الآية ١٧٣ من سورة الأعراف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧٣ من سورة الأعراف

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ١٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٣ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٣ من سورة الأعراف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم ، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو .

كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه ، قال تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة - وفي رواية : على هذه الملة - فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء " وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله [ تعالى ] إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم ، عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم " وقال الإمام أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني السري بن يحيى : أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم ، عن الأسود بن سريع من بني سعد ، قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع غزوات ، قال : فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاشتد عليه ، ثم قال : " ما بال أقوام يتناولون الذرية ؟

" قال رجل : يا رسول الله ، أليسوا أبناء المشركين ؟

فقال : " إن خياركم أبناء المشركين !

ألا إنها ليست نسمة تولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها ، فأبواها يهودانها أو ينصرانها " .

قال الحسن : والله لقد قال الله في كتابه : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ) الآية وقد رواه الإمام أحمد ، عن إسماعيل ابن علية ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن البصري به .

وأخرجه النسائي في سننه من حديث هشيم ، عن يونس بن عبيد ، عن الحسن قال : حدثنا الأسود بن سريع ، فذكره ، ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم ، عليه السلام ، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين و [ إلى ] أصحاب الشمال ، وفي بعضها الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم .

قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة ، عن أبي عمران الجوني ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة : أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟

" قال : " فيقول : نعم .

فيقول : قد أردت منك أهون من ذلك ، قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا ، فأبيت إلا أن تشرك بي " .

أخرجاه في الصحيحين ، من حديث شعبة ، به حديث آخر : وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا جرير - يعني ابن حازم - عن كلثوم بن جابر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ، عليه السلام ، بنعمان .

يعني عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ، ثم كلمهم قبلا قال : ( ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ) إلى قوله : ( المبطلون ) وقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه ، عن محمد بن عبد الرحيم - صاعقة - عن حسين بن محمد المروزي ، به .

ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حسين بن محمد به .

إلا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفا .

وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد وغيره ، عن جرير بن حازم ، عن كلثوم بن جبر ، به .

وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبير هكذا قال ، وقد رواه عبد الوارث ، عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فوقفه وكذا رواه إسماعيل ابن علية ووكيع ، عن ربيعة بن كلثوم ، عن جبير ، عن أبيه ، به .

وكذا رواه عطاء بن السائب ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعلي بن بذيمة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله ، وكذا رواه العوفي وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس فهذا أكثر وأثبت ، والله أعلم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا أبي ، عن أبي هلال ، عن أبي جمرة الضبعي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : أخرج الله ذرية آدم [ عليه السلام ] من ظهره كهيئة الذر ، وهو في آذي من الماء .

وقال أيضا : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، حدثنا أبو مسعود عن جوبير قال : مات ابن للضحاك بن مزاحم ، [ وهو ] ابن ستة أيام .

قال : فقال : يا جابر ، إذا أنت وضعت ابني في لحده ، فأبرز وجهه ، وحل عنه عقده ، فإن ابني مجلس ، ومسئول .

ففعلت به الذي أمر ، فلما فرغت قلت : يرحمك الله ، عم يسأل ابنك ؟

من يسأله إياه ؟

قال : يسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم .

قلت : يا أبا القاسم ، وما هذا الميثاق الذي أقر به في صلب آدم ؟

قال : حدثني ابن عباس [ رضي الله عنه ] ; أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خلقها إلى يوم القيامة ، فأخذ منهم الميثاق : أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وتكفل لهم بالأرزاق ، ثم أعادهم في صلبه .

فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به ، نفعه الميثاق الأول .

ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يف به ، لم ينفعه الميثاق الأول .

ومن مات صغيرا قبل أن يدرك الميثاق الآخر ، مات على الميثاق الأول على الفطرة فهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس ، والله أعلم .

حديث آخر : وقال ابن جرير : حدثنا عبد الرحمن بن الوليد ، حدثنا أحمد بن أبي طيبة ، عن سفيان بن سعيد ، عن الأجلح ، عن الضحاك وعن - منصور ، عن مجاهد - عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) قال : " أخذ من ظهره ، كما يؤخذ بالمشط من الرأس ، فقال لهم : ( ألست بربكم قالوا بلى ) قالت الملائكة ( شهدنا أن يقولوا ) يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أحمد بن أبي طيبة هذا هو : أبو محمد الجرجاني قاضي قومس ، كان أحد الزهاد ، أخرج له النسائي في سننه ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه .

وقال ابن عدي : حدث بأحاديث أكثرها غرائب .

وقد روى هذا الحديث عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قوله ، وكذا رواه جرير ، عن منصور ، به .

وهذا أصح والله أعلم .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا روح - هو ابن عبادة - حدثنا مالك ، وحدثنا إسحاق ، أخبرنا مالك ، عن زيد بن أبي أنيسة : أن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، أخبره ، عن مسلم بن يسار الجهني : أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) الآية ، فقال عمر بن الخطاب : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سئل عنها ، فقال : " إن الله خلق آدم ، عليه السلام ، ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للجنة ، وبعمل أهل الجنة يعملون .

ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، قال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون " .

فقال رجل : يا رسول الله ، ففيم العمل ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا خلق الله العبد للجنة ، استعمله بأعمال أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة ، فيدخله به الجنة .

وإذا خلق العبد للنار ، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار ، فيدخله به النار " .

وهكذا رواه أبو داود عن القعنبي - والنسائي عن قتيبة - والترمذي عن إسحاق بن موسى ، عن معن .

وابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب .

وابن جرير من حديث روح بن عبادة وسعيد بن عبد الحميد بن جعفر .

وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، من رواية أبي مصعب الزبيري ، كلهم عن الإمام مالك بن أنس ، به قال الترمذي : وهذا حديث حسن ، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر .

وكذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة .

زاد أبو حاتم : وبينهما نعيم بن ربيعة .

وهذا الذي قاله أبو حاتم ، رواه أبو داود في سننه ، عن محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن عمر بن جعثم القرشي ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، عن مسلم بن يسار الجهني ، عن نعيم بن ربيعة قال : كنت عند عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] وقد سئل عن هذه الآية : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) فذكره وقال الحافظ الدارقطني : وقد تابع عمر بن جعثم بن زيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ، وقولهما أولى بالصواب من قول مالك ، والله أعلم قلت : الظاهر أن الإمام مالكا إنما أسقط ذكر " نعيم بن ربيعة " عمدا ; لما جهل حاله ولم يعرفه ، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث ، وكذلك يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم ; ولهذا يرسل كثيرا من المرفوعات ، ويقطع كثيرا من الموصولات ، والله أعلم .

حديث آخر : قال الترمذي عند تفسيره هذه الآية : حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله [ عز وجل ] آدم مسح ظهره ، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ، ثم عرضهم على آدم ، فقال : أي رب ، من هؤلاء ؟

قال : هؤلاء ذريتك .

فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه ، فقال : أي رب ، من هذا ؟

قال : هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك ، يقال له : داود .

قال : رب ، وكم جعلت عمره ؟

قال : ستين سنة .

قال : أي رب ، زده من عمري أربعين سنة .

فلما انقضى عمر آدم ، جاءه ملك الموت قال : أو لم يبق من عمري أربعون سنة ؟

قال : أو لم تعطها ابنك داود ؟

قال : فجحد آدم فجحدت ذريته ، ونسي آدم فنسيت ذريته ، وخطئ آدم فخطئت ذريته " .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين ، به .

وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، أنه حدثه عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحو ما تقدم ، إلى أن قال : " ثم عرضهم على آدم فقال : يا آدم ، هؤلاء ذريتك .

وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى ، وأنواع الأسقام ، فقال آدم : يا رب ، لم فعلت هذا بذريتي ؟

قال : كي تشكر نعمتي .

وقال آدم : يا رب ، من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نورا ؟

قال : هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك " .

ثم ذكر قصة داود ، كنحو ما تقدم حديث آخر : قال عبد الرحمن بن قتادة النصري عن أبيه ، عن هشام بن حكيم ، رضي الله عنه ، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أتبدأ الأعمال ، أم قد قضي القضاء ؟

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم ، ثم أشهدهم على أنفسهم ، ثم أفاض بهم في كفيه " ثم قال : " هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة ، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار " .

رواه ابن جرير ، وابن مردويه من طرق عنه حديث آخر : روى جعفر بن الزبير - وهو ضعيف - عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله الخلق ، وقضى القضية ، أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله ، فقال : يا أصحاب اليمين .

فقالوا : لبيك وسعديك .

قال : ألست بربكم ؟

قالوا : بلى .

قال : يا أصحاب الشمال .

قالوا : لبيك وسعديك .

قال : ألست بربكم ؟

قالوا : بلى ثم خلط بينهم ، فقال قائل : يا رب ، لم خلطت بينهم ؟

قال : لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ، أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، ثم ردهم في صلب آدم [ عليه السلام ] .

رواه ابن مردويه أثر آخر : قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب [ رضي الله عنه ] في قول الله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) الآية والتي بعدها ، قال : فجمعهم له يومئذ جميعا ، ما هو كائن منه إلى يوم القيامة ، فجعلهم أرواحا ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا ، وأخذ عليهم العهد والميثاق ، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟

قالوا : بلى ، الآية .

قال : فإني أشهد عليكم السماوات السبع ، والأرضين السبع ، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة : لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ، ولا رب غيري ، فلا تشركوا بي شيئا ، وإني سأرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي ، وأنزل عليكم كتبي .

قالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا ، لا رب لنا غيرك ، ولا إله لنا غيرك .

فأقروا له يومئذ بالطاعة ، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم ، فرأى فيهم الغني والفقير ، وحسن الصورة ودون ذلك .

فقال : يا رب ، لو سويت بين عبادك ؟

قال : إني أحببت أن أشكر .

ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور ، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة ، فهو الذي يقول تعالى ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم [ ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ] ) [ الأحزاب : 7 ] وهو الذي يقول : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله [ التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ] ) الآية [ الروم : 30 ] ، ومن ذلك قال : ( هذا نذير من النذر الأولى ) [ النجم : 56 ] ومن ذلك قال : ( وما وجدنا لأكثرهم من عهد [ وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ] ) [ الأعراف : 102 ] .

رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم ، من رواية ابن جعفر الرازي ، به .

وروي عن مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، وغير واحد من علماء السلف ، سياقات توافق هذه الأحاديث ، اكتفينا بإيرادها عن التطويل في تلك الآثار كلها ، وبالله المستعان .

فهذه الأحاديث دالة على أن الله ، عز وجل ، استخرج ذرية آدم من صلبه ، وميز بين أهل الجنة وأهل النار ، وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم ، فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] وفي حديث عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان ، كما تقدم .

ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف : إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد ، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض بن حمار المجاشعي ، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع .

وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك ، قالوا : ولهذا قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ولم يقل : " من آدم " ، ( من ظهورهم ) ولم يقل : " من ظهره " ) ذرياتهم ) أي : جعل نسلهم جيلا بعد جيل ، وقرنا بعد قرن ، كما قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) [ الأنعام : 165 ] وقال : ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] وقال : ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) [ الأنعام : 133 ] ثم قال : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ) أي : أوجدهم شاهدين بذلك ، قائلين له حالا وقالا .

والشهادة تارة تكون بالقول ، كما قال [ تعالى ] ( قالوا شهدنا على أنفسنا ) [ الأنعام : 130 ] الآية ، وتارة تكون حالا كما قال تعالى : ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) [ التوبة : 17 ] أي : حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك ، وكذلك قوله تعالى : ( وإنه على ذلك لشهيد ) [ العاديات : 7 ] كما أن السؤال تارة يكون بالقال ، وتارة يكون بالحال ، كما في قوله : ( وآتاكم من كل ما سألتموه ) [ إبراهيم : 34 ] قالوا : ومما يدل على أن المراد بهذا هذا ، أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك ، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره ، ليكون حجة عليه .

فإن قيل : إخبار الرسول به كاف في وجوده ، فالجواب : أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره .

وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد ; ولهذا قال : ( أن يقولوا ) أي : لئلا يقولوا يوم القيامة : ( إنا كنا عن هذا ) أي : [ عن ] التوحيد ( غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا ) الآية .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: شهدنا عليكم أيها المقرُّون بأن الله ربكم, كيلا تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ , إنا كنا لا نعلم ذلك، وكنا في غفلة منه = أو تقولوا: (إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم)، اتبعنا منهاجهم =(أفتهلكنا)، بإشراك من أشرك من أبائنا, واتباعنا منهاجَهم على جهل منا بالحق؟

ويعني بقوله: (بما فعل المبطلون)، بما فعل الذين أبطلوا في دَعواهم إلهًا غير الله.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأ بعض المكيين والبصريين: " أَنْ يَقُولُوا " بالياء, بمعنى: شهدنا لئلا يقولوا، على وجه الخبر عن الغَيَب.

* * * وقرأ ذلك عامة قرأة أهل المدينة والكوفة: (أَنْ تَقُولُوا)، بالتاء على وجه الخطابِ من الشهود للمشهود عليهم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك، أنهما قراءتان صحيحتا المعنى، متَّفقتَا التأويل، وإن اختلفت ألفاظهما, لأن العرب تفعل ذلك في الحكاية, كما قال الله: لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ و (لَيُبَيِّنُنَّهُ) [سورة آل عمران: 187] , وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

(74) ----------------- الهوامش : (74) انظر ما سلف في فهارس مباحث العربية والنحو وغيرهما .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وقال عز وجل أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل فخرج منها كل من لم يكن له آباء مشركون .

وقيل : هي مخصوصة فيمن أخذ عليه العهد على ألسنة الأنبياء .

وقيل : بل هي عامة لجميع الناس ; لأن كل أحد يعلم أنه كان طفلا فغذي وربي ، وأن له مدبرا وخالقا .

فهذا معنى وأشهدهم على أنفسهم .ومعنى قالوا بلى أي إن ذلك واجب عليهم .

فلما اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب ثم ذهلوا عنه ذكرهم بأنبيائه وختم الذكر بأفضل أصفيائه لتقوم [ ص: 284 ] حجته عليهم فقال له : فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر ثم مكنه من السيطرة ، وأتاه السلطنة ، ومكن له دينه في الأرض .

قال الطرطوشي : إن هذا العهد يلزم البشر وإن كانوا لا يذكرونه في هذه الحياة ، كما يلزم الطلاق من شهد عليه به وقد نسيه .وقد استدل بهذه الآية من قال : إن من مات صغيرا دخل الجنة لإقراره في الميثاق الأول .

ومن بلغ العقل لم يغنه الميثاق الأول .

وهذا القائل يقول : أطفال المشركين في الجنة ، وهو الصحيح في الباب .

وهذه المسألة اختلف فيها لاختلاف الآثار ، والصحيح ما ذكرناه .

وسيأتي الكلام في هذا في " الروم " إن شاء الله .

وقد أتينا عليها في كتاب " التذكرة " والحمد لله .قوله تعالى : من ظهورهم بدل اشتمال من قوله من بني آدم .

وألفاظ الآية تقتضي أن الأخذ إنما كان من بني آدم ، وليس لآدم في الآية ذكر بحسب اللفظ .

ووجه النظم على هذا : وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذريتهم .

وإنما لم يذكر ظهر آدم لأن المعلوم أنهم كلهم بنوه .

وأنهم أخرجوا يوم الميثاق من ظهره .

فاستغنى عن ذكره لقوله : من بني آدم .

ذريتهم قرأ الكوفيون وابن كثير بالتوحيد وفتح التاء ، وهي تقع للواحد والجمع ; قال الله تعالى : هب لي من لدنك ذرية طيبة فهذا للواحد ; لأنه إنما سأل هبة ولد فبشر بيحيى .

وأجمع القراء على التوحيد في قوله : من ذرية آدم ولا شيء أكثر من ذرية آدم .

وقال : وكنا ذرية من بعدهم فهذا للجمع .

وقرأ الباقون ( ذرياتهم ) بالجمع ، لأن الذرية لما كانت تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد فجمع لتخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه لا يشركها فيه شيء وهو الجمع ; لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذريات كثيرة متناسبة ، أعقاب بعد أعقاب ، لا يعلم عددهم إلا الله ; فجمع لهذا المعنى .قوله تعالى بلى تقدم القول فيها في " البقرة " عند قوله بلى من كسب سيئة مستوفى ، فتأمله هناك .أن تقولوا أو تقولوا قرأ أبو عمرو بالياء فيهما .

ردهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله ، وهو قوله : من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم .وقوله : قالوا بلى أيضا لفظ غيبة .

وكذا وكنا ذرية من بعدهم ولعلهم فحمله على ما قبله وما بعده من لفظ الغيبة .

وقرأ الباقون بالتاء فيهما ; ردوه على لفظ الخطاب المتقدم في قوله : ألست بربكم قالوا بلى .

ويكون شهدنا من قول الملائكة .

لما [ ص: 285 ] قالوا بلى قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا أو تقولوا أي لئلا تقولوا .

وقيل : معنى ذلك أنهم لما قالوا بلى ، فأقروا له بالربوبية ، قال الله تعالى للملائكة : اشهدوا قالوا شهدنا بإقراركم لئلا تقولوا أو تقولوا .

وهذا قول مجاهد والضحاك والسدي .

وقال ابن عباس وأبي بن كعب : قوله شهدنا هو من قول بني آدم ، والمعنى : شهدنا أنك ربنا وإلهنا ، وقال ابن عباس : أشهد بعضهم على بعض ; فالمعنى على هذا قالوا بلى شهد بعضنا على بعض ; فإذا كان ذلك من قول الملائكة فيوقف على بلى ولا يحسن الوقف عليه إذا كان من قول بني آدم ; لأن أن متعلقة بما قبل بلى ، من قوله : وأشهدهم على أنفسهم لئلا يقولوا .

وقد روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا .

أي شهدنا عليكم بالإقرار بالربوبية لئلا تقولوا .

فهذا يدل على التاء .

قال مكي : وهو الاختيار لصحة معناه ، ولأن الجماعة عليه .

وقد قيل : إن قوله شهدنا من قول الله تعالى والملائكة .

والمعنى : فشهدنا على إقراركم ; قاله أبو مالك ، وروي عن السدي أيضا .

وكنا ذرية من بعدهم أي اقتدينا بهم .أفتهلكنا بما فعل المبطلون بمعنى : لست تفعل هذا .

ولا عذر للمقلد في التوحيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم.

أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ فقد أودع اللّه في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل، وأن الحق ما جاءت به الرسل، وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه.

نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين، ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق، وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج اللّه وبيناته، وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون، ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق، هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات.

وقد قيل: إن هذا يوم أخذ اللّه الميثاق على ذرية آدم، حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة، ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة، ولا تقتضيه حكمة اللّه تعالى، والواقع شاهد بذلك.

فإن هذا العهد والميثاق، الذي ذكروا، أنه حين أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر، لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدمي، فكيف يحتج اللّه عليهم بأمر ليس عندهم به خبر، ولا له عين ولا أثر؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) يقول : إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون : إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم ، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم ، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا : ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين ، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل» أي قبلنا «وكنا ذريَّة من بعدهم» فاقتدينا بهم «أفتهلكنا» تعذبنا «بما فعل المبطلون» من آبائنا بتأسيس الشرك، المعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد، والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أو لئلا تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبلنا ونقضوا العهد، فاقتدينا بهم من بعدهم، أفتعذبنا بما فعل الذين أبطلوا أعمالهم بجعلهم مع الله شريكا في العبادة؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - سببا أخر لهذا الاشهاد فقال : ( أَوْ تقولوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ) .أى : وفعلنا ذلك - أيضا منعا لكم من أن تقولوا يوم الحساب : إن آباءنا هم الذين سنوا هذا الاشراك وساروا عليه فنحن قد اتبعناهم فى ذلك بمقتضى أننا أبناؤهم ، وننهج نهجهم من بعدهم ، فإن قولكم هذا غير مقبول بعد أن هيأ الله لكم من الأسباب ما يفتح قلوبكم لنور الحق لو كنتم مستعدين لقبوله .والاستفهام فى قوله ( أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون ) للإنكار .

أى : أنت يا ربنا حكيم وعادل فهل تؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك وأسسوا من الباطل أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول وأقوال الرسل؟

إنك يا ربنا قد وعدت أنك لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء ونحن قد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما شرعوا لنا من الباطل فكيف تؤاخذنا؟والجواب على ذلك أن الإقرار بالربوبية والتوحيد هو فى أصل فطرتكم فلم لم ترجعوا إليه عندما دعاكم رسولنا الكريم إلى وحدانية الله ونبذ الشركاء إن انقيادكم للاباء بعد أن وهبكم الله العقول المفكرة ، وأرسل إليكم الرسل مبشرين ومنذرين لن يعفيكم من المسئولية ، ولن ينقذكم من العذاب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما شرح قصة موسى عليه السلام مع توابعها على أقصى الوجوه ذكر في هذه الآية ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين، وفي تفسير هذه الآية قولان: الأول: وهو مذهب المفسرين وأهل الأثر ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر رضي الله عنه سئل عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة من ذريته إلى يوم القيامة» وقال مقاتل: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر تتحرك ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فخرج منه الذر سوداء كهيئة الذر فقال يآدم هؤلاء ذريتك.

ثم قال لهم: ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ فقال للبيض هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة ثم أعادهم جميعاً في صلب آدم، فأهل القبول محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال، وأرحام النساء.

وقال تعالى فيمن نقض العهد الأول ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مّنْ عَهْدٍ  ﴾ وهذا القول قد ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعكرة، والكلبي، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه أبصر آدم في ذريته قوماً لهم نور.

فقال يا رب من هم؟

فقال الأنبياء، ورأى واحداً هو أشدهم نوراً فقال من هو؟

قال داود، قال فكم عمره قال سبعون سنة قال آدم: هو قليل قد وهبته من عمري أربعين سنة، وكان عمر آدم ألف سنة، فلما تم عمر آدم تسعمائه وستين سنة أتاه ملك الموت ليقبض روحه، فقال بقي من أجلي أربعون سنة، فقال: ألست قد وهبته من ابنك داود؟

فقال ما كنت لأجعل لأحد من أجلي شيئاً، فعند ذلك كتب لكل نفس أجلها.

أما المعتزلة: فقد أطبقوا على أنه لا يجوز تفسير هذه الآية بهذا الوجه.

واحتجوا على فساد هذا القول بوجوه.

الحجة الأولى: لهم قالوا: قوله: ﴿ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ لا شك أن قوله: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ يدل من قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ﴾ فيكون المعنى: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.

وعلى هذا التقدير: فلم يذكر الله تعالى أنه أخذ من ظهر آدم شيئاً.

الحجة الثانية: أنه لو كان المراد أنه تعالى أخرج من ظهر آدم شيئاً من الذرية لما قال: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ بل كان يجب أن يقول: من ظهره، لأن آدم ليس له إلا ظهر واحد، وكذلك قوله: ﴿ ذُرّيَّتَهُم ﴾ لو كان آدم لقال ذريته.

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا من قبل ﴾ وهذا الكلام يليق بأولاد آدم، لأنه عليه السلام ما كان مشركاً.

الحجة الرابعة: أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل، فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء، ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم؛ لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلاً أن ينساها نسياناً كلياً لا يتذكر منها شيئاً لا بالقليل ولا بالكثير، وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ.

فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر، وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلاً.

فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة، وجب القول بمقتضاه، فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئاً منه، فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئاً من تلك الأحوال.

وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضاً التزام مذهب التناسخ.

الحجة الخامسة: أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة، فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع.

الحجة السادسة: أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم، إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلاً فاهماً مصنفاً للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة.

وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات.

وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة، فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون عالماً فاهماً عاقلاً؛ إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية، وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا، فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام؟

الحجة السابعة: قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت، أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا.

والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان؟

الحجة الثامنة: قال الكعبي: إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال، ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل، فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات؟

وأجاب الزجاج عنه فقال: لما لم يبعد أن يؤتى الله النمل العقل كما قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يأَيُّهَا النمل  ﴾ وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال: ﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ  ﴾ وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول، وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا هاهنا.

الحجة التاسعة: أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك، فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا، فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال.

وأما الثاني: وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر، فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم.

الحجة العاشرة: قوله تعالى: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ  خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين، لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقاً من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن.

فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته؟

ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة.

قلنا: هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقاً على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقاً على سبيل الإعادة.

وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل.

الحجة الحادية عشرة: هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع، بقي القول الأول.

فنقول: إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل.

والثاني: يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات: أولها وقت الميثاق.

وثانيها في الدنيا.

وثالثها في القبر.

ورابعها في القيامة.

وأنه حصل له الموت ثلاث مرات.

موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول، وموت في الدنيا، وموت في القبر، وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين  ﴾ .

الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ  ﴾ فلو كان القول بهذا الذر صحيحاً لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب، وذلك باطل.

لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة، والعلقة، والمضغة، ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة، وهو قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ ﴾ وقوله: ﴿ قُتِلَ ٱلْإِنسَٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ  مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ  مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ  ﴾ فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف.

والقول الثاني: في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات: أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات، وجعلها علقة، ثم مضغة، ثم جعلهم بشراً سوياً، وخلقاً كاملاً ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقه، وغرائب صنعه.

فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى، وإن لم يكن هناك قول باللسان، ولذلك نظائر منها قوله تعالى: ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ ومنها قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَئ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وقول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني *** قال سل من يدقني فإن الذي ورايي *** ما خلاني ورايي وقال الشاعر: امتلأ الحوض وقال قطني *** فهذا النوع من المجاز والاستعارة مشهور في الكلام، فوجب حمل الكلام عليه، فهذا هو الكلام في تقرير هذين القولين، وهذا القول الثاني لا طعن فيه ألبتة، وبتقدير أن يصح هذا القول لم يكن ذلك منافياً لصحة القول الأول: إنما الكلام في أن القول الأول هل يصح أم لا؟

فإن قال قائل: فما المختار عندكم فيه؟

قلنا: هاهنا مقامان: أحدهما: أنه هل يصح القول بأخذ الميثاق عن الذَّر؟

والثاني: أن بتقدير أن يصح القول به، فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟

أما المقام الأول: فالمنكرون له قد تمسكوا بالدلائل العقلية التي ذكرناها وقررناها، ويمكن الجواب عن كل واحد منها بوجه مقنع.

أما الوجه الأول: من الوجوه العقلية المذكورة، وهو أنه لو صح القول بأخذ هذا الميثاق لوجب أن نتذكره الآن.

قلنا: خالق العلم بحصول الأحوال الماضية هو الله تعالى لأن هذه العلوم عقلية ضرورية.

والعلوم الضرورية خالقها هو الله تعالى، وإذا كان كذلك صح منه تعالى أن يخلقها.

فإن قالوا: فإذا جوزتم هذا، فجوزوا أن يقال: إن قبل هذا البدن كنا في أبدان أخرى على سبيل التناسخ وإن كنا لا نتذكر الآن أحوال تلك الأبدان.

قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر وذلك لأنا إذا كنا في أبدان أخرى، وبقينا فيها سنين ودهوراً، امتنع في مجرى العادة نسيانها، أما أخذ هذا الميثاق إنما حصل في أسرع زمان، وأقل وقت فلم يبعد حصول النسيان فيه، والفرق الظاهر حاكم بصحة هذا الفرق، لأن الإنسان إذا بقي على العمل الواحد سنين كثيرة يمتنع أن ينساه، أما إذا مارس العمل الواحد لحظة واحدة فقد ينساه، فقد ظهر الفرق.

وأما الوجه الثاني: وهو أن يقال: مجموع تلك الذرات يمتنع حصولها بأسرها في ظهر آدم عليه السلام.

قلنا: عندنا البنية ليست شرطاً لحصول الحياة، والجوهر الفرد الذي لا يتجزأ، قابل للحياة والعقل، فإذا جعلنا كل واحد من تلك الذرات جوهراً فرداً، فلم قلتم إن ظهر آدم عليه السلام لا يتسع لمجموعها؟

إلا أن هذا الجواب لا يتم إلا إذا قلنا: الإنسان جوهر فرد.

وجزء لا يتجزأ في البدن.

على ما هو مذهب بعض القدماء، وأما إذا قلنا: الإنسان هو النفس الناطقة، وإنه جوهر غير متحيز، ولا حالَّ في المتحيز فالسؤال زائل.

وأما الوجه الثالث: وهو قوله فائدة أخذ الميثاق هي أن تكون حجة في ذلك الوقت أو في الحياة الدنيا؟

فجوابنا أن نقول: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، وأيضاً أليس أن من المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال، وإنطاق الجوارح قالوا: لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء لطف؟

فكذا هاهنا لا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق لطف.

وقيل أيضاً إن الله تعالى يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة وبقية الوجوه ضعيفة والكلام عليها سهل هين.

وأما المقام الثاني: وهو أن بتقدير أن يصح القول بأخد الميثاق من الذر.

فهل يمكن جعله تفسيراً لألفاظ هذه الآية؟

فنقول الوجوه الثلاثة المذكورة أولاً دافعة لذلك لأن قوله: ﴿ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ فقد بينا أن المراد منه، وإذا أخذ ربك من ظهور بني آدم، وأيضاً لو كانت هذه الذرية مأخوذة من ظهر آدم لقال من ظهره ذريته ولم يقل من ظهورهم ذريتهم.

أجاب الناصرون لذلك القول: بأنه صحت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فسر هذه الآية بهذا الوجه والطعن في تفسير رسول الله غير ممكن.

فنقول: ظاهر الآية يدل على أنه تعالى أخرج الذر من ظهور بني آدم فيحمل ذلك على أنه تعالى يعلم أن الشخص الفلاني يتولد منه فلان وذلك الفلان فلان آخر، فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض، وأما أنه تعالى يخرج كل تلك الذرية من صلب آدم، فليس في لفظ الآية ما يدل على ثبوته وليس في الآية أيضاً ما يدل على بطلانه، إلا أن الخبر قد دل عليه، فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخبر، وعلى هذا التقدير: فلا منافاه بين الأمرين ولا مدافعة، فوجب المصير إليهما معاً.

صوناً للآية.

والخبر عن الطعن بقدر الإمكان، فهذا منتهى الكلام في تقرير هذا المقام.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر وأبو عمر و ﴿ ذرياتهم ﴾ بالألف على الجمع والباقون ﴿ ذُرّيَّتُهُم ﴾ على الواحد.

قال الواحدي: الذرية تقع على الواحد والجمع.

فمن أفرد فإنه قد استغنى عن جمعه وبوقوعه على الجمع فصار كالبشر فإنه يقع على الواحد كقوله: ﴿ مَا هذا بَشَرًا ﴾ وعلى الجمع كقوله: ﴿ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا ﴾ وكما لم يجمع بشر بتصحيح ولا تكسير كذلك لا يجمع الذرية ومن جمع قال: إن الذرية وإن كان واحداً فلا إشكال في جواز الجمع فيه، وإن كان جمعاً فجمعه أيضاً حسن، لأنك قد رأيت الجموع المكسرة قد جمعت.

نحو الطرقات والجدرات، وهو اختيار يونس أما قوله تعالى: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى ﴾ فنقول: أما على قول من أثبت الميثاق الأول فكل هذه الأشياء محمولة على ظواهرها، وأما على قول من أنكره قال: إنها محمولة على التمثيل، والمعنى: أنه تعالى نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم، فصار ذلك جارياً مجرى ما إذا أشهدهم على أنفسنا وإقرارنا بوحدانيته، أما قوله: ﴿ شَهِدْنَا ﴾ ففيه قولان: القول الأول: أنه من كلام الملائكة، وذلك لأنهم لما قالوا: ﴿ بلى ﴾ قال الله للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا، وعلى هذا القول يحسن الوقف على قوله: ﴿ قَالُواْ بلى ﴾ لأن كلام الذرية قد انقطع هاهنا وقوله: ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين ﴾ تقريره: أن الملائكة قالوا شهدنا عليهم بالإقرار، لئلا يقولوا ما أقررنا، فأسقط كلمة لا كما قال: ﴿ وألقى فِي الأرض رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ  ﴾ يريد لئلا تميد بكم، هذا قول الكوفيين، وعند البصريين تقريره: شهدنا كراهة أن يقولوا.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ شَهِدْنَا ﴾ من بقية كلام الذرية، وعلى هذا التقرير، فقوله: ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين ﴾ متعلق بقوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾ والتقدير: وأشهدهم على أنفسهم، بكذا وكذا، لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين ﴾ أو كراهية أن يقولوا ذلك وعلى هذا التقدير، فلا يجوز الوقف عند قوله: ﴿ شَهِدْنَا ﴾ لأن قوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ متعلق بما قبله وهو قوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ ﴾ فلم يجز قطعه منه.

واختلف القراء في قوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ ﴾ أو تقولوا: فقرأ أبو عمرو بالياء جميعاً، لأن الذي تقدم من الكلام على الغيبة وهو قوله: ﴿ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْوَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ﴾ وقرأ الباقون بالتاء، لأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله: ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا ﴾ وكلا الوجهين حسن، لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.

أما قوله: ﴿ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ ﴾ قال المفسرون: المعنى أن المقصود من هذا الإشهاد أن لا يقول الكفار إنما أشركنا، لأن آباءنا أشركوا، فقلدناهم في ذلك الشرك، وهو المراد من قوله: ﴿ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون ﴾ والحاصل: أنه تعالى لما أخذ عليهم الميثاق امتنع عليهم التمسك بهذا القدر.

وأما الذين حملوا الآية على أن المراد منه مجرد نصب الدلائل.

قالوا: معنى الآية إنا نصبنا هذه الدلائل، وأظهرناها للعقول كراهة أن يقولوا يوم القيامة ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين ﴾ فما نبهنا عليه منبه أو كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه، والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.

ثم قال: ﴿ وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الأيات ﴾ والمعنى: أن مثل ما فصلنا وبينا في هذه الآية، بينا سائر الآيات ليتدبروها فيرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل، وهو المراد من قوله: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ وقيل: أي ما أخذ عليهم من الميثاق في التوحيد، وفي الآية قول ثالث؛ وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان، والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب، وهذا البحث إنما ينكشف تمام الانكشاف بأبحاث عقلية غامضة، لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ بدل من بني آدم بدل البعض من الكل.

ومعنى أخذ ذرّياتهم من ظهورهم: إخراجهم من أصلابهم نسلاً وإشهادهم على أنفسهم.

قوله: ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا ﴾ من باب التمثيل والتخييل!ا ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟

وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك.

وباب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة و السلام، وفي كلام العرب.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40] ، ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ [فصلت: 11] وقوله: إِذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ ** قَالَتْ لَهُ رِيحُ الصَّبَا قَرْقَارِ ومعلوم أنه لا قول ثَمَّ، وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى ﴿ وأَن تَقُولُواْ ﴾ مفعول له، أي فعلنا ذلك من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول، كراهة ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين ﴾ لم ننبه عليه ﴿ أو ﴾ كراهة ﴿ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذرية من بعدهم ﴾ فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد وما نبهوا عليه قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.

كما لا عذر لآبائهم في الشرك- وأدلة التوحيد منصوبة لهم- فإن قلت: بنو آدم وذرّياتهم من هم؟

قلت: عنى ببني آدم: أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، حيث قالوا: عزير ابن الله.

وبذرياتهم: الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخلافهم المقتدين بآبائهم.

والدليل على أنها من المشركين وأولادهم: قوله: ﴿ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا مِن قَبْلُ ﴾ والدليل على أنها في اليهود: الآيات التي عطفت عليها هي، والتي عطفت عليها وهي على نمطها وأسلوبها، وذلك قوله: ﴿ وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية ﴾ [الأعراف: 163] ، ﴿ وإِذْ قَالَتِ أُمَّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ ﴾ [الأعراف: 164] ، ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ﴾ [الأعراف: 167] ، ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ ﴾ [الأعراف: 171] .

﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا ﴾ [الأعراف: 175] .

﴿ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون ﴾ أي كانوا السبب في شركنا؛ لتأسيسهم الشرك، وتقدّمهم فيه، وتركه سنة لنا ﴿ وكذلك ﴾ ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نُفَصّلُ الآيات ﴾ لهم ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها.

وقرئ: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد.

وأن يقولوا: بالياء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أيْ أخْرَجَ مِن أصْلابِهِمْ نَسَلَهم عَلى ما يَتَوالَدُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ومِن ظُهُورِهِمْ بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ بَدَلَ البَعْضِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ « ذُرِّيّاتِهِمْ» .

﴿ وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا ﴾ أيْ ونَصَبَ لَهم دَلائِلَ رُبُوبِيَّتِهِ ورَكَّبَ في عُقُولِهِمْ ما يَدْعُوهم إلى الإقْرارِ بِها حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ مَن قِيلَ لَهم: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى ﴾ فَنَزَلَ تَمْكِينُهم مِنَ العِلْمِ بِها وتَمَكُّنُهم مِنهُ بِمَنزِلَةِ الإشْهادِ والِاعْتِرافِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا.

﴿ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ ﴾ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ.

﴿ أوْ تَقُولُوا ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ أنْ تَقُولُوا ﴾ ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو كِلَيْهِما بِالياءِ لِأنَّ أوَّلَ الكَلامِ عَلى الغَيْبَةِ.

﴿ إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ لِأنَّ التَّقْلِيدَ عِنْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ والتَّمَكُّنِ مِنَ العِلْمِ بِهِ لا يَصْلُحُ عُذْرًا.

﴿ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ يَعْنِي آباءَهُمُ المُبْطِلِينَ بِتَأْسِيسِ الشِّرْكِ.

وقِيلَ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ ذَرِّيَّةً كالذَّرِّ وأحْياهم وجَعَلَ لَهُمُ العَقْلَ والنُّطْقَ وألْهَمَهم ذَلِكَ لِحَدِيثٍ رَواهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ حَقَّقْتُ الكَلامَ فِيهِ في شَرْحِي لِكِتابِ « المَصابِيحِ»، والمَقْصُودُ مِن إيرادِ هَذا الكَلامِ ها هُنا إلْزامُ اليَهُودِ بِمُقْتَضى المِيثاقِ العامِّ بَعْدَ ما ألْزَمَهم بِالمِيثاقِ المَخْصُوصِ بِهِمْ، والِاحْتِجاجُ عَلَيْهِمْ بِالحُجَجِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ ومَنعَهم عَنِ التَّقْلِيدِ وحَمْلَهم عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ كَما قالَ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ أيْ عَنِ التَّقْلِيدِ واتِّباعِ الباطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{أَوْ تَقُولُواْ} أو كراهة أن يقولوا {إِنَّمَا أشرك آباؤنا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرّيَّةً مّن بَعْدِهِمْ} فاقتدينا بهم لأن نصب الأدلة على التويحد وما نبهوا عليه قائم معهم فلا غزر لهم في الإعراض عنه والاقتداء بالآباء كما لا عذر لآياتهم فى الشرك ادله التوحيد منصوبة لهم {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون} أى كانوا السبب فى شركنا لتأسهسهم فى الشرك وتركه سنة لنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوْ تَقُولُوا ﴾ في ذَلِكَ اليَوْمِ: ﴿ إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ ﴾ أيْ إنَّ آباءَنا هُمُ اخْتَرَعُوا الإشْراكَ وهم سَنُّوهُ مِن قَبْلِ زَمانِنا.

﴿ وكُنّا ﴾ نَحْنُ ﴿ ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ ﴾ لا نَهْتَدِي إلى سَبِيلِ التَّوْحِيدِ.

﴿ أفَتُهْلِكُنا ﴾ أيْ: أتُؤاخِذُنا فَتُهْلِكُنا اليَوْمَ بِالعَذابِ ﴿ بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ مِن آبائِنا المُضِلِّينَ لا نَراكَ تَفْعَلُ.

و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، وفِعْلُ القَوْلِ عُطِفَ عَلى نَظِيرِهِ.

وقَرَأهُما أبُو عَمْرٍو بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ صَدْرَ الكَلامِ عَلَيْها، ووَجْهُ قِراءَةِ الخِطابِ ما عَلِمْتَ.

وقالَ البَعْضُ: إنَّ ذاكَ لِقَوْلِ الرَّبِّ تَعالى رَبُّكم وإنَّما لَمْ يَسَعِ القَوْمَ هَذا القَوْلُ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ اسْتِعْدادِهِمْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِمُ المَسالِكَ إلَيْهِ؛ إذِ التَّقْلِيدُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها مِمّا لا مَساغَ إلَيْهِ أصْلًا.

هَذا والَّذِي عَلَيْهِ المُحْدَثُونَ والصُّوفِيَّةُ قاطِبَةً أنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ مِنَ العِبادِ بِأسْرِهِمْ مِيثاقًا قالِيًّا قَبْلَ أنْ يَظْهَرُوا بِهَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ، وأنَّ الإخْراجَ مِنَ الظُّهُورِ كانَ قَبْلُ أيْضًا.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى أخَذَ المِيثاقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأخْرَجَ مِن صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَراها فَنَشَرَها بَيْنَ يَدَيْهِ كالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهم قُبُلًا ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا: بَلى شَهِدْنا»».

وأخْرَجَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، في التّارِيخِ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ الجُهَنِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴾ إلَخْ فَقالَ: ««سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْها فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذَرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ.

فَقالَ الرَّجُلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَفِيمَ العَمَلُ؟

فَقالَ: إذا خُلِقَ العَبْدُ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيُدْخِلُهُ اللَّهُ تَعالى النّارَ»».

والبَيْضاوِيُّ حَمَلَ الآيَةَ في تَفْسِيرِهِ عَلى التَّمْثِيلِ وكَذا في شَرْحِهِ لِلْمَصابِيحِ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ ظاهِرَ حَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لا يُساعِدُ ذَلِكَ ولا ظاهِرَ الآيَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَذْكُرَ أنَّهُ اسْتَخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ مِن صُلْبِ آدَمَ دُفْعَةً واحِدَةً لا عَلى تَوْلِيدِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عَلى مَرِّ الزَّمانِ لَقالَ: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن ظَهْرِ آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَهُما أنْ يُقالَ: المُرادُ مِن بَنِي آدَمَ في الآيَةِ آدَمُ وأوْلادُهُ، وكَأنَّهُ صارَ اسْمًا لِلنَّوْعِ كالإنْسانِ والبَشَرِ، والمُرادُ بِالإخْراجِ تَوْلِيدُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، واقْتُصِرَ في الحَدِيثِ عَلى ذِكْرِ آدَمَ اكْتِفاءً بِذِكْرِ الأصْلِ عَنْ ذِكْرِ الفَرْعِ.

«وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَدِيثِ: «مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ»» يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الماسِحُ المَلَكَ المُوَكَّلَ عَلى تَصْوِيرِ الأجِنَّةِ وتَخْلِيقِها وجَمْعِ مَوادِّها، وأُسْنِدَ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ الآمِرُ كَما أُسْنِدَ التَّوَفِّي إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ﴾ والمُتَوَفِّي لَها هو المَلَكُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الماسِحُ هو اللَّهُ تَعالى ويَكُونُ المَسْحُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: هو مِنَ المِساحَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَأنَّهُ قالَ: قَدَّرَ ما في ظَهْرِهِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ.

انْتَهى كَلامُهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ المَعْنى في الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى أخْرَجَ الكُلَّ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالذّاتِ بَلْ أخْرَجَ مِن ظَهْرِهِ أبْناءَهُ الصُّلْبِيَّةَ ومِن ظُهُورِهِمْ أبْناءَهُمُ الصُّلْبِيَّةَ وهَكَذا إلى آخِرِ السِّلْسِلَةِ، لَكِنْ لَمّا كانَ المَظْهَرُ الأصْلِيُّ ظَهْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكانَ مَساقُ الحَدِيثِ بَيانَ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِذِكْرِ الوَسائِطِ غَرَضٌ عَلى نَسَبِ إخْراجِ الكُلِّ إلَيْهِ، وأمّا الآيَةُ الكَرِيمَةُ فَحَيْثُ كانَتْ مَسُوقَةً لِلِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبَيانِ عَدَمِ إفادَةِ الِاعْتِذارِ بِإسْنادِ الإشْراكِ إلى آبائِهِمُ اقْتَضى الحالُ نِسْبَةَ إخْراجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ظَهْرِ أبِيهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإخْراجِ الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ظَهْرِهِ قَطْعًا، وعَدَمُ بَيانِ المِيثاقِ في الخَبَرِ العُمَرِيِّ لَيْسَ بَيانًا لِعَدَمِهِ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ.

اهـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ البَيْضاوِيُّ يَأْبى عَنْهُ كُلَّ الإباءِ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأنَّ ما ذَكَرَهُ البَعْضُ مِن أنَّ مَساقَ الحَدِيثِ بَيانُ حالِ الفَرِيقَيْنِ إجْمالًا يَأْباهُ ظُهُورُ عَدَمِ كَوْنِ السُّؤالِ عَنْ حالِهِما لِيُساقَ الحَدِيثُ لِبَيانِهِ، فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ الصَّحابِيَّ إنَّما سَألَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا أُشْكِلَ عَلَيْهِ مِن مَعْنى الآيَةِ أنَّ الإشْهادَ هَلْ هو حَقِيقَةٌ أمْ عَلى الِاسْتِعارَةِ؟

فَلَمّا أجابَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما عُرِفَ مِنهُ ما أرادَهُ لِأنَّهُ كانَ بَلِيغًا ولَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ مِن جِهَةٍ أُخْرى لَكانَ الواجِبُ بَيانَ تِلْكَ الجِهَةِ وكَذا فَهِمَ الفارُوقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ الإمامِ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى إخْراجِ الذَّرِّيَّةِ مِن ظَهْرِ بَنِي آدَمَ، ولَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ ولا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ نَفْيُهُ إلّا أنَّ الخَبَرَ دَلَّ عَلَيْهِ فَيُثْبِتُ خُرُوجَهم مِن آدَمَ بِالحَدِيثِ ومِن بَنِيهِ بِالآيَةِ لا يُطابِقُ سِباقَ الحَدِيثِ كَما لا يَخْفى، وقالَ الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ التُّورْبَشْتِيُّ: إنَّما جَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في الهَرَبِ عَنِ القَوْلِ في مَعْنى الآيَةِ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ خَبَرِ الحَبْرِ لِمَكانِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ ﴾ فَقالُوا: إنْ كانَ هَذا الإقْرارُ عَنِ اضْطِرارٍ حَيْثُ كُوشِفُوا بِحَقِيقَةِ الأمْرِ وشاهَدُوهُ عَيْنَ اليَقِينِ فَلَهم ذَلِكَ اليَوْمَ أنْ يَقُولُوا: ﴿ شَهِدْنا ﴾ يَوْمَئِذٍ فَلَمّا زالَ عَنّا عِلْمُ الضَّرُورَةِ ووُكِلْنا إلى آرائِنا كانَ مِنّا مَن أصابَ ومِنّا مَن أخْطَأ، وإنْ كانَ عَنِ اسْتِدْلالٍ ولَكِنَّهم عُصِمُوا عِنْدَهُ مِنَ الخَطَأِ فَلَهم أيْضًا أنْ يَقُولُوا: أُيِّدْنا يَوْمَ الإقْرارِ بِتَوْفِيقٍ وعِصْمَةٍ وحُرِمْناهُما مِن بَعْدُ، ولَوْ أُمْدِدْنا بِهِما أبَدًا لَكانَتْ شَهادَتُنا في كُلِّ حِينٍ كَشَهادَتِنا في اليَوْمِ الأوَّلِ فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ أنْ يُرادَ بِالمِيثاقِ ما رَكَّبَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ وآتاهم مِنَ البَصائِرِ لِأنَّها هي الحُجَّةُ البالِغَةُ والمانِعَةُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ( إنّا كُنّا ) إلَخْ.

لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الإقْرارَ والتَّمَكُّنَ مِن مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإشْراكِ كَما جَعَلَ بَعْثَ الرَّسُولِ حُجَّةً عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِما أخْبَرَ عَنْهُ مِنَ الغُيُوبِ.

انْتَهى.

وحاصِلُهُ أنْ لَوْ لَمْ تُؤَوَّلِ الآيَةُ بِما ذُكِرَ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونُوا مَحْجُوجِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِاخْتِيارِ كُلٍّ مِنَ الشِّقَّيْنِ ورَفْعِ مَحْذُورِهِ.

أمّا الأوَّلُ فَبِأنْ يُقالَ: إذا قالُوا: شَهِدْنا يَوْمَئِذٍ فَلَمّا زالَ عِلْمُ الضَّرُورَةِ ووُكِلْنا إلى آرائِنا كانَ كَذا أيُّها الكَذّابُونَ مَتى وُكِلْتُمْ إلى آرائِكُمْ؟

ألَمْ نُرْسِلْ رُسُلَنا تَتْرى لِيُوقِظُوكم عَنْ سُنَّةِ الغَفْلَةِ؟

وأمّا الثّانِي فَبِأنْ يُقالَ: إنَّ هَذا مُشْتَرَكُ الإلْزامِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ لَهُمْ: ألَمْ نَمْنَحْكُمُ العُقُولَ والبَصائِرَ: فَلَهم أنْ يَقُولُوا: فَإذا حُرِمْنا اللُّطْفَ والتَّوْفِيقَ فَأيُّ مَنفَعَةٍ لَنا في العَقْلِ والبَصِيرَةِ؟

وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ في جَوابِ أنَّهُ كَيْفَ تَلْزَمُ الحُجَّةُ ولا أحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أوْضَحَ الدَّلائِلَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وصِدْقِ رُسُلِهِ فِيما أخْبَرُوا بِهِ فَمَن أنْكَرَهُ كانَ مُعانِدًا ناقِضًا لِلْعَهْدِ ولَزِمَتْهُ الحُجَّةُ ونِسْيانُهُ وعَدَمُ حِفْظِهِ لا يُسْقِطُ الِاحْتِجاجَ بَعْدَ إخْبارِ المُخْبِرِ الصّادِقِ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ، ولِهَذا أجابَ بَعْضُهم بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَقُولُوا ﴾ لَيْسَ مَفْعُولًا لا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأشْهَدَهُمْ ﴾ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ بَلى شَهِدْنا ﴾ حَتّى يَجِبَ كَوْنُ ذَلِكَ الإشْهادِ والشَّهادَةِ مَحْفُوظًا لَهم في إلْزامِهِمْ بَلْ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، والمَعْنى: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ المِيثاقِ وبَيانِهِ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، أوْ لِئَلّا تَقُولُوا أيُّها الكَفَرَةُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا غافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ المِيثاقِ لَمْ نُنَبَّهْ عَلَيْهِ في دارِ التَّكْلِيفِ، وإلّا لَعَمِلْنا بِمُوجِبِهِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَهو مَفْعُولٌ لَهُ لِنَفْسِ الأمْرِ المُضْمَرِ العامِلِ فِي: ( إذْ أخَذْ ) والمَعْنى: اذْكُرْ لَهُمُ المِيثاقَ المَأْخُوذَ مِنهم فِيما مَضى لِئَلّا يَعْتَذِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ بِالغَفْلَةِ عَنْهُ أوْ بِتَقْلِيدِ الآباءِ، ثُمَّ قالَ: هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ شَهِدْنا مِن كَلامِ الذُّرِّيَّةِ وهو الظّاهِرُ، فَأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَهو العامِلُ فِي: ( أنْ تَقُولُوا ) ولا مَحْذُورَ أصْلًا والمَعْنى: شَهِدْنا قَوْلَكم هَذا لِئَلّا تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إلَخْ.

لِأنّا نَرُدُّكم ونُكَذِّبُكم حِينَئِذٍ.

انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ أوَّلًا مِن تَعَلُّقِ (أنْ) وما بَعْدَها بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ أوْ بِنَفْسِ الفِعْلِ المُضْمَرِ العامِلِ في (إذْ) واضِحٌ في دَفْعِ السُّؤالِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ، وإنَّهُ لَعَمْرِي في غايَةِ الحُسْنِ إلّا أنَّ الظّاهِرَ تَعَلُّقُهُ بِالإشْهادِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، وأرى الجَوابَ مَعَ عَدَمِ العُدُولِ عَنْهُ لا يَخْلُو عَنِ العُدُولِ عَنْهُ، ويُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ ثانِيًا مِن كَوْنِ (شَهِدْنا) مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى وكَوْنِهِ العامِلَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ، وعَنْ أبِي طالِبٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وعَنْ مُرَّةَ الهَمْدانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّهم قالُوا في الآيَةِ: لَمّا أخْرَجَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قَبْلَ تَهْبِيطِهِ مِنَ السَّماءِ مَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُمْنى فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، ومَسَحَ صَفْحَةَ ظَهْرِهِ اليُسْرى فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ فَقالَ: ادْخُلُوا النّارَ ولا أُبالِي؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ اليَمِينِ ﴾ ﴿ وأصْحابُ الشِّمالِ ﴾ ثُمَّ أخَذَ مِنهُمُ المِيثاقَ فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا: بَلى.

فَأعْطاهُ طائِفَةً طائِعِينَ وطائِفَةً كارِهِينَ عَلى وجْهِ التَّقِيَّةِ فَقالَ هو والمَلائِكَةُ: ﴿ شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ الحَدِيثَ.

وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ أوَّلًا مِن أنَّ الأخْذَ كانَ بِنُعْمانَ إذْ هو ظاهِرٌ في كَوْنِ ذَلِكَ بَعْدَ الهُبُوطِ وهَذا ظاهِرٌ في كَوْنِهِ كانَ قَبْلُ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ إذْ كانَ عَرْشُهُ سُبْحانَهُ عَلى الماءِ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ وقَضى القَضِيَّةَ وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ، وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ الأُخْرى، وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ فَقالَ: يا أصْحابَ اليَمِينِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا لَهُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا: بَلى.

قالَ: يا أصْحابَ الشِّمالِ، فاسْتَجابُوا لَهُ فَقالُوا لَهُ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ.

قالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا: بَلى»».

فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.

الخَبَرَ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ بِالهِنْدِ حَيْثُ هَبَطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وآخَرُونَ أنَّهُ كانَ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ وأنَّ الذُّرِّيَّةَ المُخْرَجَةَ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كالذَّرِّ أحاطَتْ بِهِ، وجَعَلَ المَحَلَّ الَّذِي شَغَلَتْهُ إذْ ذاكَ حَرَمًا، ولَيْسَ لِهَذا سَنَدٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والتَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ مُشْكِلٌ إلّا أنْ يُقالَ بِتَعَدُّدِ أخْذِ المِيثاقِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، لَكِنْ يُشْعِرُ كَلامُهم بِاخْتِلافِ النَّوْعِ، فَقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: رَأيْتُ مَن يَسْتَحْضِرُ قَبْلَ مِيثاقِ (ألَسْتُ) سِتَّةَ مَواطِنَ أُخْرى مِيثاقِيَّةً، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِشَيْخِنا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: إنْ قَصَدَ القائِلُ بِالحَضَراتِ السِّتَّةِ الَّتِي عَرَفَها قَبْلَ مِيثاقِ (ألَسْتُ) الكُلِّيّاتِ فَمُسَلَّمٌ، وأمّا إنْ أرادَ جُمْلَةَ الحَضَراتِ المِيثاقِيَّةِ الَّتِي قَبْلَ (ألَسْتُ) فَهِيَ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ويُعْلَمُ مِن هَذا ما في قَوْلِهِمْ: لا أحَدَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ عَلى وجْهِ السَّلْبِ الكُلِّيَّ مِنَ المَنعِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ ذِي النُّونِ أيْضًا وقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: هَلْ تَذْكُرُهُ أنَّهُ قالَ: كَأنَّهُ الآنَ في أُذُنِي.

وقالَ بَعْضُهم مُسْتَقْرِبًا لَهُ: إنَّ هَذا المِيثاقَ بِالأمْسِ كانَ وأشارَ فِيهِ أيْضًا إلى مَواثِيقَ أُخَرَ كانَتْ قَبْلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهم مِن تِلْكَ السّالِبَةِ لا أحَدَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَذْكُرُ ذَلِكَ المِيثاقَ لا لا أحَدَ مُطْلَقًا.

وذَكَرَ قُطْبُ الحَقِّ والدِّينِ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ والخَبَرِ العُمَرِيِّ كَلامًا ارْتَضاهُ الفُحُولُ وتَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ، وحاصِلُهُ: أنَّ جَوابَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ عَنْ بَيانِ المِيثاقِ الحالِيِّ فَأجابَ بِبَيانِ المِيثاقِ المَقالِيِّ عَلى ألْطَفِ وجْهٍ.

وبَيانُهُ أنَّ سُبْحانَهُ كانَ لَهُ مِيثاقانِ مَعَ بَنِي آدَمَ.

أحَدُهُما تَهْتَدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن نَصْبِ الأدِلَّةِ الباعِثَةِ عَلى الِاعْتِرافِ الحالِيِّ.

وثانِيهِما المَقالِيُّ الَّذِي لا يَهْتَدِي إلَيْهِ العَقْلُ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى تَوْقِيفِ واقِفٍ عَلى أحْوالِ العِبادِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ؛ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَأرادَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعَلِّمَ الأُمَّةَ ويُخْبِرَهم عَنْ أنَّ وراءَ المِيثاقِ الَّذِي يَهْتَدُونَ إلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ مِيثاقًا آخَرَ أزَلِيًّا فَقالَ ما قالَ مِن مَسْحِ ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الأزَلِ وإخْراجِ الذُّرِّيَّةِ لِيُعْرَفَ مِنهُ أنَّ هَذا النَّسْلَ الَّذِي يَخْرُجُ في لا يَزالُ مِن أصْلابِ بَنِي آدَمَ هو الذَّرُّ الَّذِي أُخْرِجَ في الأزَلِ مِن صُلْبِ آدَمَ وأُخِذَ مِنهُ المِيثاقُ المَقالِيُّ الأزَلِيُّ كَما أُخِذَ مِنهم في لا يَزالُ بِالتَّدْرِيجِ حِينَ أُخْرِجُوا المِيثاقُ الحالِيُّ اليَزالِيُّ.

اهـ.

وهو حَسَنٌ كَما قالُوا، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ الأزَلُ فِيهِ ولا يَزالُ عَلى المَجازِ؛ لِأنَّ خُرُوجَ النَّسْلِ مَحْدُودٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وعَلى القَوْلِ بِعَدَمِ انْقِطاعِهِ بَعْدَهُ هو خاصٌّ بِالسُّعَداءِ عَلى وجْهٍ خاصٍّ كَما عُلِمَ في مَحَلِّهِ، والأمْرُ حادِثٌ لا أزَلِيٌّ وإلّا لَزِمَ خَرْقُ إجْماعِ المُسْلِمِينَ والتَّدافُعُ بَيْنَ الآيَةِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، ونُقِلَ عَنِ الخَلْخالِيِّ أنَّهُ شَمَّرَ عَنْ ساقِهِ في دَفْعِ ذَلِكَ فَقالَ: المُخاطَبُونَ هُمُ الصُّوَرُ العِلْمِيَّةُ القَدِيمَةُ الَّتِي هي ماهِيّاتُ الأشْياءِ وحَقائِقُها، ويُسَمُّونَها الأعْيانَ الثّابِتَةَ ولَيْسَتْ تِلْكَ الصُّوَرُ مَوْجُودَةً في الخارِجِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِها بِحَسْبِ ذَلِكَ الثُّبُوتِ جَعْلٌ بَلْ هي في ذَواتِها غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى ما يَجْعَلُها تِلْكَ الصُّوَرَ وهي صادِرَةٌ عَنْهُ تَعالى بِالفَيْضِ الأقْدَسِ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّها شُؤُوناتٌ واعْتِباراتٌ لِلذّاتِ الأحَدِيِّ وجَوابُهم بِقَوْلِهِمْ: بَلْ إنَّما هو بِألْسِنَةِ اسْتِعْدادَتِهِمُ الأزَلِيَّةِ لا بِالألْسِنَةِ الَّتِي هي بَعْدَ تَحَقُّقِها في الخارِجِ.

انْتَهى.

وهُوَ مَبْنِيٌّ عَلى الفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ والوُجُودِ وفِيهِ نِزاعٌ طَوِيلٌ لَكِنّا مِمَّنْ يَقُولُ بِهِ واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، ومِن هُنا انْقَدَحَ لِبَعْضِ الأفاضِلِ وجْهٌ آخَرُ في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ وهو أنَّ المُرادَ بِالذُّرِّيَّةِ المُسْتَخْرَجَةِ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِيهِ هو الصُّورُ العِلْمِيَّةُ والأعْيانُ الثّابِتَةُ وأنَّ المُرادَ بِاسْتِخْراجِها هو تَجَلِّي الذّاتِ الأحَدِيُّ وظُهُورُهُ فِيها، وأنَّ نِسْبَةَ الإخْراجِ إلى ظُهُورِهِمْ بِاعْتِبارِ أنَّ تِلْكَ الصُّوَرَ إذا وُجِدَتْ في الأعْيانِ كانَتْ عَيْنَهُمْ، وأنَّ تِلْكَ المُقاوَلَةَ حالِيَّةٌ اسْتِعْدادِيَّةٌ أزَلِيَّةٌ لا قالِيَّةٌ لا يَزالِيَةٌ حادِثَةٌ، وهَذا هو المُرادُ بِما نَقَلَ الشَّيْخُ العارِفُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ في الحَقائِقِ عَنْ بَنانٍ حَيْثُ قالَ: أوَجَدَهم لَدَيْهِ في كَوْنِ الأزَلِ ثُمَّ دَعاهم فَأجابَهم سِراعًا وعَرَّفَهم نَفْسَهُ حِينَ لَمْ يَكُونُوا في الصُّورَةِ الإنْسِيَّةِ، ثُمَّ أخْرَجَهم بِمَشِيئَتِهِ خَلْقًا وأوْدَعَهم في صُلْبِ آدَمَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴾ إلَخْ فَأخْبَرَ أنَّهُ خاطَبَهم وهم غَيْرُ مَوْجُودِينَ إلّا بِوُجُودِهِ لَهُمْ؛ إذْ كانُوا واجِدِينَ لِلْحَقِّ في غَيْرِ وُجُودِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، وكانَ الحَقُّ بِالحَقِّ في ذَلِكَ مَوْجُودًا ثُمَّ أنْشَدَ السُّلْمِيُّ لِبَعْضِهِمْ: لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودا ولا يَخْفى أنَّ هَذا التَّوْفِيقَ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ ذَوْقِ أرْبابِ الظّاهِرِ لِمُخالَفَتِهِ لِظَواهِرِ الأخْبارِ والمُتَبادَرِ مِنَ الآثارِ، وما نُقِلَ عَنْ بَنانٍ فِيهِ وهو أوَّلُ كَلامِهِ انْتَخَبَهم لِلْوِلايَةِ واسْتَخْلَصَهم لِلْكَرامَةِ، وجَعَلَ لَهم فُسُوحًا في غَوامِضِ غَيْبِ المَلَكُوتِ وبَعْدَهُ ما ذَكَرَهُ، وشُمُولُهُ لِسائِرِ الخَلْقِ سَعِيدِهِمْ وشَقِيِّهِمْ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وذَكَرَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أبْدَعَ المُبْدَعاتِ وتَجَلّى بِلِسانِ الأحَدِيَّةِ في الرُّبُوبِيَّةِ فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

والمُخاطَبُ في غايَةِ الصِّغاءِ فَقالُوا: ﴿ بَلى ﴾ .

فَكانَ كَمِثْلِ الصَّدى، فَإنَّهم أجابُوهُ بِهِ فَإنَّ الوُجُودَ المُحْدَثَ خَيالٌ مَنصُوبٌ، وهَذا الإشْهادُ كانَ إشْهادَ رَحْمَةٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ ما قالَ لَهم وحْدِي إبْقاءً عَلَيْهِمْ لِما عَلِمَ أنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بِما فِيهِمْ مِنَ الحَظِّ الطَّبِيعِيِّ وبِما فِيهِمْ مِن قَبُولِ الِاقْتِدارِ الإلَهِيِّ وما يَعْلَمُهُ إلّا قَلِيلٌ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ اعْتَبَرُوا الوَحْدانِيَّةَ في الإشْهادِ وكَذا في الشَّهادَةِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ ونَطَقَتِ الآثارُ بِهِ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، وجَماعَةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: جَمَعَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم أرْواحًا في صُوَرِهِمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهم فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ والمِيثاقَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

قالُوا: بَلى.

قالَ: فَإنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَواتِ السَّبْعَ، وأُشْهِدُ عَلَيْكم أباكم آدَمَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا لَمْ نَعْلَمْ بِهَذا، اعْلَمُوا أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرِي ولا رَبَّ غَيْرِي ولا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا إنِّي سَأُرْسِلُ إلَيْكم رُسُلِي يُذَكِّرُونَكم عَهْدِي ومِيثاقِي، وأُنْزِلَ عَلَيْكم كُتُبِي.

قالُوا: شَهِدْنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ لَنا غَيْرُكَ ولا إلَهَ لَنا غَيْرُكَ.

فَأقَرُّوا، ورَفَعَ عَلَيْهِمْ آدَمَ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فَرَأى الغَنِيَّ والفَقِيرَ وحَسَنَ الصُّورَةِ ودُونَ ذَلِكَ فَقالَ: يا رَبِّ، لَوْلا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبادِكَ قالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ.

وبِهَذا يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: إنَّ إقْرارَ الذَّرارِيِّ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لا يُنافِي الشِّرْكَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ قائِلُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ والمُعْتَزِلَةُ يُنْكِرُونَ أخْذَ المِيثاقِ القالِيِّ المُشارِ إلَيْهِ في الأخْبارِ ويَقُولُونَ: إنَّها مِن جُمْلَةِ الآحادِ فَلا يَلْزَمُنا أنْ نَتْرُكَ لَها ظاهِرَ الكِتابِ، وطَعَنُوا في صِحَّتِها بِمُقَدِّماتِ عَقْلِيَّةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى قَواعِدَ فَلْسَفِيَّةٍ عَلى ما هو دَأْبُهم في أمْثالِ هَذِهِ المَطالِبِ، قالُوا أوَّلًا: إنَّ أخْذَ المِيثاقِ لا يُمْكِنُ إلّا مِنَ العاقِلِ، فَوَجَبَ أنْ يَتَذَكَّرَ الإنْسانُ في هَذا العالَمِ ذَلِكَ المِيثاقَ؛ إذْ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَنْسى مِثْلَ هَذِهِ الواقِعَةِ العَظِيمَةِ نَسْيًا كُلِّيًّا فَحَيْثُ نَسِيَ كَذَلِكَ دَلَّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِها، وبِنَحْوِ هَذا الدَّلِيلِ بَطَلَ التَّناسُخُ.

وأُجِيبَ بِأنَّ العِلْمَ إنَّما هو بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَجازَ أنْ لا يَخْلُقَهُ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، ودَلِيلُ بُطْلانِ التَّناسُخِ لَيْسَ مُنْحَصِرًا بِما ذُكِرَ، فَقَدِ اسْتَدَلُّوا أيْضًا عَلى بُطْلانِهِ بِلُزُومِ أنْ يَكُونَ لِلْبَدَنِ نَفْسانِ كَما بَيَّنَهُ الإمامُ في المَباحِثِ الشَّرْقِيَّةِ وأنْ يَكُونَ عَدَدُ الهالِكِينَ مُساوِيًا لِعَدَدِ الكائِنِينَ، والطَّوْفاتُ العامَّةُ تَأْبى هَذا التَّساوِيَ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجابَ بِالفَرْقِ بَيْنَ التَّناسُخِ وبَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ، وذَلِكَ أنّا إذا كُنّا في أبْدانٍ أُخْرى وبَقِينا فِيها سِنِينَ امْتَنَعَ في مَجْرى العادَةِ نِسْيانُ أحْوالِها، وأمّا أخْذُ المِيثاقِ فَإنَّما حَصَلَ في أسْرَعِ زَمانٍ فَلَمْ يَبْعُدْ حُصُولُ النِّسْيانِ فِيهِ.

وبَعْضُهم أجابَ بِأنَّ النِّسْيانَ وعَدَمَ التَّذَكُّرِ هُنا لِبُعْدِ الزَّمانِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ كَثِيرًا مِن أحْوالِ الدُّنْيا كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآياتُ والأخْبارُ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ الدّارِ، وقالُوا ثانِيًا: إنَّ تِلْكَ الذُّرِّيَّةَ المَأْخُوذَةَ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها قَدْرٌ مِنَ البِنْيَةِ حَتّى يَحْصُلَ فِيهِ العِلْمُ والفَهْمُ فَمَجْمُوعُها لا تَحْوِيهِ عَرْصَةُ الدُّنْيا فَيَمْتَنِعُ حُصُولُهُ في ظَهْرِ آدَمَ لِيُؤْخَذَ ثُمَّ يُرَدُّ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى كَوْنِ الحَياةِ مَشْرُوطَةٌ بِالبِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ كَما هو مَذْهَبُ الخُصُومِ، والبُرْهانُ قائِمٌ عَلى بُطْلانِهِ كَما تَقَرَّرَ في الكَلامِ، فَيَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى الحَياةَ في جَوْهَرٍ فَرْدٍ، وتِلْكَ الذُّرِّيَّةُ المُخْرَجَةُ كانَتْ كالذَّرِّ وهو قَرِيبٌ مِنَ الجَوْهَرِ، وكَوْنُ المَجْمُوعِ لا تَحْوِيهِ عَرْصَةُ الدُّنْيا غَيْرَ مُسَلَّمٍ، وإنْ كانَ الأخْذُ في السَّماءِ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فالدّائِرَةُ واسِعَةٌ، وإنْ كانَ إذْ كانَ العَرْشُ عَلى الماءِ فالدّائِرَةُ أوْسَعُ، ولا مانِعَ إذا كانَ في الأرْضِ أنْ يَكُونَ اجْتِماعُ الذَّرِّ مُتَراكِمًا بَيْنَها وبَيْنَ السَّماءِ، وإنَّهُ لَفَضاءٌ عَظِيمٌ وإنْ صَغُرَتْ قاعِدَتُهُ، وإنِ اعْتُبِرَ أنَّ الإنْسانَ عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ النّاطِقَةِ وأنَّها جَوْهَرٌ غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ ولا حالَّ فِيهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى الفَضاءِ إلّا أنَّ فِيهِ ما فِيهِ، وقالُوا ثالِثًا: إنَّهُ لا فائِدَةَ في أخْذِ المِيثاقِ لِأنَّهم لا يَصِيرُونَ بِسَبَبِهِ مُسْتَحِقِّينَ لِلثَّوابِ والعِقابِ عَلى أنَّهم أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ، والطِّفْلُ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ فَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلى الذَّرِّ؟

(وأُجِيبَ) بِأنَّ فائِدَةَ الأخْذِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ في الِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ بَلْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إظْهارَ كَمالِ القُدْرَةِ لِمَن حَضَرَ مِنَ المَلائِكَةِ وإقامَةِ الحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُ البَعْضِ في الآيَةِ، وكَوْنُهم إذْ ذاكَ أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ في حَيِّزِ البُطْلانِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن هو أدْوَنُ حالًا مِنَ الأطْفالِ، وقالُوا رابِعًا: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: ﴿ ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ ﴾ وقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ ﴿ خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ ﴾ وكَوْنُ أُولَئِكَ الذَّرِّ أناسِيٌّ يُنافِي كَوْنَ الإنْسانِ مَخْلُوقًا مِمّا ذُكِرَ.

وأُجِيبَ بِأنَّ الإنْسانَ في هَذِهِ النَّشْأةِ مَخْلُوقٌ مِن ذَلِكَ ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ في تِلْكَ النَّشْأةِ كَذَلِكَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وبِالجُمْلَةِ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُصَدِّقَ بِذَلِكَ الأخْذِ فَقَدْ نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ الصّادِرَةُ مِن مَنبَعِ الرِّسالَةِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها مَتْرُوكَةُ العَمَلِ لِكَوْنِها مِنَ الآحادِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى سَدِّ بابٍ كَبِيرٍ مِنَ الفُتُوحاتِ الغَيْبِيَّةِ ويَحْرِمُ قائِلَهُ مِن عَظِيمِ المِنَحِ الإلَهِيَّةِ، وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في المَدْخَلِ عَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الَّذِينَ لَقِيناهم كُلَّهم يُثْبِتُونَ خَبَرَ واحِدٍ عَنْ واحِدٍ عَنْ واحِدٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ويَجْعَلُونَهُ سُنَّةً حُمِدَ مَن تَبِعَها وعِيبَ مَن خالَفَها، وقالَ: مَن خالَفَ هَذا المَذْهَبَ كانَ عِنْدَنا مُفارِقًا لِسَبِيلِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأهْلِ العِلْمِ بَعْدَهُمْ، وكانَ مِن أهْلِ الجَهالَةِ.

وفِي جامِعِ الأُصُولِ عَنْ رَزِينٍ عَنْ أبِي رافِعٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««لا أعْرِفَنّ الرَّجُلَ مِنكُم يَأْتِيهِ الأمْرُ مِن أمْرِي أنا أمَرْتُ بِهِ أوْ نَهَيْتُ عَنْهُ وهو مُتَّكِئٌ في أرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: ما نَدْرِي ما هَذا، عِنْدَنا كِتابُ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ هَذا فِيهِ»» الحَدِيثَ.

ولا يَنْبَغِي البَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ مِنَ العُلُومِ المَسْكُوتِ عَنْها المُحْتاجَةِ إلى كَشْفِ الغِطاءِ وفَيْضِ العَطاءِ.

ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الجِنْدِيُّ في فَضائِلِ مَكَّةَ وأبُو الحَسَنِ القَطّانُ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَجَجْنا مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَلَمّا دَخَلَ الطَّوافَ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ فَقالَ: إنِّي أعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُكَ ثُمَّ قَبَّلَهُ فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّهُ يَضُرُّ ويَنْفَعُ قالَ: بِمَ؟

قالَ: بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ: وأيْنَ ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟

قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذَ رَبُّكَ ﴾ الآيَةَ.

إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بَلى ﴾ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ فَقَرَّرَهم بِأنَّهُ الرَّبُّ وأنَّهُمُ العَبِيدُ وأخَذَ عُهُودَهم ومَواثِيقَهم وكَتَبَ ذَلِكَ في رَقٍّ وكانَ لِهَذا الحَجَرِ عَيْنانِ ولِسانٌ.

فَقالَ لَهُ: افْتَحْ فاكَ فَفَتَحَ فاهُ فَألْقَمَهُ ذَلِكَ الرِّقَّ فَقالَ: اشْهَدْ لِمَن وافاكَ بِالمُوافاةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنِّي أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ ولَهُ لِسانٌ ذَلِقٌ لِيَشْهَدَ لِمَن يَسْتَلِمُهُ بِالتَّوْحِيدِ»» فَهو يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ يَضُرُّ ويَنْفَعُ.

فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى أنْ أعِيشَ في قَوْمٍ لَسْتَ فِيهِمْ يا أبا الحَسَنِ.

قِيلَ: ومِن هُنا يُعْلَمُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««الحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ»».

والكَلامُ في ذَلِكَ شَهِيرٌ، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن ذَكَرَ أنَّ النّاسَ بَعْدَ أنْ قالُوا: بَلى؛ مِنهم مَن سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ومِنهم مَن لَمْ يَسْجُدْ أصْلًا، ومِنهم مَن سَجَدَ مَعَ الأوَّلِينَ السَّجْدَةَ الأُولى ولَمْ يَسْجُدِ الثّانِيَةَ ومِنهم مَن عَكَسَ، فالصِّنْفُ الأوَّلُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ كَذَلِكَ، والثّانِي هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ كُفّارًا أوْ يَمُوتُونَ كَذَلِكَ.

والثّالِثُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ مُؤْمِنِينَ ويَمُوتُونَ كُفّارًا.

والرّابِعُ هُمُ الَّذِينَ يَعِيشُونَ كُفّارًا أوْ يَمُوتُونَ مُؤْمِنِينَ انْتَهى.

وهو كَلامٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ القَوْلُ بِأنَّ بَعْضًا مِنَ القائِلِينَ بَلى قَدْ مَكَرَ مِنهم إذْ ذاكَ حَيْثُ أُظْهِرَ لَهم إبْلِيسُ في ذَلِكَ الجَمْعِ وظَنُّوا أنَّهُ القائِلُ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟

فَعَنَوْهُ بِالجَوابِ.

وأُولَئِكَ هُمُ الأشْقِياءُ، وبَعْضًا تَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ سُبْحانَهُ فَعَرَفُوهُ وأجابُوهُ وأُولَئِكَ هُمُ السُّعَداءُ، وهَذا عِنْدِي مِنَ البُطْلانِ بِمَكانٍ، والَّذِي يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ أنَّهم كُلَّهم وجَّهُوا الجَوابَ لِرَبِّ الأرْبابِ.

نَعَمْ ذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّ البَعْضَ أجابَ كُرْهًا، واسْتَدَلُّوا لَهُ بِبَعْضِ الآثارِ السّالِفَةِ، وذَهَبَ أهْلُ هَذا القَوْلِ إلى أنَّ أطْفالَ المُشْرِكِينَ في النّارِ، ومَن قالَ: إنَّهم في الجَنَّةِ ذَهَبَ إلى أنَّهم أقَرُّوا عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ اخْتِيارًا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِذَلِكَ الإقْرارِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، وإسْنادُ القَوْلِ في الآيَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ إنَّما هُوَ: بِاعْتِبارِ وُقُوعِهِ مِنَ البَعْضِ؛ فَإنَّ وُقُوعَهُ مِنَ الكُلِّ باطِلٌ بَداهَةً، ومِثْلُ هَذا واقِعٌ في الآياتِ كَثِيرًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ يقول: قلعنا ورفعنا الجبل فوقهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ أي كهيئة الغمام وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أي أنه يعني: أيقنوا الجبل واقع بهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي قيل لهم: اعملوا بما أعطيناكم من التوراة بقوة أي بجد ومواظبة وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ أي اعملوا ما فيه من الحلال والحرام والأمر والنهي لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعاصي، وذلك حين أبوا أن يقبلوا التوراة، فرفع الجبل فوقهم فقبلوا.

وقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ أي: اذكر يا محمد إذا أخذ ربك.

ويقال: معناه وقد أخذ ربك من بني آدم من ظهور بني آدم ذُرِّيَّتَهُمْ يعني: أَخَذَ رَبُّكَ مِن ظهور بني آدم ذُرّيَّتُهُم.

وقال بعضهم: يعني الذرية التي تخرج وقتاً بعد وقت إلى يوم القيامة وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ فقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى يعني: إنَّ كل بالغ تشهد له خلقته بأن الله تعالى واحد شَهِدْنا يعني: قال الله تعالى شهدنا أَنْ تَقُولُوا أي لكيلا تقولوا.

ويقال: هذا كراهة أن يقولوا: يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وروي عن أبي صالح عن ابن عباس-  ما- أنه قال: إن الله مسح على ظهر آدم فأخرج ذريته من صلبه كهيئة الذر من هو مولود إلى يوم القيامة.

فقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا بأنك ربنا قال بعضهم: هذا التفسير لا يصح وطعنوا فيه من وجوه أحدها أن الرواية لم تصح لأنها رواية أبي صالح، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح، وأبو صالح ليس ممن يعتمد على روايته، لأنه روي عن الشعبي أنه كان يمر بأبي صالح ويفرك أذنه، ويقول له: إنك لم تحسن أن تقرأ القرآن، فكيف تفسره بالرأي.

قالوا: ولأن هذا غير محتمل في اللغة لأنه قال: من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم.

قالوا: ولأنه لا يجوز من الحكيم أن يخاطب الذر.

وإنما يجوز خطاب من هو عاقل.

ومن كان مثل الذر كيف يجوز خطابه؟

قالوا: ولأنه لا يجوز أن تكون حجة الله بشيء لم يذكر.

وإنما تكون الحجة بشيء يكون الإنسان ذاكراً له.

قالوا: ولأن الله تعالى قال: رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر: 11] ولم يقل: أحييتنا ثلاث مرات.

ولكن الجواب أن يقال: إن الرواية صحيحة، لأن الآثار قد جاءت عن أصحاب رسول الله  ما لا يجوز دفعه.

فمن ذلك ما حدثنا الخليل بن أحمد.

قال: حدثنا الماسرخسي.

قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وهو ابن علية عن كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس  ما في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ قال: مسح الله تعالى ظهر آدم فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة.

فأخذ ميثاقهم وأشهدهم على أنفسهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى.

قال: حدثنا الشيخ الرئيس أبو طاهر محمد بن داود.

قال: حدثنا محمد بن أحمد بأستراباذ.

قال: حدثنا أحمد بن زكريا.

قال: حدثنا عبد السلام بن صالح عن جعفر بن سليمان عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري.

قال: حججنا مع عمر في أول خلافته فوقف على الحجر ثم قال: أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله  قبَّلك ما قبّلتك.

فقال له عليّ-  -: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين فإنه يضر وينفع بإذن الله.

ولو أنك قرأت القرآن وعلمت ما فيه ما أنكرت عليّ ما قلت.

قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فلما أقروا بالعبودية على أنفسهم، كتب إقرارهم في رق، ثم دعا هذا الحجر فقال له: افتح قال: فألقمه ذلك الرق فهو أمين الله في هذا المكان يشهد لمن استلمه ووافاه يوم القيامة.

فقال له عمر-  -: لقد جعل الله بين ظهرانيكم من العلم غير قليل.

وروى ربيع بن أنس عن أبن العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ الآية.

قال: جمعهم جميعاً فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم، ثم استنطقهم، ثم قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شهدنا بأنك ربنا.

قال: فإني أرسل إليكم رسلي، وأنزل عليكم كتبي، فلا تكذبوا رسلي، وصدقوا وعدي وأخذ عهدهم وميثاقهم فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك.

فقال آدم: رب لو شئت سويت بين عبادك.

فقال: إني أحببت أن أشكر.

قال: والأنبياء يومئذ مثل السرج فأخذ عليهم ميثاق الرسالة أن يبلغوها.

فهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ [الأحزاب: 7] الآية.

قال الفقيه: أخبرني الثقة بإسناده عن مالك بن أنس عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار أن عمر بن الخطاب  سئل عن هذه الآية فقال عمر  سمعت رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية فقال: «إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤلاء لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ.

ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظهره فاستخرج منه ذرية، فَقَالَ: خَلَقْتُ هؤلاء لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ» .

فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال: «إن الله تعالى إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ.

وَإذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ النَّارَ» .

وبهذا احتج الجبرية أن ما عمل عبد عملاً من خير أو شر إلا ما قدره الله تعالى يوم الميثاق.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس  ما أنه قال: لما خلق الله تعالى آدم أخرج ذريته من ظهره مثل الذر، فقال لأصحاب اليمين: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وقال للآخرين: هؤلاء في النار ولا أبالي.

وروى أسباط عن السدي في قول الله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ الآية.

قال: لما أخرج الله تعالى آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء، مسح صفحة ظهر آدم اليمين فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر فقال: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى أخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي.

فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ثم أخذ منهم الميثاق فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فأجابه طائفة طائعين، وطائفة كارهين.

فقال هو والملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.

فلما رويت فيه من الأخبار من طرق شتى لا يجوز رده، ويرجع الطعن إلى أصحاب رسول الله  - ورضي الله تعالى عنهم-.

ويجب للطاعن أن يطعن في فهم نفسه لا في الصحابة.

وهذا كقوله: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: 11] أما الجواب عن قولهم: إنه قال: مِنْ ظُهُورِهِمْ ولم يقل من ظهر آدم فالمعنى في ذلك- والله أعلم- أنه قد أخرج ذرية آدم الذين هم ولده من صلبه، ثم أخرج من ظهورهم ذريتهم، ثم أخرج من بعدهم حتى أخرج جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأخرج من ظهورهم كل نسمة تخرج من ظهر، فذكر الأخذ من ظهور ذريته، ولم يذكر ظهر آدم لأن في الكلام دليلاً عليه كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ [غافر: 46] ولم يذكر فرعون لأن في الكلام دليلاً عليه.

وأما الجواب عن قولهم: إنه لا يجوز خطاب الذر فعن هذا القول جوابان.

أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا كالذر في الصغر ويرزقهم الله تعالى من العقل ما يكونوا به من أهل الخطاب.

ألا ترى أن نملة سليمان بن داود- عليهما السلام- قد تكلمت بكلام العقلاء وفهم ذلك عنها سليمان، وسبَّح الطير والجبال مع داود، فكذلك هذا.

والجواب الثاني أنهم كانوا كالذر في الازدحام والكثرة لا في الخلقة والجثة.

ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم لأن الذر إذا كثرت وازدحمت لا يعرف عددها.

فكذلك ذرية آدم كانوا في الكثرة والازدحام مثل الذر.

ولكنهم في الخلقة مثل خلقتهم اليوم.

والجواب عن قولهم: أنه لا تكون الحجة بشيء لم يذكر أن يقال: إن الله تعالى قد أرسل الرسل وأخبرهم بذلك الميثاق، وإذا أخبرهم الرسل بذلك صار حجة عليهم.

فإن قيل: إن الرسل وإن أخبروهم فإذا لم يذكروا ذلك فكيف يصير حجة عليهم؟

قيل لهم: وإن لم يذكروا صار قول الثقات حجة عليهم.

ألا ترى أن رجلاً لو طلق امرأته وقد نسي فشهد عليه شاهدان عدلان بأنه قد طلقها قبل غيبته عنها يجب عليه أن يقبل قولهما.

وكذلك لو صلى فشهد عليه عدلان أنه ترك ركعة من صلاته وجب عليه أن يأخذ بقولهما وإن كان لا يذكر.

فكذلك هاهنا والجواب عن قولهم أنه لم يقل: أحييتنا ثلاث مرات.

لأن الإحياء المعروف مرتان فذكر الإحياء الذي كان معروفاً عنده.

وقوله تعالى: شَهِدْنا قال بعضهم: هذا حكاية عن قول الذرية قالوا: بلى شهدنا.

وتم الكلام.

ثم في الآية مضمر ومعناه: أخذنا عليهم الميثاق لكي لا يقولوا هذا يوم القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ وقال بعضهم: إنما تم الكلام عند قوله: بَلى ثم إنه قال تعالى: شَهِدْنا يعني: شهدنا عليكم وأخذنا عليكم الميثاق لكيلا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا الميثاق غافلين أَوْ تَقُولُوا أي: لكيلا تقولوا: إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ ونقضوا العهد وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ لم نعلم به أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني: آباؤنا المشركون.

فإن قيل: هل كان إقرارهم إيماناً منهم؟

قيل له: أما المؤمنون كان إقرارهم إيماناً.

وأما الكافرون فلم يكن إقرارهم إيماناً.

لأن إقرارهم كان تقية.

ولم يكن حقيقة.

قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو ذُرّياتِهِمْ بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون ذُرِّيَّتَهُمْ بلفظ واحد لأن الذرية قد أضافها إلى الجماعة فاستغنى عن لفظ الجمع.

وقرأ أبو عمرو أَن يَقُولُواْ بالياء وكذلك في قوله أَوْ يَقُولُواْ.

وقرأ الباقون كليهما بالتاء على معنى الخطاب.

قوله عز وجل: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعني: هكذا نبيّن الآيات في أمر الميثاق وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى إقرارهم وإلى التوبة فالواو الأولى للعطف وهو قوله وَكَذلِكَ والواو الثانية زيادة للوصل وهي قوله: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ومعناه: وكذلك نفصل الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي لكي يرجعوا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ عطْفٌ على قوله: لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ، وقرأ عاصمٌ وحْده في رواية أبي بَكْرٍ «يُمْسِكُونَ» «١» - بسكون الميم، وتخفيف السين-، وقرأ الأعمش «٢» : «والّذين استمسكوا» .

وقوله عز وجل: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ، نَتَقْنَا: معناه: اقتلعنا ورفَعْنا، وقد تقدَّم قصص الآية في «البقرة» ، وقوله سبحانه: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي:

تدبَّروه واحفظوا أوامره ونواهيه، فما وَفَّوْا.

وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا ...

الآية، قوله: مِنْ ظُهُورِهِمْ قال النُّحاة: هو بدلُ اشتمال من قوله: مِنْ بَنِي آدَمَ، وتواترتِ الأحاديثُ في تفسير هذه الآية عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مِنْ طُرُقٍ: «أن اللَّه عزَّ وجلَّ استخرج مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عليه السلام نَسَمَ بنيه، ففي بعض الروايات كالذَّرِّ، وفي بعضها: كالخَرْدَلِ» .

وقال محمد بن كَعْب: إِنها الأرواحُ «٣» جُعلَتْ لها مِثَالاَتٌ، وروي عن عبد اللَّه بن عمر، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قَالَ: «أُخِذُوا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ كَمَا يؤخذ بالمشط من الرّأس «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

﴿ أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ ﴾ فاتَّبَعْنا مِنهاجَهم عَلى جَهْلٍ مِنّا بِآَلِهِيَّتِكَ ﴿ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ في دَعْواهم أنَّ مَعَكَ إلَهًا، فَقَطَعَ اللَّهُ احْتِجاجَهم بِمِثْلِ هَذا، إذْ أذْكَرَهم أخَذَ المِيثاقِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم.

وجَماعَةُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما شَرَحْنا مِن أنَّهُ اسْتَنْطَقَ الذَّرَّ، ورَكَّبَ فِيهِمْ عُقُولًا وأفْهامًا عَرَفُوا بِها ما عَرَضَ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ مَعْنى أخَذِ الذُّرِّيَّةِ: إخْراجُهم إلى الدُّنْيا بَعْدَ كَوْنِهِمْ نُطَفًا، ومَعْنى إشْهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمُ: اضْطِرارُهم إلى العِلْمِ بِأنَّهُ خالِقُهم بِما أظْهَرَ لَهم مِنَ الآَياتِ والبَراهِينِ.

ولَمّا عَرَفُوا ذَلِكَ ودَعاهم كُلُّ ما يَرَوْنَ ويُشاهِدُونَ إلى التَّصْدِيقِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ الشّاهِدِينَ والمُشْهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِصِحَّتِهِ، كَما قالَ: ﴿ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ  ﴾ يُرِيدُهم بِمَنزِلَةِ الشّاهِدَيْنِ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ كَفَرَةٌ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ شَهِدَتْ جَوارِحِي بِصِدْقِكَ، أيْ: قَدْ عَرَفْتُهُ.

ومِن هَذا البابِ قَوْلُهُ: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ  ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأعْلَمَ وقَدْ حَكى نَحْوَ هَذا القَوْلِ ابْنُ الأنْبارِيِّ، والأوَّلُ أصَحُّ، لَمُوافَقَةِ الآَثارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ؛ إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا تِباعًا لِأسْلافِنا فَكَيْفَ نَهْلَكُ والذَنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا، فَوَقَعَتْ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أو شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَنْقَطِعَ لَهم هَذِهِ الحُجَجُ، والِاخْتِلافُ في "تَقُولُوا" أو "يَقُولُوا" بِحَسَبِ الأوَّلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: وكَما فَعَلْنا هَذِهِ الأُمُورَ وأنْفَذْنا هَذِهِ المَقادِيرَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها لِمَن عاصَرَكَ وبُعِثْتَ إلَيْهِ.

"وَلَعَلَّهُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ وتَرَجِّيكم وبِحَسَبِ نَظَرِ البَشَرِ، ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ إلى طاعَةِ اللهِ، ويَدْخُلُونَ في تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ.

"واتْلُ" مَعْناهُ: قُصَّ واسْرُدْ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى حاضِرِي مُحَمَّدٍ  مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللهِ تَعالى وإلى الشَرِيعَةِ، وعَلَّمَهُ مِن آياتِ اللهِ ما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وإلَيْهِ، فَلَمّا وصَلَ رَشاهُ المَلِكُ وأعْطاهُ عَلى أنْ يَتْرُكَ دِينَ مُوسى ويُتابِعَ المَلِكَ عَلى دِينِهِ فَفَعَلَ، وفَتَنَ المَلِكُ بِهِ الناسَ وأضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الجَبّارِينَ اسْمُهُ بُلْعُمُ، وقِيلَ: بُلْعامُ بْنُ عابِرٍ، وقِيلَ: ابْنٌ آبِرٍ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا ذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ، وكانَ في جُمْلَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ غَزاهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم مُوسى لَجَؤُوا إلى بُلْعامَ وكانَ صالِحًا مُسْتَجابَ الدَعْوَةِ، وقِيلَ: كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ونَحْوِها، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ رُشِّحَ لِلنُّبُوَّةِ وأُعْطِيَها فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ عن مُجاهِدٍ، ومَن أُعْطِيَ النُبُوَّةَ فَقَدْ أُعْطِيَ العِصْمَةَ ولا بُدَّ، ثَبَتَ هَذا بِالشَرْعِ، وقَدْ نَصَّ مَعْنى ما قُلْتُهُ أبُو المَعالِي في كِتابِ الشامِلِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهَذا الخِلافُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: "آياتِنا"، فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ادْعُ اللهَ تَعالى عَلى مُوسى وعَسْكَرِهِ، فَقالَ لَهُمْ: وكَيْفَ أدْعُو عَلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ؟

فَما زالُوا بِهِ حَتّى فَتَنُوهُ، فَخَرَجَ حَتّى أشْرَفَ عَلى جَبَلٍ يُرى مِنهُ عَسْكَرُ مُوسى، وكانَ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ: لا أفْعَلُ حَتّى أسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ فَسَكَتَ عنهُ فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إلّا وقَدْ أرادَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى العَسْكَرِ جَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى، فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُعاءِ لِمُوسى والدُعاءِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ؟

فَقالَ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا هَذا وعَلِمَ أنَّهُ قَدْ أخْطَأ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي قَدْ هَلَكْتُ ولَكِنْ لَمْ تَبْقَ لَكم إلّا الحِيلَةُ، فَأخْرِجُوا النِساءَ إلى عَسْكَرِ مُوسى عَلى جِهَةِ التَجَرُّدِ وغَيْرِهِ ومُرُوهُنَّ ألّا تَمْتَنِعَ امْرَأةٌ مِن رَجُلٍ فَإنَّهم إذا زَنَوْا هَلَكُوا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ النِساءُ فَزَنى بِهِنَّ رِجالُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجاءَ فَنُحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ، فانْتَظَمَ بِرُمْحِهِ امْرَأةً ورَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورَفَعَهُما عَلى أعْلى الرُمْحِ، فَوَقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ الطاعُونُ فَماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفًا، ثُمَّ ذَكَرَ المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَجُلَ المُنْسَلِخَ مِن آياتِ اللهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلى مُوسى ألّا يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فَأُجِيبَ، ودَعا عَلَيْهِ مُوسى  أنْ يَنْسى اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ فَأُجِيبَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وصَوابُ هَذا أنْ يُقالَ: إلى كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم مُنافِقٌ، إنَّما كانُوا مُجاهِرِينَ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها لِتَعَذُّرِ صِحَّتِها، واقْتَصَرْتُ مِنها عَلى ما يَخُصُّ ألْفاظَ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ رَجُلٌ كانَ قَدْ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ فَتَرَكَ أنْ يَدْعُوَ بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَدَعا بِواحِدَةٍ أنْ تَرْجِعَ امْرَأتُهُ أجْمَلَ النِساءِ فَكانَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها كَذَلِكَ أبْغَضَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، فَدَعا عَلَيْها ثانِيَةً فَمُسِخَتْ كَلْبَةً، فَشَفَعَ لَها بَنُوها عِنْدَهُ فَدَعا لَها الثالِثَةَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ إلى حالِها، فَذَهَبَتِ الدَعَواتُ.

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أو نَحْوِهِ فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ؟

فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ  ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ -وَكانَ قَدْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ- فَمَرَّ حَتّى لَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرٍ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ.

و"انْسَلَخَ" عِبارَةٌ عَنِ البَراءَةِ مِنها والِانْفِصالِ والبُعْدِ، كالسَلْخِ مِنَ الثِيابِ والجِلْدِ، و"أتْبَعَهُ": صَيَّرَهُ تابِعًا، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ إمّا لِضَلالَةٍ رَسَمَها لَهُ، وإمّا لِنَفْسِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التاءِ، وهي راجِحَةٌ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ، (  ﴾ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ )، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ هارُونُ "فاتَّبَعَهُ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ، وكَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِخِلافٍ، وكَذَلِكَ الخِلافُ عَنِ الحَسَنِ عَلى مَعْنى لازَمَهُ واتَّبَعَهُ بِالإغْواءِ حَتّى أغْواهُ، و"مِنَ الغاوِينَ" أيْ: مِنَ الضالِّينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا كلام مصروف إلى غير بني إسرائيل، فإنهم لم يكونوا مشركين والله يقول ﴿ أو تقولوا إنما أشرك آباءنا من قبل ﴾ فهذا انتقال بالكلام إلى محاجة المشركين من العرب، وهو المقصود من السورة ابتداء ونهاية، فكان هذا الانتقال بمنزلة رد العجز على الصدر.

جاء هذا الانتقال بمناسبة ذكر العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل في وصية موسى، وهو ميثاق الكتاب، وفي يوم رفع الطور.

وهو عهد حصل بالخطاب التكويني أي بجعل معناه في جبلة كل نسمة وفطرتها، فالجملة معطوفة على الجمل السابقة عطف القصة على القصة.

والمقصود به ابتداءهم المشركون.

وتَبَدُّل أسلوب القصة واضح إذ اشتملت هذه القصة على خطاب في قوله: ﴿ أن تقولوا يوم القيامة ﴾ إلى آخر الآية.

وإذ صرح فيها بمعاد ضمير الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم ﴾ فعموم الموعظة تابع لعموم العظة.

فهذا ابتداء لتقريع المشركين على الإشراك، وما ذكر بعده إلى آخر السورة مناسب لأحوال المشركين.

و ﴿ إذ ﴾ اسم للزمن الماضي، وهو هنا مجردٌ عن الظرفية، فهو مفعول به لفعل «اذكرْ» محذوف.

وفعل ﴿ أخذ ﴾ يتعلق به ﴿ من بني آدم ﴾ وهو معدَّى إلى ذرياتهم، فتعين أن يكون المعنى: أخذ ربك كلَّ فرد من أفراد الذرية.

من كل فرد من أفراد بني آدم، فيحصل من ذلك أن كل فرد من أفراد بني آدم أقر على نفسه بالمربوبية لله تعالى.

و (من) في قوله: ﴿ من بني آدم ﴾ وقوله: ﴿ من ظهورهم ﴾ ابتدائية فيهما.

والذُرّيات جمع ذُرَيّةَ، والذّريّة اسمُ جمع لما يتولد من الإنسان، وجمعُه هنا للتنصيص على العموم.

وأخذُ العهد على الذرية المخرَجين من ظهور بني آدم يقتضي أخذَ العهد عى الذرية الذين في ظهر آدم بدلالة الفحوى، وإلا لكان أبناء آدم الأدْنَون ليسوا مأخوذا عليهم العهد مع أنهم أولى بأخذ العهد عليهم في ظهر آدم.

ومما يثبت هذه الدلالة أخبار كثيرة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جمع من أصحابه، متفاوتة في القوة غيرُ خاللٍ واحدٌ منها عن مُتكلَّم، غير أن كثرتها يؤيد بعضُها بعضاً، وأوضحها ما روى مالك في «الموطأ» في ترجمة «النهيُ عن القول بالقدر» بسنده إلى عمر بن الخطاب قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن هذه الآية ﴿ وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ فقال إن الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه حتى استخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون وساق الحديث بما لا حاجة إليه في غرضنا، ومحمل هذا الحديث على أنه تصريح بمدلول الفحوى المذكور، وليس تفسيراً لمنطوق الآية، وبه صارت الآية دالة على أمرين، أحدهما: صريح وهو ما أفاده لفظها، وثانيهما: مفهوم وهو فحوى الخطاب.

وجاء في الآية أن الله أخذ على الذريات العهد بالإقرار بربوبية الله، ولم يُتعرض لذلك في الحديث، وذُكر فيه أنه ميز بين أهل الجنة وأهل النار منهم، ولعل الحديث اقتصار على بيان ما سأل عنه السائِلُ فيكون تفسيراً للأية تفسيرَ تكميل لما لم يذكر فيها، أو كان في الحديث اقتصار من أحد رواته على بعض ما سمعه.

والأخذ مجاز في الإخراج والانتزاع قال الله تعالى: ﴿ قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ﴾ [الأنعام: 46] الآية.

وقوله: ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ أبدل بعض من كل، وقد أعيد حرف الجر مع البدل للتأكيد كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومن النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ ﴾ في سورة الأنعام (99).

والإشهاد على الأنفس يطلق على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه، وهو هنا الحمل على الإقرار، واستعير لحالة مغيبة تتضمن هذا الإقرار يعلمها الله لاستقرار معنى هذا الاعتراف في فطرتهم.

والضمير في أشهدهم} عائد على الذرية باعتبار معناه، لأنه اسم يدل على جمعَ.

والقول في ﴿ قالوا بلى ﴾ مستعار أيضاً لدلالة حالهم على الإعتراف بالربوبية لله تعالى.

وجملة ﴿ ألستُ بربكم ﴾ مقولٌ لقول محذوف هو بيان لجملة ﴿ أشهدهم على أنفسهم ﴾ أي قررهم بهذا القول وهو من أمر التكوين.

والمعنى واحد، لأن الذرية لما أضيف إلى ضمير بني آدم كان على معنى التوزيع.

والاستفهام في ﴿ ألست بربكم ﴾ تقريري، ومثله يقال في تقرير من يُظن به الإنكار أو يُنزل منزلة ذلك، فلذلك يقرر على النفي استدراجاً له حتى إذا كان عاقداً قلبه على النفي ظن أن المقّرر يطلبه منه، فأقدم على الجواب بالنفي، فأما إذا لم يكن عاقداً قلبه عليه فإنه يجيب بإبطال النفي، فيتحقق أنه بريء من نفي ذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿ ويوم يُعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق ﴾ [الأحقاف: 34] تنزيلاً لهم منزلة من يظنه ليس بحق، لأنهم كانوا ينكرونه في الدنيا، وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ يا معشر الجن والإنس ألم ياتكم رسلٌ منكم ﴾ في سورة الأنعام (130).

والكلام تمثيل حال من أحوال الغيب، من تسلط أمر التكوين الإلهي على ذوات الكائنات وأعراضها عند إرادة تكوينها، لا تبلغ النفوس إلى تصورها بالكُنْه، لأنها وراء المعتاد المألوف، فيراد تقريبها بهذا التمثيل، وحاصل المعنى: أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، وجعل في فطرة حركة تفكير الإنسان التطلع إلى إدراك ذلك، وتحصيل إدراكه إذا جرد نفسه من العوارض التي تدخل على فطرته فتفسدها.

وجملة: ﴿ قالوا بلى ﴾ جواب عن الاستفهام التقريري، وفصلت لأنها جاءت على طريقة المحاورة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ في سورة البقرة (30).

وأطلق القول إما حقيقة فذلك قول خارق للعادة، وإمّا مجازاً على دلالة حالهم على أنهم مربوبون لله تعالى، كما أطلق القول على مثله في قوله تعالى: ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ [فصلت: 11] أي ظهرت فيهما آثار أمر التكوين.

وقال أبو النجم: قالت له الطيرُ تقّدم راشداً *** إنك لا ترجع إلا حامداً فهو من المجاز الذي كثر في كلام العرب.

و ﴿ بلى ﴾ حرف جواب لكلام فيه معنى النفي، فيقتضي إبطال النفي وتقرير المنفي، ولذلك كان الجواب بها بعد النفي أصرح من الجواب بحرف (نَعم)، لأن نعم تحتمل تقرير النفي وتقرير المنفي، وهذا معنى ما نقل عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: «لو قالوا نعم لكفروا» أي لكان جوابهم محتملا للكفر، ولما كان المقام مقام إقرار كان الاحتمال فيه تفصيا من الاعتراف.

وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿ ذرياتهم ﴾ ، بالجمع، وقرأ الباقون ﴿ ذُريتهم ﴾ ، بالإفراد.

وقولهم: ﴿ شهدنا ﴾ تأكيد لمضمون ﴿ بلى ﴾ والشهادة هنا أيضاً بمعنى الإقرار.

ووقع ﴿ أن تقولوا ﴾ في موقع التعليل لفعل الأخذ والإشهاد، فهو على تقرير لام التعليل الجارة، وحذفُها مع أنْ جار على المطرد الشائع.

والمقصود التعليل بنفي أن يقولوا ﴿ إنا كنا عن هذا غافلين ﴾ لا بإيقاع القول، فحذف حرف النفي جريا على شيوخ حذفه مع القول، أو هو تعليل بأنهم يقولون ذلك، إن لم يقع إشهادهم على أنفسهم كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب ﴾ في سورة الأنعام (156).

وقرأ الجمهور: أن تقولوا بتاء الخطاب وقد حول الأسلوب من الغيبة إلى الخطاب، ثم من خطاب الرسول إلى خطاب قومه، تصريحاً بأن المقصود من قصة أخذ العهد تذكير المشركين بما أودع الله في الفطرة من التوحيد، وهذا الأسلوب هو من تحويل الخطاب عن مخاطب إلى غيره، وليس من الإلتفاف لاختلاف المخاطبين.

وقرأه أبو عمرو، وحده: بياء الغيبة، والضمير عائد إلى ذريات بني آدم.

والإشارة ﴿ بهذا ﴾ إلى مضمون الاستفهام وجوابه وهو الاعتراف بالربوبية لله تعالى على تقديره بالمذكور.

والمعنى: أن ذلك لمَّا جُعل في الفطرة عند التكوين كانت عقول البشر منساقة إليه، فلا يغفل عنه أحد منهم فيعتذرَ يوم القيامة، إذا سئل عن الإشراك، بعذر الغفلة، فهذا إبطال للاعتذار بالغفلة، ولذلك وقع تقدير حرف نفي أي أنْ لا تقولوا إلخ.

وعُطف عليه الاعتذار بالجهل دون الغفلة بأن يقولوا إننا اتبعنا آباءنا وما ظننا الإشراك إلا حقاً، فلما كان في أصل الفطرة العلمُ بوحدانية الله بطل الاعتذار بالجهل به، وكان الإشراك إما عن عمد وإما عن تقصير، وكلاهما لا ينهض عذراً، وكل هذا إنما يصلح لخطاب المشركين دون بني إسرائيل.

ومعنى: ﴿ وكنا ذرية من بعدهم ﴾ كنا على دينهم تبعاً لهم لأننا ذرية لهم، وشأن الذرية الاقتداء بالآباء وإقامة عوائدهم فوقع إيجاز في الكلام وأقيم التعليل مقام المعلل.

و ﴿ من بعدهم ﴾ نعت لذرية لما تؤذن به ذرية من الخلفية والقيام في مقامهم.

والاستفهام في ﴿ أفتهلكنا ﴾ إنكاري، والإهلاك هنا مستعار للعذاب، والمبطلون الآخذون بالباطل، وهو في هذا المقام الإشراك.

وفي هذه الآية دليل على أن الإيمان بالإله الواحد مستقر في فطرة العقل، لو خُلي ونفسه، وتجرد من الشبهات الناشئة فيه من التقصير في النظر، أو الملقاة إليه من أهل الضلالة المستقرة فيهم الضلالة، بقصد أو بغير قصد، ولذلك قال الماتريدي والمعتزلة: أن الإيمان بالإله الواحد واجب بالعقل، ونسب إلى أبي حنيفة وإلى الماوردي وبعضضِ الشافعية من أهل العراق، وعليه أنبتت مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك، وقال الأشعري: معرفة الله واجبة بالشرع لا بالعقل تمسكاً بقوله تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ [الإسراء: 15] ولعله أرجع مؤاخذة أهل الفترة على الشرك إلى التواتر بمجيء الرسل بالتوحيد.

وجملة: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ معترضة بين القصتين، والواو اعتراضية، وتسمى واو الاستئناف أي مثل هذا التفصيل نفصل الآيات أي آيات القرآن، وتقدم نظير هذا عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ﴾ في سورة الأنعام (55).

وتفصيلها بيانها وتجريدها من الإلتباس.

وجملة: ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ عطف على جملة: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ﴾ فهي في موقع الاعتراض، وهذا إنشاء ترجّي رجوععِ المشركين إلى التوحيد، وقد تقدم القول في تأويل معنى الرجاء بالنسبة إلى صدوره من جانب الله تعالى عنه قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ في سورة البقرة (21).

والرجوع مستعار للإقلاع عن الشرك، شُبه الإقلاع عن الحالة التي هم متلبسون بها بترك من حل في غير مقره الموضع الذي هو به ليرجع إلى مقره، وهذا التشبيه يقتضي تشبيه حال الإشراك بموضع الغُربة، لأن الشرك ليس من مقتضى الفطرة فالتلبس به خروج عن أصل الخلقة كخروج المسافر عن موطنه، ويقتضي أيضاً تشبيه حال التوحيد بمحل المرء وحيّه الذي يأوي إليه، وقد تكرر في القرآن إطلاق الرجوع على إقلاع المشركين عن الشرك كقوله: ﴿ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براءٌ مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه لعلهم يرجعون ﴾ [الزخرف: 26 28] أي يرجعون عن الشرك، وهو تعريض بالعرب، لأنهم المشركون من عقب إبراهيم، وبقرينة قوله: ﴿ بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسولٌ مبينٌ ﴾ [الزخرف: 29]، فإني استقريْتُ من اصطلاح القرآن أنه يشير بهؤلاء إلى العرب.

الجزء التاسع <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ اخْتُلِفَ في الَّذِينَ أخْرَجَهم وأخَذَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ وجَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما عُلِمَتْ بِهِ مِن خاطِبِها.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا هَلْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ في الجَنَّةِ قَبْلَ هُبُوطِهِ إلى الأرْضِ.

والثّانِي: أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ هُبُوطِهِ إلَيْها.

والقَوْلُ الثّانِي: في الأصْلِ أنَّهُ خَلَقَ الأرْواحَ والأجْسادَ مَعًا وذَلِكَ في الأرْضِ عِنْدَ جَمِيعِ مَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ.

فَعَلى هَذا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أخْرَجَهم كالذَّرِّ وألْهَمَهم هَذا فَقالُوهُ، قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ فَخَرَجَ مِن صَفْحَةِ ظَهْرِهِ اليُمْنى ذُرِّيَّةٌ كالذَّرِّ بِيضٌ، فَهم أصْحابُ المَيْمَنَةِ.

وَخَرَجَ مِن صَفْحَةِ ظَهْرِهِ اليُسْرى ذُرِّيَّةٌ كالذَّرِّ سُودٌ، فَهم أصْحابُ المَشْأمَةِ، فَلَمّا شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ جَمِيعًا مَن آمَنَ مِنهم ومَن كَفَرَ أعادَهم.

والثّانِي: أنَّهُ أخْرَجَ الذُّرِّيَّةَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وعَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ.

وَفي ﴿ وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هو أنَّهُ دَلَّهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما شَهِدُوهُ مِن قُدْرَتِهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

والثّانِي: هو إشْهادُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما اعْتَرَفُوا مِن رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ.

وَفِيهِ عَلى التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْآباءِ مِن بَنِي آدَمَ حِينَ أخْرَجَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم لِيُعَلِّمَهم أنَّهُ خَلَقَ ذُرِّيّاتِهِمْ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُونُوا كانَ هو الخالِقَ لَهم لِأنَّهم كانُوا ذُرِّيَّةً مِثْلَهم لِمَن تَقَدَّمَهم كَما صارَ هَؤُلاءِ ذُرِّيَّةً لَهم فاعْتَرَفُوا بِذَلِكَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمُ الحُجَّةُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلذُّرِّيَّةِ حِينَ أخَذَهم مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ فَعَلى هَذا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ لَهُمْ: ﴿ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ بَعْدَ أنْ كَمُلَتْ عُقُولُهم.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ لَهم عُقُولًا عَلِمُوا بِها ذَلِكَ فَشَهِدُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ.

وَفي أصْلِ الذُّرِّيَّةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأصْلابِ كالذَّرِّ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ إذا أحْدَثَهم وأظْهَرَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم...

﴾ الآية.

قال: خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم...

﴾ الآية.

قال: لما خلق الله آدم أخذ ذريته من ظهره كهيئة الذر، ثم سماهم بأسمائهم فقال: هذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا، وهذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا، ثم أخذ بيده قبضتين فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك ﴾ الآية.

قال: إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر، فقال لهم: من ربكم؟

فقالوا: الله ربنا.

ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: لما أهبط آدم عليه السلام حين أهبط بدحناء، فمسح الله ظهره فأخرج كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم قال: ألست بربكم؟

قالوا: بلى.

فيومئذ جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: مسح الله على صلب آدم فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته إلى يوم القيامة، وأخذ ميثاقهم أنه ربهم وأعطوه ذلك، فلا يسأل أحد كافر ولا غيره من ربك؟

إلا قال: الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ واللالكائي في السنة عن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ قال: أخذهم من ظهرهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن منده في كتاب الرد على الجهمية وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: أخرج ذريته من صلبه كأنهم الذر في آذي من الماء.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في الآية قال: إن الله ضرب بيمينه على منكب آدم فخرج منه مثل اللؤلؤ في كفه، فقال: هذا للجنة.

وضرب بيده الأخرى على منكبه الشمال فخرج منه سواد مثل الحمم فقال: هذا ذرء النار.

قال: وهي هذه الآية ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس ﴾ [ الأعراف: 179] .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في الآية قال: مسح الله ظهر آدم وهو ببطن نعمان- واد إلى جنب عرفة- فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ثم أخذ عليهم الميثاق وتلا ﴿ أن يقولوا يوم القيامة ﴾ هكذا قرأها يقولوا بالياء.

وأخرج أبو الشيخ عن عبد الكريم بن أبي أمية قال: أخرجوا من ظهره مثل طريق النمل.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: أقروا له بالإِيمان والمعرفة الأرواح قبل أن يخلق أجسادها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن كعب قال: خلق الله الأرواح قبل أن يخلق الأجساد، فأخذ ميثاقهم.

وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ قالوا: لما أخرج الله آدم من الجنة قبل تهبيطه من السماء، مسح صفحة ظهره اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ كهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي.

ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي.

فذلك قوله: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية، فقال: هو والملائكة ﴿ شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنَّا كنا عن هذا غافلين، أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ﴾ قالوا: فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف الله أنه ربه، وذلك قوله عز وجل ﴿ وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً ﴾ [ آل عمران: 83] وذلك قوله: ﴿ فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ﴾ [ الأنعام: 149] يعني يوم أخذ الميثاق.

وأخرج ابن جرير عن أبي محمد رجل من أهل المدينة قال: سألت عمر بن الخطاب عن قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال: «خلق الله آدم بيده ونفخ فيه من روحه، ثم أجلسه فمسح ظهره بيده اليمنى فأخرج ذراً، فقال: ذرء ذرأتهم للجنة، ثم مسح ظهره بيده الأخرى- وكلتا يديه يمين- فقال: ذرء ذرأتهم للنار يعملون فيما شئت من عمل، ثم اختم لهم بأسوأ أعمالهم فأدخلهم النار» .

وأخرج عبد بن حميد وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن منده في كتاب الرد على الجهمية واللالكائي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر في تاريخه عن أبي بن كعب في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ إلى قوله: ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ جميعاً فجعلهم أرواحاً في صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق ﴿ وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى ﴾ قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم ﴿ أن تقولوا يوم القيامة ﴾ انَّا لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئاً، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك، فأقروا ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لولا سوّيت بين عبادك؟

قال: إني أحببت أن أشكر.

ورأى الأنبياء فيهم مثل السرج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة أن يبلغوا وهو قوله: ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ [ الأحزاب: 7] الآية وهو قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ [ الروم: 30] وفي ذلك قال: ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين ﴾ [ الأعراف: 102] وفي ذلك قال: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ [ الأعراف: 101] قال: فكان في علم الله يومئذ من يكذب به ومن يصدق به، فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عهدها وميثاقها في زمن آدم، فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر فتمثل لها بشراً سوياً.

قال: أبي فدخل من فيها.

وأخرج مالك في الموطأ وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والآجري في الشريعة وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه واللالكائي والبيهقي في الأسماء والصفات عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم...

﴾ الآية.

فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: «أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.

فقال الرجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر، ثم كلمهم قبلاً قال: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ﴾ إلى قوله: ﴿ المبطلون ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن منده في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ قال «أخذ من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس.

فقال لهم ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ قالت الملائكة ﴿ شهدنا أن يقولوا يوم القيامة إنَّا كنا عن هذا غافلين ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن منده وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فخرت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، ونزع ضلعاً من أضلاعه فخلق منه حواء، ثم أخذ عليهم العهد ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ ثم اختلس كل نسمة من بني آدم بنوره في وجهه، وجعل فيه البلوى الذي كتب أنه يبتليه بها في الدنيا من الأسقام، ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك.

وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام، فقال آدم: يا رب لم فعلت هذا بذريتي؟

قال: كي تشكر نعمتي.

وقال آدم: يا رب من هؤلاء الذين أراهم أظهر الناس نوراً؟

قال: هؤلاء الأنبياء من ذريتك.

قال: من هذا الذي أراه أظهرهم نوراً؟

قال: هذا داود يكون في آخر الأمم.

قال: يا رب كم جعلت عمره؟

قال: ستين سنة.

قال: يا رب كم جعلت عمري؟

قال: كذا وكذا.

قال: يا رب فزده من عمري أربعين سنة حتى يكون عمره مائة سنة.

قال: أتفعل يا آدم؟

قال: نعم يا رب.

قال: فيكتب ويختم إنَّا كتبنا وختمنا ولم نغير.

قال: فافعل أي رب.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلما جاء ملك الموت إلى آدم ليقبض روحه قال: ماذا تريد يا ملك الموت؟

قال: أريد قبض روحك.

قال: ألم يبق من أجلي أربعون سنة؟

قال: أو لم تعطها ابنك داود؟

قال: لا.

قال: فكان أبو هريرة يقول: نسي آدم ونسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته» .

وأخرج ابن جرير عن جويبر قال: مات ابن الضحاك بن مزاحم ابن ستة أيام، فقال: إذا وضعت ابني في لحده فأبرز وجهه وحل عقده، فإن ابني مجلس ومسؤول.

فقلت: عمَّ يسأل؟!

قال: عن ميثاق الذي أقرَّ به في صلب آدم، حدثني ابن عباس: أن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطي الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأوّل، ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة.

وأخرج عبد بن حميد عن سلمان قال: إن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة، فكتب الآجال والأرزاق والأعمال والشقوة والسعادة، فمن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر.

وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلق الله الخلق وقضى القضية، وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء، فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى- وكلتا يدي الرحمن يمين- فقال: يا أصحاب اليمين.

فاستجابوا له، فقالوا: لبيك ربنا وسعديك.

قال: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ قال: يا أصحاب الشمال.

فاستجابوا له، فقالوا: لبيك ربنا وسعديك.

قال: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ فخلط بعضهم ببعض فقال قائل منهم: رب لم خلطت بيننا؟!

قال: ﴿ ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون ﴾ [ المؤمنون الآية 63].

﴿ أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ﴾ ثم ردهم في صلب آدم، فأهل الجنة أهلها، وأهل النار أهلها، فقال قائل: يا رسول الله فما الأعمال؟

قال: «يعمل كل قوم لمنازلهم» .

فقال عمر بن الخطاب: إذا نجتهد.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟

قال: هؤلاء ذريتك.

فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟!

فقال: رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود.

قال: أي رب وكم جعلت عمره؟

قال: ستين سنة قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة.

فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت فقال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟

قال: أو لم تعطها ابنك داود؟

قال: فجحد فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الشكر وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن الحسن قال: لما خلق الله آدم عليه السلام، وأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى، وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فدبوا على وجه الأرض، منهم الأعمى والأصم والأبرص والمقعد والمبتلى بأنواع البلاء، فقال آدم: يا رب ألا سويت بين ولدي؟

قال: يا آدم إني أردت أن أشكر ثم ردهم في صلبه.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن قتادة والحسن قالا: لما عرضت على آدم ذريته فرأى فضل بعضهم على بعض قال: أي رب أفهلا سوّيت بينهم؟

قال: إني أحب أن أشكر، يرى ذو الفضل فضله فيحمدني ويشكرني.

وأخرج أحمد في الزهد عن بكر.

مثله.

وأخرج ابن جرير والبزار والطبراني والآجري في الشريعة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن هشام بن حكيم أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أَتُبتدأ الأعمال أم قد قضي القضاء؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه فقال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.

فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار» .

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أخرج ذرية آدم من صلبه حتى ملأوا الأرض وكانوا هكذا، فضم إحدى يديه على الأخرى» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سألت ربي فأعطاني أولاد المشركين خدماً لأهل الجنة، وذلك أنهم لم يدركوا ما أدرك آباؤهم من الشرك، وهم في الميثاق الأوّل» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتدياً به؟

فيقول: نعم.

فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي فأبيت إلا أن تشرك بي» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن علي بن حسين.

أنه كان يعزل ويتأوّل هذه الآية ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم عن العزل؟

فقال «لا عليكم أن لا تفعلوا، إن تكن مما أخذ الله منها الميثاق فكانت على صخرة نفخ فيها الروح» .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: «لو أن الماء الذي يكون منه الولد صب على صخرة لأخرج الله منها ما قدر، ليخلق الله نفساً هو خالقها» .

وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود.

أنه سئل عن العزل؟

فقال: لو أخذ الله ميثاق نسمة من صلب رجل ثم أفرغه على صفا لأخرجه من ذلك الصفا، فإن شئت فأعزل وإن شئت فلا تعزل.

وأخرج عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: إن النطفة التي قضى الله فيها الولد لو وقعت على صخرة لأخرج الله منها الولد.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وأبو الشيخ عن فاطمة بنت حسين قالت: لما أخذ الله الميثاق من بني آدم جعله في الركن، فمن الوفاء بعهد الله استلام الحجر.

وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد قال: كنت مع أبي محمد بن علي فقال له رجل: يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن؟

فقال: إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم ﴿ ألست بربكم؟

قالوا بلى ﴾ فأقروا، وأجرى نهراً أحلى من العسل وألين من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الإِستلام الذي ترى إنما هو بيعه على إقرارهم الذي كانوا أقروا به.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ضرب الله متن آدم فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، وخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء فقال: هؤلاء أهل النار أمثال الخردل في صور الذر، فقال: يا عباد الله أجيبوا الله: يا عباد الله أطيعوا الله.

قالوا: لبيك اللهم أطعناك، اللهم أطعناك، اللهم أطعناك.

وهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك: لبيك اللهم لبيك.

فأخذ عليهم العهد بالإِيمان به، والإِقرار والمعرفة بالله وأمره.

وأخرج الجندي في فضائل مكة وأبو الحسن القطان في الطوالات والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أبي سعيد الخدري قال: حججنا مع عمر بن الخطاب، فلما دخل الطواف استقبل الحجر فقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك، ثم قبله فقال له علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين إنه يضر وينفع قال: بم...؟

قال: بكتاب الله عز وجل قال: وأين ذلك من كتاب الله؟

قال الله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ إلى قوله: ﴿ بلى ﴾ خلق الله آدم ومسح على ظهره فقررهم بأنه الرب وإنهم العبيد، وأخذ عهودهم ومواثيقهم وكتب ذلك في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له، افتح فاك.

ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، فقال: أشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، وإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يؤتى يوم القيامة بالحجر الأسود وله لسان ذلق، يشهد لمن يستلمه بالتوحيد» فهو يا أمير المؤمنين يضر وينفع.

فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك...

﴾ الآية.

قال: أخذهم في كفه كأنهم الخردل الأولين والآخرين، فقبلهم في يده مرتين أو ثلاثاً، يرفع ويطأطئها ما شاء الله من ذلك، ثم ردهم في أصلاب آبائهم حتى أخرجهم قرناً بعد قرن، ثم قال بعد ذلك ﴿ وما وجدنا لأكثرهم من عهد ﴾ [ الأعراف: 102] الآية.

ثم نزل بعد ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم، وميثاقه الذي واثقكم به ﴾ [ المائدة: 7] .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمر قال: لما خلق الله آدم نفضه نفض المزود فخر منه مثل النغف، فقبض منه قبضتين فقال لما في اليمين: في الجنة، وقال لما في الأخرى: في النار.

وأخرج ابن سعد وأحمد عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله تبارك وتعالى خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي.

فقال رجل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟

قال: على مواقع القدر» .

وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحممة، فقال للذي في يمينه: إلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليسرى: إلى النار ولا أبالي» .

وأخرج البزار والطبراني والآجري وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جل ذكره يوم خلق آدم قبض من صلبه قبضتين، فوقع كل طيب في يمينه وكل خبيث بيده الأخرى، فقال: هؤلاء أصحاب الجنة ولا أبالي وهؤلاء أصحاب النار ولا أبالي، ثم أعادهم في صلب آدم فهم ينسلون على ذلك إلى الآن» .

وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين «هذه في الجنة ولا أبالي» .

وأخرج البزار والطبراني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين «هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه.

قال: فتفرق الناس وهم لا يختلفون في القدر» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والآجري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم ضرب بيده على شق آدم الأيمن، فأخرج ذرأ كالذر فقال: يا آدم هؤلاء ذريتك من أهل الجنة، ثم ضرب بيده على شق آدم الأيسر فأخرج ذرأ كالحمم، ثم قال: هؤلاء ذريتك من أهل النار» .

وأخرج أحمد عن أبي نضر.

فإن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له أبو عبد الله، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي فقالوا له: ما يبكيك؟

قال: سمعت رسول الله يقول: «إن الله قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى، فقال: هذه لهذه وهذه لهذه ولا أبالي، فلا أدري في أي القبضتين أنا؟» .

وأخرج ابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قبض قبضة فقال: للجنة برحمتي، وقبض قبضة فقال: إلى النار ولا أبالي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: إن الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى يوم القيامة، فأخرجهم مثل الذر ثم قال: ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ قالت الملائكة: شهدنا.

ثم قبض قبضة بيمينه فقال: هؤلاء في الجنة.

ثم قبض قبضة أخرى فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ﴾ قال: عن الميثاق الذي أخذ عليهم ﴿ أو يقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ﴾ فلا يستطيع أحد من خلق الله من الذرية ﴿ أن يقولوا إنما أشرك آباؤنا ﴾ ونقضوا الميثاق ﴿ وكن نحن ذرية من بعدهم أفتهلكنا ﴾ بذنوب آبائنا وبما فعل المبطلون.

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ الآية: في معناها قولان: أحدهما: أن الله لما خلق آدم أخرج ذريته من صلبه وهم مثل الذر، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم، فأقروا بذلك والتزموه، روي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم.

والثاني: أن ذلك من باب التمثيل، وأن أخذ الذرية عبارة عن إيجادهم في الدنيا وأما إشهادهم فمعناه أن الله نصب لبني آدم الأدلة على ربوبيته فشهدت بها عقولهم، فكأنه أشهدهم على أنفسهم، وقال لهم: ألست بربكم وكأنهم قالوا بلسان الحال: بلى أنت ربنا، والأول هو الصحيح لتواتر الأخبار به، إلا أن ألفاظ الآية لا تطابقه بظاهرها، فلذلك عدل عنه من قال بالقول الآخر، وإنما تطابقه بتأويل وذلك أن أخذ الذرية إنما كان من صلب آدم، ولفظ الآية يقتضي أن أخذ الذرية من بني آدم، والجمع بينهما أنه ذكر بني آدم في الآية والمراد آدم كقوله: ولقد خلقناكم ثم صورناكم: الآية، وعلى تأويل لقد خلقنا أباكم آدم في صورته، وقال الزمخشري: إن المراد ببني آدم أسلاف اليهود، والمراد بذريتهم من كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيح المشهور أن المراد جمع بني آدم حسبما ذكرناه ﴿ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ ﴾ قولهم بلى: إقرار منهم بأن الله ربهم، فإن تقديره: أنت ربنا، فإن بلى بعد التقرير تقتضي الإثبات، بخلاف نعم فإنها إذا وردت بعد الاستفهام تقتضي الإيجاب، وإذا وردت بعد التقرير تقتضي الإثبات، بخلاف نعم فإنها إذا وردت بعد الاستفهام تقتضي الإيجاب، وإذا وردت بعد التقرير تقتضي النفي، ولذلك قال ابن عباس في هذه الآية: لو قالوا: نعم لكفروا، وأما قولهم: شهدنا؛ فمعناه شهدنا بربوبيتك، فهو تحقيق لربوبية الله وأداء لشهادتهم بذلك عند الله، وقيل: إن شهدنا من قول الله والملائكة؛ أي شهدنا على بني آدم باعترافهم ﴿ أن يقولوا يوم القيامة ﴾ في موضع مفعول من أجله: أي فعلنا ذلك كراهية أن تقولوا، فهو من قول الله لا من قولهم، وقرئ بالتاء على الخطاب لبني آدم، وبالياء على الإخبار عنهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

الباقون: بالهمز.

الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.

بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.

﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.

﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.

﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.

التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.

وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله  فقال  : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.

قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟

فقال رسول الله  : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.

وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه  أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله  إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.

وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين  ﴾ وقال الشاعر.

امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.

والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.

فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.

وعلى هذا فلم يذكر الله  أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.

ويمكن أن يجاب بأنه  يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.

ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.

ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.

ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.

فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.

ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟

وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.

وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.

وقيل: إن الله  يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.

ومنها أنه  قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق  ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.

والجواب لا يجوز أن يخرج الله  من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟

وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.

ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين  ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.

أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.

ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.

﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله  لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.

وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.

وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.

وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.

ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.

وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى  قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.

وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.

فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى  وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.

فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟

فقال: بدعاء بلعم.

فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.

ثم دعا موسى  أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله  مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.

ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله  فلما دعا عليه موسى  انتزع الله  منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه  قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته  ﴾ وفيه أنه  لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟

وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي  وهو الذي قال فيه النبي  : "لقد كاد يسلم" .

وذلك أنه يوحد الله  في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.

وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي  بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.

وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي  نبي الحق عن الحسن والأصم.

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.

قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟

قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.

فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".

وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.

ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله  إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.

يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.

وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.

والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.

وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله  أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.

قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.

وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.

وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.

وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.

قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله  قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.

وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.

وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله  رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.

ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.

قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.

فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.

عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.

قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.

واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.

وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.

ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.

وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله  في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.

﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.

ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.

وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.

وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله  ذكره؟

والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.

أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.

ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.

مطاوع له والخسار لازم اللازم.

ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله  ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.

وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.

وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله  من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.

وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.

وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.

لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.

قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه  أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.

ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.

وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.

وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.

وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.

وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً  ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.

وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.

وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.

ثم إنه  كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول  وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.

والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.

وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب  خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.

وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.

وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.

وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.

أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.

والله  أعلم.

قال بعض العلماء أنه  نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.

وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.

أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.

وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.

وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.

وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.

وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.

وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.

ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره  ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.

وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.

ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره  إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.

وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله  لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.

والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه  .

ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".

وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".

ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".

ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".

ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله  كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.

ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله  لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله  .

ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟

وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله  ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.

يقال قد ألحد في الدين ولحد.

وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.

قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.

والإلحاد في أسماء الله  يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.

والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.

الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.

قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء  ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.

وروى الربيع أن النبي  كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .

وعن الربيع بن أنس أن النبي  قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .

وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.

وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.

والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.

ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.

وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.

يقال متن متانة.

واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.

وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.

التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره  وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه  ، وأنه  لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله  سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

تكلم الناس في تأويل قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ...

﴾ الآية؛ [فمنهم من] يقول: ذلك عندما خلق آدم، أخرج من يكون من ذريته مثل الذر، فعرض عليهم قوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ لكن اختلفوا؛ فمنهم من يقول: جعل بالمبلغ الذي يجري على مثله القلم؛ وهو قول الحسن.

ومنهم من يقول: عرض ذلك على الأرواح [دون الأجساد].

ومنهم من يقول: بلا عرض أنه خلق صنفين، فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء للنار، ولا أبالي.

ومنهم من يقول: عرض الكل على ما عليه أحوالهم وآجالهم في الدنيا، والله أعلم كيف كانت القصة، أو كيف ترى أحوال الفقر والغناء في الذر، أو كيف هؤلاء في [النار] ولا أبالي، مع اجتماعهم على القول "ببلى" لما عرض عليهم في قوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ .

وقد رأينا في تلك الأخبار ما كان الكف عما له المراد، وبخاصّة حفظ العوام وأهل الضعف عن تبليغها ألزم وأعظم في النفع وأبعد عن الشبهة من روايتها وتكلف الكشف عنها، فنسأل الله العصمة عما به الهلاك، والتوفيق للنصح بما به نجاة كل سامع ودفع كل شبهة وحيرة، فإنه لا قوة إلا بالله.

ومنهم من ذهب في تأويل الآية إلى المعروف من [أمر] ذرية آدم، والأخذ عن الأصلاب، والإنشاء في الأرحام؛ على ما كان ويكون إلى يوم القيامة؛ على ما قال الله -  وتعالى -: ﴿ فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ  ﴾ وقال: ﴿ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا...

﴾ الآية [الحج: 5]، وقال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ...

﴾ الآية [المؤمنون: 12]، وقال: ﴿ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً...

﴾ الآية [نوح: 13]، وغير ذلك مما احتج الله به من أوّل ما جرى به تدبير البشر إلى آخر ما ينتهي به أمره، مما يعجز عن تقديره وسع الخلق، ويستتر عن عقولهم كيفية بدء ذلك، وما عليه تنقله من حال إلى حال في كل طرفة عين، ولحظ بصر، مع ما فيه من عجيب التدبير وحسن التقويم الذي [لو] تكلف الخلق تصوير مثله بكل أنواع الحيل من الأصول الظاهرة، بحيث يبصره كل بصر - لكان يعجز عنه، فكيف في الظلمات الثلاث، مع ما ركب فيه من العقل والسمع والبصر، وما جعل في كل ما أنشأ فيه، ومنه مما لا يبلغ الأوهام فضلاً عن الإحاطة بما في ذلك من الحكمة؛ ولذلك قال الله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ وكأن ذلك هو العهد إلى جميع الذرية وإشهاد أنفسهم عليهم، يتعالى من دبرهم على ذلك وأنشأهم على ما فيهم عن أن يكون له [شريك] أو يقدر أحد قدره، فذلك هو معنى إشهادهم على أنفسهم، أي: جعلهم على أنفسهم شهوداً أن يعلموا أن مدبرهم هو ربهم، لا ربّ لهم غيره، وأنه ليس كمثله شيء، مع ما في جعل ذلك ذرية يعرف كل بما يرى من عجزه تدبير ولده، وجهله بأحواله في حال كونه في رحم أبويه بيان على أنه لا كان بآبائه وأمهاته علم، ولكن برب العالمين، وذلك هو الذي يمنعهم عن القول بالغفلة عن ذلك؛ إذ قد علمه كل منهم لآجال كونهم في الوقت الذي لا يذكره أحد.

والذي يبين أن هذا التأويل أحق من الأول ما دل عليه سياق الآية من ذلك قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ ، وأقاويل من ذكرت على الأخذ من ظهر آدم.

والثاني: قوله: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ﴾ وفي قولهم: من ظهر آدم.

والثالث: قوله: ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ وفي التأويل ألاّ تقولوا، فكيف يحذرهم عن القول بذلك وقد علم أنهم كذلك، ليس أحد منهم يذكر ذلك، ولا مما يتقرر عنده لو نبه بكل أنواع التنبيه؟

والرابع: قوله: ﴿ أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ  ﴾ ما في ذلك العرض مما يمنع عن هذا القول، وأيضاً أنه [ذكر في بعض ذلك القول بأن هؤلاء] في النار ولا أبالي، وفي القرآن الجمع بينهم في القول ببلى، وذلك عد توحيداً منهم مع ما في القرآن: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ...

﴾ الآية [البقرة: 28] ﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ...

﴾ الآية [غافر: 11]، وفي إثبات ذلك إثبات الموت والحياة أكثر من العدد الذي جاء به القرآن في الكل، ولا قوة إلا بالله.

ثم قد يتوجه التأويل الثاني [في قوله:] ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ  ﴾ إلى أوجه.

فأما ابتداء الآية فهو ذلك عند التحقيق؛ لأنه ذكر الأخذ من بني آدم ثم من ظهورهم، والمأخوذ من بني آدم ثم من ظهورهم هو النطف، وهو الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ﴾ أعلمهم ما منه أنشأهم وقلبهم من حال إلى حال، إلى أن تمت النسمة وظهرت البشرية على ما أعلم كل في ذريته خروج بدئه من تدبير والديه، وقيامه على ما عليه مداره وقراره، وبتدبير من لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمر؛ ليقولوا: إن الذي ذكر هذا هو ربهم الذي رباهم على ذلك، ليس كمثله شيء، فكان ذلك إعلاماً من الله إياهم على أنفسهم، وشهادة منها بالخلقة أنه ربهم الذي رباهم وملكهم على ما جرى فيهم من تدبير الله - جل ثناؤه - ولئلا يقولوا غداً: إنهم عن هذا غافلين؛ إذ قد عرف ذا كل ذي عقل، وعرف أنه كان بالله -  وتعالى - لا بوالديه؛ ليجعلوا شرك الآباء والأمهات لأنفسهم حجة من حيث كانوا منهم، والله أعلم.

والثاني: أن يكون الله أشهدهم على أنفسهم بما أراهم من أحوال ذريتهم في الانتقال على أحوال أن أنفسهم كذلك كانت دخل كل منهم بجوهرهم في ذلك التدبير؛ ليعلموا أن الذي دبرهم على ذلك دبر الكل، [فيزول عنهم شبهة أن الكون] بغير الرب الذي ليس كمثله شيء، فيزول عنهم به عذر الغفلة وعلاقة الشبهة بكفر الوالدين من حيث حق التبعية، أو سفه التقليد بما يعلم خروج الجميع من التدبير، ورجوع التدبير إلى غير؛ ليكون موضع الاستدلال بما أمرهم هو ودعاهم إليه، لا بما أمرهم به الآباء والأمهات.

ثم القول ببلى يكون نطقاً، ويكون خلقة، ويكون جواب الفطرة بحق التأمل، فالنطق أنه لا يسأل أحد قبل التلقين إلا وهو يقول بالرب والخالق؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ .

والخلقة بما كان من حاجته إلى مقيم وإلى مدبر على شركة كل في ذلك إقرار له بالربوبية، وذلك معنى نفي التفاوت عن خلقه وفطرته بما يقلبه عن أحوال لو تأمّل الخلائق إدراك كل حال منها ووجه التنقل وقدر التغير في كل حال لما تهيأ لهم؛ ليعلم أن في الفطرة شهادة بالتوحيد، وهذا معنى ما روي عن رسول الله  أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة" أي: على حال لو تركت العقول والفكر فيها لشهدت بالتوحيد، وذلك [معنى] قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ لا أن ثم قول لسان؛ بل نطق حال؛ كما قال الحكيم: كل صامت ناطق؛ لأن صمته دليل تدبير آخر، فهو ناطق بالبيان عن الواحد العزيز، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل الإشهاد أن جعلهم شهداء على أنفسهم بالعبودة لله، وأنه ربهم والمالك عليهم، والقول بـ"بلى" بما يلزم ذلك بالتأمل؛ فكأنه قال، والله أعلم.

وفي الآية دلالة إثبات خلق الله فعل الخلق، وقد أخبر الله أنه أخذ ذلك، والله أعلم.

فإن قيل: على ماذا يخرج تأويل السلف؟

قيل: لعلهم وجدوا فيه خبراً ظنوا أن الآية تخرج عليه، فأولوها على ذلك، فإذا أريد تسوية ذلك بالآية لا بد من زيادات تلحق بها أو تخرج عنها، وإلا [لا] يخرج من ذلك [عن] أن يقول: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ ﴾ أن يجعل "من" صلة؛ كأنه قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم، وقد تكون كقوله: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ .

[وبنو آدم] يؤخذ من ظهر آدم كما يؤخذ ابن كل من ظهورهم، أي: أصل ابن كل من ظهره، وذكر ظهورهم؛ لما كان منسوباً إليهم، وإن كان لو طرح حرف الصلة تزول الشبه، فحفظ في ذكرهم حق الوصل وإن كان حقه الإسقاط؛ كقوله: ﴿ وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ...

﴾ الآية [الطلاق: 8]، وغير ذلك [مما كنى] عن أهل القرية باسمها، وعلى ذلك أجري ذلك الفعل وإن لم يكن لها في الحقيقة فعل؛ فعلى ذلك هذا، فيصير في التحصيل كأنه قال: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهره، ثم يكون المأخوذ الذي عرض عليه مجعولاً على حد يعقل الخطاب، ومعنى قوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ﴾ فأجاب بالذي ذكر.

والخبر الذي فيه القسمة إما أن كان لا في هذا فوصل به، أو كان في الآية ذكر إجابة أحد الفريقين، أو كان بين الجميع اتفاق في هذا الحرف واختلاف فيما جاوز هذا، فالقسمة لما عداه، وقد يوجد في هذا القدر - أيضاً - اتفاق.

ثم قوله: ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ ﴾ .

على إضمار بعث الرسل وإنزال الكتاب بالإخبار عن ذلك؛ لئلا يدعو الغفلة بما كانت منهم ذلك بما أوقظوا ونبهوا، أو بما لا يحتجون بما اعترضهم من الغفلة؛ إذ قد قطع عذرهم بغير ذلك من الأدلة والرسل، والله أعلم.

أو لا يقولوا: ﴿ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ ﴾ أي: بعث الرسل، وإنزال الكتب لقطع هذا النوع من الشبه على الوجهين اللذين ذكرت؛ [كقوله]: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ...

﴾ الآية [طه: 134]، وقوله: ﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ...

﴾ الآية [القصص: 47]، وقوله: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ...

﴾ الآية [الإسراء: 15]، ويكون في التأويل الأول ظهور أمر الذرية للأولاد في الخروج عن تدبير الآباء والأمهات لقطع الحجاج بهذين الحرفين، وفي الثاني نزول الكتب وإرسال الرسل مع ما أمكن جعل هذا في التأويلين جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ ﴾ على وجهين: أحدهما: على البيان، أي: نبين ما يكشف العمه ويزيل الشبهة.

والثاني: أن نفرقها ونضع كل واحدة منها في أحق مواضعها وأولى ذلك؛ لقطع العذر ودفع العلل.

وقوله: ﴿ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ إن تأملوا ما هم عليه من الباطل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ .

يخرج على وجوه: أحدها: أن يكون ذلك الإهلاك ليس هو التعذيب، لكنه الإماتة؛ كقوله -  -: ﴿ إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ  ﴾ أي [لك أن] تميتنا إذ فعل السفهاء ما تبقيهم، وألاّ يبقيهم؛ لما يرجى من التوبة، أو يحدث منهم من لم يسفه، والإضافة إلى الجملة بوجهين [أحدهما]: على إرادة من سفه منهم.

والثاني: على الكل؛ إذ الموت حق مكتوب على جميع البشر، لا على التعذيب، [والثاني على التعذيب] على معنى: لا تفعل أنت ذلك، كما يقول الرجل: أنا أفعل هذا، أو أنت تفعل هذا؛ على التبري والتبرئة، وقوله: ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ  ﴾ أي: تفعله ابتلاء لا تعذيباً.

والثالث: أن يكون على الإيجاب يجمعهم في ذلك، وإن كان الذي استحق بعضهم بحق المحنة؛ إذ له ذلك ابتداء، وذلك نحو أمر أحد بما ابتلاهم، وإن لم يكن منهم جميعاً المعصية، وعلى ذلك أمر جميع أنواع المصائب يجمع فيها بين أهل الخير والشر بحق المحنة لا العقوبة، وإن كان [ذلك] في بعضهم عقوبة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أو تحتجوا بأن آباءكم هم الذين نقضوا العهد فأشركوا بالله، وأنكم كنتم مقلدين لآبائكم فيما وجدتموهم عليه من الشرك، فتقولوا: أفتؤاخذنا -يا ربنا- بما فعله آباؤنا الذين أبطلوا أعمالهم بالشرك بالله فتعذبنا؟

فلا ذنب لنا؛ لجهلنا وتقليدنا لآبائنا.

<div class="verse-tafsir" id="91.QG9jX"

مزيد من التفاسير لسورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل