواسطته مستنداً إلى أن قتل الذكور منهم كان قبل مجيء موسى بسبب توقع ولادة موسى، وكان الوعيد بمثله بعد مجيئه بسبب دعوته، وليس ذلك بمتجه لأنه لو كان هو المراد لما كان للتعبير بقوله: ﴿ من قبل أن تأتينا ﴾ موقع، والإتيان والمجيء مترادفان، فذكر المجيء بعد الإتيان ليس لاختلاف المعنى، ولكنه للتفنن وكراهية إعادة اللفظ.
والإتيان والمجيء مدلولهما واحد، وهو بعثة موسى بالرسالة، فجعل الفعل المعبّر عنه حين عُلق به (قبل) بصيغة المضارع المقترن ب (أن) الدالة على الاستقبال والمصدرية لمناسبة لفظ (قبل) لأن ما يضاف إلى (قبل) مستقبل بالنسبة لمدلولها، وجُعل حين علق به (بعد) بصيغة الماضي المقترن بحرف (مّا) المصدرية لأن (ما) المصدرية لا تفيد الاستقبال ليناسب لفظ (بعد) لأن مضاف كلمة (بعد) ماض بالنسبة لمدلولها.
فأجابهم موسى بتقريب أن يكونوا هم الذين يرثون مُلك الأرض والذين تكون لهم العاقبة.
وجاء بفعل الرجاء دون الجزم تأدباً مع الله تعالى، وإقصاء للاتكال على أعمالهم ليزدادوا من التقوى والتعرض إلى رضى الله تعالى ونصره.
فقوله: ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ﴾ ناظر إلى قوله: ﴿ إن الأرض لله ﴾ [الأعراف: 128] وقوله: ﴿ ويَسْتخلفَكم في الأرض ﴾ ناظر إلى قوله ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ [الأعراف: 128].
والمراد بالعدو، فرعون وحزبه، فوصفُ عدو يوصف به الجمع قال تعالى: ﴿ هم العدو ﴾ [المنافقون: 4].
والمراد بالاستخلاف: الاستخلاف عن الله في مُلك الأرض.
والاستخلاف إقامة الخليفة، فالسين والتاء لتأكيد الفعل مثل استجاب له، أي جعلهم أحراراً غالبين ومؤسسين ملكاً في الأرض المقدسة.
ومعنى ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ التحذير من أن يعملوا ما لا يرضي الله تعالى، والتحريض على الاستكثار من الطاعة ليستحقوا وصف المتقين، تذكيراً لهم بأنه عليم بما يعملونه.
فالنظر مستعمل في العلم بالمرئيات، والمقصود بما ﴿ تعملون ﴾ عملهم مع الناس في سياسة ما استخلفوا فيه، وهو كله من الأمور التي تشاهد إذ لا دخل للنيات والضمائر في السياسة وتدبير الممالك، إلاّ بمقدار ما تدفع إليه النيات الصالحة من الأعمال المناسبة لها، فإذا صدرت الأعمال صالحة كما يرضي الله، وما أوصى به، حصل المقصود، ولا يضرها ما تكنه نفس العامل.
و (كيف) يجوز كونها استفهاماً فهي معلّقة لفعل (ينظرُ) عن المفعول، فالتقدير فينظر جواب السؤال ب ﴿ كيف تعملون ﴾ ، ويجوز كونها مجردة عن معنى الاستفهام دالة على مجرد الكيفية، فهي مفعول به ل ﴿ ينظرَ ﴾ كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ في سورة آل عمران (6)، وقوله تعالى: ﴿ انظْر كيف نبين لهم الآيات ﴾ في سورة المائدة (75) وقد تقدم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآيَةَ: ﴿ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ أشْرافُهم.
والثّانِي: رُؤَساؤُهم.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الرَّهْطُ والنَّفَرُ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهم.
والفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْطِ والنَّفَرِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: كَثْرَةُ الرَّهْطِ وقِلَّةُ النَّفَرِ.
والثّانِي: قُوَّةُ الرَّهْطِ وضَعْفُ النَّفَرِ، وفي تَسْمِيَتِهِمْ بِالمَلَإ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَلِيئُونَ بِما يُرادُ مِنهم.
والثّانِي: لِأنَّهم تَمْلَأُ النُّفُوسَ هَيْبَتُهم.
وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: لِأنَّهم يَمْلَأُونَ صُدُورَ المَجالِسِ.
فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ إقْدامِهِمْ عَلى الإنْكارِ عَلى فِرْعَوْنَ مَعَ عِبادَتِهِمْ لَهُ؟
قِيلَ: لِأنَّهم رَأوْا مِنهُ خِلافَ عادَتِهِ وعادَةِ المُلُوكِ في السَّطْوَةِ بِمَن أظْهَرَ العِنادَ وخالَفَ، وكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِمُوسى.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيُفْسِدُوا فِيها بِعِبادَةِ غَيْرِكَ والدُّعاءِ إلى خِلافِ دِينِكَ.
والثّانِي: لِيُفْسِدُوا فِيها بِالغَلَبَةِ عَلَيْها وأخْذِ قَوْمِهِ مِنها.
ثُمَّ قالُوا: ﴿ وَيَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَما وجْهُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لَهُ وهم قَدْ صَدَقُوهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى ﴾ .
قِيلَ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ وكانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَهُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ البَقَرِ ولِذَلِكَ أخْرَجَ السّامِرِيُّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ وقالَ هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، وكانَ مَعْبُودًا في قَوْمِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّها كانَتْ أصْنامًا يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ويَذَرَكَ وإلاهَتَكَ أيْ وعِبادَتَكَ.
قالَ الحَسَنُ: وكانَ فِرْعَوْنُ يَعْبُدُ ويُعْبَدُ.
وَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَسْقُطُ السُّؤالُ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ تَأْوِيلًا ثانِيًا: أنَّ الإلاهَةَ الشَّمْسُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الشَّمْسَ الإلاهَةَ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأعْشى: ولَمْ أذْكُرِ الرُّعْبَ حَتّى انْتَقَلْتُ قُبَيْلَ الإلاهَةِ مِنها قَرِيبًا يَعْنِي الشَّمْسَ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الآيَةِ: ويَذَرُكَ والشَّمْسَ حَتّى تَعْبُدَ فَعَلى هَذا يَكُونُ السُّؤالُ مُتَوَجِّهًا عَنْهُ ما تَقَدَّمَ.
﴿ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ وإنَّما عَدَلَ عَنْ قَتْلِ مُوسى إلى قَتْلِ الأبْناءِ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى قَتْلِ مُوسى إمّا لِقُوَّتِهِ وإمّا تَصَوُّرِهِ أنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ قَتْلِهِ، فَعَدَلَ إلى قَتْلِ الأبْناءِ لِيَسْتَأْصِلَ قَوْمَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَضْعُفُ عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ نُفَتِّشَ أرْحامَهُنَّ فَنَنْظُرُ ما فِيهِنَّ مِنَ الوَلَدِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَياءِ وهو اسْمٌ مِن أسْماءِ الفَرْجِ، حَكاهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَعْناهُ: نَسْتَبْقِيهِنَّ أحْياءً لِضَعْفِهِنَّ عَنِ المُنازَعَةِ وعَجْزِهِنَّ عَنِ المُحارَبَةِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَهم بِذَلِكَ تَسْلِيَةً لَهم مِن وعِيدِ فِرْعَوْنَ كَما يَقُولُ مَن نالَتْهُ شِدَّةٌ: اسْتَعَنْتُ بِاَللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَوْعِدٌ مِنهُ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعِينُهم عَلى فِرْعَوْنَ إنِ اسْتَعانُوا بِهِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ واصْبِرُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: واصْبِرُوا عَلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ طَمَعًا في ثَوابِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ انْتِظارًا لِنَصْرِ اللَّهِ.
﴿ إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِقَوْمِهِ في أنَّ الدُّنْيا لا تُبْقِي عَلى أحَدٍ فَتُبْقِي عَلى فِرْعَوْنَ لِأنَّها تَنْتَقِلُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أشْعَرَهم بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يُورِثُهم أرْضَ فِرْعَوْنَ.
﴿ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ في الآخِرَةِ بِالثَّوابِ.
والثّانِي: في الدُّنْيا بِالنَّصْرِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأذى مِن قَبْلُ ومِن بَعْدِ أخْذِ الجِزْيَةِ.
قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ الأذى مِن قَبْلِ: تَسْخِيرِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ في أعْمالِهِمْ لِنِصْفِ النَّهارِ وإرْسالِهِمْ في بَقِيَّتِهِ لِيَكْسِبُوا لِأنْفُسِهِمْ.
والأذى مِن بَعْدِ: تَسْخِيرِهِمْ في جَمِيعِ النَّهارِ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، قالَهُ جُوَيْبِرٌ.
والثّالِثُ: أنَّ الأذى الَّذِي كانَ مِن قَبْلِ: الِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأبْناءِ، والَّذِي كانَ مِن بَعْدِ: الوَعِيدِ بِتَجْدِيدِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والرّابِعُ: أنَّ الأذى الَّذِي كانَ مِن قَبْلُ أنَّهم كانُوا يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويُعْطِيهِمُ التِّبْنَ، والأذى مِن بَعْدُ أنْ صارُوا يَضْرِبُونَ اللَّبِنَ ويَجْعَلُ عَلَيْهِمُ التِّبْنَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِالرِّسالَةِ ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ إلَيْكَ أنَّهُ يُخَلِّصُنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا بِهِ.
وَفي هَذا القَوْلِ مِنهم وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَكْوى ما أصابَهم مِن فِرْعَوْنَ واسْتِعانَةً بِمُوسى.
والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ اسْتِبْطاءً لِوَعْدِ مُوسى، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ عَسى في اللُّغَةِ طَمَعٌ وإشْفاقٌ.
قالَ الحَسَنُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: عَسى مِنَ اللَّهِ يَقِينٌ.
﴿ وَيَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ فَيَنْظُرَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَيَرى.
والثّانِي: فَيَعْلَمُ وفي قَوْلِ مُوسى ذَلِكَ لِقَوْمِهِ أمْرانِ: أحَدُهُما: الوَعْدُ بِالنَّصْرِ والِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ.
والثّانِي: التَّحْذِيرُ مِنَ الفَسادِ فِيها لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْظُرُ كَيْفَ يَعْمَلُونَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ قال: من قبل ارسال الله إياك ومن بعده.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى: كان فرعون يكلفنا اللبن قبل أن تأتينا، فلما جئت كلفنا اللبن مع التبن أيضاً، فقال موسى: أي رب أهلك فرعون حتى متى تبقيه.
فأوحى الله إليهم: إنهم لم يعملوا الذنب الذي اهلكهم به.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ قال: أما قبل أن يبعث حزاً لعدو الله فرعون حاز أنه يولد في هذا العام غلام يسلبك ملكك.
قال: فتتبع أولادهم في ذلك العام بذبح الذكور منهم ثم ذبحهم أيضاً بعدما جاءهم موسى، وهذا قول بني إسرائيل يشكون إلى موسى.
فقال لهم موسى ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن بنا أهل البيت يفتح ويختم، فلا بد أن تقع دولة لبني هاشم فانظروا فيمن تكونوا من بن هاشم، وفيهم نزلت ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أُوذِينَا ﴾ .
قال ابن عباس: (أي: بالقتل الأول، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا ﴾ بالرسالة، ﴿ وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ بإعادة القتل عليهم والإتعاب في العمل).
﴿ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ ﴾ ، قال (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ ﴾ ، يعني: فرعون وقومه.
﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ ، قال ابن عباس: (يملككم ما كان يملك فرعون) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ .
قال أبو إسحاق: (أي: يرى ذلك بوقوع ذلك منكم؛ لأن الله لا (٧) (٨) (١) لفظ: (قال) ساقط من (ب).
(٢) "تنوير المقباس" 2/ 120، وأخرج البيهقي في "سننه" 9/ 13 بسند جيد عنه قال: (كل عسى في القرآن فهي واجبة) اهـ.
وذكره السيوطي في "الإتقان" 2/ 241.
(٣) في (ب): (وعسى).
(٤) "الكتاب" 4/ 233.
(٥) "معاني الزجاج" 2/ 367، وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 225.
(٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 222 بلا نسبة، ونقل ابن الجوزي 3/ 246 عن ابن عباس أنه قال: (أرض مصر) اهـ.
(٧) لفظ: (لا) ساقط من (ب).
(٨) "معاني الزجاج" 2/ 367.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ ﴾ الآية: وعيد من فرعون للسحرة، وليس في القرآن أنه أنفذ ذلك، لكن روى أنه أنفذه عن ابن عباس وغيره، وقد ذكر معنى من خلاف في العقود [المائدة: 36] ﴿ قالوا إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ أي لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى ربنا ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا ﴾ أي ما تعيب منا إلا إيماننا ﴿ لِيُفْسِدُواْ فِي الأرض ﴾ أي يخربوا ملك فرعون وقومه ويخالفوا دينه ﴿ وَيَذَرَكَ ﴾ معطوف على ليفسدوا، أو منصوب بإضمار أن بعد الواو ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ قيل: إن فرعون كان قد جعل للناس أصناماً يعبدونها، وجعل نفسه الإله الأكبر فلذلك قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [النازعات: 24]، فآلهتك على هذا هي تلك الأصنام، وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وآلهتك: أي عبادتك والتذلل لك ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ ﴾ تعليل للصبر ولذا أمرهم به يعني أرض الدنيا هنا وفي قوله: ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرض ﴾ وقيل: يعني أرض فرعون، فأشار لهم موسى أولاً بالنصر في قوله: ﴿ إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، ثم صرح في قوله: ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ الآية ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ حض على الاستقامة والطاعة.
بالسنين: أي الجدب والقحط.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سنقتل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو جعفر ونافع ﴿ يورّثها ﴾ بالتشديد: الخزاز عن هبيرة ﴿ كلمات ربك ﴾ على الجمع: يزيد في رواية ﴿ يعرشون ﴾ بضم الراء حيث كان: ابن عامر وأبو بكر وحماد: الباقون: بالكسر ﴿ يعكفون ﴾ بكسر الكاف: حمزة وخلف.
الباقون: بالضم ﴿ أنجاكم ﴾ ابن عامر.
الآخرون ﴿ أنجيناكم ﴾ على الحكاية ﴿ يقتلون ﴾ بالتخفيف: نافع.
الوقوف: ﴿ وآلهتك ﴾ ط ﴿ نساءهم ﴾ ج للابتداء والعطف واتحاد القائل ﴿ قاهرون ﴾ ه و ﴿ اصبروا ﴾ ج لما قلنا ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ ما جئتنا ﴾ ط ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ يذكرون ﴾ ه ﴿ لنا هذه ﴾ ج لبيان تباين الإضافتين على التناقض ﴿ ومن معه ﴾ ج ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ بها مؤمنين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ بما عهد عندك ﴾ ج لأن جواب "لئن" منتظر مع اتحاد القائل ﴿ بني إسرائيل ﴾ ج لأن جواب "لما" منتظر مع دخول الفاء فيه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ باركنا فيها ﴾ ط للعدول عن الحكاية وكذلك ﴿ بما صبروا ﴾ ط لعكسه.
﴿ يعرشون ﴾ ه ﴿ يعكفون ﴾ ه ﴿ أصنام لهم ﴾ ج لاتحاد القائل بلا عطف ﴿ آلهة ﴾ ط ﴿ تجهلون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ سوء العذاب ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ نساءكم ﴾ ط ﴿ عظيم ﴾ ه والله أعلم.
التفسير: ثم أن فرعون بعد وقوع هذه الواقعة لم يتعرض لموسى ولا أخذه ولا حبسه لأنه كان كلما يرى موسى يخافه أشدّ الخوف إلا أن قومه لم يعرفوا ذلك فحملوه على أخذه وحبسه فقالوا ﴿ أنذر موسى ﴾ أتتركه ﴿ وقومه ليفسدوا في الأرض ﴾ أي يغيروا على الناس دينهم الذي كانوا عليه فيتوسلوا بذلك إلى أخذ الملك.
وقوله ﴿ ويذرك ﴾ عطف على ﴿ ليفسدوا ﴾ ، وقوله ﴿ وآلهتك ﴾ مفعول معه.
والمراد أنه إذا تكرهم ولم يمنعهم كان ذلك مؤدياً إلى تركه مع آلهته فقط، ويحتمل أن يكون منصوباً على أنه جواب الاستفهام والمعنى: أيكون منك أن تذر موسى ويكون من موسى أن يذرك وآلهتك.
قال كثير من المفسرين: إن فرعون كان قد وضع لقومه أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتهم وسمى نفسه الرب الأعلى.
وقال الحسن: كان فرعون يعبد الأصنام ووجه بأنه لعله كان اتخذ أصناماً على صور الكواكب على أن الكواكب مدبرات العالم السفلي.
وأما المجدي في هذا العالم للخلق المربي لهم فهو نفسه ولذلك قال أنا ربكم الأعلى أي أنا مربيكم والمنعم عليكم والمطعم لكم، وكل ذلك بناء على أنه كان دهرياً ينكر وجود الصانع.
ثمإن فرعون أوهم قومه أنه إنما لم يحبسه ولم يمنعه لعدم التفاته إليه لا للخوف منه فقال ﴿ سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ﴾ فكأنه قال: إن موسى إنما يمكنه الإفساد بواسطة الرهط والشيعة فنحن نسعى في تقليل رهطه وشيعته ﴿ وإنا فوقهم قاهرون ﴾ أي سنعيد عليهم ما كنا محناهم به قبل من قتل الأبناء ليعلموا أما على ما كنا عليه من الغلبة، ولئلا يتوهم العامة أنه المولود الموعود من قبل الكهنة ولكنه منتظر بعده ﴿ قال موسى ﴾ لما وصله ما جرى بين فرعون وملته ﴿ لقومه استعينوا بالله واصبروا ﴾ ولا ريب أن الصبر نتيجة الاستعانة بالله فإن من علم أنه لا مدبر للعالم إلا الله انشرح قلبه بنور المعرفة وعلم أن الكل بقضاء الله وقدره فيسهل عليه ما يصل إليه، ثم لما أمرهم بشيئين بشرهم بآخرين فقال ﴿ إن الأرض ﴾ يعني أرض مصر أو جنس الأرض فيتناول مصر بالتبعية ﴿ لله يورثها من يشاء من عباده ﴾ ويعني بالتوريث جعل الشيء للخلف بعد السلف ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ والخاتمة الحميدة لمن هو بصدد التقوى منكم ومن القبط.
وهذا من كلام المنصف وإلا فمعلوم أن القبط لا تقوى لهم، أو المراد أن كل من اتقى الله وخافه فالله الغني الكريم يعينه في الدنيا والآخرة.
ثم إنهم خافوا وفزعوا من تهديد فرعون فشكوا إلى موسى مستعجلين النصر و ﴿ قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ﴾ يعنون قتل أبنائهم قبل مولده إلى حين نبوته ثم إعادة ذلك عليهم في قوله ﴿ سنقتل ﴾ إلى غير ذلك من أنواع المحن والمهن.
فعند ذلك قال لهم موسى مصرحاً بما رمز إليهم من البشارة قبل ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض ﴾ أرض مصر ولا ريب أن في ﴿ عسى ﴾ طمعاً وإشفاقاً ومثل هذا الكلام إذا صدر عن النبي المؤيد بالمعجزات القاهرة الناظر بنور الحق أفاد قوة اليقين وأزال ما خامره من الضعف.
ثم قال ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ قال الزجاج: أي يرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبحه شكره وكفره لوقوع ذلك منكم لأن الله لا يجازيهم على ما يعلمه منهم قديماً وإنما يجازيهم على ما يقع منهم حديثاً فتتعلق الرؤية الأزلية به.
عن عمرو بن عبيد أنه دخل على المنصور قبل الخلافة.
وعلى مائدته رغيف أو رغيفان.
فطلب زيادة لعمرو فلم يكن فقرأ عمرو هذه الآية.
ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال قد بقي ﴿ فينظر كيف تعملون ﴾ .
و ﴿ وكيف ﴾ نصب بـ ﴿ تعملون ﴾ لا بـ ﴿ ينظر ﴾ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما يتقدمه.
ثم حكى ما نزل بفرعون وآله من المحن والبلايا بشؤم التكذيب والتمرد فقال ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ﴾ أي بسني القحط.
فالسنة من الأسماء الغالبة غلبت على القحط كالدابة والنجم، وقد يراد بها في غير هذا الموضع الحول والعام.
قال أبو زيد والفراء: بعض العرب يقول هذه سنين ورأيت سنيناً فيعرب النون ومنه قول الشاعر: دعاني من نجد فإن سنينه *** لعبن بنا شيباً وشيبننا مرداً.
والسنون من الجموع المصححة الشاذة.
عن ابن عباس: السنون لأهل البوادي وأصحاب المواشي ﴿ ونقص من الثمرات ﴾ لأهل الأمصار.
وفائدة توسيط من أن يعلم أن كل الثمرات لم تنقص وإنما نقص بعضها ﴿ لعلهم يذكرون ﴾ فيتنبهوا ويرجعوا إلى الانقيادوالطاعة فإن مس الضر مما يلين الأعطاف ويرق القلوب.
قيل: عاش فرعون أربعمائة سنة لم ير مكروهاً في ثلثمائة وعشرين سنة وأصابه في تلك المدة وجع أو جوع أو حمى لما ادعى الربوبية.
قال القاضي: في الآية دلالة على أنه أراد منهم أن يتذكروا لا أن يقيموا على ما هم عليه من الكفر.
وأجيب بأنه يعاملهم معاملة المختبر ولا اختبار في الحقيقة ولا يرعوي عن الكفر والطغيان إلا من شاء وأراد ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ فلهذا حكى عن فرعون وقومه ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة ﴾ قال ابن عباس: أي العشب والخصب والمواشي والثمار وسعة الرزق والعافية والسلامة ﴿ قالوا لنا هذه ﴾ أي نحن مخصوصون بذلك ولم نزل في الرفاهية والنعمة وهكذا عادة الزمان فينا ولم يعلموا أنها من الله فيشكروه عليها ويقوموا بحق نعمته ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ أضداد ما ذكرنا ﴿ يطيروا ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه.
وأصله يتطيروا فأدغم التاء في الطاء لقرب مخرجهما وإنما عرفت الحسنة وخصت بـ ﴿ إذا ﴾ ونكرت السيئة وقرنت بـ ﴿ أن ﴾ لأن جنس الحسنة وقوعه كالواجب لكثرته وشموله وأما السيئة فوقوعها نادر مشكوك فيه ولهذا قيل لقد عددت أيام البلاء فهل عددت أيام الرخاء؟
﴿ ألا إنما طائرهم عند الله ﴾ قال الأزهري: يقال للشؤم طائر وطيرة.
وعن ابن عباس: طائرهم ما قضى عليهم وقدر لهم ومنه قول العرب طار له سهم كذا أي حصل ووقع ذلك في حظه.
وكان النبي يتفاءل ولا يتطير لأن الفأل الكلمة الحسنة والتطير عيافة الطير.
قال الإمام فخر الدين الرازي: وذلك لأن الأرواح الإنسانية أقوى وأصفى من الأرواح البهيمية فيمكن الاستدلال بالأول على بعض الخفيات بخلاف الثاني.
ومعنى الآية أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله وبتقديره ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن الكل رهين بمشيئته وتقديره فيقولون هذا بيمن فلان أو بشؤمه.
وقد تشاءمت اليهود بالنبي وآله في المدينة فقالوا: غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا.
قال في الكشاف: ويجوز أن يكون معناه ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله ويعاقبون له بعد موتهم، وكما حكى عنهم أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله وقدره كذلك حكى عنهم أنهم لجهلهم وسفههم لم يميزوا بين المعجزات والسحر قالوا لنبيهم ﴿ مهما تأتنا به ﴾ الآية وفي "مهما" قولان: فعن البصريين أن أصلها ما الشرطية زيدت عليها "ما" المؤكدة إلابهاميه ثم كرهوا التكرار فجعلوا الألف من الأولى هاء.
وعن الكسائي أن "مه" بمعنى "أكفف" و "ما" للشرط كأنه قيل: كف ما تأتنا به.
ومحل "مهما" الرفع بمعنى أيما شيء تأتنا به أو النصب بمعنى أي شيء تحضرنا تأتنا به.
﴿ ومن آية ﴾ بيان لمهما والضمير في "به" وكذا في "بها" يعود إلى "مهما" لأن البيان كالزيادة فلا يعود إليه شيء ما أمكن العود إلى المبين إلا أن الضمير ذكّر تارة حملاً على اللفظ وأنّث أخرى حملاً على المعنى.
وسموها آية تهكماً إذ لو قالوا ذلك اعتقاداً لم يردفوها بقولهم ﴿ لتسحرنا بها ﴾ وبقولهم ﴿ فما نحن لك بمؤمنين ﴾ قال ابن عباس: إن القوم لما قالوا ما قالوا وكان موسى رجلاً حديداً دعا عليهم فأرسل الله عليهم الطوفان.
قيل: هو الجدري وهو أوّل عذاب وقع فيهم فبقي في الأرض.
وقيل: هو الموتان.
وقيل: الطاعون.
والأصح أنه المطر وأصله ما طاف وغلب من مطر أو سيل، أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك.
فدعا فرفع عنهم فما آمنوا فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله وزعموا أن هذا الذي جزعوا منه هو خير لهم ولم يشعروا به فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب والسقوف والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة فأرسل الله ريحاً فاحتملت الجراد فألقته في البحر.
وقيل: خرج موسى إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها فقالوا: ما نحن بتاركي ديننا.
فأقاموا شهراً فسلط الله عليهم القمل وهو الحمنان كبار القردان.
وعن أبي عبيدة وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها.
وقيل: البراغيث.
وقرأ الحسن العمل بعم وسكون الميم يريد القمل المعروف.
وعن سعيد بن جبير هو السوس فأكل كل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه وكان يأكل أحدهم طعاماً ممتلئاً قملاً.
وعن سعيد بن جبير كان إلىجنبهم كثيب أعفر فضربه بعصاه فصار قملاً فأخذ في أبشارهم وأشعارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري فصاحوا وصرخوا وفزعوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود فرفع عنهم فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، وعزة فرعون لا نصدقك أبداً.
فأرسل الله عليهم الضفادع بعد شهر فدخلت بيوتهم وامتلأت منها آنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم إذا أراد أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فيه وكان يمتلىء منها مضاجعهم فلا يقدرون على الرقاد، وكانت تقذف بأنفسها في القدور وهي تغلي.
فشكوا إلى موسى فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم، ثم نقضوا العهد فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياههم دماً، وكان يجتمع القبطي والإسرائيلي على إناء واحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً.
وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك وكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحاً أجاجاً.
وقيل: الدم الرعاف سلطه الله عليهم.
وقوله ﴿ آيات مفصلات ﴾ نصب على الحال من المذكورات ومعناها ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها معجزات أو فصل بين بعضها وبعض بزمان يمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بالعهد أم ينكثون كما روي أن موسى مكث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات.
ولا شك أن كل واحدة من هذه معجزة في نفسها واختصاصها بالقبطي دون الإسرائيلي معجزة أخرى ﴿ واستكبروا ﴾ عن العبادة والطاعة ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ مصرين على الذنب والجرم.
ثم فصل استكبارهم وإجرامهم فقال ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ أي الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب.
وعن سعيد بن جبير أنه الطاعون وهو العذاب السادس الذي كان أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد فتركوا غير مدفونين ﴿ قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك وهو النبوة فـ ﴿ ما ﴾ مصدرية والباء يتعلق بـ ﴿ ادع ﴾ تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم أي ادع الله لنا متوسلاً إليه بعهده عندك.
أو تعلق المقسم عليه بالفعل فتكون باء الاستعطاف أي أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد وكرامته بالنبوة.
ووجه آخر وهو أن يكون قسماً مجاباً بـ ﴿ لنؤمنن ﴾ فيكون متعلقاً بالأقسام أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل أي نخيلهم وشأنهم فتذهب بهم حيث شئت ﴿ فلما كشفنا عنهم ﴾ العذاب لا مطلقاً ولا في جميع الوقائع بل ﴿ إلى أجل هم بالغوه ﴾ لا محالة ومعذبون فيه ﴿ إذا هم ينكثون ﴾ جواب "لما" أي لما كشفنا عنهم فاجأوا النكث وبادروه فانتقمنا منهم سلبنا النعمة عنهم بالعذاب ﴿ فأغرقناهم في اليم ﴾ وهو البحر الذي لا يدرك قعره.
وقيل: هو لجة البحر ومعظم مائة سمي باليم لأن المنتفعين به يتيممونه أن يقصدونه ﴿ بأنهم كذبوا بآياتنا ﴾ أي كان إغراقهم بسبب التكذيب ﴿ و ﴾ بأنهم ﴿ كانوا عنها ﴾ أي عن الآيات وقيل عن النقمة بدلالة انتقمنا أي وكانوا عن النقمة قبل حلولها ﴿ غافلين ﴾ أي معرضين غير متفكرين فإن نفس الغفلة ليس باختيار الإنسان حتى يترتب الوعيد عليها.
ثم بين ما فعله بالمحقين بعد إهلاك المبطلين فقال ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ بقتل الأبناء واستحياء النساء والاستخدام في الأعمال الشاقة ﴿ مشارق الأرض ومغاربها ﴾ يعني أرض مصر والشام لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون.
وقوله ﴿ التي باركنا فيها ﴾ أي بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام.
وقيل: المراد جملة الأرض لأنه خرج من بني إسرائيل من ملك جملتها كداود وسليمان ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى ﴾ تأنيث الأحسن صفة للكلمة.
قيل: يريد بالكلمة قوله في سورة القصص ﴿ ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ﴾ إلى تمام الآيتين.
ومعى ﴿ تمت ﴾ مضت واستمرت من قولك تم على الأمر إذا مضى عليه.
وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوّهم واستخلافهم في الأرض، لأن الوعد بالشيء جعله كالمعلق فإذا حصل الموعود صار تاماً كاملاً ﴿ بما صبروا ﴾ أي بسبب صبرهم.
وفيه أن الصبر عنوان الظفر وضمين بالنصر والفرج ﴿ ودمرنا ﴾ أي أهلكنا والدمار والهلاك ﴿ ما كان يصنع فرعون وقومه ﴾ قال ابن عباس: يريد المصانع.
وقال غيره: يعني العمارات وبناء القصور.
ولعله على العموم فيتناول المعاني والأعيان وما كانوا يعرشون من الجنات كقوله ﴿ هو الذي أنشأ جنات معروشات ﴾ وقيل: وما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء كصرح هامان وغيره، وههنا تمت قصة فرعون والقبط.
ثم ذكر ما جرى على بني إسرائيل بعد ذلك فقال ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ روي أنه عبر بهم موسى يوم عاشوراء بعد ما أهلك الله فرعون وقومه فصاموه شكراً لله ﴿ فأتوا على قوم ﴾ أي فمروا بقوم ﴿ يعكفون ﴾ يواظبون ﴿ على ﴾ عبادة ﴿ أصنام لهم ﴾ قال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل شأن العجل.
وقيل: كانوا قوماً من لخم نزلوا بالرقة عن قتادة وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم ﴿ قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ﴾ ما كافة للكاف عن العمل ولهذا دخلت على الجملة.
وكأنهم طلبوا من موسى أن يعين لهم أصناماً وتماثيل يتقربون بعباداتها إلى الله كقول الكفرة ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ فتوجه الذم عليهم لأن العبادة نهاية التعظيم سواء اعتقد في المعبود أنه إله واعتقد أنه مقرب من الله، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام وكأن هذا القول لم يصدر من مشاهير بني إسرائيل وعظمائهم كالسبعين المختارين، ولكنه صدر عن عوامهم وجهلتهم ولهذا ﴿ قال ﴾ لهم موسى ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ تعجب من قولهم على أثر ما رأوا من الآيات العظمى فوصفهم بالجهل المطلق المؤكد.
وعن علي أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، فقال علي: اختلفنا عنه لا فيه.
ثم قال: قلتم اجعل لنا إلهاً ولما تجف أقدامكم ﴿ إن هؤلاء ﴾ يعني عبدة تلك التماثيل ﴿ متبر ﴾ أي مكسر مهلك ﴿ ما هم فيه ﴾ من قولهم إنا متبر إذا كان فضاضاً والتبار الهلاك.
﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ أي يتبر الله أصنامهم ويهدم دينهم الذي هم عليه على يدي فيصير إلى الزوال والاضمحلال.
وفي إيقاع ﴿ هؤلاء ﴾ اسماً لـ ﴿ أن ﴾ وفي تقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لأن إشارة إلى أن عبدة الأصنام ليسوا على شيء ألبتة وأن مصيرهم إلى النار لا محالة.
﴿ قال أغير الله أبغيكم إلهاً ﴾ انتصب "غير" على الحال المقدمة التي لو تأخرت كانت صفة كما تقول: أبغيكم ألهاً غير الله.
وانتصب ﴿ إلهاً ﴾ على المفعول به.
قال الواحدي: يقال بغيت فلاناً شيئاً وبغيته له قال ﴿ يبغونكم الفتنة ﴾ والمعنى أغير المستحق للعبادة أطلب معبوداً ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ خصكم بالنعم الجسام دون أبناء زمانكم.
ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب مما اقترحوه مع كونهم مغمورين في نعم الله، فإن الإله ليس شيئاً يطلب ويجعل بل الإله هو الموجود بنفسه القادر على الإيجاد والإعدام والإكرام والإنعام.
والآية الباقية قد مر تفسيرها في البقرة، والفائدة في إعادتها ههنا التعجب والتعجيب ممن اشتغل بعبادة غير هذا المنعم.
وإنما قيل ههنا ﴿ تقتلون ﴾ دون ﴿ يذبحون ﴾ لتناسب قوله ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ والله أعلم.
التأويل: ﴿ وقال الملأ من قوم فرعون ﴾ من الهوى والغضب والكبر لفرعون النفس ﴿ أتذر موسى ﴾ الروح ﴿ وقومه ﴾ من القلب والسر والعقل ﴿ ليفسدوا ﴾ في أرض البشرية ﴿ ويذرك وآلهتك ﴾ من الدنيا والشيطان والطبع ﴿ قال ﴾ فرعون النفس ﴿ سنقتل أبناءهم ﴾ يعني أعمالهم الصالحة نبطلها بالرياء والعجب ﴿ ونستحيي نساءهم ﴾ أي الصفات التي عنها يتولد الأعمال ﴿ وأنا فوقهم قاهرون ﴾ بالمكر والخديعة والحيلة ﴿ قال موسى ﴾ الروح ﴿ لقومه ﴾ هم القلب والعقل والسر ﴿ استعينوا بالله واصبروا ﴾ على جهاد النفس ومخالفتها ومتابعة الحق ﴿ إن الأرض لله ﴾ أي أرض البشرية ﴿ يورثها من يشاء من عباده ﴾ يورث أرض بشرية السعداء الروح وصفاته فتتصف بصفاته، ويورث أرض بشرية الأشقياء النفس وصفاتها فتتصف بصفاتها ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ يعني عاقبة الخير والسعادة للأتقياء السعداء بصفاتها.
﴿ أوذينا من قبل أن تأتينا ﴾ بالواردات الروحانية قبل البلوغ، كنا نتأذى من أوصاف البشرية ومعاملاتها ﴿ ن بعد ما جئتنا ﴾ بالواردات والإلهامات الروحانية بعد البلوغ نتأذى من دواعي البشرية ﴿ عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ﴾ النفس وصفاتها وفيه إشارة إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بد في ذلك من تجلي صفات الربوبية ﴿ إذا جاءتهم الحسنة ﴾ الكفور لا يرى فضل المنعم.
وكذا الملول إذا أراد قطيعة *** مل الوصال وقال كان وكانا.
﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ لأن بصائرهم مسدودة وعقولهم عن شهود الحق مصدودة ﴿ فأرسلنا عليهم الطوفان ﴾ العلم الكثير ﴿ والجراد ﴾ الواردات ﴿ والقمل ﴾ الإلهامات ﴿ والضفادع ﴾ الخواطر ﴿ والدم ﴾ أصناف المجاهدات والرياضيات ﴿ مفصلات ﴾ وقتاً بعد وقت وحيناً غب حين ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها والعمل بها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ في الأزل، فلهذا لم تفدهم الوسائط والأسباب ﴿ ولما وقع عليهم الرجز ﴾ وهو عذاب القطيعة ﴿ فأغرقناهم ﴾ في يم الدنيا وشهواتها ﴿ وما كانوا يعرشون ﴾ أي يرفعون بالتجبر والتكبر أنفسهم.
يقال عرش الطائر إذا ارتفع بجناحيه على من تحته ﴿ وجاوزنا ﴾ بصفات القلب من بحر الدنيا وخلصناهم من فرعون النفس فوصلوا إلى صفات الروح.
﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ من المعاني المعقولة والمعارف الروحانية فاستحسنوها وأرادوا العكوف على عتبة عالم الأرواح ﴿ قال لهم موسى ﴾ الوارد الرباني عند ركونهم إلى الروحانيات ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ يعني صفات الروح ﴿ متبر ما هم فيه ﴾ من الركون والعكوف على استحلاء المعاني المعقولة ﴿ وباطل ما كانوا يعملون ﴾ في غير طلب الحق والوصول إلى المعارف الرباينة ﴿ وهو فضلكم على العالمين ﴾ من الحيوان والجن والملك بفضيلة العبور من الجسمانيات والروحانيات إلى الوصول إلى المعارف والحقائق الإلهية.
قوله: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ ﴾ .
هذا يدلّ على أن الإيمان هو التصديق لا غير؛ لأنه لما قال السحرة ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ قال لهم فرعون: ﴿ آمَنتُمْ بِهِ ﴾ وهم لم يأتوا بسوى التصديق، دلّ على أن الإيمان هو التصديق الفرد لا غير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا ﴾ هذا من فرعون نوع من التمويه على قومه كما قلنا في الابتداء ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴾ هو حرف التمويه والتلبيس على قومه فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ هو تمويه منه وتلبيس على قومه، لئلا يؤمنوا كما آمن السحرة برب موسى.
وقوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ ﴾ .
أي: شيء صنعتموه فيما بينكم وبين موسى، وهو كما قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ ﴾ .
هذا لجهله بأشدّ العقوبة والنكال، وإلا لم يوعدهم بقطع الأيدي والأرجل من خلاف؛ إذ ذلك أيسر وأقل في العقوبة من [القطع من] جانب، والقطع من جانب أشدّ وأنكل من القطع من خلاف؛ إذ القطع من خلاف لا يمنع القيام ببعض المنافع، ولا يعمل في إتلاف النفس؛ إذ جعل ذلك حدّاً في بعض العقوبات، ولم يجعل القطع من جانب عقوبة بحال، فدل أنه أشد وأنكل، ويعمل في إهلاك النفس، والقطع من خلاف لا يعمل، دلّ أنه لجهله ما قال.
أو أن اختار القطع من خلاف ليكون مؤنة الصلب عليهم لا عليه؛ لأن المقطوع من خلاف قد يمكن له الصعود على الخشبة، والثاني: لا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ﴾ .
وقال في موضع آخر ﴿ لاَ ضَيْرَ ﴾ ، هذا - والله أعلم - يخرج على وجهين: [أحدهما]: على الإقرار منهم بالبعث، والإيمان به.
والثاني: وعيد منهم لفرعون [لعنه الله]؛ حيث أوعدهم بقطع الأيدي والأرجل والصلب وغير ذلك من العقوبات، فقالوا: إنا وأنت إلى ربنا منقلبون، فتجزى وتعاقب جزاء صنيعك بنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: قوله: ﴿ وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ ﴾ أي: وما تعيب علينا، وتطعن إلا بما كان منا من الإيمان بآيات ربنا لما جاءتنا، وهو ما جاءهم من الآيات.
وقيل: وما تعاقبنا وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا، وكان الحق عليك - [وعلينا] - أن تؤمن بها كما آمنا نحن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ .
قوله: ﴿ أَفْرِغْ ﴾ .
قيل: أنزل علينا صبراً.
وقيل: أتمم لنا صبراً.
وقيل: اصبب علينا صبراً، وهو كله واحد.
ثم يحتمل سؤالهم الصبر لما لعله إذا فعل بهم بما أوعد من العقوبات لم يقدروا على التصبر، [على ذلك] فيتركون الإيمان؛ لذلك سألوا ربهم الصبر على ذلك ليثبتوا على الإيمان به.
﴿ وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴾ .
سألوا ربهم - أيضاً - التوفي على الإسلام، وهكذا كان دعاء الأنبياء، كما قال يوسف: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً...
﴾ الآية.
[وكذلك أوصى إبراهيم] بنيه؛ حيث قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ، وهكذا الواجب على كل مسلم ومؤمن أن يتضرع إلى الله في كل وقت، ويبتهل إليه في كل ساعة؛ لئلا يسلب الإيمان لكسب يكتسبه؛ إذ الأنبياء والرسل - عليهم السلام - مع عصمتهم كانوا يخافون ذلك ليعلم أن العصمة لا تسقط الخوف، ولا تؤمن [عن] الزلات.
وقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ﴾ دلالة على أنهم علموا أنهم إذا أفرغ عليهم الصبر صبروا؛ إذ لو لم يعلموا ذلك لم يكن لسؤالهم الصبر معنى، فهذا على المعتزلة في قولهم: إنه يفرغ ولا يصبرون، وإنه قد أعطاهم غاية ما يصلح في الدين، فدلّ سؤالهم ذلك على أنه لم يعطهم، وأن عنده مزيداً لو أعطى لهم ذلك كان.
﴿ وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وقوله: [لتفسدوا في الأرض].
قال بعضهم: في إخراجكم من أرض مصر وإفسادهم العيش عليكم، أو ما ذكروا من ترك عبادة فرعون وخدمته.
﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ وقد قرئ: بآلهتك فمن قرأه: ﴿ وَآلِهَتَكَ ﴾ حمله على العبادة، أي: يذرك وعبادتك، ومن قرأه بآلهتك، وهو قول ابن عباس ومجاهد، قالوا: إن فرعون [لعنه الله] قد كان جعل لقومه آلهة يعبدونها؛ ليتقربوا بعبادتهم تلك الأصنام إلى فرعون، على ما كان يعبد أهل الشرك الأصنام دون الله، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ [فقالوا]: ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ التي جعلت لهم.
وقال آخرون: إن فرعون كان يعبد الأصنام والأوثان على ما عبد غيره.
وقال غيرهم: لا يحتمل أن يكون هو [عبد] الأصنام، ولكن [جعل] لقومه الأصنام على ما ذكرنا.
ألا ترى أنه قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ ثم قال [اللعين]: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ ﴾ يعني: رجالهم، ﴿ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ ؛ لأنه لا يحتمل قتل الأبناء، ولم يكن منهم إليه صنع إنما كان ذلك من الرجال.
وقال بعضهم: قد كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام [الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكك، ويغير دين أهل الأرض، فلم يزل يقتلهم في ذلك العام [الذي قيل له: إنه يولد مولود يذهب بملكه] ويترك البنات، فذلك قوله: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَآءَهُمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ قيل: مسلطون عليهم.
فإن قيل لنا: ما الحكمة في ذكر هذه القصص والأنباء السالفة في القرآن؟
قيل: لوجوه - والله أعلم -: [أحدها:] أن فيها دليل إثبات رسالة محمد ونبوته؛ لأن هذه القصص والأنباء كانت في كتبهم [ثابتة] مبينة، وقد علموا أن لسانه كان على غير ما كانت كتبهم، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد ممن يعرف ذلك؛ ليتعلم منه، ولا سمع عن أحد منهم ثم أنبأهم على ما كانت، دل أنه إنما عرف ذلك بمن يعلم علم الغيب.
والثاني: أن البشر جبلوا على حبّ السماع للأخبار والأحاديث، وحبب ذلك في قلوبهم حتى إن واحداً منهم يولد أحاديث وينشئها من ذات نفسه لأن يستمعوا في ذلك إليه ويسمعوا منه، فذكر لهم هذه الأنباء والقصص ليكون استماعهم إليها وسماعهم لها، وذلك أحسن وأوفق إذ أخبر أن ذلك أحسن القصص؛ بقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ﴾ .
والثالث: ذكر لهم هذا ليعلموا ما حل بهم في العاقبة من الهلاك والاستئصال، وأنواع العذاب لفسادهم وتكذيبهم الرسل، وما عاقبة المفسد منهم والمصلح؛ ليكون ذلك زجراً لهم عن صنيع مثلهم.
والرابع: ذكر ذلك ليعرفوا كيف كانت معاملة الأنبياء والرسل أعداءهم، ومعاملة الأعداء الرسل ليعاملوا أعداءهم مثل معاملتهم.
والخامس: أنهم كانوا ينكرون أن يكون من البشر رسولٌ، فأخبر أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا كلهم من البشر.
والسادس: أنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان، ويقولون: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ، فأخبر أن كان في آبائهم السعداء، وهم الأنبياء والأشقياء، فكيف اقتديتم أنتم بالأشقياء منهم؟:!
وهلا اتبعتم السعداء دون الأشقياء!
والسابع: فيها أن كيف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عرفنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن يأمر به، ومن ينهي عنه.
وأيضاً إن فيه ذكر الصالحين منهم بعدما ماتوا وانقرضوا فكانوا بالذكر كالأحياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ ﴾ : على أداء طاعته، وبما يتقربون إلى الله ويكون لهم زلفى لديه.
أو أن يقول لهم: استعينوا بالله بالنصر لكم والظفر، واصبروا على أذاهم والبلاء.
﴿ إِنَّ ٱلأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .
يحتمل هذا وجهين: [يحتمل] أن يخرج ذلك من موسى مخرج الوعد لهم بالنصر والظفر على الأعداء، وجعل الأرض لهم من بعد إهلاك العدو، وهو كما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ ﴾ الآية.
ويحتمل أن يخرج ذلك منه مخرج التصبر على الرضاء بقضاء الله - - أن الأرض له يصيرها لمن يشاء، فاصبروا أنتم على البلاء، وارضوا بقضائه.
﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ .
قال الحسن: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ ﴾ ، أي: الآخرة للمتقين خاصّة، وأمّا الدّنيا فإنها بالشركة بين أهل الكفر وأهل الإسلام، يكون لهؤلاء ما لأولئك، وأمّا الآخرة فليست للكفار إنما هي [للمؤمنين] خاصّة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...
﴾ الآية، فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقال غيره: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي عاقبة الأمر بالنصر، والظفر للمتقين على أعدائهم، وإن كان في الدفعة الأولى عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أن يخرج مخرج استبطاء النصر والظفر لهم، كأنهم استبطئوا النصر وإهلاك العدو والظفر عليهم، فقال لهم موسى عند ذلك: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
والثاني: أن يخرج ذلك منهم مخرج الاعتذار لموسى لما خطر ببال موسى أنهم يقولون: إن ما أصابهم من البلايا والشدائد إنما كان لسببه ولمكانه، فقالوا ذلك له اعتذاراً منهم له أن قد أصابنا ذلك نحن من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا؛ لئلا يوهم أنهم يقولون ذلك أو يخطر بباله ذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكونوا قالوا ذلك على التعيير له والتوبيخ، يقولون: لم يزل يصيبنا من الأذى لسببك ولأجلك من قبل أن تأتينا من الاستخدام، ومن بعد ما جئتنا من أنواع الضرر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ والعسى من الله واجب، فوعدهم إهلاك العدو واستخلافهم في الأرض.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ أُوذِينَا ﴾ : في سببك ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا ﴾ بالرسالة، يعنون بالأذى: قتل الأبناء واستخدام النساء، ﴿ وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ﴾ بالرسالة: من الشدائد التي أصابتهم من بعد، لكن الأول أقرب وأشبه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ .
يحتمل هذا - أيضاً - وجهين: أحدهما: أن يجعل لكم الأرض، ويوسع عليكم الرزق يمتحنكم في ذلك ويبتليكم، لا أنه يجعل لكم ذلك على غير امتحان تعملون ما شئتم في ذلك.
والثاني: يمتحنكم بالشدائد والبلايا؛ لينظر كيف تصبرون على ذلك.
ويحتمل وجهاً آخر وهو: أن يقول لهم: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض، فينظر كيف تشكرون ربكم فيما أنعم عليكم.
وقوله: ﴿ فَيَنظُرَ ﴾ كيف الواقع لكم من [الجزاء والثواب].
وقوله: ﴿ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱسْتَعِينُوا بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوۤاْ ﴾ : أمرهم - والله أعلم - بطلب المعونة من الله على قضاء جميع حوائجهم ديناً ودنيا، ويحتمل أن يكون على طلب التوفيق لما أمر به، والعصمة عما حذَّرَ عنه، وكذلك الأمر البين في الخلق من طلب التوفيق والمعونة من الله، والعصمة عن المنهي عنه جرت به سنة الأخيار، وبالله المعونة.
ثم لا يصح ذلك على قول المعتزلة؛ لأن الدعاء بالمعونة على أداء ما كلف وقد أعطى؛ إذ على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شيء مما به أداء ما كلف عند الله، وطلب ما أعطى كتمان للعطية؛ وكتمان العطية كفران، فيصير كأن الله أمر بكفران نعمه وكتمانها وبطلبها منه تعنتاً، وظن مثله بالله كفر، ثم لا يخلو من أن يكون عند الله ما يطلب فلم يعط التمام إذاً، أو ليس عنده، فيكون طلبه استهزاء به؛ إذ من طلب إلى آخر ما يعلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف مع ما كان الذي يطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف، فيبطل قولهم لا يجوز أن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطي، أو ليس له ألا يعطي فكأنه قال: اللهم لا تجر ولا تظلم ومن هذا علمه بربه فالإسلام أولى به، فهذا مع ما لا يدعو الله أحد بالمعونة، وإلاَّ ويطمئن قلبه أنه لا يزلّ عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثله يملك الله عند المعتزلة، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قال قوم موسى من بني إسرائيل لموسى : يا موسى ابْتُلِينَا على يد فرعون بقتل أبنائنا واستبقاء نسائنا من قبل مجيئك إلينا ومن بعده، قال لهم موسى ناصحًا لهم، ومُبَشِّرًا بالفرج: لعل ربكم يهلك عدوكم فرعون وقومه، ويُمَكِّن لكم في الأرض من بعدهم، فينظر ما تعملون بعد ذلك من شكر أو كفر.
<div class="verse-tafsir" id="91.pDEJr"