الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٤٨ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 112 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل ، الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط ، الذي كانوا استعاروه منهم ، فشكل لهم منه عجلا ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ، عليه السلام ، فصار عجلا جسدا له خوار ، و " الخوار " صوت البقر .
وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى عليه السلام لميقات ربه تعالى ، وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور ، حيث يقول تعالى إخبارا عن نفسه الكريمة : ( ( 149 ) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري ) [ طه : 85 ] وقد اختلف المفسرون في هذا العجل : هل صار لحما ودما له خوار ؟
أو استمر على كونه من ذهب ، إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر ؟
على قولين ، والله أعلم .
ويقال : إنهم لما صوت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به ، ( فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ) [ طه : 88 ] فقال الله تعالى : ( أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) [ طه : 89 ] وقال في هذه الآية الكريمة : ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل ، وذهولهم عن خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه ، أن عبدوا معه عجلا جسدا له خوار لا يكلمهم ، ولا يرشدهم إلى خير .
ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال ، كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حبك الشيء يعمي ويصم "
القول في تأويل قوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: واتخذ بنو إسرائيل قومُ موسى، من بعد ما فارقهم موسى ماضيًا إلى ربه لمناجاته، ووفاءً للوعد الذي كان ربه وعده = " من حليهم عجلا ", وهو ولد البقرة, فعبدوه.
(30) ثم بين تعالى ذكره ما ذلك العجل فقال: " جسدًا له خوار "= و " الخوار ": صوت البقر = يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل.
وذلك أن الرب جلّ جلاله الذي له ملك السماوات والأرض، ومدبر ذلك, لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار, لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير.
وقال هؤلاء الذين قص الله قصَصهم لذلك: " هذا إلهنا وإله موسى ", فعكفوا عليه يعبدونه، جهلا منهم، وذهابًا عن الله وضلالا.
* * * وقد بينا سبب عبادتهم إياه، وكيف كان اتخاذ من اتخذ منهم العجل، فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
(31) * * * وفي " الحلي" لغتان: ضم " الحاء " وهو الأصل = وكسرها, وكذلك ذلك في كل ما شاكله من مثل " صلى " و " جثّي" و " عتّي"، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب, لاستفاضة القراءة بهما في القراءة, ولا تفاق معنييهما.
(32) * * * وقوله: " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا "، يقول: ألم ير الذين عكفوا على العجل الذي اتخذوه من حليهم يعبدونه، أن العجل لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟
يقول: ولا يرشدهم إلى طريق؟
(33) وليس ذلك من صفة ربهم الذي له العبادة حقًا, بل صفته أنه يكلم أنبياءه ورسله, ويرشد خلقه إلى سبيل الخير، وينهاهم عن سبيل المهالك والردى.
يقول الله جل ثناؤه: " اتخذوه "، أي: اتخذوا العجل إلهًا، وكانوا باتخاذهم إياه ربًّا معبودًا ظالمين لأنفسهم, لعبادتهم غير من له العبادة, وإضافتهم الألوهة إلى غير الذي له الألوهة.
* * * وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى بما أغنى عن إعادته.
(34) -------------------- الهوامش : (30) (1) مضى ذكر (( العجل )) فيما سلف 2 : 63 ، 72 ، 354 ، 357 / 9 : 356 ، ولم يفسره إلا في هذا الموضع .
(31) (2) انظر ما سلف 2 : 63 - 68 / ثم ص : 74 - 78 .
(32) (3) في المطبوعة : (( لا تفارق بين معنييهما )) ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد الكلام ومسخه .
والصواب ما في المخطوطة ، ولكنى زدت الواو ، لأنها حق الكلام .
(33) (1) انظر تفسير (( سبيل )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سبل ) .
(34) (2) انظر تفسير (( الظلم )) فيما سلف من فهارس اللغة ( ظلم ) .
قوله تعالى واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمينقوله تعالى واتخذ قوم موسى من بعده أي من بعد خروجه إلى الطور من حليهم هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة .
وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما ( من حليهم ) بكسر الحاء .
وقرأ يعقوب ( من حليهم ) بفتح الحاء والتخفيف .
قال النحاس : جمع حلي حلي وحلي ; مثل ثدي وثدي وثدي .
والأصل " حلوي " ثم أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء ، وتكسر الحاء لكسرة اللام .
وضمها على الأصل .عجلا مفعول جسدا نعت أو بدل له خوار رفع بالابتداء .
يقال : خار يخور خوارا إذا صاح .
وكذلك جأر يجأر جؤارا .
ويقال : خور يخور خورا إذا جبن وضعف .
وروي في قصص العجل : أن السامري ، واسمه موسى بن ظفر ، ينسب إلى قرية تدعى سامرة .
ولد عام قتل الأبناء ، وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل فعرفه لذلك ; فأخذ - حين عبر البحر على فرس وديق ليتقدم فرعون في البحر - قبضة من أثر حافر الفرس .
وهو معنى قوله : فقبضت قبضة من أثر الرسول .
وكان موسى وعد قومه ثلاثين يوما ، فلما أبطأ في العشر الزائد ومضت ثلاثون ليلة قال لبني إسرائيل وكان مطاعا فيهم : إن معكم حليا من حلي آل فرعون ، وكان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا لذلك اليوم ; فلما أخرجهم الله من مصر وغرق القبط بقي ذلك الحلي في أيديهم ، فقال لهم السامري : إنه حرام عليكم ، فهاتوا ما عندكم فنحرقه .
وقيل : هذا الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق ، وأن هارون قال لهم : إن الحلي غنيمة ، وهي لا تحل لكم ; فجمعها في حفرة حفرها فأخذها السامري .
[ ص: 256 ] وقيل : استعاروا الحلي ليلة أرادوا الخروج من مصر ، وأوهموا القبط أن لهم عرسا أو مجتمعا ، وكان السامري سمع قولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة .
وكانت تلك الآلهة على مثال البقر ; فصاغ لهم عجلا جسدا ، أي مصمتا ; غير أنهم كانوا يسمعون منه خوارا .
وقيل : قلبه الله لحما ودما .
وقيل : إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحلي صار عجلا له خوار ; فخار خورة واحدة ولم يثن ثم قال للقوم : هذا إلهكم وإله موسى فنسي .
يقول : نسيه ههنا وذهب يطلبه فضل عنه - فتعالوا نعبد هذا العجل .
فقال الله لموسى وهو يناجيه : فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري .
فقال موسى : يا رب ، هذا السامري أخرج لهم عجلا من حليهم ، فمن جعل له جسدا - يريد اللحم والدم - ومن جعل له خوارا ؟
فقال الله سبحانه : أنا ، فقال : وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك .
قال صدقت يا حكيم الحكماء .
وهو معنى قوله : إن هي إلا فتنتك .
وقال القفال : كان السامري احتال بأن جوف العجل ، وكان قابل به الريح ، حتى جاء من ذلك ما يحاكي الخوار ، وأوهمهم أن ذلك إنما صار كذلك لما طرح في الجسد من التراب الذي كان أخذه من تراب قوائم فرس جبريل .
وهذا كلام فيه تهافت ; قاله القشيري .ألم يروا أنه لا يكلمهم بين أن المعبود يجب أن يتصف بالكلام .
ولا يهديهم سبيلا أي طريقا إلى حجة .اتخذوه أي إلها وكانوا ظالمين أي لأنفسهم فيما فعلوا من اتخاذه .
وقيل : وصاروا ظالمين أي مشركين لجعلهم العجل إلها .
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار لَهُ خُوَارٌ وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.
وقال هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي موسى، وذهب يطلبه، وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم، كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات، بعجل من أنقص المخلوقات؟\" ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية، ما يوجب أن يكون إلها أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ أي: وعدم الكلام نقص عظيم، فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا أي: لا يدلهم طريقا دينيا، ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية، لأن من المتقرر في العقول والفطر، أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر من أبطل الباطل، وأسمج السفه، ولهذا قال: اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ حيث وضعوا العبادة في غير موضعها، وأشركوا باللّه ما لم ينـزل به سلطانا، وفيها دليل على أن من أنكر كلام اللّه، فقد أنكر خصائص إلهية اللّه تعالى، لأن اللّه ذكر أن عدم الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.
قوله - عز وجل - : ( واتخذ قوم موسى من بعده ) أي : بعد انطلاقه إلى الجبل ( من حليهم ) التي استعاروها من قوم فرعون .
قرأ حمزة والكسائي ( من حليهم ) بكسر الحاء وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام واتخذ السامري منها ( عجلا ) وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا ( جسدا ) حيا ولحما ودما ( له خوار ) وهو صوت البقر ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وقتادة ، وجماعة أهل التفسير .
وقيل : كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه ، كان يسمع منه صوت .
وقيل : كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج ، والأول أصح .
وقيل : إنه ما خار إلا مرة واحدة ، وقيل : كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رءوسهم .
وقال وهب : كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك .
وقال السدي : كان يخور ويمشي ( ألم يروا ) يعني : الذين عبدوا العجل ( أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) قال الله - عز وجل - : ( اتخذوه وكانوا ظالمين ) أي : اتخذوه إلها وكانوا كافرين .
«واتخذ قوم موسى من بعده» أي بعد ذهابه إلى المناجاة «من حُليِّهم» الذي استعاروه من قوم فرعون بعلَّة عرس فبقي عندهم «عجلا» صاغه لهم منه السامري «جسدا» بدل لحما ودما «له خُوارٌ» أي صوت يسمع، انقلب كذلك بوضع التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل في فمه فإن أثره الحياة فيما يوضع فيه، ومفعول اتخذ الثاني محذوف أي إلها «ألم يروا أنه لا يكلِّمهم ولا يهديهم سبيلا» فكيف يُتَّخذ إلها «اتخذوه» إلها «وكانوا ظالمين» باتخاذه.
واتخذ قوم موسى من بعد ما فارقهم ماضيًا لمناجاة ربه معبودًا مِن ذهبهم عِجلا جسدًا بلا روح، له صوت، ألم يعلموا أنه لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى خير؟
أَقْدَمُوا على ما أقدموا عليه من هذا الأمر الشنيع، وكانوا ظالمين لأنفسهم واضعين الشيء في غير موضعه.
واستمع معى إلى هذه الآيات التى قصت علينا ما حدث منهم بأسلوبها البليغ فقالت : ( واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ .
.
.
) .قوله تعالى : ( واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ) بيان لما صنعه بنو إسرائيل بعد فراق موسى - عليه السلام - لهم ، وذهابه لتلقى التوراة عن ربه .
مستخلفا عليهم أخاه هارون .والحلى - بضم الحاء والتشديد - جمع حلى - بفتح فسكون - كثدى وثدى - وهى اسم لما يتزين به من الذهب والفضة ، وهذه الحلى كان نساء بنى إسرائيل - قبيل خروجهن من مصر - قد استعرنها من نساء المصريين ، فلما أغرق الله - تعالى - فرعون وقومه ، بقيت تلك الحلى فى أيديهن ، فجمعها السامرى بحجة أنها لا تحل لهن ، وصاغ منها عجلا جسدا له خوار ، وأوهمهم بأن هذا إلههم وإله موسى فعبدوه من دون الله .قال الحافظ ابن كثير : ( وقد اختلف المفسرون فى هذا العجل هل صار لحما ودما له خوار ، أو استمر على كونه من ذهب إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر ، على قولين والله أعلم .والمعنى : واتخذ قوم موسى من بعد فراقه لهم لأخذ التوراة عن ربه عجلا جسدا له صوت البقر ليكون معبودا لهم .وقوله ( عِجْلاً ) مفعول اتخذ بمعنى صاغ وعمل ، وقيل إن اتخذ متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثانى محذوف أى : إلها .و ( جَسَداً ) بدل من ( عِجْلاً ) أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسدا .قال صاحب الكشاف : ( فإن قلت لم قيل : ( واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً ) والمتخذ هو السامرى؟
قلت فيه وجهان :أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد بين ظهرانيهم ، كما يقال بنو تميم قالوا كذا ، وفعلوا كذا والقائل والفاعل واحد .
ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه .والثانى : أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه .
فإن قلت لم قال من حليهم ولم تكن الحلى لهم إنما كانت عارية فى ايديهم؟
قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسه وكونها عوارى فى أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم ألا ترى إلى قوله تعالى : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بني إِسْرَائِيلَ ) اه .وقوله تعالى : ( أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ) تقريع لهم على جهالاتهم .
وبيان لفقدان عقولهم ، والمعنى : أبلغ عمى البصيرة بهؤلاء القوم ، أنهم لم يفطنوا حين عبدوا العجل ، أنه لا يقدر عليه أحاد البشر ، من الكلام والارشاد إلى أى طريق من طرق الإفادة ، وليس ذلك من صفات ربهم الذى له العبادة ، لأن من صفاته - تعالى - أنه يكلم أنبياءه ورسله ، ويرشد خلقه إلى طريق الخير ، وينهاهم عن طرق الشر!!
.ثم أكد - سبحانه - ذمهم بقوله ( اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ) أى : اتخذوا العجل معبودا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأى كلام ، ولا يرشدهم إلى أى طريق ، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير الله ، وبوضعهم الأمور فى غيرها مواضعها .وفى التعبير عن ظلمهم بلفظ ( كانوا ) المفيد للدوام والاستمرار ، إشعار بأن هذا الظلم دأبهم وعادتهم قبل هذا الاتخاذ وأن ما صدر عنهم ليس بدعا منهم ولا أول مناكيرهم ، فقد سبق لهم أن قالوا لنبيهم بمجرد أن أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ( ياموسى اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ )
اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل، وفيها مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: ﴿ حُلِيّهِمْ ﴾ بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلي.
والباقون: ﴿ حُلِيّهِمْ ﴾ بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي، وقرأ بعضهم: ﴿ مِنْ حُلِيّهِمْ ﴾ على التوحيد، والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة.
المسألة الثانية: قيل: إن بني إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلها يعبدونه، فصاغ السامري عجلاً.
ثم اختلف الناس، فقال قوم كان قد أخذ كفاً من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة.
فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل، وقال آخرون: إنه جعل ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار.
قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال، ثم ألقى إلى الناس أن هذا العجل إلههم وإله موسى.
بقي في لفظ الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قيل: ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً ﴾ والمتخذ هو السامري وحده؟.
والجواب: فيه وجهان: الأول: أن الله نسب الفعل إليهم، لأن رجلاً منهم باشره كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد.
والثاني: أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم اجتمعوا عليه.
السؤال الثاني: لم قال: ﴿ مِنْ حُلِيّهِمْ ﴾ ولم يكن الحلي لهم، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية؟.
والجواب: أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم، وصارت ملكاً لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ ﴾ ، ﴿ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴾ ، ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَٰكِهِينَ كَذَٰلِكَ وَأَوْرَثْنَٰهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴾ .
السؤال الثالث: هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم؟.
والجواب: أن قوله تعالى: ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً ﴾ يفيد العموم.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون.
واحتج عليه بوجهين: الأول: عموم هذه الآية، والثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة ﴿ رَبّ اغفر لِى وَلاخِى ﴾ قال خص نفسه وأخاه بالدعاء، وذلك يدل على أن من كان مغايراً لهما ما كان أهلاً للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك، وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ .
السؤال الرابع: هل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً على ما قاله بعضهم أو بقي ذهباً كما كان قبل ذلك؟.
والجواب: الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ والجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم والدم، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف، سواء كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك.
والحجة الثانية: أنه تعالى أثبت له خواراً، وذلك إنما يتأتى في الحيوان.
وأجيب عنه: بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه، وقرأ علي رضي الله عنه: (جؤار) بالجيم والهمزة، من جأر إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب.
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلها بقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتخذوه وَكَانُواْ ظالمين ﴾ وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد، وكل من كان كذلك كان إما جماداً وإما حيواناً عاجزاً، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلهية، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلماً ولا هادياً إلى السبيل لم يكن إلها لأن الإله هو الذي له الأمر والنهي، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلماً، فمن لا يكون متكلماً لم يصح منه الأمر والنهي، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلها.
وقالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلها أن يكون هادياً إلى الصدق والصواب، فمن كان مضلاً عنه وجب أن لا يكون إلها.
فإن قيل: فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم ويهدي، يجوز أن يتخذ إلها، وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلهاً فلا فائدة فيما ذكرتم.
والجواب من وجهين: الأول: لا يبعد أن يكون ذلك شرطاً لحصول الإلهية، فيلزم من عدمه عدم الإلهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية.
الثاني: أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم إلى الخير والشر فهو إله، والخلق لا يقدرون على الهداية، إنما يقدرون على وصف الهداية، فأما على وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى.
واعلم أنه ختم الآية بقوله: ﴿ وَكَانُواْ ظالمين ﴾ أي كانوا ظالمين لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ من بعد فراقه إياهم إلى الطور، فإن قلت: لم قيل: واتخذ قوم موسى عجلاً، والمتخذ هو السامري؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلاً منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد، ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم أجمعوا عليه.
والثاني: أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه.
وقرئ: ﴿ من حليهم ﴾ بضم الحاء والتشديد، جمع حلي، كثدي وثديّ، ومن حليهم- بالكسر- للإتباع كدلى.
ومن حليهم، على التوحيد، والحلي: اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة.
فإن قلت: لم قال: من حليهم، ولم يكن الحليّ لهم، إنما كانت عوارى في أيديهم؟
قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة، وكونها عوارى في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم.
ألا ترى إلى قوله عزّ وعلا: ﴿ فأخرجناهم مّن جنات وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل ﴾ [الشعراء: 57- 59]، ﴿ جَسَداً ﴾ بدناً ذا لحم ودم كسائر الأجساد.
والخوار: صوت البقر، قال الحسن: إنّ السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر، فقذفه في فيِّ العجل، فكان عجلاً له خوار.
وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة، ومن جأر إذا صاح.
وانتصاب جسداً على البدل من ﴿ عِجْلاً ﴾ ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل، حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته، وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحقّ ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة، وبما أنزل في كتبه.
ثم ابتدأ فقال: ﴿ اتخذوه ﴾ أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر ﴿ وَكَانُواْ ظالمين ﴾ واضعين كل شيء في غير موضعه، فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم، ولا أوّل مناكيرهم ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ ﴾ ولما اشتدّ ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأنّ من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعض يده غماً، فتصير يده مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها.
و ﴿ سُقِطَ ﴾ مسند إلى ﴿ فَى أَيْدِيهِمْ ﴾ وهو من باب الكناية.
وقرأ أبو السميفع: ﴿ سقط في أيديهم ﴾ ، على تسمية الفاعل، أي وقع العض فيها، وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد، تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد ويرى بالعين ﴿ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ ﴾ وتبينوا ضلالهم تبيناً كأنهم أبصروه بعيونهم.
وقرئ: ﴿ لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ ، بالتاء.
وربنا، بالنصب على النداء، وهذا كلام التائبين، كما قال آدم وحواء عليهما السلام: وإن لم تغفر لنا وترحمنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن بَعْدِ ذَهابِهِ لِلْمِيقاتِ.
﴿ مِن حُلِيِّهِمْ ﴾ الَّتِي اسْتَعارُوا مِنَ القِبْطِ حِينَ هَمُّوا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِأنَّها كانَتْ في أيْدِيهِمْ أوْ مَلَكُوها بَعْدَ هَلاكِهِمْ.
وهو جَمْعُ حَلْيٍ كَثُدِيٍّ وثَدْيٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ بِالِإتْباعِ كَدُلِيٍّ ويَعْقُوبُ عَلى الإفْرادِ.
﴿ عِجْلا جَسَدًا ﴾ بَدَنًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ، أوْ جَسَدًا مِنَ الذَّهَبِ خالِيًا مِنَ الرُّوحِ ونَصَبَهُ عَلى البَدَلِ.
﴿ لَهُ خُوارٌ ﴾ صَوْتُ البَقَرِ.
رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ فَصارَ حَيًّا.
وَقِيلَ صاغَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الحِيَلِ فَتَدْخُلُ الرِّيحُ جَوْفَهُ وتُصَوِّتُ، وإنَّما نَسَبَ الِاتِّخاذَ إلَيْهِمْ وهو فِعْلُهُ إمّا لِأنَّهم رَضُوا بِهِ أوْ لِأنَّ المُرادَ اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا.
وقُرِئَ « جُوارٌ» أيْ صِياحٌ.
﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ﴾ تَقْرِيعٌ عَلى فَرْطِ ضَلالَتِهِمْ وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، والمَعْنى ألَمْ يَرَوْا حِينَ اتَّخَذُوهُ إلَهًا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كَلامٍ ولا عَلى إرْشادِ سَبِيلٍ كَآحادِ البَشَرِ حَتّى حَسِبُوا أنَّهُ خالِقُ الأجْسامِ والقُوى والقَدَرِ.
﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلذَّمِّ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿ وَكانُوا ظالِمِينَ ﴾ واضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها فَلَمْ يَكُنِ اتِّخاذُ العِجْلِ بِدْعًا مِنهم.
﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ كِنايَةً عَنِ اشْتِدادِ نَدَمِهِمْ فَإنَّ النّادِمَ المُتَحَسِّرَ يَعَضُّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها.
وقُرِئَ « سَقَطَ» عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ بِمَعْنى وقَعَ العَضُّ فِيها.
وقِيلَ مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ.
﴿ وَرَأوْا ﴾ وعَلِمُوا.
﴿ أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ﴾ بِاتِّخاذِ العِجْلِ.
﴿ قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ بِإنْزالِ التَّوْراةِ.
﴿ وَيَغْفِرْ لَنا ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنِ الخَطِيئَةِ.
﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ وقَرَأهُما حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتّاءِ ورَبُّنا عَلى النِّداءِ.
<div class="verse-tafsir"
{واتّخذ قوم موسى من بعده} من بعد ذهابه إلى الطور {من حليّهم} وإنما نسبت إليهم مع أنها كانت عواري في أيديهم لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة وفيه دليل تعلى أن من حلف أن لايدخل دار فلان فدخل داراً استعارها يحنث على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم وفيه دليل على أن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها نعم المتخذ هو السامري ولكنهم رضوا به فأسند الفعل إليهم والحلي جمع حلى وهو اسم ما يحسن به من الذهب والفضة حليهم حمزة وعلي للإتباع {عجلاً} مفعول اتخذ {جسداً} بدل منه أي بدناً ذا لحم ودم كسائر الأجساد {له خوار} هو صوت البقر والمفعول الثاني محذوف أي إلهاً ثم عجب من عقولهم السخيفة
الأعراف ١٤٠ ١٤٢ فقال {ألم يروا} حين اتخذوه إلهاً {أنّه لا يكلّمهم ولا يهديهم سبيلاً} لا يقدر على كلام ولا على هدياة سبيل حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفذ كلماته وهو الذي هدى الخلق إلى سبيل الحق بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل في الكتب
ثم ابتدأ فقال {اتّخذوه} إلهاً فأقدموا على هذا الأمر المنكر
﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الجَبَلِ لِمُناجاةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن حُلِيِّهِمْ ﴾ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو ما يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ ويُتَحَلّى بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اتَّخَذَ كَمِن بَعْدِهِ، مِن قَبْلِهِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنى الجارَّيْنِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلِابْتِداءِ والثّانِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلِابْتِداءِ أيْضًا، وتَعَلُّقُهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ واعْتِبارِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: الجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وإضافَةُ الحُلِيِّ إلى ضَمِيرِ القَوْمِ لَأدْنى مُلابَسَةٍ؛ لِأنَّها كانَتْ لِلْقِبْطِ فاسْتَعارُوها مِنهم قُبَيْلَ الغَرَقِ فَبَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ وقِيلَ: إنَّها عَلى ما يُتَبادَرُ مِنها بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ مَلَكُوها بَعْدَ أنْ ألْقاها البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ غَرَقِ القِبْطِ أوْ بَعْدَ أنِ اسْتَعارُوها مِنهم وهَلَكُوا.
قالَ الإمامُ: رُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ إغْراقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ مِنهم أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَعِيرُوا حُلِيَّ القِبْطِ لِيَخْرُجُوا خَلْفَهم لِأجْلِ المالِ أوْ لِتَبْقى أمْوالُهم في أيْدِيهِمْ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أمْرًا بِأخْذِ مالِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّما يَكُونُ غَنِيمَةً بَعْدَ الهَلاكِ مَعَ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ حَلالًا لَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ»» الحَدِيثَ.
عَلى أنَّ ما نُقِلَ عَنِ القَوْمِ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ الحِلِّ أيْضًا.
وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهم لَمّا اسْتَعْبَدُوهم بِغَيْرِ حَقٍّ واسْتَخْدَمُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم وقَتَلُوا أوْلادَهم مَلَّكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَهم وما فِيها، فالأرْضُ لِلَّهِ تَعالى يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا عَلى طَرِيقِ الغَنِيمَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وكَمْ في الشَّرائِعِ مِثْلُهُ، والقَوْلُ المَحْكِيُّ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وواعَدْنا مُوسى ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حِلِيِّهِمْ) بِكَسْرِ الحاءِ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ كَدِلِيٍّ، وبَعْضٌ: (حَلْيَهُمْ) عَلى الإفْرادِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ عِجْلا ﴾ مَفْعُولُ اتَّخَذَ بِمَعْنى صاغَ وعَمِلَ، أُخِّرَ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: إنَّ اتَّخَذَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ وهو بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: إلَهًا، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرِ خاصَّةً، وهَذا كَما يُقالُ لِوَلَدِ النّاقَةِ حِوارٌ ولِوَلَدِ الفَرَسِ مُهْرٌ، ولِوَلَدِ الحِمارِ جَحْشٌ، ولِوَلَدِ الشّاةِ حَمَلٌ، ولِوَلَدِ العَنْزِ جَدْيٌ، ولِوَلَدِ الأسَدِ شِبْلٌ، ولِوَلَدِ الفِيلِ دَغْفَلٌ، ولِوَلَدِ الكَلْبِ جَرْوٌ، ولِوَلَدِ الظَّبْيِ خَشْفٌ، ولِوَلَدِ الأُرْوِيَّةِ غَفْرٌ، ولِوَلَدِ الضَّبْعِ فَرْغَلٌ، ولِوَلَدِ الدُّبِّ دَيْسَمٌ، ولِوَلَدِ الخِنْزِيرِ خِنَّوْصٌ، ولِوَلَدِ الحَيَّةِ حَرْبَشٌ، ولِوَلَدِ النَّعامِ رَأْلٌ، ولِوَلَدِ الدَّجاجَةِ فَرُّوجٌ، ولِوَلَدِ الفَأْرِ دَرْصٌ، ولِوَلَدِ الضَّبِّ حَسْلٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ هُنا ما هو عَلى صُورَةِ العِجْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَسَدًا ﴾ بَدَلٌ مِن عِجْلًا، أوْ عَطْفُ بَيانٍ أوْ نَعْتٌ لَهُ بِتَأْوِيلِ مُتَجَسِّدًا، وفُسِّرَ بِبَدَنٍ ذِي لَحْمٍ ودَمٍ، قالَ الرّاغِبُ: الجَسَدُ كالجِسْمِ لَكِنَّهُ أخَصُّ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يُقالُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ ونَحْوِهِ، ويُقالُ أيْضًا لِما لَهُ لَوْنٌ والجِسْمُ لِما لا يَبِينُ لَهُ لَوْنٌ كالهَواءِ، ومِن هُنا عَلى ما قِيلَ قِيلَ لِلزَّعْفَرانِ الجَسّادُ، ولِما أُشْبِعَ صَبْغُهُ مِنَ الثِّيابِ مُجَسَّدٌ، وجاءَ المُجَسَّدُ أيْضًا بِمَعْنى الأحْمَرِ، وبَعْضٌ فَسَّرَ الجَسَدَ بِهِ هُنا فَقالَ: أيْ: أحْمَرُ مِن ذَهَبٍ.
﴿ لَهُ خُوارٌ ﴾ هو صَوْتُ البَقَرِ خاصَّةً كالثُّغاءِ لِلْغَنَمِ واليَعارِ لِلْمَعْزِ، والنَّبِيبِ لِلتَّيْسِ، والنُّباحِ لِلْكَلْبِ، والزَّئِيرِ لِلْأسَدِ، والعُواءِ والوَعْوَعَةِ لِلذِّئْبِ، والضِّباحِ لِلثَّعْلَبِ، والقُباعِ لِلْخِنْزِيرِ والمُواءِ لِلْهِرَّةِ، والنَّهِيقِ والسَّحِيلِ لِلْحِمارِ والصَّهِيلِ والضَّبْحِ والقَنْعِ والحَمْحَمَةِ لِلْفَرَسِ والرُّغاءِ لِلنّاقَةِ والصَّنى لِلْفِيلِ، والبَتْغَمِ لِلظَّبْيِ والضَّغِيبِ لِلْأرْنَبِ والعَرارِ لِلظَّلِيمِ، والصَّرْصَرَةِ لِلْبازِيِّ والعَقْعَقَةِ لِلصَّقْرِ والصَّفِيرِ لِلنَّسْرِ والهَدِيرِ لِلْحَمامِ والسَّجْعِ لِلْقُمْرِيِّ والسَّقْسَقَةِ لِلْعُصْفُورِ والنَّعِيقِ والنَّعِيبِ لِلْغُرابِ والصِّقاءِ والزُّقاءِ لِلدِّيكِ والقَوْقاءِ والنَّقِيقَةِ لِلدَّجاجَةِ والفَحِيحِ لِلْحَيَّةِ والنَّقِيقِ لِلضِّفْدَعِ والصَّئِيِّ لِلْعَقْرَبِ والفَأْرَةِ والصَّرِيرِ لِلْجَرادِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ: (جُؤارٌ) بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وهَمْزَةٍ، وهو الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، ومِثْلُهُ الصِّياحُ والصُّراخُ.
والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا وخُوارٌ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِ عِجْلًا.
رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ مِن تُرابِ أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَصارَ حَيًّا.
وذَكَرَ بَعْضُهم في سِرِّ ذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ الرُّوحَ الأعْظَمَ سَرَتْ قُوَّةٌ مِنهُ إلى ذَلِكَ التُّرابِ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرٍ يُرِيدُهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَحْيا ما يَطَؤُهُ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ الأمْرَ مَرْبُوطٌ بِالإذْنِ وهو إنَّما يَكُونُ بِحَسْبِ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا الحَكِيمُ الخَبِيرُ فَتَدَبَّرْ.
وإلى القَوْلِ بِالحَياةِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأُيِّدَ بِأنَّ الخُوارَ إنَّما يَكُونُ لِلْبَقَرِ لا لِصُورَتِهِ، وبِأنَّ ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ طه كالصَّرِيحِ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ.
وقالَ جَمْعٌ مِن مُفَسِّرِي المُعْتَزِلَةِ: إنَّ العِجْلَ كانَ بِلا رُوحٍ، وكانَ السّامِرِيُّ قَدْ صاغَهُ مُجَوَّفًا ووَضَعَ في جَوْفِهِ أنابِيبَ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ وجَعَلَهُ في مَهَبِّ الرِّيحِ فَكانَتْ تَدْخُلُ في تِلْكَ الأنابِيبِ فَيُسْمَعُ لَها صَوْتٌ يُشْبِهُ خُوارَ العِجْلِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ خُوارًا.
وما في طه سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ فِيهِ.
واخْتُلِفَ في هَذا الخُوارِ فَقِيلَ: كانَ مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: كانَ مَرّاتٍ كَثِيرَةً، وكانُوا كُلَّما خارَ سَجَدُوا لَهُ، وإذا سَكَتَ رَفَعُوا رُؤُوسَهم.
وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ كانَ يَخُورُ ويَمْشِي.
وعَنْ وهْبٍ نَفْيُ الحَرَكَةِ، والآيَةُ ساكِتَةٌ عَنْ إثْباتِها، ولَيْسَ في الأخْبارِ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فالتَّوَقُّفُ عَنْ إثْباتِ المَشْيِ أوْلى، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ مِنَ المُهِمّاتِ، وإنَّما نُسِبَ الِاتِّخاذُ إلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو فِعْلُ السّامِرِيِّ لِأنَّهم رَضُوا بِهِ وكَثِيرًا ما يُنْسَبُ الفِعْلُ إلى قَوْمٍ مَعَ وُقُوعِهِ مِن واحِدٍ مِنهم فَيُقالُ: قَتَلَ بَنُو فُلانٍ قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقِيلَ: لِأنَّ المُرادَ اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا، فالمَعْنى صَيَّرُوهُ إلَهًا وعَبَدُوهُ، وحِينَئِذٍ لا تَجُوزُ في الكَلامِ لِأنَّ العِبادَةَ لَهُ وقَعَتْ مِنهم جَمِيعًا.
قالَ الحَسَنُ: كُلُّهم عَبَدُوا العِجْلَ إلّا هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتَثْنى آخَرُونَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وعَلى القَوْلِ قِيلَ: لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ فَعَبَدُوهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَصَبَّ الإنْكارِ؛ لِأنَّ حُرْمَةَ التَّصْوِيرِ حَدَثَتْ في شَرْعِنا عَلى المَشْهُورِ، ولِأنَّ المَقْصُودَ إنْكارُ عِبادَتِهِ.
﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ﴾ تَقْرِيعٌ لَهم وتَشْنِيعٌ عَلى فَرْطِ ضَلالِهِمْ وإخْلالِهِمْ بِالنَّظَرِ، أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ آحادُ البَشَرِ مِنَ الكَلامِ وإرْشادِ السَّبِيلِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَكَيْفَ عَدَلُوهُ بِخالِقِ الأجْسامِ والقُوى والقَدَرِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم تَعْرِيضًا بِالإلَهِ الحَقِّ وكَلامِهُ الَّذِي لا يَنْفَدُ وهِدايَتِهِ الواضِحَةِ الَّتِي لا تُجْحَدُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَعْرِيضٌ بِاللَّهِ تَعالى وبِكَلامِهِ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهِدايَتِهِ لِقَوْمِهِ، ﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ تَكْرارٌ لِجَمِيعِ ما سَلَفَ مِنَ الِاتِّخاذِ عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ المُشْتَمِلِ عَلى الذَّمِّ، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ عَلى أُسْلُوبِ: أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ، أيْ: أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ المُنْكَرِ.
﴿ وكانُوا ظالِمِينَ ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ أيْ: إنَّ دَأْبَهم قَبْلَ ذَلِكَ الظُّلْمُ ووَضْعُ الأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها فَلَيْسَ بِبِدْعٍ مِنهم هَذا المُنْكَرُ العَظِيمُ، وكَرَّرَ الفِعْلَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيِ اتَّخَذُوهُ في هَذِهِ الحالَةِ المُسْتَمِرَّةِ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ يعني: من بعد انطلاقه إلى الجبل، وذلك أن موسى- - لما وعد لقومه ثلاثين يوماً فتأخر عن ذلك، قال السامري لقوم موسى: إنكم أخذتم الحلي من آل فرعون، فعاقبكم الله تعالى بتلك الخيانة، ومنع الله عنا موسى.
فاجمعوا الحلي الذي أخذتم من آل فرعون حتى نحرقها، فلعل الله تعالى يرد علينا موسى فجمعوا الحلي وكان السامري صائغاً، فجعل الحلي في النار واتخذ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ وقد كان رأى جبريل على فرس الحياة، فكلما وضع الفرس حافره ظهر النبات في موضع حافره.
فأخذ كفاً من أثر حافره من التراب وألقى ذلك التراب في العجل.
فصار العجل من حليهم عجلا جسدا.
قال الزجاج: الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط.
وروي عن ابن عباس قال صار عجلاً له لحم ودم وله خوار يعني: صوت مثل صوت العجل ولم يسمع منه إلا صوت واحد.
وقال بعضهم: سمع منه صوت ولم يسمع منه إلا مثل صوت العجل.
وقال بعضهم: جعله مشتبكاً فدخل فيه الريح فسمع منه صوت مثل صوت العجل.
فقال لقومه: هذا إلهكم وإله موسى، فاغترّ به الجهال من بني إسرائيل وعبدوه.
قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ يعني: لا يقدر على أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني: لا يرشدهم طريقاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ يعني: كافرين بعبادتهم.
وقرأ حمزة والكسائي مِنْ حُلِيِّهِمْ بكسر الحاء.
وقرأ الباقون مِنْ حُلِيِّهِمْ بضم الحاء.
فمن قرأ بالكسر فهو اسم لما يحسن به من الذهب والفضة.
ومن قرأ بالضم، فهو جمع الحَلْي ويقال: كلاهما جمع الحَلْي وأصله الضم إلا أن من كسر فلاتباع الكسرة بالكسرة.
قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ يعني: ندموا على ما صنعوا.
يقال: سقط في يده إذا ندم.
وأصله أن الإنسان إذا ندم جعل يده على رأسه.
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي علموا أنهم قد ضلوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا قرأ حمزة والكسائي لَئِن لَّمْ ترحمنا بالتاء على معنى المخاطبة رَبَّنَا بالنصب يعني: يا ربنا.
وقرأ الباقون لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بالياء وضم الياء على معنى الخبر.
وَيَغْفِرْ لَنا بعد التوبة عطف على قوله لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني: من المغبونين.
قوله تعالى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ يعني: من الجبل غَضْبانَ أَسِفاً يعني: حزيناً.
ويقال: الأسف في اللغة شدة الغضب.
ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] ويقال: أشد الحزن كقوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يعني: بعبادة العجل يعني: بئسما فعلتم في غيبتي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعني: استعجلتم ميعاد ربكم.
ويقال: أعصيتم أمر ربكم.
ويقال: معناه أَعَجِلْتُمْ بالفعل الذي استوجبتم به عقوبة ربكم وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من يده.
قال الكلبي: انكسرت الألواح وصعد عامة الكلام الذي كان فيها من كلام الله تعالى إلى السماء.
وقال بعضهم: هذا الكلام في ظاهره غير سديد.
لأن الكلام صفة والصفة لا تفارق الموصوف.
فلا يجوز أن يقال: الكلام يصعد ويذهب.
ولكن تأويله أن الألواح لما انكسرت ذهب أثر المكتوب منها وهذا إذا كان غير الأحكام.
وأما الأحكام أيضاً فلا يجوز أن تذهب عنه وإنما أراد بذلك حجة عليهم.
وروي في الخبر: أن الله تعالى أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل.
قال موسى: يا رب من اتخذ لهم العجل؟
قال: السامري.
قال: ومن جعل فيه الروح؟
قال: أنا.
قال: فأنت فتنت قومي؟.
قال له ربه: تركتهم لمرادهم.
وروي عن رسول الله أنه قال: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ» .
لما أخبر الله تعالى بأن قومه قد عبدوا العجل لم يلق الألواح.
فلما عاين ألقى الألواح.
ثم قال: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يعني: أخذ بشعر رأسه ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ يعني: قال له هارون: يا ابن أمي لا تأخذ بلحيتي.
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: يا ابْنَ أُمَّ بنصب الميم.
وقرأ الباقون بالكسر.
وهكذا في سورة طه فمن قرأ بالنصب جعله كاسم واحد كأنه يقول يا ابن أماه.
كما يقال: يا ويلتاه ويا حسرتاه.
ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.
وكان موسى أخاه لأبيه وأمه.
ولكن ذكر الأم ليرفعه عليه.
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي يعني: قهروني واستذلوني وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي يعني: هموا بقتلي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ يعني: لا تفرح عليّ أعدائي يعني: الشياطين ويقال: أصحاب العجل وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: لا تظنن أني رضيت بما فعلوا.
قال موسى: رَبِّ اغْفِرْ لِي بما فعلت بأخي هارون ويقال: لإلقاء الألواح وَاغفر لِأَخِي ما كان منه من التقصير في تركهم على عبادة العجل وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ يعني: جنتك وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يعني: أنت أرحم بنا منا بأنفسنا.
وقال الحسن: يعني أنت أرحم بنا من الأبوين.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: ذلِكَ: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ...
الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديد.
وقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ:
الخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم-، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ...
الآية: وقوله:
وَكانُوا ظالِمِينَ: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ فأغنى عن إِعادته.
قال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر.
وقوله سبحانه: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ: قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا.
وعبارةُ ص: غَضْبانَ: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غليان القلب بسبب ما يؤلم وأَسِفاً: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ.
انتهى.
وقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غضبه على
قَوْلُهُ تَعالى: لَلْمِقاتِ.
﴿ مِن حُلِيِّهِمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " مِن حُلِيِّهِمْ " بِضَمِّ الحاءِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ: بِفَتْحِها وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ الياءِ.
والحُلِيُّ: جَمْعُ حُلِيٍّ، مِثْلُ ثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو اسْمٌ لِما يَتَحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَن كَسَرَ الحاءَ مِن "حُلِيِّهِمْ" أتْبَعَ الحاءَ كَسْرَ اللّامِ.
والجَسَدُ: هو الَّذِي لا يَعْقِلُ ولا يُمَيِّزُ، إنَّما هو بِمَعْنى الجُثَّةِ فَقَطْ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذِكْرُ الجَسَدِ دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ الرُّوحِ مِنهُ، وأنَّ شَخْصَهُ شَخْصٌ مِثالٌ وصُورَةٌ، غَيْرُ مُنْضَمٍّ إلَيْهِما رُوحٌ ولا نَفْسٌ.
فَأمّا الخُوارُ، فَهو صَوْتُ البَقَرَةِ، يُقالُ: خارَتِ البَقَرَةُ تَخُورُ، وجَأرَتْ تَجْأرُ؛ وقَدْ نُقِلَ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ في مِثْلِ صَوْتِ الإنْسانِ مِنَ البَهائِمِ رَغا البَعِيرُ وجَرْجَرَ وهَدَرَ وقَبْقَبَ، وصَهَلَ الفَرَسُ وحَمْحَمَ، وشَهِقَ الحِمارُ ونَهَقَ، وشَحَجَ البَغْلُ، وثَغَتِ الشّاةُ ويَعَرَتْ، وثَأجَتِ النَّعْجَةُ، وبَغَمَ الظَّبْيُ ونَزَبَ، وزَأرَ الأسَدُ ونَهَتَ ونَأتَ، ووَعْوَعَ الذِّئْبُ، ونَهَمَ الفِيلُ، وزَقَحَ القِرْدُ، وضَبَحَ الثَّعْلَبُ، وعَوى الكَلْبُ ونَبَحَ، وماءَتِ السِّنَّوْرُ، وصَأتِ الفَأْرَةُ، ونَغَقَ الغُرابُ مُعْجَمَةَ الغَيْنِ، وزَقَأ الدِّيكُ وسَقَعَ، وصَفَرَ النَّسْرُ، وهَدَرَ الحَمامُ.
وهَدَلَ، ونَقَضَتِ الضَّفادِعُ ونَقَّتْ، وعَزَفَتِ الجِنُّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ العِجْلُ إذا خارَ سَجَدُوا، وإذا سَكَتَ رَفَعُوا رُؤُوسَهم.
وفي رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنْهُ: أنَّهُ خارَ خَوْرَةً واحِدَةَ ولَمْ يُتْبِعْها مِثْلَها، وبِهَذا قالَ وهْبٌ، ومُقاتِلٌ.
وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: خُوارُهُ حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَوْحٌ.
وقَرَأ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ: "لَهُ جِوارٌ" بِجِيمٍ مَرْفُوعَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ أيْ: لا يَسْتَطِيعُ كَلامَهم.
﴿ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا ﴾ أيْ: لا يُبَيِّنُ لَهم طَرِيقًا إلى حُجَّةٍ.
"اتَّخَذُوهُ" يَعْنِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا.
﴿ وَكانُوا ظالِمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُشْرِكِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ اتَّخَذَ أصْلَهُ: اِيتَخَذَ، وزْنُهُ افْتَعَلَ، مِن تَخِذَ.
هَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ.
والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عائِدٌ عَلى مُوسى، أيْ بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المُناجاةِ، وأضافَ الحُلِيَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَ مُسْتَعارًا مِنَ القِبْطِ -إذْ كانُوا قَدْ تَمَلَّكُوهُ- إمّا بِأنْ نُفِّلُوهُ كَما رُوِيَ، وحَكى يَحْيى بْنُ سَلامٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: اسْتَعارَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ لِيَوْمِ الزِينَةِ، فَلَمّا أُمِرَ مُوسى أنْ يَسْرِيَ بِهِمْ لَيْلًا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَدُّ العَوارِي، وأيْضًا فَخَشُوا أنْ يَفْتَضِحَ سِرُّهُمْ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَفَّلَهم إيّاهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُضافَ الحُلِيُّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن حَيْثُ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بَعْدَ غَزْوِ آلِ فِرْعَوْنَ.
ويُرْوى أنَّ السامِرِيَّ -واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفِرٍ ويُنْسَبُ إلى قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ- قالَ لِهارُونَ حِينَ ذَهَبَ مُوسى إلى المُناجاةِ: يا هارُونُ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ بَدَّدُوا الحُلِيَّ الَّذِي اسْتُعِيرَ مِنَ القِبْطِ وتَصَرَّفُوا فِيهِ وأنْفَقُوا مِنهُ، فَلَوْ جَمَعْتَهُ حَتّى يَرى مُوسى فِيهِ رَأْيَهُ، قالَ: فَجَمَعَهُ هارُونُ، فَلَمّا اجْتَمَعَ قالَ لِلسّامِرِيِّ: أنْتَ أولى الناسِ بِأنْ يُخْتَزَنَ عِنْدَكَ، فَأخَذَهُ السامِرِيُّ -وَكانَ صائِغًا- فَصاغَ مِنهُ صُورَةَ عِجْلٍ، وهو ولَدُ البَقَرَةِ.
﴿ جَسَدًا ﴾ أيْ جُثَّةً وجَمادًا، وقِيلَ: كانَ جَسَدًا بِلا رَأْسٍ.
وهَذا تَعَلُّقٌ بِأنَّ الجَسَدَ في اللُغَةِ ما عَدا الرَأْسَ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ جَعَلَ لَهُ لَحْمًا ودَمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ الآثارَ في أنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ تُكَذِّبُ ذَلِكَ، والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ، ويُرْوى أنَّ هَذا العِجْلَ إنَّما خارَ مَرَّةً واحِدَةً، وذَلِكَ بِحِيلَةٍ صِناعِيَّةٍ مِنَ السامِرِيِّ أو بِسِحْرٍ تَرَكَّبَ لَهُ مِن قَبْضِهِ القَبْضَةَ مِن أثَرِ الرَسُولِ، أو بِأنَّ اللهَ أخارَ العِجْلَ لَفَتْنِ بَنِي إسْرائِيلَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَهُ جُوارٌ" بِالجِيمِ وهو الصِياحُ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وشِدَّةُ الصَوْتِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "مِن حُلِيِّهِمْ" بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ -عَلى مِثالِ ثَدْيِ وثُدِيٍّ- وأصْلُهُ: حُلُوِي، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فَجاءَ "حُلُيٌّ" فَكُسِرَتِ اللامُ لِتُناسِبَ الياءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِن حِلِيِّهِمْ" بِكَسْرِ الحاءِ عَلى ما قَدَّمْنا مِنَ التَعْلِيلِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: إلّا أنَّهم كَسَرُوا الحاءَ إتْباعًا لِكَسْرَةِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَوّى التَغْيِيرَ الَّذِي دَخَلَ عَلى الجَمْعِ عَلى هَذا التَغْيِيرِ الأخِيرِ، قالَ: ومِمّا يُؤَكِّدُ كَسْرَ الفاءِ في هَذا النَحْوِ مِنَ الجَمْعِ قَوْلُهُمْ: قِسِيٌّ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَرَأ هَكَذا يَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "مِن حَلْيِهِمْ" بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللامِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وإمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ حِلْيَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ.
ومَعْنى الحُلِيِّ: ما يُتَجَمَّلُ بِهِ مِن حِجارَةٍ وذَهَبٍ وفِضَّةٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى سُوءَ فِطَرِهِمْ وقَرَّرَ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ الصامِتَ الجَمادَ لا يَتَّصِفُ بِالأُلُوهِيَّةِ، والَّذِي لا يُرْشِدُ إلى خَيْرٍ ولا يَكْشِفُ غَمًّا كَذَلِكَ، والضَمِيرُ في "اتَّخَذُوهُ" عائِدٌ عَلى العِجْلِ، وقَوْلُهُ: "وَكانُوا" إخْبارٌ لَنا عن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومُسْتَقْبَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ سَبَبُ اتِّخاذِ العِجْلِ وبَسْطِ تِلْكَ الحالِ بِما أغْنى عن إعادَتِهِ هاهُنا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ القافِ وضَمِّ السِينِ: "سُقِطَ في أيْدِيهِمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِينِ والقافِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُسْقِطَ" وهي لُغَةٌ حَكاها الطَبَرِيُّ بِالهَمْزَةِ المَضْمُومَةِ وسِينٍ ساكِنَةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أو طالِبًا غايَةً ما فَعَرَضَ ما غَلَبَهُ وصَدَّهُ عن وِجْهَتِهِ وأوقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ عن بُغْيَتِهِ، وتَيَقَّنَ أنَّهُ قَدْ عَجَزَ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن أقْدَمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عنهُ: سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنَدَمُ عِنْدِي عَرَضٌ يُعْرِضُ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ، وقَدْ لا يُعَرِّضُهُ لَهُ، فَلَيْسَ النَدَمُ بِأصْلٍ في هَذا، أمّا أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ هَذِهِ الحالِ يَصْحَبُهُمُ النَدَمُ، وكَذَلِكَ صَحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَعْيَ أوِ الصَرْفَ أوِ الدِفاعَ سَقَطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها ولا يَكُونُ لَهُ خارِجَها تَأْثِيرٌ.
وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى أنَّ النَدَمَ سَقَطَ في أيادِيهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا كُلِّهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ "سَقَطَ" يَتَعَدّى، فَإنَّ "سَقَطَ" يَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا وهو هُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ.
وَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "سَقَطَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أو "أُسْقِطَ" عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ فَبَيِّنٌ في الِاسْتِغْناءِ عَنِ التَعَدِّي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: "سَقَطَ في يَدَيْهِ" عَلى مَعْنى التَشْبِيهِ بِالأسِيرِ الَّذِي تُكَتَّفُ يَداهُ، فَكَأنَّ صاحِبَ هَذِهِ الحالِ يُسْتَأْسَرُ، ويَقَعُ ظُهُورُ الغَلَبَةِ عَلَيْهِ في يَدِهِ، أو كَأنَّ المُرادَ سَقَطَ بِالغَلَبِ والقَهْرِ في يَدِهِ، وحُدِّثْتُ عن أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ "سُقِطَ في يَدِهِ" مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: هَذا مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ مِثْلَ ما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِقاطُ في كَلامِ العَرَبِ كَثْرَةُ الخَطَإ والنَدَمُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ سُوِيدِ بْنِ أبِي كاهِلٍ: كَيْفَ يَرْجُونَ سَقاطِي بَعْدَما ∗∗∗ لَفَّعَ الرَأْسَ مَشِيبٌ وصَلَعْ وقَوْلُ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى وتَغَيُّرِهِ عَلَيْهِمْ، ورُؤْيَتِهِمْ أنَّهم قَدْ خَرَجُوا عَنِ الدِينِ ووَقَعُوا في الكُفْرِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ، ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: "قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا" بِالياءِ في "يَرْحَمْنا" وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرَبِّ تَعالى، "وَيَغْفِرْ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والشَعْبِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، وأيُّوبُ: "تَرْحَمْنا رَبَّنا" بِالتاءِ في "تَرْحَمْنا" ونَصْبِ لَفْظَةِ "رَبَّنا" عَلى جِهَةِ النِداءِ "وَتَغْفِرْ" بِالتاءِ، مِن فَوْقُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "قالُوا رَبَّنا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ".
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة: ﴿ وواعدنا موسى ﴾ [الأعراف: 142] عطَف قصة على قصة، فذكر فيما تقدم قصة المناجاة، وما حصل فيها من الآيات والعبر، وذكر في هذه الآية ما كان من قوم موسى، في مدة مغيبه في المناجاة، من الإشراك.
فقوله: ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد مغيبه، كما هو معلوم من قوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ [الأعراف: 143] ومن قوله: ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفْني في قومي ﴾ [الأعراف: 142].
وحَذْفُ المضاف مع «بَعْد» المضافةِ إلى اسم المتحّدث عنه شائع في كلام العرب، كما تقدم في نظيرها من سورة البقرة.
و (مِن) في مثله للابتداء، وهو أصل معاني (مِن) وأما (مِن) في قوله: ﴿ من حليَّهم ﴾ فهي للتبعيض.
والحُلّي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية، جمع حَلْي، بفتح الحاء وسكون اللام وتخفيف التحتية، ووزن هذا الجمع فُعول كما جمع ثدْي، ويجمع أيضاً على حِلي، بكسر الحاء مع اللام، مثل عِصي وقِسي اتباعاً لحركة العين، وبالأول قرأ جمهور العشرة، وبالثاني حمزة، والكسائي، وقرأ يعقوب حَلْيهم بفتح الحاء وسكون اللام على صيغة الإفراد، أي اتخذوا من مصوغهم وفي التوراة أنهم اتخذوه من ذهب، نزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائِهم وبناتهم وبنيهم.
والعجل ولد البقرة قبل أن يصير ثَوْراً، وذكر في سورة طه أن صانع العجل رجل يقال له السامري، وفي التوراة أن صانعه هو هارون، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه الواقع في التوراة بعد موسى، ولم يكن هارون صائِغاً، ونسب الاتخاذ إلى قوم موسى كلهم على طريقة المجاز العقلي، لأنهم الآمرون باتخاذه والحريصون عليه، وهذا مجاز شائِع في كلام العرب.
ومعنى اتخذوا عِجلاً صورة عِجْل، وهذا من مجاز الصورة، وهو شائِع في الكلام.
والجسد الجسم الذي لا روح فيه، فهو خاص بجسم الحيوان إذا كان بلا روح، والمراد أنه كجسم العجل في الصورة والمقدار إلاّ أنه ليس بحي وما وَقع في القصص: إنه كان لحماً ودماً ويأكل ويشرب، فهو من وضع القصاصين، وكيف والقرآننِ يقول: ﴿ من حُليهم ﴾ ، ويقول: ﴿ له خوار ﴾ ، فلو كان لحماً ودماً لكان ذكره أدخل في التعجيب منه.
والخُوار بالخاء المعجمة صوت البقر، وقد جعل صانع العجل في باطنه تجْويفاً على تقدير من الضيق مخصوص، واتخذ له آلة نافخة خفية، فإذا حركت آلة النفخ انضغط الهواء في باطنه، وخرج من المضيق، فكان له صوت كالخوار، وهذه صنعة كصنعة الصفارة والمزمار، وكان الكنعانيون يجعلون مثل ذلك لصنعهما المسمى بعْلاً.
و ﴿ جسداً ﴾ نعت ل ﴿ عجلاً ﴾ وكذلك ﴿ له خوار ﴾ .
وجملة: ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ﴾ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً؛ لبيان فساد نظرهم في اعتقادهم.
والاستفهام للتقرير وللتعجيب من حالهم، ولذلك جعل الاستفهام عن نفي الرؤية، لأن نفي الرؤية هو غير الواقع من حالهم في نفس الأمر، ولكن حالهم يشبه حال من لا يرون عدم تكليمه، فوقع الاستفهام عنه لعلهم لم يروا ذلك، مبالغة، وهو للتعجيب وليس للإنكار، إذ لا ينكر ما ليس بموجود، وبهذا يعلم أن معنى كونه في هذا المقام بمنزلة النفي للنفي إنما نشأ من تنزيل المسؤول عنهم منزلة من لا يرى، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ في سورة البقرة (243).
والرؤية بصرية، لأن عدم تكليم العجل إياهم مشاهد لهم، لأن عدم الكلام يرى من حال الشيء الذي لا يتكلم، بانعدام آلة التكلم وهو الفم الصالح للكلام، وبتكرر دعائهم إياه وهو لا يجيب.
وقد سفه رأي الذين اتخذوا العجل إلاهاً، بأنهم يشاهدون أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً، ووجه الاستدلال بذلك على سفه رأيهم هو أنهم لا شبهة لهم في اتخاذه إلاهاً بأن خصائصه خصائص العجماوات، فجسمه جسم عجل، وهو من نوع ليس أرقى أنواع الموجودات المعروفة، وصوته صوت البقر، وهو صوت لا يفيد سامعه، ولا يبين خطاباً، وليس هو بالذي يهديهم إلى أمر يتبعونه حتى تغني هدايتهم عن كلامه، فهو من الموجودات المنحطة عنهم، وهذا كقول إبراهيم ﴿ فاسْالوهم إن كانوا ينطقون ﴾ [الأنبياء: 63] فماذا رأوا منه مما يستأهل الإلهية، فضلاً على أن ترتقي بهم إلى الصفات التي يستحقها الإله الحق، والذين عبدوه أشرف منه حالاً وأهدى، وليس المقصود من هذا الاستدلال على الألوهية بالتكليم والهداية، وإلا للزم إثبات الإلهية لحكماء البشر.
وجملة: ﴿ اتخذوه ﴾ مؤكدة لجملة ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ فلذلك فصلت، والغرض من التوكيد في مثل هذا المقام هو التكرير لأجل التعجيب، كما يقال: نَعمْ اتخذوه، ولتبنى عليه جملة ﴿ وكانوا ظالمين ﴾ فيظهرَ أنها متعلقة باتخاذ العجل، وذلك لبعد جملة: ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ بما وليها من الجملة وهذا كقوله: ﴿ وليكتب بينكم كاتب بالعدل ﴾ إلى قوله ﴿ فليكتب ﴾ [البقرة: 282] أعيد فليكتب لتُبنى عليه جملة: ﴿ وليُملل الذي عليه الحق ﴾ [البقرة: 282]، وهذا التكرير يفيد معَ ذلك التوكيدَ وما يترتب على التوكيد.
وجملة: ﴿ وكانوا ظالمين ﴾ في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله: ﴿ اتخذوه ﴾ وهذا كقوله في سورة البقرة (51) ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون.
﴾ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَأسِّفُ عَلى فَوْتِ ما سَلَفَ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.
والثّانِي: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: هو الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ الأخْفَشُ.
والرّابِعُ: المُغْتاظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والخامِسُ: النّادِمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفي غَضَبِهِ وأسَفِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضْبانُ مِن قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ؟
أسِفًا عَلى ما فاتَهُ مِن مُناجاةِ رَبِّهِ.
والثّانِي: غَضْبانُ عَلى نَفْسِهِ في تَرْكِ قَوْمِهِ حَتّى ضَلُّوا، أسِفًا عَلى ما رَأى في قَوْمِهِ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.
وَقالَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ إنَّ غَضَبَهُ لِلرُّجُوعِ عَنْ مُناجاةِ الحَقِّ إلى مُخاطَبَةِ الخَلْقِ.
﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ يَعْنِي بِعِبادَةِ العِجْلِ.
﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِي بِهِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ قَدْ ماتَ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: وعْدُ رَبِّكم بِالثَّوابِ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى عَدَلْتُمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.
والفَرْقُ بَيْنَ العَجَلَةِ والسُّرْعَةِ أنَّ العَجَلَةَ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، والسُّرْعَةُ: عَمَلُهُ في أقَلِّ أوْقاتِهِ.
﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ وفي سَبَبِ إلْقائِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضَبًا حِينَ رَأى عِبادَةَ العِجْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ ألْقاها لَمّا رَأى فِيها فَضائِلَ غَيْرِ قَوْمِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، قالَ: رَبِّ فاجْعَلْهم أُمَّتِي قالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أحْمَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ.
وَكانَتِ التَّوْراةُ سَبْعَةَ أسْباعٍ فَلَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعِها وكانَ فِيما رُفِعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ في السُّبْعِ الباقِي، وهو الَّذِي قالَهُ اللَّهُ: ﴿ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ ورُفِعَتْ إلّا سُدُسُها.
﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ بِأُذُنِهِ.
والثّانِي: أخَذَ بِجُمْلَةِ رَأْسِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَصَدَهُ بِمِثْلِ هَذا الهُوانِ ولا ذَنْبَ لَهُ؟
فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.
أحَدُهُما: أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا قَدْ يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِالعادَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الهُوانِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ كَقَبْضِ الرَّجُلِ مِنّا الآنَ عَلى لِحْيَتِهِ وعَضِّهِ عَلى شَفَتِهِ ﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى عادَةِ العَرَبِ اسْتِعْطافًا بِالرَّحِمِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِأمْرٍ شَدِيدِ ﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ يَعْنِي مَن خالَفَهُ في عِبادَةِ العِجْلِ لِأنَّهم قَدْ صارُوا لِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ أعْداءً.
﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ لا تَغْضَبْ عَلَيَّ كَغَضَبِكَ عَلَيْهِمْ ولَسْتُ مِنهم فَأدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً ﴾ قال: حين دفنوها ألقي عليها السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ من حليهم عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: استعاروا حلياً من آل فرعون، فجمعه السامري فصاغ منه عجلاً فجعله الله جسداً لحماً ودماً له خوار.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ قال: يعني له صياح.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: كان بني معاوية بن بكر ** إلى الإِسلام ضاحية تخور وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: خار العجل خورة لم يثن، ألم تر أن الله قال: ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ له خوار ﴾ قال: الصوت.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ ﴾ ، قال المفسرون (١) (٢) ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، قال الليث: (الحَلْي كل حلية حليت بها امرأة، والجمع حُلِي، وتحلت المرأة اتخذت حُليًا ولبسته، وحَلَّيتها أنا أي: ألبستها (٣) (٤) (٥) (٦) وأنشد: وحَلْي الشَّوَى منها إذا حَلِيَتْ به ...
على قَصَباتٍ لا شِخاتٍ ولا عُصْلِ (٧) وقال ابن السكيت: (حَلَيْت المرأة وأنا أحليها إذا جعلت لها حليًا.
وبعضهم يقول: حلوتها، بهذا المعنى) (٨) قال الزجاج: (ويقرأ (٩) ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، فمن قرأ من ﴿ حُلِيِّهِمْ ﴾ فهو جمع حَلي مثل حقوٍ (١٠) (١١) قال أبو علي الفارسي: (يقال: حَلْي وحُلي مثل ثَدْي وثُدِي، ومن الواو حَقْو وحُقِي، وحِلي على وزن (فعول) قلبت واو فعول ياء لوقوعها قبل الياء التي هي لام، كما أبدلت واو مفعول في (مَرْمِي)، وأبدلت من ضمة عين (فُعُول) كسرة، كما أبدلت ضمة عين مفعول في (مَرْمى) وإن كانت اللام واوًا أبدلت منها الياء، وذلك نحو حَقْوٍ وحقي، وإنما أبدلت الواو ياء لإدغامها في الياء، فأما الحاء التي هي فاء في الحُلي، فإنها بقيت مضمومة كما كانت مضمومة في كُعُوب وفُلُوس، ومثال هذا مما أبدلت الواو منها ياء، وأبدلت في ضمتها الكسرة قولهم: أدحي النعام (١٢) (١٣) (١٤) فأما قراءة من كسر الحاء من (١٥) ﴿ حُلِيِّهِمْ ﴾ فوجه ذلك أن الكسر من الجموع قد غير عما كان الواحد عليه في اللفظ والمعنى، ألا ترى أن الاسم المكسر في الجمع يدل بالتكسير على الكثرة، فغير الفاء أيضًا في التكسير، وذلك أنه لما غير الاسم تغييرين وهو إبدالك الواو ياء، وابدال الضمة كسرة، قوي هذا التغيير على تغيير الفاء، ومثال هذا: الاسم المنسوب إليه، فإنه تغير عما (١٦) وأصبحتَ من أدنى حُمُوَّتِها حمًا (١٧) ﴿ حُلِيِّهِمْ ﴾ قولهم: قِسيٌّ من جمع (قوس)، ألا ترى أنا لا نعلم أحدًا يسكن إلى روايته حكى فيه غير الكسر في الفاء، فهذا مما يدل على تمكن الكسرة في هذا الباب الذي هو الجمع، وأما ما كان من هذا النحو واحداً كالمُضي والصُلي مصدر صَلِيَ، فإن الفاء منه لا يكسر كما كُسِر في المجموع؛ لأن الواحد لم يتغير فيه المعنى كما تغير في الجمع، على أن أبا عمر (١٨) (١٩) ﴿ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ ، وقال في أخرى (٢٠) ﴿ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا ﴾ فإن الواو في (العتو) لما كان طرفًا أبدل في الجمع، ولا يلزم فيه البدل كما يلزم في الجمع) (٢١) وكانت قصة الحلي والعجل على ما ذكره المفسرون (٢٢) ﴿ عِجْلًا جَسَدًا ﴾ .
قال الزجاج: (والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز، إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط) (٢٣) وقال الفراء: (كان جسدًا مجوفًا) (٢٤) وأكثر أهل التفسير (٢٥) (٢٦) [و] (٢٧) (٢٨) وقال عطاء: (قال الله تعالى لموسى: ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ ﴾ ، قال موسى: يارب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال الحسن: (قبض السامري قبضة [تراب] (٣٣) (٣٤) (٣٥) قال أبو إسحاق: (ويقال في التفسير: إنه سمع صوته مرة واحدة فقط) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: لا يرشدهم إلى دين) (٣٩) قال أصحابنا: (هذا يدل على أن من لا يكون متكلمًا لا يجوز أن يكون إلهًا، وأن الإله هو الذي يتكلم ويهدي السبيل) (٤٠) ﴿ اتَّخَذُوهُ ﴾ أي: إلهًا ومعبودًا، كقوله: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ .
أي: إلهًا.
وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: (يريد: مشركين) (٤١) (٤٢) (١) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 62، و"معاني النحاس" 3/ 50، والسمرقندي 1/ 570.
(٢) في (ب): (إلى الجبل والميقات).
(٣) في النسخ: (أي لبسته) وهو تحريف.
(٤) لفظ (لها مخال) ساقط من (ب)، ولم ترد في "تهذيب اللغة" 1/ 889، ولعلها مَحال بالحاء المهملة، وهو ضرب من الحُلي، انظر: "القاموس" ص 1365 (محل).
(٥) لفظ: (قال) ساقط من (أ).
(٦) "تهذيب اللغة" 1/ 889، وانظر: "العين" 3/ 296.
(٧) الشاهد لذي الرمة في "ديوانه" ص 57، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 889، "اللسان" 2/ 985 (حلى)، قال الخطيب التبريزي في "شرحه": (يريد بالشوى: يديها ورجليها، والقصبات: العظام التي فيها المخ، ولا شخات أي: لا دقاق ، ولا عصل، معوجة) اهـ.
(٨) "إصلاح المنطق" ص 139، و"تهذيب اللغة" 1/ 8890 والحلى بفتح الحاء وسكون اللام جمع (حُلِي) بضم الحاء وكسر اللام: وهو ما تزين به من مصوغ المعادن أو الحجارة.
انظر: "الصحاح" 6/ 2318، و"مقاييس اللغة" 2/ 94، و"المجمل" 1/ 247 ، و"المفردات" ص 254 (حلى).
(٩) قرأ حمزة والكسائي: ﴿ حِلِيِّهِمْ ﴾ -بكسر الحاء واللام والياء مع تشديد الياء- وقرأ الباقون مثلها إلا أنهم ضموا الحاء ﴿ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، وقرأ يعقوب: ﴿ حَلْيِهم ﴾ -بفتح الحاء وسكون اللام وكسر الياء مع تخفيفها-، انظر: "السبعة" ص 294 "المبسوط" ص 185، و"التذكرة" 2/ 425، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.
(١٠) الحَقْو: الكَشْح، والإزار أو مقعده، والحقو: الخاصرة وجانب الشيء، والحَقْو: الموضع المرتفع عن السيل وموضع الريش من السهم.
انظر: "اللسان" 2/ 948 (حقو).
(١١) "معاني الزجاج" 2/ 286 وفيه: (فمن قرأ ﴿ حَلْيِهِمْ ﴾ بالفتح فالحَلْي: اسم لما يحسن به من الذهب والفضة، ومن قرأ ﴿ حُلِيِّهِمْ ﴾ بضم الحاء فهو: جمع حَلْى مثل حَقْو وحُقَيِّ، ومن كسر الحاء أتبع الحاء كسر اللام) اهـ.
وانظر: "معاني الأخفش" 2/ 310.
(١٢) أدحي النعام: مبيضها في الرمل.
انظر: "اللسان" 3/ 1338 (دحى).
(١٣) آري الدابة: محبس الدابة.
انظر: "اللسان" 1/ 68 (أرى).
(١٤) في (ب): (مبدوله).
(١٥) لفظ: (من) مكرر في (ب).
(١٦) في (ب): (كما كان)، وهو تحريف.
(١٧) الشاهد لعبد الله بن عجلان، شاعر جاهلي، كما في "الشعر والشعراء" ص 479، وصدره: ألا إن هندًا أصبحت منك محرمًا وهو بلا نسبة في "العين" 3/ 312، و"تهذيب اللغة" 1/ 909، و"اللسان" 2/ 1013 (حمى)، وأوله عندهم: لقد أصبحت أسماء حجراً محرمًا والشاعر كانت له زوجة فطلقها وتزوجها أخوه يقول: أصبحت أخًا زوجها بعد ما كنت زوجها.
(١٨) في النسخ: "عمرو" والتصحيح من "الحجة" لأبي علي 4/ 86 وهو: صالح بن إسحاق الجرمي مولاهم أبو عمر البصري، إمام نحوي، لغوي، صدوق، ورع، فقيه، أخذ عن أبي زيد وأبي الحسن الأخفش وأبي عبيدة والأصمعي وغيرهم وله مصنفات مفيدة منها "الفرخ" في النحو، والأبنية، والعروض، توفي سنة 225 هـ.
انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي ص 84، و"تاريخ بغداد" 9/ 313، و"أنباه الرواة" 2/ 80، و"معجم الأدباء" 12/ 5، و"وفيات الأعيان" 2/ 485، و"البلغة" ص 113.
(١٩) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 236 (أوى).
(٢٠) في (أ): (أخريهم)، وهو تحريف.
(٢١) "الحجة" لأبي علي 4/ 80 - 88 مع بعض الاختصار، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 423، و"إعراب القراءات" 1/ 207، و"الحجة" لابن خالويه ص 164، ولابن زنجله ص 296، و"الكشف" 1/ 477.
(٢٢) أخرج الطبري في "تفسيره" 9/ 62 قصة الحلي والعجل بسند ضعيف عن ابن عباس وسعيد بن جبير، ومن طرق جيدة عن مجاهد والسدي وابن زيد وابن إسحاق.
وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 377، و"إعراب القراءات" لابن خالويه 1/ 208 ، و"تفسير السمرقندي" 1/ 570.
(٢٣) "معاني الزجاج" 2/ 377 ومثله قال النحاس في "معانيه" 3/ 80 - 81.
(٢٤) "معاني الفراء" 1/ 393.
(٢٥) انظر: "تفسير البغوي" 3/ 283، وذكر هذا القول ابن عطية 6/ 82، وقال: (وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد تكذب ذلك) اهـ.
(٢٦) ذكره الثعلبي في "الكشف" 197 ب، والواحدي في "الوسيط" 2/ 243.
(٢٧) لفظ: (الواو) ساقط من (أ).
(٢٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 236، وابن أبي حاتم 5/ 1568 بسند جيد.
(٢٩) في (ب): (من جعل).
(٣٠) في (ب): (يريد بالجسم اللحم والدم).
(٣١) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).
(٣٢) لم أقف عليه، وهو أثر غريب منكر.
(٣٣) لفظ: (تراب) ساقط من (أ)، وملحق أعلى السطر في (ب).
(٣٤) في (أ): (ذلك التراب في فيِ العجل).
(٣٥) ذكره هود الهواري في "تفسيره" 2/ 46، والواحدي في "الوسيط" 2/ 243.
(٣٦) "معاني الزجاج" 2/ 377، ومثله قال الفراء في "معانيه" 1/ 393.
(٣٧) أخرجه الطبري 9/ 62 من طرق ضعيفة، وأخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1568 من طرق جيدة.
(٣٨) ليس في "معاني الزجاج" 2/ 377 أنه أخذ من أثر الفرس، ولعل الواحدي يقصد أنه خار مرة واحدة فقط.
(٣٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 243 بلا نسبة.
وقال الزجاج 2/ 378 في معنى الآية: (أي: لا يبين لهم طريقًا إلى حجة) اهـ.
(٤٠) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 62.
(٤١) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 243، وابن الجوزي 3/ 262.
(٤٢) قال الطبري 3/ 117 في معنى الآية: (يخبر جل ذكره عنهم أنهم ضلوا بما لا يضل بمثله أهل العقل، وذلك أن الرب الذي له ملك السموات والأرض ومدبر ذلك لا يجوز أن يكون جسدًا له خوار لا يكلم أحدًا ولا يرشد إلى خير ...) اهـ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلِقَآءِ الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي: ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى ﴾ هم بنو إسرائيل ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد غيبته في الطور ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ بضم الحال والتشديد جمع حلى نحو ثدي وثدي، وقرئ بكسر الحاء للإتباع وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام، والحلي هو اسم ما يتزين به من الذهب والفضة ﴿ جَسَداً ﴾ أي جسماً دون روح، وانتصابه على البدل ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ الخوار هو: صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فيسمع له خوار ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ ردّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ﴿ اتخذوه ﴾ أي اتخذوه إلهاً، فحذف لمفعول الثاني للعلم به، وكذلك حذف من قوله: واتخذ قوم موسى ﴿ سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ﴾ أي ندموا يقال: سقط في يد فلان إذا عجز عما يريد أو وقع فيما يكره ﴿ أَسِفاً ﴾ شديد الحزن على ما فعلوه، وقيل: شديد الغضب كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ا ﴾ [الزخرف: 55] ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي ﴾ أي قمتم مقامي، وفاعل بئس مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك أما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام، حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أنّ الأمر قد تم ظنوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل ﴿ وَأَلْقَى الألواح ﴾ طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله من عبادة العجل ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي شعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ لأنه ظن أنه فرَّط في كف الذين عبدوا العجل ﴿ ابن أُمَّ ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأمّه، لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ، وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر جعَل الاسمان اسما واحداً فبنى ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين ﴾ أي لا تظن أني منهم أو لا تجد عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم يعني أصحاب العجل ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ ﴾ أي: غضب في الآخرة وذلة في الدنيا ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ أي سكن، وكذلك قرأ بعضهم، وقال الزمخشري: قوله: سكت مثل كأن الغضب كان يقول له ألق الألواح وجُرّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ أي فيما ينسخ منها، والنسخة فعلة بمعنى مفعول ﴿ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي يخافون، ودخلت اللام لتقدّم المفعول كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، وقال المبرِّد: تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لربهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.
الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.
﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.
الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.
﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بضم الراء وسكون الشين.
﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.
الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.
﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.
﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.
الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم ﴾ في طه.
الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.
﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.
﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.
﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.
التفسير: لما أهلك الله أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟
فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.
وقيل: فائدة التفصيل أنه أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.
وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى ﴾ فلما أعلمه الله خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.
وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.
ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.
والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.
وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.
﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.
وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.
وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.
﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.
وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.
وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.
وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.
واختلف العلماء أيضاً في أن الله كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.
عن ابن عباس: أن موسى جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.
فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.
قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله .
فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.
قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.
وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.
وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.
وردّ بأنه أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟
ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله عن ذلك؟
ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله ولا يلزم منه المنع في الآخرة.
ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.
وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.
ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.
وفي الآية سؤال وهو أنه لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.
وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.
ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".
والدك والدق أخوان.
ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.
والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.
والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.
وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.
وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟
قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.
وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.
روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.
وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.
وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.
ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.
والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.
قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.
وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى.
والغرض أنه خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.
وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.
وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.
والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.
ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.
وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.
وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.
وقيل: طولها كان عشرة أذرع.
والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.
وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.
وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.
قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.
وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.
﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.
وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.
وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.
وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.
ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.
وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.
وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.
وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .
وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون ﴾ .
ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.
فاحتجت الأشاعرة بها على أنه قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.
وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.
وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.
وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله .
وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله عنها.
وبوجه آخر إن الله إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.
وعن رسول : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.
والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله ﴿ مما علمت رشداً ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.
ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.
ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.
ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.
قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.
أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.
ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.
قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.
والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.
ومن كسر الحاء فللإتباع.
فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.
واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.
قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.
وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.
وإنما قال ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.
قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.
وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.
واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.
ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.
وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.
قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.
قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.
والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.
واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.
وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.
وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.
وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.
وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.
وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.
ثم قال الله ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.
قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.
ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.
ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.
﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.
وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.
والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.
وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.
وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.
وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.
ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.
قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.
وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.
وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.
وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.
وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.
وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.
وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.
عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.
وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.
قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.
وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.
واعلم أن موسى كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.
وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.
وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.
بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.
ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.
فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.
واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.
وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.
قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.
ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.
قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.
وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.
ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.
وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.
وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.
﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.
التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.
وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.
قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.
﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.
﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.
اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.
وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.
﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.
﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .
قوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ ﴾ كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ...
﴾ الآية، وصف الله - - قوم موسى بعضهم بالهداية، والعدالة، واتباع الحق، بقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ ، وبعضهم وصفهم بالسفاهة، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾ ، وقال: ههنا: اتخذوا العجل إلهاً عبدوه، يذكر هذا - والله أعلم - لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه والتفكر في نعمه، فنؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتبعها ولا نضيعها على ما ضيع قوم موسى.
وقوله: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي: من بعد مفارقة موسى قومه.
وقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ وكانت تلك الحلي عارية عندهم من قوم فرعون، بقوله: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ أضاف إلى فرعون، وأضاف هاهنا إلى قوم موسى، بقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ دل أن العارية يجوز أن تنسب إلى المستعير.
وفيه دلالة أن من حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل داراً له عارية عنده يحنث.
وقوله: ﴿ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .
قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلاً في جوهره.
وقيل: الجسد هو الذي لا تدبير له، ولا تمييز، ولا بيان؛ لكنه ذكر فيه هنا ما لا يحتاج إلى هذا، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ لكنه كأنه قال: عجلاً له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء، واختاروا، الهيئة من وصفه ما ذكر.
وقوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ قيل: إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى تلك القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار؛ فصار شبه عجل له خوار.
وقال بعضهم: صاغ من حليهم عجلاً؛ فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خواراً.
وقال بعضهم: إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه وحركه: خار.
وقال بعضهم: كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره، ويخرج من فيه، فعند ذلك يخور.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ .
[ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا]، وفي سورة طه: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرّاً ونفعاً يجوز أن يعبد؛ ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حالٍ لا يوجب إباحة ذلك في حالٍ أخرى.
وفيه: أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها، وإن كان اطرادها في الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها.
وفي قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ذكر سفههم لعبادتهم شيئاً لا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً.
وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوهُ ﴾ \[أي: اتخذوه\] إلهاً عبدوه، ﴿ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ في عبادتهم العجل؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، والألوهية في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ ﴾ هذا حرف تستعمله العرب عند وقوع الندامة وحلولها، وتأويله: لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم، أي: ندموا على ما كان منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ أي: لئن لم يرحمنا ربنا، ويوفقنا للهداية والعبادة له، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة للعجل، والتفريط في العصيان ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ ابتداء طلب الرحمة والمغفرة؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...
﴾ الآية [هود: 90].
ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو.
وفي قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ دلالة أن الكلام هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها؛ لأنه أخبر أن له خواراً، ثم أخبر أنه كان لا يكلمهم، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام، وذلك يدل لأصحابنا في مسألة: إذا حلف ألا يكلم فلاناً، ثم خاطبه بشيء لا يفهم مراده أن ذلك ليس بكلام، ولا يحنث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ والأسف: هو النهاية في الحزن والغضب؛ كقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ هو النهاية في الحزن والأسف في موضع الغضب، وكقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ أي: أغضبونا، لكن الغضب يكون على من دونه، والأسف والحزن على من فوقه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ غَضْبَٰنَ ﴾ أي: لله على قومه لعبادتهم العجل، وتركهم عبادة الله حزناً على قومه لما يلحقهم بعبادتهم العجل من العقوبة، وهكذا الواجب على من رأى المنكر أنه يغضب لله على مرتكب ذلك المنكر لمعاينته المنكر، ويأسف عليه لما يلحقه من العقوبة والهلاك؛ رحمة منه له ورأفة، ويلزم الشكر لربه؛ لما عصمه عن مثله، وكذلك وصف رسوله - - بالأسف والحزن لتكذيبهم إياه حتى كادت نفسه تهلك حزناً عليهم؛ حيث قال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ ذكر هذه القصة لنا؛ لنعرف: أن كيف نعامل أهل المناكير وقت ارتكابهم المنكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ ﴾ .
يخرج هذا على وجهين: أحدهما: بئسما خلفتموني: بئس ما اخترتم من عبادتكم العجل على عبادة الله.
والثاني: بئسما خلفتموني باتباعكم السامري إلى ما دعاكم إليه بعد اتباعكم إياي وأخي رسول الله وما أمركم به ودعاكم إلى عبادة الله.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أعجلتم ميعاد ربكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ ، أي: أعجلتم الوعد الحسن الذي وعد لكم ربكم، وهو قوله: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً ﴾ .
وقال آخرون: [قوله]: ﴿ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أي: عذاب ربكم وغضبه بعبادتكم العجل واتخاذكم له إلهاً، وقد سمى الله العذاب في غير موضع من القرآن: أمراً؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .
قال أكثر أهل التأويل: ألقى الألواح، أي: طرحها على الأرض غضباً منه، فوقع منها كذا وكذا، وبقي كذا، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ طرحها لا غير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ ليس يفهم منه الطرح والإلقاء، ولكن إنما فهم منه الوضع، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ أي: وضع؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته، أعني: رأس أخيه هارون، ولا سبيل له إلى أن يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه، فوضعها على الأرض، وثم أخذ رأسه ولحيته يجرُّه إليه، على ما ذكر في سورة طه؛ حيث قال: ﴿ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ ، دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعاً لشدة غضبه لله على صنيع قومه.
وفي الآية دلالة العمل بالاجتهاد؛ لأنه قال: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ ، ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله، ثم يقول له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولا تفعل كذا.
وفيه أيضاً: أن هارون لما قال له: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ ﴾ إنما قال ذلك بالاجتهاد؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ ﴾ ؛ لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر، لم يكن ليعتذر إليه بقوله فلا تشمت بي الأعداء.
وقوله: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ .
فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه؛ لأنه لو كان أخذ رأسه، لكان لا يحتاج إلى أن يجره إليه؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه.
وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ فيه دلالة لأصحابنا أن من مسح رأسه ثم أزال شعره، لم يسقط عنه حكم المسح، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت زال عنه حكمه، ولزم غسل ذقنه؛ لما سمى الشعر رأساً، وسمى اللحية لحية، وسقوطها يسقط حكم المسح، وسقوط شعر الرأس لا.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ﴾ .
خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي ﴾ .
قال بعضهم: إنما خصَّ أخاه بسؤال المغفرة؛ لأنهم جميعاً قد عبدوا العجل سوى أخيه هارون؛ لذلك خصّه بسؤال المغفرة.
وقال بعضهم: إنما قال ذلك جواباً عما قال هارون: ﴿ فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ...
﴾ الآية.
ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له وزيراً بقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي ﴾ ، لما سأل ربه أن يشركه في أمره، ويشد به أزره، فعلى ذلك خصَّه بسؤال المغفرة.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .
لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ ﴾ .
أي: عبدوا العجل.
﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قال بعضهم: غضب من ربهم: عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ القتل والهلاك في الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ : القتل، والهلاك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الجزية والسبي والقهر.
ويحتمل قوله : ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ذكر الذم بصنيعهم وثناء الشر، على ما كان بصنيع الخيرِ المحمدةُ في الدنيا وثناءُ الخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: احدهما: أي: قد نالهم غضب من ربهم؛ لما ذكر.
والثاني: أن يكون هذا مذكوراً في كتبهم أن من اتخذ العجل معبوداً سينالهم غضب من ربهم، فإن كان هذا خبراً عما في كتبهم، فسينالهم على الوعد الصحيح، وإلا على الخبر، أي: قد نالهم.
﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ ﴾ .
أي: كذلك نجزي كل مفتر على الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ ﴾ .
قال أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ يعني: الذين عبدوا العجل.
﴿ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهو: في كل من عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها، وندم عليها، وطلب من الله المغفرة، غفر له.
<div class="verse-tafsir"
ووضع قوم موسى من بعد ذهابه لمناجاة ربه من حُلِيِّهم تمثالَ عِجْل لا روح فيه وله صوت، ألم يعلموا أن هذا العجل لا يكلمهم، ولا يرشدهم إلى طريق خير حسي أو معنوي، ولا يجلب لهم نفعًا أو يكشف عنهم ضرًّا؟
اتخذوه معبودًا وكانوا ظالمين لأنفسهم بذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.EdqBy"