الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٦ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 96 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٦ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال تعالى : ( فلما نسوا ما ذكروا به ) أي : فلما أبى الفاعلون المنكر قبول النصيحة ، ( أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ) أي : ارتكبوا المعصية ( بعذاب بئيس ) فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين ، وسكت عن الساكتين ; لأن الجزاء من جنس العمل ، فهم لا يستحقون مدحا فيمدحوا ، ولا ارتكبوا عظيما فيذموا ، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم : هل كانوا من الهالكين أو من الناجين ؟
على قولين : قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) [ قال : ] هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة ، يقال لها : " أيلة " ، فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم ، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعا في ساحل البحر ، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها .
فمضى على ذلك ما شاء الله ، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم ، فنهتهم طائفة وقالوا : تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم ؟
فلم يزدادوا إلا غيا وعتوا ، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم ، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة : تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ، ( لم تعظون قوما الله مهلكهم [ أو معذبهم عذابا شديدا ] ) وكانوا أشد غضبا لله من الطائفة الأخرى ؟
فقالوا : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) وكل قد كانوا ينهون ، فلما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) والذين قالوا : ( معذرة إلى ربكم ) وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان ، فجعلهم قردة .
وروى العوفي ، عن ابن عباس قريبا من هذا .
وقال حماد بن زيد ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) قال : ما أدري أنجى الذين قالوا : " أتعظون قوما الله مهلكهم " ، أم لا ؟
قال : فلم أزل به حتى عرفته أنهم نجوا ، فكساني حلة .
قال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج ، حدثني رجل ، عن عكرمة قال : جئت ابن عباس يوما وهو يبكي ، وإذا المصحف في حجره ، فأعظمت أن أدنو ، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست ، فقلت : ما يبكيك يا أبا عباس ، جعلني الله فداك ؟
قال : فقال : هؤلاء الورقات .
قال : وإذا هو في " سورة الأعراف " ، قال : تعرف أيلة قلت : نعم .
قال : فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت ، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة ، كانت تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا سمانا كأنها الماخض ، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم .
فكانوا كذلك برهة من الدهر ، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال : إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت ، فخذوها فيه ، وكلوها في غيره من الأيام .
فقالت ذلك طائفة منهم ، وقالت طائفة : بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت .
فكانوا كذلك ، حتى جاءت الجمعة المقبلة ، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها ، واعتزلت طائفة ذات اليمين ، وتنحت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت .
وقال الأيمنون : ويلكم ، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله .
وقال الأيسرون : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا ) ؟
قال الأيمنون : ( معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ) إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألا يصابوا ولا يهلكوا ، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم .
فمضوا على الخطيئة ، وقال الأيمنون : فقد فعلتم ، يا أعداء الله .
والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم ، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب .
فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا ، فلم يجابوا ، فوضعوا سلما ، وأعلوا سور المدينة رجلا فالتفت إليهم فقال : أي عباد الله ، قردة والله تعاوي لها أذناب .
قال : ففتحوا فدخلوا عليهم ، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة ، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي ، فتقول : ألم ننهكم عن كذا ؟
فتقول برأسها ، أي نعم .
ثم قرأ ابن عباس : ( فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) قال : فأرى الذين نهوا قد نجوا ، ولا أرى الآخرين ذكروا ، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها ؟
.
قال : قلت : جعلني الله فداك ، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه ، وخالفوهم وقالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) ؟
قال : فأمر لي فكسيت ثوبين غليظين وكذا روى مجاهد ، عنه .
وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز ، عن مالك ، قال : زعم ابن رومان أن قوله تعالى : ( تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ) قال : كانت تأتيهم يوم السبت ، فإذا كان المساء ذهبت ، فلا يرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر ، فاتخذ - لذلك - رجل خيطا ووتدا ، فربط حوتا منها في الماء يوم السبت ، حتى إذا أمسوا ليلة الأحد ، أخذه فاشتواه ، فوجد الناس ريحه ، فأتوه فسألوه عن ذلك ، فجحدهم ، فلم يزالوا به حتى قال لهم : " فإنه جلد حوت وجدناه " .
فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك - ولا أدري لعله قال : ربط حوتين - فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه ، فوجدوا رائحة ، فجاءوا فسألوه فقال لهم : لو شئتم صنعتم كما أصنع .
فقالوا له : وما صنعت ؟
فأخبرهم ، ففعلوا مثل ما فعل ، حتى كثر ذلك .
وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم ، فأصابهم من المسخ ما أصابهم .
فغدوا عليهم جيرانهم مما كانوا حولهم ، يطلبون منهم ما يطلب الناس ، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم ، فنادوا فلم يجيبوهم ، فتسوروا عليهم ، فإذا هم قردة ، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك ، ويدنو منه ويتمسح به وقد قدمنا في سورة " البقرة " من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مقنع وكفاية ، ولله الحمد والمنة .
القول الثاني : أن الساكتين كانوا من الهالكين .
قال محمد بن إسحاق ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ; أنه قال : ابتدعوا السبت فابتلوا فيه ، فحرمت عليهم فيه الحيتان ، فكانوا إذا كان يوم السبت ، شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر .
فإذا انقضى السبت ، ذهبت فلم تر حتى السبت المقبل ، فإذا جاء السبت جاءت شرعا ، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك ، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا فخزم أنفه ثم ، ضرب له وتدا في الساحل ، وربطه وتركه في الماء .
فلما كان الغد ، أخذه فشواه فأكله ، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون ، ولا ينهاه منهم أحد ، إلا عصبة منهم نهوه ، حتى ظهر ذلك في الأسواق ، ففعل علانية .
قال : فقالت طائفة للذين ينهونهم : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ) فقالوا : سخط أعمالهم ( ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به ) إلى قوله : ( قردة خاسئين ) قال ابن عباس : كانوا أثلاثا : ثلث نهوا ، وثلث قالوا : ( لم تعظون قوما الله مهلكهم ) وثلث أصحاب الخطيئة ، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم .
وهذا إسناد جيد عن ابن عباس ، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين ، أولى من القول بهذا ; لأنه تبين حالهم بعد ذلك ، والله أعلم .
وقوله تعالى : ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا .
و ) بئيس ) فيه قراءات كثيرة ، ومعناه في قول مجاهد : " الشديد " ، وفي رواية : " أليم " .
وقال قتادة : موجع .
والكل متقارب ، والله أعلم .
وقوله : ( خاسئين ) أي : ذليلين حقيرين مهانين .
القول في تأويل قوله : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: فلما تمرَّدوا، فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت, واستحلالهم ما حرَّم الله عليهم من صيد السمك وأكله، وتمادوا فيه (50) " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، أي: بُعَداء من الخير.
(51) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15294- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فلما عتوا عما نهوا عنه "، يقول: لما مَرَد القوم على المعصية= " قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فصارُوا قردةً لها أذناب، تعاوى، بعدما كانوا رجالا ونساءً.
15295- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: " فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين "، فجعل الله منهم القردة والخنازير.
فزعم أن شباب القوم صارُوا قردةً, وأن المشيخة صاروا خنازيرَ.
15296- حدثني المثني قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن السدي, عن أبي مالك أو سعيد بن جبير قال: رأى موسى عليه السلام رجلا يحمل قصَبًا يوم السبت, فضرب عنقه.
----------------------- الهوامش : (50) (1) انظر تفسير (( عتا )) فيما سلف 12 : 543 .
(51) (2) انظر تفسير (( خسأ )) فيما سلف 2 : 174 ، 175 .
قوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين قوله تعالى فلما عتوا عن ما نهوا عنه أي فلما تجاوزوا في معصية الله قلنا لهم كونوا قردة خاسئين يقال : خسأته فخسأ ; أي باعدته وطردته .
وقد تقدم في " البقرة " ودل على أن المعاصي سبب النقمة : وهذا لا خفاء به .
فقيل : قال لهم ذلك بكلام يسمع ، فكانوا كذلك .
وقيل : المعنى كوناهم قردة .
فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ أي: قسوا فلم يلينوا، ولا اتعظوا، قُلْنَا لَهُمْ قولا قدريا: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فانقلبوا بإذن اللّه قردة، وأبعدهم اللّه من رحمته، ثم ذكر ضرب الذلة والصغار على من بقي منهم
قوله تعالى : ( فلما عتوا عن ما نهوا عنه ) قال ابن عباس : أبوا أن يرجعوا عن المعصية ( قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ) مبعدين ، فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا .
«فلما عَتَوا» تكبروا «عن» ترك «ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين» صاغرين فكانوها، وهذا تفصيل لما قبله، قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكنة وقال عكرمة: لم تهلك لأنها كرهت ما فعلوه، وقالت: لم تعظون إلخ، وروى الحاكم عن ابن عباس: أنه رجع إليه وأعجبه.
فلما تمردت تلك الطائفة، وتجاوزت ما نهاها الله عنه من عدم الصيد في يوم السبت، قال لهم الله: كونوا قردة خاسئين مبعدين من كل خير، فكانوا كذلك.
ثم فصل - سبحانه - ما عوقبوا به من العذاب البئيس الذى أصابهم فقال تعالى : ( فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) أى فلما تكبروا عن ترك ما نهاهم عنه الواعظون ، قلنا لهم كونوا قردة صاغرين فكانوا كذلك .قال الآلوسى : ( والأمر فى قوله تعالى ( قُلْنَا ) تكوينى لا تكليفى ، لأنه ليس فى وسعهم حتى يكلفوا به ، وهذا كقوله تعالى ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) فى أنه يحتمل أن يكون هناك قول وأن يكون الغرض مجرد التمثيل ) .وقيل فى تفسير الآية : إن الله تعالى - عاقب القوم أو لا بالعذاب البئيس الذى يتناول البؤس والشقاء والفقر فى المعيشة ، فلما لم يرتدعوا ويثوبوا إلى رشدهم ، مسخهم مسخا خِلقيا وجسميا ، فكانوا قردة على الحقيقة ، وهو الظاهر من الآية ، وعليه الجمهور :وقيل : مسخهم مسخاً خُلقياً ونفسياً ، فصاروا كالقردة فى شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها ، وهذا مروى عن مجاهد .وتلك العقوبة كانت جزاء إمعانهم فى المعاصى ، وتأبيهم عن قبول النصحية ، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإنسان ، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان .هذا وقد استدل العلماء بهذه الآيات الكريمة على تحريم الحيل القبيحة التى يتخذها بعض الناس ذريعة للتوصل إلى مقاصدهم الذميمة .
وغاياتهم الدنيئة ومطامعهم الخسيسة .وقد أفاض الإمام ابن القيم فى كتابه ( إغاثة اللهفان ) فى إيراد الأدلة الدالة على هذا التحريم ، فقال ما ملخصه : ( ومن مكايد الشيطان التى كاد بها الإسلام وأهله ، الحيل والمكر والخداع الذى يتضمن تحليل ما حرم الله وإسقاط ما فرضه ، ومضادته فى أمره ونهيه ، وهى من الباطل الذى اتفق السلف على ذمه ، فإن الرأى رأيان : رأى يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار ، وهو الذى اعتبره السلف وعملوا به .
ورأى يخالف النصوص وتشهد له بالإبطال والإهدار ، وهو الذى ذموه وأهدروه .وكذلك الحيل نوعان : نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله - تعالى - به وترك ما نهى عنه ، والتخلص من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له ، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى ، فهذا النوع محمود يثاب فاعله ومعلمه .
ونوع يتضمن إسقاط الواجبات ، وتحليل المحرمات ، وقلب المظلوم ظالما ، والظالم مظلوما ، والحق باطلا ، والباطل حقا .
فهذا الذى اتفق السلف على ذمه ، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض .
.
ثم قال :إن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة ، لما تحايلوا على إباحة ما حرمه الله تعالى - عليهم من الصيد ، بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة ، فلما وقع فيها الصيد ، أخذوه يوم الأحد .قال بعض الأئمة : ففى هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى الشرعية ، ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه ، إذ الفقيه من يخشى الله - تعالى - بحفظ حدوده ، وتعظيم حرماته ، والوقوف عندها ، وليس المتحيل على إباحة محارمه ، وإسقاط فرائضه ، ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيباً لموسى - عليه السلام - وكفراً بالتوراة ، وإنما هو استحلال تأويل واحتيال ، ظاهرة ظاهر الإيفاء ، وباطنه باطن الاعتداء ، ولهذا مسخوا قردة ، لأن صورة القردة فيها شبه من صورة الإنسان ، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين فى بعض مظاهره دون حقيقته ، مسخهم سبحانه قردة يشبهونهم فى بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقا ، وفى الحديث الشريف " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل "وفى الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :" قاتل الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها "وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال : " بلغ عمر - رضى الله عنه - أن سمرة باع خمراً فقال : قاتل الله سمره .
ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها - أى أذبواها - فباعوها ) .وبهذا تكون الآيات الكريمة قد دمغت العادين فى السبت من اليهود ، برذيلة الجهالة وضعف الإرادة ، وتحايلهم القبيح على استحلال محارم الله ، مما جعلهم أهلا للعذاب الشديد والمسخ الشنيع ، جزاء إمعانهم فى المعصية وصممهم عن سماع الموعظة ، وما ربك بظلام للعبيد .
وفيه مباحث: البحث الأول: العتو عبارة عن الإباء والعصيان، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا، لأنهم أبوا عما نهوا عنه، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلابد من إضمار، والتقدير: فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه، ثم حذف المضاف، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكاباً للمنهى.
البحث الثاني: من الناس من قال: إن قوله: ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ ليس من المقال، بل المراد منه: أنه تعالى فعل ذلك.
قال: وفيه دلالة على أن قوله: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ هو بمعنى الفعل لا الكلام.
وقال الزجاج: أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سمع فيكون أبلغ.
واعلم أن حمل هذا الكلام على هذا بعيد، لأن المأمور بالفعل يجب أن يكون قادراً عليه، والقوم ما كانوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم قردة.
البحث الثالث: قال ابن عباس: أصبح القوم وهم قردة صاغرون، فمكثوا كذلك ثلاثاً فرآهم الناس ثم هلكوا.
ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن شباب القوم صاروا قردة، والشيوخ خنازير، وهذا القول على خلاف الظاهر.
واختلفوا في أن الذين مسخوا هل بقوا قردة؟
وهل هذه القردة من نسلهم أو هلكوا، وانقطع نسلهم، ولا دلالة في الآية عليه، والكلام في المسخ وما فيه من المباحثات قد سبق بالاستقصاء في سورة البقرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وسلهم ﴾ وسل اليهود.
وقرئ: ﴿ واسألهم ﴾ .
وهذا السؤال معناه التقرير والتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم حدود الله والإعلام بأنّ هذا من علومهم التي لا تعلم إلاّ بكتاب أو وحي، فإذا أعلمهم به من لم يقرأ كتابهم، علم أنه من جهة الوحي.
ونظيره همزة الاستفهام التي يراد بها التقرير في قولك: أعدوتم في السبت؟
والقرية أيلة.
وقيل: مدين.
وقيل: طبرية.
والعرب تسمي المدينة قرية.
وعن أبي عمرو بن العلاء.
ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج، يعني رجلين من أهل المدن ﴿ كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر ﴾ قريبة منه راكبة لشاطئه ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت ﴾ إذ يتجاوزون حدّ الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت، وقد نهوا عنه.
وقرئ: ﴿ يعدّون ﴾ بمعنى يعتدون، أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين، ويُعدّون من الإعداد، وكانوا يعدّون آلات الصيد يوم السبت، وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة.
والسبت: مصدر سبتت اليهود، إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد، فمعناه: يعدّون في تعظيم هذا اليوم، كذلك قوله: ﴿ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ﴾ معناه يوم تعظيمهم أمر السبت.
ويدل عليه قوله: ﴿ وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ و قراءة عمر بن عبد العزيز: ﴿ يوم إسباتهم ﴾ ، وقرئ: ﴿ لا يسبتون ﴾ ، بضم الباء.
وقرأ علي: ﴿ لا يسبتون ﴾ بضم الياء، من أسبتوا.
وعن الحسن: ﴿ لا يسبتون ﴾ على البناء للمفعول، أي لا يدار عليهم السبت، ولا يؤمرون بأن يسبتوا، فإن قلت: إذ يعدون، وإذ تأتيهم، ما محلهما من الإعراب؟
قلت: أمّا الأوّل فمجرور بدل من القرية، والمراد بالقرية أهلها، كأنه قيل: واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو من بدل الاشتمال.
ويجوز أن يكون منصوباً بكانت، أو بحاضرة.
وأمّا الثاني فمنصوب بيعدون.
ويجوز أن يكون بدلاً بعد بدل.
والحيتان السمك، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة ﴿ شُرَّعًا ﴾ ظاهرة على وجه الماء.
وعن الحسن: تشرع على أبوابهم كأنها الكباش البيض.
يقال شرع علينا فلان إذا دنا منا وأشرف علينا.
وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا ﴿ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم ﴿ وَإِذْ قَالَتِ ﴾ معطوف على إذ يعدون، وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أُمَّةٌ مّنْهُمْ ﴾ جماعة من أهل القرية من صلحائهم الذين ركبوا الصعب والذلول في موعظتهم، حتى أيسوا من قبولهم، لآخرين كانوا لا يقلعون عن وعظهم ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ ﴾ أي مخترمهم ومطهر الأرض منهم ﴿ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا ﴾ لتماديهم في الشرّ.
وإنما قالوا ذلك، لعلمهم أن الوعظ لا ينفع فيهم ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ ﴾ أي: موعظتنا إبلاء عذر إلى الله، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ ولطمعنا في أن يتقوا بعض الاتقاء.
وقرئ: ﴿ معذرة ﴾ بالنصب، أي وعظناهم معذرة إلى ربكم، أو اعتذرنا معذرة ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ يعني أهل القرية، فلما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه ﴿ أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا ﴾ الظالمين الراكبين للمنكر.
فإن قلت: الأمة الذين قالوا ﴿ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ من أي الفريقين هم أمن فريق الناجين أم المعذبين قلت من فريق الناجين، لأنهم من فريق الناهين.
وما قالوا ما قالوا إلا سائلين عن علة الوعظ والغرض فيه، حيث لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال القوم.
وإذا علم الناهي حال المنهي وأن النهي لا يؤثر فيه، سقط عنه النهي، وربما وجب الترك لدخوله في باب العبث.
ألا ترى أنك لو ذهبت إلى المكاسين القاعدين على المآصر والجلادين المرتبين للتعذيب لتعظهم وتكفهم عما هم فيه، كان ذلك عبثاً منك، ولم يكن إلاّ سبباً للتلهي بك.
وأما الآخرون فإنما لم يعرضوا عنهم إمّا لأن يأسهم لم يستحكم كما استحكم يأس الأولين، ولم يخبروهم كما خبروهم، أو لفرط حرصهم وجدّهم في أمرهم كما وصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ ﴾ [الكهف: 6] وقيل: الأمة هم الموعوظون، لما وعظوا قالوا للواعظين: لم تعظون منا قوما تزعمون أنّ الله مهلكهم أو معذبهم؟
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: يا ليت شعري ما فعل بهؤلاء الذين قالوا: لم تعظون قوماً؟
قال عكرمة: فقلت: جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: لم تعظون قوماً الله مهلكهم، فلم أزل به حتى عَرَّفْته أنهم قد نجوا.
وعن الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان.
وروي: أنّ اليهود أُمروا باليوم الذي أُمرنا به وهو يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت، فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد، وأمروا بتعظيمه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سماناً كأنها المخاض، لا يرى الماء من كثرتها، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم جاءهم إبليس فقال لهم: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا حياضاً تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، فلا تقدر على الخروج منها.
وتأخذونها يوم الأحد، وأخذ رجل منهم حوتاً وربط في ذنبه خيطاً إلى خشبة في الساحل، ثم شواه يوم الأحد، فوجد جاره ريح السمك فتطلع في تنوره فقال له: إني أرى الله سيعذبك، فلما لم يره عذب أخذ في السبت القابل حوتين، فلما رأوا أنّ العذاب لا يعاجلهم، صادوا وأكلوا وملحوا وباعوا، وكانوا نحواً من سبعين ألفاً، فصار أهل القرية أثلاثاً، ثلث نهوا وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً، وثلث قالوا: لم تعظون قوماً؟
وثلث هم أصحاب الخطيئة.
فلما لم ينتهوا قال المسلمون: إنا لا نساكنكم، فقسموا القرية بجدار: للمسلمين باب، وللمعتدين باب.
ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إنّ للناس شأناً، فعلوا الجدار فنطروا فإذا هم قردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم فعرفت القرود أنسباءها من الأنس، والأنس لا يعرفون أنسباءهم من القرود، فجعل القرد يأتي نسيبه فيشم ثيابه ويبكي، فيقول: ألم ننهك فيقول برأسه: بلى، وقيل: صار الشباب قردة، والشيوخ خنازير.
وعن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها، أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة، هاه وايم الله، ما حوتٌ أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم.
ولكن الله جعل موعداً، والساعة أدهى وأمرّ ﴿ بَئِيسٍ ﴾ شديد.
يقال: بؤس يبؤس بأساً، إذا اشتدّ، فهو بئيس.
وقرئ: ﴿ بئس ﴾ ، بوزن حَذِر.
وبئس على تخفيف العين ونقل حركتها إلى الفاء.
كما يقال: كبد في كبد.
وبيس على قلب الهمزة ياء، كذيب في ذئب، وبيئس على فيعل، بكسر الهمزة وفتحها، وبيس بوزن ريس، على قلب همزة بيئس ياء وإدغام الياء فيها، وبيس على تخفيف بيس، كهين في هين.
وبائس على فاعل ﴿ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، كقوله: ﴿ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ ﴾ [الأعراف: 77] ، ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم قردة، كقوله: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82] والمعنى: أنّ الله تعالى عذبهم أوّلاً بعذاب شديد، فعتوا بعد ذلك فمسخهم.
وقيل: فلما عتوا، تكرير لقوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ ﴾ والعذاب البئيس: هو المسخ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمّا نَسُوا ﴾ تَرَكُوا تَرْكَ النّاسِي.
﴿ ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهم.
﴿ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بِالِاعْتِداءِ ومُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ.
﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ ﴾ شَدِيدٍ فَعِيلٍ مِن بَؤُسَ يَبْؤُسُ بُؤْسًا إذا اشْتَدَّ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ (بَيْئَسٍ) عَلى فَيْعَلٍ كَضَيْغَمٍ، وابْنُ عامِرٍ « بِئْسٍ» بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزِ عَلى أنَّهُ بَئِسَ كَحَذِرَ، كَما قُرِئَ بِهِ فَخُفِّفَ عَيْنُهُ بِنَقْلِ حَرَكَتِها إلى الفاءِ كَكُبُدٍ في كَبِدٍ، وقَرَأ نافِعٌ « بَيِسَ» عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً كَما قُلِبَتْ في ذَئِبَ أوْ عَلى أنَّهُ فَعْلُ الذَّمِّ وُصِفَ بِهِ فَجُعِلَ اسْمًا، وقُرِئَ « بَيِّسٍ» كَرَيِّسٍ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ثُمَّ ادْغامُها و « بَيِّسٍ» بِالتَّخْفِيفِ كَهَيِّنٍ و « بائِسٍ» كَفاعِلٍ.
﴿ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ.
﴿ فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ﴾ تَكْبُرُوا عَنْ تَرْكِ ما نُهُوا عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ ﴾ .
﴿ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ والظّاهِرُ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَهم أوَّلًا بِعَذابٍ شَدِيدٍ فَعَتَوْا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَسَخَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الثّانِيَةُ تَقْرِيرًا وتَفْصِيلًا لِلْأُولى.
رُوِيَ: أنَّ النّاهِينَ لَمّا أيِسُوا عَنِ اتِّعاظِ المُعْتَدِينَ كَرِهُوا مُساكَنَتَهم، فَقَسَّمُوا القَرْيَةَ بِجِدارٍ فِيهِ بابٌ مَطْرُوقٌ، فَأصْبَحُوا يَوْمًا ولَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ أحَدٌ مِنَ المُعْتَدِينَ فَقالُوا: إنَّ لَهم شَأْنًا فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَإذا هم قِرَدَةٌ فَلَمْ يَعْرِفُوا أنْسِباءَهم ولَكِنَّ القِرَدَةَ تَعْرِفُهم، فَجَعَلَتْ تَأْتِي أنْسِباءَهم وتَشُمُّ ثِيابَهم وتَدُورُ باكِيَةً حَوْلَهم ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ثَلاثٍ.
وَعَنْ مُجاهِدٍ مُسِخَتْ قُلُوبُهم لا أبْدانُهم.
<div class="verse-tafsir"
{فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين} أي جعلناهم قردة أذلاء مبعدين وقيل فلما عتوا تكرير لقلوه فَلَمَّا نَسُواْ والعذاب البئيس هو المسخ قيل صارد الشبان قردة والشيؤهخ خنازير وكانوا يعرفون أقاربهم ويبكون ولا يتكلمونه والجمهور على أنها ماتت عبد ثلاثة أيام وقيل بقيت وتناسلت
﴿ فَلَمّا عَتَوْا ﴾ أيْ: تَكَبَّرُوا.
﴿ عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ﴾ أيْ: عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيرُ مُضافٍ؛ إذِ التَّكَبُّرُ والإباءُ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ لا يُذَمُّ.
﴿ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ صاغِرِينَ أذِلّاءَ مُبْعَدِينَ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، والأمْرُ تَكْوِينِيٌّ لا تَكْلِيفِيٌّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في وُسْعِهِمْ حَتّى يُكَلَّفُوا بِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ في أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ وأنْ يَكُونَ الغَرَضُ مُجَرَّدَ التَّمْثِيلِ، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْقَعَ بِهِمْ نَكالًا في الدُّنْيا غَيْرَ المَسْخِ فَلَمْ يُقْلِعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ فَمَسَخَهم قِرَدَةً.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعَذابِ البَئِيسِ هو المَسْخُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَفْصِيلًا لِما قَبْلَها.
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ إنَّما افْتُرِضَ عَلَيْهِمُ اليَوْمُ الَّذِي افْتُرِضَ عَلَيْكم وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ فَخالَفُوا إلى يَوْمِ السَّبْتِ واخْتارُوهُ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدُ فِيهِ وابْتُلُوا بِهِ؛ فَكانَتِ الحِيتانُ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا بِيضًا سِمانًا حَتّى لا يُرى الماءُ مِن كَثْرَتِها فَمَكَثُوا ما شاءَ تَعالى لا يَصِيدُونَ، ثُمَّ أتاهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: إنَّما نُهِيتُمْ عَنْ أخْذِها يَوْمَ السَّبْتِ فاتَّخِذُوا الحِياضَ والشَّبَكاتِ، فَكانُوا يَسُوقُونَ الحِيتانَ إلَيْها فِيهِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَها يَوْمَ الأحَدِ، وفي رِوايَةٍ أنَّ رَجُلًا مِنهم أخَذَ حُوتًا فَحَزَمَهُ بِخَيْطٍ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُ وتِدًا في السّاحِلِ ورَبَطَهُ فِيهِ وتَرَكَهُ في الماءِ، فَلَمّا كانَ الغَدُ جاءَ فَأخَذَهُ وأكَلَهُ، فَلامُوهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَأْتِهِ العَذابُ أخَذَ في السَّبْتِ القابِلِ حُوتَيْنِ وفَعَلَ ما فَعَلَ ولَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَلَمّا رَأوْا أنَّ العَذابَ لا يُعاجِلُهم تَجاسَرُوا فَأخَذُوا ومَلَّحُوا وباعُوا، وكانُوا نَحْوًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا أوْ مِن سَبْعِينَ ألْفًا، فَصارَ أهْلُ القَرْيَةِ أثْلاثًا كَما قَصَّ اللَّهُ تَعالى، فَقالَ المُسْلِمُونَ لِلْمُعْتَدِينَ: نَحْنُ لا نُساكِنُكُمْ، فَقَسَّمُوا القَرْيَةَ بِجِدارٍ، لِلْمُسْلِمِينَ بابٌ، ولِلْمُعْتَدِينَ بابٌ، وكانَتِ القِصَّةُ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَعَنَهم فَأصْبَحَ المُسْلِمُونَ ذاتَ يَوْمٍ ولَمْ يَخْرُجْ مِنَ المُعْتَدِينَ أحَدٌ فَقالُوا: إنَّ لِهَؤُلاءِ لَشَأْنًا؛ لَعَلَّ الخَمْرَ غَلَبَتْهم فَعَلَوْا عَلى الجِدارِ فَإذا القَوْمُ قِرَدَةٌ، فَفَتَحُوا البابَ ودَخَلُوا عَلَيْهِمْ فَعَرَفَتِ القِرَدَةُ أنْسابَها مِنَ الإنْسِ ولَمْ تَعْرِفِ الإنْسُ أنْسابَهم مِنها، فَجَعَلَتْ تَأْتِي إلى نَسِيبِها فَتَشَمُّ ثِيابَهُ وتَبْكِي فَيَقُولُ: ألَمْ نَنْهَكُمْ؟
فَتَقُولُ القِرَدَةُ بِرَأْسِها: نَعَمْ، ثُمَّ ماتُوا بَعْدَ ثَلاثَةٍ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ الشُّبّانَ صارُوا قِرَدَةً والشُّيُوخَ خَنازِيرَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَلَمْ يُوَفَّقُوا لِفَهْمِ الحَقِّ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ حُوتًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في يَوْمٍ وأحَلَّهُ لَهم فِيما سِوى ذَلِكَ، فَكانَ يَأْتِيهِمْ في اليَوْمِ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ كَأنَّهُ المَخاضُ ما يَمْتَنِعُ مِن أحَدٍ فَجَعَلُوا يَهُمُّونَ ويُمْسِكُونَ، وقَلَّما رَأيْتَ أحَدًا أكْثَرَ الِاهْتِمامَ بِالذَّنْبِ إلّا واقَعَهُ حَتّى أخَذُوهُ فَأكَلُوا، واللَّهِ أوْخَمَ أكْلَةٍ أكَلَها قَوْمٌ، أثْقَلُها خِزْيًا في الدُّنْيا، وأطْوَلُها عَذابًا في الآخِرَةِ، وايْمُ اللَّهِ تَعالى ما حُوتٌ أخَذَهُ قَوْمٌ فَأكَلُوهُ أعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ، ولَلْمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن حُوتٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ مَوْعِدَ قَوْمٍ السّاعَةَ، والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ كانَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ الَّذِي هم عِنْدَهُ صَنَمانِ مِن حِجارَةٍ مُسْتَقْبِلانِ الماءَ يُقالُ لِأحَدِهِما لُقَيْمٌ، ولِلْآخَرِ لُقْمانَةُ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى السَّمَكِ أنْ حُجَّ يَوْمَ السَّبْتِ إلى الصَّنَمَيْنِ، وأوْحى إلى أهْلِ القَرْيَةِ أنِّي قَدْ أمَرْتُ السَّمَكَ أنْ يَحُجُّوا إلى الصَّنَمَيْنِ يَوْمَ السَّبْتِ فَلا تَتَعَرَّضُوهُ فِيهِ، فَإذا ذَهَبَ فَشَأْنُكم بِهِ فَصِيدُوهُ، فابْتُلِيَ القَوْمُ ووَقَعَ مِنهم ما مُسِخُوا بِهِ قِرَدَةً، وفي القَلْبِ مِن صِحَّةِ هَذا الأثَرِ شَيْءٌ، ولَعَلَّهُ لا صِحَّةَ لَهُ كَما لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ مَعْنى الحَجِّ مِنَ المُصَلِّينَ، ويُشْبِهُ هَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ عَيْنَ حَقِّ لانَ قُرْبَ جَزِيرَةِ الحَدِيثَةِ مِنَ العِراقِ وهي قَرِيبَةٌ مِن شاطِئِ الفُراتِ؛ فَإنَّ السَّمَكَ يَزُورُها في أيّامٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ السَّنَةِ حَتّى يُخَيَّلَ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ في بَطْنِ الفُراتِ حُوتٌ إلّا قُذِفَ إلَيْها، فَيَصِيدُ أهْلُ ذَلِكَ الصُّقْعِ مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى ويَنْقُلُونَهُ إلى الجَزائِرِ والقُرى القَرِيبَةِ مِنهم كَألُوسَ وحَبَّةَ وعاناتٍ وهِيتَ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَلا تَرى سَمَكَةً في العَيْنِ بَعْدَ تِلْكَ الأيّامِ إلى مِثْلِها مِن قابِلٍ، وسُبْحانَ الفَعّالِ لِما يُرِيدُ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِقِصَّةِ هَؤُلاءِ المُعْتَدِينَ عَلى حُرْمَةِ الحِيَلِ في الدِّينِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ بَطَّةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَ اليَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى بِأدْنى الحِيَلِ»».
<div class="verse-tafsir"
وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.
ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.
وقال: يعتدون في يوم السبت.
وأصل الاعتداء هو الظلم.
يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.
ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.
وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.
وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.
ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.
ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.
وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.
وقال ابن عباس- ما-: كان القوم ثلاثة فرق.
فرقة كانوا يصطادون.
وفرقة كانوا ينهون.
وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.
وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.
وقال: هل تعرف أيلة؟
قلت: نعم.
قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.
فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.
فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.
فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.
وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.
وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.
وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.
وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.
وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.
تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.
فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.
فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.
فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟
فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.
فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.
قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.
ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.
وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.
وأهلك الفريقين الآخرين.
فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.
وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.
فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.
فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.
وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.
قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.
وروى قتادة عن ابن عباس- - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.
قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.
وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.
ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.
قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.
ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.
ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.
ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.
ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.
ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.
ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.
ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.
وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.
وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.
يقول: يعملون بالذنوب.
ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.
وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.
وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.
قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.
ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.
ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.
وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم.
وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.
قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي] : في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و «ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.
وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.
وقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير.
وقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي: تَرَكُوا ما وُعِظُوا بِهِ ﴿ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ وهُمُ النّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ في السَّبْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بَئِيس عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، فالهَمْزَةُ بَيْنَ الباءِ والياءِ.
وقَرَأ نافِعٌ: "بَيْسَ" بِكَسْرِ الباءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ هَمَزَ.
ورَوى خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، عَلى وزْنِ "فَعْلٍ" .
ورَوى أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "بَيَأْسٍ" عَلى وزْنِ "فَيْعَلٍ" .
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأيُّوبُ: "بَيْآَسٍ" عَلى وزْنِ "فَيْعالٍ" .
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، ومُعاذٌ القارِئُ: "بِئْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ ياءٍ عَلى وزْنِ "نَعِسٍ" .
وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: "بَيِّسٍ" بِتَشْدِيدِ الياءِ مِثْلَ "قَيِّمٍ" .
وقَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو مِجْلَزٍ: "بَئِسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِّينِ وبِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ ولا ألِفٍ عَلى وزْنِ "فِعْلٍ" وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" بِألِفٍ ومُدَّةٍ بَعْدَ الباءِ وبِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بِوَزْنِ "فاعِلٍ" قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَئِيسُ: الشَّدِيدُ، وأنْشَدَ: حَنَقًا عَلَيَّ وما تُرى لِي فِيهِمُ أثَرًا بَئِيسًا وَقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: بَئِسَ يَبْأسُ بَأْسًا، والعاتِي: الشَّدِيدُ الدُّخُولِ في الفَسادِ، المُتَمَرِّدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ مَوْعِظَةً.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ﴿ فَلَمّا عَتَوْا ﴾ أيْ: تَمَرَّدُوا فِيما نَهَوْا عَنْهُ؛ وقَدْ ذَكَرْنا في سُورَةِ [البَقَرَةِ:٦٥] قِصَّةَ مَسْخِهِمْ.
وكانَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ يَقُولُ: واللَّهِ ما لُحُومُ هَذِهِ الحِيتانِ بِأعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن دِماءِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ ﴾ رَبُّكَ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أعْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقالَ: هو مِن آَذَنْتُكَ بِالأمْرِ.
وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: تَأْذَنُ بِمَعْنى آَذَنُ؛ كَما يُقالُ: تَعْلَمُ أنَّ فُلانًا قائِمٌ، أيِ: اعْلَمْ.
وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أيْ: أعْلَمُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
والثّانِي: حَتَّمَ، قالَهُ عَطاءٌ.
والثّالِثُ: وعْدٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
والرّابِعُ: تَأْلّى، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: عَلى اليَهُودِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: عَلى اليَهُودِ والنَّصارى بِمَعاصِيهِمْ.
﴿ مَن يَسُومُهُمْ ﴾ أيْ: يُوَلِّيهِمْ ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ .
وفي المَبْعُوثِ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مُحَمَّدٌ ، وأُمَّتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: العَرَبُ، كانُوا يَجِبُّونَهُمُ الخَراجَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَ: ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أمْسَكَ إلى النَّبِيِّ .
وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم.
وفي سُوءِ العَذابِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أخْذُ الجِزْيَةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: المَسْكَنَةُ والجِزْيَةُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الخَراجُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا، أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ ﴿ فَلَمّا عَتَوْا عن ما نُهُوا عنهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةٍ عَصَتْ وصادَتْ، وفِرْقَةٍ نَهَتْ وجاهَرَتْ وتَكَلَّمَتْ واعْتَزَلَتْ، وفِرْقَةٍ اعْتَزَلَتْ ولَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، وإنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ لِما رَأتْ مُجاهَرَةَ الناهِيَةِ وطُغْيانَ العاصِيَةِ وعُتُوَّها قالَتْ لِلنّاهِيَةِ "لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا" يُرِيدُونَ العاصِيَةَ "اللهُ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ" عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وما عُهِدَ مِن فِعْلِ اللهِ حِينَئِذٍ بِالأُمَمِ العاصِيَةِ، فَقالَتِ الناهِيَةُ" مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةً إلى اللهِ، ثُمَّ اخْتُلِفَ بَعْدَ هَذا فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِيَةِ عُقُوبَةً عَلى تَرْكِ النَهْيِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ أيْضًا: ما أدْرِي ما فُعِلَ بِهِمْ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ بَلْ نَجَتْ مَعَ الناهِيَةِ لِأنَّها لَمْ تَعْصِ ولا رَضِيَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ فِيما أسْنَدَ عنهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ تَفْتَرِقْ إلّا فِرْقَتَيْنِ، فَرِقَّةً عَصَتْ وجاهَرَتْ، وفِرْقَةً نَهَتْ وغَيَّرَتْ واعْتَزَلَتْ، وقالَتْ لِلْعاصِيَةِ: إنَّ اللهَ يُهْلِكُهم ويُعَذِّبُهُمْ، فَقالَتْ أُمَّةٌ مِنَ العاصِينَ لِلنّاهِينَ -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ اللهَ مُهْلِكُهم أو مُعَذِّبُهُمْ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وتُؤَيِّدُهُ الضَمائِرُ في قَوْلِهِ: "إلى رَبِّكم ولَعَلَّهُمْ" فَهَذِهِ المُخاطَبَةُ تَقْتَضِي مُخاطِبًا ومُخاطَبًا ومَكْنِيًّا عنهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَعْذِرَةٌ" بِالرَفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ أيْ إقامَةُ عُذْرٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مَعْذِرَةً" بِالنَصْبِ، أيْ: وعَظْنا مَعْذِرَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُجَّتُها أنْ سِيبَوَيْهِ قالَ: لَوْ قالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مَعْذِرَةً إلى اللهِ وإلَيْكَ مِن كَذا لَنَصَبَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الرَجُلُ القائِلُ في هَذا المِثالِ مُعْتَذِرٌ عن نَفْسِهِ ولَيْسَ كَذَلِكَ الناهُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَأمَّلْ.
ومَعْنى "مُهْلِكُهُمْ" في الدُنْيا أو "مُعَذِّبُهُمْ" في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "لَعَلَّهم يَتَّقُونَ" يَقْتَضِي التَرَجِّيَ المَحْضَ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ آدَمِيِّينَ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "نَسُوا" لِلْمَنهِيِّينَ، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسْيانًا إذْ أقْوى مَنازِلِ التَرْكِ أنْ يَنْسى المَتْرُوكُ.
و"ما" في قَوْلِهِ: "ما ذُكِّرُوا بِهِ" مَعْنى الَّذِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ فِيهِ الذِكْرُ، والسُوءُ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ المَعاصِي إلّا أنَّ الَّذِي يَخْتَصُّ هُنا بِحَسِبِ قَصَصِ الآيَةِ صَيْدُ الحُوتِ.
و"الَّذِينَ ظَلَمُوا" هُمُ العاصُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِعَذابٍ بَئِيسٍ" مَعْناهُ: مُؤْلِمٍ مُوجِعٍ شَدِيدٍ.
وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ - أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما- "بِيسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ وتَنْوِينِها، وهَذا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَقَوْلِهِ « "أنْهاكم عن قِيلٍ وقالَ"».
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِئْسَ" كَما تَقُولُ: بِئْسَ الرَجُلُ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ "بِئْسَ" بِهَمْزَةٍ بَيْنَ الباءِ والسِينِ.
وقَرَأ نافِعٌ -فِيما يَرْوِي عنهُ خارِجَةُ -: "بَيْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وكَسْرِ السِينِ مُنَوَّنَةً.
ورَوى مالِكُ بْنُ دِينارٍ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ "بَيْسٍ" عَلى مُثُلِ جَمَلٍ وجَبَلٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: "بَئِسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وسِينٍ مُنَوَّنَةٍ عَلى وزْنِ فَعِلٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسِ الرُقَيّاتِ: لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في ∗∗∗ خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئِسْ قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وطَلْحَةِ بْنِ مُصَرِّفٍ.
ورُوِيَ عن نَصْرٍ "بَيِسْ" بِياءٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ "بَئِّسٍ" الباءُ مَفْتُوحَةٌ والهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ مُشَدَّدَةٌ والسِينُ مَكْسُورَةٌ مُنَوَّنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَئِّسَ" الَّتِي قَبْلُ إلّا فَتْحَ السِينِ، ذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِي عَمّا حَكى يَعْقُوبُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ عنهُ- وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ- "بَئِيسٍ" بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ المَكْسُورَةِ والسِينِ المُنَوَّنَةِ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ.
وهَذا وصْفٌ بِالمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ: "عَذِيرَ الحَيِّ" والنَذِيرَ والنَكِيرَ، ونَحْوَ ذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومُجاهِدٍ، وأهْلِ الحِجازِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، ونَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، والأعْمَشِ، وهي الَّتِي رَجَّحَ أبُو حاتِمٍ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الإصْبَعِ العُدْوانِيِّ: حَنِقًا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا وَقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ "بِئِيسٍ" كالأوَّلِ إلّا كَسْرَ الباءِ، عَلى وزْنِ فِعِيلٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "بَيْئَسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الياءِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ، عَلى وزْنِ فَيْعْلٍ، ومَعْناهُ: شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ بْنِ عابِسٍ الكِنْدِيِّ: كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْئَسا ∗∗∗ ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا فَهِيَ صِفَةٌ كَضَيْغَمٍ وحَيْدَرٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ -بِخِلافٍ عنهُ-: "بَيْئِسٍ" كالَّتِي قَبْلُ إلّا كَسْرَ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ، وهَذا شاذٌّ لِأنَّهُ لا يُوجَدُ فَيْعِلٌ في الصَحِيحِ، وإنَّما يُوجَدُ في المُعْتَلِّ مِثْلُ سَيِّدٍ ومَيِّتٍ.
وقالَ الزَهْراوِيُّ: رَوى نَصْرٌ عن عاصِمٍ: "بَيِّسٍ" عَلى مِثالِ "مَيِّتٍ"، وهَذا عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمَ عاصِمٌ أنَّ الحَسَنَ والأعْمَشَ قَرَأا: "بِئْيَسٍ" الباءُ مَكْسُورَةٌ والهَمْزَةُ ساكِنَةٌ والياءُ مَفْتُوحَةٌ عَلى مِثالِ خِدْيَمٍ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ: "بِئْسٍ" بِكَسْرِ الباءِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ وتَنْوِينِ السِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بائِسٍ" عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَيَسَ" بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِينِ عَلى وزْنِ فَعَلَ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: "بَأْسَ" بِفَتْحِ الباءِ والسِينِ وسُكُونِ الهَمْزَةِ عَلى وزْنِ فَعْلَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بَأْسٍ" مَصْرُوفًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ "بَيَسٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي قِراءَةُ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ "بِئْسَ" ويُهْمَزُ هَمْزًا خَفِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أو ساكِنَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "بِما كانُوا يَفْسُقُونَ" أيْ لِأجْلِ ذَلِكَ وعُقُوبَةً عَلَيْهِ.
والعُتُوُّ: الِاسْتِعْصاءُ وقِلَّةُ الطَواعِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُلْنا لَهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا بِلَفْظٍ مِن مَلَكٍ أسْمَعَهم ذَلِكَ، فَكانَ أذْهَبَ في الإغْرابِ والهَوانِ والإصْغارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ المَقْدِرَةِ المُكَوِّنَةِ لَهم قِرَدَةً، و"خاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ لِابْنِ صَيّادٍ: "اخْسَأْ"»، وكَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: اخْسَأْ، فَـ "خاسِئِينَ" خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، هَذا اخْتِيارُ أبِي الفَتْحِ، وضَعَّفَ الصِفَةَ، وكَذَلِكَ هُوَ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ التَشْبِيهَ بِقِرْدَةٍ مُبْعَداتٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خاسِئِينَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُونُوا"، والصِفَةُ أيْضًا مُتَوَجِّهَةٌ مَعَ ضَعْفِها، ورُوِيَ أنَّ الشَبابَ مِنهم مُسِخُوا قِرَدَةً والرِجالَ الكِبارَ مُسِخُوا خَنازِيرَ، ورُوِيَ أنَّ مَسْخَهم كانَ بَعْدَ المَعْصِيَةِ في صَيْدِ الحُوتِ بِعامَيْنِ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: إنَّ إهْلاكَهم كانَ في زَمَنِ داوُدَ، ورُوِيَ أنَّ الناهِينَ قَسَمُوا المَدِينَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ بِجِدارٍ، فَلَمّا أصْبَحُوا لَيْلَةَ أُهْلِكَ العاصُونَ، لَمْ يُفْتَحْ بابُ مَدِينَةِ العاصِينَ حَتّى ارْتَفَعَ النَهارُ، فاسْتَرابَ الناهُونَ لِذَلِكَ، فَطَلَعَ أحَدُ الناسِ عَلى السُورِ فَرَآهم مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً تَتَواثَبُ، فَصاحَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ الرَجُلُ قَرابَتَهُ ويَعْرِفُ القِرْدُ أيْضًا كَذَلِكَ قَرابَتَهُ، ويَنْضَمُّونَ إلى قَرابَتِهِمْ فَيَتَحَسَّرُونَ، قالَ الزَجّاجُ: وقالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ مِن نَسْلِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعَلَّقَ هَؤُلاءِ بِقَوْلِ النَبِيِّ : « "إنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ، وما أراها إلّا الفَأْرَةَ إذا قُرِّبَ لَها لَبَنٌ لَمْ تَشْرَبْ"،» وبَقَوْلِهِ في الضَبِّ.
وَقَصَصُ هَذا الأمْرِ أكْثَرُ مِن هَذا لَكِنِ اخْتَصَرْتُهُ واقْتَصَرْتُ عَلى عُيُونِهِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ وإذ قالت أمة منهم ﴾ عطف على قوله: ﴿ إذ يعدون ﴾ [الأعراف: 163] والتقدير: واسألَ بني إسرائيل إذ قالت أمة منهم، فإذْ فيه اسم زمان للماضي وليست ظرفاً، ولها حكم ﴿ إذْ ﴾ [الأعراف: 163] أختها، المعطوفة هي عليها، فالتقدير: واسألهم عن وقت قالت أمة، أي عن زمنَ قول أمة منهم، والضمير المجرور بمن عائِد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ أسألهم ﴾ [الأعراف: 163] وليس عائداً إلى القرية، لأن المقصود توبيخ بني إسرائيل كلهم، فإن كان هذا القول حصل في تلك القرية كما ذكره المفسرون كان غير منظور إلى حصوله في تلك القرية، بل منظوراً إليه بأنه مظهر آخر من مظاهر عصيانهم وعتوهم وقلة جدوى الموعظة فيهم، وأن ذلك شأن معلوم منهم عند علمائهم وصلحائهم، ولذلك لما عطفت هذه القصة أعيد معها لفظ اسم الزمان فقيل: ﴿ وإذْ قالت أمة ﴾ ولم يقل: وقالت أمة.
والأمة الجماعة من الناس المشتركة في هذا القول، قال المفسرون: إن أمة من بني إسرائيل كانت دائبة على القيام بالموعظة والنهى عن المنكر، وأمة كانت قامت بذلك ثم أيست من إتعاظ الموعوظين وأيقنت أن قد حقت على الموعوظين المصمين آذانهم كلمة العذاب، وأمة كانت سادرة في غلوائها، لا ترعوي عن ضلالتها، ولا ترقب الله في أعمالها.
وقد أجملت الآية ما كان من الأمة القائلة إيجازاً في الكلام، اعتماداً على القرينة لأن قولهم: ﴿ الله مهلكهم ﴾ يدل على أنهم كانوا منكرين على الموعوظين، وإنهم ما علموا أن الله مهلكهم إلاّ بعدَ أن مارسوا أمرهم، وسبروا غورهم، ورأوا أنهم لا تغني معهم العظات، ولا يكون ذلك إلاّ بعد التقدم لهم بالموعظة، وبقرينة قوله بعد ذلك ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ إذ جعل الناس فريقين، فعلمنا أن القائلين من الفريق الناجي، لأنهم ليسوا بظالمين، وعلمنا أنهم ينهون عن السوء.
وقد تقدم ذكر الوعظ عند قوله تعالى: ﴿ فأعرض عنهم وعظْهم ﴾ في سورة النساء (63) وعند قوله آنفاً ﴿ موعظة وتفصيلاً لكل شيء ﴾ في هذه السورة (145).
واللام في ﴿ لمَ تعظون ﴾ للتعليم، فالمستفهم عنه من نوع العلل، والاستفهام إنكاري في معنى النفي، فيدل على انتفاء جميع العلل التي من شأنها أن يوعظَ لتحصيلها، وذلك يفضي إلى اليأس من حصول إتعاظهم، والمخاطب ب ﴿ تعظون ﴾ أمة أخرى.
ووصف القوم بأن الله مهلكهم: مبني على أنهم تحققتْ فيهم الحال التي أخبر الله بأنه يهلك أو يعذب من تحققتْ فيه، وقد أيقن القائلون بأنها قد تحققت فيهم، وأيقن المقول لهم بذلك حتى جاز أن يصفهم القائلون للمخاطبين بهذا الوصف الكاشف لهم بأنهم موصوفون بالمصير إلى أحد الوعيدين.
واسما الفاعل في قوله: ﴿ مهلكهم أو معذبهم ﴾ مستعملان في معنى الاستقبال بقرينة المقام، وبقرينة التردد بين الإهلاك والعذاب، فإنها تؤذن بأن أحد الأمرين غير معين الحصول، لأنه مستقبل ولكن لا يخلو حالهم عن أحدهما.
وفصلت جملة ﴿ قالوا ﴾ لوقوعها في سياق المحاورة، كما تقدم غير مرة أي قال المخاطبون بِ ﴿ لمَ تعظون قوماً ﴾ الخ.
والمعذرة بفتح الميم وكسر الذال مصدر ميمي لفعل (اعتذر) على غير قياس، ومعنى اعتذر أظهر العذر بضم العين وسكون الذال والعذر السبب الذي تبطل به المؤاخذة بذنب أو تقصير، فهو بمنزلة الحجة التي يبديها المؤاخَذ بذنب؛ ليظهر أنه بريء مما نسب إليه، أو متأول فيه، ويقال: عذَره إذا قبل عذره وتحقق براءته، ويعدّى فعل الاعتذار بإلى لما فيه من معنى الإنهاء والإبلاغ.
وارتفع ﴿ معذرة ﴾ على أنه خبر لمبتدإ محذوف دل عليه قول السائلين ﴿ لم تعظون ﴾ والتقديرُ موعظتنا معذرة منا إلى الله.
وبالرفع قرأه الجمهور، وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على المفعول لأجله أي وعظناهم لأجل المعذرة.
وقوله: ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ علة ثانية للاستمرار على الموعظة أي رجاء لتأثير الموعظة فيهم بتكرارها.
فالمعنى: أن صلحاء القوم كانوا فريقين.
فريق منهم أيِس من نجاح الموعظة وتحقق حلول الوعيد بالقوم، لتوغلهم في المعاصي، وفريق لم ينقطع رجاؤُهم من حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار، فأنكر الفريقُ الأول على الفريق الثاني استمرارهم على كلفة الموعظة.
واعتذر الفريق الثاني بقولهم: ﴿ معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ فالفريق الأول أخذوا بالطرف الراجح الموجب للظن.
والفريق الثاني أخذوا بالطرف المرجوح جمعاً بينه وبين الراجح لقصد الاحتياط، ليكون لهم عذراً عند الله إن سألهم لماذا أقلعتم عن الموعظة ولما عسى أن يحصل من تقوى الموعوظين بزيادة الموعظة، فاستعمال حرف الرجاء في موقعه، لأن الرجاء يقال على جنسه بالتشكيك فمنه قوي ومنه ضعيف.
وضمير ﴿ نسوا ﴾ عائد إلى ﴿ قوماً ﴾ والنسيان مستعمل في الإعراض المفضي إلى النسيان كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فلما نسوا ما ذُكروا به ﴾ في سورة الأنعام (44).
والذين ينهون عن السوء } هم الفريقان المذكوران في قوله آنفاً ﴿ وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً ﴾ إلى قوله ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ، و ﴿ الذين ظلموا ﴾ هم القوم المذكورون في قوله: ﴿ قوماً الله مُهلكهم ﴾ إلخ.
والظلم هنا بمعنى العصيان، وهو ظلم النفس، حق الله تعالى في عدم الامتثال لأمره.
و ﴿ بِيسٍ ﴾ قرأه نافع وأبو جعفر بكسر الباء الموحدة مشبعة بياء تحتية ساكنة وبتنوين السين على أن أصله بئْس بسكون الهمزة فخففت الهمزة ياء مثل قولهم: ذِيب في ذِئْب.
وقرأه ابن عامر ﴿ بئْس ﴾ بالهمزة الساكنة وإبقاء التنوين على أن أصله بَئيس.
وقرأه الجمهور ﴿ بَئيس ﴾ بفتح الموحدة وهمزة مكسورة بعدها تحتية ساكنة وتنوين السين على أنه مثالُ مبالغة من فعل بَؤُس بفتح الموحدة وضم الهمزة إذا أصابه البؤس، وهو الشدة من الضر.
أو على أنه مصدر مثل عَذير ونَكير.
وقرأه أبو بكر عن عاصم ﴿ بَيْئسَ ﴾ بوزنَ صَيْقل، على أنه اسم للموصوف بفعل البؤس مبالغة، والمعنى، على جميع القراءات: أنه عذاب شديد الضر.
وقوله: ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ تقدم القول في نظيره قريباً.
وقد أجمل هذا العذاب هنا، فقيل هو عذاب غير المسخ المذكور بعده، وهو عذاب أصيب به الذين نَسوا ما ذُكروا به، فيكون المسخ عذاباً ثانياً أصيب به فريق شاهدوا العذاب الذي حل بإخوانهم، وهو عذاب أشد، وقع بعد العذاب البيس، أي أن الله أعذر إليهم فابتدأهم بعذاب الشدة، فلما لم ينتهوا وعتوا، سلّط عليهم عذاب المسخ.
وقيل: العذاب البِئس هو المسخ، فيكون قوله: ﴿ فلما عتوا عما نهوا عنه ﴾ بياناً»جمال العذاب البئس، ويكون قوله: ﴿ فلما عتوا ﴾ بمنزلة التأكيد لقوله: ﴿ فلما نسوا ﴾ صيغ بهذا الأسلوب لتهويل النسيان والعتو، ويكون المعنى: أن النسيان، وهو الإعراض، وقع مقارناً للعتو.
و ﴿ ما ذكّروا به ﴾ و ﴿ ما نُهوا عنه ﴾ ما صْدَقُهما شيء واحد، فكان مقتضى الظاهر أن يقال: فلما نسوا وَعتوا عما نهوا عنه وذُكروا به قلنا لهم الخ، فعدل عن مقتضى الظاهر إلى هذا الأسلوب من الإطناب لتهويل أمر العذاب، وتكثير أشكاله، ومقام التهويل من مقتضيات الأطناب، وهذا كإعادة التشبيه في قول لبيد: فتنازعا سبطاً يطير ظلاله *** كدخان مُشعَلة يشبّ ضرامها مشمولةٍ غُلِثت بنابت عَرفج *** كدُخان نار ساطع أسنامها ولكن أسلوب الآية أبلغ وأوفر فائدة، وأبعد عن التكرير اللفظي، فما في بيت لبيد كلامٌ بليغ، وما في الآية كلام معجز.
و (العتو) تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فعقروا الناقة وعَتوا عن أمر ربهم ﴾ في هذه السورة (77).
وقوله: ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ تقدم القول في نظيره عند قوله تعالى: ﴿ ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردةً خاسئين ﴾ في سورة البقرة (65)، ولأجل التشابه بين الآيتين، وذكر العدْوِ في السبت فيهما، وذكرِه هنا في الإخبار عن القرية، جزم المفسرون بأن الذين نسوا مَا ذكروا به وعتوا عما نهوا عنه هم أهل هذه القرية، وبأن الأمة القائلة ﴿ لم تعظون قوماً ﴾ هي أمة من هذه القرية فجزموا بأن القصة واحدة، وهذا وإن كان لا ينبو عنه المقام، كما أنه لا يمنعُ تشابه فريقين في العذاب، فقد بينتُ أن ذلك لا ينافي جعل القصة في معنى قصتين من جهة الاعتبار.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ نَسُوا يَعْنِي تَرَكُوا، واَلَّذِي ذُكِّرُوا بِهِ أنْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ.
﴿ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ.
﴿ وَأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ تَرَكُوا المَعْرُوفَ وفَعَلُوا المُنْكَرَ.
﴿ بِعَذابٍ بَئِيسٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: شَدِيدٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: رَدِيءٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ العَذابُ المُقْتَرَنُ بِالفَقْرِ وهو البُؤْسُ.
وَأمّا الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ الَّتِي لَمْ تَنْهَ ولَمْ تَفْعَلْ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نُجِّيَتْ مَعَ الَّذِينَ نَهَوْا.
والثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: لا أدْرِي ما فُعِلَ بِها.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس وهو يقرأ هذه الآية ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ قال: يا عكرمة، هل تدري أي قرية هذه؟
قلت: لا.
قال: هي أيلة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ قال: هي طبرية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد واسألهم عن القرية قال: هي قرية يقال لها مقنا بين مدين وعينونا.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ واسألهم عن القرية ﴾ قال: هي مدين.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ قال: يظلمون.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ يقول: من كل مكان.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ قال: ظاهرة على الماء.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ شرعاً ﴾ قال: واردة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ قال: هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها أيلة، فحرَّم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، فكانت تأتيهم يوم سبتهم شرعاً في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمكثوا كذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم، فنهتهم طائفة فلم يزدادوا إلا غيّاً.
فقالت طائفة من النهاة: تعلمون أن هؤلاء قوم قد حق عليهم العذاب ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ وكانوا أشد عضباً من الطائفة الأخرى، وكل قد كانوا ينهون، فما وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالتا: لم تعظون؟
والذين ﴿ قالوا: معذرة إلى ربكم ﴾ وأهلك الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية...
﴾ الآية.
قال: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظَّموه وتركوا ما أمروا به، فلما ابتدعوا السبت ابتلوا فيه، فحرمت عليهم الحيتان، وهي قرية يقال لها مدين بين أيلة والطور، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تر حتى مثله من السبت المقبل، فإذا جاء السبت عادت شرعاً، ثم إن رجلاً منهم أخذ حوتاً فحزمه بخيط ثم ضرب له وتداً في الساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد جاء فأخذه فأكله سراً، ففعلوا ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقية منهم، فنهوهم حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق علانية قالت طائفة للذين ينهونهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ قالوا ﴿ معذرة إلى ربكم ﴾ في سخطنا أعمالهم ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ فكانوا أثلاثاً.
ثلثاً نهى، وثلثاً قالوا ﴿ لم تعظون ﴾ وثلثاً أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم، فأصبح الذين نهوا ذات غداة في مجالسهم يتفقدون الناس لا يرونهم، وقد باتوا من ليلتهم وغلقوا عليهم دورهم، فجعلوا يقولون: إن للناس شأناً فانظروا ما شأنهم، فاطلعوا في دورهم فإذا القوم قد مسخوا يعرفون الرجل بعينه وأنه لقرد، والمرأة بعينها وانها لقردة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يوماً وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره فقلت: ما يبكيك يا ابن عباس؟
فقال: هؤلاء الورقات.
وإذا في سورة الأعراف قال: تعرف أيلة؟
قلت: نعم.
قال: فإنه كان بها حي من يهود سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعد كد ومؤنة شديدة، وكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاً سمانا كأنها الماخض، فكانوا كذلك برهة من الدهر ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أكلها يوم السبت فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام.
فقالت: ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها في يوم السبت، فعدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار، وسكتت وقال الأيمنون: ويلكم...؟
لا تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ قال الأيمنون: ﴿ معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ ان ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وأن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم.
فمضوا على الخطيئة وقال الأيمنون: قد فعلتم يا أعداء الله، والله لنبايننَّكم الليلة في مدينتكم.
والله ما أراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا فلم يجابوا، فوضعوا سلما وعلوا سور المدينة رجلاً، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله قردة والله تعاوى لها أذناب...
!
ففتحوا فدخلوا عليهم فعرفت القردة أنسابها من الانس ولا تعرف الانس أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول ألم ننهكم فتقول برأسها: أي نعم.
ثم قرأ ابن عباس ﴿ فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ قال: أليم وجيع.
قال: فارى الذين نهوا قد نجوا ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها.
قلت: أي جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم كرهوا ما هم عليه وخالفوهم، وقالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ قال: فأمر بي فكسيت ثوبين غليظين.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كانت قرية على ساحل البحر يقال لها ايلة، وكان على ساحل البحر صنمان من حجارة مستقبلان الماء، يقال لأحدهما لقيم والآخر لقمانة، فأوحى الله إلى السمك، أن حج يوم السبت إلى الصنمين، وأوحى إلى أهل القرية: أني قد أمرت السمك أن يحجوا إلى الصنمين يوم السبت فلا تعرضوا للسمك يوم لا يمتنع منكم، فإذا ذهب السبت فشأنكم به فصيدوه، فكان إذا طلع الفجر يوم السبت أقبل السمك شرعاً إلى الصنمين لا يمتنع من آخذ يأخذه، فظهر يوم السبت شيء من السمك في القرية فقالوا: نأخذه يوم السبت فنأكله يوم الأحد، فلما كان يوم السبت الآخر ظهر أكثر من ذلك، فلما كان السبت الآخر ظهر السمك في القرية، فقام إليهم قوم منهم فوعظوهم فقالوا: اتقوا الله.
فقام آخرون فقالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ﴾ فلما كان سبت من تلك الأسبات فشى السمك في القرية، فقال الذين نهوا عن السوء فقالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية.
فقيل لهم: لو أصبحتم فانقلبتم بذراريكم ونسائكم.
قالوا: لا نبيت معكم الليلة في هذه القرية، فإن أصبحنا غدونا فاخرجنا ذرارينا وأمتعتنا من بين ظهرانيكم وكان القوم شاتين، فلما أمسوا أغلقوا أبوابهم فلما أصبحوا لم يسمع القوم لهم صوتاً ولم يروا سرجاً خرج من القرية...
!
قالوا: قد أصاب أهل القرية شر...
!
فبعثوا رجلاً منهم ينظر إليهم، فلما أتى القرية إذا الأبواب مغلقة عليهم، فاطلع في دار فإذا هم قرود كلهم، المرأة أنثى والرجل ذكر، ثم اطلع في دار أخرى فإذا هم كذلك الصغير صغير والكبير كبير، ورجع إلى القوم فقال: يا قوم نزل بأهل القرية ما كنتم تحذرون، أصبحوا قردة كلهم لا يستطيعون أن يفتحوا الأبواب، فدخلوا عليه فإذا هم قردة كلهم، فجعل الرجل يومئ إلى القرد منهم أنت فلان، فيومئ برأسه: نعم.
وهم يبكون فقالوا: أبعدكم الله قد حذرناكم هذا، ففتحوا لهم الأبواب فخرجوا فلحقوا بالبرية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: نجا الناهون وهلك الفاعلون، ولا أدري ما صنع بالساكتين.
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: والله لئن أكون علمت أن القوم الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوماً ﴾ نجوا مع الذين نهوا عن السوء أحب إلى ما عدل به.
وفي لفظ: من حمر النعم.
ولكني أخاف أن تكون العقوبة نزلت بهم جميعاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري انجا الذين قالوا لم تعظون قوماً أم لا؟
قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم قد نجوا فكساني حلة.
وأخرج عبد بن حميد عن ليث بن أبي سليم قال: مسخوا حجارة الذين قالوا ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله: ﴿ واسألهم عن القرية...
﴾ الآية.
قال: كان حوتاً حرمه الله عليهم في يوم وأحله لهم فيما سوى ذلك، فكان يأتيهم في اليوم الذي حرَّمه الله عليهم كأنه المخاض ما يمتنع من أحد، فجعلوا يهمون ويمسكون وقلما رأيت أحداً أكثر الأهتمام بالذنب إلا واقعه، فجعلوا يهمون ويمسكون حتى أخذوه فأكلوا بها والله أوخم أكلة أكلها قوم قط أبقاه خزياً في الدنيا وأشده عقوبة في الآخرة، وأيم الله للمؤمن من أعظم حرمة عند الله من حوت، ولكن الله عز وجل جعل موعد قوم الساعة والساعة أدهى وأمر.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: أخذ موسى عليه السلام رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، وكان موسى يسبت فصلبه.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: احتطب رجل في السبت، وكان داود عليه السلام يسبت فصلبه.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي بكر بن عياش قال: كان حفظي عن عاصم ﴿ بعذاب بئيس ﴾ على معنى فعيل، ثم دخلني منها شك فتركت روايتها عن عاصم وأخذتها عن الأعمش ﴿ بعذاب بئيس ﴾ على معنى فعيل.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: لا رحمة فيه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: وجيع.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بعذاب بئيس ﴾ قال: أليم بشدة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نودي الذي اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات، نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبهت طائفة أكثر من الأولى، ثم نودوا يا أهل القرية فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾ [ البقرة: 65] فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟
فيقولون برؤوسهم: أي بلى.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير وماهان الحنفي قال: لما مسخوا جعل الرجل يشبه الرجل وهو قرد، فيقال: أنت فلان...؟!
فيومئ إلى يديه بما كسبت يداي.
وأخرج ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» .
وأخرج أبو الشيخ عن سفيان قال: قالوا لعبد الله بن عبد العزيز العمري في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: تأمر من لا يقبل منك؟
قال: يكون معذرة، وقرأ ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ الآية.
نظم الآية لا يصح إلا بتقدير محذوف؛ لأن معنى العتُو (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ مفسر في سورة البقرة (٣) (١) عَتَا: أي: استكبر وجاوز الحد، وقال الزجاج 2/ 386: (العاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة) اهـ.
وانظر: "العين" 2/ 226، و"الجمهرة" 2/ 1032، و"تهذيب اللغة" 3/ 2313، و"الصحاح" 6/ 2418، و"المجمل" 3/ 646، و"مقاييس اللغة" 4/ 225، و"المفردات" ص 546، و"اللسان" 5/ 2794 (عتا).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 101، و"إعراب النحاس" 1/ 648، و"تفسير السمرقندي" 1/ 578، والرازي 15/ 40، والخازن 2/ 303، قال الطبري: (أي: تمردوا فيما نهوا عنه وتمادوا فيه) اهـ.
وقال النحاس: (أي: تجاوزوا في معصية الله جل وعز) اهـ.
(٣) انظر: "البسيط" البقرة: 66.
﴿ فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ أي لما تكبروا عن ما نهوا عنه ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين ﴾ ذكر في [البقرة: 65] واملعنى أنهم عذبوا أولاً بعذاب شديد فعتوا بذلك فمسخوا قردة، وقيل: فلما عَتَوا تكرار لقوله فلما نسوا والعذاب البئيس هو المسخ ﴿ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ عزم، وهو من الإيذان بمعنى الإعلام ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية أي يسلط عليهم، ومن ذلك أخذ الجزية، وهوَانُهم في جميع البلاد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.
﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.
زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.
الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.
الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.
﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.
والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.
التفسير: إنه ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.
ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.
الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟
وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.
وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.
وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.
وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.
قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول من قبل الله ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد أول مناكيرهم.
وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟
وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.
والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.
ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.
ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.
قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.
والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.
وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.
قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.
والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.
والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.
والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.
وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.
عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.
هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.
وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟
فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.
والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.
والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.
بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.
وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.
وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.
وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.
ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.
ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله أعلم بالسرائر.
النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".
فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.
وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.
وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.
أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.
وقيل: الاستخفاف والإهانة.
وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.
وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.
وإذ قد أخبر الله بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.
قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.
النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.
وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.
﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.
ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.
فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.
قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.
قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.
يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.
وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.
وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.
أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.
والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.
وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.
وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.
ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.
ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.
فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.
ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟
﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.
﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.
ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.
النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.
والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.
وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.
روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.
وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.
فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.
ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.
﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.
التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.
وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.
أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.
وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: القرية التي كانت حاضرة البحر هي أيلة.
وقال آخرون: أريحا.
ولسنا ندري ما تلك القرية، وليس لنا إلى معرفة تلك القرية حاجة؛ إذ لا منفعة لنا في معرفتها، ولو كانت لنا حاجة إليها لبين لنا عز وجل.
وقوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ...
﴾ .
أمره بالسؤال عنها، ثم كان هو المبين لهم بقوله: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ ، والسؤال هو الاستخبار، والإخبار أبداً إنما يلزم المسئول دون المستخبر، لكن الاستخبار يكون من وجهين: أحدهما: ابتداء إخبار.
والثاني: طلب التصديق، فهاهنا لم يحتمل ابتداء الخبر، وهو على طلب التصديق؛ كأنه قال: ألم يكن كذا؛ فيقولون: نعم؛ يصدقونه بما يقول لهم.
وقال قائلون: لم يأمره بالسؤال حقيقة، ولكنه على التمثيل؛ كأنه قال: لو سألتهم يقولون لك كذا؛ كقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ ليس على الأمر أن اسألهم، ولكن لو سألتهم كان كذا، وأجابوك بكذا، فعلى ذلك هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ ﴾ .
عن ابن عباس - ما - [قال]: ابتدعوا السبت فعظموه، فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان.
وقال مجاهد: حرمت عليهم الحيتان يوم السبت، فكانت تأتيهم يوم السبت شرعاً بلا مؤنة [ولا] تكلف، ابتلوا به، ولا تأتيهم في غير مثله.
وقال أبو عوسجة: قوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ \[هي\] التي قد دنت من الشط، والواحد: شارع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْبِتُونَ ﴾ .
اي: لا يدخلون في السبت؛ كما يقال: لا يربعون ولا يخمسون، أي: لا يدخلون فيه، [ويسبتون أي يدخلون فيه] وكذلك يربعون ويخمسون.
وقال القتبي: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: شوارع، ﴿ إِذْ يَعْدُونَ ﴾ أي: يتعدون الحق، ويقال: عدوت على فلان: إذا ظلمته.
وقال الكيساني: يقرأ: ﴿ يَسْبِتُونَ ﴾ بالرفع، ويقرأ بالفتح؛ فيمن قرأها [يسبتون بالفتح أراد سبتوا أي عظموا يقال: سبت يسبت سبتاً وسبوتاً إذا عظم، ومن قرأها برفع الياء أراد أنهم] دخلوا في السبت.
وقال قائلون: قوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: كثيرة، أي: تكثر لهم الحيتان يوم السبت، وهو اليوم الذي حرم عليهم الحيتان، وتقل في غير ذلك.
وقال بعضهم: ابتلاهم الله بتحريم السمك في السبت؛ ليرى الخلق المطيع منهم من العاصي.
وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السر؛ ليكون فسقهم وتعديهم ظاهراً عند الخلق كما كان عند الله؛ لئلا يقولوا عند التعذيب إنهم عذبوا بلا ظلم ولا تعد - والله أعلم -.
وذلك قوله: ﴿ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ .
وقال قائلون في قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ ﴾ : إنما أمره أن يسألهم أما عذبهم الله بذنوبهم؟
ثم أخبر عن ذنوبهم فقال: ﴿ إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ أي: يعتدون في السبت.
وقوله: ﴿ شُرَّعاً ﴾ أي: شارعات من غمرة الماء، أي: خارجات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ذكر في الأول أنهم كانوا ثلاث فرق: فريق عدوا، وتركوا أمر الله، وارتكبوا ما نهوا عنه.
وفريق نهوا أولئك الذين اعتدوا وانتهكوا حرم الله.
وفريق، قيل: لم يعتدوا، ولم يرتكبوا نهيه، ولا نهوا أولئك الذين اعتدوا، وهم الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً...
﴾ الآية، وكذلك روي عن ابن عباس - - قال: هم كانوا ثلاث فرق: فرقة وعظت، وفرقة موعوظة، وفرقة ثالثة، وهم الذين قالوا: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ ﴾ .
وهو ما ذكرنا أنه ذكرهم في الابتداء ثلاث فرق، وذكر في آخر الحال فرقتين: فرقة هي التي هلكت بالاعتداء، وفرقة هي التي نهت ونجت.
ثم اختلف أهل التأويل في الفرقة الثالثة: قال بعضهم: كانوا في الفرقة التي هلكت؛ لوجهين: أحدهما: لما لم ينهوا أولئك الذين اعتدوا، وكان فرض عليهم النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، فإذا لم ينهوا أولئك هلكوا وشركوا في العذاب؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ...
﴾ الآية [المائدة: 63].
والثاني: كانوا معهم لما نهوا الناهين بقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ ﴾ .
وقال قائلون: كانوا في الناجين.
قال الحسن: لأنهم كانوا نهوا أولئك عن الاعتداء والظلم الذي كان منهم، وكان قولهم: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ بعد ما نهوهم [و] وعظوهم فلم يتعظوا، فإنما قالوا لأولئك: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ﴾ بعد ما نهوا [و] وعظوا، فقالوا: كيف تعظون قوماً لا يتعظون ولا ينتهون، فإنما قالوا ذلك بعد ما نهوا.
وقال قائلون: هذا القول منهم نهي؛ لأنهم أتوا بوعيد شديد بقولهم: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ ، فنفس هذا القول منهم نهي وزجر عما ارتكبوا؛ حيث أتوا بالنهاية من الوعيد، وهو الهلاك والعذاب الشديد.
ولكنا لسنا نعلم أنهم كانوا في الهلكى أو في الناجين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولو كان لنا حاجة إلى ذلك لبينه لنا - عز وجل - ولم يترك ذلك لآرائنا، سوى أنه بين من نجا منهم بالنهي عن الظلم والعدوان، وبين من أهلك وعذب بالظلم والعدوان بقوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ ﴾ .
قرئ بالرفع والنصب أيضاً ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ فمن قرأ بالرفع أضمر فيه هذه؛ كأنهم قالوا: هذه معذرة إلى ربكم؛ كقوله: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ﴾ قيل: هذه سورة أنزلناها.
ومن قرأ بالنصب قال: ﴿ مَعْذِرَةً ﴾ أي: اعتذاراً منهم إلى ربهم ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ عما نهوا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ أي: تركوا وأعرضوا عما ذكروا به.
﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ .
قال القتبي: شديد؛ وكذلك قال أبو عوسجة.
وقال غيره: أي: موجع، وهو واحد.
وقال الحسن: ﴿ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ ﴾ على الوقف، ثم قال: ﴿ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ ﴾ .
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ عَتَوْاْ ﴾ أي: استكبروا؛ يقال: عتا يعتوا عتوّاً، وكأن العتو هو النهاية في البأس، فكذلك قيل في قوله: ﴿ عَتَوْاْ ﴾ بائساً، لكن سمي مرة: قساوة، ومرة: استكباراً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .
قال بعضهم: حولت صورتهم وجسدهم صورة القردة، وكانت عقولهم على حالها عقول البشر لم تحول؛ ليعلموا تعذيب الله إياهم وما أصابهم بهتكهم حرم الله.
وقال قائلون: حول طباعهم طباع القردة، وأما الصورة والجسد على حاله.
وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.
وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ قال بعضهم: هو من خسأ الكلب: صار قاصياً مبعداً، يقال: خسأته.
وقال أبو عوسجة: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ : مبعدين؛ وكذلك قال في قوله: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا ﴾ \[المؤمنون: 108\] أي: ابعدوا فيها وارجعوا فيها؛ يقال: خسأت فلاناً وأخسأته، أي: باعدته، فخسأ، أي: تباعد.
وقيل: الخاسئ: الذليل.
وفي قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ...
﴾ إلى آخر ما ذكر من القصة وجهان: أحدهما: دليل إثبات الرسالة والنبوة له؛ حيث أخبر عما كان من غير نظر له في كتبهم، ولا اختلاف إلى أحد ممن له علم في ذلك؛ دل أنه إنما عرف [ذلك] بالله .
والثاني: إنباء عن عواقب الظلمة والفسقة، وما حل بهم بظلمهم وانتهاكهم حرم الله؛ ليكون ذلك زجراً لنا عن ارتكاب مثله.
<div class="verse-tafsir"
فلما تجاوزوا الحد في عصيان الله تكبرًا وعنادًا، ولم يتعظوا، قلنا لهم: أيها العصاة، كونوا قردة أذلاء؛ فكانوا كما أردنا، إنما أَمْرُنا لشيء إذا أردناه أن نقول له: كن، فيكون.
<div class="verse-tafsir" id="91.5YlBy"