الآية ١٦٨ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٦٨ من سورة الأعراف

وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ١٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٨ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٨ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض أمما ، أي : طوائف وفرقا ، كما قال [ تعالى ] ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) [ الإسراء : 104 ] ( منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ) أي : فيهم الصالح وغير ذلك ، كما قالت الجن : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ) [ الجن : 11 ] ، ( وبلوناهم ) أي : اختبرناهم ( بالحسنات والسيئات ) أي : بالرخاء والشدة ، والرغبة والرهبة ، والعافية والبلاء ، ( لعلهم يرجعون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وفرّقنا بني إسرائيل في الأرض (59) = " أممًا " يعني: جماعات شتى متفرِّقين، (60) كما: - 15311- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحاق بن إسماعيل, عن يعقوب, عن جعفر, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " وقطعناهم في الأرض أممًا "، قال: في كل أرض يدخلها قومٌ من اليهود.

(61) 15312- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وقطعناهم في الأرض أممًا "، قال: يهود.

* * * وقوله: " منهم الصالحون "، يقول: من هؤلاء القوم الذين وصفهم الله من بني إسرائيل= " الصالحون ", يعني: من يؤمن بالله ورسله= " ومنهم دون ذلك "، يعني: دون الصالح.

وإنما وصفهم الله جل ثناؤه بأنهم كانوا كذلك قبل ارتدادِهم عن دينهم، وقبل كفرهم بربهم, وذلك قبل أن يبعث فيهم عيسى ابن مريم صلوات الله عليه.

* * * وقوله: " وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون "، يقول: واختبرناهم بالرخاء في العيش, (62) والخفض في الدنيا والدعة، والسعة في الرزق, وهي " الحسنات " التي ذكرها جل ثناؤه (63) ويعني ب " السيئات "، الشدة في العيش, والشظف فيه, والمصائب والرزايا في الأموال (64) = " لعلهم يرجعون "، يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربهم وينيبوا إليها, ويتوبوا من معاصيه.

------------------- الهوامش : (59) (1) انظر تفسير (( قطع )) فيما سلف ص : 164 .

(60) (2) انظر تفسير (( أمة )) فيما سلف ص : 184 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(61) (3) الأثر : 15311 - (( إسحق بن إسماعيل )) ، هو (( أبو يزيد )) (( حبويه )) ، انظر ما سلف رقم : 15221 ، والتعليق عليه هناك .

(62) (4) انظر تفسير (( الابتلاء )) فيما سلف من فهارس اللغة ( بلا ) .

(63) (1) انظر تفسير (( الحسنات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( حسن ) .

(64) (2) انظر تفسير (( السيئات )) فيما سلف من فهارس اللغة ( سوأ ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون [ ص: 278 ] قوله تعالى وقطعناهم في الأرض أمما أي فرقناهم في البلاد .

أراد به تشتيت أمرهم ، فلم تجمع لهم كلمة .منهم الصالحون رفع على الابتداء .

والمراد من آمن بمحمد عليه السلام .

ومن لم يبدل منهم ومات قبل نسخ شرع موسى .

أو هم الذين وراء الصين ; كما سبق .ومنهم دون ذلك منصوب على الظرف .

قال النحاس : ولا نعلم أحدا رفعه .

والمراد الكفار منهم .وبلوناهم أي اختبرناهم بالحسنات أي بالخصب والعافية والسيئات أي الجدب والشدائد لعلهم يرجعون ليرجعوا عن كفرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا أي: فرقناهم ومزقناهم في الأرض بعد ما كانوا مجتمعين، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده، وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ أي: دون الصلاح، إما مقتصدون، وإما ظالمون لأنفسهم، وَبَلَوْنَاهُمْ على عادتنا وسنتنا، بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ أي: بالعسر واليسر.

لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه مقيمون من الردى، يراجعون ما خلقوا له من الهدى

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقطعناهم ) وفرقناهم ( في الأرض أمما ) فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة ، ( منهم الصالحون ) قال ابن عباس ومجاهد : يريد الذين أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا به ( ومنهم دون ذلك ) يعني الذين بقوا على الكفر .

وقال الكلبي : منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين ومنهم دون ذلك ، يعني : من هاهنا من اليهود ، ( وبلوناهم بالحسنات ) بالخصب والعافية ، ( والسيئات ) الجدب والشدة ، ( لعلهم يرجعون ) لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقطَّعناهم» فرَّقناهم «في الأرض أُمما» فرقا «منهم الصالحون ومنهم» ناس «دون ذلك» الكفار والفاسقون «وبلوناهم بالحسنات» بالنعم «والسيئات» النقم «لعلهم يرجعون» عن فسقهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وفرَّقنا بني إسرائيل في الأرض جماعات، منهم القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومنهم المقصِّرون الظالمون لأنفسهم، واختبرنا هؤلاء بالرخاء في العيش والسَّعَة في الرزق، واختبرناهم أيضًا بالشدة في العيش والمصائب والرزايا؛ رجاء أن يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا من معاصيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وصدق الله إذ يقول : ( ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) هذا وقوله - تعالى - ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً ) إخبار عن عقوبة أخرى من عقوباتهم المتنوعة بسبب كفرهم وجحودهم ، وتتمثل هذه العقوبة فى تفريقهم فى الأرض ، وتمزيقهم شر ممزق حتى لا تكون لهم شوكة .و ( أُمَماً ) حال من مفعول ( وَقَطَّعْنَاهُمْ ) أو مفعول ثان لقطعناهم على أنه بمعنى صيرناهم .أى : أن هؤلاء اليهود قد مزقناهم فى الأرض شر ممزق بسبب عصيانهم وفسوقهم ، وصيرناهم فرقا متقطعة الأوصال ، مشتتة الأهواء .

وقوله ( مِّنْهُمُ الصالحون وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك ) بيان حالهم .أى : من هؤلاء اليهود قلة آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فصلح حالها ، وحسنت عاقبتها ، ومنهم كثرة منحطة عن رتبة أولئك المؤمنين الصالحين ، بسبب فسوقهم عن أمر الله ، وانتهاكهم لحرماته .والجملة من المبتدأ والخبر ، فى موضع نصب على أنها صفة ل ( أُمَماً ) .وقوله ( وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك ) الجار والمجرور خبر مقدم ( دُونَ ذلك ) نعت لمنعوت محذوف هو المبتدأ والتقدير : ومنهم ناس أو جماعة دون ذلك .وهذه الجملة الكريمة تدل على أن القرآن الكريم يستعمل الإنصاف والعدالة وتقرير الحقائق مع أعدائه وأتباعه على السواء ، فهو يمدح من يستحق المديح ، ويذم من هو أهل الذم ، وما أحوج الناس فى كل زمان ومكان إلى التخلق بهذه الأخلاق .وقوله - تعالى - ( وَبَلَوْنَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) أى عاملناهم معاملة المبتلى الممتحن تارة بالنعم الكثيرة كالصحة والخصب وسعة الأرزاق ، وتارة بالنقم المتنوعة كالجدب والأمراض والشدائد ، لعلهم يرجعون إلى طاعة ربهم ، ويتركون ما نهوا عنه من المعاصى والسيئات .يقال : بلاه يبلوه بلوا ، وابتلاه ابتلاء ، إذا جربه واختبره ، ولقد كانت نتيجة هذا الابتلاء والاختبار أن تكشفت الحقائق عن أن الكثرة من بنى إسرائيل سلكت طريق الضلالة والغواية ، والقلة هى التى آمنت وأصلحت ولذا عاقب الله تلك الكثرة بالعقوبة التى تناسبها جزاءً وفاقا .هذا ، وما أخبر به القرآن من أن الله - تعالى - قد توعد بنى إسرائيل وأخبرهم بأنه سيسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب بسبب كفرهم وفسوقهم قد شهد بصدقه التاريخ ، وأيدته الحوادث ، وهذه نماذج قليلة من تلك العقوبات التى نزلت بهم فى الأزمنة المختلفة .أولا : بعد وفاة سليمان - عليه السلام - حوالى سنة 975 ق .

م انقسمت مملكته إلى قسمين : مملكة الشمال ، واسمها ( إسرائيل ) ومقرها ( السامرة ) وتتكون من الأسباط العشرة .ومملكة الجنوب واسمها ( يهوذا ) ومقرها ( أورشليم ) وتتكون من سبطى يهوذا وبنيامين .وقد استمرت المنازعات بين المملكتين مدة طويلة ، انتهت بانقضاض ( سرجون ) ملك آشور على مملكة الشمال ( إسرائيل ) سنة 721ق .

م فقتل الآلاف من رجالها ، وأسر البقية منهم فرحلهم إلى ما وراء نهر الفرات ، وقضى على هذه المملكة قضاء لم تقم لها بعده قائمة .وأما مملكة الجنوب ( أورشليم ) فقد حاولت أن تتشبث بالبقاء ، ولكن معاول الهدم غزتها من الشرق ومن الجنوب وكانت نهايتها على يد بختنصر البابلى سنة 586ق .

م .ويصور أحد الكتاب الغربيين قصة النكبات التى أدت إلى زوال مملكة ( يهوذا وإسرائيل ) فيقول : ( هى قصة نكبات وقصة تحررات لا تعود عليهم إلا بإرجاء النكبة القاضية ، هى قصة ملوك همج يحكمون شعبا من الهمج ، حتى إذا وافت سنة 721ق .

م " محت يد الأسر الأشورى مملكة إسرائيل من الوجود ، وزال شعبها من التاريخ زوالا تاما ، وظلت مملكة يهوذا تكافح حتى أسقطها البابليون سنة 856ق .

م .ثانيا : استرد اليهود بعض أنفاسهم بعد وقوعهم تحت حكم الفرس من حوالى سنة 536 إلى سنة 332ق .م .

سار إليهم ( بطليموس ) خليفة الإسكندر ، فهدم القدس ، ودك أسوارها ، وأرسل منهم مائة ألف أسير إلى مصر ، لأنهم ثاروا عليه .ثالثاً : فى سنة 20ق .

م تقريبا ، وقع اليهود تحت سيطرة السلوقيين السوريين بعد انتصارهم على البطالسة ، ورأى بعض الحكام السلوقيين من اليهود تمرداً وعصيانا ، فأنزلوا بهم أشد العقوبات فى عدة مواقع ، وكان من أبرز المنكلين باليهود ( انطو خيوس ) ما يبن سنة 170 .

وسنة 168ق .

م فقد هاجم ( أورشليم ) وهدم أسوارها وهيكلها .

ونهب ما فيها من أموال وقتل من أهلها أربعين ألفا فى ثلاثة أيام وباع مثل ذلك العدد عبيدا منهم ولم يفلت من يده إلا اليهود الذين هربوا إلى الجبال ، وقد أقام ( أنطو خيوس ) قمة على أحد الجبال ليشاهد منها كل من يقترب من اليهود إلى أورشليم ليقتله ، وقد وصل به الحال أنه أكره عدداً كبيراً منهم على ترك الديانة اليهودية وجعل هيكلهم فى أورشليم معبدا لإلهه .رابعاً : وفى سنة 63ق .

م أغار الرومان بقيادة ( بامبيوس ) على أورشليم فاحتلوها ، واستمر احتلالهم حتى سنة 614م .

وخلال احتلال الرومان لفلسطين قام اليهود بعدة ثورات باءت كلها بالفشل ، ولقوا بسبب تمردهم وعصيانهم من الرومان ألوانا من القتل والسبى والتشريد .كان من أشهرها ما أنزله بهم " تيطس الرومانى " سنة 70م فقد اقتحم فى هذه السنة أورشليم فدمرها تدميراً ، وقتل الآلاف من اليهود وأحرق هيكلهم .خامساً : بعد هذه النماذج التى سقناها لما أنزله الرومان من عقوبات على اليهود ، نتابع سيرنا فى سرد بعض العقوبات التى أنزلها المسلمون باليهود بسبب بغيهم وخياناتهم فنقول : بعد هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، عامل اليهود القاطنين والمجاورين لها معاملة طيبة ، وعقد معهم معاهدة ضمنت لهم حقوقهم ولكنهم نقضوا عهودهم ، ولم يتركوا وسيلة من وسائل الكيد للإسلام والمسلمين إلا فعلوها ، وحاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يثنيهم عن جحودهم وبغيهم ولكنهم لم يستجيبوا له .

فعاقب صلى الله عليه وسلم كل طائفة منهم بالعقوبة التى تناسب جرمهم وخيانتهم وتكفل للمسلمين أن يعيشوا فى مأمن من شرورهم ، ومن بين العقوبات التى أنزلها النبى صلى الله عليه وسلم بهم إجلاؤه لبنى قينقاع ولبنى النضير عن المدينة ، وقتله لبنى قريظة وإهداره لدم بعض كبرائهم ككعب بن الأشرف وسلام بن ابى الحقيق ، ومحاربته ليهود خيبر ومصالحته لهم بعد مقتل عدد كبير منهم ، ورفعهم راية الأمان ، والاستسلام ، وقبولهم الشروط التى اشترطها عليهم النبى صلى الله عليه وسلم .ولقد كان من آخر الكلمات التى نطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قوله موصيا أصحابه ( أخرجوا اليهود من جزيرة العرب لا يبقى فى جزيرة العرب دينان ) .وفى عهد عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - تم إخراج جميع اليهود من جزيرة العرب ، استجابة لوصية الرسول صلى الله عليه وسلم .سادساً : وفى ختام عرضنا لبعض العقوبات التى نزلت باليهود فى الأزمنة المختلفة جزاء إجرامهم وإثارتهم للفتن نسوق بعض الأمثلة لما حل بهم على أيدى بعض الدول الأوربية .( أ ) ففى بريطانيا : لقى اليهود فى بعض العهود ألواناً من التعذيب ، وصنوفاً من القتل والتشريد .1 - من ذلك أن الملك الإنجيزى ( يوحنا ) أصدر أمرا بحبسهم فى جميع أنحاء مملكته .وفى سنة 1328م جأر الشعب البريطانى بالشكوى من اليهود ، فأصدر الملك ادوارد الاول أمرا بطرد اليهود من جميع البلاد البريطانية فى غضون ثلاثة أشهر ، إلا أن الشعب البريطانى لم يصبر على اليهود حتى تنقضى تلك المدة ، بل أخذ يقتل منهم العشرات والمئات وفى قلعة ( بورك ) التى احتمى بها عدد كبير من اليهود أحرق الإنجليز أكثر من خمسمائة يهودى وقد اضطر الملك إلى ترحيلهم قبل انقضاء المدة لئلا يفتك الشعب بهم جميعا فى كل مكان ، وظلت بريطانيا خالية من اليهود طوال ثلاثة قرون تقريبا .

ولكن عادوا إليها سنة 1656م فى عهد الطاغية ( كرومويل ) الذى اغتصب الملك ( شارل الأول ) بعد أن قدم له اليهود الأموال الطائلة فى سبيل بلوغ أغراضه .( ب ) وفى فرنسا : تعرض اليهود فى أزمنة مختلفة لنقمة الشعب الفرنسى وغضبه ، لأنهم دمروا اقتصاده الوطنى ، وخنقوه بالربا الفاحش ، والمعاملات السيئة .1 - ففى عهد ( لويس التاسع ) تدهورت الحالة الاقتصادية فى فرنسا فأصدر أمرا بإلغاء ثلث ما لليهود على الفرنسيين من ديون ، ثم أصدر أمرا بإحراق جميع كتبهم المقدسة ، وخاصة التلمود .

وقد قال أحد المؤرخين إنهم أحرقوا فى باريس وحدها محمول أربع وعشرين مركبة من نسخ التلمود وغيرها ) .2 - وخلال تولى ( فيليب الجميل ) حكم فرنسا .

أنزل الفرنسيون باليهود صنوفا من القتل والنهب والتشريد ، ثم طردوا من فرنسا نهائيا ، ولكنهم عادوا إليها بعد أن دفعوا ( لفيليب ) ثلثى الديون التى لهم فى فرنسا .3 - وفى سنة 1321م هاجمهم الشعب الفرنسى وذبح عددا كبيرا منهم ، ونكل بهم تنكيلا شديدا ، ثم طردوا من فرنسا بعد أن نهبت أموالهم ولم يستطيعوا العودة إليها إلا فى أواسط القرن السادس عشر .4 - وفى أوائل القرن التاسع عشر حاول ( نابليون ) أن يستغلهم لبلوغ مطامعه ، ولكنهم خانوه ، فاحتقرهم ، وبطش بعدد منهم ، وقال عنهم إنهم حثالات البشر وجراثيمه .ولم ينج اليهود من بطش الشعب الفرنسى إلا فى القرنين التاسع عشر والعشرين .( ج ) وفى إيطاليا ، حاربهم البابوات حربا شعواء وأطلقوا عليهم اسم ( الشعب المكروه ) وأغروا الشعب الإيطالى بهم فأعمل فيهم القتل والتشريد وقد أصدر البابوات مراسيم عديدة لتكفير اليهود وتسفيه ديانتهم القائمة على التلمود .وفى سنة 1242م أعلن البابا ( جريجورى ) التاسع اتهامات صريحة ضد التلمود الذى يطعن فى المسيح والمسيحية ، وأصدر أوامره بإحراقه فأحرقت جميع نسخه .وفى سنة 1540 ثار الشعب الإيطالى على اليهود ثورة عارمة قتل فيها الآلاف منهم وطردوا من بقى حيا خارج إيطاليا .( د ) وفى أسبانيا : ذاق اليهود من الشعب الأسبانى وملوكه صنوف الذل وألوان الهوان ، ولم يظفروا بالراحة إلا فى أيام الحكم الإسلامى لأسبانيا .

ولنكتف بذكر عقوبة واحدة من العقوبات المتعددة التى نزلت بهم فى تلك البلاد .فى عهد الملك ( فرديناند ) وزوجته ( إيزابلا ) وصلت موجة السخط على اليهود أقصاها؛ لتغلغلهم فى الحياة الأسبانية ، واستيلائهم على اقتصادها وإشعالهم نار الخلافات الدينية بين الطوائف .

.

.

فرأى الملك وزوجته أن خير وسيلة لوقاية البلاد من شرورهم هى طردهم من أسبانيا طردا نهائيا .وفى 31 من مارس سنة 1952 صدر المرسوم التالى عن الملك ( فرديناند ) : ( يعيش فى مملكتنا عدد غير قليل من اليهود ، ولقد أنشأنا محاكم التفتيش منذ اثنتى عشرة سنة .

وهى تعمل دائما على توقيع العقوبة على المذنيين ، وبناء على التقارير التى رفعتها لنا محاكم التفتيش ، ثبت أن الصدام الذى يقع بين المسيحيين واليهود يؤدى إلى ضرر عظيم ، ويؤدى بالتالى إلى القضاء على المذهب الكاثوليكى ، ولذا قررنا نفى اليهود ذكورا وإناثا خارج حدود مملكتنا وإلى الأبد وعلى اليهود جميعا الذين يعيشون فى بلادنا وممتلكاتنا ومن غير تميز فى الجنس أو الأعمال أن يغادروا البلاد فى غضون فترة أقصاها نهاية يوليو من نفس العام ، وعليهم ألا يحاولوا العودة تحت أى ظرف أو سبب .وبمقتضى هذا القرار طرد اليهود شر طردة من أسبانيا بعد أن أرغموا على ترك ذهبهم ونقودهم ، وبعد أن نفثوا سمومهم فى أسبانيا زهاء سبعة قرون وكان عددهم عندما خرجوا منها مطرودين يبلغ نصف مليون نسمة ويعتبر بعض اليهود هذا القرار وما تلاه من طرد وتشريد أسوأ من خراب أورشليم .( ه ) وفى روسيا : كان يعيش نصف يهود العالم تقريبا خلال القرن التاسع عشر وقد استعملوا طول مدة إقامتهم فى روسيا كل وسائلهم الخبيثة للتدمير والتخريب ، ففتحوا الحانات وتاجروا فى الخمور ، وأقرضوا بالربا الفاحش ، واستولوا على الكثير من أموال الدولة بالطرق المحرمة ، وقتلوا الكثير من أبناء الشعب الروسى عندما مكنتهم الظروف من ذلك وكونوا الجمعيات السرية التى عملت على هدم نظام الحكم القيصرى واستمرت فى نشاطها حتى أزالته بواسطة الثورة الشيوعية فى سنة 1917م هذه الثورة التى كان معظم قوادها من اليهود .

ولم ينس الروس لليهود ما قاموا به نحوهم من عدوان واستغلال ، فانقضوا عليهم عدة مرات للتخلص منهم وأعملوا فيهم الذبح والقتل بلا رحمة ، وكان من أبرز المذابح التى أوقعها الروس باليهود مذبحة سنة 1881م ومذبحة سنة 1882م فقد حاول الفلاحون الروس أن يدمروا اليهود تدميرا فى هاتين السنتين .وعندما نشر الكتاب الروسى ( نيلوس ) نسخا قليلة من ( بروتوكولات حكماء صهيون ) نسة 1602م التى تفضح نيات اليهود الإجرامية تجاه العالم أجمع ، جن جنونهم خوفا وفزعا .وعمت المذابح ضدهم فى روسيا حتى لقد قتل منهم فى إحداها نحو عشرة آلاف يهودى .( و ) وفى ألمانيا : انتشر اليهود فى كثير من مدنها منذ القرن الثامن الميلادى ، وسكنوا على ضفاف نهر الراين .

واستغلوا الشعب الألمانى أسوأ استغلال حتى كادوا يستولون على أمواله عن طريق الربا الفاحش واستخدام الوسائل المختلفة لجمع المال الحرام .

ولقد هاج الشعب الألمانى ضدهم فى أوقات مختلفة ، واستعمل معهم كل وسائل القتل والسلب والطرد .يقول صاحب كتاب ( تاريخ الإسرائيليين ) وظل القتل والذبح منتشرا فى اليهود إلى أن صدرت الأوامر بطردهم من أنحاء - ألمانيا - فى أزمنة متتابعة ، وذلك ما بين القرنين الثانى عشر والرابع عشر ، حتى لم يكد يبقى منهم واحدا فيها ) .وكان آخر ما لاقوه من عذاب وتقتيل وتشريد على يد " هتلر " ابتداء من توليه الحكم فى ألمانيا سنة 1933 إلى أن سقط حكمه سنة 1945 .وفى كل البلاد التى نزل بها اليهود ، تعرضوا لنقمة السكان وغضبهم وازدرائهم ، يستوى فى ذلك تاريخهم القديم والوسيط والحديث ، لقد أنزل العالم بهم ضربات قاصمة ، وعقوبات صارمة ، شملت التنكيل والطرد والسجن والقتل ومصادرة الأموال .ويقرر أحد الكتاب الغربيين أن كل الأمم المسيحية اشتركت فى اضطهاد اليهود وإنزال مختلف العقوبات بهم ، وكانت القسوة مع اليهود تعد مأثرة يمتدح المسيحيون بعضهم بعضا عليها .هذا ، والشىء الذى نؤكده بعد سرد هذه النماذج من العقوبات التى نزلت باليهود فى مختلف العصور والأمم ، هو أن اليهود هم المسئولون عن كل اضطهاد وقع بهم ، وأنهم مستحقون لهذه العقوبات لأسباب من أهمها :أولا : أنانيتهم وأطماعهم التى لا حدود لها " فقد سوغت لهم أنانيتهم أن العالم ملك لهم بكل من فيه وما فيه ، وأن عليهم متى حلوا فى أى دولة أن ينهبوا خيراتها بكل وسيلة وإن يجمعوا أموالها بأى طريقة ، فإن المال هو معبود اليهود من قديم .وأنانية اليهود وجشعهم وأكلهم أموال الناس بالباطل ، جعلهم محل نقمة العالم وغضبه ، ولقد فطن بعض الزعماء العقلاء إلى خطر تغلغل اليهود فى بلاده ، فأخذ يطردهم منها ، ويحذر أبناء أمته من شرورهم ، ومن هؤلاء الزعماء العقلاء ( بنيامين فرانكلين ) أحد رؤساء الولايات المتحدة ، فإنه ألقى خطابا سنة 1789م قال فيه : ( هناك خطر عظيم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية ، وذلك الخطر هو ( اليهود ) .

أيها السادة : حيثما استقر اليهود ، تجدونهم يوهنون من عزيمة الشعب ، ويزعزعون الخلق التجارى الشريف .

إنهم لا يندمجون بالشعب .

لقد كونوا .

حكومة داخل الحكومة .

وحينما يجدون معارضة من أحد فإنهم يعملون على خنق الأمة ماليا كما حدث للبرتغال وأسبانيا .

.

إذا لم يمنع اليهود من الهجرة بموجب الدستور .

ففى أقل من مائتى سنة سوف يتدفقون على هذه البلاد بأعداد ضخممة تجعلهم يحكموننا ويدمروننا ويغيرون شكل الحكومة التى ضحينا وبذلنا لإقامتها دماءنا وحياتنا وأموالنا وحريتنا .إذا لم يستثن اليهود من الهجرة فإنه لن يمضى أكثر من مائتى سنة ليصبح أبناؤنا عمالا فى الحقول لتأمين الغذاء لليهود .

.

، إنى أحذركم أيها السادة .

إذا لم تستثنوا اليهود من الهجرة إلى الأبد فسوف يلعنكم ابناؤكم وأحفادكم فى قبوركم ، إن عقليتهم تختلف عنا حتى لو عاشوا بيننا عشرة أجيال .

والنمر لا يستطيع تغيير لونه .

اليهود خطر على هذه البلاد .

وإذا دخلوها فوسف يخربونها ويفسدونها ) .وللتعليق على هذا الخطاب نقول : ما أصدق ما توقعه ( فرانكلين ) لولا أنه قد أخطأ التقدير فى المدة اللازمة لتحويل أمريكا إلى بقرة حلوب لليهود ، فقد قدر ( فرانكلين ) هذه المدة بمائتى سنة أى فى سنة 1989 ، بينما استطاع اليهود أن يسخروا سياسة أمريكا وأسلحتها ، وأموالها وعلمها ونفوذها وخيراتها ، لمنفعتهم الخاصة فى مدة تقل عما توقعه بأكثر من خمسين سنة .ثانيا : غرورهم وتعاليهم : فاليهود يعتبرون أنفسهم أبناء الله وأحباؤه ، وشعبه المختار .

ومن قديم الزمن وهم يقسمون العالم إلى قسمين متقابلين : قسم إسرائيل وهم صفوة الخلق وأصحاب الحظوة عند الله ، وقسم آخر يسمونه الأمم ( الجوييم ) أى غير اليهود ومعنى ( جوييم ) عندهم ، وثنيون وكفرة وبهائم وأنجاس .

وقد أدى هذا الغرور والتعالى باليهود إلى إهدار كل حق لغيرهم عليهم ، وأن من حق اليهود أن يسرقوا من ليس يهودياً وأن يغشوه ويكذبوا عليه ويقتلوه إذا أمنوا اكتشاف جرائمهم ، وقد أشار القرآن الكريم إلى تلك الرذيلة التى تمكنت من اليهود بقوله .

( وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وكتب اليهود - لا سيما التلمود - طافحة بالوصايا التى تبيح لهم أن يعاملوا غيرهم بمعاملة تخالف معاملتهم مع بعضهم ، من ذلك ما جاء فى التلمود : إذا خدع يهود أحداً من الأمم وجاء يهودى آخر واختلس من الأممى بعض ما عنده بنقص الكيل أو زيادة الثمن ، فعلى اليهوديين أن يقتسما الغنيمة التى أرسلها إليهما ( يهواه ) ويهواه هو إله اليهود .ونتيجة لهذا الغرور والتعالى الذى تميز به اليهود ، وأهدروا بسببه كل حق أو كرامة لسواهم من الناس ، قام غيرهم من الأمم ليدافع عن حقه الذى سلبوه منهم ، وليوقع بهم أقسى العقوبات جزاء غرورهم الكاذب ، وتعاليهم الباطل .ثالثا : عزلتهم وعصيبتهم وخيانتهم للبلاد التى آوتهم فهم متعصبون متحزبون ، لا يجمعهم حب بعضهم لبعض ولكن تجمعهم كراهية من ليس على ملتهم ، كما يجمعهم الحقد على العالم بأسره .

وقد أصبحت العزلة والعصبية والعنصرية طابع اليهود الذى لا محيد لهم عنه .ويصف الدكتور ( ويزمان ) أول رئيس لإسرائيل طابع العزلة فى اليهود بقوله : ( وكان اليهود فى موتول ( مسقط رأسه ) بروسيا ، يعيشون كما يعيش اليهود فى مئات المدن الصغيرة والكبيرة منعزلين منكمشين ، وفى عالم غير عالم الناس الذين يعيشون معهم ) .ولعل أدق صورة للتحريض على العزلة والتمسك بها ، ما ذكره ( سلامون شحتر ) فى خطابه بمدرسة اللاهوت اليهودية العليا حيث قال : ( إن معنى الاندماج فى الأمم هو فقدان الذاتية .

وهذا النوع من الاندماج مع ما يترتب عليه من النتائج ، هو ما أخشاه أكثر مما أخشى المذابح والاضطهادات ) .وقد تسبب عن عزلتهم وعصبيتهم أمور خطيرة ، فقد نظروا إلى من سواهم من الأمم نظرة كلها عداء وريبة وحذر ، وصار طابعهم فى كل زمان ومكان عدم الإخلاص لاية هيئة دينية أو دنيوية .

وعدم الولاء للأوطان التى يعيشون فيها ويأكلون من خيراتها ، وإنما يجعلون ولاءهم لجماعتهم ومصالحهم الخاصة دون غيرها ، لأن اليهودى يهودى قبل كل شىء ، مهما تكن جنسيته ، ومهما يعتنق من عقائد ومبادىء فى الظاهر ، وإذا تعارضت جنسيته مع يهوديته ناصر يهوديته ، وحاول أن يشيع الخراب والدمار فى الأمة التى هو فرد من أفرادها خصوصا إذا أمن العقاب والصهيونية العالمية تأمر اليهود فى كل مكان أن يجعلوا ولاءهم لإسرائيل وليس للدولة التى يعيشون فيها .تقول جولدا مايير وزيرة خارجية إسرائيل سابقا : ( إن اليهود المقيمين خارج إسرائيل طوائف مشتتة تعيش فى المنفى ، وأنهم مواطنون إسرائيليون قبل كل شىء ، ويتحتم عليهم الولاء المطلق لهذه الدولة الجديدة مهما تكن جنسيتهم الرسمية التى يسبغونها على أنفسهم ، وإن اليهودى الإنجليزى الذى ينشد بحكم إنجليزيته نشيد ( حفظ الله الملكة ) لا يمكن أن يكون فى نفس الوقت صهيونيا ) .وما أكثر الحوادث التى قام فيها اليهود بدور العيون والجواسيس على الأوطان التى يعيشون فيها لحساب أعدائها ، واظهر مثل على ذلك ما قام به اليهود المقيمون فى ألمانيا من خيانات لها خلال الحرب العالمية الأولى ، وكان ثمرة هذه الخيانات هزيمة ألمانيا ، ومنح اليهود جزاء غدرهم الوطنى وعد ( بلفور ) من الحكومة البريطانية سنة 1917م .وقد عدد ( هتلر ) خيانات اليهود لألمانيا فذكر منها استنزاف أموال الشعب بالربا الفادح وإفساد التعليم والسيطرة لصالحهم على المصارف والبورصة والشركات التجارية ، والسيطرة على دور النشر ، والتدخل فى سياسة الدولة لغير مصلحة ألمانيا وفى القمة من خياناتهم التجسس ضد ألمانيا الذى احترفه عدد كبير منهم .ويختم هتلر حديثه الطويل عن اليهود بقوله ( وإذا قيض لليهودى أن يتغلب على شعوب هذا العالم ، فسيكون تاجه إكليل جنازة البشرية ، وعندما يستأنف كوكبنا السيار طوافه فى الأثير كما فعل منذ ملايين السنين لن يكون هناك بشر على سطحه .

.

لهذا أعتقد أنى تصرفت معهم حسبما شائ خالقنا ، لأنى بدفاعى عن نفسى ضد اليهودى ، أنما أناضل فى سبيل الدفاع ، عن عمل الخالق ) .وإذن فعزلة اليهود ، وعصبيتهم ، وخيانتهم للأوطان التى آوتهم ، كان جزاؤها العادل ما حل بهم من دمار وتشريد خلال العصور المختلفة .رابعاً : اضطهادهم لغيرهم متى ملكوا القدرة الظاهرة أو الخفية لذلك وتاريخ اليهود ملطخ بجراثم القتل والذبح والنهب والسلب والغدر والبطش بغيرهم وملىء بالمجازر التى قاموا بها ضد الشعوب التى كان لهم النصر عليها ، وقد ساعدهم على ذلك ما أمرتهم به كتبهم من قتل وإذلال لغيرهم متى واتتهم الفرصة عليه ، ففى سفر الخروج ما نصه .( حين تقترب من مدينة لكى تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإذا أجابتك فكل الشعب الموجود فيها يكون للتسخير ، ويستعبد لك ، وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً ، وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك اللرب إياها فلا تستبق منها نسمة ما ) .ولقد طبق اليهود هذه التعاليم أسوأ تطبيق فى كل أدوار تاريخهم فلقد قتلوا فى روما وحدها مائة ألف مسيحى سنة 214م بإيعاز من الإمبراطور ( مارك أوريل ) .وما لنا نذهب بعيداً فى الاستشهاد على إجرامهم ، ومعارك فلسطين ما زالت ماثلة فى أذهاننا ، يقول أحد الكتاب المعاصرين : ( إن مذبحة دير ياسين كانت من أبشع المذابح التى ارتكبها اليهود .

فقد قتلوا مائتين وخمسين إنسانا فى قرية صغيرة ومثلوا بأجسامهم ، وذبحوا الأطفال فى أحضان أمهاتهم وأمام أعينهن ) .

وحدث ما يشبه هذه المذابح فى كثير من مدن فلسطين كحيفا ويافا وقبية وكفر قاسم .والحق ، أن مفاهيم اليهود الباطلة ، وأنانيتهم الطاغية ، وطباعهم اللئيمة وأخلاقهم الفاسدة ، وعصبيتهم الذميمة ، وقلوبهم القاسية ، واستباحتهم لقتل غيرهم ، وإهدار كرامته ، كل ذلك جعلهم محل نقمة العالم وغضبه ، وبسبب هذه الأخلاق المرذولة سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة ، ومن يمزقهم شر ممزق .ويعجبنى فى هذا المقام قول المؤرخ اليهودى " يوسيفوس " " لا توجد أمة فى الأرض فى كل أجيال التاريخ منذ بدء الخليقة إلى الآن تحملت ما تحمل بنو إسرائيل من الكوارث والآلام ، على أن هذه الكوارث والآلام لم تكن إلا من صنع بنى إسرائيل أنفسهم " .والآن ، بعد سرد هذه العقوبات التى حلت ببنى إسرائيل فى مختلف العصور تأييداً لقوله - تعالى - ( لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة مَن يَسُومُهُمْ سواء العذاب ) بسبب أعمالهم السيئة نعود إلى السورة الكريمة فنراها تحدثنا عن لون من ألوان الدعاوى الباطلة التى حكاها القرآن عنهم ، وهو زعمهم أن ذنوبهم مغفورة لهم ، وأنهم مهما فعلوا من ذنوب ، وارتكبوا من موبقات ، واستحلوا من أموال حرام ، فلن يحاسبهم الله على ذلك إلا حسابا يسيراً لأنهم أبناؤه وأحباؤه ، واستمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى ذلك عنهم فتقول : ( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن قوله: ﴿ وقطعناهم ﴾ أحد ما يدل على أن الذي تقدم من قوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ  ﴾ المراد جملة اليهود، ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي فرقناهم تفريقاً شديداً.

فلذلك قال بعده: ﴿ فِي الأرض أُمَمًا ﴾ وظاهر ذلك أنه لا أرض مسكونة إلا ومنهم فيها أمة، وهذا هو الغالب من حال اليهود، ومعنى قطعناهم، فإنه قلما يوجد بلد إلا وفيه طائفة منهم.

ثم قال: ﴿ مّنْهُمُ الصالحون ﴾ قيل المراد القوم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام لأنه كان فيهم أمة يهدون بالحق.

وقال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك ﴾ أي ومنهم قوم دون ذلك، والمراد من أقام على اليهودية.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك ﴾ من يكون صالحاً إلا أن صلاحه كان دون صلاح الأولين لأن ذلك إلى الظاهر أقرب.

قلنا: أن قوله بعد ذلك: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ يدل على أن المراد بذلك من ثبت على اليهودية وخرج من الصلاح.

أما قوله: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ أي عاملناهم معاملة المبتلى المختبر بالحسنات، وهي النعم والخصب والعافية، والسيئات هي الجدب والشدائد، قال أهل المعاني: وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلأجل الترغيب، وأما النقم فلأجل الترهيب.

وقوله: ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ يريد كي يتوبوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وقطعناهم فِي الارض أُمَمًا ﴾ وفرّقناهم فيها، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم ﴿ مّنْهُمُ الصالحون ﴾ الذين آمنوا منهم بالمدينة، أو الذين وراء الصين ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك ﴾ ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه، وهم الكفرة والفسقة.

فإن قلت: ما محل دون ذلك؟

قلت: الرفع، وهو صفة لموصوف محذوف، معناه: ومنهم ناس منحطون عن الصلاح، ونحوه ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 64] بمعنى: وما منا أحد إلاّ له مقام ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ بالنعم والنقم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فينيبون ﴿ فَخَلَفَ ﴾ من بعد المذكورين ﴿ خَلْفٌ ﴾ وهم الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَرِثُواْ الكتاب ﴾ التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي والتحليل والتحريم، ولا يعملون بها ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الادنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

وفي قوله: ﴿ هذا الأدنى ﴾ تخسيس وتحقير.

والأدنى: إما من الدنوّ بمعنى القرب، لأنه عاجل قريب، وإما من دنوّ الحال وسقوطها وقلتها، والمراد: ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلم للتسهيل على العامة ﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ لا يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وفاعل ﴿ سَيُغْفَرُ ﴾ الجار والمجرور، وهو ﴿ لَنَا ﴾ ويجوز أن يكون الأخذ الذي هو مصدر يأخذون ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ الواو للحال، أي يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم، غير تائبين.

وغفران الذنوب لا يصحّ إلاّ بالتوبة، والمصر لا غفران له ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب ﴾ يعني قوله في التوراة: من ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يغفر له إلاّ بالتوبة ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ في الكتاب من اشتراط التوبة في غفران الذنوب، والذي عليه المجبرة هو مذهب اليهود بعينه كما ترى.

وعن مالك بن دينار رحمه الله، يأتي على الناس زمان إن قصروا عما أمروا به، قالوا: سيغفر لنا، لأنا لم نشرك بالله شيئاً، كل أمرهم إلى الطمع، خيارهم فيهم المداهنة، فهؤلاء من هذه الأمّة أشباه الذين ذكرهم الله، وتلا الآية ﴿ والدار الآخرة خَيْرٌ ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ الرشا ومحارم الله.

وقرئ: ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ ، (وإلاّ تقولوا)، بالتاء.

وادّارسو، بمعنى تدارسوا.

وأفلا تعقلون، بالياء والتاء.

فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ أَلا يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ﴾ ؟

قلت: هو عطف بيان لميثاق الكتاب.

ومعنى ميثاق الكتاب.

الميثاق المذكور في الكتاب.

وفيه أن إثبات المغفرة بغير توبة خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله.

وتقوّل عليه ما ليس بحق.

وإن فسر ميثاق الكتاب بما تقدم ذكره كان ﴿ أَن لاَّ يِقُولُواْ ﴾ مفعولاً له.

ومعناه: لئلا يقولوا.

ويجوز أن تكون ﴿ أَن ﴾ مفسرة، و ﴿ لاَ تَقُولُواْ ﴾ نهياً، كأنه قيل: ألم يقل لهم لا تقولوا على الله إلاّ الحق؟

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ ؟

قلت: على ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ﴾ ، لأنه تقرير، فكأنه قيل: أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ ﴾ أيْ أعْلَمَ تَفَعَّلَ مِنَ الإيذانِ بِمَعْناهُ كالتَّوَعُّدِ والإيعادِ، أوْ عَزَمَ لِأنَّ العازِمَ عَلى الشَّيْءِ يُؤْذِنُ نَفْسَهُ بِفِعْلِهِ وأُجْرِي مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ كَـ ﴿ عَلِمَ اللَّهُ ﴾ و ﴿ شَهِدَ اللَّهُ ﴾ .

ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِجَوابِهِ وهو: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴾ والمَعْنى وإذْ أوْجَبَ رَبُّكَ عَلى نَفْسِهِ لَيُسَلِّطَنَّ عَلى اليَهُودِ.

﴿ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ ﴾ كالإذْلالِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَخْتُنَصَّرَ فَخَرَّبَ دِيارَهم وقَتَلَ مُقاتِلِيهِمْ وسَبى نِساءَهم وذَرّارِيهِمْ وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وكانُوا يُؤَدُّونَها إلى المَجُوسِ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا  فَفَعَلَ ما فَعَلَ ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

﴿ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ ﴾ عاقَبَهم في الدُّنْيا.

﴿ وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ.

﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا ﴾ وفَرَّقْناهم فِيها بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْلُو قُطْرٌ مِنهم تَتِمَّةً لِأدْبارِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ قَطُّ و ﴿ أُمَمًا ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ أوْ حالٌ.

﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴾ صِفَةٌ أوْ بَدَلٌ مِنهُ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالمَدِينَةِ ونُظَراؤُهم ﴿ وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ تَقْدِيرُهُ ومِنهم أُناسٌ مِن دُونِ ذَلِكَ أيْ مُنْحَطُّونَ عَنِ الصَّلاحِ، وهم كَفَرَتُهم وفَسَقَتُهم.

﴿ وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ﴾ بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ يُنْهَوْنَ فَيَرْجِعُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقطعناهم في الأرض} وفرقناهم فيها فلا تخلوا بلد من فرقة

{أُمَمًا مّنْهُمُ الصالحون} الذين آمنوا منهم بالنمدينة أو الذين وراء الصين {وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك} ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه وهم الفسقة ومحل دُونِ ذَلِكَ الرفع وهو صفة لموصوف محذوف أي ومنهم ناس منحطون عن الصلاح {وبلوناهم بالحسنات والسيئات} بالنعم والنقم والخصب والحدب {لعلهم يرجعون} ينتهوه فينيبون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقَطَّعْناهُمْ ﴾ أيْ: فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ صَيَّرْناهم ﴿ فِي الأرْضِ ﴾ ، وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْلُو قُطْرٌ مِنهم تَكْمِلَةً لِأدْبارِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ، وهَذا مِن مُغَيَّباتِ القُرْآنِ؛ كالَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ قَبْلُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أُمَمًا ﴾ إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْنا وإمّا حالٌ مِن مَفْعُولِهِ.

﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴾ وهم كَما قالَ الطَّبَرِيُّ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وثَبَتَ عَلى دِينِهِ قَبْلَ بَعْثِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وآمَنُوا بِهِ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ وراءَ الصِّينِ، وهو عِنْدِي وراءَ الصِّينِ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والصّالِحُونَ مُبْتَدَأٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِلظَّرْفِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ صِفَةٌ لِأُمَمٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ وهي بَدَلٌ مِن أُمَمٍ عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي، وأنْ تَكُونَ صِفَةَ مَوْصُوفٍ مُقَدَّرٍ هو البَدَلُ عَلى الأوَّلِ، أيْ: قَوْمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴿ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: مُنْحَطُّونَ عَنْ أُولَئِكَ الصّالِحِينَ غَيْرُ بالِغِينَ مَنزِلَتَهم في الصَّلاحِ وهُمُ الَّذِينَ امْتَثَلُوا بَعْضَ الأوامِرِ وخالَفُوا بَعْضًا مَعَ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هُمُ الكَفَرَةُ مِنهم بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ ما يَشْمَلُ الكَفَرَةَ والفَسَقَةَ، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و(دُونَ) عَلى ما ذَكَرَهُ الطَّبَرْسِيُّ مُبْتَدَأٌ إلّا أنَّهُ بَقِيَ مَفْتُوحًا لِتَمَكُّنِهِ في الظَّرْفِيَّةِ مَعَ إضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ، ومِثْلُهُ عَلى قَوْلِ أبِي الحَسَنِ (بَيْنَكُمْ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ أوِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ والظَّرْفُ صِفَتُهُ؛ أيْ: ومِنهم أُناسٌ أوْ فِرْقَةٌ دُونَ ذَلِكَ، ومِنَ المَشْهُورِ عِنْدَ النُّحاةِ أنَّ المَوْصُوفَ بِظَرْفٍ أوْ جُمْلَةٍ يَطَّرِدُ حَذْفُهُ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ كَما فِي: مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ، ومَحَطُّ الفائِدَةِ الِانْقِسامُ إلى أنَّ هَؤُلاءِ مُنْقَسِمُونَ إلى قِسْمَيْنِ، ومِنَ النّاسِ مَن تَكَلَّفَ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِجَعْلِ الظَّرْفِ الأوَّلِ صِفَةَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وجَعَلَ الظَّرْفَ الثّانِيَ خَبَرًا لِما ظَنَّهُ داعِيًا لِذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والإشارَةُ لِلصّالِحِينَ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ اسْمَ الإشارَةِ المُفْرَدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وقِيلَ: أُشِيرَ بِهِ إلى الصَّلاحِ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأفْرادِ ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مُضافٌ وهو أهْلٌ مَثَلًا.

﴿ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ ﴾ الخِصْبِ والعافِيَةِ، ﴿ والسَّيِّئاتِ ﴾ الجَدْبِ والشِّدَّةِ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ: يَتُوبُونَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِمّا نُهُوا عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ واسمها أيلة وذلك أن اليهود قالوا: نحن من أبناء إبراهيم  فلا يعذبنا الله تعالى إلا مقدار عبادة العجل فقال الله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ يعني: أهل القرية التى كانت حاضرة البحر كيف عذبهم الله تعالى بذنوبهم.

ثم أخبر عن ذنوبهم فقال تعالى: إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ يعني: أنهم استحلوا الصيد في يوم السبت.

وقال: يعتدون في يوم السبت.

وأصل الاعتداء هو الظلم.

يقال: عدوت على فلان إذا ظلمته واعتديت عليه.

ثم قال: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً يعني: يوم استراحتهم شوارع في الماء وهو جمع الشارع وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ يعني: إذا لم يكن يوم السبت ويوم الراحة لا تأتيهم.

وإنما تم الكلام عند قوله: تَأْتِيهِمْ ثم ابتدأ فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ يعني: هكذا نختبرهم.

وقال بعضهم: إنما يتم الكلام عند قوله: وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك يعني: لا تأتيهم كما تأتيهم يوم السبت لأن في يوم السبت تأتيهم الحيتان شارعات من أسفل الماء إلى أعلاه وفي سائر الأيام يأتيهم القليل، ولا يأتيهم كما يأتيهم في يوم السبت.

ثم ابتداء الكلام فقال: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: نختبرهم بما كانوا يعصون الله تعالى.

ثم قال عز وجل: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ أي عصبة وجماعة منهم وهي الظلمة للأمة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ لأن الواعظة نهوهم عن أخذ الحيتان، وخوفوهم، فرد عليهم الظلمة لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ قرأ عاصم في إحدى الروايتين مَعْذِرَةً بالنصب يعني: نعتذر إلى ربكم.

وقرأ الباقون مَعْذِرَةً بالضم يعني: هي معذرة يعني: لا ندع الأمر بالمعروف حتى نكون معذورين عند الله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يعني: لعلهم ينتهون فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ يعني: تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا من العذاب الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: عذبنا الذين تركوا أمر الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ يعني: شديد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني: يعصون ويتركون أمر الله تعالى.

وقال ابن عباس-  ما-: كان القوم ثلاثة فرق.

فرقة كانوا يصطادون.

وفرقة كانوا ينهون.

وفرقة لم ينهوا ولم يستحلوا وقالوا للواعظة: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ.

وروى أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: أتيت ابن عباس وهو يقرأ في المصحف ويبكي فدنوت منه حتى أخذت بلوحي المصحف وقلت: ما يبكيك قال: تبكيني هذه السورة وهو يقرأ سورة الأعراف.

وقال: هل تعرف أيلة؟

قلت: نعم.

قال: إن الله تعالى أسكنها حياً من اليهود، وابتلاهم بحيتان حرمها عليهم يوم السبت وأحلها لهم في سائر الأيام.

فإذا كان يوم السبت خرجت إليهم الحيتان.

فإذا ذهب السبت غابت في البحر حتى يغوص لها الطالبون، وإن القوم اجتمعوا واختلفوا فيها.

فقال فريق منهم: إنما حرمت عليكم يوم السبت أن تأكلوها فصيدوها يوم السبت، وكلوها في سائر الأيام.

وقال الآخرون: بل حرم عليكم أن تصيدوها أو تنفروها أو تؤذوها.

وكانوا ثلاث فرق: فرقة على أَيمانهم، وفرقة على شمائلهم، وفرقة على وسطهم فقالت الفرقة اليمنى فجعلت تنهاهم في يوم السبت، وجعلت تقول: الله يحذركم بأس الله.

وأما الفرقة اليسرى فأمسكت أيديها، وكفت ألسنتها.

وأما الوسطى فوثبت على السمك تأخذه.

وجعلت الفرقة الأخرى التي كفت أيديها، وألسنتها، ولم تتكلم.

تقول: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فقال: الَّذِينَ يَنْهَوْنَ مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فدخل الذين أصابوا السمك إلى المدينة، وأبى الآخرون أن يدخلوا معهم فغدا هؤلاء الذين أبوا أن يدخلوا المدينة.

فجعلوا ينادون من فيها فلم يجبهم أحد.

فقالوا: لعل الله خسف بهم، أو رموا من السماء بحجارة، فارفعوا رجلاً ينظر، فجعلوا رجلاً على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة تتعادى ولها أذناب قد غيّر الله تعالى صورهم بصنيعهم.

فصاح إلى القوم فإذا هم قد صاروا قردة، فكسروا الباب، ودخلوا منازلهم، فجعلوا لا يعرفون أنسابهم، ويقولون لهم: ألم ننهكم عن معصية الله تعالى ونوصيكم؟

فيشيرون برءوسهم بلى ودموعهم تسيل على خدودهم.

فأخبر الله تعالى أنه أنجى الذين ينهون عن السوء، وأخذ الذين ظلموا.

قوله: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ.

ولا يدرى ما صنع بالذين لم ينهوا ولم يأخذوا.

وقال عكرمة: بل أهلكهم الله لأنه أنجى الذين ينهون عن السوء.

وأهلك الفريقين الآخرين.

فوهب له ابن عباس بردة بهذا الكلام.

وروي في رواية أُخرى أنهم كانوا يأخذون الحظائر والحياض بجنب البحر، ويسيلون الماء فيها يوم السبت من البحر حتى يدخل فيها السمك، ويأخذونه في يوم الأحد فقالوا: إنا نأخذه في يوم الأحد.

فلما لم يعذبوا استحلوا الأخذ في يوم السبت من البحر وقالوا: إنما حرم الله على أبنائنا ولم يحرم علينا فنهاهم الصلحاء فلم يمتنعوا، فضربوا حائطاً بينهم، وصارت الواعظة في ناحية، والذين استحلوا في ناحية والحائط بين الفريقين.

فأصبحوا في يوم من الأيام ولم يفتح الباب الذي بينهما، فارتقى واحد منهم الحائط، فإذا القوم قد مسخوا إلى قردة.

وقال بعضهم: كان القوم أربعة أصناف صنف يأخذون، وصنف يرضون، وصنف ينهون، وصنف يسكتون، فنجا صنفان، وهلك صنفان.

قال بعضهم: كانوا صنفين صنف يأخذون، وصنف ينهون.

وروى قتادة عن ابن عباس-  - أنه قال: كانوا ثلاث فرق فهلك الثاني، ونجا الثالث، والله أعلم ما فعل بالفرقة الثالثة.

قرأ نافع بعذاب بِيْس بكسر الباء وسكون الياء بلا همز.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بعذاب بَيْأَس بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة.

وقرأ الباقون: بِعَذابٍ بَئِيسٍ بنصب الباء وكسر الياء والهمزة وسكون الياء وهي اللغة المعروفة، والأولى لغة لبعض العرب.

ثم قال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ يعني: تركوا ما وعظوا به قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ يعني: صاغرين مبعدين عن رحمة الله.

قوله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ يعني: أعلم ربك ويقال: قال ربكم وكل شيء في القرآن تأذن فهو إعلام.

ومعناه قال: لَيَبْعَثَنَّ أي ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ أي على بني إسرائيل، والذين لا يؤمنون بمحمد  مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني: يعذبهم بالجزية والقتل إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ إذا عاقب من أصرّ على كفره وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ لمن تاب من الشرك رَحِيمٌ بعد ذلك.

ثم قال: وَقَطَّعْناهُمْ أي فرقناهم فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي فرقاً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ أي المؤمنون وهم مؤمنوا أهل الكتاب.

ويقال: هم الذين وراء رمل عالج وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وهم الكفار منهم وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ يعني: اختبرناهم بالخصب والجدوبة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من الكفر إلى الإيمان.

ثم قال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ يعني: بعد بني إسرائيل خلف السوء وَرِثُوا الْكِتابَ يعني: التوراة يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى يقول: يستحلون أخذ الحرام من هذه الدنيا وهو الرشوة في الحكم وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا قال مجاهد: يعني: يأخذون ما يجدون حلالاً أو حراماً ويتمنَّون المغفرة وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي وإن يجدوا مثله من العرض يأخذوه.

ويقال: معناه أنهم يصرون على الذنوب وأكل الحرام، فإذا أخذوا أول النهار يعودون إليه في آخر النهار ولا يتوبون عنه.

ويقال: يطلبون بعلمها الدنيا.

ويقال: يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا هذه المرة.

وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ويقولون مثل ذلك: أي سيغفر لنا لأنا لا نشرك بالله شيئاً.

وقال سعيد بن جبير: يأخذون عرض هذا الأدنى.

يقول: يعملون بالذنوب.

ويقولون: سيغفر لنا ما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار.

وما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل.

وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ يعني: الذنوب.

قال الله تعالى: أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ يعني: ألم يؤخذ عليهم ميثاقهم في التوراة أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: إلا الصدق وَدَرَسُوا مَا فِيهِ أي قرءوا ما فيه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي: يتقون الشرك، ويحلون حلاله، ويحرمون حرامه أَفَلا تَعْقِلُونَ أن الآخرة خير من الدنيا.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ ما يدرسون من الكتاب.

ويقال: أَفَلا يَعْقِلُونَ أن الإصرار على الذنوب ليس من علامة المغفورين، قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص أَفَلاَ تَعْقِلُونَ بالتاء على وجه المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء على وجه المغايبة.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ يعني: يعملون بالتوراة ولا يغيرونها عن مواضعها وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلاة المفروضة إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ يعني: عمل الموحدين وهم الذين يمسكون بالكتاب، وأقاموا الصلاة.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر يُمَسِّكُونَ بالتخفيف.

وقرأ الباقون يُمَسِّكُونَ بالتشديد على معنى المبالغة.

ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى قوله كَذلِكَ الإشارةُ إلى أمر الحُوت، وفِتنَتِهِمْ به، هذا على من وَقَفَ على تَأْتِيهِمْ، ومن وقف على كَذلِكَ، فالإشارة إِلى كثرة الحيتانِ شُرَّعاً، أي: فما أتى منها يوم لا يسبتون، فهو قليل، ونَبْلُوهُمْ، أي: نمتحنهم بِفِسْقهم وعِصْيانهم، وقد تقدَّم في «البقرة» قصصهم.

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً.

قال جمهور المفسِّرين: إن بني إِسرائيل افترقت ثلاثَ فرقٍ: فرقةٌ عصَتْ، وفرقةٌ نهَتْ، وجاهَرَتْ وتكلَّمَت واعتزلت، وفرقةٌ اعتزلت، ولم تَعْصِ ولم تَنْهِ، وأن هذه الفرقة لما رأتْ مجاهرة الناهية، وطُغيانَ العاصيةِ وعَتُوَّهَا، قالَتْ للناهية: لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً، يريدونّ: العاصيةَ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، فقالت الناهية: موعظتنا معذرة إِلى اللَّه، أي: إِقامة عُذْر، ومعنى مُهْلِكُهُمْ، أيُّ: في الدنيا، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ، [أي] : في الآخرةِ، والضمير في قوله: نَسُوا للمَنْهِيين، وهو تَرْكٌ سُمِّيَ نِسياناً مبالغةً، و «ما» في قوله: مَا ذُكِّرُوا بِهِ بمعنى الَّذي، والسُّوءِ: لفظ عامٌّ في جميع المعاصي إِلاَّ أنَّ الذي يختصُّ هنا بحَسَب قصص الآيةِ هو صيد الحوت، والَّذِينَ ظَلَمُوا: هم العاصُونَ، وقوله: بِعَذابٍ بَئِيسٍ معناه: مؤلمٌ موجِعٌ شديدٌ، واختلف في الفرقة التي لم تعص ولم تنه، فقيل: نجت مع الناجين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وقوله: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، أي: لأجل ذلك، وعقوبةً عليه، والعُتُوُّ الاستعصاء وقلَّة الطواعية.

وقوله سبحانه: قُلْنا لَهُمْ كُونُوا، يحتمل أن يكون قولاً بلفظ مِنْ مَلَك أسْمَعَهم فكَانَ أذْهَبَ في الإِعراب والهَوْلِ والإِصغارِ، ويحتمل أن يكون عبَارةً عن القدرة المكوّنة لهم قردة، وخاسِئِينَ: معناه مبعَدِين ف «خاسئين» خبر بعد خبرٍ، فهذا اختيار أبي الفَتْح، وضعَّف الصفَة، فرُوِيَ أنَّ الشباب منهم مُسِخُوا قردةً، والرجالَ الكبارَ مسخوا خنازير.

وقوله سبحانه: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ معنى هذه الآية: وإِذْ علم اللَّه لَيَبْعَثَنَّ، وتقتضي قوَّة الكلام أنَّ ذلك العلْمَ منه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: فَرَّقْناهم فِرَقًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ، لَيْسَ مِن بَلَدٍ إلّا وفِيهِ مِنهم طائِفَةٌ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هم بَنُو إسْرائِيلَ.

وقِيلَ: مَعْناهُ شَتاتُ أمْرِهِمْ وافْتِراقُ كَلِمَتِهِمْ.

﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿ وَمِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ وهُمُ الكُفّارُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ عِيسى، وقَبْلَ ارْتِدادِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَلَوْناهُمْ ﴾ أيِ: اخْتَبَرْناهم بِالحَسَناتِ وهي الخَيْرُ، والخَصْبُ، والعافِيَةُ، والسَّيِّئاتُ وهي الجَدْبُ، والشَّرُّ، والشَّدائِدُ؛ فالحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تَحُثُّ عَلى الطّاعَةِ، أمّا النِّعَمُ فَطَلَبُ الِازْدِيادِ مِنها، وخَوْفُ زَوالِها، والنِّقَمُ فَلِكَشْفِها، والسَّلامَةِ مِنها، ﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ: لِكَيْ يَتُوبُوا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبُّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ بِنْيَةُ "تَأذَّنَ" هي الَّتِي تَقْتَضِي التَكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ، وآذَنَ أيْ أعْلَمَ، مِثْلُ كَرُمَ وأكْرَمَ وتَكَرَّمَ، إلّا أنَّ تَعَلَّمَ (وَما جَرى مَجْرى هَذا الفِعْلِ) إذا كانَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَلْحَقْهُ مَعْنى التَكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، فَإنَّما يَتَرَتَّبُ بِمَعْنى عِلْمِ صِفَةٍ لا بِتَكَسُّبٍ، بَلْ هي قائِمَةٌ بِالذاتِ، وإلى هَذا المَعْنى يَنْحُو الشاعِرُ بِقَوْلِهِ: تَعَلَّمْ أبَيْتَ اللَعْنَ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَعَلُّمِ الَّذِي يَقْتَضِي جَهالَةً، وإنَّما أرادَ أنْ يُوقِفَهُ عَلى قُوَّةِ عِلْمِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ الناسِ حَيٌّ ∗∗∗ ∗∗∗ يُنادى في شِعارِهِمُ يَسارُ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذْ عَلِمَ اللهُ لِيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ، ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: "عَلِمَ اللهُ لِأفْعَلَنَّ كَذا"، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: أعْلَمَ، وهو قَلِقٌ مِن جِهَةِ التَصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ "تَأذَّنَ" إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ "أعْلَمَ"، وتَبَيُّنُ ذَلِكَ مِنَ التَعَدِّي وغَيْرِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: "تَأذَّنَ" مَعْناهُ: قالَ، ورُوِيَ عنهُ أنَّ مَعْناهُ: أمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى: "تَأذَّنَ": تَأْلّى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللامِ في الجَوابِ، وأمّا اللَفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عن هَذا.

والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" لِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لا لِلضَّمِيرِ في "لَهُمْ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَسُومُهُمْ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي إشارَةٌ إلى العَذابِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى مُحَمَّدٍ  وأُمَّتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ مَن حالُ اليَهُودِ مَعَهُ هَذِهِ الحالُ، ويَسُومُهم مَعْناهُ: يُكَلِّفُهم ويُحَمِّلُهُمْ، و ﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ الظاهِرُ مِنهُ الجِزْيَةُ والإذْلالُ، وقَدْ حَتَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هَذا وحَطَّ مُلْكَهُمْ، فَلَيْسَ في الأرْضِ رايَةٌ لِيَهُودِيٍّ، وقالابْنُ المُسَيِّبِ: فَيُسْتَحَبُّ أنْ تُتْعَبَ اليَهُودُ في الجِزْيَةِ، ولَقَدْ حَدَّثَ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُومِ أمَلَكَتْ في صُقْعِها، فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهُمُ الساكِنَةَ مَعَهم وتَمَلَّكُوهم.

ثُمَّ حَسُنَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ -لِتَضَمُّنِها الإيقاعَ بِهِمْ والوَعِيدَ- أنْ يُنَبِّهَ عَلى سُرْعَةِ عِقابِ اللهِ ويُخَوِّفَ بِذَلِكَ تَخْوِيفًا عامًّا لِجَمِيعِ الناسِ، ثُمَّ رَجّى ذَلِكَ لُطْفًا مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَوْلُهُ وتَعالى: ﴿ وَقَطَّعْناهُمْ ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْناهم في الأرْضِ، قالَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ما في الأرْضِ بُقْعَةٌ إلّا وفِيها مَعْشَرٌ مِنَ اليَهُودِ، والظاهِرُ في المُشارِ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُمُ الَّذِينَ بَعَدَ سُلَيْمانَ وقْتَ زَوالِ مُلْكِهِمْ، والظاهِرُ أنَّهُ قَبْلَ مُدَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ صالِحٌ بَعْدَ كُفْرِهِمْ بِعِيسى  ، وفي التَوارِيخِ في هَذا الفَصْلِ رِواياتٌ مُضْطَرِبَةٌ، والصالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ أنْ يُرادَ بِها صَلاحُ الإيمانِ، فَـ "دُونَ" بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ فَـ "دُونَ ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مُؤْمِنِينَ.

﴿ وَبَلَوْناهُمْ ﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّاهُمْ، والحَسَناتُ: الصِحَّةُ والرَخاءُ ونَحْوُ هَذا مِمّا هو بِحَسَبِ رَأْيِ ابْنِ آدَمَ ونَظَرِهِ، والسَيِّئاتُ: مُقابَلاتُ هَذِهِ.

وقَوْلُهُ: "لَعَلَّهُمْ" أيْ بِحَسَبِ رَأْيِكم لَوْ شاهَدْتُمْ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ إلى الطاعَةِ ويَتُوبُونَ مِنَ المَعْصِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف قصة على قصة، وهو عود إلى قصص الإخبار عن أحوالهم، فيجوز أن يكون الكلام إشارة إلى تفرقهم بعد الاجتماع، والتقطيع التفريق، فيكون محموداً مثل ﴿ وقطّعناهم اثنتي عشرة أسباطاً ﴾ [الأعراف: 160]، ويكون مذموماً، فالتعويل على القرينة لا على لفظ التقطيع.

فالمراد من الأرض الجنس أي في أقطار الأرض.

و ﴿ أمماً ﴾ جمع أمّة بمعنى الجماعة، فيجوز أن يكون المراد هنا تقطيعاً مذموماً أي تفريقاً بعد اجتماع أمتهم فيكون إشارة إلى أسر بني إسرائيل عندما غزا مملكة إسرائيل (شلمناصرُ) مَلك بابل.

ونقلهم إلى جبال انشور وأرض بابل سنة 721 قبل الميلاد.

ثم أسر (بُخْتنصّر) مملكة يهوذا وملكها سنة 578 قبل الميلاد، ونقل اليهود من (أرشليم) ولم يبق إلاّ الفقراء والعجّز.

ثم عادوا إلى أرشليم سنة 530، وَبَنوْا البيت المقدس إلى أن أجلاهم (طيطوس) الروماني، وخرّب بيت المقدس في أوائل القرن الثاني بعد الميلاد، فلم تجتمع أمتهم بعد ذلك فتمزقوا أيدي سبأ.

ووصف الأمم بأنهم ﴿ منهم الصالحون ﴾ إيذان بأن التفريق شمل المذنبين وغيرهم، وأن الله جعل للصالحين منزلة إكرام عند الأمم التي حلّوا بينها، كما دل عليه قوله: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيّئات ﴾ .

وشمل قوله: ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ كل من لم يكن صالحاً على اختلاف مراتب فقدان الصلاح منهم.

و ﴿ الصالحون ﴾ هم المتمسكون بشريعة موسى والمصدقون للأنبياء المبعوثين من بعده والمؤمنون بعيسى بعد بعثته، وأن بني إسرائيل كانوا بعد بعثة عيسى غير صالحين إلاّ قليلاً منهم: الذين آمنوا به، وزادوا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم إيمانهم به، بُعداً عن الصلاح إلاّ نفراً قليلاً منهم مثل عبد لله بن سَلام، ومخيريق.

وانتصب ﴿ دونَ ذلك ﴾ على الظرفية وصفاً لمحذوف دل عليه قوله: ﴿ منهم ﴾ أي ومنهم فريق دون ذلك، ويجوز أن تكون (مِن) بمعنى بعض اسماً عند من يجوّز ذلك، فهي مبتدأ، و ﴿ دون ﴾ خبر عنه.

ويحتمل أن تكون الآية تشير إلى تفريقهم في الأرض في مدة ملوك بابل، وإنهم كانوا في مدة إقامتهم ببابل ﴿ منهم الصالحون ﴾ مثل (دانيال) وغيره، ومنهم دون ذلك، لأن التقسيم بمِنهم مشعر بوفرة كلا الفريقين.

وقوله: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ أي أظهرنا مختلف حال بني إسرائيل في الصبر والشكر، أو في الجزع والكفر، بسبب الحسنات والسيئات، فهي جمع حسنة وسيئة بمعنى التي تَحسن والتي تَسوء، كما تقدم في قوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئةٌ يطيّروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131] وعلى هذا يكون الحسنات والسيئات تفصيلاً للبلوى، فالحسنات والسيئات من فعل الله تعالى، أي بالتي تحسن لفريق الصالحين وبالتي تسوء فريق غيرهم، توزيعاً لحال الضمير المنصوب في قوله: ﴿ بلوناهم ﴾ .

وجملة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ استئناف بياني أي رجاء أن يتوبوا أي حين يذكرون مدة الحسنات والسيئات، أو حين يرون حسن حال الصالحين وسوء حال من هم دون ذلك، على حسب الوجهين المتقدمين.

والرجوع هنا الرجوع عن نقض العهد وعن العصيان، وهو معنى التوبة.

هذا كله جري على تأويل المفسرين الآية في معنى ﴿ قَطّعناهم ﴾ .

ويجوز عندي أن يكون قوله: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ ، عوداً إلى أخبار المنن عليهم، فيكون كالبناء على قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ [الأعراف: 160]، فيكون تقطيعاً محموداً، والمراد بالأرض: أرض القدس الموعودة لهم أي لكثرناهم فعمروها جميعها، فيكون ذكر الأرض هنا دون آية ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً ﴾ [الأعراف: 160] للدلالة على أنهم عمروها كلها، ويكون قوله: ﴿ منهم الصالحون ﴾ إنصافاً لهم بعد ذكر أحوال عدوان جماعاتهم وصم آذانهم عن الموعظة، وقوله: ﴿ وبلوناهم ﴾ إشارة إلى أن الله عاملهم مرة بالرحمة ومرة بالجزاء على أعمال دهمائهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا ﴾ أيْ فَرَّقْناهم فِيها فِرَقًا.

وَفي تَفْرِيقِهِمْ فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: زِيادَةٌ في الِانْتِقامِ مِنهم.

والثّانِي: لِيَذْهَبَ تَعاوُنُهم.

والثّالِثُ: لِيَتَمَيَّزَ الصّالِحُ مِنَ المُفَسِّرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالثَّوابِ والعِقابِ.

والثّانِي: بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ.

والثّالِثُ: بِالخِصْبِ والجَدْبِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ مَعْناهُ فَخَلَفَهم خَلْفٌ، والخَلْفُ بِتَسْكِينِ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في الذَّمِّ.

وَبِفَتْحِ اللّامِ مُسْتَعْمَلٌ في الحَمْدِ.

وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ.

مَعْناها [واحِدٌ] مِثْلُ الأثَرِ والإثْرِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وهو في قَوْلِ الشُّعَراءِ أشْهَرُ، قالَ بَعْضُهُمْ: خَلَّفْتُ خَلْفًا لَيْتَ بِهِمْ كانَ، لا بِكَ التَّلَفُ وَفِي الخَلْفِ وجْهانِ: أحَدُهُما: القَرْنُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: أنَّهُ جَمْعُ خالِفٍ.

﴿ وَرِثُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي انْتَقَلَ إلَيْهِمُ انْتِقالَ المِيراثِ مِن سَلَفٍ إلى خَلَفٍ وفِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مِن خَلْفِ اليَهُودِ مِن أبْنائِهِمْ.

والكِتابُ الَّذِي ورِثُوهُ التَّوْراةُ لِانْتِقالِها لَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى: لِأنَّهم خَلَفٌ مِنَ اليَهُودِ.

والكِتابُ الَّذِي ورِثُوهُ: الإنْجِيلُ لِحُصُولِهِ مَعَهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ﴾ يَعْنِي الرَّشْوَةَ عَلى الحُكْمِ في قَوْلِ الجَمِيعِ وسَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.

وَفي وصْفِهِ بِالأدْنى وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأخْذِهِ في الدُّنْيا الدّانِيَةِ.

والثّانِي: لِأنَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ الدَّنِيَّةِ.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَغْفُورٌ، لا نُؤاخِذُ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ذَنْبٌ لَكِنَّ اللَّهَ قَدْ يَغْفِرُهُ لَنا تَأْمِيلًا مِنهم لِرَحْمَتِهِ.

﴿ وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ إصْرارٍ عَلى الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم لا يُشْبِعُهم شَيْءٌ، فَهم لا يَأْخُذُونَهُ لِحاجَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ألّا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ في تَحْرِيمِ الحُكْمِ بِالرِّشا.

والثّانِي: في جَمِيعِ الطّاعاتِ والمَعاصِي والأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿ وَدَرَسُوا ما فِيهِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَرَكُوا ما فِيهِ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ حَتّى صارَ دارِسًا.

والثّانِي: أنَّهم قَدْ تَلَوْهُ ودَرَسُوهُ فَهم لا يَجْهَلُونَ ما فِيهِ ويَقُومُونَ عَلى مُخالَفَتِهِ مَعَ العِلْمِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربك...

﴾ الآية.

قال: الذين يسومونهم سوء العذاب محمد وأمته إلى يوم القيامة، وسوء العذاب الجزية.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ الآية.

قال: هم اليهود، بعث عليهم العرب يجبونهم الخراج فهو سوء العذاب، ولم يكن من نبي جبا الخراج إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة ثم كفَّ عنه ولا النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي قوله: ﴿ وقطعناهم...

﴾ الآية.

قال: هم اليهود بسطهم الله في الأرض، فليس في الأرض بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ يقول: قال ربك: ليبعثن عليهم قال: على اليهود والنصارى إلى يوم القيامة ﴿ من يسومهم سوء العذاب ﴾ فبعث الله عليهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأخذون منهم الجزية وهم صاغرون ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ قال: يهود ﴿ منهم الصالحون ﴾ وهم مسلمة أهل الكتاب ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ قال: اليهود ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ قال: الرخاء والعافية ﴿ والسيئات ﴾ قال: البلاء والعقوبة.

وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ ما الأمم؟

قال: الفرق، وقال فيه بشر بن أبي حازم: من قيس غيلان في ذوائبها ** منهم وهم بعد قادة الأمم وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ قال: بالخصب والجدب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ﴾ ، قال ابن عباس: (يريد: فرقناهم في جميع البلاد) (١) قال أهل المعاني (٢) (٣) وقوله تعالي: ﴿ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ ﴾ .

قال ابن عباس (٤) (٥)  وآمنوا به).

وقال الكلبي: (يعني: الذين ذكرهم في قوله: ﴿ وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ  ﴾ ، وهم الذين وراء الصين) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ ﴾ ، قال: (يريد: الذين كفروا) (٧) وقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ ﴾ ، أي: عاملناهم معاملة المبتلي المختبر.

﴿ بِالْحَسَنَاتِ ﴾ ، وهي: النعيم والخصب والعافية، ﴿ وَالسَّيِّئَاتِ ﴾ وهي: الجدب والشدائد (٨) قال أهل المعاني: (وكل واحد من الحسنات والسيئات يدعو إلى الطاعة، أما النعم فلارتباطها والازدياد (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

قال ابن عباس: (يريد: كي يتوبوا) (١١) قال أهل المعاني: (إنهم مارَّون على وجوههم في جهة الباطل ، فدعوا إلى الرجوع عنه إلى جهة الحق، والانصرافُ عن الباطل رجوعٌ إلى الحق).

(١) أخرج الطبري 9/ 104، وابن أبي حاتم 5/ 1605 بسند جيد نحوه، وفي "الدر المنثور" 3/ 255، و"مسائل نافع بن الأزرق" ص 164 عن ابن عباس قال: ( ﴿ أُمَمًا ﴾ أي: فرق).

(٢) لفظ: (قال أهل المعاني فرقهم الله تعالى) ساقط من (أ).

(٣) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 231، و"تفسير غريب القرآن" 1/ 182، و"تفسير الطبري" 9/ 104، و"معاني النحاس" 3/ 98، و"تفسير الماوردي" 2/ 274.

(٤) ذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 261، والبغوي 3/ 295، والرازي 15/ 42، والخازن 2/ 304 عن ابن عباس ومجاهد.

(٥) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1605 بسند جيد.

(٦) "تنوير المقباس" 2/ 137، وذكره الثعلبي 6/ 15 ب، والبغوي 3/ 295، ورجح الطبري 9/ 104، الخازن 2/ 304: أنهم من آمن بالله ورسوله وثبت منهم على دينه قبل مبعث عيسى -عليه الصلاة والسلام -، قال الخارن: (هذا هو الصحيح ويدل عليه قوله بعد: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ  ﴾ والخلف بعد الذين وصفهم بالصلاح من بني إسرائيل) اهـ.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" 2/ 137.

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 9/ 104، و"معاني النحاس" 3/ 98، والسمرقندي 1/ 578، والماوردي 2/ 274.

(٩) في (أ): (ولازديادها وأما).

(١٠) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 3/ 280، والرازي 15/ 43، والخازن 2/ 304.

(١١) "تنوير المقباس" 2/ 137، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 262.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وقطعناهم فِي الأرض ﴾ أي فرقناهم في البلاد، ففي كل بلدة فرقة منهم، فليس لهم إقليم يملكونه ﴿ مِّنْهُمُ الصالحون ﴾ هم من أسلم كعبد الله بن سلام أو من كان صالحاً من المتقدمين منهم ﴿ بالحسنات والسيئات ﴾ أي بالنعم والنقم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تغفر ﴾ بالتاء الفوقانية مضمومة وفتح الفاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: بالنون وكسر الفاء ﴿ خطاياكم ﴾ مجموعاً جمع التكسير: أبو عمرو ﴿ خطيئتكم ﴾ بالرفع وعلى الواحدة: ابن عامر ﴿ خطيئاتكم ﴾ بالرفع مجموعاً جمع السلامة: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب والمفضل.

الباقون: مثله ولكن بالنصب الذي يليق بجمع سلامة المؤنث.

﴿ يسبتون ﴾ من الإسبات.

زيد عن المفضل معذررة بالنصب حفص والمفضل.

الباقون: بالرفع ﴿ يئس ﴾ مثل رئم: أبو جعفر ونافع ﴿ بيِّس ﴾ على فعيل كسيد: ابن عامر ﴿ بيئس ﴾ على فيعل بفتح العين: الأعشى والبرجمي.

الباقون ﴿ بئيس ﴾ على فعيل.

﴿ تأذن ﴾ بالتليين: الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف ﴿ تعقلون ﴾ بتاء الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان وسهل ويعقوب وحفص.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يمسكون ﴾ من الإمساك: أبو بكر وحماد والآخرون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ أمماً ﴾ ط وإن اتفقت الجملتان لأن ﴿ أوحينا ﴾ عامل ﴿ إذا استسقاه ﴾ دون ﴿ قطعنا ﴾ فإن تفريق الأسباط لم يكن في زمان الاستسقاء ﴿ الحجر ﴾ ط للحذف مع اتحاد الكلام أي فضرب فانبجست ﴿ عيناً ﴾ ط ﴿ مشربهم ﴾ ط ﴿ والسلوى ﴾ ط ﴿ ما رزقناكم ﴾ ط لحذف جمل أي قلنا كلوا ولا تدخروا فادخروا فانقطع عنهم ﴿ وما ظلمونا ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ خطيئاتكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ البحر ﴾ لا كيلا يصير ما بعده ظرفاً لقوله ﴿ وأسألهم ﴾ فإنه محال ﴿ لا تأتيهم ﴾ ج لاحتمال تعلق ﴿ كذلك ﴾ به أي يوم لا يسبتون لا تأتيهم إتياناً كإتيانهم يوم السبت.

والأصح أن كذلك صفة مصدر محذوف أي نبلوهم بلاء كذلك فالوقف على ﴿ كذلك ﴾ جائز أيضاً ﴿ يفسقون ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ وأمماً ﴾ ج لاحتمال كون ما بعده صفة أو مستأنفاً ﴿ دون ذلك ﴾ ز للعطف على ﴿ قطعنا ﴾ فإن لم تجعل الجار صفة للأمم كان عطفاً مع عارض ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ سيغفر لنا ﴾ ج ﴿ يأخذوه ﴾ ط ﴿ يتقون ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ الصلاة ﴾ ص على تقدير حذف أي لا نضيع أجرهم إذ هم المصلحون ﴿ ولا نضيع أجر المصلحين ﴾ ، وللوصل وجه على تقدير وضع الظاهر موضع الضمير أي إنا لا نضيع أجرهم المصلحين ﴿ واقع بهم ﴾ ط الحق المحذوف ﴿ تتقون ﴾ ه.

التفسير: إنه  ختم قصة بني إسرائيل بتعداد جمل من أحوالهم تبصرة للمكلفين بعدهم.

ومعنى ﴿ قطعناهم ﴾ أي صيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم عن بعض كيلا يتحاسدوا ويتباغضوا فيقع بينهم الفتن والهرج.

الأسباط أولاد الأولاد جمع سبط وأصله من السبط نبت يعتلفه الإبل فكان الأب كالشجرة والأولاد كالأغصان الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل من العرب وههنا سؤال وهو أن مميز ما عدا العشرة إلى تسعة وتسعين مفرد فهلا قيل اثني عشر سبطاً؟

وأجيب بأن كل قبيلة أسباط لا سبط فوضع أسباطاً موضع قبيلة كقوله: بين رماحي مالك ونهشل *** ولهذا أنث اثنتي عشرة وقال الزجاج: المميز محذوف و ﴿ أسباطاً ﴾ نعت لذلك المحذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة أسباطاً.

وقال الفارسي والجوهري: ﴿ أسباطاً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ والمميز كما قال الزجاج.

وقوله ﴿ أمماً ﴾ بدل من ﴿ اثنتي عشرة ﴾ لأن كل أسباط كانت جماعة كثيرة العدد تؤم خلاف ما كانت تؤمه الأخرى.

وباقي الآية إلى قوله ﴿ بما كانوا يظلمون ﴾ قد مر تفسيره في البقرة، وكذا بيان المتشابهات فلنذكر النوع الآخر من أحوالهم.

قوله تعالى ﴿ واسئلهم عن القرية ﴾ أي عن أهلها وليس المقصود تعرف هذه القصة من قبل اليهود لأنها معلومة للرسول  من قبل الله  ، ولكن المراد تقرير ما كانوا قد أقدموا عليه من الاعتداء والفسق ليعلم أن لهم سابقة في ذلك، وليس كفرهم بمحمد  أول مناكيرهم.

وقد يقول الإنسان لغيره: هل كان هذا الأمر كذا وكذا ليعرف ذلك الغير أنه محيط بتلك القصة؟

وفيه أنه إذا أعلمهم به من لم يقرأ كتاباً ولم يتعلم علماً كان ذلك مستفاداً من الوحي فيكون معجزاً.

والأكثرون على أن تلك القرية أيلة، وقيل مدين، وقيل طبرية، والعرب تسمي المدينة قرية.

ومعنى ﴿ حاضرة البحر ﴾ قريبة من البحر وعلى شاطئه ﴿ إذ يعدون في السبت ﴾ يتجاوزون حد الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت.

ومحل ﴿ إذ يعدون ﴾ مجرور بدلاً عن القرية بدل الاشتمال أي واسألهم عن وقت عدوانهم.

قال في الكشاف: يجوز أن يكون منصوباً بحاضرة أو بكانت بناء على أن كان الناقصة تعمل في غير الاسم والخبر وفيه نظر إذ لا معنى لكون القرية حاضرة البحر في وقت العدوان لأنها حاضرته في جميع الأحيان وقوله ﴿ إذ تأتيهم ﴾ منصوب بـ ﴿ يعدون ﴾ أو مجرور بدلاً بعد بدل.

والحيتان جمع الحوت وهو السمكة ﴿ شرعاً ﴾ ظاهرة على وجه الماء جمع شارع كركع وراكع وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة إذا دنت من الطريق، ونجوم شوارع إذا دنت من المغيب، فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها، وعن الحسن تشرع على ابوابهم كأنها الكباش البيض.

وقال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به وهو يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله  به وحرم عليهم الصيد فيه، وباقي القصة مذكور في البقرة، وفيها دلالة على أن من أطاع الله تعالى خفف عليه أهوال الدنيا والآخرة، ومن عصاه ابتلاه بأنواع البلايا والمحن.

قالت الأشاعرة: لو وجب رعاية الأصلح على الله  لوجب أن لا يكثر الحيتان في ذلك اليوم صوناً لهم عن الكفر والمعصية وهذا الاعتراض وارد على خلق إبليس وسائر أسباب الشرور.

والنوع الثالث قوله ﴿ وإذ قالت ﴾ وهو معطوف على ﴿ إذ يعدون ﴾ وحكمه حكمه في الإعراب ﴿ أمة منهم ﴾ جماعة من صلحاء أهل القرية الذين بالغوا في موعظتهم حتى آيسوا الآخرين كانوا لا يتركون وعظهم ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ مدمرهم ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ لعلمهم بأن عاقبة المعصية شؤم والمنهمك في الفساد لا يكاد يفلح ﴿ قالوا معذرة ﴾ من رفع فبتقدير هذه أو موعظتنا أو قولنا إبداء عذر إلى الله.

والمعذرة مصدر كالمغفرة، ومن نصب فعلى أنَّا نعتذر معذرة أو وعظناهم معذرة إلى ربكم أي إذا طولبنا بإقامة النهي عن المنكر قلنا قد فعلنا فنكون بذلك معذورين ﴿ ولعلهم يتقون ﴾ ولأَنّا نرجو أن يتقوا بعض الاتقاء فيتركوا الصيد في السبت ﴿ فلما نسوا ﴾ يعني أهل القرية تركوا ما ذكرهم به الصالحون ﴿ أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ﴾ ومعناه على اختلاف القراءات شديد من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر في قوله ﴿ فلما عتوا ﴾ تكبروا وتمردوا أو أبوا عن ترك ما نهوا عنه بحذف المضاف لأن الإباء عن المنهي عنه يكون طاعة ﴿ قلنا لهم كونوا قردة خاسئين ﴾ والمراد أمر التكوين والإيجاد لا أن هناك قولاً.

وقيل: فلما عتوا تكرير لقوله ﴿ فلما نسوا ﴾ والعذاب البئيس هو المسخ.

عن الحسن: أكلوا والله أوخم أكلة أكلها أهلها أثقلها خزياً في الدنيا وأطولها عذاباً في الآخرة.

هاه وأيم الله ما حوت أخذه قوم فأكلوه أعظم عند الله من قتل رجل مسلم ولكن الله جعل موعداً والساعة أدهى وأمر.

وقد ذكرنا هذه القصة مع تحقيق المسخ في سورة البقرة إلا أنه بقي ههنا بحث هو أن أهل القرية كم فرقة كانوا؟

فقيل: فرقتان المذنبة والواعظة، وأما الأمة القائلة "لم تعظون" فهم المذنبة بعينها قالوا للفرقة الواعظة ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم ﴾ بزعمكم.

والاعتراض على هذا القول أنه لو صح ذلك لكان اللائق أن يقال في الجواب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون لأن الجميع خطاب من الفرقة الناهية للفرقة العاصية.

والصحيح أنهم ثلاث فرق فرقة مذنبة وفرقة واعظة وفرقة قالوا للواعظين ﴿ لم تعظون ﴾ أما المذنبة فقد هلكوا بالاتفاق، وأما الواعظة فقد نجوا.

بقي الكلام في الثالثة: فعن ابن عباس أنه توقف فيهم وكان يقول فيهم ليت شعري ما فعل بهؤلاء.

وعنه أيضاً أنهم هلكوا وكان إذا قرىء عليه هذه الآية بكى.

وقال: أن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولانقول شيئاً.

وعن الحسن أنهم نجوا لأنهم كانوا ينكرون عليهم ويحكمون بأن الله سيهلكهم أو يعذبهم وإنما تركوا الوعظ لأنهم لم يروا فيه غرضاً صحيحاً لعلمهم بحال لقوم، وإذا علم الناهي بحال المنهي وأن النهي لا ينجع فيه سقط عنه النهي.

ولعل الواعظين لم يستحكم يأسهم بعد كما استحكم يأس هؤلاء أو لعلهم كانوا أحرص الطائفتين.

ولعل الأمة سألوا عن علة الوعظ سؤال المسترشدين لا سؤال المنكرين والله  أعلم بالسرائر.

النوع الرابع: ﴿ وإذ تأذن ربك ﴾ هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام والمعنى عزم ربك لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه فكأنه يؤذن النفس بأنه يفعله وأجري مجرى فعل القسم في الجزم بالجزاء نحو "علم الله" و "شهد الله".

فأجيب بجواب القسم أي ختم ربك وكتب على نفسه ﴿ ليبعثن ﴾ ومعناه التسليط كقوله ﴿ بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد  ﴾ واختلف في العائد في ﴿ عليهم ﴾ فقيل: يرجع إلى الممسوخين بناء على أن لهم نسلاً.

وقيل: إلى صلحاء تلك القرية فكأنه مسخ المعتدين وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هم اليهود الذين أدركهم رسول الله  ودعاهم إلى شريعته فثبتوا على الكفر واستمروا على اليهودية.

أما العذاب فقيل: هو أخذ الجزية كانوا يؤدونها إلى المجوس إلى أن بعث الله محمداً  فضربها عليهم، فلا تزال مضروبة عليهم إلى يوم القيامة.

وقيل: الاستخفاف والإهانة.

وقيل: القتل والقتال كما وقع في زمن بختنصر وغيره.

وقيل: الإخراج عن الأوطان كما في يهود خيبر وبني قريظة والنضير.

وإذ قد أخبر الله  بلزوم الذل والصغار إياهم ونحن نشاهد أن الأمر كذلك فهو إذاً إخبار عن الغيب فيكون معجز.

قيل: والخبر المروي في أن أتباع الدجال هم اليهود إن صح فمعناه أنهم كانوا قبل خروجه يهود، ثم دانوا بآلهيته فذكروا بالاسم الأول، وإنما تكلف ذلك لأنهم يكونون في وقت اتباع الدجال قاهرين غالبين.

النوع الخامس: ﴿ وقطعناهم في الأرض أمماً ﴾ فرقناهم فيها تفريقاً شديداً فلا يكاد يوجد بلد إلا وفيه منهم طائفة ﴿ منهم الصالحون ﴾ الذين كانوا في زمن موسى يهدون بالحق أو الذين هم وراء الصين.

وعن ابن عباس ومجاهد: الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وآله وآمنوا به.

﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ أي ومنهم ناس دون ذلك الوصف منحطون عنه فيجوز أن يكون فيهم بعض الصلاح وإن كان أدون من صلاح الأولين إلا أن قوله بعد ذلك ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ يدل على أن المراد بهم الكفرة الفسقة الباقية على ضد الخير والرشاد.

ومحل ﴿ دون ذلك ﴾ رفع على أنه صفة مرفوع محذوف كما قلنا ﴿ وبلوناهم ﴾ عاملناهم معاملة المبتلى المختبر ﴿ بالحسنات ﴾ الخصب والعافية ﴿ والسيئات ﴾ بالجدب والشدائد ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ لأن كلاً من الحالتين تدعو إلى الطاعة والإنابة والنعم بالترغيب والنقم بالترهيب ﴿ فخلف من بعدهم خلف ﴾ ظاهره يدل على أن الأوّل ممدوح والثاني مذموم.

فالمراد فخلف من بعد أولئك الصلحاء خلف سوء.

قال الجوهري الخلف القرن بعد القرن يقال: هؤلاء خلف سوء لناس لاحقين بناس أكثر منهم.

قال الأخفش: وقد يحرك ومنهم من يقول خلف سوء من أبيه بالتسكين وخلف صدق من أبيه بالتحريك قال لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم *** وبقيت في خلف كجلد الأجرب والخلف الرديء من القول يقال: سكت ألفاً ونطق خلفاً أي سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ أي التوراة بقيت في أيديهم بعد سلفهم يقرؤنها ويقفون على ما فيها من الأوامر والنواهي ولا يعملون بها ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها.

يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر.

وفي الإشارة بقوله ﴿ هذا الأدنى ﴾ تحقير وتخسيس.

وأراد بالدنو القرب لأنه عاجل.

أو دنو الحال وسقوطها وقلتها.

والمراد كانوا يأخذونه من الرشا في تحريف الأحكام والنعوت ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ يؤاخذنا الله بما أخذنا.

وإسناد الفعل إما إلى الجار والمجرور وإما إلى الأخذ الدال عليه ﴿ يأخذون ﴾ ، ﴿ وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ﴾ الواو للحال أي يرجون المغفرة جزماً وهم مصرون والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب.

وقال الحسن: هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وأنهم لا يشبعون منها.

ثم بين نكث عهدهم فقال ﴿ ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴾ أي التوراة.

ومحل ﴿ ألا يقولوا على الله إلا الحق ﴾ رفع عطف بيان للميثاق المذكور في التوراة وهو أن لا يحرّفوا الكلم عن مواضعه ولا يقبلوا الرشا أو لا يصروا على الذنب مع الجزم بالغفران.

فإن خلاف كل ذلك خروج عن ميثاق الكتاب وافتراء على الله وتقول عليه ما ليس بحق.

ويجوز أن يكون ﴿ ألا يقولوا ﴾ مفعولاً لأجله ومعناه لئلا يقولوا ويجوز أن تكون "أن" مفسرة ﴿ ولا يقولوا ﴾ نهياً كأنه قيل: ألم نقل لهم لا تقولوا على الله إلا الحق؟

﴿ ودرسوا ﴾ عطف على ﴿ ألم يؤخذ ﴾ لأنه تقرير كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وقرأوا ما فيه أي أنهم ذاكرون لما أخذ عليهم قد قرأوه ودرسوه.

﴿ والدار الآخرة خير ﴾ من ذلك العرض الخسيس ﴿ للذين يتقون ﴾ الرشا والمحرمات.

ثم لما ذكر حال من ترك التمسك بالتوراةأتبعها حال من تمسك أي اعتصم به فقال ﴿ والذين يمسكون ﴾ الآية والتشديد للتكثير وفي إفراد إقامة الصلاة بالذكر مع أن التمسك بالكتاب مشتمل على كل عبادة إظهار لمزية الصلاة وإشعار بأنها عماد الدين.

النوع السادس: ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ قال أبو عبيدة: أصل النتق قلع الشيء عن موضعه والرمي به ومنه امرأة ناتق إذا كثر ولدها كأنها ترمي بأولادها رمياً.

والمعنى إذا قلعنا الجبل من أصله وجعلناه ﴿ فوقهم كأنه ظله ﴾ وهي كل ما أظلك من سقف أو حائط ﴿ وظنوا أنه واقع بهم ﴾ علموا وتيقنوا أنه ساقط عليهم.

وقيل: قوي في نفوسهم أنه يقع بهم إن خالفوا.

روي أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة فرفع الله الطور على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.

وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم.

فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجداً على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقاً من سقوطه فلذلك لا ترى يهودياً يسجد إلا على حاجبه الأيسر ويقولون هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.

ولما نشر موسى الألواح وفيه كتاب الله لم يبق جبل ولا حجر إلا اهتز فلذلك لا ترى يهودياً تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض لها رأسه.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي قلنا لهم أو قائلين خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوة ﴾ بجد وعزيمة على احتمال مشاقه وتكاليفه ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ من الأوامر والنواهي، أو من التعريض للثواب، أو المراد خذوا ما آتيناكم من الآية العظيمة بقوة إن كنتم تطيقونه كقوله ﴿ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا  ﴾ واذكروا ما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ ما أنتم عليه من الإباء.

التأويل: ﴿ القرية التي كانت حاضرة البحر ﴾ هي قرية الجسد الحيواني على شاطىء بحر البشرية، وأهل قرية الجسد الصفات الإنسانية صنف روحاني كصفات الروح، وصنف قلبي كصفات القلب، وصنف نفساني كصفات النفس الأمارة بالسوء، وكل قد نهوا عن صيد حيتان الدواعي البشرية في سبت محارم الله، فلم تنتهك الحرمة إلا الصفات النفسانية ﴿ إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ﴾ لأن الإنسان حريص على ما منع فتهيج الدواعي في المحرمات دون المحللات ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي بما كان من طبيعة النفس وصفاتها من الخروج عن أمر الله أنها أمارة بالسوء ﴿ وإذ قالت أمة منها ﴾ هي صفات القلب قالوا لصفات الروح ﴿ لم تعظون قوماً الله مهلكهم ﴾ بالمخالفات عند استيفاء اللذات والشهوات ﴿ أو معذبهم عذاباً شديداً ﴾ وهو المسخ بتبديل الصفات الإنسانية إلى الصفات الحيوانية ﴿ قالوا معذرة إلى ربكم ﴾ لأنه خلقنا هكذا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر فنقضي ما علينا ليعلم أنّا ما تغيرنا عن أوصافنا الروحانية والملكية، ولعل النفس وصفاتها ﴿ يتقون ﴾ فتتصف بالمأمورية والاطمئنان فإنها قابلة لذلك ﴿ بعذاب بئيس ﴾ وهو إبطال استعداد قبول الفيض الإلهي ﴿ ليبعثن عليهم ﴾ على الأرواح والقلوب الذين يتبعون النفس وصفاتها ﴿ من يسومهم ﴾ وهو الشيطان المنظر إلى يوم القيامة ﴿ سوء العذاب ﴾ عذاب البعد عن الله وعذاب ذلة الخدمة للنفس والشيطان ﴿ وقطعناهم ﴾ فرقنا الأرواح والقلوب في أرض الأجساد ﴿ منهم الصالحون ﴾ قابلون لفيض نور الله ﴿ ومنهم دون ذلك ﴾ في القبول ﴿ وبلوناهم بالحسنات ﴾ وهي الطاعات ﴿ والسيئات ﴾ وهي المعاصي ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ إلى الحق.

وذلك أن السير إلى الله يتم بقدم الطاعة وبقدم ترك المعصية ومن هنا قيل خطوتان وقد وصلت.

أو بلوناهم بالحسنات ليرجعوا إلينا بقدم الشكر، والسيئات ليرجعوا بقدم الصبر أو بلوناهم بكثرة الطاعات والعجب بها كما كان حال إبليس وبكثرة المعاصي والندامة عليها كما كان حال آدم ﴿ فخلف ﴾ من بعد الأرواح والقلوب لما سلكوا طريق الحق ووصلوا إلى مقعد صدق خلفهم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ ورثوا الكتاب ﴾ وهو ما ألهم الله  الأرواح والقلوب من المواعظ والحكم والمعاني والأسرار وورثتها النفوس وجعلوها ذريعة للعروض الدنياوية وتحصيل المال والجاه واستيفاء اللذات ﴿ ويقولون سيغفر لنا ﴾ مثل هذه الزلات لأنا واصلون كاملون كما هو مذهب أهل الإباحة، أو سيغفر لنا إذا اسغفرنا وهم يستغفرون باللسان لا بالقلب ﴿ وإذ نتقنا الجبل ﴾ فيه أن الإنسان لو وكل إلى طبعه ونفسه لا يقبل شيئاً من الأمور الدينية وإنما يعان على القبول بأمر ظاهر أو باطن.

وفيه أن على رؤوس أهل الطلب جبل أمر الحق وهو أمر التحويل فيحولهم بالقدرة إلى أن يأخذوا ما آتاهم الله  بقوة منه لا بقوتهم وإرادتهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ \[قيل\] تأذن: أي: قال ربك: [ليبعثن].

وقال أبو عوسجة: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ ﴾ هو من الأذان، أي: أعلم ربك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ...

﴾ الآية قال: نزلت هذه الآية بمكة في شأن أصحاب رسول الله  لأن الكفار كانوا يمنعون من دار الإسلام واتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - فوعدهم الله ليبعثن عليهم من يقاتلهم ويأخذ منهم الجزية إلى يوم القيامة؛ جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع محمد  والإجابة له فيما يدعو إليه.

وقال قائلون: هو في بني إسرائيل، وهو ما قال: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا  ﴾ أخبر إن عادوا عدنا، ولم يبين إن عادوا عدنا بماذا، ثم بين في هذه الآية بقوله: ﴿ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ ﴾ .

وقال قائلون: هذا إنما كان في هؤلاء الذين سبق ذكرهم في قوله: ﴿ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ  ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: الآية لا تحتمل في هؤلاء؛ لأن من آمن منهم لا يحتمل ذلك، ومن صار منهم قروداً لم يحتمل - أيضاً - بعد ما صاروا قروداً، فهو - والله أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

يأخذهم في حال أمنهم، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب.

أو أن يقال: سريع العقاب، أي: عن سريع يأخذهم عقابه.

وقوله: ﴿ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ﴾ : لمن كفر وكذب، غفور رحيم: لمن آمن وصدق بالله ورسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ .

يحتمل: فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين.

ثم يحتمل الجمع وجهين: كانوا مجموعين ثم تفرقوا، فصار بعضهم كفاراً وبعضهم مؤمنين.

أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا، فصاروا متفرقين في المكان والمعاش وغيره.

أو كانوا في الدين واحداً، ثم صاروا أصحاب أهواء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ﴾ أي: أمة بعد أمة، وجماعة بعد جماعة، بعضهم خلفاء لبعض؛ على ما ذكر: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ .

فإن كان قوله: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ في الدين والمذهب، فيكون تأويله: [منهم الصالحون المؤمنون، ومنهم دون ذلك الكفار، ويكون قوله: ﴿ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ أي: غير ذلك كقوله يعيدونها دون الله أي:] غير الله.

وإن كان في المعاش، فبعضهم دون بعض في المعاش؛ وسع على بعض المعاش، وشدد على بعض وضيق، فيكون بعضهم دون بعض في المعاش والرزق.

أو بعضهم دون بعض في الدين، بعضهم على الصلاح، وبعضهم أصحاب أهواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ .

ابتلى بعضهم بالخصب والسعة، وبعضهم بالشدة والضيق؛ ليذكرهم الموعود من الثواب في الحسنات، ويزجرهم الموعود من العقاب عن السيئات.

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

يتوبون ويرجعون عن ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فهو يخرج على وجوه: أحدها: بلوناهم بالنعم والخصب والسعة؛ ليعرفوا فضل الله وإحسانه فيرجعوا إليه بالشكر والثناء، و ﴿ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ ، أي: بالبلايا في أنفسهم أو المصائب والضيق؛ ليعرفوا قدرة الله وسلطانه، فيرجعوا إليه بالتضرع والفزع والدعاء والتوبة.

والثاني: معناه: أي: بلوناهم بالحسنات والسيئات؛ ليتقرر عندهم أن غيرهم أملك بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه [بتسليم] النفس لأمره وحكمه.

والثالث: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ المؤمن منهم والكافر، حتى إذا رأوا الاستواء في الدنيا وفي الحكمة التفريق بينهم، فيضطر الجميع إلى الإيمان بالبعث؛ إذ خروجهم من الدنيا على سواء.

والرابع: أنه إنما جعل النعيم في الدنيا ليعرفوا لذّة الموعود في الآخرة، وكذلك الشدة، فابتلاهم بالأمرين جميعاً؛ ليستعدوا للرجوع إلى الموعود لهم في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ .

قال قائلون: هو صلة قوله: ﴿ مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ ﴾ ، والصالحون هم الذين آمنوا بالله، وحفظوا حدوده وحلاله وحرامه، ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ يعني: الصالحين ﴿ فَخَلَفَ ﴾ لم يحفظوا حدوده ومحارمه.

وقال قائلون: هو صلة ما تقدم من ذكر الأنبياء والرسل؛ كأنه أخبر أنه خلف من بعدهم خلف، يعني: خلف الرسل والأنبياء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ وهو كما ذكر في سورة مريم، وهو قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ وإنما ذكر هذا من بعد ذكر الأنبياء والرسل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ علموا ما فيه.

﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ .

إن أهل الكتاب كانوا يأخذون الدنيا على أحد وجوه ثلاثة: منهم من كان يأخذها مستحلاًّ لها؛ كقوله -  -: ﴿ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ .

ومنهم من كان يأخذها بالتبديل، أعني: تبديل الكتاب؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ...

﴾ الآية [آل عمران: 78]، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً  ﴾ .

ومنهم من كان تناول على ما تناول أهل الإسلام على قدر الحاجة، وهاهنا لا يحتمل الأخذ إلا أخذ الاستحلال أو التبديل، والأخذ بالاستحلال - هاهنا - أقرب، كانوا يأخذون عرض هذا الأدنى مستحلين له.

﴿ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ﴾ يحتمل هذا وجوهاً: يحتمل ما قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

فيغفر لنا؛ كانوا يستحلون أموال الناس ويأخذونها، ثم يقولون: سيغفر لنا؛ لأنا أبناء الله وأحباؤه.

والثاني: يحتمل أنهم قالوا: سيغفر لنا، مع علمهم أنه لا يغفر لهم؛ لما كان في كتابهم ألاّ يغفر لهم إذا تناولوا مستحلين.

أو أنهم إذا عوتبوا على ما فعلوا قالوا: سيغفر لنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ ﴾ أنهم إذا استحلوا ذلك أضافوا ذلك إلى الله، وقالوا: الله أمرنا بذلك، فقال: ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق، أي: لا يضيفوا إلى الله ما استحلوا.

أو أن يقال: أخذ عليهم ألاّ يقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾ فيما يوجبون على الله من مغفرة ذنوبهم التي لا يزالون يعودون لها، ولا يتوبون عنها.

قال بعضهم: قوله: ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ قال: يأخذونه إن كان حلالاً أو حراماً ﴿ وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ﴾ ، وقال: قوله: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ﴾ سوء ﴿ وَرِثُواْ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ بعد أنبيائهم، ورثهم الله الكتاب، وعهد إليهم في سورة مريم ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِ  ﴾ ﴿ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ ﴾ ، وهو ما ذكرنا.

وقال القتبي: الخلف: الرديء من الناس ومن الكلام؛ يقال: هذا خلف من القول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ ﴾ .

أي: قرءوا ما فيه وعلموه.

﴿ وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أي: يتقون الشرك، أو يتقون مخالفة الله ومعاصيه، أفلا يعقلون ما في كتابهم أن ترك مخالفة الله خير في الآخرة.

ثم أخبر عن المؤمنين فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ ﴾ ما فيه من الحلال، والحرام ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِين ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وفرَّقناهم في الأرض، ومزَّقناهم فيها طوائف، بعد أن كانوا مجتمعين، منهم الصالحون القائمون بحقوق الله وحقوق عباده، ومنهم المقتصدون، ومنهم المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، واختبرناهم باليسر والعسر رجاء أن يرجعوا عما هم فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.8wAzQ"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله