الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٥٠ من سورة الأعراف

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 161 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٠ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٠ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أن موسى ، عليه السلام ، رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف .

قال أبو الدرداء " الأسف " : أشد الغضب .

( 151 ) ( قال بئسما خلفتموني من بعدي ) يقول : بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم .

وقوله : ( أعجلتم أمر ربكم ) ؟

يقول : استعجلتم مجيئي إليكم ، وهو مقدر من الله تعالى .

وقوله : ( وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) قيل : كانت الألواح من زمرد .

وقيل : من ياقوت .

وقيل : من برد وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث : " ليس الخبر كالمعاينة " ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضبا على قومه ، وهذا قول جمهور العلماء سلفا وخلفا .

وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا ، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة ، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء ، وهو جدير بالرد ، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب ، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة .

وقوله : ( وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) خوفا أن يكون قد قصر في نهيهم ، كما قال في الآية الأخرى : ( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري .

قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ) [ طه : 92 - 94 ] وقال هاهنا : ( ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ) أي : لا تسقني مساقهم ، ولا تخلطني معهم .

وإنما قال : ( ابن أم ) ; لتكون أرأف وأنجع عنده ، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه .

فلما تحقق موسى ، عليه السلام ، براءة ساحة هارون عليه السلام كما قال تعالى : ( ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري ) [ طه : 90 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولما رجع موسى إلى قومه من بني إسرائيل, رجع غضبان أسفًا, لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومه, وأن السامري قد أضلّهم, فكان رجوعه غضبان أسفًا لذلك.

* * * و " الأسف " شدة الغضب، والتغيظ به على من أغضبه، كما:- 15124- حدثني عمران بن بكار الكلاعي قال، حدثنا عبد السلام بن محمد الحضرمي قال، حدثني شريح بن يزيد قال، سمعت نصر بن علقمة يقول: قال أبو الدرداء: قول الله: " غضبان أسفًا "، قال: " الأسف "، منـزلة وراء الغضب، أشدُّ من ذلك, وتفسير ذلك في كتاب الله: ذهب إلى قومه غضبان, وذهب أسفًا.

(1) * * * وقال آخرون في ذلك ما:- 15125- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " أسفًا "، قال: حزينًا.

15126- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه , عن ابن عباس: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا "، يقول: " أسفًا "، " حزينًا "، وقال في " الزخرف ": فَلَمَّا آسَفُونَا [سورة الزخرف: 55]، يقول: أغضبونا= و " الأسف "، على وجهين: الغضب، والحزن.

15127- حدثنا نصر بن علي قال، حدثنا سليمان بن سليمان قال، حدثنا مالك بن دينار قال، سمعت الحسن يقول في قوله: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا "، قال: غضبان حزينًا.

* * * وقوله: " قال بئسما خلفتموني من بعدي"، يقول: بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم وأوليتموني فيمن خلفت ورائي من قومي فيكم، وديني الذي أمركم به ربكم.

يقال منه: " خلفه بخير "، و " خلفه بشر "، إذا أولاه في أهله أو قومه ومن كان منه بسبيل من بعد شخوصه عنهم، خيرًا أو شرًّا.

(2) * * * وقوله: " أعجلتم أمر ربكم "، يقول: أسبقتم أمر ربكم في نفوسكم, وذهبتم عنه؟

* * * يقال منه: " عجل فلان هذا الأمر "، إذا سبقه = و " عجل فلانٌ فلانًا "، إذا سبقه = " ولا تَعْجَلْني يا فلان "، لا تذهب عني وتدعني= و " أعجلته ": استحثثته.

* * * القول في تأويل قوله : وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وألقى موسى الألواح.

* * * ثم اختلف أهل العلم في سبب إلقائه إياها.

فقال بعضهم: ألقاها غضبًا على قومه الذين عبدوا العجل.

* ذكر من قال ذلك: 15128- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا الأصبغ بن زيد, عن القاسم بن أبي أيوب قال، حدثني سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: لما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، فأخذ برأس أخيه يجرّه إليه, وألقى الألواح من الغضب.

15129- وحدثني عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا ابن عيينة قال، قال أبو سعد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: لما رجع موسى إلى قومه, وكان قريبًا منهم, سمع أصواتهم، فقال: إني لأسمع أصواتَ قومٍ لاهين: فلما عاينهم وقد عكفوا على العجل، ألقى الألواح فكسرها, وأخذ برأس أخيه يجره إليه.

15130- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: أخذ موسى الألواح، ثم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا, فقال: يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ، إلى قوله: فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ [سورة طه: 86-87]، فألقى موسى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه= قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [سورة طه: 94].

15131- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال: لما انتهى موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل, ألقى الألواح من يده, ثم أخذ برأس أخيه ولحيته، ويقول: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي [سورة طه: 92، 93].

* * * وقال آخرون: إنما ألقى موسى الألواح لفضائل أصابها فيها لغير قومه, فاشتدّ ذلك عليه.

* ذكر من قال ذلك: 15132- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة , قوله: أَخَذَ الأَلْوَاحَ ، قال: رب، إني أجد في الألواح أمةً خيرَ أمة أخرجت للناس, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون= أي آخرون في الخلق= السابقون في دخول الجنة، (3) رب اجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها,= وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا، ولم يعرفوه.

قال قتادة: وإن الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأمم = قال: ربِّ اجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر, ويقاتلون فضول الضلالة، حتى يقاتلوا الأعور الكذاب, فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ثم يؤجرون عليها= وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه, بعث الله عليها نارًا فأكلتها, وإن ردَّت عليه تركت تأكلها الطير والسباع.

قال: وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم= قال: رب اجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة, فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة, رب اجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها, فإذا عملها كتبت عليه سيئة واحدة, فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم, فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام نبذ الألواح وقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد!

قال: فأعطي نبي الله موسى عليه السلام ثنتين لم يعطهما نبيٌّ، قال الله: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ، [سورة الأعراف: 144 ].

قال: فرضي نبي الله.

ثم أعطي الثانية: وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [سورة الأعراف: 159]، قال: فرضي نبي الله صلى الله عليه وسلم كل الرضى.

15133- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: لما أخذ موسى الألواح قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم خير الأمم, يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد!

قال: يا رب، إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة, فاجعلهم أمتي!

قال: تلك أمة أحمد, ثم ذكر نحو حديث بشر بن معاذ= إلا أنه قال في حديثه: فألقى موسى عليه السلام الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليهما.

* * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل، لأن الله جل ثناؤه بذلك أخبر في كتابه فقال: " ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ".

* * * وذكر أن الله لما كتب لموسى عليه السلام في الألواح التوراة, (4) أدناه منه حتى سمع صريف القلم.

* ذكر من قال ذلك: 15134- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل, عن السدي, عن أبي عمارة, عن علي عليه السلام قال: كتب الله الألواح لموسى عليه السلام، (5) وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح.

15135- ....

قال حدثنا إسرائيل, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير قال: أدناه حتى سمع صريف الأقلام.

(6) * * * وقيل: إن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى موسى الألواح تكسرت, فرفع منها ستة أسباعها, وكان فيما رفع " تفصيل كل شيء "، الذي قال الله: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي، وهو الذي قال الله: أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ، [سورة الأعراف: 154].

* * * وكانت التوراة فيما ذكر سبعين وَقْر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة، كما:- 15136- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن خالد المكفوف قال، حدثنا عبد الرحمن, عن أبي جعفر, عن الربيع بن أنس قال: أنـزلت التوراة وهي سبعون وَقْر بعير, يقرأ منها الجزء في سنة, لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى بن عمران, وعيسى, وعزير, ويوشع بن نون، صلوات الله عليهم.

* * * واختلفوا في " الألواح ".

فقال بعضهم: كانت من زُمرد أخضر.

* * * وقال بعضهم: كانت من ياقوت.

* * * وقال بعضهم: كانت من بَرَد.

* * * * ذكر الرواية بما ذكرنا من ذلك.

15137- حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقي قال، حدثنا حجاج بن محمد, عن ابن جريج قال، أخبرني يعلى بن مسلم, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: ألقى موسى الألواح فتكسرت, فرفعت إلا سدسها= قال ابن جريج: وأخبرني أن الألواح من زبرجد وزمرد من الجنة.

15138- وحدثني موسى بن سهل الرملي، وعلي بن داود، وعبد الله بن أحمد بن شبويه، وأحمد بن الحسن الترمذي قالوا، أخبرنا آدم العسقلاني قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: كانت ألواح موسى عليه السلام من بَرَد.

(7) 15139- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن أبي الجنيد, عن جعفر بن أبي المغيرة قال: سألت سعيد بن جبير عن الألواح، من أي شيء كانت؟

قال: كانت من ياقوتة، كتابة الذهب، كتبها الرحمن بيده, فسمع أهل السموات صريف القلم وهو يكتبها.

15140- حدثني الحارث قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا عبد الرحمن, عن محمد بن أبي الوضاح, عن خصيف, عن مجاهد أو سعيد بن جبير قال: كانت الألواح زمردًا, فلما ألقى موسى الألواح بقي الهدى والرحمة, وذهب التفصيل.

15141- قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا الأشجعي, عن محمد بن مسلم , عن خصيف, عن مجاهد قال: كانت الألواح من زمرد أخضر.

* * * وزعم بعضهم: أن الألواح كانت لوحين.

فإن كان الذي قال كما قال, فإنه قيل: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ ، وهما لوحان, كما قيل: فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ [سورة النساء: 11]، وهما أخوان.

(8) * * * أما قوله: " وأخذ برأس أخيه يجره إليه "، فإن ذلك من فعل نبي الله صلى الله عليه وسلم كان، لموجدته على أخيه هارون في تركه أتباعه، وإقامته مع بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه, كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قيل موسى عليه السلام له: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ؟

[سورة طه: 92، 93]، حين أخبره هارون بعذره فقبل عذره, وذلك قيله لموسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ، [سورة طه: 94]، وقال: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء "، الآية: * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " يا ابن أم ".

فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض أهل البصرة: ( يَا ابْنَ أُمَّ ) بفتح " الميم " من " الأم ".

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة: ( يَا ابْنَ أُمِّ) بكسر " الميم " من الأم.

* * * واختلف أهل العربية في فتح ذلك وكسره, مع إجماع جميعهم على أنهما لغتان مستعملتان في العرب.

فقال بعض نحويي البصرة: قيل ذلك بالفتح، على أنهما اسمان جعلا اسمًا واحدًا, كما قيل: " يا ابن عمَّ", وقال: هذا شاذ لا يقاس عليه.

وقال: من قرأ ذلك: " يا ابن أمِّ", فهو على لغة الذين يقولون: " هذا غلامِ قد جاء؟", جعله اسمًا واحدًا آخره مكسور, مثل قوله: " خازِ باز ".

(9) * * * وقال بعض نحويي الكوفة: قيل: " يا ابن أمَّ" و " يا ابن عمَّ", فنصب كما ينصب المعرب في بعض الحالات, فيقال: " يا حسرتا ", " يا ويلتا ".

قال: فكأنهم قالوا: " يا أماه "، و " يا عماه "، ولم يقولوا ذلك في " أخ ", ولو قيل ذلك لكان صوابًا.

قال: والذين خفضوا ذلك، فإنه كثر في كلامهم حتى حذفوا الياء.

قال: ولا تكاد العرب تحذف " الياء " إلا من الاسم المنادَى يضيفه المنادِي إلى نفسه, إلا قولهم: " يا ابن أمِّ" و " يا ابن عمِّ"، وذلك أنهما يكثر استعمالهما في كلامهم, فإذا جاء ما لا يستعمل أثبتوا " الياء " فقالوا: " يا ابن أبي" و " يا ابن أختي، وأخي"، و " يا ابن خالتي", و " يا ابن خالي".

(10) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إذا فتحت " الميم " من " ابن أم ", فمرادٌ به الندبة: يا ابن أماه, وكذلك من " ابن عم ".

فإذا كسرت فمرادٌ به الإضافة, ثم حذفت " الياء " التي هي كناية اسم المخبر عن نفسه.

وكأن بعض من أنكر تشبيه كسر ذلك إذا كسر ككسر الزاي من " خاز باز "، (11) لأن " خاز باز " لا يعرف الثاني إلا بالأول، ولا الأول إلا بالثاني, فصار كالأصوات.

وحكي عن يونس الجرمي تأنيث " أم " وتأنيث " عم ", (12) وقال: لا يجعل اسمًا واحدًا إلا مع " ابن " المذكر.

قالوا: وأما اللغة الجيدة والقياسُ الصحيح، فلغة من قال: " يا ابن أمي" بإثبات " الياء ", كما قال أبو زبيد: يَـا ابْـنَ أُمِّـي, وَيَـا شُـقَيِّقَ نَفْسِـي أَنْــتَ خَــلَّفْتَني لِدَهْــرٍ شَــدِيدِ (13) وكما قال الآخر: (14) يَـا ابْـنَ أُمِّـي!

وَلَـوْ شَـهِدْتُكَ إِذْ تَدْ عُــو تَمِيمًـا وَأَنْـتَ غَـيْرُ مُجَـابِ (15) وإنما أثبت هؤلاء الياء في " الأم "، لأنها غير مناداة, وإنما المنادى هو " الابن " دونها.

وإنما تسقط العرب " الياء " من المنادى إذا أضافته إلى نفسها, لا إذا أضافته إلى غير نفسها, كما قد بينا.

(16) * * * وقيل: إن هارون إنما قال لموسى عليه السلام: " يا ابن أم ", ولم يقل: " يا ابن أبي" , وهما لأب واحد وأم واحدة, استعطافا له على نفسه برحم الأم.

(17) * * * وقوله: " إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني"، يعني بالقوم، الذين عكفوا على عبادة العجل وقالوا: " هذا إلهنا وإله موسى ", وخالفوا هارون.

وكان استضعافهم إياه: تركهم طاعته واتباع أمره= (18) = " وكادوا يقتلونني"، يقول: قاربوا ولم يفعلوا.

(19) * * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " فلا تشمت ".

فقرأ قرأة الأمصار ذلك: ( فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ )، بضم " التاء " من " تشمت " وكسر " الميم " منها, من قولهم: " أشمت فلان فلانًا بفلان ", إذا سره فيه بما يكرهه المشمت به.

* * * وروي عن مجاهد أنه قرأ ذلك: ( فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ ).

15142- حدثني بذلك عبد الكريم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار قال، حدثنا سفيان قال، قال حميد بن قيس: قرأ مجاهد: ( فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعَدَاءُ ).

15143- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة, عن حميد قال: قرأ مجاهد: ( فَلا تَشْمِتْ بِيَ الأعَدَاءُ ).

15144- حدثت عن يحيى بن زياد الفراء قال، حدثنا سفيان بن عيينة, عن رجل, عن مجاهد، أنه قال: (لا تُشْمِتْ).

(20) * * * وقال الفراء: قال الكسائي: ما أدرى, فلعلهم أرادوا: فلا تشمت بي الأعداءُ، فإن تكن صحيحة فلها نظائر.

العرب تقول: " فَرِغت وفَرَغت ", فمن قال: " فَرغت "، قال: " أنا أفرُغ ", ومن قال: " فرِغت "، قال: " أنا أفرَغُ", وكذلك: " ركِنت " " وركَنت "، و " شمِلهم أمرٌ" (21) " وشمَلهم ", (22) في كثير من الكلام.

قال: " والأعداء " رفع، لأن الفعل لهم، لمن قال: " تشمَت " أو " تشمِت ".

(23) * * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا أستجيز القراءة إلا بها، قراءةُ من قرأ: (فَلا تُشْمِتْ): بضم " التاء " الأولى، وكسر " الميم " من: " أشمتُّ به عدوه أشمته به ", ونصبِ " الأعداء "، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليها، وشذوذ ما خالفها من القراءة, وكفى بذلك شاهدا على ما خالفها.

هذا مع إنكار معرفة عامة أهل العلم بكلام العرب: " شمت فلان فلانًا بفلان ", و " شمت فلان بفلان يشمِت به ", وإنما المعروف من كلامهم إذا أخبروا عن شماتة الرجل بعدوِّه: " شمِت به " بكسر " الميم ": " يشمَت به "، بفتحها في الاستقبال.

* * * وأما قوله: " ولا تجعلني مع القوم الظالمين "، فإنه قولُ هارون لأخيه موسى.

يقول: لا تجعلني في موجدتك عليَّ وعقوبتك لي ولم أخالف أمرك، محلَّ من عصاك فخالف أمرك، وعبد العجل بعدك، فظلم نفسه، وعبد غيرَ من له العبادة, ولم أشايعهم على شيء من ذلك، كما:- 15145- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ولا تجعلني مع القوم الظالمين "،) قال: أصحاب العجل.

15146- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، بمثله.

------------------- الهوامش : (1) الأثر : 15124 - (( عبد السلام بن محمد الحضرمى )) ، يعرف ب (( سليم )) ، مترجم في التهذيب ، وقال: (( وقد ذكره البخاري فلم يذكر فيه جرحاً )) ، وابن أبي حاتم 3 / 1 / 48 ، وذكره ابن حبان في الثقات .

و (( شريح بن يزيد الحضرمى )) ، (( أبو حيوة )) ، لم يذكر فيه البخاري جرحاً ، ووثقه ابن حبان .

ممترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/231 .

و (( نصر بن علقمة الحضرمى )) ، (( أبو علقمة )) ، وثقه دحيم وابن حبان ، ولم يذكر فيه البخاري جرحاً .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/102 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 469 ، وروايته عن أبي الدرداء مرسلة .

(2) (1) انظر تفسير(( خلف )) فيما سلف ص : 88 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(3) (1) في المطبوعة : (( الآخرون السابقون = أي : آخرون في الخلق ، سابقون في دخول الجنة )) ، وأثبت ما في المخطوطة .

(4) (1) في المطبوعة : (( وذلك أن الله لما كتب )) ، والصواب في المخطوطة .

(5) (2) في المطبوعة : (( لما كتب الله الألواح )) ، والصواب حذف (( لما )) كما في المخطوطة .

(6) (1) الأثر : 15135 - وضعت النقط في هذا الخبر ، للدلالة على أن هذا الإسناد ملحق بالإسناد السالف ، وصدره هكذا : (( حدثني الحارث قال ، حثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ....

)) .

(7) (1) الأثر 15138 - انظر الأثر رقم 914 ، والتعليق عليه .

(8) (2) انظر ما قال في الجمع ، والمراد به اثنان فيما سلف 8 : 41 - 44 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 394 .

(9) (1) (( الخازباز )) ، هو ضرب من الذبان ، و (( خاز )) و (( باز )) صوتان من صوت الذباب ، فجعلا واحداً ، وبنيا على الكسر ، لا يتغير في الرفع والنصب والجر .

(10) (1) هذه كلها مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 394 .

(11) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( من أنكر نسبته كسر ذلك ...

)) ، وصواب قراءته ما أثبته (( تشبيه )) .

(12) (3) (( يونس الجرمى )) ، هكذا جاء هنا أيضاً ، وانظر ما سلف 10 : 120 ، تعليق : 1 ، ثم 11 : 544 ، تعليق : 3 ، وما سيأتي ص : 138 .

(13) (4) أمالي اليزيدي 9 ، جمهرة أشعار العرب : 139 واللسان ( شقق ) ، وشواهد العينى ( هامش خزانة الأدب ) : 4 : 222 ، وغيرها .

من قصيدة مختارة ، يرثى ابن أخته اللجلاج ، ويقال : يرثى أخاه اللجلاج ، ويروى البيت: يَا ابْنَ خَنْسَاء ، شِقَّ نَفْسِيَ يَا لَجْلاجُ ، خَلَّيْتَنِى لِدَهْرٍ شَدِيدِ وأما هذه الرواية ، فهي رواية النحاة جميعًا في كتبهم في باب النداء.

يقول فيها:كُـلَّ مَيْـتٍ قَـدِ اغْتَفَـرْتُ ، فــلا أُو جــع مِــنْ وَالِــدٍ وَلا مَوْلُــودِ غَــيْرَ أَنَّ اللَّجْــلاجَ هَـدَّ جَنَـاحِي يَــوْمَ فَارَقْتُــهُ بِــأَعْلَى الصَّعِيـدِ فِــي ضَـرٍيحٍ عَلَيْـهِ عِـبْءٌ ثَقِيـلٌ مِــنْ تُـــرَابٍ وجَــنْدَلٍ مَنْضُـودِ عَــنْ يَمِيـنِ الطَّـرِيقِ عِنْـدَ صَــدٍ حَـرَّ انَ يَدْعُـو بِـاللَّيْلِ غَـيْرَ مَعُـودِ صَادِيًــا يَسْــتَغِيثُ غَــيْرَ مُغَـاثٍ وَلَقَــدْ كَــانَ عُصْــرة المَنْجُـودِ وقوله : (( شقيق )) تصغير (( شقيق )) ، وهو الأخ .

(14) (1) هو غلفاء بن الحارث ، وهو معد يكرب بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار الكندى ، وهو عم امرئ القيس بن حجر إمام الشعراء .

وسمى (( غلفاء )) ، لأنه كان يغلف رأسه بالمسك .

ويقال: هو أول من فعل ذلك .

(15) (2) النقائض : 457 ، 1077 ، الوحشيات رقم : 213 ، الأغاني : 12 : 213 ، من قصيدة يرثي بها أخاه شرحبيل بن الحارث ، قتيل يوم الكلاب الول ( انظر خبر ذلك في النقائض ، والأغاني ) ، يقول قبله ، وهو أول الشعر :إِنَّ جَــنْبِي عَــنِ الفِـرَاشِ لَنَـابِي كَتَاجَــافِي الأسَــرِّ فَـوْقَ الظِّـرَابِ مِــنْ حَـدِيثٍ نَمَـى إلَـيّ فَـلا تَـرْ قَــأُ عَيْنِــي، وَلا أُسِــيغُ شَـرَابِي مُــرَّةٌ كَالذِّعَــافِ أكْتُمُهَــا النَّـا سَ، عَــلَى حَــرِّ مَلَّـةٍ كالشِّـهَابِ مِــنْ شُــرْحَبِيلَ إِذْ تَعَــاوَرُه الأرْ مَــاحُ فِــي حَـالِ لَـذَّةٍ وشَــبَابِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

يَــا ابْــنَ أُمِّــي................

لَــتَرَكْتُ الحُسَــامَ تَجْــرِي ظُبَـاهُ مِـنْ دِمَــاءِ الأعْـدَاءِ يَـوْمَ الكُـلابِ ثُــمَّ طَـاعَنْتُ مِـنْ وَرَائِـكَ حَــتَّى تَبْلُــغَ الرُّحْــبَ، أو تُــبَزَّ ثيَـابي وقوله : (( الأسر )) ، هو البعير تخرج في كركرته قرحة لا يقدر معها أن يبرك إلا على مستو من الأرض .

وفي (( الظراب )) : جمع (( ظرب )) ( بفتح ثم كسر ) ، وهو من الحجارة ما كان ناتئاً في جبل أو أرض خربة ، وكان طرفه الناتئ محدداً .

و(( الملة)) ( بفتح الميم ) : الرماد الحار.

(16) (1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 394 .

(17) (1) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 394 .

(18) (2) انظر تفسير (( استضعف )) فيما سلف ص : 76 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(19) (3) انظر تفسير (( كاد )) فيما سلف 2 : 218 .

(20) (1) الأثر : 15144 - رواه الفراء في معاني القرآن 1 : 394 ، وقال عند قوله : (( عن رجل )) : (( أظنه الأعرج )) ، يعني : (( حميد بن قيس المكى )) المذكور في الإسنادين السالفين .

(21) (2) في المطبوعة والمخطوطة : (( ركبت وركبت )) ، والصواب في معاني القرآن للفراء .

(22) (3) في معاني القرآن : (( وشملهم شر )) .

(23) (4) معاني القرآن للفراء 1 : 394 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا لم ينصرف غضبان لأن مؤنثه غضبى ، ولأن الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء .

وهو نصب على الحال .

و أسفا شديد الغضب .

قال أبو الدرداء : الأسف منزلة وراء الغضب أشد من ذلك .

وهو أسف وأسيف وأسفان وأسوف .

والأسيف أيضا الحزين .

ابن عباس والسدي : رجع حزينا من صنيع قومه .

وقال الطبري : أخبره الله عز وجل قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل ; فلذلك رجع وهو غضبان .

ابن العربي : وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضبا ، لكنه كان سريع الفيئة ; فتلك بتلك .

قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : كان موسى عليه السلام [ ص: 258 ] إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ، ورفع شعر بدنه جبته .

وذلك أن الغضب جمرة تتوقد في القلب .

ولأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم من غضب أن يضطجع .

فإن لم يذهب غضبه اغتسل ; فيخمدها اضطجاعه ويطفئها اغتساله .

وسرعة غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ عينه .

وقال الترمذي وقد تقدم في " المائدة " ما للعلماء في هذا .

وقال الترمذي الحكيم : وإنما استجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله ; كأنه رأى أن من اجترأ عليه أو مد إليه يدا بأذى فقد عظم الخطب فيه .

ألا ترى أنه احتج عليه فقال : من أين تنزع روحي ؟

أمن فمي وقد ناجيت به ربي !

أم من سمعي وقد سمعت به كلام ربي !

أم من يدي وقد قبضت منه الألواح !

أم من قدمي وقد قمت بين يديه أكلمه بالطور !

أم من عيني وقد أشرق وجهي لنوره .

فرجع إلى ربه مفحما .

وفي مصنف أبي داود عن أبي ذر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع .

وروي أيضا عن أبي وائل القاص قال : دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه ; فقام ثم رجع وقد توضأ ، فقال : حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ .قوله تعالى قال بئسما خلفتموني من بعدي ذم منه لهم ; أي بئس العمل عملتم بعدي .

يقال : خلفه ; بما يكره .

ويقال في الخير أيضا .

يقال منه : خلفه بخير أو بشر في أهله وقومه بعد شخوصه .أعجلتم أمر ربكم أي سبقتموه .

والعجلة : التقدم بالشيء قبل وقته ، وهي مذمومة .

والسرعة : عمل الشيء في أول أوقاته ، وهي محمودة .

قال يعقوب : يقال عجلت الشيء سبقته .

وأعجلت الرجل استعجلته ، أي حملته على العجلة .

ومعنى أمر ربكم أي ميعاد ربكم ، أي وعد أربعين ليلة .

وقيل : أي تعجلتم سخط ربكم .

وقيل : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر من ربكم .قوله تعالى وألقى الألواح فيه مسألتان الأولى : قوله تعالى : وألقى الألواح أي مما اعتراه من الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل ، وعلى أخيه في إهمال أمرهم ; قاله سعيد بن جبير .

[ ص: 259 ] ولهذا قيل : ليس الخبر كالمعاينة .

ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح عنه ، ولا يصح أن إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته .

وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم .

وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله عنه أن الألواح تكسرت ، وأنه رفع منها التفصيل وبقي فيها الهدى والرحمة .

الثانية : وقد استدل بعض جهال المتصوفة بهذا على جواز رمي الثياب إذا اشتد طربهم على المغنى .

ثم منهم من يرمي بها صحاحا ، ومنهم من يخرقها ثم يرمي بها .

قال : هؤلاء في غيبة فلا يلامون ; فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجل ، رمى الألواح فكسرها ، ولم يدر ما صنع .

قال أبو الفرج الجوزي : من يصحح عن موسى عليه السلام أنه رماها رمي كاسر ؟

والذي ذكر في القرآن ألقاها ، فمن أين لنا أنها تكسرت ؟

ثم لو قيل : تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها ؟

ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة ، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه .

ومن يصحح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغني من غيره ، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم .

ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء .

وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال : خطأ وحرام ; وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال .

فقال له قائل : فإنهم لا يعقلون ما يفعلون .

فقال : إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطرب يغلب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا ، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع ; لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنب هذا الموضع الذي يفضي إلى ذلك .

كما هم منهيون عن شرب المسكر ، كذلك هذا الطرب الذي يسميه أهل التصوف وجدا إن صدقوا أن فيه سكر طبع ، وإن كذبوا أفسدوا مع الصحو ، فلا سلامة فيه مع الحالين ، وتجنب مواضع الريب واجب .قوله تعالى وأخذ برأس أخيه يجره إليه أي بلحيته وذؤابته .

وكان هارون أكبر من موسى - صلوات الله وسلامه عليهما - بثلاث سنين ، وأحب إلى بني إسرائيل من موسى ; لأنه [ ص: 260 ] كان لين الغضب .

وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربع تأويلات :الأول : أن ذلك كان متعارفا عندهم ; كما كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكراما وتعظيما ، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال .الثاني : أن ذلك إنما كان ليسر إليه نزول الألواح عليه ; لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة وأراد أن يخفيها عن بني إسرائيل قبل التوراة .

فقال له هارون : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي ; لئلا يشتبه سراره على بني إسرائيل بإذلاله .الثالث : إنما فعل ذلك به ; لأنه وقع في نفسه أن هارون مائل مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل .

ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء .الرابع : ضم إليه أخاه ليعلم ما لديه ; فكره ذلك هارون لئلا يظن بنو إسرائيل أنه أهانه ; فبين له أخوه أنهم استضعفوه ، يعني عبدة العجل ، وكادوا يقتلونه أي قاربوا .

فلما سمع عذره قال : رب اغفر لي ولأخي ; أي اغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح ، ولأخي لأنه ظنه مقصرا في الإنكار عليهم وإن لم يقع منه تقصير ; أي اغفر لأخي إن قصر .

قال الحسن : عبد كلهم العجل غير هارون ، إذ لو كان ثم مؤمن غير موسى وهارون لما اقتصر على قوله : رب اغفر لي ولأخي ، ولدعا لذلك المؤمن أيضا .

وقيل : استغفر لنفسه من فعله بأخيه ، فعل ذلك لموجدته عليه ; إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم ; ولهذا قال : ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا الآية .

فبين هارون أنه إنما أقام خوفا على نفسه من القتل .

فدلت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يسكت .

ابن العربي : وقد تقدم بيان هذا في " آل عمران " ابن العربي وفيها دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام كما زعم بعض الناس ; فإن موسى عليه السلام لم يغير غضبه شيئا من أفعاله ، بل اطردت على مجراها من إلقاء لوح وعتاب أخ وصك ملك .

المهدوي : لأن غضبه كان لله عز وجل ، وسكوته عن بني إسرائيل خوفا أن يتحاربوا أو يتفرقوا .قوله تعالى قال ابن أم وكان ابن أمه وأبيه .

ولكنها كلمة لين وعطف .

قال الزجاج : قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه .

وقرئ بفتح الميم وكسرها ; فمن فتح جعل ابن أم اسما واحدا كخمسة عشر ; فصار كقولك : يا خمسة عشر أقبلوا .

ومن كسر الميم جعله مضافا إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة ; لأن مبنى النداء على الحذف ، وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الإضافة ; كقوله : يا عباد .

يدل عليه قراءة ابن السميقع [ ص: 261 ] " يا ابن أمي " بإثبات الياء على الأصل .

وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد : " يا ابن أم " بالفتح ، تقديره يا ابن أماه .

وقال البصريون : هذا القول خطأ ; لأن الألف خفيفة لا تحذف ، ولكن جعل الاسمين اسما واحدا .

وقال الأخفش وأبو حاتم : " يا ابن أم " بالكسر كما تقول : يا غلام غلام أقبل ، وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة .

وإنما هذا فيما يكون مضافا إليك ; فأما المضاف إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول : يا غلام غلامي ، ويا ابن أخي .

وجوزوا يا ابن أم ، يا بن عم ، لكثرتها في الكلام .

قال الزجاج والنحاس : ولكن لها وجه حسن جيد ، يجعل الابن مع الأم ومع العم اسما واحدا ; بمنزلة قولك : يا خمسة عشر أقبلوا ، فحذفت الياء كما حذفت من يا غلامإن القوم استضعفوني استذلوني وعدوني ضعيفا وكادوا أي قاربوا يقتلونني بنونين ; لأنه فعل مستقبل .

ويجوز الإدغام في غير القرآن .فلا تشمت بي الأعداء أي لا تسرهم .

والشماتة : السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدين والدنيا .

وهي محرمة منهي عنها .

وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ منها ويقول : اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وشماتة الأعداء .

أخرجه البخاري وغيره .

وقال الشاعر :إذا ما الدهر جر على أناس كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقيناوقرأ مجاهد ومالك بن دينار ( تشمت ) بالنصب في التاء وفتح الميم ، ( الأعداء ) بالرفع .

والمعنى : لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء ، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي .

وعن مجاهد أيضا ( تشمت ) بالفتح فيهما ( الأعداء ) بالنصب .

قال ابن جني : المعنى فلا تشمت بي أنت يا رب .

وجاز هذا كما قال : الله يستهزئ بهم ونحوه .

ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلا نصب به الأعداء ; كأنه قال : ولا تشمت بي الأعداء .

قال أبو عبيد : وحكيت عن حميد : " فلا تشمت " بكسر الميم .

قال النحاس : ولا وجه لهذه القراءة ; لأنه إن كان من شمت وجب أن يقول تشمت .

وإن كان من أشمت وجب أن يقول تشمت .

[ ص: 262 ] وقوله ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال مجاهد : يعني الذين عبدوا العجل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا أي: ممتلئا غضبا وغيظا عليهم، لتمام غيرته عليه الصلاة السلام، وكمال نصحه وشفقته، قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أي: بئس الحالة التي خلفتموني بها من بعد ذهابي عنكم، فإنها حالة تفضي إلى الهلاك الأبدي، والشقاء السرمدي.

أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ حيث وعدكم بإنـزال الكتاب.

فبادرتم - برأيكم الفاسد - إلى هذه الخصلة القبيحة وَأَلْقَى الألْوَاحَ أي: رماها من الغضب وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارون ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ وقال له: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أن لا تَتَّبِعَن أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي لك بقولي: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فـ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي و قَالَ هنا ابْنَ أُمَّ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي أي: احتقروني حين قلت لهم: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي أي: فلا تظن بي تقصيرا فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ بنهرك لي، ومسك إياي بسوء، فإن الأعداء حريصون على أن يجدوا عليَّ عثرة، أو يطلعوا لي على زلة وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فتعاملني معاملتهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) قال أبو الدرداء : الأسف شديد الغضب .

وقال ابن عباس والسدي : أسفا أي حزينا .

والأسف أشد الحزن ، ( قال بئسما خلفتموني من بعدي ) أي : بئس ما عملتم بعد ذهابي ، يقال : خلفه بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرا ، ( أعجلتم ) أسبقتم ( أمر ربكم ) قال الحسن : وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين ليلة .

وقال الكلبي : أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم .

( وألقى الألواح ) التي فيها التوراة وكان حاملا لها ، فألقاها على الأرض من شدة الغضب .

قالت الرواة : كانت التوراة سبعة أسباع ، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع ، فرفع ما كان من أخبار الغيب ، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام ، ( وأخذ برأس أخيه ) بذوائبه ولحيته ( يجره إليه ) وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحب إلى بني إسرائيل من موسى ، لأنه كان لين الغضب .

( قال ) هارون عند ذلك ( ابن أم ) قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا وفي طه بكسر الميم ، يريد يا ابن أمي ، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله : " يا عباد " وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص : بفتح الميم على معنى يا ابن أماه .

وقيل : جعله اسما واحدا وبناه على الفتح ، كقولهم : حضرموت ، وخمسة عشر ، ونحوهما ، وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه .

وقيل : كان أخاه لأمه دون أبيه ، ( إن القوم استضعفوني ) يعني عبدة العجل ، ( وكادوا يقتلونني ) هموا وقاربوا أن يقتلوني ، ( فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني ) في مؤاخذتك علي ( مع القوم الظالمين ) يعني عبدة العجل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما رجع موسى إلى قومه غضبان» من جهتهم «أسفا» شديد الحزن «قال» «بئسما» أي بئس خلافة «خلفتموني» ها «من بعدي» خلافتكم هذه حيث أشركتم «أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح» ألواح التوراة غضبا لربه فتكسرت «وأخذ برأس أخيه» أي شعره بيمينه ولحيته بشماله «يجره إليه» غضبا «قال» يا «ابْنَ أُمِّ» بكسر الميم وفتحها، أراد أمي وذكرها أعطف لقبله «إن القوم استضعفوني وكادوا» قاربوا «يقتلونني فلا تُشْمت» تُفرح «بي الأعداء» بإهانتك إياي «ولا تجعلني مع القوم الظالمين» بعبادة العجل في المؤاخذة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما رجع موسى إلى قومه مِن بني إسرائيل غضبان حزينًا؛ لأن الله قد أخبره أنه قد فُتِن قومه، وأن السامريَّ قد أضلَّهم، قال موسى: بئس الخلافة التي خلفتموني مِن بعدي، أعجلتم أَمْر ربكم؟

أي: أستعجلتم مجيئي إليكم وهو مقدَّر من الله تعالى؟

وألقى موسى ألواح التوراة غضبا على قومه الذين عبدوا العجل، وغضبًا على أخيه هارون، وأمسك برأس أخيه يجره إليه، قال هارون مستعطفًا: يا ابن أمي: إن القوم استذلوني وعدُّوني ضعيفًا وقاربوا أن يقتلوني، فلا تَسرَّ الأعداء بما تفعل بي، ولا تجعلني في غضبك مع القوم الذين خالفوا أمرك وعبدوا العجل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله تعالى : ( وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً ) بيان للحالة التى كان عليها موسى - عليه السلام - عند رجوعه من الطور ، ومشاهدته للعجل الذى عبده قومه ، فهو كان غاضبا عليهم لعبادتهم غير الله - تعالى - وحزينا لفتنتهم بعبادتهم عجلا جسدا له خوار .قال الإمام الرازى : فى الأسف قولان :الأول : أن الأسف الشديد : الغضب ، وهو قول أبى الدرداء وعطاء عن ابن عباس ، واحتجوا له بقوله تعالى : ( فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا ) أى : أغضبونا .والثانى : أن الاسف هو الحزن ، وهو قول الحسن والسدى وغيرهما ، واحتجوا له بحديث عائشة أنها قالت : " إن أبا بكر رجل أسيف أى حزين " .قال الواحدى : والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن ، والحزن من الغضب ، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت .

وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت ، فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزنا والأخرى غضبا " .وقوله ( غَضْبَانَ أَسِفاً ) منصوبان على الحال من موسى عند من يجيز تعدد الحال .

وعند من لا يجيزه يجعل أسفا حالا من الضمير المستكن فى غضبان فتكون حالا متداخلة .وقول موسى لقومه : ( بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بعدي ) ذم منه لهم ، والمعنى : بئس خلافة خلفتمونيها من بعد ذهابى عنكم إلى مناجاة ربى ، وبئس الفعل فعلكم بعد فراقى إياكم .

حيث عبدتم العجل ، وأشربت قلوبكم محبته ، ولم تعيروا التفاتا لما عهدت به إليكم ، من توحيد الله ، وإخلاص العبادة ، والسير على سنتى وشريعتى .قال الجمل : و " بئس " فعل ماض لإنشاء الذم ، وفعله مستتر تقديره هو ، و " ما " تمييز بمعنى خلافة ، وجملة خلفتمونى صفة لما .

والرابط محذوف ، والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير بئس خلافة خلفتمونيها من بعدى خلافتكم .وقوله ( مِن بعدي ) معناه : من بعد ما رأيتم منى توحيد الله ، ونفى الشركاء عنه ، وإخلاص العبادة له ، أو من بعد ما كنت احمل بنى إسرائيل على التوحيد واكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا ( اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه .وقوله تعالى ( أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ) معناه أسبقتم بعبادة العجل ما أمركم به ربكم وهو انتظارى حافظين لعهدى ، وما أوصيتكم به من التوحيد وإخلاص العبادة لله حتى آتيكم بكتاب الله ، فغيرتم وعبدتم العجل قيل : كانوا قد استبطأوا نزوله من الجبل ، فخدعهم السامرى وصنع لهم العجل فعبدوه ، وجعلوا يغنون ويرقصون حوله ويقولون : هذا هو الإله الحق الذى انقذنا من الظلم ، قال صاحب الكشاف : يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام .ويضمن معنى سبق فعدى تعديته فقال : عجلت الأمر .

والمعنى : اعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ، فبينتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم ، فحدثتم أنفسكم بموتى فغيرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم .وروى أنهم عدوا عشرين يوما بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا .ثم بين - سبحانه - أن غضب موسى ترتب عليه أمران يدلان على شدة الانفعال :أولهما : قوله تعالى : ( وَأَلْقَى الألواح ) حاصله أن موسى لما رأى من قومه ما رأى : غضب غضبا شديدا حمية لدينه فعجل فى وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذذ برأس أخيه فعبر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعا لفعل قومه حيث كانت معاينته سببا لذلك وداعيا إليه ، وليس فيه ما يتوهم منه الإهانة لكتاب الله بوجه من الوجوه .

وإنكسار بعض الألواح حصل من فعل مأذون فيه ولم يكن غرض موسى ولا مر بباله ولا ظن ترتيبه على ما فعل .

وليس هناك إلا العجلة فى الوضع الناشئة من الغيرة لله .

وقد أنكر بعض العلماء أن يكون شىء منها قد تكسر ، لأن ظاهر القرآن خلافه .

نعم أخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يرحم الله موسى ، ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر منها " .

وثانيهما : قوله تعالى : ( وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ) أى : أخذ موسى بشعر رأس أخيه هارون يجره إليه غضبا منه ، لظنه أنه قد قصر فى نصحهم وزجرهم عن عبادة العجل .

ولكن هارون - عليه السلام - أخذ يستجيش فى نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة ، ليسكن من غضبه الشديد .

وليكشف له عن طبيعة الموقف ، وليبرىء ساحته من مغبة التقصير ، فقال له : ( ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعدآء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين ) .

أى : قال هارون لموسى مستعطفا : يا ابن أمى - بهذا النداء الرقيق وبتلك الوشيجة الرحيمة - لا تعجل بلومى وتعنيفى ، فإنى ما آليت جهدا فى الإنكار عليهم ، وما قصرت فى نصيحتهم ولكنهم لم يستمعو إلى ، بل قهرونى واستضعفونى ، وأوشكوا أن يقتلونى عندما بذلت أقصى طاقتى لأخفف هياجهم واندفاعهم نحو العجل ، فلا تفعل بى ما ه أمنيتهم ومحل شماتتهم ، من الاستهانة بى والإساءة إلى ، فإن من شأن الأخوة التى بيننا أن تكون ناصرة معينة حين يكون هناك أعداء ، ولا تجعلنى فى زمرة القوم الظالمين ، فإنى برىء منهم ، ولقد نصحتهم ولكنهم قوم لا يحبون الناصحين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا ﴾ لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل، ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم: إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك.

وقال أبو مسلم: بل كان عارفاً بذلك من قبل، وهذا أقرب، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا ﴾ يدل على أنه حال ما كان راجعاً كان غضبان أسفاً، وهو إنما كان راجعاً إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالماً بهذه الحالة.

الثاني: أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات.

المسألة الثانية: في الأسف قولان: الأول: أن الأسف الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء وعطاء، عن ابن عباس واختيار الزجاج.

واحتجوا بقوله: ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ  ﴾ أي أغضبونا.

والثاني: وهو أيضاً قول ابن عباس والحسن والسدي، إن الآسف هو الحزين.

وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين.

قال الواحدي: والقولان متقاربان، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت.

فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل، أسفاً حزيناً، لأن الله تعالى فتنهم.

وقد كان تعالى قال له: ﴿ إِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى ﴾ فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل، وهم: هارون عليه السلام والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى  ﴾ وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وعلى هذا التقدير الثاني، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أين ما يقتضيه بئس من الفاعل، والمخصوص بالذم.

والجواب: الفاعل مضمر يفسره قوله: ﴿ مَا خَلَفْتُمُونِى ﴾ والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

السؤال الثاني: أي معنى لقوله: ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ بعد قوله: ﴿ خَلَفْتُمُونِى ﴾ .

والجواب: معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين.

وأما قوله: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ ﴾ فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة، لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته.

هكذا قاله الواحدي.

ولقائل أن يقول: لو كانت العجلة مذمومة، فلم قال موسى عليه السلام: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لترضى  ﴾ قال ابن عباس: المعنى ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ ﴾ يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟

وقال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة، فقد مات.

وقال عطاء: يريد أعجلتم سخط ربكم؟

وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجباً له، وهو أمران: الأول: أنه قال: ﴿ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ ﴾ يريد التي فيها التوراة، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه، ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل إلا عند حصول الغضب المدهش.

روي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد.

وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده».

ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسرت، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله، ومثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام.

والأمر الثاني: من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب.

قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَى الألواح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ وفي هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح، وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه على سبيل الإهانة والاستخفاف، والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا إنه جر رأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة.

فإن قيل: فلماذا قال: ﴿ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى ﴾ .

قلنا: الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل، فقال له ﴿ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفونى ﴾ وما أطاعوني في ترك عبادة العجل، وقد نهيتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي به فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام.

وأما قوله تعالى: ﴿ ابن أُمَّ ﴾ فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ ابن أُمَّ ﴾ بكسر الميم، وفي طه مثله على تقدير (أمي) فحذف ياء الإضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الإضافة، كقوله: ﴿ ياعِبَادِ ﴾ والباقون بفتح الميم في السورتين، وفيه قولان: أحدهما: أنهما جعلا اسماً واحداً وبنى لكثرة أصطحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضرموت وخمسة عشر.

وثانيهما: أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي *** وقوله: ﴿ إِنَّ القوم استضعفونى ﴾ أي لم يلتفتوا إلى كلامي وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين، الذين عبدوا العجل أي لا تجعلني شريكاً لهم في عقوبتك لهم على فعلهم، فعند هذا قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبّ اغفر لِي ﴾ أي فيما أقدمت عليه من هذا الغضب والحدة ﴿ وَلأَخِي ﴾ في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل ﴿ وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين ﴾ .

واعلم أن تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الأسِف: الشديد الغضب ﴿ فَلَمَّا ءاسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ ﴾ [الزخرف: 55] وقيل: هو الحزين ﴿ خَلَفْتُمُونِى ﴾ قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي.

وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بني إسرائيل وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه.

ويدلّ عليه قوله: ﴿ اخلفنى فِي قَوْمِى ﴾ [الأعراف: 142] والمعنى: بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، أو حيث لم تكفوا من عبد غير الله.

فإن قلت: أين ما تقتضيه بئس من الفاعل والمخصوص بالذم؟

قلت: الفاعل مضمر يفسره ما خلفتموني.

والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم.

فإن قلت: أي معنى لقوله: ﴿ مِن بَعْدِى ﴾ بعد قوله: ﴿ خلفتموني ﴾ ؟

قلت: معناه من بعد ما رأيتم مني، من توحيد الله، ونفي الشركاء عنه، وإخلاص العبادة له.

أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد.

وأكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر، حين قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ [الأعراف: 128] ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة المستخلف من بعده ولا يخالفوه.

ونحوه: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ [الأعراف: 169] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة يقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام، ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره، ويضمن معنى سبق فيتعدّى تعديته، فيقال عجلت الأمر، والمعنى أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به، فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولن أرجع إليكم فحدَّثتم أنفسكم بموتي، فغيّرتم كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم.

وروي: أنّ السامري قال لهم- حين أخرج لهم العجل وقال هذا إلهكم وإله موسى-: إنَّ موسى لن يرجع، وإنه قد مات وروي: أنهم عدّوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين، ثم أحدثوا ما أحدثوا ﴿ وَأَلْقَى الالواح ﴾ وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدّة الضجر عند استماعه حديث العجل، غضباً لله وحمية لدينه، وكان في نفسه حديداً شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وروي: أنّ التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي منها سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي بشعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ بذؤابته وذلك لشدّة ما ورد عليه من الأمر الذي استفزه وذهب بفطنته، وظناً بأخيه أنه فرط في الكف ﴿ ابن أُمَّ ﴾ قرئ بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر، وبالكسر على طرح ياء الإضافة.

﴿ وابن أمي ﴾ ، وبالياء.

﴿ وابن إمِّ ﴾ ، بكسر الهمزة والميم.

وقيل: كان أخاه لأبيه وأمّه، فإن صحّ فإنما أضافه إلى الأم، إشارة إلى أنهما من بطن واحد.

وذلك أدعى إلى العطف والرقة، وأعظم للحق الواجب، ولأنها كانت مؤمنة فاعتدّ بنسبها، ولأنها هي التي قاست فيه المخاوف والشدائد فذكره بحقها ﴿ إِنَّ القوم استضعفوني ﴾ يعني أنه لم يأل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار.

وبما بلغته طاقته من بذل القوة في مضادّتهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلاّ أن يقتلوه ﴿ يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء ﴾ فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الاستهانة بي والإساءة إليّ، وقرئ: ﴿ فلا يشمت بي الأعداء ﴾ ، على نهي الأعداء عن الشماتة.

والمراد أن لا يحل به ما يشمتون به لأجله ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين ﴾ ولا تجعلني في موجدتك عليّ وعقوبتك لي قريناً لهم وصاحباً.

أو ولا تعتقد أني واحد من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم.

لما اعتذر إليه أخوه وذكر له شماتة الأعداء ﴿ قَالَ رَبّ اغفر لِى وَلاخِى ﴾ ليرضي أخاه ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه فلا تتم لهم شماتتهم، واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة.

وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ شَدِيدَ الغَضَبِ وقِيلَ حَزِينًا.

﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ فَعَلْتُمْ بَعْدِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ، والخِطابُ لِلْعَبَدَةِ أوْ أقَمْتُمْ مَقامِي فَلَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ والخِطابُ لِهارُونَ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، وما نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ تُفَسِّرُ المُسْتِكِنَّ في بِئْسَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم، ومَعْنى مِن بَعْدِي مِن بَعْدِ انْطِلاقِي، أوْ مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِنَ التَّوْحِيدِ والتَّنْزِيهِ والحَمْلِ عَلَيْهِ والكَفِّ عَمّا يُنافِيهِ.

﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أتَرَكْتُمُوهُ غَيْرَ تامٍّ، كَأنَّهُ ضِمْنُ عِجْلٍ مَعْنى سَبَقَ فَعَدّى تَعْدِيَتَهُ، أوْ أعْجَلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِيهِ مِنَ الأرْبَعِينَ وقَدَّرْتُمْ مَوْتِي وغَيَّرْتُمْ بَعْدِي كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ.

﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ طَرَحَها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجَرِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ.

رُوِيَ: أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ في سَبْعَةِ ألْواحٍ فَلَمّا ألْقاها انْكَسَرَتْ فَرَفَعَ سِتَّةَ أسِباعِها وكانَ فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ وبَقِيَ سُبُعٌ كانَ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ.

﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ بِشَعْرِ رَأْسِهِ.

﴿ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ تَوَهُّمًا بِأنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ، وهارُونُ كانَ أكْبَرَ مِنهُ بِثَلاثِ سِنِينَ وكانَ حَمُولًا لَيِّنًا ولِذَلِكَ كانَ أحَبَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ ذَكَرَ الأُمَّ لِيُرَقِّقَهُ عَلَيْهِ وكانا مِن أبٍ وأُمٍّ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا وفي « طَهَ» « يا ابْنَ أُمِّ» بِالكَسْرِ وأصْلُهُ يا ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ تَخْفِيفًا كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ لِطُولِهِ أوْ تَشْبِيهًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.

﴿ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ التَّقْصِيرِ في حَقِّهِ، والمَعْنى بَذَلْتُ وُسْعِي في كَفِّهِمْ حَتّى قَهَرُونِي واسْتَضْعَفُونِي وقارَبُوا قَتْلِي.

﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ فَلا تَفْعَلْ بِي ما يَشْمَتُونَ بِي لِأجْلِهِ.

﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِالمُؤاخَذَةِ أوْ نِسْبَةِ التَّقْصِيرِ.

﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ بِما صَنَعْتُ بِأخِي.

﴿ وَلأخِي ﴾ إنْ فَرَّطَ في كَفِّهِمْ ضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ في الِاسْتِغْفارِ تَرْضِيَةً لَهُ ودَفْعًا لِلشَّماتَةِ عَنْهُ.

﴿ وَأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ ﴾ بِمَزِيدِ الإنْعامِ عَلَيْنا.

﴿ وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ فَأنْتَ أرْحَمُ بِنا مِنّا عَلى أنْفُسِنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولمّا رجع موسى} من الطور {إلى قومه} بنى إسرائيل {غضبان} حال من مسوى {أسفاً} حال أيضاً أي حزيناً {قال بئسما خلفتموني} قمتم مقامي وكنتم خلفائي {من بعدي} والخكطاب لبعدة العجل من السامرى وأشياعه أو لهرون ونم معه من المؤمنين ويدلعليه قوله اخلفني في قومي والمعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله أو حيث لم تكفوا عن عبادة غير الله وفاعل بئس مضمر يفسره ما خلقتمونى والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدى خلافكم ومعنى من بعدي بعد قوله خلفتموني من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الشركاء عنه أو من بعد ما كنت أحمل بني إسرائيل على التوحيد وأكفهم عن عبادة البقرة حين قالوا اجعل لنا إلها كما لهم ى لهة ومن حق الخفاء أن يسيروا بسيرة المخلف {أعجلتم} أسبقتم بعابدة العجل {أمر ربكم} وهو

ايتانى لكم بالتوارة بعد أربعين ليلة وأصل العجلة طلب الشئ قبل حينه وقيل عجلتم بمعنى تركتم {وألقى الألواح} ضجراً عند استماعه حديث العجل غضباً لله كان فى نفسه شجديد الغضب وكان هرون أبين منه جانباً ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل من موسى فتكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع واحد وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي هدى ورحمة {وأخذ برأس أخيه} بشعر رأسه غضباً عليه حيث لم يمنعهم عن عبادة العجل {يجره إليه} عتابا عليه لاهونا به وهو حال من موسى {قال ابن أمّ} بني الابن مع الأم على الفتح كخمسة عشر وبكسر الميم حمزة وعلى

الأعراف ١٤٢ ١٤٧ وشامى لأن أصله أمي فحذف الياء اجتزاء عنها بالكسرة وكان ابن أمه وأبيه وإنما ذكر الأم لأنها كانت مؤمنة ولأن ذكرها أدعى إلى العطف {إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} أي إني لم آل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار ولكنهم استضعفوني وهموا بقتلي {فلا تشمت بي الأعدآء} الذين عبدوا العجل أي لا تفعل بى ما هو أمنيتهم من الاستهاة بي والإساءة إلي {ولا تجعلني مع القوم الظّالمين} أي قريناً لهم بغضبك علي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ ﴾ مِمّا حَدَثَ مِنهم.

﴿ أسِفًا ﴾ أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ كَما قالَ أبُو الدَّرْداءِ ومُحَمَّدٌ القُرَظِيُّ وعَطاءٌ والزَّجّاجُ، أوْ حَزِينًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الغَضَبُ والأسَفُ بِمَعْنًى، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.

وقالَ الواحِدِيُّ: هُما مُتَقارِبانِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ فَوْقَكَ حَزِنْتَ، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، حَزِينًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهُمْ، وقَدْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ، ونَصَبَ الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَداخِلانِ بِأنْ يَكُونَ الثّانِي حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الأوَّلِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحالِ الأُولى وهو بَدَلُ كُلٍّ لا بَعْضٍ كَما تُوُهِّمَ.

﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ خِطابٌ إمّا لِعَبَدَةِ العِجْلِ، وإمّا لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: بِئْسَما فَعَلْتُمْ بَعْدَ غَيْبَتِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ جَلَّ جَلالُهُ، أوْ: بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي حَيْثُ لَمْ تُراعُوا عَهْدِي ولَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ عَمّا فَعَلُوا بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن حَمْلِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ وكَفِّهِمْ عَمّا طَمَحَتْ نَحْوَهُ أبْصارُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخِلافَةِ الخِلافَةُ فِيما يَعُمُّ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ إلَيْهِما، ولا تَكْرارَ في ذِكْرِ ﴿ مِن بَعْدِي ﴾ بَعْدَ ﴿ خَلَفْتُمُونِي ﴾ ؛ لِأنَّ المُرادَ مِن بَعْدِ وِلايَتِي وقِيامِي بِما كُنْتُ أقُومُ؛ إذْ بَعْدِيَّتُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّما تَكُونُ عَلى ما قِيلَ بَعْدَ فِراقِهِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّ (مِن بَعْدِي) تَأْكِيدٌ مِن بابِ رَأيْتُهُ بِعَيْنِي، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ نِيابَةِ المُسْتَخْلَفِ ومُزاوَلَةِ سِيرَتِهِ كَما أنَّ هُنالِكَ تَصْوِيرَ الرُّؤْيَةِ وما يَتَّصِلُ بِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكُمْ، والذَّمُّ فِيما إذا كانَ الخِطابُ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِلْخِلافَةِ نَفْسِها بَلْ لِعَدَمِ الجَرْيِ عَلى مُقْتَضاها، وأمّا إذا كانَ لِلسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ.

﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أيْ: أعَجِلْتُمْ عَمّا أمَرَكم بِهِ رَبُّكم وهو انْتِظارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ كَوْنِهِمْ حافِظِينَ لِعَهْدِهِ وما وصّاهم بِهِ فَبَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى أنَّ المِيعادَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ ولَمْ أرْجِعْ إلَيْكم فَحَدَّثْتُمْ أنْفُسَكم بِمَوْتِي فَغَيَّرْتُمْ.

رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ أخْرَجَ لَهُمُ العِجْلَ: وقالَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى إنَّ مُوسى لَنْ يَرْجِعَ، وإنَّهُ قَدْ ماتَ.

ورُوِيَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها فَجَعَلُوها أرْبَعِينَ، ثُمَّ أحْدَثُوا ما أحْدَثُوا، والمَعْرُوفُ تَعَدِّي (عَجِلَ) بِعَنْ لا بِنَفْسِهِ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ونَقِيضُهُ تَمَّ عَلَيْهِ، وأعْجَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وضَمَّنُوهُ هُنا مَعْنى السَّبْقِ وهو كِنايَةٌ عَنِ التَّرْكِ فَتَعَدّى تَعْدِيَتَهُ ولَمْ يُضَمَّنِ ابْتِداءً مَعْنى التَّرْكِ لِخَفاءِ المُناسَبَةِ بَيْنَهُما وعَدَمِ حُسْنِها، وذَهَبَ يَعْقُوبُ إلى أنَّ السَّبْقَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَهُ مِن غَيْرِ تَضْمِينٍ، والأمْرُ واحِدُ الأوامِرِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: أعَجِلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَكم مِنَ الأرْبَعِينَ؟

فالأمْرُ عَلَيْهِ واحِدُ الأُمُورِ والمُرادُ بِهَذِهِ الأرْبَعِينَ عَلى ما ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ غَيْرُ الأرْبَعِينَ الَّتِي أشارَ اللَّهُ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ وسَيَأْتِي تَتِمَّةُ الكَلامِ في ذَلِكَ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ وألْقى الألْواحَ ﴾ أيْ: وضَعَها عَلى الأرْضِ كالطّارِحِ لَها لِيَأْخُذَ بِرَأْسِ أخِيهِ مِمّا عَراهُ مِن فَرْطِ الغَيْرَةِ الدِّينِيَّةِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذا غَضِبَ اشْتَعَلَتْ قَلَنْسُوَتُهُ نارًا.

وقالَ القاضِي ناصِرُ الدِّينِ: أيْ: طَرَحَها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجْرَةِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ، ثُمَّ نُقِلَ أنَّهُ انْكَسَرَ بَعْضُها حِينَ ألْقاها، واعْتَرَضَ عَلَيْهِ أفْضَلُ المُتَأخِّرِينَ شَيْخُ مَشايِخِنا صِبْغَةُ اللَّهِ أفَنْدِي الحَيْدَرِيُّ بِأنَّ الحَمِيَّةَ لِلدِّينِ إنَّما تَقْتَضِي احْتِرامَ كِتابِ اللَّهِ تَعالى وحِمايَتَهُ أنْ يَلْحَقَ بِهِ نَقْصٌ أوْ هَوانٌ بِحَيْثُ تَنْكَسِرُ ألْواحُهُ ثُمَّ قالَ: والصَّوابُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِفَرْطِ حَمِيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ وشِدَّةِ غَضَبِهِ لِلَّهِ تَعالى لَمْ يَتَمالَكْ ولَمْ يَتَماسَكْ أنْ وقَعَتِ الألْواحُ مِن يَدِهِ بِدُونِ اخْتِيارٍ فَنُزِّلَ تَرْكُ التَّحَفُّظِ مَنزِلَةَ الإلْقاءِ الِاخْتِيارِيِّ، فَعُبِّرَ بِهِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ حَسَناتِ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.

انْتَهى.

وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ صالِحُ أفَنْدِي المَوْصِلِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ بِأنَّهُ لا يَخْفى أنَّ هَذا الإيرادَ إنَّما نَشَأ مِن جَعْلِ قَوْلِ القاضِي حَمِيَّةً لِلدِّينِ مَفْعُولًا لَهُ لِطِراحِها وهو غَيْرُ صَحِيحٍ، فَقَدْ صَرَّحَ في أوائِلِ تَفْسِيرِهِ لِسُورَةِ طه بِأنَّ الفِعْلَ الواحِدَ لا يَتَعَدّى لِعِلَّتَيْنِ وإنَّما هُوَ: مَفْعُولٌ لَهُ لِشِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجْرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّنازُعِ، والتَّوْجِيهُ الَّذِي ذُكِرَ لِلْآيَةِ هو ما أرادَهُ القاضِي، وتَفْسِيرُهُ الإلْقاءَ بِالطَّرْحِ لا يُنافِي ذَلِكَ عَلى ما لا يَخْفى.

اه.

وأقُولُ: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَ هَذا التَّوْجِيهِ هو ما أرادَهُ القاضِي غَيْرُ بَيِّنٍ ولا مُبِينٍ عَلى أنَّ حَدِيثَ كَوْنِ التَّعْبِيرِ بِالإلْقاءِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ السَّلامُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ القَبُولِ جِدًّا؛ إذْ لَيْسَ في السِّباقِ ولا في السِّياقِ ما يَقْضِي بِكَوْنِ المَقامِ عِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُفْتِيَ بِهَذا التَّغْلِيظِ نَظَرًا إلى مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلِ المَقامُ ظاهِرٌ في الحَطِّ عَلى قَوْمِهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى حَظٍّ مِن رَفِيعِ النَّظَرِ، والَّذِي يَراهُ هَذا الفَقِيرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلًا.

وحاصِلُهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن قَوْمِهِ ما رَأى غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَمِيَّةً لِلدِّينِ وغَيْرَةً مِنَ الشِّرْكِ بِرَبِّ العالَمِينَ، فَعَجِلَ في وضْعِ الألْواحِ لِتَفْرُغَ يَدُهُ فَيَأْخُذَ بِرَأْسِ أخِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الوَضْعِ بِالإلْقاءِ تَفْظِيعًا لِفِعْلِ قَوْمِهِ حَيْثُ كانَتْ مُعايَنَتُهُ سَبَبًا لِذَلِكَ وداعِيًا إلَيْهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى شِدَّةِ غَيْرَتِهِ وفَرْطِ حَمِيَّتِهِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ ما يُتَوَهَّمُ مِنهُ نَوْعُ إهانَةٍ لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وانْكِسارُ بَعْضِ الألْواحِ حَصَلَ مِن فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ غَرَضَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولا مَرَّ بِبالِهِ ولا ظَنَّ تَرَتُّبَهُ عَلى ما فَعَلَ، ولَيْسَ هُناكَ إلّا العَجَلَةُ في الوَضْعِ النّاشِئَةُ مِنَ الغَيْرَةِ لِلَّهِ تَعالى، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ: ﴿ وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ﴾ واخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في مِقْدارِ ما تَكَسَّرَ ورُفِعَ، وبَعْضُهم أنْكَرَ ذَلِكَ حَيْثُ إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ خِلافُهُ.

نَعَمْ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَرْحَمُ اللَّهُ تَعالى مُوسى، لَيْسَ المُعايِنُ كالمُخْبَرِ، أخْبَرَهُ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ قَوْمَهُ فُتِنُوا بَعْدَهُ فَلَمْ يُلْقِ الألْواحَ، فَلَمّا رَآهم وعايَنَهم ألْقى الألْواحَ فَتَكَسَّرَ مِنها ما تَكَسَّرَ»».

فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ألْقى الألْواحَ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ وبَقِيَ سُبْعٌ، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ نَحْوُهُ مُنافٍ لِما رُوِيَ فِيما تَقَدَّمَ مِن أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ سَبْعِينَ وِقْرًا، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

وكَذا لِما يُذْكَرُ بَعْدُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أخَذَ الألْواحَ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ مِنهُ العَهْدُ.

والجَوابُ بِأنَّ الرَّفْعَ لِما فِيها مِنَ الخَطِّ دُونَ الألْواحِ خِلافُ الظّاهِرِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

﴿ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ أيْ: بِشَعَرِ رَأْسِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُ الَّذِي يُؤْخَذُ ويُمْسَكُ عادَةً ولا يُنافِي أخْذَهُ بِلِحْيَتِهِ كَما وقَعَ في سُورَةِ طه، أوْ أُدْخِلَ فِيهِ تَغْلِيبًا.

﴿ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ ظَنًّا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ ولَمْ يَتَمالَكْ لِشِدَّةِ غَضَبِهِ وفَرْطِ غَيْظِهِ أنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَ هارُونُ أكْبَرَ مِن مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ بِثَلاثِ سِنِينَ، إلّا أنَّ مُوسى أكْبَرُ مِنهُ مَرْتَبَةً ولَهُ الرِّسالَةُ والرِّياسَةُ اسْتِقْلالًا، وكانَ هارُونُ وزِيرًا لَهُ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَمُولًا لَيِّنًا جِدًّا، ولَمْ يَقْصِدْ مُوسى بِهَذا الأخْذِ إهانَتَهُ والِاسْتِخْفافَ بِهِ، بَلِ اللَّوْمَ الفِعْلِيَّ عَلى التَّقْصِيرِ المَظْنُونِ بِحُكْمِ الرِّياسَةِ وفَرْطِ الحَمِيَّةِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما أخَذَ رَأْسَ أخِيهِ لِيُسارَّهُ ويَسْتَشْكِفَ مِنهُ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما كانَ لِتَسْكِينِ هارُونَ لِما رَأى بِهِ مِنَ الجَزَعِ والقَلَقِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أجْرى أخاهُ مَجْرى نَفْسِهِ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الإنْسانُ بِهِ عِنْدَ شِدَّةِ الغَضَبِ، وقالَ الشَّيْخُ المُفِيدُ مِنَ الشِّيعَةِ: إنَّ ذَلِكَ لِلتَّألُّمِ مِن ضَلالِ قَوْمِهِ وإعْلامِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ عِظَمَ ما فَعَلُوهُ لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مِثْلِهِ، ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ عَلى هَذا مِن قَبِيلِ: غَيْرِي جَنى وأنا المُعاقَبُ فِيكُمُ فَكَأنَّنِي سَبّابَةُ المُتَنَدِّمِ ولَعَلَّ ما أشَرْنا إلَيْهِ هو الأوْلى، وجُمْلَةُ (يَجُرُّهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ مُوسى، أوْ مِن (رَأْسِ) أوْ مِن أخِيهِ؛ لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنهُ، وهو أحَدُ ما يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ﴿ قالَ ﴾ أيْ: هارُونُ مُخاطِبًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إزاحَةً لِظَنِّهِ: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ لِضِيقِ المَقامِ، وتَخْصِيصُ الأُمِّ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِما شَقِيقَيْنِ عَلى الأصَحِّ لِلتَّرْقِيقِ، وقِيلَ: لِأنَّها قامَتْ بِتَرْبِيَتِهِ وقاسَتْ في تَخْلِيصِهِ المَخاوِفَ والشَّدائِدَ، وقِيلَ: إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ آثارُ الجَمالِ والرَّحْمَةِ فِيهِ ظاهِرَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا ﴾ وكانَ مَوْرِدُهُ ومَصْدَرُهُ ذَلِكَ؛ ولِذا كانَ يَلْهَجُ بِذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، ألا تَرى كَيْفَ تَلَطَّفَ بِالقَوْمِ لَمّا قَدِمُوا عَلى ما قَدِمُوا فَقالَ: يا قَوْمِ ﴿ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ ﴾ ومِن هُنا ذَكَرَ الأُمَّ ونَسَبَ إلَيْها؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ فِيها أتَمُّ، ولَوْلاها ما قَدَرَتْ عَلى تَرْبِيَةِ الوَلَدِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ فِيها، وهو مَنزَعٌ صُوفِيٌّ كَما لا يَخْفى، واخْتُلِفَ في اسْمِ أُمِّهِما عَلَيْهِما السَّلامُ فَقِيلَ: مِحْيانَةُ بِنْتُ يَصْهَرَ بْنِ لاوِي، وقِيلَ: يُوحانِذُ، وقِيلَ: يارْخا، وقِيلَ: يازْخِتُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ لِاسْمِها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خاصِّيَّةً في فَتْحِ الأقْفالِ، ولَهُ رِياضَةٌ مَخْصُوصَةٌ عِنْدَ أرْبابِ الطَّلاسِمِ والحُرُوفِ، وما هي إلّا رَهْبانِيَّةٌ ابْتَدَعُوها ما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِن كِتابٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ هُنا وفي طه: (ابْنَ أُمِّ) بِالكَسْرِ وأصْلُهُ: ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ تَخْفِيفًا كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ زِيادَةً في التَّخْفِيفِ أوْ تَشْبِيهًا بِخَمْسَةَ عَشَرَ.

﴿ إنَّ القَوْمَ ﴾ الَّذِينَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا ﴿ اسْتَضْعَفُونِي ﴾ أيِ اسْتَذَلُّونِي وقَهَرُونِي ولَمْ يُبالُوا بِي لِقِلَّةِ أنْصارِي.

﴿ وكادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾ وقارَبُوا قَتْلِي حِينَ نَهَيْتُهم عَنْ ذَلِكَ.

والمُرادُ أنِّي بَذَلْتُ وُسْعِي في كَفِّهِمْ ولَمْ آلُ جُهْدًا في مَنعِهِمْ.

﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ أيْ: فَلا تَفْعَلْ ما يَشْمَتُونَ بِي لِأجْلِهِ؛ فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ سِرَّ فِعْلِكَ، والشَّماتَةُ: سُرُورُ العَدُوِّ بِما يُصِيبُ المَرْءَ مِن مَكْرُوهٍ.

وقُرِئَ: (فَلا تَشْمُتُ بِي الأعْداءُ) بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وضَمِّ المِيمِ ورَفْعِ الأعْداءِ - حَطَّهُمُ اللَّهُ تَعالى - وهو كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ المَعْنى أيْضًا عَلى حَدِّ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا.

والمُرادُ مِنَ الأعْداءِ القَوْمُ المَذْكُورُونَ إلّا أنَّهُ أُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ ضَمِيرِهِمْ، ولا يَخْفى سِرُّهُ.

﴿ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ: لا تَجْعَلْنِي مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ، ولا تَسْلُكْ بِي سُلُوكَهم بِهِمْ في المُعاتَبَةِ، أوْ لا تَعْتَقِدْنِي واحِدًا مِنَ الظّالِمِينَ مَعَ بَراءَتِي مِنهم ومِن ظُلْمِهِمْ، فالجَعْلُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ يعني: من بعد انطلاقه إلى الجبل، وذلك أن موسى-  - لما وعد لقومه ثلاثين يوماً فتأخر عن ذلك، قال السامري لقوم موسى: إنكم أخذتم الحلي من آل فرعون، فعاقبكم الله تعالى بتلك الخيانة، ومنع الله عنا موسى.

فاجمعوا الحلي الذي أخذتم من آل فرعون حتى نحرقها، فلعل الله تعالى يرد علينا موسى فجمعوا الحلي وكان السامري صائغاً، فجعل الحلي في النار واتخذ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ وقد كان رأى جبريل على فرس الحياة، فكلما وضع الفرس حافره ظهر النبات في موضع حافره.

فأخذ كفاً من أثر حافره من التراب وألقى ذلك التراب في العجل.

فصار العجل من حليهم عجلا جسدا.

قال الزجاج: الجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز إنما معنى الجسد معنى الجثة فقط.

وروي عن ابن عباس قال صار عجلاً له لحم ودم وله خوار يعني: صوت مثل صوت العجل ولم يسمع منه إلا صوت واحد.

وقال بعضهم: سمع منه صوت ولم يسمع منه إلا مثل صوت العجل.

وقال بعضهم: جعله مشتبكاً فدخل فيه الريح فسمع منه صوت مثل صوت العجل.

فقال لقومه: هذا إلهكم وإله موسى، فاغترّ به الجهال من بني إسرائيل وعبدوه.

قال الله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ يعني: لا يقدر على أن يكلمهم وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا يعني: لا يرشدهم طريقاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ يعني: كافرين بعبادتهم.

وقرأ حمزة والكسائي مِنْ حُلِيِّهِمْ بكسر الحاء.

وقرأ الباقون مِنْ حُلِيِّهِمْ بضم الحاء.

فمن قرأ بالكسر فهو اسم لما يحسن به من الذهب والفضة.

ومن قرأ بالضم، فهو جمع الحَلْي ويقال: كلاهما جمع الحَلْي وأصله الضم إلا أن من كسر فلاتباع الكسرة بالكسرة.

قوله تعالى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ يعني: ندموا على ما صنعوا.

يقال: سقط في يده إذا ندم.

وأصله أن الإنسان إذا ندم جعل يده على رأسه.

وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا أي علموا أنهم قد ضلوا عن الهدى قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا قرأ حمزة والكسائي لَئِن لَّمْ ترحمنا بالتاء على معنى المخاطبة رَبَّنَا بالنصب يعني: يا ربنا.

وقرأ الباقون لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا بالياء وضم الياء على معنى الخبر.

وَيَغْفِرْ لَنا بعد التوبة عطف على قوله لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني: من المغبونين.

قوله تعالى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ يعني: من الجبل غَضْبانَ أَسِفاً يعني: حزيناً.

ويقال: الأسف في اللغة شدة الغضب.

ومنه قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ [الزخرف: 55] ويقال: أشد الحزن كقوله: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يعني: بعبادة العجل يعني: بئسما فعلتم في غيبتي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعني: استعجلتم ميعاد ربكم.

ويقال: أعصيتم أمر ربكم.

ويقال: معناه أَعَجِلْتُمْ بالفعل الذي استوجبتم به عقوبة ربكم وَأَلْقَى الْأَلْواحَ من يده.

قال الكلبي: انكسرت الألواح وصعد عامة الكلام الذي كان فيها من كلام الله تعالى إلى السماء.

وقال بعضهم: هذا الكلام في ظاهره غير سديد.

لأن الكلام صفة والصفة لا تفارق الموصوف.

فلا يجوز أن يقال: الكلام يصعد ويذهب.

ولكن تأويله أن الألواح لما انكسرت ذهب أثر المكتوب منها وهذا إذا كان غير الأحكام.

وأما الأحكام أيضاً فلا يجوز أن تذهب عنه وإنما أراد بذلك حجة عليهم.

وروي في الخبر: أن الله تعالى أخبر موسى أن قومه عبدوا العجل.

قال موسى: يا رب من اتخذ لهم العجل؟

قال: السامري.

قال: ومن جعل فيه الروح؟

قال: أنا.

قال: فأنت فتنت قومي؟.

قال له ربه: تركتهم لمرادهم.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ» .

لما أخبر الله تعالى بأن قومه قد عبدوا العجل لم يلق الألواح.

فلما عاين ألقى الألواح.

ثم قال: وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يعني: أخذ بشعر رأسه ولحيته يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ يعني: قال له هارون: يا ابن أمي لا تأخذ بلحيتي.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص: يا ابْنَ أُمَّ بنصب الميم.

وقرأ الباقون بالكسر.

وهكذا في سورة طه فمن قرأ بالنصب جعله كاسم واحد كأنه يقول يا ابن أماه.

كما يقال: يا ويلتاه ويا حسرتاه.

ومن قرأ بالكسر فهو على معنى الإضافة إلى نفسه.

وكان موسى أخاه لأبيه وأمه.

ولكن ذكر الأم ليرفعه عليه.

إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي يعني: قهروني واستذلوني وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي يعني: هموا بقتلي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ يعني: لا تفرح عليّ أعدائي يعني: الشياطين ويقال: أصحاب العجل وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني: لا تظنن أني رضيت بما فعلوا.

قال موسى: رَبِّ اغْفِرْ لِي بما فعلت بأخي هارون ويقال: لإلقاء الألواح وَاغفر لِأَخِي ما كان منه من التقصير في تركهم على عبادة العجل وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ يعني: جنتك وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يعني: أنت أرحم بنا منا بأنفسنا.

وقال الحسن: يعني أنت أرحم بنا من الأبوين.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المعنى مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنى في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِها حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: ذلِكَ: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم.

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ...

الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديد.

وقوله سبحانه: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ:

الخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم-، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد اعتقادهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ...

الآية: وقوله:

وَكانُوا ظالِمِينَ: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ فأغنى عن إِعادته.

قال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسى، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر.

وقوله سبحانه: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ: قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا.

وعبارةُ ص: غَضْبانَ: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غليان القلب بسبب ما يؤلم وأَسِفاً: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ.

انتهى.

وقوله تعالى: أَعَجِلْتُمْ، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، واستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ- غضبه على

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: نَدِمُوا.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لَلرَّجُلِ النّادِمِ عَلى ما فَعَلَ، المُتَحَسِّرِ عَلى ما فَرَّطَ: قَدْ سَقَطَ في يَدِهِ، وأُسْقِطَ في يَدِهِ.

وَقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: "سَقَطَ" بِفَتْحِ السِّينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ولَمّا سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، يُشَبِّهُ ما يَحْصُلُ في القَلْبِ وفي النَّفْسِ بِما يُرى بِالعَيْنِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا النَّدَمُ مِنهم إنَّما كانَ بَعْدَ رُجُوعِ مُوسى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: ﴿ يَرْحَمْنا رَبُّنا ﴾ ﴿ وَيَغْفِرْ لَنا ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْحَمُنا" " وتَغْفِرُ لَنا " بِالتّاءِ "رَبَّنا" بِالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الجَزَعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

وقالَ أبُو الدَّرْداءِ: الأسَفُ: مَنزِلَةٌ وراءَ الغَضَبِ أشَدُّ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: قالَ أيْ: لَقَوْمِهِ ﴿ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ فَتَحَ ياءَ "بَعْدِي" أهْلُ الحِجازِ، وأبُو عَمْرٍو؛ والمَعْنى: بِئْسَ ما عَمِلْتُمْ بَعْدَ فِراقِي مِن عِبادَةِ العِجْلِ.

﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ والشَّيْءَ: سَبَقْتُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ.

وأعْجَلْتُهُ: اسْتَحْثَثْتُهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْجَلْتُمْ مِيعادَ رَبِّكم فَلَمْ تَصْبِرُوا لَهُ؟!

قالَ الحَسَنُ: يَعْنِي وعْدَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ الَّتِي فِيها التَّوْراةُ.

وفي سَبَبِ إلْقائِهِ إيّاها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ حِينَ رَآَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا رَأى فَضائِلَ غَيْرِ أُمَّتِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  اشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ، وفِيهِ بُعْدٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَمى بِالألْواحِ فَتَحَطَّمَتْ، رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعٍ، وبَقِيَ سُبْعٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ ﴾ في ما أخَذَ بِهِ مِن رَأْسِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِحْيَتُهُ وذُؤابَتُهُ.

والثّانِي: شَعْرُ رَأْسِهِ.

والثّالِثُ: أُذُنُهُ.

وقِيلَ: إنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ عَصى اللَّهَ بِمَقامِهِ بَيْنَهم وتَرَكَ اللُّحُوقَ بِهِ، وتَعْرِيفُهُ ما أحْدَثُوا بَعْدَهُ لَيَرْجِعَ إلَيْهِمْ فَيَتَلافاهم ويَرُدُّهم إلى الحَقِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ﴾ ﴿ ألا تَتَّبِعَنِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "قالَ ابْنَ أمَّ" نَصْبًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: بِكَسْرِ المِيمِ، وكَذَلِكَ في [طه:٩٤] .

قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ المِيمَ، فَلِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الِاسْمِ، ومَن كَسَرَ، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اسْمًا واحِدًا، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "يا ابْنَ أُمِّيَ" بِإثْباتِ الياءِ.

قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلِيفَتِي لِدَهْرٍ شَدِيدٍ وَقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مِن فَتْحِ: "يا ابْنَ أُمِّ" أمّا، ويَحْذِفُ الألِفَ، ومَن كَسَرَ: "ابْنِ أُمِّي" فَيَحْذِفُ الياءَ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ "يا ابْنَ أُمَّ" ولَمْ يَقُلْ: "يا ابْنَ أبِ"؟

فالجَوابُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وإنَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ لَيُرْفِقَهُ عَلَيْهِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والإنْسانُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدَةِ أرَقُّ مِنهُ عِنْدَ ذِكْرِ الوالِدِ.

وقِيلَ: كانَ لَأُمِّهِ دُونَ أبِيهِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ القَوْمَ ﴾ يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ.

﴿ اسْتَضْعَفُونِي ﴾ أيِ: اسْتَذَلُّونِي.

﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ قَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وابْنُ عاصِمٍ: " فَلا تُشْمِتْ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ مَعَ فَتْحِ المِيمِ، "الأعْداءُ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، والضَّحّاكُ، وأبُو رَجاءٍ: "فَلا تَشْمِتْ" بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ، "الأعْداءَ" بِالنَّصْبِ.

وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُما رَفَعا "الأعْداءُ" .

ويَعْنِي بِالأعْداءِ: عَبَدَةُ العِجْلِ.

﴿ وَلا تَجْعَلْنِي ﴾ في مَوْجِدَتِكَ وعُقُوبَتِكَ لِي ﴿ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ وهم عَبَدَةُ العِجْلِ.

فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أخِيهِ ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي ما أمَرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ما أُضِيفَ إلَيْهِمْ مِنَ الجِزْيَةِ في حَقِّ أوْلادِهِمْ، لِأنَّ أُولَئِكَ قُتِلُوا ولَمْ يُؤَدُّوا جِزْيَةً.

قالَ عَطِيَّةُ: وهَذِهِ الآَيَةُ فِيما أصابَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ لَتَوَلِّيهِمْ مُتَّخِذِي العِجْلَ ورِضاهم بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَذَلِكَ أُعاقِبُ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا دُونِي.

وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: ما مِن مُبْتَدِعٍ إلّا وهو يَجِدُ فَوْقَ رَأْسِهِ ذِلَّةً، وقَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ.

وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَيْسَ في الأرْضِ صاحِبُ بِدْعَةٍ إلّا وهو يَجِدُ ذِلَّةً تَغْشاهُ قالَ: وهي في كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

قالُوا: وأيْنَ هِيَ؟

قالَ: أوَما سَمِعْتُمْ قَوْلَهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قالُوا: يا أبا مُحَمَّدٍ، هَذِهِ لِأصْحابِ العِجْلِ خاصَّةً، قالَ كُلًّا، اتْلُ ما بَعْدَها.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ ﴾ فَهي لَكُلِّ مُفْتَرٍ ومُبْتَدِعٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ يُرِيدُ: رَجَعَ مِنَ المُناجاةِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِن مَحِلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ سَمِعَ أصْواتَهم فَقالَ: هَذِهِ أصْواتُ قَوْمٍ لاهِينَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ عُكُوفُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ داخَلَهُ الغَضَبُ والأسَفُ وألْقى الألْواحَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: أخْبَرَهُ اللهُ تَعالى قَبْلَ رُجُوعِهِ أنَّهم قَدْ فُتِنُوا بِالعِجْلِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غاضِبٌ، والأسَفُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الغَضَبِ الشَدِيدِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الحُزْنِ، والمَعْنَيانِ مُتَرَتِّبانِ هاهُنا، و"ما" المُتَّصِلَةُ بِـ "بِئْسَ" مَصْدَرِيَّةٌ، هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، وفِيها اخْتِلافٌ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ: بِئْسَ خِلافَتُكم لِي مِن بَعْدِي، ويُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أو بَشَرٍّ إذا فَعَلَهُ بِمَن تَرَكَ مِن بَعْدِهِ، ويُقالُ: عَجِلَ فُلانٌ الأمْرَ إذا سَبَقَ فِيهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ أعَجِلْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: أسابَقْتُمْ قَضاءَ رَبِّكم واسْتَعْجَلْتُمْ إتْيانِي قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ الآيَةُ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ سَبَبُ إلْقائِهِ الألْواحَ غَضَبَهُ عَلى قَوْمِهِ في عِبادَتِهِمُ العِجْلَ وغَضَبَهُ عَلى أخِيهِ في إهْمالِ أمْرِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ -إنْ صَحَّ عنهُ-: بَلْ كانَ ذَلِكَ لَمّا رَأى فِيها مِن فَضِيلَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  فَرَغِبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ لِغَيْرِها غَضِبَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ رَدِيءٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُوصَفَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ.

وبِالجُمْلَةِ فَكانَ في خُلُقِ مُوسى ضِيقٌ وذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ لَوْحانِ وجُمِعَ إذِ التَثْنِيَةُ جَمْعٌ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ وِقْرَ سَبْعِينَ بَعِيرًا يُقْرَأُ مِنها الجُزْءُ في سَنَةٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ مُفْرِطٌ، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مُوسى لَمّا ألْقاها تَكَسَّرَتْ فَرُفِعَ أكْثَرُها الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ الَّذِي في نُسْخَتِهِ الهُدى والرَحْمَةُ، وهو الَّذِي أخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَتِ الألْواحُ، وأخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ ولِحْيَتِهِ مِنَ الخُلُقِ المَذْكُورِ، هَذا هو ظاهِرُ اللَفْظِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِيَسارِهِ فَخَشِيَ هارُونُ أنْ يَتَوَهَّمَ الناظِرُ إلَيْهِما أنَّهُ لِغَضَبٍ فَلِذَلِكَ نَهاهُ ورَغِبَ إلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ هو الصَحِيحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي  ﴾ .

وقَوْلُهُ: ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ اسْتِلْطافٌ بِرَحِمِ الأُمِّ إذْ هو ألْصَقُ القَراباتِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "ابْنَ أُمَّ" بِفَتْحِ المِيمِ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ: ابْنَ أُمّاهُ فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هُما اسْمانِ بُنِيا عَلى الفَتْحِ كاسْمٍ واحِدٍ لِخَمْسَةَ عَشَرَ ونَحْوِها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "ابْنَ أُمِّ" بِكَسْرِ المِيمِ، فَكَأنَّ الأصْلَ: ابْنَ أُمِّي فَحُذِفَتِ الياءُ، إمّا عَلى حَدِّ حَذْفِهِمْ مِن: لا أُبالِ، ولا أدْرِ تَخْفِيفًا، وإمّا كَأنَّهم جَعَلُوا الأوَّلَ والآخَرَ اسْمًا واحِدًا ثُمَّ أضافُوا، كَقَوْلِكَ: يا أحَدَ عَشَرَ أقْبِلُوا، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وهَذا أقْيَسُ مِنَ الحَذْفِ تَخْفِيفًا، ثُمَّ أضافُوا إلى ياءِ المُتَكَلِّمَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ مِن "أُمِّي" عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: يا غُلامِ فَيَحْذِفُها مِنَ المُنادى، ولَوْ لَمْ يُقَدِّرْ جَعْلَ الأوَّلِ والآخَرِ اسْمًا واحِدًا لَما صَحَّ حَذْفُها، لِأنَّ الأُمَّ لَيْسَتْ بِمُناداةٍ.

و"اسْتَضْعَفُونِي" مَعْناهُ: اعْتَقَدُوا أنِّي ضَعِيفٌ، وقَوْلُهُ: "كادُوا" قارَبُوا ولَمْ يَفْعَلُوا.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ ونَصْبِ "الأعْداءَ"، وقَرَأ مُجاهِدٌ -فِيما حَكاهُ أبُو حاتِمٍ -: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ والمِيمِ ورَفْعِ "الأعْداءُ".

حَكاها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ أيْضًا -فِيما حَكاهُ أبُو الفَتْحِ-: "فَلا تَشْمَتْ بِيَ الأعْداءَ" بِفَتْحِ التاءِ مِن فَوْقُ والمِيمِ ونَصْبِ "الأعْداءَ" هَذا عَلى أنْ يُعَدّى شَمَتَ يَشْمَتُ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: فَلا تَشْمَتُ بِي أنْتَ يا رَبُّ، وجازَ هَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ  ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ "الأعْداءَ"، كَأنَّهُ قالَ: لا تَشْمَتْ بِي الأعْداءُ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كَلامِ أبِي الفَتْحِ هَذا تَكَلُّفٌ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: "تَشْمِتُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ، و"الأعْداءَ" بِالنَصْبِ، والشَماتَةُ: فَرْحَةُ العَدُوِّ بِمُصابِ عَدُوِّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظالِمِينَ ﴾ يُرِيدُ عَبَدَةَ العِجْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جُعل رجوع موسى إلى قومه غضبان كالأمر الذي وقع الإخبار عنه من قبلُ على الأسلوب المبين في قوله: ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ [الأعراف: 143] وقوله: ﴿ ولما سُقط في أيديهم ﴾ [الأعراف: 149].

فرجوع موسى معلوم من تَحقق انقضاء المدة الموعود بها، وكونُه رجع في حالة غضب مشعر بأن الله أوحى إليه فأعلمه بما صنع قومُه في مغيبه، وقد صرح بذلك في سورة طه (85) ﴿ قال فإنّا قد فتنّا قومك من بَعدِك وأضلهم السامري ﴾ ف ﴿ غضبان أسِفاً حَالان من موسى، فهما قيداننِ لرجع ﴾ فعلم أن الغضب والأسف مقارنان للرجوع.

والغْضب تقدم في قوله: ﴿ قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب ﴾ في هذه السورة (71).

والأَسِف بدون مد، صيغة مبالغة للآسف بالمد الذي هو اسم فاعل للذي حل به الأسف وهو الحزن الشديد، أي رجع غضْبان من عصْيان قومه حزيناً على فساد أحوالهم، وبئسما ضد نِعمّا، وقد مضى القول عليه في قوله تعالى: ﴿ قل بئسما يأمركم به إيمانكم ﴾ في سورة البقرة (93)، والمعنى بئست خلافة خلفتمونيها خِلاَفتُكم.

وتقدم الكلام على فعل خَلف في قوله: ﴿ اخلُفْني في قومي ﴾ [الأعراف: 142] قريباً.

وهذا خطاب لهارون ووجوه القوم، لأنهم خلفاء موسى في قومهم فيكون ﴿ خلفتموني ﴾ مستعملاً في حقيقته، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع القوم، فأما هارون فلأنه لم يُحسن الخلافة بسياسة الأمة كما كان يسوسها موسى، وأما القوم فلأنهم عبدوا العجل بعد غيبة موسى، ومن لوازم الخلافة فعل ما كان يفعله المخلُوف عنه، فهم لما تركوا ما كان يفعله موسى من عبادة الله وصاروا إلى عبادة العجل فقد انحرفوا عن سيرته فلم يخلفوه في سيرته، وإطلاق الخلافة على هذا المعنى مجاز فيكون فعل ﴿ خلفتموني ﴾ مستعملاً في حقيقته ومجازه.

وزيادة ﴿ مِن بعدي ﴾ عقب ﴿ خلفتموني ﴾ للتذكير بالبَون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوفَ عنه تصوير لفظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين حين قلتم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فيكون قيد ﴿ من بعدي ﴾ للكشف وتصوير الحالة كقوله تعالى: ﴿ فخَر عليهم السقُف من فوقِهم ﴾ [النحل: 26]، ومعلوم أن السقف لا يكون إلاّ من فوق، ولكنه ذكر لتصوير حالة الخرور وتهويلها، ونظيره قوله تعالى، بعد ذكر نفر من الأنبياء وصفاتهم، ﴿ فخلف من بعدهم خَلْف ﴾ [الأعراف: 169] أي من بعد أولئك الموصوفين بتلك الصفات.

و«عَجلَ» أكثرَ ما يستعمل قاصراً، بمعنى فعل العجلة أي السرعة، وقد يتعدى إلى المعمول «بعن» فيقال: عجلَ عن كذا بمعنى لم يتمّه بعد أن شَرع فيه، وضده تَم على الأمر إذا شرع فيه فأتمّه، ويستعمل عَجِل مضمناً معنى سَبَق فعّدَيَ بنفسه على اعتبار هذا المعنى، وهو استعمال كثير.

ومعنى «عَجِل» هنا يَجوز أن يكون بمعنى لم يُتّمَ، وتكون تعديته إلى المفعول على نزع الخافض.

والأمرُ يكون بمعنى التكليف وهو ما أمرهم الله به: من المحافظة على الشريعة، وانتظار رجوعه، فلم يتموا ذلك واستعجلوا فبدلوا وغيروا، ويجوز أن يكون بمعنى سَبق أي بادرتم فيكون الأمر بمعنى الشأن أي الغضب والسخط كقوله: ﴿ أتى أمر الله فلا تستعجلوه ﴾ [النحل: 1] وقوله: ﴿ حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ﴾ [هود: 40] فالأمر هو الوعيد، فإن الله حذرهم من عبادة الأصنام وتوعدهم، فكان الظن بهم إن وقع منهم ذلك إن يقع بعد طول المدة، فلما فعلوا ما نُهوا عنه بحدثان عهد النهي، جُعلوا سابقين له على طريقة الاستعارة: شبهوا في مبادرتهم إلى أسباب الغضب والسخط بسبق السابق المسبوقَ، وهذا هو المعنى الأوضح، ويوضحه قوله، في نظير هذه القصة في سورة طه (86)، حكاية عن موسى: ﴿ قال يا قوم ألم يَعدْكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ﴾ وقد تعرضت التوراة إلى شيء من هذا المعنى في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج «وقال الله لموسى رأيتُ هذا الشّعْب فإذا هو شعب صلْب الرقبة فالآن اتركني ليحميَ غَضبي عليهم فأفنيهم».

وإلقاء الألواح رَميُها من يده إلى الأرض، وقد تقدم بيان الإلقاء آنفاً.

وذلك يؤذن بأنه لما نزل من المناجاة كانت الألواح في يده كما صرح به في التوراة.

ثم إن إلقاءه إياها إنما كان إظهاراً للغضب، أو أثراً من آثار فوران الغضب لما شاهدهم على تلك الحالة، وما ذكر القرآن ذلك الإلقاءَ إلاّ للدلالة على هذا المعنى إذ ليس فيه من فوائد العبرة في القصة إلاّ ذلك، فلا يستقيم قول من فسرها بأن الإلقاء لأجل إشغال يده بجرّ رأس أخيه، لأن ذكر ذلك لا جرور فيه، ولأنه لو كان كذلك لعطف، وأخذ برأس أخيه بالفاء.

وروي أن موسى عليه السلام كان في خلقه ضيق، وكان شديداً عند الغضب، ولذلك وكزَ القبطي فقضى عليه، ولذلك أخذ برأس أخيه يجره إليه، فهو دليل على فظاعة الفعل الذي شاهده من قومه، وذلك علامة على الفظاعة، وتشنيع عليهم، وليس تأديباً لهم، لأنه لا يكون تأديبهم بإلقاء ألواح كُتب فيها ما يصلحهم، لأن ذلك لا يناسب تصرف النبوءة (ولذلك جزمنا بأن إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب الذي هَمَّ بكتابته قبيل وفاته لم يكن تأديباً للقوم على اختلافهم عنده، كما هو ظاهر قول ابن عباس، بل إنما كان ذلك لِما رأى من اختلافهم في ذلك، فرأى أن الأوْلى ترك كتابته، إذ لم يكن الدين محتاجاً إليه) ووقع في التوراة أن الألواح تكسرت حين ألقاها، وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى أن التعبير بالإلقاء الذي هو الرمي، ومَا روي من أن الألواح كانت من حجر، يقتضي أنها اعتراها انكسار، ولكن ذلك الانكسار لا يُذهب ما احتوت عليه من الكتابة، وأما ما روي أنها لما تكسرت ذهب ستة أسباعها، أو ذهب تفصيلها وبقيت موعظتها، فهو من وضع القصّاصين والله تعالى يقول: ﴿ ولما سكت عن موسى الغضبْ أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ﴾ [الأعراف: 154].

وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه، أي إمساكه بشعر رأسه، وذلك يولمه، فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة على عَبدَة العجل، واقتصاره على تغيير ذلك عليهم بالقول، وذلك دليل على أنه غير معذور في اجتهاده الذي أفصح عنه بقوله: ﴿ إني خشيت أن تقول فرقْت بين بني إسرائيل ولم تَرْقُب قولي ﴾ [طه: 94] لأن ضعف مستنده جعله بحيث يستحق التأديب، ولم يكن له عذراً، وكان موسى هو الرسول لبني إسرائيل، وما هارون إلاّ من جملة قومه بهذا الاعتبار، وإنما كان هارون رسولاً مع موسى لفرعون خاصة، ولذلك لم يسَعْ هارونَ إلاّ الاعتذارُ والاستصفاح منه.

وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البَعيد ولا يظن بأن موسى عاقب هارون قبل تحقق التقصير.

وفصلت جملةٌ: ﴿ قال ابن أم ﴾ لوقوعها جوابها لحوار مقدر دل عليه قوله ﴿ وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴾ لأن الشأن أن ذلك لا يقع إلاّ مع كلام توبيخ، وهو ما حكي في سورة طه (92، 93) بقوله: ﴿ قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا ألاَّ تتبعننِ أفعصيت أمري ﴾ على عادة القرآن في توزيع القصة، واقتصاراً على موقع العبرة؛ ليخالف أسلوبُ قصَصه الذي قصد منه الموعظة أساليبَ القصّاصين الذين يقصدون الخبر بكل ما حدث.

و ﴿ ابنَ أم ﴾ منادى بحذف حرف النداء، والنداء بهذا الوصف للترقيق والاستشفاع، وحذف حرف النداء لإظهار ما صاحب هارون من الرعب والاضطراب، أو لأن كلامه هذا وقع بعد كلام سبقه فيه حرف النداء وهو المحكي في سورة طه (94) ﴿ قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ﴾ ثم قال، بعد ذلك ﴿ ابنَ أم إن القوم استضعفوني ﴾ فهما كلامان متعاقبان، ويظهر أن المحكي هنا هو القول الثاني، وأن ما في سورة طه هو الذي ابتدأ به هارون، لأنه كان جواباً عن قول موسى: ﴿ ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا أن لا تتبعن ﴾ [طه: 92، 93].

واختيار التعريف بالإضافة؛ لتضمن المضاف إليه معنى التذكير بصلة الرحم، لأن إخوة الأم أشد أواصر القرابة؛ لاشتراك الأخوين في الألف من وقت الصبا والرضاع.

وفتح الميم في ﴿ ابن أم ﴾ قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عَمرو، وحفص عن عاصم، وهي لغة مشهورة في المنادى المضاف إلى أم أو عَم، وذلك بحذف ياء المتكلم وتعويض ألف عنها في آخر المنادى، ثم يحذف ذلك الألف تخفيفاً، ويجوز بقاء كسرة الميم على الأصل، وهي لغة مشهورة أيضاً، وبها قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلفٌ.

وتقدم الكلام على الأم عند قوله تعالى: ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ في سورة النساء (23).

وتأكيد الخبر ب ﴿ إن ﴾ لتحقيقه لدى موسى، لأنه بحيث يتردد فيه قبل إخبار المخبر به، والتأكيدُ يستدعيه قبولُ الخبر للتردد من قِبَل إخبار المخبر به، وإن كان المخبر لا يُظن به الكذب، أو لئلا يظن به أنه تَوهم ذلك من حال قومه، وكانت حالهم دون ذلك.

والسين والتاء في ﴿ استضعفوني ﴾ للحسبان أي حسبوني ضعيفاً لا ناصر لي، لأنهم تمالؤوا على عبادة العجل ولم يخالفهم إلا هارون في شرذمة قليلة.

وقوله: ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ يدل على أنه عارضهم معارضة شديدة ثم سلّم خشيةَ القتل.

والتفريع في قوله: ﴿ فَلا تُشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ تفريع على تبين عذره في إقرارهم على ذلك، فطلب من أخيه الكف عن عقابه الذي يَشْمت به الأعداء لأجله، ويجعله مع عداد الظالمين فطلبُ ذلك كنايةٌ عن طلب الإعراض عن العقاب.

والشماتة: سُرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار، وإنما تحصل من العداوة والحسد.

وفعلَها قاصر كفرح، ومصدرها مخالف للقياس، ويتعدى الفعل إلى المفعول بالباء يقال: شَمتَ به: أي: كان شامتاً بسببه، وأشمته به جعله شامتاً به، وأراد بالأعداء الذين دعوا إلى عبادة العجل، لأن هارون أنكره عليهم فكرهوه لذلك، ويجوز أن تكون شماتةُ الأعداء كلمة جرت مجرى المثل في الشيء الذي يُلحق بالمرءِ سوءاً شديداً، سواء كان للمرء أعداء أو لم يكونوا، جرياً على غالب العرْف.

ومعنى ﴿ ولا تجعلْني مع القوم الظالمين ﴾ لا تحسبني واحداً منهم، ف (جعل) بمعنى ظن كقوله تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمان إناثاً ﴾ [الزخرف: 19].

والقوم الظالمون هم الذين أشركوا بالله عبادة العجل، ويجوز أن يكون المعنى: ولا تجعلني في العقوبة معهم، لأن مُوسى قد أمر بقتل الذين عَبدوا العجل، ف (جعل) على أصلها.

وجملة: ﴿ قال رب اغفر لي ﴾ جواب عن كلام هارون، فلذلك فصلت.

وابتدأ موسى دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدباً مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك.

وذكر وصف الأُخوة هناك زيادة في الاستعطاف عسى الله أن يُكرم رسوله بالمغفرة لأخيه كقول نوح: ﴿ رب إن ابني من أهلي ﴾ [هود: 45].

والإدخال في الرحمة استعارة لشمول الرحمة لهما في سائر أحوالهما، بحيث يكونان منها، كالمستقر في بيت أو نحوه مما يحوي، فالإدخال استعارة أصلية وحرف (في) استعارة تبعية، أوقع حرفه الظرفية موقع باء الملابسة.

وجملة: ﴿ وأنت أرحم الراحمين ﴾ تذييل، والواوُ للحال أو اعتراضية، و ﴿ أرحم الراحمين ﴾ الأشد رحمة من كل راحم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا ﴾ في الأسَفِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَأسِّفُ عَلى فَوْتِ ما سَلَفَ قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والثّانِي: أنَّهُ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: هو الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والرّابِعُ: المُغْتاظُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والخامِسُ: النّادِمُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفي غَضَبِهِ وأسَفِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضْبانُ مِن قَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ؟

أسِفًا عَلى ما فاتَهُ مِن مُناجاةِ رَبِّهِ.

والثّانِي: غَضْبانُ عَلى نَفْسِهِ في تَرْكِ قَوْمِهِ حَتّى ضَلُّوا، أسِفًا عَلى ما رَأى في قَوْمِهِ مِنِ ارْتِكابِ المَعاصِي.

وَقالَ بَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ إنَّ غَضَبَهُ لِلرُّجُوعِ عَنْ مُناجاةِ الحَقِّ إلى مُخاطَبَةِ الخَلْقِ.

﴿ قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ﴾ يَعْنِي بِعِبادَةِ العِجْلِ.

﴿ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِي بِهِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ أنَّهم قَدَّرُوا أنَّهُ قَدْ ماتَ لَمّا لَمْ يَأْتِ عَلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ لَيْلَةً، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: وعْدُ رَبِّكم بِالثَّوابِ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى عَدَلْتُمْ إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والفَرْقُ بَيْنَ العَجَلَةِ والسُّرْعَةِ أنَّ العَجَلَةَ: التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ، والسُّرْعَةُ: عَمَلُهُ في أقَلِّ أوْقاتِهِ.

﴿ وَألْقى الألْواحَ ﴾ وفي سَبَبِ إلْقائِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: غَضَبًا حِينَ رَأى عِبادَةَ العِجْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْقاها لَمّا رَأى فِيها فَضائِلَ غَيْرِ قَوْمِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  أنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، قالَ: رَبِّ فاجْعَلْهم أُمَّتِي قالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أحْمَدَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَألْقاها، قالَهُ قَتادَةُ.

وَكانَتِ التَّوْراةُ سَبْعَةَ أسْباعٍ فَلَمّا ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ رُفِعَ مِنها سِتَّةُ أسْباعِها وكانَ فِيما رُفِعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿ وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ وبَقِيَ الهُدى والرَّحْمَةُ في السُّبْعِ الباقِي، وهو الَّذِي قالَهُ اللَّهُ: ﴿ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ألْقى مُوسى الألْواحَ فَتَكَسَّرَتْ ورُفِعَتْ إلّا سُدُسُها.

﴿ وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخَذَ بِأُذُنِهِ.

والثّانِي: أخَذَ بِجُمْلَةِ رَأْسِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قَصَدَهُ بِمِثْلِ هَذا الهُوانِ ولا ذَنْبَ لَهُ؟

فَعَنْ ذَلِكَ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا قَدْ يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِالعادَةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الهُوانِ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ مِنهُ كَقَبْضِ الرَّجُلِ مِنّا الآنَ عَلى لِحْيَتِهِ وعَضِّهِ عَلى شَفَتِهِ ﴿ قالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ لِأُمِّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ عَلى عادَةِ العَرَبِ اسْتِعْطافًا بِالرَّحِمِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِأمْرٍ شَدِيدِ ﴿ فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ﴾ يَعْنِي مَن خالَفَهُ في عِبادَةِ العِجْلِ لِأنَّهم قَدْ صارُوا لِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ أعْداءً.

﴿ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ ﴾ أيْ لا تَغْضَبْ عَلَيَّ كَغَضَبِكَ عَلَيْهِمْ ولَسْتُ مِنهم فَأدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ: ﴿ قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق ابن عباس في قوله: ﴿ أسفاً ﴾ قال: حزيناً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً ﴾ قال: حزيناً على ما صنع قومه من بعده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ غضبان اسفاً ﴾ قال: حزيناً وفي الزخرف ﴿ فلما آسفونا ﴾ [ الزخرف: 55] يقول: اغضبونا.

والأسف على وجهين: الغضب والحزن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أسفاً ﴾ قال: جزعاً.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: الأسف: منزلة وراء الغضب أشد من ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: الأسف: الغضب الشديد.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ايزحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر ما تكسر» .

وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: كان موسى عليه السلام إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفعت إلا سدسها.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كتب الله لموسى في الألواح فيها ﴿ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ [ الأعراف: 145] فلما ألقاها رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، يقول الله: ﴿ وفي نسختها هدى ورحمة ﴾ [ الأعراف: 154] يقول: فيما بقي منها.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى عليه وسلم السبع المثاني وهي الطوال وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح رفعت أثنتان وبقيت أربع.

وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله: ﴿ وألقى الألواح ﴾ قال: ذكر أنه رفع من الألواح خمسة أشياء، وكان لا ينبغي أن يعلمه الناس ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ [ لقمان: 34] إلى آخر الآية.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد وسعيد بن جبير قال: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: اخبرت أن الواح موسى كانت تسعة، فرفع منها لوحان وبقي سبعة.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ قال: مع أصحاب العجل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ﴾ ، اختلفوا في معنى: الأسف؛ فقيل الأسف: الشديد الغضب، وهو قول أبي الدرداء (١) (٢) (٣) ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ .

أي: أغضبونا، واختاره ابن قتيبة أيضاً فقال: (يقال: آسفني فأسفت أي: أغضبني فغضبت، ومنه قوله: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ﴾ (٤) و (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) يدل على هذا ما قاله الليث: (الأسَفُ في حال الحُزن، وفي حال الغَضَب إذا جاءك أمر ممن هو دونك فأنت أسف [أي: غضبان، وقد آسَفَك، وإذا جاءك أمر ممن هو فوقك (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) فحُزْنُ كل أخي حزنٍ أخو الغضب فبين مقاربة ما بينهما، وعلى هذين المعنيين استعملت العرب الأسف.

قال الأعشى: أرى رجلاً منهم أسيفًا كأنما ...

يضم إلى كشحيه كفًّا مخضبا (١٦) يقول: كأن يده قطعت واختضبت بدمه فغضب لذلك، فهذا في الغضب، وأما في الحزن فما روى في حديث عائشة -  ا (١٧) (١٨) قال أبو عبيد: (الأسيف: السريع الحزن والكآبة (١٩) (٢٠) ﴿ أَسِفًا ﴾ حزينًا لأن الله فتنهم، وقد كان قال له: ﴿ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ  ﴾ .

وقال الكلبي: ﴿ أَسِفًا ﴾ حزينًا لعبادة العجل (٢١) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ﴾ (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ .

معنى العَجَلة (٢٥) قال الفراء (٢٦) (٢٧) ومعنى ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ (٢٨) (٢٩) وقال الحسن (٣٠) وقال عطاء (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: التي فيها التوراة) (٣٣) وروي أن النبي  قال: "يرحم الله أخي موسى ما المُخبَر كالمعاين، لقد أخبره الله بفتنة قومه، فعرف أن ما أخبره ربه حق، وإنه على ذلك لمتمسك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ .

قال الكلبي: (بذؤابة أخيه، وشعره بيده اليمنى، ولحيته باليسرى) (٣٦) وقال ابن الأنباري: (8) رجع موسى فوجدهم مقيمين على المعصية أكبر ذلك واستعظمه، وأقبل على أخيه هارون بالملامة، ومد يده إلى رأسه لشدةٍ موجدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرفه ما جرى بنو إسرائيل إليه من الأمر العظيم ليرجع فيتلافاهم، وهذا بيِّن في قوله: ﴿ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا  ﴾ ، فأعلمه هارون أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفًا على نفسه من القتل، وهذا بيّن في قوله: ﴿ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ﴾ ، فكان مد موسى يده إلى رأس أخيه عند توهمه أنه قد عصى الله بمقامه وتركه اللحوق به، وتعريفه ما أحدث قومه بعده، فلما سمع [موسى] (٣٧) ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ﴾ (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ قرئ بكسر الميم وفتحها (٤٠) (٤١) (٤٢) قال الفراء: (وذلك أنه كثر في الكلام، فحذفت العرب منه الياء، ولا يكادون يحذفون الياء إلا من الاسم المنادى يضيفه المنادي إلى نفسه إلا قولهم: يا ابن عمِّ ويا ابن أم، وذلك أنه يكثر استعمالهما (٤٣) (٤٤) (٤٥) ومعنى هذا: إن الياء لا تحذف إلا من المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو: يا غلام، ولا تحذف من الاسم مع المضاف إليه المنادى إذا أضفته إلى نفسك نحو (٤٦) (٤٧) (٤٨) يا ابن أمي ويا شُقَيِّقَ نفسي ...

أنت خَلَّيْتَني لدهر كؤودِ (٤٩) قال سيبويه: (فهذا بمنزلة القصوى الذي استعمل فيه الأصل الذي رفض في غيره) (٥٠) وهذا الذي ذكرنا قول البصريين والكوفيين بلا اختلاف بينهما.

فأما (٥١) ﴿ ابْنَ أُمَّ ﴾ فمذهب البصريين (٥٢) (٥٣) (٥٤) فإن قيل: لما لا يجوز أن يكون المراد يا ابن أمّا فحذف الألف كما حذفت ياء الإضافة في: يا غلام؟

قيل: ليس مثله، ألا ترى أن من حذف الياء من يا غلام أثبتها في يا غلام غلامي فلو كانت الألف مقدرة في يا ابن أم لم تحذف كما لم تحذف في قوله (٥٥) فالألف لا تحذف حيث تحذف الياء، ألا ترى أن من قال: ﴿ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ  ﴾ ، ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ  ﴾ فحذف الياء من الفواصل لم يكن عنده في نحو ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى  ﴾ إلا الإثبات.

فإن قيل: فما تقولون (٥٦) رهط مرجوم ورهط ابن المعلّ (٥٧) وهو يريد: المعلى؟

وفيما أنشد أبو الحسن: فلست بمدرك ما فات مني ...

بلهفَ ولا بليتَ ولا لو اني (٥٨) (٥٩) ﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ ﴾ (٦٠) (٦١) وقال أبو علي في هذه المسألة في سورة طه: (من (٦٢) ﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ  ﴾ أراد يا ابن أمَّا فحذف الألف كما يحذف الياء من غلامي في النداء [إذا قال: يا غلام وحذف الياء، من المضاف إليه، وإن كانت لا تحذف من المضاف إليه] (٦٣) ﴿ ابْنَ ﴾ على هذا نصبة كما أنها في قولك: يا غلام أمي، كذلك.

قال: ويجوز أن يكون جعل ابن وأمّ جميعًا بمنزلة اسم واحد فبناهما على الفتح، والفتحة في الأول ليست بنصبة كما كانت في الوجه الأول، ولكنها بمنزلة الفتحة في خمسة من خمسة عشر، والاسمان في موضع ضم بالنداء، فهذان وجهان.

ومن قال: ﴿ قَالَ يَبْنَؤُمِ ﴾ بالكسر، احتمل أيضًا أمرين: أحدهما: أن يكون أضاف ابنا إلى أم، وحذف الياء من الثاني، وكان الوجه إثباتها مثل: يا غلام غلامي، والآخر: أن يكون جعل الاسم الأول مع الثاني اسمًا واحداً وأضافه إلى نفسه، ثم حذف الياء، كما تحذف من أواخر المفردة نحو: يا غلام) (٦٤) قال المفسرون (٦٥) ﴿ يَا ابْنَ أُمَّ ﴾ ليستعطفه عليه ويرققه) (٦٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي ﴾ ).

قال الكلبي: (استذلوني وقهروني) (٦٧) ﴿ وَكَادُوا ﴾ وهمّوا أن ﴿ يَقْتُلُونَنِي ﴾ ﴿ فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ ﴾ يعني: أصحاب العجل.

﴿ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين عبدوا العجل، أي: في موجدتك (٦٨) (٦٩) (١) أخرجه الطبري 9/ 64 بسند ضعيف، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي 3/ 284 وابن الجوزي 3/ 263، والرازي 15/ 10، والقرطبي 7/ 286، ابن كثير 2/ 276، والسيوطي في "الدر" 3/ 235.

(٢) ذكره الرازي 15/ 10.

(٣) "معاني الزجاج" 2/ 378 واختاره أكثرهم.

انظر: "مجاز القرآن" 1/ 228، و"غريب القرآن" لليزيدي ص 150، "تفسير الطبري" 9/ 64، و"معاني النحاس" 3/ 82، و"نزهة القلوب" ص 74.

(٤) "تفسير غريب القرآن" ص 173.

(٥) (الواو): ساقطة من (ب).

(٦) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1569 من طرق جيدة، وذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 262، والسيوطي في "الدر" 3/ 235.

(٧) أخرجه الطبري 9/ 63 بسند جيد، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 197 ب، والبغوي في "معالم التنزيل" 3/ 284، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 7/ 286 - 287 عن ابن عباس والسدي.

(٨) أخرجه الطبري 9/ 64 بسند جيد، وذكره ابن الجوزي في "تفسيره" 3/ 263 == والرازي 14/ 10 عن ابن عباس والحسن والسدي.

(٩) "تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244 عن الكلبي والسدي.

(١٠) انظر: "تفسير ابن عطية" 6/ 86، ونقل قول الواحدي، الرازي 15/ 10.

(١١) في (ب): (وإذا).

(١٢) في "العين" 7/ 311: (ممن هو فوقك أو من مثلك فأنت أَسِف)، وفي "تهذيب اللغة" 1/ 161، عن الليث: (وإذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه ..).

(١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٤) "تهذيب اللغة" 1/ 161.

(١٥) "الشاهد" لأبي الطيب المتنبي في "ديوانه" ص 436 وبلا نسبة في "المفردات" ص 75 (أسف)، و"الدر المصون" 5/ 466، و"عمدة الحفاظ" ص 16، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزأبادي 2/ 185 وأوله: (جزاك ربك بالأحزان مغفرة).

وانظر شرح البيت في "شرح ديوان" المتنبي للواحدي ص 611.

(١٦) "ديوانه" ص 80، و"مجالس ثعلب" ص 38، و"تهذيب اللغة" 1/ 161، و"مقاييس اللغة" 1/ 103، و"اللسان" 1/ 79، و"الدر المصون" 5/ 466، وفي "الديوان" (رجلاً منكم) بدل (منهم).

(١٧) في: (أ): (عنهما).

(١٨) أخرجه البخاري (664) في الأذان باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، وفي باب: من أسمع الناس تكبير الإمام، رقم (712) وفي باب الرجل يأتم بالإمام وبأتم الناس بالمأموم رقم (713)، وفي كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ  ﴾ ، وأخرجه مسلم رقم (418) كتاب الصلاة، باب: استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها رقم (3384)، عن عائشة -  ما- قالت: قال النبي  في مرضه: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقلت: (إنه رجل أَسيف ..) الحديث.

(١٩) "تهذيب اللغة" 1/ 161، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 100 قال: (سريع الحزن والبكاء) اهـ.

(٢٠) "غريب الحديث" 1/ 100، و"تهذيب اللغة" 1/ 161، وزاد: (والأسف: الغضبان المتلهف على الشيء ومنه قوله تعالى: ﴿ غَضْبَانَ أَسِفًا ﴾ اهـ.

وانظر: "المنجد" ص 108، و"الصحاح" 4/ 1330، و"المجمل" 1/ 95، و"مقاييس اللغة" 1/ 103، و"المفردات" ص 75 (أسف).

(٢١) في النسخ: (إنا قد فتنا)، وهو تحريف.

(٢٢) "تنوير المقباس" 2/ 128، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.

(٢٣) في (ب) تكرار: (من بعدي).

(٢٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 244.

(٢٥) انظر: "العين" 1/ 227، و"الجمهرة" 1/ 482، و"تهذيب اللغة" 3/ 2341، و"الصحاح" 5/ 1759، و"المجمل" 3/ 649، و"مقاييس اللغة" 4/ 237، و"المفردات" ص 548، و"اللسان" 5/ 2821 (عجل).

(٢٦) "معاني الفراء" 1/ 393، ومثله قال الطبري 9/ 64.

(٢٧) "معاني الزجاج" 2/ 378.

(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٩) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245، وابن الجوزي في "زاد المسير" 3/ 264، والرازي 15/ 11.

(٣٠) ذكره الماوردي 2/ 263، والواحدي في "الوسيط" 2/ 245، والبغوي 3/ 284، وابن الجوزي 3/ 264، والرازي 15/ 11.

(٣١) ذكره الرازي 15/ 11.

(٣٢) "تنوير المقباس" 2/ 228، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245، والبغوي 3/ 284، والرازي 15/ 11.

(٣٣) ذكره أكثرهم بلا نسبة.

انظر: "الوسيط" 1/ 245، والبغوي 3/ 284، وابن الجوزي 3/ 264، والرازي 15/ 11.

(٣٤) في (ب): (ورآلهم) وهو تحريف.

(٣٥) أخرج أحمد في "المسند" 4/ 147 رقم 2446 - تحقيق أحمد شاكر، وابن أبي حاتم 5/ 1570، والحاكم في "المستدرك" 2/ 321 من طرق جيدة عن ابن عباس أن النبي  قال: "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله عز وجل أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت" اهـ.

واللفظ لأحمد.

وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي في "التلخيص".

وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 235، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد والبزار وابن حبان والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه).

== وأخرج أحمد 3/ 254 رقم 1842، والقضاعي في "مسند الشهاب" 2/ 201 - 202 رقم 1182 - 1184، والخطيب في "تاريخ بغداد" 3/ 360 - و8/ 28 من طرق جيدة، عن أنس وأبي هريرة وابن عباس أن النبي  قال: "ليس الخبر كالمعاينة" اهـ.

وانظر: "المفاسد الحسنة" للسخاوي ص 414، و"كشف الخفاء" 2/ 168.

(٣٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 245.

(٣٧) لفظ: (موسى) ساقط من (ب).

(٣٨) لفظ: ( ﴿ وَلِأخَى ﴾ ) ساقط من (أ).

(٣٩) ذكر الواحدي في "الوسيط" 2/ 245 عن الكلبي نحوه.

وذكره ابن الجوزي 3/ 264 بلا نسبة.

(٤٠) قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ قَالَ ابْنَ أُمَّ ﴾ بكسر الميم، وكذلك في آية ﴿ يَبْنَؤُمَّ  ﴾ ، وقرأ الباقون بفتحهما.

انظر: "السبعة" ص 295، و"المبسوط" 185، و"التذكرة" 2/ 426، و"التيسير" ص 113، و"النشر" 2/ 272.

(٤١) لفظ: (الفاء) ساقط من (ب).

(٤٢) في (أ): (جعلهما)، وفي "معاني الزجاج" 2/ 278 (جعله).

(٤٣) في (ب): (استعمالهم).

(٤٤) في (ب): (بينوا).

(٤٥) "معاني الفراء" 1/ 394.

(٤٦) لفظ: (نحو) ساقط من (ب).

(٤٧) في (ب): (يا غلام يا غلامي).

(٤٨) في (ب): (لكثرتها).

(٤٩) "ديوانه" ص 48، و"الكتاب" 2/ 213، و"تفسير الطبري" 9/ 67، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 293، و"الحجة" لأبي علي 4/ 90، و"اللسان" 4/ 2301 (شقق)، وبلا نسبة في: "المقتضب" 4/ 250، و"معاني الزجاج" 2/ 379، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 639 - 640، و"إعراب القراءات" 1/ 209، و"التفسير" للماوردي 2/ 264، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 294، وهذه هي رواية النحاة في كتبهم والشاهد: يا ابن أمي، حيث أثبت الياء وهو قليل، والرواية في الديوان: يا ابن خنساء شق نفسي يا ...

لجلاج خليتني لدهر شديد وهو من قصيدة طويلة يرثى بها ابن أخته لجلاج، انظر: "الاختيارين" للأخفش ص 5418، و"جمهرة أشعار العرب" ص 262.

(٥٠) هذا نص قول أبي علي الفارسي في "الحجة" 4/ 90، ولم أقف عليه عن سيبويه، وانظر: "الكتاب" 2/ 213 - 214.

(٥١) في (ب): (وأما).

(٥٢) انظر: "معاني الأخفش" 2/ 310، و"الزجاج" 2/ 278، و"إعراب النحاس" 1/ 460.

(٥٣) "معاني الفراء" 1/ 394، وانظر: "تفسير الطبري" 9/ 67 - 68.

(٥٤) هنا في: (أ) وقع تكرار وخلط ففيها: (والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في أماه وعماه والصحيح قول البصريين وهو أن الفتحة في ابن كالفتحة في خمسة من قولهم خمسة عشر والفتحة في أم كالفتحة في عشر فإن قيل ..).

(٥٥) "الشاهد" لأبي النجم الفضل بن قدامة العجلي في "ديوانه" ص 134، و"الكتاب" 2/ 214، و"النوادر" ص 19، و"الأصول" 1/ 342، و"الجمل" للزجاجي ص 160، و"الصحاح" 5/ 1992 (عمم) "الأمالي" لابن الشجري 2/ 295، و"اللسان" 5/ 3111 (عمم)، وبلا نسبة في "المقتضب" 4/ 252، و"الحجة" لابن خالويه ص 165، و"الحجة" لأبي علي 4/ 91، و"البغداديات" ص 506، و"العسكريات" ص 135، و"معاني الحروف" للروماني ص 148، و"المحتسب" 2/ 238، و"المدخل" للحدادي ص 547، و"رصف المباني" ص 235، و"الدر المصون" 5/ 468، وهو رجز بعده.

لا تسمعيي منك لومًا واسمعي == الشاهد فيه: يا ابنة عما، والأصل يا ابنة عمي فقلب الياء ألفًا كراهة اجتماع الكسرة والياء.

(٥٦) في (ب): (فما تقول).

(٥٧) الشاهد: للبيد بن ربيعة في ملحق "ديوانه" ص 199، و"الكتاب" 4/ 188، و"مجاز القرآن" 2/ 160، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 448، و"كتاب الكتاب" لابن درستويه ص 104، و"الحجة" لأبي علي 1/ 141، و"البغداديات" ص 506، و"الخصائص" 2/ 293، و"الأمالي" لابن الشجري 2/ 293، و"اللسان" 3/ 1603 (رجم)، وبلا نسبة في "الجمهرة" 1/ 466، و"العسكريات" ص 133، و"المحتسب" 1/ 342، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 522، و"المقرب" 2/ 29، وصدره: وقبيل من لكيز شاهد والشاهد: ابن المعل، والأصل المعلى فحذف للضرورة، وقبيل: القبيلة، وشاهد أي حاضر، ولكيز من عبد قيس، ومرجوم: لقب رجلاً من عبد قيس، وابن المعلى هو جد الجارود بن بشير بن عمرو بن المعلى، أفاده عبد السلام هارون -رحمه الله تعالى- في حاشية الكتاب 4/ 188.

(٥٨) لم أعرف قائله وهو في: "معاني الأخفش" 1/ 65، و"الحجة" لأبي علي 4/ 92، == و"العسكريات" ص 134، و"كتاب الشعر" 1/ 282، و"الخصائص" 3/ 135، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 521، و"المحتسب" 1/ 277، و"الأمالي" ابن الشجري 2/ 293، و"الإنصاف" 1/ 390، و"المقرب" 1/ 181، و"الممتع" 2/ 622، و"اللسان" 7/ 4087 (لهف).

(٥٩) في (ب): (والجواب أن ذلك يجوز في الاختيار وحال السعة)، وهو تحريف.

(٦٠) "الحجة" لأبي علي 4/ 92، وما قبله منه أيضاً.

انظر: "الحجة" 4/ 89 - 93.

(٦١) أي: بالفتح.

(٦٢) في (ب): (ما قال)، وهو تحريف.

(٦٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٦٤) "الحجة" لأبي علي 5/ 248، وانظر: "معاني القراءات" 1/ 425، و"إعراب القراءات" 1/ 280، و"الحجة" لابن خالويه ص 164، ولابن زنجلة ص 297، و"الكشف" 1/ 478.

(٦٥) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 68، والسمرقندي 1/ 571، والبغوي 3/ 284.

(٦٦) في (ب): (ويرفقه).

(٦٧) "تنوير المقباس" 2/ 129، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 246.

(٦٨) وَجَدت عليه مَوْجِدَة أي: غضبت، ووجدت عليه أي: حزنت وانظر: "اللسان" 8/ 4770 (وجد).

(٦٩) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 69، والسمرقندي 1/ 571.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلِقَآءِ الآخرة ﴾ يجوز أن يكون من إضافة المصدر إلى المفعول به أي: ولقاؤهم الآخرة، أو من إضافة المصدر إلى الظرف ﴿ واتخذ قَوْمُ موسى ﴾ هم بنو إسرائيل ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي من بعد غيبته في الطور ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ بضم الحال والتشديد جمع حلى نحو ثدي وثدي، وقرئ بكسر الحاء للإتباع وقرئ بفتح الحاء وإسكان اللام، والحلي هو اسم ما يتزين به من الذهب والفضة ﴿ جَسَداً ﴾ أي جسماً دون روح، وانتصابه على البدل ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ الخوار هو: صوت البقر، وكان السامري قد قبض قبضة من تراب أثر فرس جبريل يوم قطع البحر، فقذفه في العجل فصار له خوار، وقيل: كان إبليس يدخل في جوف العجل فيصيح فيه فيسمع له خوار ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ ردّ عليهم، وإبطال لمذهبهم الفاسد في عبادته ﴿ اتخذوه ﴾ أي اتخذوه إلهاً، فحذف لمفعول الثاني للعلم به، وكذلك حذف من قوله: واتخذ قوم موسى ﴿ سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ ﴾ أي ندموا يقال: سقط في يد فلان إذا عجز عما يريد أو وقع فيما يكره ﴿ أَسِفاً ﴾ شديد الحزن على ما فعلوه، وقيل: شديد الغضب كقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ا ﴾ [الزخرف: 55] ﴿ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي ﴾ أي قمتم مقامي، وفاعل بئس مضمر يفسره ما واسم المذموم محذوف، والمخاطب بذلك أما القوم الذين عبدوا العجل مع السامري حيث عبدوا غير الله في غيبة موسى عنهم، أو رؤساء بني إسرائيل كهارون عليه السلام، حيث لم يكفوا الذين عبدوا العجل ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ معناه: أعجلتم عن أمر ربكم، وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور، فإنهم لما رأوا أنّ الأمر قد تم ظنوا أن موسى عليه السلام قد مات فعبدوا العجل ﴿ وَأَلْقَى الألواح ﴾ طرحها لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله من عبادة العجل ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ ﴾ أي شعر رأسه ﴿ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ لأنه ظن أنه فرَّط في كف الذين عبدوا العجل ﴿ ابن أُمَّ ﴾ كان هارون شقيق موسى، وإنما دعاه بأمّه، لأنه أدعى إلى العطف والحنوّ، وقرئ ابن أم بالكسر على الإضافة إلى ياء المتكلم، وحذفت الياء بالفتح تشبيهاً بخمسة عشر جعَل الاسمان اسما واحداً فبنى ﴿ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين ﴾ أي لا تظن أني منهم أو لا تجد عليَّ في نفسك ما تجدُ عليهم يعني أصحاب العجل ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ ﴾ أي: غضب في الآخرة وذلة في الدنيا ﴿ وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب ﴾ أي سكن، وكذلك قرأ بعضهم، وقال الزمخشري: قوله: سكت مثل كأن الغضب كان يقول له ألق الألواح وجُرّ برأس أخيك، ثم سكت عن ذلك ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ أي فيما ينسخ منها، والنسخة فعلة بمعنى مفعول ﴿ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي يخافون، ودخلت اللام لتقدّم المفعول كقوله: ﴿ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ [يوسف: 43]، وقال المبرِّد: تتعلق بمصدر تقديره رهبتهم لربهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرني أنظر ﴾ بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي.

الباقون: بكسر الراء وسكون الياء.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ إني اصطفيتك ﴾ بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ برسالتي ﴾ على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير.

الباقون: ﴿ برسالاتي ﴾ ﴿ آياتي الذين ﴾ مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة.

﴿ الرشد ﴾ بفتحتين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بضم الراء وسكون الشين.

﴿ من حليهم ﴾ بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب ﴿ حليهم ﴾ بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي.

الباقون: مثله ولكن بضم الحاء.

﴿ ترحمنا ربنا وتغفر لنا ﴾ بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: على الغيبة ورفع ﴿ ربنا ﴾ على الفاعلية ﴿ بعدي أعجلتم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ قال ابن أم ﴾ بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الباقون: بفتحها ومثله ﴿ يا ابن أم  ﴾ في طه.

الوقوف: ﴿ أربعين ليلة ﴾ ج للعطف مع اختلاف القائل ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ ربه ﴾ لا لأن ما بعده جواب ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ فسوف تراني ﴾ ج ﴿ صعقا ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ لكل شيء ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ بأحسنها ﴾ ج ﴿ الفاسقين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ج ﴿ بها ﴾ ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف ﴿ سبيلاً ﴾ ج ﴿ ذلك سبيلاً ﴾ ه ﴿ غافلين ﴾ ه ﴿ أعمالهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ خوار ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ ضلوا ﴾ ج لأن ما بعده جواب.

﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ أسفاً ﴾ ج لما ﴿ بعدي ﴾ ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل ﴿ أمر ربكم ﴾ ج لأن قوله ﴿ وألقى ﴾ معطوف على قوله ﴿ قال بئسما ﴾ وقد اعترض بينهما استفهام ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ يقتلونني ﴾ ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي.

﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ في رحمتك ﴾ ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء ﴿ الراحمين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ط ﴿ المفترين ﴾ ه ﴿ وآمنوا ﴾ ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم.

﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الألواح ﴾ ج صلى لاحتمال ما بعده الحال ﴿ يرهبون ﴾ ه.

التفسير: لما أهلك الله  أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟

فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب.

وقيل: فائدة التفصيل أنه  أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه ﴿ وما أعجلك عن قومك يا موسى  ﴾ فلما أعلمه الله  خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة.

وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام.

ومن فوائد الفذلكة في قوله ﴿ فتم ميقات ربه أربعين ليلة ﴾ إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين.

والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا.

وانتصب ﴿ أربعين ﴾ على الحال أي تم بالغاً هذا العدد.

﴿ وهارون ﴾ عطف بيان ﴿ لأخيه ﴾ وقرىء بالضم على النداء ﴿ أخلفني في قومي ﴾ كن خليفتي فيهم ﴿ وأصلح ﴾ كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه.

وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل ﴿ وأشركه في أمري  ﴾ والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره.

وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح.

﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا ﴾ اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا ﴿ وكلمه ربه ﴾ للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة.

وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله  وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة.

وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى  سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت.

وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى  أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة.

واختلف العلماء أيضاً في أن الله  كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك.

عن ابن عباس: أن موسى  جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً.

فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك.

قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله  .

فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها.

قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله  وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال.

وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى  سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة  ﴾ وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله.

وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة.

وردّ بأنه  أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟

ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله  عن ذلك؟

ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله  ولا يلزم منه المنع في الآخرة.

ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء.

وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي.

ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق.

وفي الآية سؤال وهو أنه  لم قال ﴿ لن تراني ﴾ دون ﴿ لن تنظر إليّ ﴾ ليناسب قوله ﴿ انظر إليك ﴾ والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل ﴿ أرني ﴾ ومن حجج الأشاعرة أنه  علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز.

وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله ﴿ ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ﴾ أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال.

ومنها قوله ﴿ فلما تجلى ربه ﴾ أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته ﴿ جعله دكاً ﴾ أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول".

والدك والدق أخوان.

ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام.

والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة.

والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده.

وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله ﴿ لن تراني ﴾ وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد.

وأيضاً الاستدراك في قوله ﴿ ولكن انظر ﴾ معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟

قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله  حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية.

وأيضاً قوله ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم.

روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة.

وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة ﴿ سبحانك ﴾ أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك ﴿ إني تبت إليك ﴾ من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك ﴿ وأنا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس.

وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها ﴿ فقال يا موسى إني اصطفيتك ﴾ الآية.

والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية.

قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة.

وإنما قال ﴿ اصطفيتك على الناس ﴾ ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله  من غير واسطة كما سمعه موسى.

والغرض أنه  خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط.

وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا  رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس.

وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب.

والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ من شرف الرسالة والكلام ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً.

ثم فصل تلك الرسالة فقال ﴿ وكتبنا له في الألواح ﴾ قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر.

وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء.

وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله  لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه.

وقيل: طولها كان عشرة أذرع.

والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك.

وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا ﴿ من كل شيء ﴾ مفعول ﴿ كتبنا ﴾ و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد.

وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون ﴿ موعظة وتفصيلاً ﴾ مفعولين لـ ﴿ كتبنا ﴾ والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء.

قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى.

وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين.

﴿ فخذها ﴾ على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله ﴿ فخذ ما أتيتك ﴾ والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله ﴿ يأخذوا بأحسنها ﴾ يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به.

وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ وكقوله ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن.

وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب.

وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء.

ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم.

وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم.

وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم.

وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله  سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء ﴿ سأورثكم ﴾ .

وقوله ﴿ وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون  ﴾ .

ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ الآية.

فاحتجت الأشاعرة بها على أنه  قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه.

وقال الجبائي: قوله ﴿ سأصرف ﴾ للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر.

وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا  ﴿ بلغ ما أنزل إليك ﴾ إلى قوله ﴿ والله يعصمك من الناس  ﴾ وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله  .

وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله  عنها.

وبوجه آخر إن الله  إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله  ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء.

وعن رسول  : "إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" قوله ﴿ بغير الحق ﴾ أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة.

والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله ﴿ فإن آنستم منهم رشد  ﴾ وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله  ﴿ مما علمت رشداً  ﴾ وسبيل الغي ضد ما ذكرنا.

ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا.

ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة ﴾ أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم.

ثم قال ﴿ هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ﴾ احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك.

قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل.

أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء.

ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء.

قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها.

والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ.

ومن كسر الحاء فللإتباع.

فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً.

واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى.

قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل.

وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس.

وإنما قال  ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده  ﴾ أي من بعد مضيه إلى الطور.

قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك.

وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله  ﴿ من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون  ﴾ وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه  قال ﴿ عجلاً جسداً له خوار ﴾ والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة.

واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح.

ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه.

وقرأ علي كرم الله وجهه ﴿ جؤار ﴾ بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و ﴿ جسداً ﴾ بدلاً من ﴿ عجلاً ﴾ ثم إنه  احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله ﴿ ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً ﴾ ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب.

قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً.

قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً.

والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله  .

ثم ختم الآية بقوله ﴿ اتخذوه وكانوا ظالمين ﴾ وهذا كما قال في البقرة ﴿ ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون  ﴾ ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل.

واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين.

وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم.

وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي.

وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر فيعاقبته ولم يحصل على طائل من سعة.

وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه.

وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه.

ثم قال الله  ﴿ ورأوا أنهم قد ضلوا ﴾ أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم.

قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم.

ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً.

ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء ﴿ إن لم يرحمنا ربنا ﴾ الآية.

﴿ ولما رجع موسى إلى قومه ﴾ قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم.

وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله ﴿ غضبان أسفاً ﴾ فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه ﴿ قد فتنا قومك من بعدك  ﴾ وفي دليل ظاهر على أنه  أخبره بوقوع الواقعة في الميقات.

والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج.

وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين.

وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه ﴿ بئسما خلفتموني ﴾ خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة.

وفاعل ﴿ بئس ﴾ مضمر يفسره ﴿ ما خلفتموني ﴾ والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم.

ومعنى ﴿ من بعدي ﴾ مع قوله ﴿ خلفتموني ﴾ من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله ﴿ فخلف من بعدهم خلف  ﴾ أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته.

قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له.

وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات.

وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات.

وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا.

وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم.

وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم.

وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به ﴿ وألقى الألواح ﴾ التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله.

عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة" لقد أخبره الله  بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده.

وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة.

قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء.

وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر ﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته.

واعلم أن موسى  كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى.

وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة ﴿ فقال يا ابن أم ﴾ من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة.

وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر.

بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها ﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري ﴿ وكادوا يقتلونني ﴾ حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها ﴿ فلا تشمت بي الأعداء ﴾ العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظالمين ﴾ في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحدمنهم.

ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك ﴿ قال ﴾ موسى ﴿ رب اغفر لي ﴾ ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال ﴿ ولأخي ﴾ أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال ﴿ إن الذين اتخذوا العجل ﴾ إلهاً ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة ﴾ كلاهما في الحياة الدنيا.

فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى.

واعترض بأن قوله ﴿ سينالهم ﴾ للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً.

وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله  موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة.

قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض.

ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي  سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم ﴿ وكذلك نجزي المفترين ﴾ أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة.

قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية ﴿ والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا ﴾ ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين ﴿ لغفور ﴾ ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم ﴿ رحيم ﴾ منعم عليهم بالجنة.

وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل.

ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال ﴿ ولما سكت عن موسى الغضب ﴾ قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء.

وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف.

وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به.

﴿ أخذ الألواح ﴾ التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب ﴿ وفي نسختها ﴾ فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله  الألواح وفيها غير ما في الأولى ﴿ هدى ﴾ من الضلال ﴿ ورحمة ﴾ من العذاب ﴿ للذين هم لربهم يرهبون ﴾ أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره ﴿ للرؤيا تعبرون  ﴾ وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم.

التأويل: ﴿ ثلاثين ليلة ﴾ لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان ﴿ وقال موسى ﴾ الروح ﴿ لأخيه هارون ﴾ القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و ﴿ وأصلح ﴾ ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ من الهوى والطبيعة.

وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح ﴿ ولما جاء موسى ﴾ ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ ﴿ قال رب أرني أنظر إليك ﴾ فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر ﴿ ولكن انظر ﴾ إلى جبل الأنانية ﴿ فإن استقر مكانه ﴾ عند التجلي ﴿ فسوف تراني ﴾ ببصر أنانيتك ﴿ وخر موسى صعقاً ﴾ بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها.

قد كان ما كان سراً أبوح به *** فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم.

﴿ فما أفاق ﴾ من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية ﴿ قال ﴾ موسى بلا هويته ﴿ سبحانك ﴾ تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك ﴿ وانا أوّل المؤمنين ﴾ بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك.

﴿ برسالاتي وبكلامي ﴾ دون رؤيتي ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ ﴿ فخذها بقوّة ﴾ أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا ﴿ سأريكم دار الفاسقين ﴾ الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا ﴿ سأصرف عن آياتي ﴾ فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات ﴿ واتخذ قوم موسى ﴾ أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق.

اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس ﴿ عجلاً ﴾ هو الدنيا ﴿ له خوار ﴾ يدعو الخلق به إلى نفسه ﴿ ولما سقط في أيديهم ﴾ عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة ﴿ إن لم يرحمنا ﴾ بجذبات العناية ﴿ ربنا ﴾ الآية ﴿ غضبان ﴾ مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا ﴿ أسفاً ﴾ على ما فاتها من عبودية الحق ﴿ أعجلتم أمر ربكم ﴾ بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم.

وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق ﴿ وألقى الألواح ﴾ يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي.

﴿ وأخذ برأس أخيه ﴾ القلب فإنه أخو الروح ﴿ يجره إليه ﴾ قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية ﴿ قال ابن أم ﴾ هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر.

﴿ إن القوم استضعفوني ﴾ يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك ﴿ وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ﴾ وهم الشيطان والنفس والهوى ﴿ ولا تجعلني مع القوم الظلمين ﴾ فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها ﴿ رب اغفر لي ولأخي ﴾ إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات ﴿ وكذلك نجزى المفترين ﴾ الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .

قوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ ﴾ كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ...

 ﴾ الآية، وصف الله -  - قوم موسى بعضهم بالهداية، والعدالة، واتباع الحق، بقوله: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ ، وبعضهم وصفهم بالسفاهة، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وقال: ههنا: اتخذوا العجل إلهاً عبدوه، يذكر هذا - والله أعلم - لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه والتفكر في نعمه، فنؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتبعها ولا نضيعها على ما ضيع قوم موسى.

وقوله: ﴿ مِن بَعْدِهِ ﴾ أي: من بعد مفارقة موسى قومه.

وقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ  ﴾ وكانت تلك الحلي عارية عندهم من قوم فرعون، بقوله: ﴿ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ  ﴾ أضاف إلى فرعون، وأضاف هاهنا إلى قوم موسى، بقوله: ﴿ مِنْ حُلِيِّهِمْ ﴾ دل أن العارية يجوز أن تنسب إلى المستعير.

وفيه دلالة أن من حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل داراً له عارية عنده يحنث.

وقوله: ﴿ عِجْلاً جَسَداً ﴾ .

قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلاً في جوهره.

وقيل: الجسد هو الذي لا تدبير له، ولا تمييز، ولا بيان؛ لكنه ذكر فيه هنا ما لا يحتاج إلى هذا، وهو قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ لكنه كأنه قال: عجلاً له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء، واختاروا، الهيئة من وصفه ما ذكر.

وقوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ قيل: إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى تلك القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار؛ فصار شبه عجل له خوار.

وقال بعضهم: صاغ من حليهم عجلاً؛ فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خواراً.

وقال بعضهم: إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه وحركه: خار.

وقال بعضهم: كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره، ويخرج من فيه، فعند ذلك يخور.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ .

[ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا]، وفي سورة طه: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً  ﴾ ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرّاً ونفعاً يجوز أن يعبد؛ ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حالٍ لا يوجب إباحة ذلك في حالٍ أخرى.

وفيه: أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها، وإن كان اطرادها في الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها.

وفي قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ﴾ ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً  ﴾ ذكر سفههم لعبادتهم شيئاً لا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً.

وقوله: ﴿ ٱتَّخَذُوهُ ﴾ \[أي: اتخذوه\] إلهاً عبدوه، ﴿ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ﴾ في عبادتهم العجل؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، والألوهية في غير موضعها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ ﴾ هذا حرف تستعمله العرب عند وقوع الندامة وحلولها، وتأويله: لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم، أي: ندموا على ما كان منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ أي: لئن لم يرحمنا ربنا، ويوفقنا للهداية والعبادة له، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة للعجل، والتفريط في العصيان ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ﴾ ابتداء طلب الرحمة والمغفرة؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ...

﴾ الآية [هود: 90].

ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو.

وفي قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ﴾ بعد قوله: ﴿ لَّهُ خُوَارٌ ﴾ دلالة أن الكلام هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها؛ لأنه أخبر أن له خواراً، ثم أخبر أنه كان لا يكلمهم، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام، وذلك يدل لأصحابنا في مسألة: إذا حلف ألا يكلم فلاناً، ثم خاطبه بشيء لا يفهم مراده أن ذلك ليس بكلام، ولا يحنث.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ والأسف: هو النهاية في الحزن والغضب؛ كقوله: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ  ﴾ هو النهاية في الحزن والأسف في موضع الغضب، وكقوله: ﴿ فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ  ﴾ أي: أغضبونا، لكن الغضب يكون على من دونه، والأسف والحزن على من فوقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ غَضْبَٰنَ ﴾ أي: لله على قومه لعبادتهم العجل، وتركهم عبادة الله حزناً على قومه لما يلحقهم بعبادتهم العجل من العقوبة، وهكذا الواجب على من رأى المنكر أنه يغضب لله على مرتكب ذلك المنكر لمعاينته المنكر، ويأسف عليه لما يلحقه من العقوبة والهلاك؛ رحمة منه له ورأفة، ويلزم الشكر لربه؛ لما عصمه عن مثله، وكذلك وصف رسوله -  - بالأسف والحزن لتكذيبهم إياه حتى كادت نفسه تهلك حزناً عليهم؛ حيث قال: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ذكر هذه القصة لنا؛ لنعرف: أن كيف نعامل أهل المناكير وقت ارتكابهم المنكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ ﴾ .

يخرج هذا على وجهين: أحدهما: بئسما خلفتموني: بئس ما اخترتم من عبادتكم العجل على عبادة الله.

والثاني: بئسما خلفتموني باتباعكم السامري إلى ما دعاكم إليه بعد اتباعكم إياي وأخي رسول الله وما أمركم به ودعاكم إلى عبادة الله.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أعجلتم ميعاد ربكم؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً  ﴾ ، أي: أعجلتم الوعد الحسن الذي وعد لكم ربكم، وهو قوله: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً  ﴾ .

وقال آخرون: [قوله]: ﴿ أَمْرَ رَبِّكُمْ ﴾ أي: عذاب ربكم وغضبه بعبادتكم العجل واتخاذكم له إلهاً، وقد سمى الله  العذاب في غير موضع من القرآن: أمراً؛ كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ  ﴾ ، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ .

قال أكثر أهل التأويل: ألقى الألواح، أي: طرحها على الأرض غضباً منه، فوقع منها كذا وكذا، وبقي كذا، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ طرحها لا غير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ  ﴾ ليس يفهم منه الطرح والإلقاء، ولكن إنما فهم منه الوضع، فعلى ذلك قوله: ﴿ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ ﴾ أي: وضع؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته، أعني: رأس أخيه هارون، ولا سبيل له إلى أن يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه، فوضعها على الأرض، وثم أخذ رأسه ولحيته يجرُّه إليه، على ما ذكر في سورة طه؛ حيث قال: ﴿ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي  ﴾ ، دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعاً لشدة غضبه لله على صنيع قومه.

وفي الآية دلالة العمل بالاجتهاد؛ لأنه قال: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي  ﴾ ، ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله، ثم يقول له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولا تفعل كذا.

وفيه أيضاً: أن هارون لما قال له: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ  ﴾ إنما قال ذلك بالاجتهاد؛ حيث قال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ  ﴾ ؛ لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر، لم يكن ليعتذر إليه بقوله فلا تشمت بي الأعداء.

وقوله: ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ﴾ .

فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه؛ لأنه لو كان أخذ رأسه، لكان لا يحتاج إلى أن يجره إليه؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه.

وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي  ﴾ فيه دلالة لأصحابنا أن من مسح رأسه ثم أزال شعره، لم يسقط عنه حكم المسح، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت زال عنه حكمه، ولزم غسل ذقنه؛ لما سمى الشعر رأساً، وسمى اللحية لحية، وسقوطها يسقط حكم المسح، وسقوط شعر الرأس لا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي ﴾ .

خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ  أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي  ﴾ ، فقال عند ذلك: ﴿ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي ﴾ .

قال بعضهم: إنما خصَّ أخاه بسؤال المغفرة؛ لأنهم جميعاً قد عبدوا العجل سوى أخيه هارون؛ لذلك خصّه بسؤال المغفرة.

وقال بعضهم: إنما قال ذلك جواباً عما قال هارون: ﴿ فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ...

﴾ الآية.

ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له وزيراً بقوله: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي  هَارُونَ أَخِي  ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي  وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي  ﴾ ، لما سأل ربه أن يشركه في أمره، ويشد به أزره، فعلى ذلك خصَّه بسؤال المغفرة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ ﴾ .

لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ ﴾ .

أي: عبدوا العجل.

﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قال بعضهم: غضب من ربهم: عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ القتل والهلاك في الدنيا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ : القتل، والهلاك، ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الجزية والسبي والقهر.

ويحتمل قوله  : ﴿ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ ذكر الذم بصنيعهم وثناء الشر، على ما كان بصنيع الخيرِ المحمدةُ في الدنيا وثناءُ الخير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: احدهما: أي: قد نالهم غضب من ربهم؛ لما ذكر.

والثاني: أن يكون هذا مذكوراً في كتبهم أن من اتخذ العجل معبوداً سينالهم غضب من ربهم، فإن كان هذا خبراً عما في كتبهم، فسينالهم على الوعد الصحيح، وإلا على الخبر، أي: قد نالهم.

﴿ وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل مفتر على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ ﴾ .

قال أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ يعني: الذين عبدوا العجل.

﴿ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وهو: في كل من عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها، وندم عليها، وطلب من الله المغفرة، غفر له.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما عاد موسى من مناجاة ربه إلى قومه ممتلئًا عليهم غضبًا وحزنا لِمَا وجدهم عليه من عبادة العجل قال: بئست الحالة التي خلفتموني -يا قوم- بها بعد ذهابي عنكم؛ لِمَا تؤديه من الهلاك والشقاء، أَمللتم من انتظاري، فأقدمتم على عبادة العجل؟!

ورمى الألواح من شدة ما أصابه من الغضب والحزن، وأمسك برأس أخيه هارون ولحيته يسحبه إليه لبقائه معهم وعدم تغييره لِمَا رآهم عليه من عبادة العجل، قال هارون معتذرًا إلى موسى مستعطفًا إياه: يا ابن أمي، إن القوم حسبوني ضعيفًا فاستذلوني، وأوشكوا أن يقتلوني، فلا تعاقبني بعقوبة تسرّ أعدائي، ولا تصيرني بسبب غضبك عليَّ في عداد الظالمين من القوم بسبب عبادتهم غير الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.ao17G"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله