الإسلام > القرآن > سور > سورة 7 الأعراف > الآية ١٧٥ من سورة الأعراف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 151 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٧٥ من سورة الأعراف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن الأعمش ومنصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، في قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها [ فأتبعه ] ) الآية ، قال : هو رجل من بني إسرائيل ، يقال له : بلعم بن أبر .
وكذا رواه شعبة وغير واحد ، عن منصور ، به .
وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] هو صيفي بن الراهب .
قال قتادة : وقال كعب : كان رجلا من أهل البلقاء ، وكان يعلم الاسم الأكبر ، وكان مقيما ببيت المقدس مع الجبارين .
وقال العوفي ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] هو رجل من أهل اليمن ، يقال له : بلعم ، آتاه الله آياته فتركها .
وقال مالك بن دينار : كان من علماء بني إسرائيل ، وكان مجاب الدعوة ، يقدمونه في الشدائد ، بعثه نبي الله موسى إلى ملك مدين يدعوه إلى الله ، فأقطعه وأعطاه ، فتبع دينه وترك دين موسى ، عليه السلام .
وقال سفيان بن عيينة ، عن حصين ، عن عمران بن الحارث ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] هو بلعم بن باعر .
وكذا قال مجاهد وعكرمة .
وقال ابن جرير : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا إسرائيل ، عن مغيرة ، عن مجاهد ، عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ] قال : هو بلعام - وقالت ثقيف : هو أمية بن أبي الصلت .
وقال شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، عن نافع بن عاصم ، عن عبد الله بن عمرو [ رضي الله عنهما ] في قوله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه [ آياتنا ] ) قال : هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت .
وقد روي من غير وجه ، عنه وهو صحيح إليه ، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه ، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ، ولكنه لم ينتفع بعلمه ، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته ، وظهرت لكل من له بصيرة ، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه ، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم ، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة ، قبحه الله [ تعالى ] وقد جاء في بعض الأحاديث : " أنه ممن آمن لسانه ، ولم يؤمن قلبه " ; فإن له أشعارا ربانية وحكما وفصاحة ، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان عن أبي سعيد الأعور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) قال : هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن ، وكانت له امرأة له منها ولد ، فقالت : اجعل لي منها واحدة .
قال : فلك واحدة ، فما الذي تريدين ؟
قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل .
فدعا الله ، فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل ، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه ، وأرادت شيئا آخر ، فدعا الله أن يجعلها كلبة ، فصارت كلبة ، فذهبت دعوتان .
فجاء بنوها فقالوا : ليس بنا على هذا قرار ، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها ، فدعا الله ، فعادت كما كانت ، فذهبت الدعوات الثلاث ، وسميت البسوس .
غريب .
وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة ، فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل ، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هو رجل من مدينة الجبارين ، يقال له : " بلعام " وكان يعلم اسم الله الأكبر .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيره من علماء السلف : كان [ رجلا ] مجاب الدعوة ، ولا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه .
وأغرب ، بل أبعد ، بل أخطأ من قال : كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها .
حكاه ابن جرير ، عن بعضهم ، ولا يصح وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : لما نزل موسى بهم - يعني بالجبارين - ومن معه ، أتاه يعني بلعام - أتاه بنو عمه وقومه ، فقالوا : إن موسى رجل حديد ، ومعه جنود كثيرة ، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا ، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه .
قال : إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ، ذهبت دنياي وآخرتي .
فلم يزالوا به حتى دعا عليهم ، فسلخه الله ما كان عليه ، فذلك قوله تعالى : ( فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان [ من الغاوين ] ) وقال السدي : إن الله لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ) [ المائدة : 26 ] بعث يوشع بن نون نبيا ، فدعا بني إسرائيل ، فأخبرهم أنه نبي ، وأن الله [ قد ] أمره أن يقاتل الجبارين ، فبايعوه وصدقوه .
وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له : " بلعم " وكان عالما ، يعلم الاسم الأعظم المكتوم ، فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين وقال لهم : لا ترهبوا بني إسرائيل ، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعوا عليهم دعوة فيهلكون !
وكان عندهم فيما شاء من الدنيا ، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء ، يعظمهن فكان ينكح أتانا له ، وهو الذي قال الله تعالى ) فانسلخ منها ) وقوله : ( فأتبعه الشيطان ) أي : استحوذ عليه وغلبه على أمره ، فمهما أمره امتثل وأطاعه ; ولهذا قال : ( فكان من الغاوين ) أي : من الهالكين الحائرين البائرين .
وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال : حدثنا محمد بن مرزوق ، حدثنا محمد بن بكر ، عن الصلت بن بهرام ، حدثنا الحسن ، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد ; أن حذيفة - يعني ابن اليمان ، رضي الله عنه - حدثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن ، حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان ردء الإسلام اعتراه إلى ما شاء الله ، انسلخ منه ، ونبذه وراء ظهره ، وسعى على جاره بالسيف ، ورماه بالشرك " .
قال : قلت : يا نبي الله ، أيهما أولى بالشرك : المرمي أو الرامي ؟
قال : " بل الرامي " .
هذا إسناد جيد والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين ، ولم يرم بشيء سوى الإرجاء ، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ، وغيرهما .
القول في تأويل قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " واتل "، يا محمد، على قومك = " نبأ الذي آتيناه آياتنا ", يعني خبره وقصته.
(76) * * * وكانت آيات الله للذي آتاه الله إياها فيما يقال: اسم الله الأعظم = وقيل: النبوّة.
* * * واختلف أهل التأويل فيه.
فقال بعضهم: هو رجل من بني إسرائيل.
(77) * ذكر من قال ذلك: 15381 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله في هذه الآية: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو بَلْعَم.
15382 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله, مثله.
15383 - ....
قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله قال: هو بلعم بن أَبَر.
15384 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بَلْعَم بن أَبَر.
15385 - حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر وابن مهدي وابن أبي عدي، قالوا: حدثنا شعبة, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن عبد الله: أنه قال في هذه الآية, فذكر مثله =ولم يقل: " بن أبر ".
15386 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عمرو, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن أَبَر.
15387 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن عمران بن الحارث, عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعر.
15388 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) إلى (فكان من الغاوين)، هو بلعم بن أبَر.
15389 - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا الثوري, عن الأعمش, عن منصور عن أبي الضحى, عن مسروق, عن ابن مسعود, مثله =إلا أنه قال ابن أَبُر, بضم " الباء ".
15390 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.
15391 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (فانسلخ منها) قال: بلعام بن باعر, من بني إسرائيل.
15392 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد قال: سمعت مجاهدًا يقول, فذكر مثله.
15393 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: ثني حجاج, عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن كثير, أنه سمع مجاهدًا يقول, فذكر مثله.
15394 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن وابن أبي عدي, عن شعبة, عن حصين, عن عكرمة قال في الذي (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو بلعام.
15395 - وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر, عن شعبة, عن حصين, عن عكرمة قال: هو بلعم.
15396 - ....
قال: حدثنا عمران بن عيينة, عن حصين, عن عكرمة قال: هو بلعم.
15397 - حدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر قال: حدثنا شعبة, عن حصين قال: سمعت عكرمة يقول: هو بلعام.
15398 - حدثنا الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن حصين, عن مجاهد قال: هو بلعم.
15399 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا إسرائيل, عن مغيرة, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: هو بلعم.
= وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت.
(78) * * * وقال آخرون: كان بلعم هذا من أهل اليمن.
* ذكر من قال ذلك: 15400 - حدثني محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل يدعى بلعم، من أهل اليمن.
* * * وقال آخرون: كان من الكنعانيين.
* ذكر من قال ذلك: 15401 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم.
* * * وقال آخرون: هو أمية بن أبي الصلت.
* ذكر من قال ذلك: 15402 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سعيد بن السائب, عن غطيف بن أبي سفيان, عن يعقوب ونافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو أمية بن أبي الصلت.
(79) 15403 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي قال: أنبأنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم قال: قال عبد الله بن عمرو: هو صاحبُكم أمية بن أبي الصلت.
(80) 15404 - حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا عبد الرحمن ووهب بن جرير قالا حدثنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن نافع بن عاصم, عن عبد الله بن عمرو، بمثله.
15405 - حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت, عن رجل, عن عبد الله بن عمرو: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ قال: هو أمية بن أبي الصلت.
15406 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا غندر, عن شعبة, عن يعلى بن عطاء قال: سمعت نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال في هذه الآية: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو صاحبكم = يعني أمية بن أبي الصلت.
15407 - ....
قال: حدثنا أبي, عن سفيان عن حبيب, عن رجل، عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية بن أبي الصلت.
15408 - ....
قال: حدثنا يزيد, عن شريك, عن عبد الملك, عن فضالة =أو ابن فضالة= عن عبد الله بن عمرو قال: هو أمية.
15409 - حدثنا ابن حميد قال: حدثنا حكام, عن عنبسة, عن عبد الملك بن عمير قال: تذاكروا في جامع دمشق هذه الآية: (فانسلخ منها)، فقال بعضهم: نـزلت في بلعم بن باعوراء, وقال بعضهم: نـزلت في الراهب.
(81) = فخرج عليهم عبد الله بن عمرو بن العاص, فقالوا: فيمن نـزلت هذه؟
قال: نـزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي.
15410 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الكلبي: (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: هو أمية بن أبي الصلت, وقال قتادةُ: يشكّ فيه, يقول بعضهم: بلعم, ويقول بعضهم: أمية بن أبي الصلت.
* * * قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في الآيات التي كان أوتيها، التي قال جل ثناؤه: (آتيناه آياتنا) .
فقال بعضهم: كانت اسمَ الله الأعظم.
* ذكر من قال ذلك: 15411 - حدثني موسى قال: حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي قال: إن الله لما انقضت الأربعون سنة = يعني التي قال الله فيها: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، [سورة المائدة: 26] بعث يوشع بن نون نبيًّا, فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبيٌّ، وأن الله قد أمره أن يقاتل الجبَّارين, فبايعوه وصدَّقوه.
وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: " بلعم " وكان عالمًا يعلم الاسم الأعظم المكتوم, فكفر، وأتى الجبارين, فقال: لا ترهبوا بني إسرائيل, فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوةً فيهلكون !
وكان عندهم فيما شاء من الدنيا, غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساءَ من عِظَمهنّ, (82) فكان ينكح أتانًا له, (83) وهو الذي يقول الله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)، : أي تبصَّر، (84) فانسلخ منها, إلى قوله: وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ .
(85) 15412 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) قال: هو رجل يقال له: " بلعم ", وكان يعلم اسم الله الأعظم.
15413 - حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد, في قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) قال: كان لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.
* * * وقال آخرون: بل الآيات التي كان أوتيها كتابٌ من كتب الله.
* ذكر من قال ذلك: 15414 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا أبو تميلة, عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد، وعكرمة, عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل بلعام بن باعر أوتي كتابًا.
(86) وقال آخرون: بل كان أوتي النبوّة.
* ذكر من قال ذلك: 15415 - حدثني الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا أبو سعد, عن غيره = قال: الحارث: قال عبد العزيز: يعني: عن غير نفسه=، عن مجاهد قال: هو نبي في بني إسرائيل, يعني بلعم, أوتي النبوّة, فرشاه قومه على أن يسكت, ففعل وتركهم على ما هُمْ عليه.
15416 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا المعتمر بن سليمان, عن أبيه, أنه سُئل عن الآية: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)، فحدّث عن سَيَّار أنه كان رجلا يقال له " بلعام ", وكان قد أوتي النبوّة, وكان مجابَ الدعوة.
(87) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمرَ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه خبرَ رجلٍ كان الله آتاه حُجَجه وأدلته, وهي " الآيات ".
وقد دللنا على أن معنى " الآيات ": الأدلة والأعلام، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.
(88) = وجائز أن يكونَ الذي كان الله آتاه ذلك " بلعم " =وجائز أن يكون أمية.
وكذلك " الآيات " إن كانت بمعنى الحجة التي هي بعض كتب الله التي أنـزلها على بعض أنبيائه, فتعلمها الذي ذكره الله في هذه الآية, وعناه بها; فجائز أن يكون الذي كان أوتيها " بلعم " =وجائز أن يكون " أمية ", لأن " أمية " كان، فيما يقال، قد قرأ من كتب أهل الكتاب.
وإن كانت بمعنى كتاب أنـزله الله على مَنْ أمر نبيَّ الله عليه الصلاة والسلام أن يتلوَ على قومه نبأه =أو بمعنى اسم الله الأعظم= أو بمعنى النبوّة =, فغير جائز أن يكون معنيًّا به " أمية "; لأن " أمية " لا تختلف الأمة في أنه لم يكن أوتي شيئًا من ذلك، ولا خبرَ بأيِّ ذلك المراد، وأيّ الرجلين المعنيّ ، يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أيِّ ذلك المعنيُّ به من أيٍّ.
(89) فالصواب أن يقال فيه ما قال الله, ونُقِرّ بظاهر التنـزيل على ما جاء به الوحي من الله.
* * * وأما قوله: (فانسلخ منها)، فإنه يعني: خرج من الآيات التي كان الله آتاها إياه, فتبرَّأ منها.
وبنحو ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 15417 - حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قال: لما نـزل موسى عليه السلام ....
(90) =يعني بالجبارين= ومن معه، أتاه =يعني بلعم= أتاه بنُو عمّه وقومُه، (91) فقالوا: إن موسى رجلٌ حديد, ومعه جنودٌ كثيرة, وإنه إنْ يظهر علينا يهلكنا.
فادع الله أن يردَّ عنَّا موسى ومن معه.
قال: إني إنْ دعوت الله أن يردَّ موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي!
فلم يزالوا به حتى دعا عليهم, فسلخه الله مما كان عليه, فذلك قوله: (فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين) .
15418 - حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: كان الله آتاه آياته فتركها.
15419 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج قال: قال ابن جريج: قال ابن عباس: (فانسلخ منها) قال: نـزع منه العلم.
* * * وقوله: (فأتبعه الشيطان)، يقول: فصيَّره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله, ويخالف أمر ربِّه في معصية الشيطان وطاعةِ الرحمن.
* * * وقوله: (فكان من الغاوين)، يقول: فكان من الهالكين، لضلاله وخلافه أمر ربه، وطاعة الشيطان.
(92) ------------------ الهوامش : (76) انظر تفسير (( تلا )) فيما سلف : 12 : 215 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك = وتفسير (( النبأ )) فيما سلف ص : 7 تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
(77) انظر خبر (( بلعم بن باعور )) في تاريخ الطبري 1 : 226 - 228 .
(78) هذه الجملة ، (( وقالت ثقيف ...
)) ، حذفت من المطبوعة ، وهي ثابتة في المخطوطة ، ولا أدري أهي من كلام أبي جعفر ، أم كلام ابن عباس ، أو من كلام بعض رواة خبر ابن عباس .
والأرجح أنها من قول بعض رواة الخبر .
(79) (2) الأثر : : 15402 - (( سعيد بن السائب بن يسار الثقفي الطائفي )) ، (( سعيد بن أبي حفص )) ثقة ، كان بعضهم يعده من الأبدال ، وكانت لا تجف له دمعة .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 439 ، وابن أبي حاتم 2/1/30 .
و (( غطيف بن أبي سفيان الطائفي )) أو (( غضيف )) ، تابعى ثقة .
مترجم في التهذيب 0 ( غضيف ) ، والكبير 4/1/106 ( غطيف ) ، وابن أبي حاتم 3/2/55 ، (غضيف ) .
وكان في المطبوعة : (( غضيف )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
و (( نافع بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي )) ، تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 84 ، وابن أبي حاتم 4 / 1 / 454 .
(80) الأثر : 15403 - (( يعلى بن عطاء العامري الطائفي )) ، مضى برقم : 2858 ، 11527 ، 11529 .
(( نافع بن عاصم الثقفي )) ، مضى في الأثر السالف ، ولذلك قال له عبد الله بن عمرو : (( هو صاحبكم )) ، لأنه ثقفي مثله .
(81) (( الراهب )) ، هو (( أبو عامر الراهب ، عبد عمرو بن صيفي من مالك بن النعمان )) ، كان يسمى في الجاهلية (( الراهب )) ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أبا عامر الفاسق )) ، وخبره مشهور في السير .
(82) في المطبوعة : (( النساء يعظمهن )) ، غير ما في المخطوطة ، فأفسد .
وإنما عنى عظم نساء الجبارين ، وقد وصفوا بأجسام لا يعرف قدرها إلا الله .
(83) (( الأتان )) أنثى الحمار .
(84) في المطبوعة : (( أي تنصل )) ، وأثبت ما في المخطوطة .
أما في التاريخ : (( فبصر )) ، والصواب ما في المخطوطة .
(85) الأثر : 15411 - رواه أبو جعفر في تاريخه 1 : 227 ، 228 ، وسيأتي بتمامه برقم : 15423 .
(86) الأثر : 15414 - سيأتي مطولا برقم : 15432.
(87) الأثر : 15416 - سيأتي بطوله برقم 15420 .
(88) انظر تفسير (( الآية )) فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .
(89) ( 1) السياق : (( ولا خبر بأي ذلك المراد ، وأي الرجلين المعنى ...
ولا في العقل دلالة على أي ذلك المعنى به من أي )) .
وانظر تفسير (( أي ذلك من أي )) فيما سلف ص : 182 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .
وكان في المطبوعة والمخطوطة : (( على أن ذلك المعنى به من أي )) ، والصواب ما أثبت .
(90) في المخطوطة ، بياض بعد (( عليه السلام )) ، وبالهامش حرف ( ط ) دلالة على الخطأ .
(91) في المطبوعة ، حذف (( أتاه )) الثانية .
(92) انظر تفسير (( غوى )) فيما سلف 5 : 416 / 12 : 333 / 13 : 114 .
قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة .
واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات .
فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، ويقال ناعم ، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام ، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش .
وهو المعني بقوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ولم يقل آية ، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه .
ثم صار بحيث إنه كان أول من صنف كتابا في أن " ليس للعالم صانع " .
قال مالك بن دينار : بعث بلعام بن باعوراء إلى ملك مدين ليدعوه إلى الإيمان ; فأعطاه وأقطعه فاتبع دينه وترك دين موسى ; ففيه نزلت هذه الآيات .
روى المعتمر بن سليمان عن أبيه قال : كان بلعام قد أوتي النبوة ، وكان مجاب الدعوة ، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل يريد قتال الجبارين ، سأل [ ص: 286 ] الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعو على موسى فقام ليدعو فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه .
فقيل له في ذلك ; فقال : لا أقدر على أكثر مما تسمعون ; واندلع لسانه على صدره .
فقال : قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة ، وسأمكر لكم ، فإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنى ، فإن وقعوا فيه هلكوا ; ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنى ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفا .
وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثعلبي وغيره .وروي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين ، فاستجيب له وبقي في التيه .
فقال موسى : يا رب ، بأي ذنب بقينا في التيه .
فقال : بدعاء بلعام .
قال : فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه .
فدعا موسى أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم ; فسلخه الله ما كان عليه ، وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له : وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالى عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الآيات والكرامات ، فقال الله تعالى : لم يشكرني يوما من الأيام على ما أعطيته ، ولو شكرني على ذلك مرة لما سلبته .
وقال عكرمة : كان بلعام نبيا وأوتي كتابا .
وقال مجاهد : إنه أوتي النبوة ; فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه .
قال الماوردي : وهذا غير صحيح ; لأن الله تعالى لا يصطفي لنبوته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم : نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت ، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول ، فلما أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به .
وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " آمن شعره وكفر قلبه " .وقال سعيد بن المسيب : نزلت في أبي عامر بن صيفي ، وكان يلبس المسوح في الجاهلية ; فكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم .
وذلك أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فقال : يا محمد ، ما هذا الذي جئت به ؟
قال : جئت بالحنيفية دين إبراهيم .
قال : فإني عليها .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها .
فقال أبو عامر : أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم أمات الله الكاذب منا كذلك - وإنما قال هذا يعرض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة - فخرج أبو عامر إلى الشأم ومر إلى قيصر وكتب إلى المنافقين : استعدوا فإني آتيكم من عند قيصر بجند لنخرج محمدا من المدينة ; فمات بالشام وحيدا .
وفيه نزل : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وسيأتي في " براءة " .
وقال ابن عباس في رواية : نزلت في [ ص: 287 ] رجل كان له ثلاث دعوات يستجاب له فيها ، وكانت له امرأة يقال لها " البسوس " فكان له منها ولد ; فقالت : اجعل لي منها دعوة واحدة .
فقال : لك واحدة ، فما تأمرين ؟
قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل .
فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه ; فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة .
فذهب فيها دعوتان ; فجاء بنوها وقالوا : لا صبر لنا عن هذا ، وقد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها ، فادع الله أن يردها كما كانت ; فدعا فعادت إلى ما كانت ، وذهبت الدعوات فيها .والقول الأول أشهر ، وعليه الأكثر .
قال عبادة بن الصامت : نزلت في قريش ، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله - تعالى - على محمد صلى الله عليه وسلم فانسلخوا منها ، ولم يقبلوها .
قال ابن عباس : كان بلعام من مدينة الجبارين .
وقيل : كان من اليمن .فانسلخ منها أي من معرفة الله تعالى ، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه .
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالى على ابن آدم .
فهذا مثل علم بلعام وأشباهه ، نعوذ بالله منه ; ونسأله التوفيق والممات على التحقيق .والانسلاخ : الخروج ; يقال : انسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه .
وقيل : هذا من المقلوب ، أي انسلخت الآيات منه .
فأتبعه الشيطان أي لحق به ; يقال : أتبعت القوم أي لحقتهم .
وقيل : نزلت في اليهود والنصارى ، انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به .
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا أي: علمناه كتاب اللّه، فصار العالم الكبير والحبر النحرير.
فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات اللّه، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب اللّه وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس.
فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا.
فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ بعد أن كان من الراشدين المرشدين.
قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) الآية .
اختلفوا فيه ، قال ابن عباس : هو بلعم بن باعوراء .
وقال مجاهد : بلعام بن باعر .
وقال عطية عن ابن عباس : كان من بني إسرائيل .
وروي عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين وقال مقاتل : هو من مدينة بلقا .
وكانت قصته - على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم - وكان عنده اسم الله الأعظم - فقالوا : إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير ، وإنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل ، وأنت رجل مجاب الدعوة ، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا ، فقال : ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم ، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي ، فراجعوه وألحوا عليه فقال : حتى أؤامر ربي ، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم ، فقيل له في المنام : لا تدع عليهم ، فقال لقومه : إني قد آمرت ربي وإني قد نهيت فأهدوا إليه هدية فقبلها ، ثم راجعوه فقال : حتى أؤامر ، فآمر ، فلم يوح إليه شيء ، فقال : قد آمرت فلم يجز إلي شيء ، فقالوا : لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى ، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان ، فلما سار عليها غير كثير ربضت به ، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها قامت فركبها ، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ، ففعل بها مثل ذلك فقامت ، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت ، فضربها حتى أذلقها ، أذن الله لها بالكلام فكلمته حجة عليه ، فقالت : ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟
ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟
أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟
فلم ينزع ، فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه ، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل .
فقال له قومه : يا بلعم أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟!
فقال : هذا ما لا أملكه ، هذا شيء قد غلب الله عليه ، فاندلع لسانه فوقع على صدره ، فقال لهم : قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة ، فسأمكر لكم وأحتال ، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه ، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها ، فإنهم إن زنا رجل واحد منهم كفيتموهم ، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين ، اسمها كستى بنت صور ، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب ، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى ، فقال : إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟
قال : أجل هي حرام عليك لا تقربها ، قال : فوالله لا أطيعك في هذا ، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت ، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى ، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش ، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع ، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل ، فأخبر الخبر ، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها ، ثم دخل عليهما القبة ، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته ، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء ، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته ، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار ، وجعل يقول : اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك ، ورفع الطاعون ، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص ، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار ، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحي ، لاعتماده بالحربة على خاصرته ، وأخذه إياها بذراعه ، وإسناده إياها إلى لحيته ، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم ، لأنه كان بكر العيزار وفي بلعم أنزل الله تعالى : " واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " الآية .
وقال مقاتل : إن ملك البلقاء قال لبلعام : ادع الله على موسى ، فقال : إنه من أهل ديني لا أدعو عليه ، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه ، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها ، فقالت : لم تضربني؟
إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك فقال : لتدعون عليه أو لأصلبنك ، فدعا على موسى بالاسم الأعظم : أن لا يدخل المدينة ، فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه ، فقال موسى : يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟
فقال : بدعاء بلعام .
قال : فكما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه ، فدعا موسى عليه السلام أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان ، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء ، فذلك قوله : " فانسلخ منها " .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ، وسعيد بن المسيب ، وزيد بن أسلم : نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي ، وكانت قصته : أنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول ، فلما أرسل محمد - صلى الله عليه وسلم - حسده وكفر به ، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة ، وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر ، فسأل عنهم فقيل : قتلهم محمد ، فقال : لو كان نبيا ما قتل أقرباءه ، فلما مات أمية أتت أخته فارعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن وفاة أخيها فقالت : بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت ، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : وعى؟
قال أزكى؟
قال : أبى ، قالت : فسألته عن ذلك فقال : خير أريد بي ، فصرف عني فغشي عليه ، فلما أفاق قال : كل عيش وإن تطاول دهرا صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه الصغير يوما ثقيلا ثم قال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنشديني من شعر أخيك ، فأنشدته بعض قصائده ، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " آمن شعره وكفر قلبه " ، فأنزل الله - عز وجل - ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ) الآية .
وفي رواية عن ابن عباس : أنها نزلت في البسوس ، رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات ، وكانت له امرأة له منها ولد ، فقالت : اجعل لي منها دعوة ، فقال لك منها واحدة فما تريدين؟
قالت : ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل ، فدعا لها فجعلت أجمل النساء في بني إسرائيل ، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه ، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة ، فذهبت فيها دعوتان ، فجاء بنوها وقالوا : ليس لنا على هذا قرار ، قد صارت أمنا كلبة نباحة ، والناس يعيروننا بها ، ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها ، فدعا الله فعادت كما كانت ، فذهبت فيها الدعوات كلها .
والقولان الأولان أظهر .
وقال الحسن وابن كيسان : نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي - صلى الله عليه وسلم - كما يعرفون أبناءهم .
وقال قتادة : هذا مثل ضربه الله - عز وجل - لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله ، فذلك قوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا " .
قال ابن عباس والسدي : اسم الله الأعظم .
قال ابن زيد : كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه .
وقال ابن عباس في رواية أخرى : أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ ، أي : خرج منها كما تنسلخ ، أي : خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها .
( فأتبعه الشيطان ) أي : لحقه وأدركه ، ( فكان من الغاوين )
«واتل» يا محمد «عليهم» أي اليهود «نبأ» خبر «الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها» خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها، وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، سُئل أن يدعو على موسى وأُهدي إليه شيء، فدعا فانقلب عليه اندلع لسانه على صدره «فأتبعه الشيطان» فأدركه فصار قرينه «فكان من الغاوين».
واقصص -أيها الرسول- على أمتك خبر رجل من بني إسرائيل أعطيناه حججنا وأدلتنا، فتعلَّمها، ثم كفر بها، ونبذها وراء ظهره، فاستحوذ عليه الشيطان، فصار من الضالين الهالكين؛ بسبب مخالفته أمر ربه وطاعته الشيطان.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لمن لا يعمل بعلمه فقال - تعالى- : ( واتل عَلَيْهِمْ .
.
.
) .قال صاحب المنار : هذا مثل ضربه الله - تعالى - للمكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو مثل من آتاه الله آياته فكان عالما بها حافظا لقواعدها وأحكامها قادرا على بيانها والجدل بها ، ولكنه لم يؤت العمل مع العلم ، بل كان عمله مخالفا تمام المخالفة لعلمه فسلب هذه الآيات ، لأن العلم الذى لا يعمل به لا يلبث أن يزول فأشبه الحية التى تنسلخ من جلدها وتخرج منه وتتركه على الأرض ، أو كان فى التباين بين علمه وعمله كالمنسلخ من العلم التارك له ، كالثواب الخلق يلقيه صاحبه ، والثعبان يتجرد من جلده حتى لا تبقى له به صلة على حد قول الشاعر :خلقوا ، وما خلقوا لمكرمة ...
فكأنهم خلقوا وما خلقوارزقوا ، وما رزقوا سماح يد ...
فكأنهم رزقوا وما رزقوافحاصل معنى المثل : أن المكذبين بآيات الله المنزلة على رسوله مع إيضاحها بالحجج والدلائل كالعالم الذى حرم ثمرة الانتفاع من علمه ، لأن كلا منهما لم ينظر فى الآيات نظر تأمل واعتبار وإخلاص " .وقوله - تعالى - ( واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فانسلخ مِنْهَا ) أى : أقرأ على قومك يا محمد ليعتبروا ويتعظوا خبر ذلك الإنسان الذى آتيناه بأن علمناه إياها ، وفهمناه مراميها ، فانسلخ من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة ، أو الحية من جلدها .والمراد أنه خرج منه بالكلية بأن كفر بها ، ونبذها وراء ظهره ، ولم ينتفع بما اشتملت عليه من عظات وإرشادات .وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه ، ويقال لكل شىء فارق شيئا على أتم وجه انسلخ منه .
وفى التعبير به مالا يخفى من المبالغة وقوله : ( فَأَتْبَعَهُ الشيطان فَكَانَ مِنَ الغاوين ) أى : فلحقه الشيطان وأدركه فصار هذا الإنسان بسبب ذلك من زمرة الضالين الراسخين فى الغواية ، مع أنه قبل ذلك كان من المهتدين :وفى التعبير بقوله ( فَأَتْبَعَهُ الشيطان ) مبالغة فى ذم هذا الإنسان وتحقيره ، جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه ، فهو على حد قول الشاعر :وكان فتى من جند إبليس فارتقى ...
به الحال حتى صار إبليس من جندهقال الجمل : أتبعه فيه وجهان :أحدهما : أنه متعد لواحد بمعنى أدركه ولحقه ، وهو مبالغة فى حقه حيث جعل إماما للشيطان .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله: نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفاراً، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه.
فقال: بدعاء بلعم.
فقال: كما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة.
فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.
ويقال أيضاً: إنه كان نبياً من أنبياء الله، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان وصار كافراً.
وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وأبو روق: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمداً عليه الصلاة والسلام حسده، ثم مات كافراً، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «آمن شعره وكفر قلبه» يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض، وأحوال الآخرة، والجنة والنار.
وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم، فمات هناك طريداً وحيداً، وهو قول سعيد بن المسيب.
وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، عن الحسن والأصم وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه، وهو قول قتادة، وعكرمة، وأبي مسلم.
فإن قال قائل: فهل يصح أن يقال: إن المذكور في هذه الآية كان نبياً، ثم صار كافراً؟
قلنا: هذا بعيد، لأنه تعالى قال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف، والدرجات العالية، والمناقب العظيمة، فمن كان هذا حاله، فكيف يليق به الكفر؟
أما قوله تعالى: ﴿ ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ منها ﴾ ففيه قولان: القول الأول: ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ يعني: علمناه حجج التوحيد، وفهمناه أدلته، حتى صار عالماً بها ﴿ فانسلخ مِنْهَا ﴾ أي خرج من محبة الله إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه، ومعنى انسلخ: خرج منها.
يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه.
والقول الثاني: ما ذكره أبو مسلم رحمه الله، فقال قوله: ﴿ ءاتيناه ءاياتنا ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعرى منها، وسواء قولك: انسلخ، وعرى، وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب آمنوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ وقال في حق فرعون: ﴿ وَلَقَدْ أريناه ءاياتنا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وأبى ﴾ وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون، فأعرض وأبى، وكان عادياً ضالاً متبعاً للشيطان.
واعلم أن حاصل الفرق بين القولين: هو أن هذا الرجل في القول الأول، كان عالماً بدين الله وتوحيده، ثم خرج منه، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها، والقول الأول أولى، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها، وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال.
أما قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشيطان ﴾ ففيه وجوه: الأول: أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له.
والثاني: قال عبد الله بن مسلم ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشيطان ﴾ أي أدركه.
يقال: أتبعت القوم.
أي لحقتهم.
قال أبو عبيدة: ويقال: أتبعت القوم، مثال: أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم.
ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم.
أي حتى أدركتهم.
وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ الغاوين ﴾ أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين.
قال أهل المعاني: المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى، ومال إلى الدنيا، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى، وخاب في الآخرة والأولى، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ﴾ قال أصحابنا معناه: ولو شئنا رفعناه للعمل بها، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته، ولفظة (لَوْ) تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان، وقد يريد الكفر.
وقالت المعتزلة: لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه.
فالأول: قال الجبائي معناه: ولو شئنا لرفعناه بأعماله، بأن نكرمه، ونزيل التكليف عنه، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة، فأبى أن يستمر على الإيمان.
الثاني: لو شئنا لرفعناه، بأن نحول بينه وبين الكفر، قهراً وجبراً، إلا أن ذلك ينافي التكليف.
فلا جرم تركناه مع اختياره.
والجواب عن الأول: أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد، وعن الثاني: أنه تعالى إذا منعه منه قهراً، لم يكن ذلك موجباً للثواب والرفعة.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ قال أصحاب العربية: أصل الإخلاد اللزوم على الدوام، وكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، ومنه يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا لزم الإقامة به.
قال مالك بن سويد: بأبناء حي من قبائل مالك *** وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا قال ابن عباس: ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض ﴾ يريد مال إلى الدنيا، وقال مقاتل: بالدنيا، وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.
قال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا، وذلك لأن الدنيا هي الأرض، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض، وإنما يقوى ويكمل بها، فالدنيا كلها هي الأرض، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض، ونقول: لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ، إلا أن قوله: ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله: ﴿ واتبع هَوَاهُ ﴾ معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى، فلا جرم وقع في هاوية الردى، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته، وعلمه الاسم الأعظم، وخصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى، كان بعده عن الله أعظم، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «من ازداد علماً، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً» أو لفظ هذا معناه.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ قال الليث: اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر، فإنه يدلع لسانه من العطش.
واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبهاً بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه: الأول: أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقى نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة.
وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة.
والثاني: أن الرجل العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه، ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث: أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة، فكذلك الأنسان الحريص لا يزال حرصه ألبتة.
أما قوله تعالى: ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضاً لهث، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له، فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له.
فإن قيل: ما محل قوله: ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ .
قلنا: النصب على الحال، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلاً لاهثاً في الأحوال كلها.
ثم قال تعالى: ﴿ ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله قال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال.
ثم قال: ﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يريد يتعظون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتل عَلَيْهِمْ ﴾ على اليهود ﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا ﴾ هو عالم من علماء بني إسرائيل.
وقيل: من الكنعانيين، اسمه بلعم بن باعوراء أوتي علم بعض كتب الله ﴿ فانسلخ مِنْهَا ﴾ من الآيات، بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشيطان ﴾ فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له.
أو فأتبعه خطواته.
وقرئ: ﴿ فاتبعه ﴾ بمعنى فتبعه ﴿ فَكَانَ مِنَ الغاوين ﴾ فصار من الضالين الكافرين.
روي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى وقال: كيف أدعو على من معه الملائكة، فألحوا عليه ولم يزالوا به حتى فعل ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ﴾ لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ مال إلى الدنيا ورغب فيها.
وقيل: مال إلى السفالة.
فإن قلت: كيف علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلق بفعله الذي يستحق به الرفع قلت المعنى.
ولو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها.
وذلك أن مشيئة الله تعالى رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة.
والمراد: ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون ﴿ وَلَوْ شِئْنَا ﴾ في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: ولو شئنا لرفعناه ولكنا لم نشأ ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب ﴾ فصفته التي هي مثل في الخسّة والضعة كصفة الكلب في أخسّ أحواله وأذلها وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حمل عليه- أي شدّ عليه وهيج فطرد- أو ترك غير متعرّض له بالحمل عليه.
وذلك أنّ سائر الحيوان لا يكون منه اللهث إلاّ إذا هيج منه وحرّك، وإلاّ لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعاً، وكان حق الكلام أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته، فوضع قوله ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب ﴾ موضع حططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك.
وعن ابن عباس رضي الله عنه، الكلب منقطع الفؤاد، يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
وقيل: معناه إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال، كالكلب إن طردته فسعى لهث، وإن تركته على حاله لهث.
فإن قلت: ما محل الجملة الشرطية؟
قلت: النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالتين.
وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانه فوقع على صدره، وجعل يلهث كما يلهث الكلب ﴿ ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ من اليهود بعد ما قرؤا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وذكر القرآن المعجز وما فيه، وبشروا الناس باقتراب مبعثه، وكانوا يستفتحون به ﴿ فاقصص ﴾ قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فيحذرون مثل عاقبته، إذا ساروا نحو سيرته، وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي فيزدادوا إيقاناً بك وتزداد الحجة لزوماً لهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى اليَهُودِ.
﴿ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ﴾ هو أحَدُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، أوْ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ فَإنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هو فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، أوْ بُلْعُمُ بْنُ باعُوراءَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ أُوتِيَ عِلْمَ بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ، ﴿ فانْسَلَخَ مِنها ﴾ مِنَ الآياتِ بِأنْ كَفَرَ بِها وأعْرَضَ عَنْها.
﴿ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ﴾ حَتّى لَحِقَهُ وقِيلَ اسْتَتْبَعَهُ.
﴿ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ فَصارَ مِنَ الضّالِّينَ.
رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ سَألُوهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى ومَن مَعَهُ فَقالَ: كَيْفَ أدْعُو عَلى مَن مَعَهُ المَلائِكَةُ، فَألَحُّوا حَتّى دَعا عَلَيْهِمْ فَبَقُوا في التِّيهِ.
<div class="verse-tafsir"
{واتل عليهم} على اليهود {نبأ الذي آتيناه آياتنا} هو عالم من
علماء بني إسرائيل وقيل هو بلعم بن باعوراء أو تى علم بعض كتب الله {فانسلخ مِنْهَا} فخرج من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره فلحقه الشيطان وأدركه وصار قريناً له {فَكَانَ مِنَ الغاوين} فصار من الضالين الكافرين روي أن قومه طلبوا منه أن يدعوا على موسى ومن معه فأبى فلم يزالوا به حتى فعل وكان عنده اسم الله الأعظم
﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ عُطِفَ عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في (إذْ أخَذَ) وارِدٌ عَلى نَمَطِ الإنْباءِ عَنِ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، أيْ: واقْرَأْ عَلى اليَهُودِ أوْ عَلى قَوْمِكَ كَما في الخازِنِ ﴿ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ﴾ أيْ: خَبَرُهُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وهو كَما رَوى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ وغَيْرُهُ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ وفي لَفْظٍ: بِلْعامُ بْنُ باعِرٍ، وكانَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ وعَنْ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَهُ زَوْجَةٌ تُدْعى البَسُوسَ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها ابْنُ حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ النُّعْمانُ بْنُ صَيْفِيٍّ الرّاهِبُ، وكَوْنُهُ إسْرائِيلِيًّا أنْسَبَ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى، والأشْهَرُ أنَّهُ بِلْعامُ أوْ بَلْعَمُ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ تَعالى، ودُونَ ذَلِكَ في الشُّهْرَةِ أنَّهُ أُمَيَّةُ، وكانَ قَدْ قَرَأ بَعْضَ الكُتُبِ ﴿ فانْسَلَخَ مِنها ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الآياتِ انْسِلاخَ الجِلْدِ مِنَ الشّاةِ، والمُرادُ أنَّهُ خَرَجَ مِنها بِالكُلِّيَّةِ بِأنْ كَفَرَ بِها ونَبْذَها وراءَ ظَهْرِهِ، وحَقِيقَةُ السَّلْخِ كَشْطُ الجِلْدِ وإزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ المَسْلُوخِ عَنْهُ، ويُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ فارَقَ شَيْئًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ: انْسَلَخَ مِنهُ، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ، واسْتَأْنَسَ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ العِلْمَ لا يُنْزَعُ مِنَ الرِّجالِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فانْسَلَخَ مِنها ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَزَّ شَأْنُهُ: فانْسَلَخَتْ مِنهُ.
﴿ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ: لَحِقَهُ وأدْرَكَهُ كَما قالَ الرّاغِبُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لَهُ لِسَبْقِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ يُقالُ: أتْبَعْتُ القَوْمَ إذا سَبَقُوكَ فَلَحِقْتَهم وكَأنَّ المَعْنى: جَعَلْتُهم تابِعِينَ لِي بَعْدَ ما كُنْتُ تابِعًا لَهُمْ، وفِيهِ حِينَئِذٍ مُبالَغَةٌ في اللُّحُوقِ؛ إذْ جُعِلَ كَأنَّهُ إمامٌ لِلشَّيْطانِ والشَّيْطانُ يَتْبَعُهُ وهو مِنَ الذَّمِّ بِمَكانٍ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ: وكانَ فَتًى مِن جُنْدِ إبْلِيسَ فارْتَقى بِهِ الحالُ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِهِ وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّ مَعْناهُ اسْتَتْبَعَهُ أيْ: جَعَلَهُ تابِعًا لَهُ، وهو عَلى ما قِيلَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ حُذِفَ ثانِيهِما أيْ: أتْبَعَهُ خُطُواتِهِ.
وقُرِئَ: (فاتَّبَعَهُ) مِنَ الِافْتِعالِ ﴿ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ فَصارَ مِن زُمْرَةِ الضّالِّينَ الرّاسِخِينَ في الغِوايَةِ بَعْدَ أنْ كانَ مُهْتَدِيًا، وكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ بِلْعامُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قَصَدَ حَرْبَ الجَبّارِينَ أتى قَوْمُ بِلْعامَ إلَيْهِ وكانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ فَقالُوا لَهُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ والسَّلامَ رَجُلٌ حَدِيدٌ، وإنَّ مَعَهُ جُنُودًا كَثِيرَةً، وإنَّهُ قَدْ جاءَ لِيُخْرِجَنا مِن أرْضِنا فادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرُدَّهُ عَنّا، فَقالَ: ويْلَكم نَبِيُّ اللَّهِ تَعالى ومَعَهُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ فَكَيْفَ أدْعُو عَلَيْهِمْ وأنا أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما أعْلَمُ، وإنِّي إنْ فَعَلْتُ ذَهَبَتْ دُنْيايَ وآخِرَتِي، فَألَحُّوا عَلَيْهِ، فَقالَ: حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي، فَأُتِيَ في المَنامِ وقِيلَ لَهُ: لا تَفْعَلْ.
فَأخْبَرَ قَوْمَهُ فَأهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَها ولَمْ يَزالُوا يَتَضَرَّعُونَ إلَيْهِ حَتّى فَتَنُوهُ فَجَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَوْمِهِ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ يَصْرِفُ لِسانَهُ إلى الدُّعاءِ عَلى قَوْمِهِ نَفْسِهِ، فَقالُوا: يا بِلْعامُ، أتَدْرِي ما تَصْنَعُ؟
إنَّكَ تَدْعُو عَلَيْنا، فَقالَ: هَذا أمْرٌ غَلَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فانْدَلَعَ لِسانُهُ ووَقَعَ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ: يا قَوْمِ، قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الدُّنْيا والآخِرَةُ، ولَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والحِيلَةُ، جَمِّلُوا النِّساءَ وأرْسِلُوهُنَّ وأمْرُوهُنَّ أنْ لا يَمْنَعْنَ أنْفُسَهُنَّ؛ فَإنَّ القَوْمَ سَفْرٌ، وإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُبْغِضُ الزِّنا، وإنْ هم وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا فَفَعَلُوا ذَلِكَ فافْتُتِنَ زَمْرِيُّ بْنُ شَلُومَ رَأْسُ سِبْطِ شَمْعُونَ ابْنِ يَعْقُونَ بِامْرَأةٍ مِنهُنَّ تُسَمّى كَسْتى بِنْتَ صُورَ فَنَهاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الفاحِشَةِ فَأبى وأدْخَلَها قُبَّتَهُ وزَنا بِها فَوَقَعَ فِيهِمُ الطّاعُونُ حَتّى هَلَكَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا ولَمْ يَرْتَفِعْ حَتّى قَتَلَهُما فِنْحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ وكانَ غائِبًا أوَّلَ الأمْرِ، وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ مَلِكَ البَلْقاءِ قالَ لَهُ: ادْعُ اللَّهَ تَعالى عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: إنَّهُ مِن أهْلِ دِينِي ولا أدْعُو عَلَيْهِ فَنَصَبَ لَهُ خَشَبَةً لِيَصْلُبَهُ عَلَيْها فَدَعا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنْ لا يُدْخِلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَدِينَةَ فاسْتُجِيبَ لَهُ ووَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في التِّيهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، بِأيِّ ذَنْبٍ هَذا؟
فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: بِدُعاءِ بِلْعامَ، فَقالَ: رَبِّ، كَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَنْزِعَ عَنْهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ والإيمانَ، فَنَزَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ المَعْرِفَةَ وسَلَخَهُ مِنها فَخَرَجَتْ مِن صَدْرِهِ كَحَمامَةٍ بَيْضاءَ، ورُدَّ هَذا بِأنَّ التِّيهَ كانَ رَوْحًا وراحَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما عُذِّبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِدُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى أنَّ في الدُّعاءِ بِسَلْبِ الإيمانِ مَقالًا، وأنا أعْجَبُ لِمَ لَمْ يَدْعُ هَذا الشَّقِيُّ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يَعْلَمُهُ عَلى مَلِكِ البَلْقاءِ لِيَخْلُصَ مِن شَرِّهِ؟
ودَعا عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما هي إلّا جَهالَةٌ سَوْداءُ، وجاءَ في كَلامِ أبِي المُعْتَمِرِ أنَّهُ كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، ويَرُدُّهُ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ وكَأنَّ مُرادَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ ما أُوتِيهُ مِنَ الآياتِ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««مَن حَفِظَ القُرْآنَ فَقَدْ طَوى النُّبُوَّةَ بَيْنَ جَنْبَيْهِ»».
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ أنَّهُ كانَ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُقَدِّمُهُ في الشَّدائِدِ ويَكْرَهُهُ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ فَبَعَثَهُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ فَتَرَكَ دِينَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ واتَّبَعَ دِينَ المَلِكِ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ عِنْدِي أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ بِالقَبُولِ، وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ أُمَيَّةُ فَهو أنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ القَدِيمَةَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مُرْسِلٌ رَسُولًا فَرَجا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ الرَّسُولَ، فاتَّفَقَ أنْ خَرَجَ إلى البَحْرَيْنِ وتَنَبَّأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأقامَ هُناكَ ثَمانِيَ سِنِينَ ثُمَّ قَدِمَ فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في جَماعَةٍ مِن أصْحابِهِ فَدَعاهُ إلى الإسْلامِ، وقَرَأ عَلَيْهِ سُورَةَ يس حَتّى إذا فَرَغَ مِنها وثَبَ أُمَيَّةُ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ فَتَبِعَتْهُ قُرَيْشٌ تَقُولُ: ما تَقُولُ يا أُمَيَّةُ؟
فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ عَلى الحَقِّ.
قالُوا: فَهَلْ نَتْبَعُهُ؟
قالَ: حَتّى أنْظُرَ في أمْرِهِ.
فَخَرَجَ إلى الشّامِ وقَدِمَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ يُرِيدُ أنْ يُسْلِمَ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِها تَرَكَ الإسْلامَ وقالَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قَتَلَ ذَوِي قَرابَتِهِ فَذَهَبَ إلى الطّائِفِ وماتَ بِهِ فَأتَتْ أُخْتُهُ الفارِعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَها عَنْ وفاتِهِ فَذَكَرَتْ لَهُ أنَّهُ أنْشَدَ عِنْدَ مَوْتِهِ: كُلُّ عَيْشٍ وإنْ تَطاوَلَ دَهْرًا ∗∗∗ صائِرٌ مَرَّةً إلى أنْ يَزُولا لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قَدْ بَدا لِي ∗∗∗ في قِلالِ الجِبالِ أرْعى الوُعُولا إنَّ يَوْمَ الحِسابِ يَوْمٌ عَظِيمٌ ∗∗∗ شابَ فِيهِ الصَّغِيرُ يَوْمًا ثَقِيلًا ثُمَّ قالَ لَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أنْشِدِينِي مِن شِعْرِ أخِيكِ فَأنْشَدَتْهُ: لَكَ الحَمْدُ والنَّعْماءُ والفَضْلُ رَبَّنا ولا شَيْءَ أعْلى مِنكَ جَدًّا وأمْجَدَ مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وتَسْجُدُ مِن قَصِيدَةٍ طَوِيلَةٍ أتَتْ عَلى آخِرِها، ثُمَّ أنْشَدَتْهُ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِيها: وقَفَ النّاسُ لِلْحِسابِ جَمِيعًا ∗∗∗ فَشَقِيٌّ مُعَذَّبٌ وسَعِيدُ والَّتِي فِيها: عِنْدَ ذِي العَرْشِ يُعْرَضُونَ عَلَيْهِ ∗∗∗ يَعْلَمُ الجَهْرَ والسِّرارَ الخَفِيّا يَوْمَ يَأْتِي الرَّحْمَنُ وهْوَ رَحِيمٌ ∗∗∗ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيّا رَبِّ إنْ تَعْفُ فالمُعافاةُ ظَنِّي ∗∗∗ أوْ تُعاقِبْ فَلَمْ تُعاقِبْ بَرِيّا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أخاكِ آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ النُّعْمانُ فَهو أنَّهُ كانَ قَدْ تَرَهَّبَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ فَقَدِمَ المَدِينَةَ فَقالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: الحَنِيفِيَّةُ دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
قالَ: فَأنا عَلَيْها.
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَسْتَ عَلَيْها ولَكِنَّكَ أدْخَلْتَ فِيها ما لَيْسَ مِنها.
فَقالَ: أماتَ اللَّهُ تَعالى الكاذِبَ مِنّا طَرِيدًا وحِيدًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى الشّامِ وأرْسَلَ إلى المُنافِقِينَ أنِ اسْتَعَدُّوا السِّلاحَ، ثُمَّ أتى قَيْصَرَ وطَلَبَ مِنهُ جُنْدًا لِيُخْرِجَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ المَدِينَةِ فَماتَ بِالشّامِ طَرِيدًا وحِيدًا.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ زَوْجُ البَسُوسِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ رَجُلٌ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ تُدْعى البَسُوسَ لَهُ مِنها ولَدٌ فَقالَتِ: اجْعَلْ لِي مِنها واحِدَةً.
قالَ: فَما الَّذِي تُرِيدِينَ؟
قالَتِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ.
فَدَعا اللَّهَ تَعالى فَجَعَلَها أجْمَلَ امْرَأةٍ فِيهِمْ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنْ لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُها رَغِبَتْ عَنْهُ وأرادَتْ شَيْئًا آخَرَ، فَدَعا اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً فَصارَتْ كَلْبَةً فَذَهَبَتْ دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها فَقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا قَرارٌ؛ قَدْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها فَدَعا فَعادَتْ كَما كانَتْ فَذَهَبَتِ الدَّعَواتُ الثَّلاثُ فِيها، ومِن هُنا يُقالُ: أشْأمُ مِنَ البَسُوسِ؛ اسْمٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذِهِ الرِّوايَةُ لا يُساعِدُ عَلَيْها نِظامُ القُرْآنِ الكَرِيمِ كَما لا يَخْفى، والَّذِي نَعْرِفُهُ أنَّ البَسُوسَ الَّتِي يُضْرَبُ بِها المَثَلُ هي بِنْتُ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيَّةُ خالَةُ جَسّاسِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلٍ الشَّيْبانِيِّ قاتِلِ كُلَيْبٍ، وفي قِصَّتِها طُولٌ، وقَدْ ذَكَرَها المَيْدانِيُّ وغَيْرُهُ.
وعَنِ الحَسَنِ وابْنِ كِيسانِ أنَّ المُرادَ بِهَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إيمانًا صَحِيحًا، ويَبْعُدُ ذَلِكَ إفْرادُ المَوْصُولِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ هَذا مَثَلٌ لِمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الهُدى واسْتَعَدَّ لَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ وأبى أنْ يَقْبَلَهُ، وفِيهِ مُخالَفاتٌ لِلرِّواياتِ المَشْهُورَةِ، وأوْهَنُ الأقْوالِ عِنْدِي قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ: إنَّ المُرادَ بِهِ فِرْعَوْنُ، والمُرادَ بِالآياتِ الحُجَجُ والمُعْجِزاتُ الدّالَّةُ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّهُ قِيلَ: واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ فِرْعَوْنَ إذْ آتَيْناهُ الحُجَجَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَقْبَلْها.
<div class="verse-tafsir"
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أَيُّ إِن لَّمْ يرجعوا بذكر الميثاق، ولم يتوبوا، ولم يتعظوا، فاتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ أي خبر الذي أعطيناه آياتِنا يعني: أكرمناه باسم الله الأعظم.
ويقال: آتَيْناهُ آياتِنا يعني: الكتاب وهي علم التوراة وغيره فَانْسَلَخَ مِنْها يعني: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها.
ويقال: تهاون بها ولم يعرف حقها، ولا حرمتها، وخرج منها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ يقول: غرّه الشيطان فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ أي فصار من الظالمين وفي الضالين.
قال بعضهم: هو بلعم بن باعوراء كان عابداً من عباد بني إسرائيل، وكان مستجاب الدعوة، فنزع الله تعالى الإيمان عنه بدعاء موسى ، وذلك أن موسى قاتل فرعوناً من الفراعنة فجمع ذلك الفرعون الكهنة والسحرة، فقال لهم: أعينوني على هؤلاء- يعني: قوم موسى- فقالوا: لن تستطيعهم، ولكن بجوارك رجل منهم فلو بعثت إليه واستعنت به، فبعث الملك إلى بلعم فلم يجبه، فبعث الملك إلى امرأة بلعم الهدايا وطلب منها بأن تأمره بأن يجيب الملك، فجاءته امرأته وقالت: نحن في جوار هذا الملك فلا بد لك من إجابته.
فأجابهم إلى ذلك، وركب أتاناً له، وخرج إليهم فسار حتى إذا كان في بعض الطريق وقفت أتانه فضربها، فلما ألح عليها كلّمته الأتان وقالت: انظر إلى ما بين يديك فنظر فإذا هو جبريل قال له: خرجت مخرجاً ما كان ينبغي لك أن تخرج.
فإذا خرجت فقل حقاً قال: فلما قدم عليه أمر له بالذهب والفضة والخدم والفرش فقبل.
فقال له: قد دعوتك لتدعو لي على هذا العسكر دعوة.
قال: غداً.
فلما تلاقى القوم قال بلعم: إن بني إسرائيل أمة موسى ملعون من لعنهم ومبارك من بارك عليهم.
فقالوا له: ما زدتنا إلا خبالاً.
قال بلعم: ما استطعت غير ما رأيت.
ولكني أدلك على أمر إن فعلته فوقعوا به خُذِلوا ونصرت عليهم، تعمد إلى نساء حسان فتجعل عليهم الحلي والثياب والعطر ثم ترسلهن في عسكرهم.
فإن وقعوا بهن خذلوا.
ففعل ذلك فما تعرض لهن منهم إلا سفهاؤهم فخذلوا.
فأخبر بذلك موسى فدعا عليه فنزع الله منه الإيمان.
وقال بعضهم: إنما هو أمية بن أبي الصلت قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان وكان يخبر أن نبينا يبعث وكان قد أظل زمانه.
وكان يرى أن الوحي ينزل عليه لكثرة علمه.
فلما سمع بخروج النبيّ وقصته كفر حسداً له.
وكان النبيّ إذا سمع شعره قال: «آمن لسانه وكفر قلبه» فذلك قوله: آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ.
ثم قال: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها يعني: بالآيات ويقال: رفعناه في الآخرة بما علمناه من آياتنا وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ يعني: أمية بن أبي الصلت أو بلعم بن باعوراء مال إلى الدنيا ورضي بها وَاتَّبَعَ هَواهُ أي هوى نفسه ويقال: عمل بهوى المرأة وترك رضى الله ويقال: أخذ مسافل الأمور وترك معاليها فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ يقول: مثل بلعم كمثل الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ يقول: إن طردته فهو يلهث أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ يعني: وإن تركته فهو يلهث.
قال القتبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش ما خلا الكلب.
فإنه يلهث في حال الراحة والصحة والمرض.
فضرب الله تعالى به مثلاً يعني: كما أن الكلب إن طردته أو تركته يلهث فكذلك بلعم أو أمية بن أبي الصلت إن وعظته لم يتعظ وإن تركته لم يفعل.
وقال مجاهد: يعني الكفار إن قرئ عليهم الكتاب لم يقبلوا، وإن لم يقرأ عليهم لم يعملوا هم أهل مكة.
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: ذلك صفة الذين جحدوا نبوة النبيّ والقرآن فَاقْصُصِ الْقَصَصَ أي اقرأ عليهم القرآن لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ أي: لكي يتعظوا بأمثال القرآن ويؤمنوا به.
قوله تعالى: ساءَ مَثَلًا يعني: بئس مثل الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بئس مثل من كان مثل الكلب، وإنما ضرب المثل بالكلب تقبيحاً لمذهبهم.
ويقال: بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا وكانت صفتهم مثل صفة بلعم وهم أهل مكة كذبوا بآياتنا، فلم يؤمنوا بها مثل بلعم وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ يعني: يضرون بأنفسهم ثم قال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي يعني: من يهده الله لدينه فهو المهتدي من الضلالة وَمَنْ يُضْلِلْ يعني: ومن يضله عن دينه ويخذله فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ بالعقوبة.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَقُولاً كَنَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ، وَأَنْ لاَ إله غَيْرُهُ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، والتزموه وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهْ سَيَبْعَثُ الرُّسْلَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرَةً وداعيةً، فشهد بعضُهم على بعض، وشهد اللَّه عليهم وملائكته» «١» قال الضحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ: من مات صَغيراً، فهو على العَهْدِ الأول، ومَنْ بَلَغَ، فقد أخذه العهدُ الثَّاني، يعني الذِي في هذه الحياة المعقولة الآنَ.
وقوله/ شَهِدْنا يحتملُ أن يكون مِنْ قَوْلَ بَعْضِ النَّسمِ لبعضٍ، فلا يَحْسِنُ الوقْفُ على قوله: بَلى، ويحتمل أن يكون قوله: شَهِدْنا من قول الملائكة، فيحسن الوقْفُ على قوله: بَلى.
قال السديُّ: المعنى: قال اللَّه وملائكته «٢» : شَهِدْنَا ورواه عبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ...
الآية: المعنى:
لِئَلاَّ تقولُوا، أَوْ مخافَةَ أنْ تقولوا، والمعنى في هذه الآية: أنَّ الكَفَرَة لو لم يؤخذ عليهم عَهْدٌ، ولا جاءَهُمْ رسولٌ مذكِّر بما تضمَّنه العَهْد من توحيد اللَّه وعبادته، لكانَتْ لهم حُجَّتَان:
إحداهما: أنّ يقُولُوا كُنَّا عن هذا غافلين.
والأخرى: كنا تباعاً لأسلافنا، فكَيْفَ نَهْلِكُ، والذنْبُ إنما هو لِمَنْ طَرَّق لنا وأضلَّنا، فوقَعَ شهادَةُ بعضهم على بعضُ، وشهادةُ الملائكة عليهم، لتنقطع لهم هذه الحجة.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)
وقوله سبحانه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.
قال ابن عباس: هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، اسمه بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء «١» ، وقيل:
بَلْعَامُ بْنُ باعِر.
وقيل: غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ موسى عليه السلام، فَلَما قَرُبَ منهم موسى، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحاً مستجابَ الدَّعْوة، وقيل: كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها.
وقيل: كان يعلم اسم اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس «٢» أيضاً، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله: آتَيْناهُ آياتِنا، فقال له قومُه: ادع اللَّه على موسى وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ:
وَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتى أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يرى منه عَسْكَرَ موسى، وكان قد قال لِقَوْمِهِ: لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم: قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال: سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو على موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسى، والدعاءِ على قومه، فقالوا له: ما تقولُ؟
فقال: إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه على صدره، فقال لقومه: إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء على عَسْكَرِ موسى عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع امرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فزنى بهِنَّ رجالٌ [مَنْ] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فانتظم بُرمْحه امرأة ورجُلاً من بني إِسرائيل، ورفعهما على الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ [واحدةٍ] سبْعُونَ ألْفاً، ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه: أنَّ موسى عليه السلام قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه.
قال المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنه دعا على مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين فأجيب، ودعا عليه موسى أَنْ ينسى اسم اللَّهِ الأعْظَمَ فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةً تحتاجُ إِلى صحّة إسناد، وفَانْسَلَخَ: عبارةٌ عن البراءةِ منها، والإنفصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجلد، وفَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ، أيْ: صيَّره تابِعاً كذا قال الطبريُّ: إما لضلالة رسمها له، وإما لنفسه، ومِنَ الْغاوِينَ، أي: مِنَ الضالين، وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها، قال ابن
عباس وجماعة: معنى «لرفعناه» لشرَّفنا/ ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا بهذه الآيات «١» الَّتي آتيناه، ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ، أي: تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها وذلك أنَّ الأرض وما ارتكن فيها: هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية.
ت: قال الهَرَوِيُّ: قوله: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ: معناه: سكَنَ إِلى لَذَّاتها، واتبع هواه، يقال: أخلد إِلى كَذَا، أي: رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به.
انتهى.
قال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ رحمه اللَّه في «العاقبة» : واعلم رحمك اللَّه أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسباباً، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها: الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالى من آياته وأطلعه عليه من بيِّناته وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، واتبع هواه فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه وتَرَكَه مع مَنِ استماله وأغواه.
انتهى.
وقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ، شُبِّه به في أنه كان ضالاًّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضاً ضالاًّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال هذا قول الجمهور.
وقال السدِّيُّ وغيره: إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً «٢» وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس أنَّ معنى: إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ: إنْ تَطْرَدهُ «٣» .
وقوله: ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا، أي: هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدى والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ.
وقوله: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ، أي: اسرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية ولَسْتَ منهم لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ في ذلك فيؤمنوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا نَسَقٌ عَلى ما قَبْلُهُ، والمَعْنى: أتْلُ عَلَيْهِمْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ، ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: بُلْعُمُ بْنُ أبَرَّ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُلْعُمُ بْنُ باعُوراءَ.
ورُوِيَ عَنْهُ: أنَّهُ بِلْعامُ بْنُ باعُورَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ.
ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بَلْعَمًا مِن أهْلِ اليَمَنِ.
ورَوى عَنْهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ أنَّهُ مِن مَدِينَةِ الجَبّارِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو بْنُ العاصِ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو رَوْقٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وكانَ أُمِّيَّةُ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا، ورَجا أنْ يَكُونَ هو فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ، حَسَدَهُ وكَفَرَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، رَوى الشَّعْبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصارُ تَقُولُ: هو الرّاهِبُ الَّذِي بُنِيَ لَهُ مَسْجِدُ الشِّقاقِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ نَحْوُهُ.
والرّابِعُ: أنَّهُ رَجُلٌ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ يُسْتَجابُ لَهُ فِيهِنَّ، وكانَتْ لَهُ امْرَأةٌ لَهُ مِنها ولَدٌ، وكانَتْ سَمِجَةً دَمِيمَةً، فَقالَتِ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي أجْمَلَ امْرَأةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَدَعا اللَّهَ لَها، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّهُ لَيْسَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِثْلُها، رَغِبَتْ عَنْ زَوْجِها وأرادَتْ غَيْرَهُ، فَلَمّا رَغِبَتْ عَنْهُ، دَعا اللَّهَ أنْ يَجْعَلَها كَلْبَةً نَبّاحَةً، فَذَهَبَتْ مِنهُ فِيها دَعْوَتانِ، فَجاءَ بَنُوها وقالُوا: لَيْسَ بِنا عَلى هَذا صَبْرٌ أنْ صارَتْ أُمُّنا كَلْبَةً نَبّاحَةً يُعَيِّرُنا النّاسُ بِها، فادْعُ اللَّهَ أنْ يَرُدَّها إلى الحالِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها أوَّلًا، فَدَعا اللَّهَ، فَعادَتْ كَما كانَتْ، فَذَهَبَتْ فِيها الدَّعَواتُ الثَّلاثُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والَّذِي رُوِيَ لَنا في هَذا الحَدِيثِ "وَكانَتْ سَمِجَةً" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَدْ رَوى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: رَجُلٌ سَمِجٌ: بِتَسْكِينِ المِيمِ، ولَمْ يَقُولُوا: سَمِجٌ؛ بِكَسْرِها.
والخامِسُ: أنَّهُ المُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.
والسّادِسُ: أنَّهُ كُلُّ مَنِ انْسَلَخَ مِنَ الحَقِّ بَعْدَ أنْ أُعْطِيَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والحُنَفاءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وفي الآَياتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها كِتابٌ مِن كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هو بِلْعامُ أُوتِيَ كِتابًا فانْسَلَخَ مِنهُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ، فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ، فَفَعَلَ وتَرَكَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وفِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْطَفِي لَرِسالَتِهِ إلّا مَعْصُومًا عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الحالِ.
والرّابِعُ: أنَّها حُجَجُ التَّوْحِيدِ، وفَهْمُ أدِلَّتِهِ.
والخامِسُ: أنَّها العِلْمُ بِكُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
والمَشْهُورُ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ بِلْعامُ، وكانَ مِن أمْرِهِ عَلى ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَزا البَلَدَ الَّذِي هو فِيهِ، وكانُوا كُفّارًا، وكانَ هو مُجابَ الدَّعْوَةِ، فَقالَ مَلِكُهُمُ: ادْعُ عَلى مُوسى، فَقالَ: إنَّهُ مِن أهْلِ دِينِي، ولا يَنْبَغِي لِي أنْ أدْعُوَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ المَلِكُ أنْ تُنْحَتَ خَشَبَةٌ لِصُلْبِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ، خَرَجَ عَلى أتانٍ لَهُ لَيَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَلَمّا عايَنَ عَسْكَرَهم، وقَفَتِ الأتانُ فَضَرَبَها، فَقالَتْ: لِمَ تَضْرِبُنِي، وهَذِهِ نارٌ تَتَوَقَّدُ قَدْ مَنَعَتْنِي أنْ أمْشِيَ؟
فارْجِعْ، فَرَجَعَ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إمّا أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، وإمّا أنْ أصْلِبَكَ، فَدَعا عَلى مُوسى باسِمِ اللَّهِ الأعْظَمِ أنْ لا يَدْخُلَ المَدِينَةَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَوَقَعَ مُوسى وقَوْمُهُ في التِّيهِ بِدُعائِهِ، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، بِأيِّ ذَنْبٍ وقَعْنا في التِّيهِ؟
فَقالَ: بِدُعاءِ بُلْعُمَ.
فَقالَ: يا رَبِّ، فَكَما سَمِعْتَ دُعاءَهُ عَلَيَّ، فاسْمَعْ دُعائِي عَلَيْهِ، فَدَعا اللَّهُ أنْ يَنْزِعَ مِنهُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، فَنُزِعَ مِنهُ.
وقِيلَ إنَّ بِلْعامَ أمَرَ قَوْمَهُ أنْ يُزَيِّنُوا النِّساءَ ويُرْسِلُوهُنَّ في العَسْكَرِ لَيُفْشُوا الزِّنا فِيهِمْ، فَيُنْصَرُوا عَلَيْهِمْ.
وقِيلَ: إنَّ مُوسى قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ بُلْعُمَ أتى إلى قَوْمِهِ مُتَبَرِّعًا، فَقالَ: لا تُرْهِبُوا بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّكم إذا خَرَجْتُمْ لَقِتالِهِمْ، دَعَوْتُ عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا، فَكانَ فِيما شاءٌ عِنْدَهم مِنَ الدُّنْيا، وذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الأرْبَعِينَ سَنَةً الَّتِي تاهُوا فِيها، وكانَ نَبِيُّهم يُوشِعُ، لا مُوسى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْسَلَخَ مِنها ﴾ أيْ: خَرَجَ مِنَ العِلْمِ بِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أدْرَكَهُ.
يُقالُ: اتَّبَعْتُ القَوْمَ: إذا لَحِقْتُهم، وتَبِعْتُهُمْ: سِرْتُ في أثَرِهِمْ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فاتَّبَعَهُ" بِالتَّشْدِيدِ.
وقالَ اليَزِيدِيُّ: أتْبَعَهُ واتَّبَعَهُ: لُغَتانِ.
وكَأنَّ "اتَّبَعَهُ" خَفِيفَةٌ بِمَعْنى: قَفاهُ، و"اتَّبَعَهُ" مُشَدَّدَةٌ: حَذا حَذْوَهُ.
ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: أتْبَعْناكَ، وأنْتَ تُرِيدُ: اتَّبَعْناكَ، لِأنَّ مَعْناها: اقْتَدَيْنا بِكَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: تَبِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ واتَّبَعَهُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ ﴾ وقالَ: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: مِنَ الضّالِّينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: مِنَ الهالِكِينَ الفاسِدِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أو تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ أنَّ الكَفَرَةَ لَوْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ عَهْدٌ ولا جاءَهم رَسُولٌ مُذَكِّرٌ بِما تَضَمَّنَهُ العَهْدُ مِن تَوْحِيدِ اللهِ وعِبادَتِهِ لَكانَتْ لَهم حُجَّتانِ؛ إحْداهُما: كُنّا غافِلِينَ، والأُخْرى: كُنّا تِباعًا لِأسْلافِنا فَكَيْفَ نَهْلَكُ والذَنْبُ إنَّما هو لِمَن طَرَقَ لَنا وأضَلَّنا، فَوَقَعَتْ شَهادَةُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أو شَهادَةُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَنْقَطِعَ لَهم هَذِهِ الحُجَجُ، والِاخْتِلافُ في "تَقُولُوا" أو "يَقُولُوا" بِحَسَبِ الأوَّلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: وكَما فَعَلْنا هَذِهِ الأُمُورَ وأنْفَذْنا هَذِهِ المَقادِيرَ فَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ونُبَيِّنُها لِمَن عاصَرَكَ وبُعِثْتَ إلَيْهِ.
"وَلَعَلَّهُمْ" عَلى تَرَجِّيهِمْ وتَرَجِّيكم وبِحَسَبِ نَظَرِ البَشَرِ، ﴿ يَرْجِعُونَ ﴾ إلى طاعَةِ اللهِ، ويَدْخُلُونَ في تَوْحِيدِهِ وعِبادَتِهِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُفَصِّلُ" بِالياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ.
"واتْلُ" مَعْناهُ: قُصَّ واسْرُدْ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ" عائِدٌ عَلى حاضِرِي مُحَمَّدٍ مِنَ الكُفّارِ وغَيْرِهِمْ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعَثَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَلِكِ مَدْيَنَ داعِيًا إلى اللهِ تَعالى وإلى الشَرِيعَةِ، وعَلَّمَهُ مِن آياتِ اللهِ ما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وإلَيْهِ، فَلَمّا وصَلَ رَشاهُ المَلِكُ وأعْطاهُ عَلى أنْ يَتْرُكَ دِينَ مُوسى ويُتابِعَ المَلِكَ عَلى دِينِهِ فَفَعَلَ، وفَتَنَ المَلِكُ بِهِ الناسَ وأضَلَّهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو رَجُلٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ الجَبّارِينَ اسْمُهُ بُلْعُمُ، وقِيلَ: بُلْعامُ بْنُ عابِرٍ، وقِيلَ: ابْنٌ آبِرٍ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا ذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ، وكانَ في جُمْلَةِ الجَبّارِينَ الَّذِينَ غَزاهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم مُوسى لَجَؤُوا إلى بُلْعامَ وكانَ صالِحًا مُسْتَجابَ الدَعْوَةِ، وقِيلَ: كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ونَحْوِها، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ رُشِّحَ لِلنُّبُوَّةِ وأُعْطِيَها فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لا يَصِحُّ عن مُجاهِدٍ، ومَن أُعْطِيَ النُبُوَّةَ فَقَدْ أُعْطِيَ العِصْمَةَ ولا بُدَّ، ثَبَتَ هَذا بِالشَرْعِ، وقَدْ نَصَّ مَعْنى ما قُلْتُهُ أبُو المَعالِي في كِتابِ الشامِلِ، وقِيلَ: كانَ يَعْلَمُ اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وهَذا الخِلافُ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: "آياتِنا"، فَقالَ لَهُ قَوْمُهُ: ادْعُ اللهَ تَعالى عَلى مُوسى وعَسْكَرِهِ، فَقالَ لَهُمْ: وكَيْفَ أدْعُو عَلى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ؟
فَما زالُوا بِهِ حَتّى فَتَنُوهُ، فَخَرَجَ حَتّى أشْرَفَ عَلى جَبَلٍ يُرى مِنهُ عَسْكَرُ مُوسى، وكانَ قَدْ قالَ لِقَوْمِهِ: لا أفْعَلُ حَتّى أسْتَأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ فَسَكَتَ عنهُ فَأخْبَرَهُمْ، فَقالُوا لَهُ: إنَّ اللهَ لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إلّا وقَدْ أرادَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى العَسْكَرِ جَعَلَ يَدْعُو عَلى مُوسى، فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُعاءِ لِمُوسى والدُعاءِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالُوا لَهُ: ما تَقُولُ؟
فَقالَ: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا هَذا وعَلِمَ أنَّهُ قَدْ أخْطَأ، فَرُوِيَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ، فَقالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي قَدْ هَلَكْتُ ولَكِنْ لَمْ تَبْقَ لَكم إلّا الحِيلَةُ، فَأخْرِجُوا النِساءَ إلى عَسْكَرِ مُوسى عَلى جِهَةِ التَجَرُّدِ وغَيْرِهِ ومُرُوهُنَّ ألّا تَمْتَنِعَ امْرَأةٌ مِن رَجُلٍ فَإنَّهم إذا زَنَوْا هَلَكُوا، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ النِساءُ فَزَنى بِهِنَّ رِجالُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجاءَ فَنُحاصُ بْنُ العِيزارِ بْنِ هارُونَ، فانْتَظَمَ بِرُمْحِهِ امْرَأةً ورَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ورَفَعَهُما عَلى أعْلى الرُمْحِ، فَوَقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ الطاعُونُ فَماتَ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ سَبْعُونَ ألْفًا، ثُمَّ ذَكَرَ المُعْتَمِرُ عن أبِيهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرَجُلَ المُنْسَلِخَ مِن آياتِ اللهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلى مُوسى ألّا يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ فَأُجِيبَ، ودَعا عَلَيْهِ مُوسى أنْ يَنْسى اسْمَ اللهِ الأعْظَمَ فَأُجِيبَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وصَوابُ هَذا أنْ يُقالَ: إلى كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم مُنافِقٌ، إنَّما كانُوا مُجاهِرِينَ، وفي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها لِتَعَذُّرِ صِحَّتِها، واقْتَصَرْتُ مِنها عَلى ما يَخُصُّ ألْفاظَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ رَجُلٌ كانَ قَدْ أُعْطِيَ ثَلاثَ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ فَتَرَكَ أنْ يَدْعُوَ بِها في مَصالِحِ العِبادِ، فَدَعا بِواحِدَةٍ أنْ تَرْجِعَ امْرَأتُهُ أجْمَلَ النِساءِ فَكانَ ذَلِكَ، فَلَمّا رَأتْ نَفْسَها كَذَلِكَ أبْغَضَتْهُ واحْتَقَرَتْهُ، فَدَعا عَلَيْها ثانِيَةً فَمُسِخَتْ كَلْبَةً، فَشَفَعَ لَها بَنُوها عِنْدَهُ فَدَعا لَها الثالِثَةَ فَعادَتْ كَما كانَتْ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ إلى حالِها، فَذَهَبَتِ الدَعَواتُ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المُشارُ إلَيْهِ في الآيَةِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَلْتِ، وكانَ قَدْ أُوتِيَ عِلْمًا، ورُوِيَ أنَّهُ جاءَ يُرِيدُ الإسْلامَ فَوَصَلَ إلى بَدْرٍ بَعْدَ الوَقْعَةِ بِيَوْمٍ أو نَحْوِهِ فَقالَ: مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ؟
فَقِيلَ: مُحَمَّدٌ ، فَقالَ: لا حاجَةَ لِي بِدِينِ مَن قَتَلَ هَؤُلاءِ، فارْتَدَّ ورَجَعَ، وقالَ: الآنَ حَلَّتْ لِيَ الخَمْرُ -وَكانَ قَدْ حَرَّمَها عَلى نَفْسِهِ- فَمَرَّ حَتّى لَحِقَ بِقَوْمٍ مِن مُلُوكِ حِمْيَرٍ فَنادَمَهم حَتّى ماتَ.
و"انْسَلَخَ" عِبارَةٌ عَنِ البَراءَةِ مِنها والِانْفِصالِ والبُعْدِ، كالسَلْخِ مِنَ الثِيابِ والجِلْدِ، و"أتْبَعَهُ": صَيَّرَهُ تابِعًا، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ إمّا لِضَلالَةٍ رَسَمَها لَهُ، وإمّا لِنَفْسِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وسُكُونِ التاءِ، وهي راجِحَةٌ لِأنَّها تَتَضَمَّنُ أنَّهُ لَحِقَهُ وصارَ مَعَهُ، وكَذَلِكَ ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ، ( ﴾ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ )، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ هارُونُ "فاتَّبَعَهُ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ، وكَذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِخِلافٍ، وكَذَلِكَ الخِلافُ عَنِ الحَسَنِ عَلى مَعْنى لازَمَهُ واتَّبَعَهُ بِالإغْواءِ حَتّى أغْواهُ، و"مِنَ الغاوِينَ" أيْ: مِنَ الضالِّينَ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذى ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشيطان فَكَانَ مِنَ الغاوين وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الارض واتبع هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ .
أعقب ما يُفيد أن التوحيد جعل في الفطرة بذكر حالة اهتداء بعض الناس إلى نبذ الشرك في مبدأ أمره ثم تعرّض وساوس الشيطان له بتحسين الشرك.
ومناسبتُها للتي قبلها إشارة العبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة، ثم لم ينفعه ذلك كله حين لم يقدر الله له الهدى المستمر.
وشأن القصص المفتتحة بقوله: ﴿ واتل عليهم ﴾ أن يقصد منها وعظ المشركين بصاحب القصة بقرينة قوله: ﴿ ذلك مثل القوم ﴾ الخ، ويحصل من ذلك أيضاً تعليم مثل قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ نوحٍ ﴾ [يونس: 71] ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم ﴾ [الشعراء: 69] ﴿ نَتْلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق ﴾ [القصص: 3] ونظائر ذلك، فضمير ﴿ عليهم ﴾ راجع إلى المشركين الذين وجهت إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة، وقصت عليهم قصص الأمم مع رسلهم، على أن توجيه ضمائر الغيبة إليهم أسلوب متبع في مواقع كثيرة من القرآن، كما قدّمناه غير مرة، فهذا من قبيل رد العجُز على الصدر.
ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قوماً تغلب عليهم الأمية فأراد الله أن يبلّغ إليهم من التعليم ما يُساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة، فالضمير المجرور ب (على) عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون، وكثيراً ما يجيء ضمير جمع الغائب في القرآن مراداً به المشركون كقوله: ﴿ عم يتساءلون ﴾ [النبأ: 1].
والنبأ الخبر المروي.
وظاهر اسم الموصول المفرد أن صاحب الصلة واحد معيّن، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها، والأقرب أن يكون صاحب هذا النبأ ممّن للعرب إلمام بمجمل خبره.
فقيل المعنى به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وروي هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، بأسانيد كثيرة عند الطبري، وعن زيد بن أسلم، وقال القرطبي في «التفسير» هو الأشهر، وهو قول الأكثر ذلك أن أمية بن أبي الصلت الثقفي كان ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالباً دين الحق، ونظر في التوراة والإنجيل فلم ير النجاة في اليهودية ولا النصرانية، وتزهّد وتوخّى الحنيفية دينَ إبراهيم، وأخبر أن الله يبعث نبيّاً في العرب، فطمع أن يكونَه، ورفض عبادة الأصنام، وحرم الخمر، وذكر في شعره أخباراً من قصص التوراة، ويروى أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول: كُل دين يومَ القيامة عند *** اللَّه إلا دين الحنيفيةُ زُورُ وله شعر كثير في أمورٍ إلآهية، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أسف أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب، وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل البعثة وأقام هنالك ثمان سنين ثم رجع إلى مكة فوجد البعثة، وتردد في الإسلام، ثم خرج إلى الشام ورجع بعد وقعة بدر فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حسداً، ورثى من قُتل من المشركين يومَ بدر، وخرج إلى الطائف بلاد قومه فمات كافراً.
وكان يذكر في شعره الثواب والعقاب واسم الله وأسماء الأنبياء، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم " كاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم " وروي عن أمية أنه قال لما مرِض مَرض موته «أنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد».
فمعنى ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ أن الله ألهم أمية كراهية الشرك، وألقى في نفسه طلب الحق، ويسّر له قراءة كتب الأنبياء، وحّبب إليه الحنيفية، فلما انفتح له باب الهدى وأشرق نور الدعوة المحمدية كابَر وحسَد وأعرض عن الإسلام، فلا جرم أن كانت حاله أنه انسلخ عن جميع ما يُسر له، ولم ينتفع به عند إبان الانتفاع، فكان الشيطان هو الذي صرفه عن الهدى فكان من الغاوين، إذ مات على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن المسيب نزلت في أبي عامر بن صيفي الراهب، واسمه النعمان الخزرجي، وكان يلقب بالراهب في الجاهلية لأنه قد تنصّر في الجاهلية، ولبس المسوح وزعم أنه على الحنيفية، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد ما الذي جئت به قال جئت بالحنيفية دين إبراهيم قال فإني عليها فقال النبي لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها» فكفر وخرج إلى مكة يحرّض المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج معهم، إلى أن قاتل في حُنين بعد فتح مكة، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج إلى الشام فمات هنالك.
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها نزلت في رجل من الكنعانيين، وكان في زمن موسى عليه السلام يقال له: بلعام بن باعُور، وذكروا قصته فخلطوها وغيروها واختلفُوا فيها، والتحقيق أن بلعام هذا كان من صالحي أهل مَدْيَن وعرّافيهم في زمن مرور بني إسرائيل على أرض (مُؤاب) ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح، وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الاصحاحات 22 23 24 فلا ينبغي الإلتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلاطه.
والإيتاء هنا مستعار للإطْلاَع وتيسير العلم مثل قوله ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ [البقرة: 251].
و«الآيات» دلائل الوحدانية التي كرّهت إليه الشرك وبعثته على تطلب الحنيفية بالنسبة لأمية بن أبي الصلت، أو دلائل الإنجيل على صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة للراهب أبي عامر بن صيفي.
والانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان من جلده حينما يُسلخ عنه جلده، والسلخ إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده، واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به، ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع عن العمل بما تقتضيه، وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية.
وأتْبعهُ بهمزة قطع وسكون المثناة الفوقيه بمعنى لحقة غير مُفلت كقوله: ﴿ فأتبعه شهابٌ ثاقب ﴾ [الصافات: 10] ﴿ فأتبعهم فرعون بجنوده ﴾ [طه: 78] وهذا أخص من اتّبعه بتشديد المثناة ووصل الهمزة.
والمراد بالغاوين: المتصفين بالغي وهو الضلال ﴿ فكان من الغاوين ﴾ أشد مبالغة في الاتصاف بالغواية من أن يقال: وغوى أو كان غاوياً، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قد ضَلَلْت إذاً وما أنا من المهتدين ﴾ في سورة الأنعام (56).
ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها في الحصول، فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه وإدامة إضلاله، فالانسلاخ على الآيات أثرٌ من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده، فسخره وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بأتبعه} فصار بذلك في زُمرة الغواة المتمكنين من الغواية.
وقوله تعالى: ﴿ ولو شئنا لرَفَعْناه بها ﴾ أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سبباً للهداية والتزكية، لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنته فلم ينسلخ عنها، وهذه عبرة للموفقين ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم، فالمعنى: ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرَفعه الله بعلمه.
والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها، لأن الصفات الحميدة تُخيل صاحبها مرتفعاً على من دونه، أي لو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلاً وزكاء وتميزاً بالفضل، فمعنى لرفعناه ليسرّنا له العمل بها الذي يشرُف به.
وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله: ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ بذكر ما يناقض تلك المشيئة الممتنعة، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله فأخلد إلى الأرض، أي ركن ومال إلى الأرض، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعاً عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض عُلمَ أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي تلبس بالنقائص والمفاسد.
واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها.
وقد تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث، لأن اتصافه بالحالة التي صيرته شبيهاً بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه، فالكلام في قوة أن يقال: ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شَقاء وعناد، كمثل الكلب إلخ.
واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه الحالة بالحالة، وتقدم قوله تعالى؛ ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ في سورة البقرة (17)، فلذلك تعين أن التشبيه هنا لا يخرج عن المتعارف في التشبيه المركب، فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح وصار يطلبه في حينَ كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة فلقي من ذلك نصباً وعناء، فلما حان حين اتباع الحق ببعثة محمد تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديراً فيه بأن يستريح من عنائه؛ لحصول طلبته فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الموصوف باللّهث، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب والمشقة وهي حالة الحمل عليه، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب وهي حالة تركه في دعة ومسالمة، والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله ﴿ أو تَتْركه ﴾ .
وليس لشيء من الحيوان حالة تصلح للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب اللاهث، لأنه يلهث إذا أتْعب وإذا كان في دعة، فاللهث في أصل خلقته.
وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه وإن لم يكن لاضطراب باطنه، سبب آت من غيره فمعنى ﴿ إن تحمل عليه ﴾ إن تُطارده وتُهاجمه.
مشتق من الحَمل الذي هو الهجوم على أحد لقتاله، يقال حمل فلانٌ على القوم حملة شعواء أو حملة منكرة.
وقد أغفل المفسرون توضيحه، وأغفل الراغب في «مفردات القرآن» هذا المعنى لهذا الفعل.
فهذا تشبيهُ تمثيل مُركب منتزعةٌ فيه الحالة المشبهة والحالةُ المشبه بها من متعدد، ولما ذُكر ﴿ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ في شق الحالة المشبه بها، تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة، وتتقابل أجزاءُ هذا التمثيل بأن يشبّه الضال بالكلب، ويشبه شقاؤُه واضطرابُ أمره في مدة البحث عن الدين بلهث الكلب في حالة تركه في دعة، تشبيهَ المعقول بالمحسوس، ويشبّه شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس.
وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية فقرروا التمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في مجرد التشويه أو الخسة.
فيؤول إلى أن الغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسة المشبه، كما درج عليه في «الكشاف»، ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر ﴿ إنْ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ كبير جدوى، بل يقتصر على أنه لتشويه الحالة المشبه بها، لتكتسب الحالةُ المشبهة تشويها، وذلك تقصير في حق التمثيل.
والكلب حيوان من ذوات الأربع ذو أنياب وأظفار كثير النبح في الليل قليل النوم فيه كثير النوم في النهار، يألف من يعاشره ويحرس مكانه من الطارقين الذين لا يألفهم، ويحرس الأنعام التي يعاشرها، ويعدو على الذئاب، ويقبل التعليم، لأنه ذكي.
ويلهث إذا أتعب أو اشتد عليه الحر، ويلهث بدون ذلك، لأن في خلقته ضيقاً في مجاري النفس يرتاح له باللهث.
وجملة: ﴿ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ في موضع الحال من الكلب والخطاب في ﴿ تَحْمل ﴾ وتترك لمخاطب غير معيّن، والمعنى إن يحمل عليه حامل، أو يتركه تارك.
واللهث: سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس، وفعله بفتح الهاء وبكسرها، ومضارعه بفتحها لا غير، والمصدر اللهث بفتح اللام والهاء ويقال اللهاث بضم اللام، لأنه من الأدواء، وليس بصوت.
جملة مبيّنة لجملة: ﴿ واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ الآيتين، والمثال الحال أي ذلك التمثيل مثل للمشركين المكذبين بالقرآن، تشبيه بليغ، لأن حالة الكلب المشتبه شبيهة بحال المكذبين وليست عينها.
والإشارة بذلك إلى ﴿ الذي آتيناه آياتنا ﴾ ، وهو صاحب القصة، هو مَثل المشركين، لأنهم شابهوه في أنهم أتوا القرآن فكذبوا به، فكانت حالهم كحال ذلك المكذب، والأظهر أن تكون الإشارة إلى المثَل في قوله: ﴿ كمثل الكلب ﴾ أي حالُ الكلب المذكورة كحال المشركين المكذبين في أنهم كانوا يودون معرفة دين إبراهيم، ويتمنون مساواة أهل الكتاب في العلم والفضل، فكانوا بذلك في عناء وحيرة في الجاهلية فلما جاءهم رسول منهم بكتاب مبين انتقلوا إلى عناء معاندته كقوله تعالى: ﴿ أو تقولوا لو أنا أنْزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم ﴾ [الأنعام: 157] وهذا تأويل ما روي عن عبادة بن الصامت أن آية ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ إلى آخرها نزلت في قريش.
وفُرع على ذلك الأمرُ بقوله: ﴿ فاقْصص القصصَ لعلهم يتفكرون ﴾ أي اقصص هذه القصة وغيرها، وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن، فإن في القصص تفكراً وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم، لأن للأمثال واستحضار النظائر شاناً عظيماً في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة، لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بِلْعامُ بْنُ عَوْراءَ، واخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ كانَ مِنَ اليَمَنِ، وقِيلَ كانَ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ، وقِيلَ مِن بَنِي صالَ بْنِ لُوطٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أُمِّيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ونافَقَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
وَفي الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي تُجابُ بِهِ الدَّعَواتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها كِتابٌ مِن كُتُبِ اللَّهِ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ فَرَشاهُ قَوْمُهُ عَلى أنْ يَسْكُتَ فَفَعَلَ وتَرَكَهم عَلى ما هم عَلَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو غَيْرُ صَحِيحٍ لِأنَّ اللَّهَ لا يَصْطَفِي لِنُبُوَّتِهِ إلّا مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ طاعَتِهِ إلى مَعْصِيَتِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ فانْسَلَخَ مِنها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: فانْسَلَخَ مِنَ العِلْمِ بِها لِأنَّهُ سَيَسْلُبُ ما أُوتِيَ مِنها بِالمَعْصِيَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ انْسَلَخَ مِنها أيْ مِنَ الطّاعَةِ بِالمَعْصِيَةِ مَعَ بَقاءِ عِلْمِهِ بِالآياتِ حَتّى حُكِيَ أنَّ بِلْعامَ رُيِثِي عَلى أنْ يَدْعُوَ عَلى قَوْمِ مُوسى بِالهَلاكِ فَسَها فَدَعا عَلى قَوْمِهِ فَهَلَكُوا.
﴿ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الشَّيْطانَ صَيَّرَهُ لِنَفْسِهِ تابِعًا بِإجابَتِهِ لَهُ حِينَ أغْواهُ.
والثّانِي: أنَّ الشَّيْطانَ مُتَّبَعٌ مِنَ الإنْسِ عَلى ضَلالَتِهِ مِنَ الكُفْرِ.
والثّالِثُ: أنَّ الشَّيْطانَ لَحِقَهُ فَأغْواهُ، يُقالُ اتَّبَعْتُ القَوْمَ إذا لَحِقْتُهم، وتَبِعْتُهم إذا سِرْتُ خَلْفَهم، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
﴿ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الهالِكِينَ.
الثّانِي: مِنَ الضّالِّينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَأمَتْناهُ فَلَمْ يَكْفُرْ.
والثّانِي: لَحُلْنا بَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ فَيَصِيرُ إلى المَنزِلَةِ المَرْفُوعَةِ مَعْصُومًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ ﴾ أيْ رَكَنَ إلَيْها.
وَفي رُكُونِهِ إلَيْها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَكَنَ إلى أهْلِها في اسْتِنْزالِهِمْ لَهُ ومُخادَعَتِهِمْ إيّاهُ.
والثّانِي: أنَّهُ رَكَنَ إلى شَهَواتِ الأرْضِ فَشَغَلَتْهُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّبَعَ هَواهُ ﴾ ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَهُ بِالكَلْبِ ﴿ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ وفي تَشْبِيهِهِ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِدَناءَتِهِ ومَهانَتِهِ.
الثّانِي: لِأنَّ لَهْثَ الكَلْبِ لَيْسَ بِنافِعٍ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن أبر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعوراء.
وفي لفظ: بلعام بن عامر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا...
﴾ الآية.
قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم، تعلم اسم الله الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل جديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه.
قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخ مما كان فيه.
وفي قوله: ﴿ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ قال: إن حمل الحكمة لم يحملها وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن طرد لهث.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه...
﴾ الآية.
قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكان له امرأة له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة.
قال: فلك واحدة، فما الذي تريدين؟
قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.
فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن، آتاه الله آياته فتركها.
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمر ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي.
وفي لفظ: نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت.
وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: قدمت الفارغة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، فقال لها «هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً؟
قالت: نعم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها» .
وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: قال أمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا منا يخبرنا ** ما بعد غايتنا من رأس نجرانا قال: ثم خرج أمية إلى البحرين، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام، وقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يس والقرآن الحكيم ﴾ [ يس: 1- 2] حتى فرغ منها وثب أمية يجر رجليه، فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟
قال: أشهد أنه على الحق.
قالوا: فهل تتبعه؟
قال: حتى أنظر في أمره.
ثم خرج أمية إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم، فلما أخبر بقتلى بدر ترك الإِسلام ورجع إلى الطائف.
فمات بها، قال: ففيه أنزل الله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن نافع بن عاصم بن عروة ابن مسعود قال: إني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمر، فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ فقال: أتدرون من هو؟
فقال بعضهم: هو صيفي بن الراهب.
وقال بعضهم: هو بلعم رجل من بني إسرائيل.
فقال: لا.
فقالوا: من هو؟
قال: أمية بن أبي الصلت.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الشعبي في هذه الآية ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: قال ابن عباس: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعورا، وكانت الأنصار تقول: هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق، وكانت ثقيف تقول: هو أمية بن أبي الصلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو صيفي بن الراهب.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هو نبي في بني إسرائيل يعني بلعم، أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل وتركهم على ما هم عليه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانسلخ منها ﴾ قال: نزع منه العلم.
وفي قوله: ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ قال: رفعه الله بعلمه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال: بعث نبي الله موسى بلعام بن باعورا إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله، وكان مجاب الدعوة وكان من علماء بني إسرائيل، فكان موسى يقدمه في الشدائد فاقطعه وأرضاه فترك دين موسى وتبع دينه، فأنزل الله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ قال: كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ قال: لو شئنا لرفعناه بإيتائه الهدى فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن الله يبتلي من يشاء من عباده ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه ﴾ قال: أبى أن يصحب الهدى ﴿ فمثله كمثل الكلب...
﴾ الآية.
قال: هذا مثل الكافر ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: أناس من اليهود والنصارى والحنفاء ممن أعطاهم الله من آياته وكتابه ﴿ فانسلخ منها ﴾ فجعله مثل الكلب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو شئنا لرفعناه بها ﴾ قال: لدفعنا عنه بها ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ قال: سكن ﴿ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ﴾ إن تطرده بدابتك ورجليك وهو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ قال: ركن نزع.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن تحمل عليه ﴾ قال: أن تسع عليه.
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله: ﴿ إن تحمل عليه يلهث ﴾ قال: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع كان ضالاً قبل وبعد.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المعتمر قال: سئل أبو المعتمر عن هذه الآية ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام، وكان قد أوتي النبوّة، وكان مجاب الدعوة، ثم أن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام فرعب الناس منه رعباً شديداً، فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل قال: حتى أؤامر ربي؟
فوامر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم فإن فيهم عبادي وفيهم نبيهم، فقال لقومه: قد وأمرت في الدعاء عليهم وإني قد نهيت.
قال: فاهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع الله عليهم.
فقال: حتى أوامر، فوامر فلم يحار إليه شيء.
فقال: قد وأمرت فلم يحار إلى شيء.
فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك الأولى، فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا جرى على لسانه الدعاء على قومه، فإذا أرسل أن يفتح على قومه جرى على لسانه أن يفتح على موسى وجيشه، فقالوا: ما نراك إلا تدعو علينا...
!
قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليهم ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا وإن هم وقعوا بالزنا هلكوا فاخرِجُوا النساء فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فأخْرَجُوا النساء تستقبلهم فوقعوا بالزنا، فسلط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً.
وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ قال: كان اسمه بلعم، وكان يحسن اسماً من أسماء الله، فغزاهم موسى في سبعين ألفاً، فجاءه قومه فقالوا: ادع الله عليهم- وكانوا إذا غزاهم أحد أتوه فدعا عليهم فهلكوا- وكان لا يدعو حتى ينام فينظر ما يؤمر به في منامه، فنام فقيل له: ادع الله لهم ولا تدع عليهم، فاستقيظ فأبى أن يدعو عليهم فقال لهم: زينوا لهم النساء فإنهم إذا رأوهن لم يصبروا حتى يصيبوا من الذنوب فتدالوا عليهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ﴾ الآية.
قال ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) قال عطاء عن ابن عباس: (أعان أعداء الله على أوليائه) (١١) ﴿ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ﴾ .
قال ابن زيد: (هو أنه كان لا يسأل شيئًا إلا أعطاه إياه) (١٢) (١٣) (١٤) وقيل (١٥) ﴿ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا ﴾ .
علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عالمًا بها).
وقوله تعالى: ﴿ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ .
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: خرج من محبة الله (١٦) (١٧) ومعنى ﴿ انْسَلَخَ ﴾ خرج من المِسْلاَخ (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ﴾ .
قال عبد الله (٢٠) قال أبو عبيد: (يقال: أتبعت القوم مثال أفعلت (٢١) (٢٢) وقال أبو زيد: (تقول: رأيت القوم فأتبعتهم إتباعًا إذا سبقوك فأسرعت نحوهم، ومرُّوا على فاتبعتهم اتباعًا إذا ذهبت معهم ولم يسبقوك) (٢٣) (٢٤) قوله تعالى: ﴿ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ .
قال ابن عباس: (فأطاع الشيطان وكان من الضالين) (٢٥) و (٢٦) (٢٧) وقال عبد الله بن عمرو (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) حسده، ثم مات كافرًا ، ولم يؤمن بالنبي وهو الذي قال فيه النبي : "آمن شعره وكفر قلبه" (٣٣) (١) أخرجه الطبري 9/ 120، وابن أبي حاتم 5/ 1617 من طرق جيدة.
وفيهما قال: (هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعم) وفي رواية عند الطبري (بلعم بن باعر) وعند ابن أبي حاتم (بلعم بن باعوراء).
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 267 بلفظ: (بلعم بن باعوراء).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/243، والنسائي في "التفسير" 1/ 510، والطبري 9/ 120، وابن أبي حاتم 5/ 1616، والحاكم في "المستدرك" 2/ 325 من طرق جيدة، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 25، وقال: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 267، والكل بدون ذكر قصته وجاء عند النسائي، والطبراني، ورواية عند الطبري (بلعم) وعند الحاكم (بلعم بن باعوراء) وفي الباقي (بلعم بن أبر).
(٣) "تفسير مجاهد" 1/ 250، وأخرجه الطبري 9/ 120 من طرق جيدة بدون ذكر قصته.
(٤) بلعم بن باعور: مختلف فيه فقيل: هو من مدينة الجبارين وقيل: من أهل اليمن وقيل: من الكعنانين، وهو: بلعم بن باعور بن سموم بن فرستم بن مآب بن لوط ابن هارون، أوتي العلم والحكمة، انظر أخباره في: "تاريخ الطبري" 1/ 427، و"الكامل" لابن الأثير 1/ 200، و"تفسير مبهمات القرآن" للبلنسي 1/ 496.
(٥) هذا قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 75.
(٦) في (ب): (أجبر)، وهو تحريف.
(٧) لفظ: (على) ساقط من (أ).
(٨) في (ب): "نُخامة" وعند الثعلبي 6/ 21 ب، و"الوسيط" 2/ 270، والبغوي 3/ 302 (حمامة).
(٩) أخرج الطبري 9/ 123،122، وابن أبي حاتم 5/ 1617 بسند جيد عن ابن عباس قال: (هو رجل من مدينة الجبارين يقال: له بلعم يعلم اسم الله الأعظم فلما نزل بهم موسى أتاه قومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرده عنا، قال: إني إن دعوت عليه ذهبت دنياي وآخرتي ، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم فسلخ مما كان عليه) اهـ.
وذكره الرازي 15/ 54، عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد، وذكر الخازن 2/ 311، 313، هذا ونحوه وقال: (هذا من الإسرائيليات ولا يلتفت إلى ما يسطره أهل الأخبار إذا خالف الأصول وسبب وقوع بني إسرائيل في التيه عبادة العجل أو قولهم لموسى: == ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا ﴾ لا دعاء بلعم عليهم، وعلى تقدير صحة القصة فموسى دعا عليه لعلمه بكفره ومقابلة لدعائه عليه) اهـ.
بتصرف.
(١٠) في (ب): (فلهذا)، وهو تحريف والأولى فهذه.
(١١) لم أقف عليه.
(١٢) أخرجه الطبري 9/ 122 بسند جيد وذكره الثعلبي 6/ 23 أ، والبغوي 3/ 304.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم 5/ 1618 بسند جيد.
(١٤) لفظ: (تعالى) ساقط من (أ).
(١٥) أخرجه الطبري 9/ 125 - 126 من طرق عن السدي وغيره.
(١٦) انظر: الطبري 9/ 124، والرازي 15/ 54 (١٧) ذكره الرازي 15/ 54 بلا نسبة، وأخرج الطبري 9/ 124، وابن أبي حاتم 5/ 1618 بسند جيد عن ابن عباس في الآية قال: (نزع منه العلم) وفي "تنوير المقباس" 2/ 140: ( ﴿ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ فخرج منها) اهـ.
(١٨) انظر: "العين" 4/ 198، و"الجمهرة" 1/ 598، و"تهذيب اللغة" 2/ 1730، و"الصحاح" 1/ 423، و"المجمل" 2/ 470، و"مقاييس اللغة" 3/ 94، و"المفردات" ص 419، و"اللسان" 4/ 2063 (سلخ).
(١٩) في (أ): (سلخت)، ساقط وملحق بأسفل السطر، وكأنه سلخت الحية عن جلدها.
(٢٠) "تفسير غريب القرآن" ص 182، وزاد: (وتبعتهم سرت في إثرهم) اهـ.
وانظر: "غريب القرآن" لليزيدي ص 153، و"تفسير المشكل" ص 88.
(٢١) لفظ: (أفعلت) غير واضح في (ب) وكأنه (افتعلت).
(٢٢) "تهذيب اللغة" 1/ 425، وزاد: (واتبعتهم مثل: افتعلت إذا مروا بك فمضيت معهم وتبعتهم تبعًا مثله) اهـ.
(٢٣) "الحجة" لأبي علي 5/ 167، وأصل تبع: التلو والقفو، وهل تبعه، وأتبعه بمعنى أو بينهما فرق؟
قيل: بكل منهما وأبدى بعضهم الفرق بأن تبعه مشى في أثره، وأتبعه إذا وازاه في المشي، وقيل: اتبعه بمعنى استتبعه وقال الخليل في "العين" 2/ 88: (وأتبع فلان فلانًا إذا تبعه يريد شرًا، قال تعالى: ﴿ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ ﴾ ) اهـ وانظر: "الجمهرة" 1/ 245، و"الصحاح" 3/ 1189، و"مقاليس اللغة" 1/ 362، و"المجمل" 1/ 153، و"المفردات" ص 162، و"اللسان" 1/ 416 - 417 (تبع).
(٢٤) قال الطبري 9/ 123 - 124: (أي: صيره لنفسه تابعًا ينتهي إلى أمره في معصية الله ويخالف أمر ربه في معصية الشيطان وطاعة الرحمن) اهـ.
وانظر: "معاني النحاس" 3/ 105، و"تفسير السمرقندي" 1/ 582، والماوردي 2/ 280.
(٢٥) "تنوير المقباس" 2/ 141، وذكره الواحدي في "الوسيط" 2/ 270، وانظر: "معاني الزجاج" 2/ 391، والماوردي 2/ 282، وابن الجوزي 3/ 289.
(٢٦) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٢٧) انظر: الرازي 15/ 55.
(٢٨) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم السهمي القرشي أبو محمد صحابي إمام عابد زاهد أحد السابقين المكثرين واحد العبادلة الفقهاء أسلم قبل أبيه وهاجر قبل الفتح وشهد الفتوح وكتب عن النبي علمًا كثيرًا، وكان مجتهدًا في العبادة صوامًا قوامًا تاليًا لكتاب الله تعالى، وله مناقب وفضائل ومقام راسخ في العمل والعلم، وثناء الأئمة عليه كثيرة، توفي سنة 65 هـ.
وله 72 سنة، انظر: "الحلية" 1/ 283، و"الاستيعاب" 3/ 86 (1636)، و"سير أعلام النبلاء" 3/ 79، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 71، و"الإصابة" 2/ 351، و"تهذيب التهذيب" 2/ 393.
(٢٩) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/243، والنسائي في "التفسير" 1/ 508، 511، الطبري 9/ 122، وابن أبي حاتم 5/ 1616، من طرق جيدة وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 25، وقال: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح) اهـ.
وذكره ابن حجر في "الفتح" 7/ 154، وقال: رواه ابن مردويه بإسناد قوي) اهـ.
وذكره السيوطي في "الدر" 3/ 265، وزاد نسبته إلى (عبد بن حميد وابن المنذر == وأبي الشيخ) وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 294: (قد روى من غير وجه عنه وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية يشبهه؛ فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة ولكنه لم ينتفع بعلمه فإنه أدرك زمن رسول الله وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتدحهم ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة قبحه الله، وقد جاء في بعض الأحاديث "أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه" فإن له أشعارًا ربانية وحكمًا وفصاحة ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام) اهـ.
(٣٠) زيد بن أسلم العدوي العمري مولاهم أبو عبد الله المدني، إمام تابعي ثقة، عالم عابد مفسر فقيه وكان من العلماء الأبرار له حلقة للعلم في مسجد رسول الله وله تفسير رواه عنه ابنه عبد الرحمن، توفي رحمه الله تعالى سنة 136 هـ، انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 554، و"الحلية" 3/ 221، و"سير أعلام النبلاء" 5/ 316، و"تذكرة الحفاظ" 1/ 132، و"تهذيب التهذيب" 1/ 658، و"تهذيب تاريخ ابن عساكر" 5/ 442.
(٣١) ذكره الثعلبي 6/ 21 ب، وابن الجوزي 3/ 287، والرازي 15/ 54، عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبي روق، وذكره البغوي 3/ 303، والخازن 2/ 313، عن سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 227، والقرطبي 7/ 320، عن زيد بن أسلم.
(٣٢) في النسخ: (أمية بن الصلت) وهو تحريف، وقد تقدمت ترجمته.
وفيها بيان حاله وأخباره، وانظر: " السيرة النبوية" للدكتور/ مهدي رزق الله أحمد، ص 72، 76، والقول بأنه بلعام أشهر وعليه الأكثر، أفاده ابن الجوزي 3/ 288، والقرطبي 7/ 321، وابن حجر في "الفتح" 7/ 154، والظاهر العموم كما رجحه الطبري 9/ 123، وقال أبو حيان في "البحر" 4/ 422 - 423: (اختلف المفسرون في ذلك وطولوا في قصته وذكروا ما الله أعلم به والجمهور على أنه شخص معين والأولى في مثل هذا أن يحمل على التمثيل لا على الحصر في معين فإنه يؤدي إلى الاضطراب والتناقض) اهـ.
بتصرف.
(٣٣) قال الألباني في "الضعيفة" 4/ 52 رقم 1546: (ضعيف أخرجه ابن الأنباري في المصاحف وفي إسناده أبو بكر الهذلي متروك، وأخرجه الخطيب وابن عساكر في "التاريخ" وإسناده ضعيف فيه الكلبي متهم بالكذب) اهـ.
بتصرف، وانظر: "الجامع الصغير" للسيوطي 1/ 4، و"كشف الخفاء" للعجلوني 1/ 19 - 20.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءاتيناه ءاياتنا فانسلخ مِنْهَا ﴾ قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مَدْين داعياً إلى الله، فرشاه الملك وأعطاه الملك على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه ففعل، وأضل الناس بذلك وقال ابن عباس هو رجل من الكنعانيين اسمه بلعم بن باعوراء كان عنده اسم الله الأعظم، فلما أراد موسى قتال الكنعانيين وهو الجبارون: سألوا من بلعم أن يدعو باسم الله الأعظم على موسى وعسكره فأبى، فألحوا عليه حتى دعا عليه ألا يدخل المدينة ودعا عليه موسى فالآيات التي أعطيها على هذا القول: هي اسم الله الأعظم وعلى قول ابن مسعود هي ما علمه موسى من الشريعة، وقيل: كان عنده من صحف إبراهيم، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: هو أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علماً وحكمه وأراد أن يسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافراً، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم، فالآية على هذا ما كان عنده من العلم، والانسلاخ عبارة عن البعد والانفصال منها كالانسلاخ من الثياب والجلد ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه بِهَا ﴾ أي رفعنا منزلته بالآيات التي كانت عنده ﴿ ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض ﴾ عبارة عن فعله لما سقطت به منزلته عند الله ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب ﴾ أي صفته كصفة الكلب، وذلك غاية في الخسة والرداءة ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ اللهث هو تنفس بسرعة وتحريك أعضاء الفم وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات مع الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى إن تحمل عليه إن تفعل معه ما يشق عليه من طرد أو غيره أو تتركه دون أن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال كما لهث الكلب على كل حال.
وقيل: إن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره فصار مثل الكلب في صورته ولهثه حقيقة ﴿ ذَّلِكَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا ﴾ أي صفة المكذبين كصفة الكلب في لهثه، وكصفة الرجل المشبه به؛ لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا، وشبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات والمعجزات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما كان عنده من الآيات ﴿ سَآءَ مَثَلاً القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا وَأَنفُسَهُمْ ﴾ الآية: قدم هذا المفعول للاختصاص والحصر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ذريتهم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف وابن كثير وعاصم سوى حفص والمفضل.
الباقون: على الجمع ﴿ يقولوا ﴾ بياء الغيبة في الحرفين: أبو عمرو ﴿ يلهث ذلك ﴾ بالإظهار: حفص والأصفهاني عن ورش، والحلواني عن قالون والنقاش عن أبي ربيعة عن قنبل ﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة، الباقون: بضم الياء وكسر الحاء من الإلحاد ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ مظهراً: أبو جعفر ونافع وابن كثير غير ورش وعاصم غير الأعشى ﴿ ذرأنا ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
الباقون: بالهمز.
الوقوف: ﴿ أنفسهم ﴾ ج لأن التقدير وقال ألست بربكم مع اتحاد الكلام.
بربكم ط فصلاً بين السؤال والجواب.
﴿ بلى ﴾ ج لأن ﴿ شهدنا ﴾ يصلح أن يكون من قولهم فيوقف على ﴿ شهدنا ﴾ ويعلق أن بمحذوف أي فعلنا ذلك لئلا تقولوا، ويصلح أن يكون ﴿ شهدنا ﴾ من قول الملائكة أي قيل للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا فيكون منفصلاً من جملة بلى متصلاً بأن تقولوا.
﴿ غافلين ﴾ ه لا للعطف ﴿ من بعدهم ﴾ ج لابتداء الاستفهام واتحاد القائل.
﴿ المبطلون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ الغاوين ﴾ ه ﴿ هواه ﴾ ج لأن قوله ﴿ فمثله ﴾ مبتدأ ولدخول الفاء فيه ﴿ كمثل الكلب ﴾ ج لابتداء الشرط من أن الجملة تفسير للمثل ﴿ أو تتركه يلهث ﴾ ط ﴿ بآياتنا ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ المهتدي ﴾ ج للعطف ولأن التفصيل بين الجملتين أبلغ في التنبيه ﴿ الخاسرون ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط والوصل أولى لأن الجملة بعده صفة لـ ﴿ كثيراً ﴾ ، ﴿ لا يفقهون بها ﴾ ج لأن العطف صحيح ولكن الوقف لإمهال فرصة الاعتبار وكذا الثانية ولهذا كرر لفظة ﴿ لهم ﴾ في أول كل جملة ﴿ لا يسمعون بها ﴾ ط ﴿ أضل ﴾ ط ﴿ الغافلون ﴾ ه ﴿ فادعوه بها ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ في أسمائه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ يعدلون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ وج وعطف ﴿ وأملي ﴾ على ﴿ سنستدرجهم ﴾ احسن من جعله مستأنفاً فيوقف على ﴿ أملي ﴾ ، ﴿ لهم ﴾ ، ﴿ متين ﴾ ه.
التفسير: لما شرح قصة موسى على أقصى الوجوه ذكر ما يجري مجرى تقرير الحجة على جميع المكلفين.
وفي الآية للمفسرين قولان: أحدهما ما روى مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب قال: سئل عنها رسول الله فقال : "إن الله تبارك خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون.
قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟
فقال رسول الله : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت في عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار" وهذا القول ذهب إليه كثير من قدماء المفسرين كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وعكرمة والكلبي وابن عباس.
وأما المعتزلة وأصحاب النظر والمعقولات فإنهم فسروا الآية بأنه أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم، وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله إلى أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشراً سوياً وخلقاً كاملاً، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب في عقولهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقته وغرائب صنعته وكأنه قررهم وقال ﴿ ألست بربكم ﴾ وكأنهم ﴿ قالوا بلى ﴾ أنت ربنا ﴿ شهدنا على أنفسنا ﴾ وأقررنا بوحدانيتك.
وباب التمثيل باب واسع في كلام الله ورسوله وفي كلام العرب نظيره ﴿ فقال له وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ وقال الشاعر.
امتلأ الحوض وقال قطني *** وهذا القول الثاني غير منافٍ للقول الأول ولا هو مطعون في نفسه إنما الكلام في صحة القول الأول.
والمنكرون طعنوا فيه بوجوه: منها أن قوله ﴿ من ظهورهم ﴾ بدل ﴿ من بني آدم ﴾ بدل البعض من الكل.
فالمعنى وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم.
وعلى هذا فلم يذكر الله أنه أخذ من ظهر بني آدم شيئاً.
ويمكن أن يجاب بأنه يعلم أن الشخص الفلاني يتولد من آدم ومن فلان فلان آخر فعلى الترتيب الذي علم دخولهم في الوجود يخرجهم ويميز بعضهم من بعض فثبت إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالقرآن، وثبت إخراج الذرية من ظهر آدم بالخير، فوجب المصير إليهما معاً صوناً للآية والخبر عن الطعن.
ومنها أن أولئك الذر إن لم يكونوا عقلاء لم يمكن أخذ الميثاق منهم وإن كانوا عقلاء وجب أن يتذكروا تلك الحالة في هذا الوقت، وبهذا الدليل بعينه يبطل التناسخ.
ويحتمل أن يجاب بالفرق وذلك أنا إذا كنا في أبدان أخرى وبقينا فيها سنين ودهوراً امتنع في مجرى العادة نسيانها، وأما أخذ هذا الميثاق فإنما حصل في أسرع زمان فلم يبعد حصور النسيان فيه.
ومنها أن جميع الخلق من أولاد آدم جمع عظيم وجم غفير، وصلب آدم على صغره لن يتسع لذلك المجموع على أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم فكل واحدة من أولئك الذر لها بنية وإن كانت صغيرة والمجموع يبلغ مبلغاً عظيماً في الحجمية والمقدار، وأجيب بأن البنية عندنا ليست شرطاً في الحياة والعقل.
فمن الجائز أن يكون كل من الذر جوهراً فرداً.
ومنها أن فائدة أخذ الميثاق أن يكون حجة عليهم في ذلك الوقت أو في الدنيا، والإجماع منعقد على أنهم بسبب ذلك لا التكليف على الطفل فكيف يتوجه على الذر؟
وأجيب بأنه لا يسأل عما يفعل.
وإن المعتزلة إذا أرادوا تصحيح القول بوزن الأعمال وإنطاق الجوارح قالوا لا يبعد أن يكون لبعض المكلفين في إسماع هذه الأشياء نطق فكذا ههنا، ولا يبعد أن يكون لبعض الملائكة في تمييز السعداء من الأشقياء في وقت أخذ الميثاق نطق.
وقيل: إن الله يذكرهم ذلك الميثاق يوم القيامة.
ومنها أنه قال ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 12\] وقال ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق ﴾ وكون أولئك الذر أناساً ينافي كون الإنسان مخلوقاً من الماء والطين.
والجواب لا يجوز أن يخرج الله من صلب آدم ذرة من الماء ثم منها ذرة أخرى وهلم جراً إلى آخر نسلها ثم يعدم الكل أو يميتها فتحصل الحياة للإنسان أربع مرات: أولها؟
وقت الميثاق، وثانيها: في الدنيا، وثالثا: في القبر، ورابعها في القيامة، ويحصل له الموت ثلاث مرات بين كل حياتين واحد.
ولا ينافي هذا حكاية قول الكفرة ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ لأنهم قالوا ذلك بناء على حسب ظنونهم.
أما قوله ﴿ أن تقولوا ﴾ فالتقدير: وأشهدهم على أنفسهم بكذا لئلا يقولوا أو كراهة أن يقولوا ﴿ يوم القيامة أنا كنا عن هذا ﴾ المشهود له ﴿ غافلين ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأن الكلام على الغيبة وهو قوله ﴿ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ﴾ لئلا يقولوا.
ومن قرأ على الخطاب فلأنه قد جرى في الكلام خطاب وهو قوله ﴿ ألست بربكم ﴾ وكلا الوجهين حسن لأن الغائبين هم المخاطبون في المعنى.
﴿ أو يقولوا ﴾ يعني الكفار إنما أشركنا لأن آباءنا أشركوا فقلدناهم في ذلك الشرك فكان الذنب لأسلافنا فكيف تعذبنا على هذا الشرك وهو معنى قوله ﴿ أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ والحاصل أن الله لما أخذ عليهم الميثاق امتنع منهم التمسك بهذا العذر.
وعند المعتزلة معناه أشهدنا عليهم كراهة أن يقولوا إنما أشركنا على سبيل التقليد لأسلافنا لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم فلا عذر معهم في الإعراض عنه والإقبال على التقليد والاقتداء بالآباء.
وقال في الكشاف: المراد ببني آدم أسلاف اليهود الذين أشركوا بالله، وبذرياتهم الذين كانوا في عهد رسول الله من أخلافهم المقتدين بآبائهم لأن الآيات السابقة في شأن اليهود.
وكذلك قوله ﴿ واتل عليهم ﴾ أي على اليهود ﴿ نبأ الذي آتيناه آياتنا ﴾ أما قوله ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ذلك التفصيل البليغ ﴿ نفصل الآيات ﴾ لهم ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ وإرادة أن يرجعوا إلى الحق ويعرضوا عن الباطل نفصلها أو يرجعوا إلى ما أخذ الله عليهم من الميثاق في التوحيد.
ولبعض العلماء في الآية قول ثالث وهو أن الأرواح البشرية موجودة قبل الأبدان والإقرار بوجود الإله من لوازم ذواتها وحقائقها، وهذا العلم ليس مما يحتاج في تحصيله إلى كسب وطلب وهو المراد بأخذ الميثاق عليهم، لكنها بعد التعلق بالأبدان يشغلها التعلق عن معلومها فربما تتذكر بالتذكير والتنبيه وربما لا تتذكر ﴿ واتل عليهم ﴾ على بني آدم أو اليهود خاصة.
وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: نزلت في بلعم بن باعوراء؛ وذلك أن موسى قصد بلده الذي هو فيه وغزا أهله وكانوا كفاراً فطلبوا أن يدعو على موسى وقومه.
وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم.
فامتنع منه فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليهم فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل بدعائه في التيه.
فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟
فقال: بدعاء بلعم.
فقال: كما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه.
ثم دعا موسى أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله مما كان عليه ونزع عنه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته.
ويقال أيضاً أنه كان نبياً من أنبياء الله فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان فكان كافراً وهذا بعيد لأنه قال ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾ وفيه أنه لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر؟
وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى يرسل رسولاً في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل الله محمد صلى الله عليه وآله حسده ثم مات كافراً ولم يؤمن بالنبي وهو الذي قال فيه النبي : "لقد كاد يسلم" .
وذلك أنه يوحد الله في شعره وذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار.
وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وآله فمات هناك طريداً وحيداً وهو قول سعيد بن المسيب.
وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي نبي الحق عن الحسن والأصم.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت: اجعل لي منها دعوة.
قال: لك منها واحدة فماذا تأمرين؟
قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل.
فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان، وجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمُّنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال: "أشأم من البسوس".
وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم.
ومعنى قوله ﴿ آتيناه آياتنا ﴾ عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفاً بها ﴿ فانسلخ منها ﴾ فخرج من محبة الله إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه.
يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية إنه انسلخ منه.
وقال أبو مسلم ﴿ آتيناه آياتنا فانسلخ منها ﴾ أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر.
والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجوداً فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلاً.
وأيضاً ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفاً بدين الله ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله ﴿ فأتبعه الشيطان ﴾ أي أدركه ولحقه وصار قريناً له، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له ﴿ فكان من الغاوين ﴾ في علم الله أو فصار منهم ﴿ ولو شئنا لرفعناه ﴾ إلى منازل الأبرار ﴿ بها ﴾ أي بتلك الآيات ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ أصل الإخلاد اللزوم على الدوام فكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض ومنه أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.
قال ابن عباس: معناه مال إلى الدنيا.
وقاتل مقاتل: رضي بالدنيا.
وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا.
وقال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض بالدنيا لأن ما في الدنيا من الضياع والعقار كلها أرض وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وبها يكمل ويقوى، ومعنى قوله ﴿ واتبع هواه ﴾ أنه أعرض عن التمسك بما آتاه من الآيات، ثم إنه لو جاء الكلام على ظاهره لقيل: ولو شئنا لرفعنا بها ولكنا لم نشأ إلا أن قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه.
قالت الأشاعرة: لفظة "لو" تدل على أن الله قد لا يريد الإيمان ويريد الكفر.
وقال الجبائيّ: معناه ولو شئنا لرفعناه بأعماله بأن يحترمه ونزيل التكليف عنه قبل ذلك الكفر حتى تسلم له الرفعة لكنا عرضناه بزيادة التكليف لمنزلة زائدة فأبى أن يستمر على الإيمان، أو المراد لو شئنا لرفعناه بأن نحول بينه وبين الكفر قهراً أو جبراً إلا أن ذلك ينافي التكليف فلا جرم تركناه مع اختياره.
وقال صاحب الكشاف: ومعناه لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها، وذلك أن مشيئة الله رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له ومسببة عنه كأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها ألا ترى إلى قوله ﴿ ولكنه أخلد إلى الأرض ﴾ فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله فوجب أن يكون ﴿ ولو شئنا ﴾ في معنى ما هو فعله.
ثم وضع قوله ﴿ فمثله كمثل الكلب ﴾ موضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في هذا المعنى ومحل قوله ﴿ أن تحمل عليه ﴾ النصب على الحل كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلاً دائم الذلة لاهثاً في الحالين، ويجوز أن يكون تفسيراً للمثل كما مر.
قال الليث: اللهث هو أن الكلب ونحوه إذا ناله الإعياء عند شدّة العدو وعند شدّة الحر فإنه يدلع لسانه من العطش، وكل شيء يلهث فإنه يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في جميع أحواله لا لحاجة وضرورة بل لطبيعته الخسيسة.
فمعنى الآية أن هذا الكلب إن شدّ عليه وهيج لهث، وإن ترك لهث أيضاً لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له.
عن ابن عباس: الكلب منقطع الفؤاد يلهث إن حمل عليه أو لم يحمل عليه.
قيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب فيكون هذا وجه التمثيل.
واعلم أن التمثيل ما وقع بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو اللاهث، وإن الرجل إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا فذلك إنما يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكن من قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا فكانت حاله شبيهة بحال ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة بل لمجرد الطبيعة الجسدية.
وأيضاً هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسار عادة أصيلة وطبيعة ذاتية له كما أن ذلك الكلب إن شدّ عليه لهث وإن ترك لهث.
ثم عمم بالتمثيل جميع المكذبين الضالين فقال ﴿ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته كذبوه.
وقيل: هم اليهود قرأوا نعت رسول الله في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به.
﴿ فاقصص القصص ﴾ يريد قصص المكذبين أو قصص بلعم الذي هو نحو قصص المكذبين ﴿ لعلهم يتفكرون ﴾ فيحذرون مثل عاقبته إذ ساروانحو سيرته.
ثم ذكر تأكيداً آخر في باب التحذير فقال ﴿ ساء مثلاً لقوم ﴾ ولا بد من تقدير مضاف ليناسب التمييز المخصوص بالذم فيصير التقدير: ساء مثلاً القوم، أو ساء أصحاب مثل القوم.
وفي ﴿ ساء ﴾ ضمير مبهم يفسره المنصوب بعده.
وظاهر الآية يقتضي كون المثل مذموماً فقيل: كيف يتصور ذلك مع أن الله ذكره؟
والجواب أن الذم إنما يتوجه إلى ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها حتى صاروا في ذلك بمنزلة الكلب اللاهث.
أما قوله ﴿ وأنفسهم كانوا يظلمون ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على كذبوا فيدخل في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وتقديم المفعول للاختصاص كأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها.
ثم بين أن الهداية والضلال بتقديره فقال ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وهو محمول على اللفظ من حيث إن "من" مفرد اللفظ ومن حيث إن اهتدى مطاوع هدى ﴿ ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ﴾ محمول على المعنى لأن من معناه ههنا الجمع ولأن الخسار ليس مطاوع والإضلال بل الإضلال.
مطاوع له والخسار لازم اللازم.
ولا يخفى أن ظاهر الآية موافق لمعتقد الأشاعرة أن الهداية والضلال بل جميع الأفعال بخلق الله ، والمعتزلة أولوها بأن المراد من يهد الله إلى الجنة والثواب فهو المهتدي في الدنيا، ومن يضلله عن الجنة والثواب يضلله عن طريق الجنة.
وقال بعضهم: التقدير من يهد الله فقبل هداه فهو المهتدي، ومن يضل بأن لم يقبل فهو الخاسر.
وقيل: من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلله عن ذلك بما تقدم منه بسوء اختياره فأخرج لهذا السبب تلك الألطاف من أن تؤثر فيه فهو الخاسر، وزيف بالعلم والداعي وبأن الأصل عدم الإضمار وبأن كل ما في مقدور الله من الألطاف فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار وبالآية بعدها وهي قوله ﴿ ولقد ذرأنا ﴾ إلى آخره.
وذلك أنه بين أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم وقد علم ذلك في الأزل وخلاف مقدوره ومعلومه محال.
وأيضاً العاقل لا يريد الكفر والجهل.الموجبين لدخول النار، فحصول ذلك على خلاف قصده واجتهاده لا يكون إلا من قبل غيره، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى مسبب الأسباب لا محالة.
لا يقال العبد إنما يسعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الباطل لأنه اشتبه لأمر عليه وظنه اعتقاداً صحيحاً لأنا نقول على هذا التقدير إنما وقع في هذا الجهل لأجل جهل متقدم، ولا تسلسل بل ينتهي إلى جهل حصل ابتداء فيتوجه الإلزام.
قالت المعتزلة: الآيات الدالة على أنه أراد من العبد الطاعة والعبادة والخير فقط كثيره كقوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ وأيضاً أنه قال في معرض الذم ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ﴾ إلى آخره.
ولو كانوا مخلوقين للنار غير قادرين على الإيمان لم يحسن ذمهم.
وأيضاً لو خلقهم للنار لما كان له نعمة على الكفار أصلاً لأن منافع الدنيا بأسرها لا اعتداد بها في جنب العذاب الدائم لكن القرآن مملوء من أنه تعالى منعم على جميع الخلائق.
وأيضاً مذهبكم يوجب أن لا يكون للمدح والذم والثواب والعقاب والترغيب والترهيب فائدة، ولو خلقهم للنار لوجب أن يخلقهم في النار ابتداء لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم.
وأيضاً الآية متروكة الظاهر لأن لام الاختصاص لا تفيد فيها إلا إذا قدر "ولقد ذرأناهم" لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم فيجب بناؤها على قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ لأن ظاهره يصح من غير حذف.
وعلى هذا أوجب أن تؤول الآية بأن اللام فيها لام العاقبة كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّاً ﴾ أو يقال إنه جعلهم لإغراقهم في الكفر وشدّة شكائمهم فيه كأنهم مخلوقون للنار كقولهم ما خلق فلان إلا لكذا إذا كان غريقاً في بعض الأمور.
وأجيب إجمالاً بأنه لا يسأل عما يفعل، وتفصيلاً بأن النعمة وإن قلت فهي في نفسها نعمة، وبأن الوسائط معتبرة، وبأن حمل اللام على العاقبة تجوّز لا يصار إليه إلا لضرورة تصحيح المعنى، وههنا لا ضرورة فقد تعاضدت الدلائل العقلية كالعلم والداعي والنقلية كآيات كثيرة على أن الكل من الله فوجب المصير إلى طرف الجبر ولا سيما فإن ما قبل هذه الآية وهو قوله ﴿ من يهد الله فهو المهتدي ﴾ وما بعدها وهو قوله ﴿ والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم ﴾ يدل على ما قلنا.
وأيضاً لا ريب أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالح الدنيا، وكذا أعين مبصرة وآذان سامعة، فالمراد أنهم كانوا يفقهون ويبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين.
ثم إنه كلفهم تحصيل الدين مع عدم القابلية كيف وإن الكفار بلغوا في عداوة الرسول وفي شدة النفرة عن قبول دينه مبلغاً لا يكتنه كنهه.
والعلم الضروري حاصل بأن حصول الحب والبغض في القلب ليس باختيار الإنسان بل هو حالة حاصلة في القلب كره الإنسان أو أراد، حينئذ يثبت القول بالجبر.
وروى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب مناقب الشافعي أن عليّ بن أبي طالب خط الناس فقال: وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن، وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد.
وهذا الفصل كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها.
وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر.
وذكر الإمام الغزالي في الإحياء فصلاً ثم قال: فإن قلت أني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري.
أجبنا وقلنا: هب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئت، وإن شئت أن لا تشاءه لم تشأ، ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له، فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار.
والله أعلم.
قال بعض العلماء أنه نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وفيه دليل على أن محل الفقه هو القلب.
وأقول: ليس المراد بالقلب ههنا اللحم الصنوبري بل اللطيفة الربانية التي بها يكون الإنسان إنساناً وقد يعبر عنها بالنفس الناطقة وبالروح.
أما قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ فتقريره أن الإنسان يشاركه سائر الحيوان في القوى الطبعية الغاذية والنامية والمولدة، وفي منافع الحواس الخمس الظاهرة، وفي أحوال التخيل والتفكر.
وإنما يحصل الامتياز بالقوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به فإذا لم تحصل هذه الغاية للإنسان صار في درجة الأنعام بل أضل وأدون لأن الذي أعرض عن اكتساب الفضائل مع القدرة على تحصيلها من حيث النوع كان أخس حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها.
وقيل: وجه الأضلية أن الأنعام مطيعة لله والكافر غير مطيع.
وقال مقاتل: الأنعام تعرف ربها وتبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيلها ودفعها، وهؤلاء الكفار أكثرهم معاندون مصرون وقيل: إنها تفر أبداً إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه إلى الأصنام.
وقيل: إنها لا تضل إذا كان معها مرشد والكافر يضل بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب ﴿ أولئك هم الغافلون ﴾ الكاملون في الغفلة.
وقال عطاء: إنهم الغافلون عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
ثم نبه بقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى ﴾ على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكره ، والمخلص من عذاب جهنم هو ذكره، وكل من له ذوق وجد من نفسه أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن الذكر وأقبل على الدنيا وقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب ومن ظلمة إلى ظلمة فإذا فتح على قلبه الذكر خلص من نيران الآفات وخسران الحسرات إلى معرفة رب الأرض والسموات.
وهذا اللفظ مذكور في ثلاثة مواضع أخر: في آخر بني إسرائيل وفي أوّل طه وفي آخر الحشر.
ومعنى حسن الأسماء حسن معانيها ومفهوماتها لأنها أسماء دالة على معاني الكمال ونعوت الجلا وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره وثبوت افتقار غيره إليه.
وقد عرفت في تفسير البسملة أن أسماء الله لا تكاد تنحصر بحسب السلوب والإضافات، فكل من كان وقوفه على أسرار حكمه في مخلوقاته أكثر كان علمه بأسماء الله الحسنى أكثر.
والآن نقول: إن من تقسيمات أسماء الله ما يقوله المتكلمون من أن صفات الله أنواع ما يجب وما يجوز وما يستحيل عليه .
ومنها أن يقال إن أسماء الله إما أن يجوز إطلاقها على غيره كالرحيم والكريم وإن كان معناها في حق الله مغايراً لمعناها في حق غيره، وإما أن لا يجوز نحو "الله" و "الرحمن".
وقد يقيد القسم الأوّل بقيود مثل "يا أرحم الراحمين" و "يا أكرم الأكرمين" و "يا خالق السموات والأرضين".
ومنها أن يقال من الأسماء ما يمكن ذكره وحده كقولنا "يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم".
ومنها ما لا يكون كذلك كقولنا "مميت" و "ضارّ" فإنه لا يجوز إفراده بالذكر بل يجب أن يقال "يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع".
ومنها أن يقال أوّل ما يعلم من صفات الله كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك إنما يعلم بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، وذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة، والأوّل باطل وإلا لزم دوام العالم بدوامه، والثاني هو المعنيّ بكونه قادراً.
ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً ثم نقول: إن القادر العالم يمتنع أن لا يكون حياً فظهر أن العلم بصفاته وبأسمائه ليس واقعاً في درجة واحدة بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض، ومن البين أن الأسماء الحسنى لا تكون إلا لله لأن كل الشرف والجلالة يستلزم وجوب الوجود، وكل نقص وخساسة فإنه يعقب الإمكان وكل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله .
ومن هنا اختلف في أنه هل يطلق عليه اسم الشيء أم لا؟
وقد مر تحقيق ذلك في تفسير البسملة وفي الأنعام في قوله ﴿ قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ﴾ أما قوله ﴿ فادعوه بها ﴾ ففيه دليل على أن الإنسان لا يجوز أن يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى بعد أن عرف معانيها ويكون مستحضراً الأمرين: عزة الربوبية وذلة العبودية، كما أنه في قوله عند التحريم "الله أكبر" يشير إلى أنه لا نسبة لكبريائه وعظمته إلى ما سواه من الروحانيات والجسمانيات والعلويات والسفليات وإنما هو أكبر من هذه الأشياء وأكبر من أن يقال له أكبر من هذه الأشياء ﴿ وذروا الذين يلحدون في أسمائه ﴾ قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق والمدخل فيه ما ليس منه.
يقال قد ألحد في الدين ولحد.
وقال غيره من أهل اللغة: الإلحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه للحد الذي يحفر إلى جانب القبر.
قال الواحدي: الأجود قراءة العامة ولا يكاد يسمع من العرب لأحد بمعنى ملحد.
والإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الاوّل: إطلاق أسمائه المقدسة على الأصنام كاشتقاقهم اللات من الله والعزى من العزيز، ومناة من المنان، وكان مسيلمة الكذاب يسمى نفسه الرحمن.
والثاني أن يسموه بما لا يجوز عليه كما سمع عن البدو وإن قالوا بجهلهم "يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا نخّي" بناء على أن النخوة مدح.
الثالث: أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى كالرحمن مثلاً.
قال بعض العلماء: إن ورود الإذن في بعض الأسماء لا يجوز إطلاق سائر الألفاظ المشتقة منه عليه، فلا يجوز أن يقال "يا معلم" وإن ورد ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ وكذا في حق الأنبياء لا يجوز أن يقال إن آدم عاصٍ أو غاوٍ وإن ورد ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ﴾ ثم أوعد الملحدين في أسمائه بقوله ﴿ سيجزون ما كانوا يعملون ﴾ ثم لما أخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون لنار حكى أن بعضاً منهم مخلوقون للجنة فقال ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ وقد مر مثل هذه الآية في قصة موسى فعن قتادة وابن جريج وابن عباس أن المراد في الآية أمة محمد صلى الله عليه وآله.
وروى الربيع أن النبي كان يقول: "إذ قرأها هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" .
وعن الربيع بن أنس أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى" .
وعن الكلبي: هم الذين آمنوا من أهل الكتاب.
وقال الجبائي: هم العلماء والدعاة إلى الدين في كل حين ثم أعاد ذكر المكذبين وما عليهم من الوعيد فقال ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ قال ابن عباس: يري أهل مكة والظاهر أنه عام.
والاستدراج استفعال من الدرجة ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب إذا طواه شيئاً بعد شيء.
ومعنى الآية سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ ما يراد بهم.
وذلك أنهم كلما أقدموا على ذنب فتح الله عليهم باباً من أبواب الخير فيزدادون بطراً وانهماكاً في الغي والفساد، ثم يأخذهم أغفل ما يكونون ﴿ وأملي لهم ﴾ أطيل لهم مدة عمرهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ عن ابن عباس: يريد أن مكري شديد والمتين من كل شيء هو القوي.
يقال متن متانة.
واحتجت الأشاعرة بألفاظ الاستدراج والإملاء والكيد في مسألة القضاء والقدر حتى قال بعض المجبرة: المراد سنستدرجهم إلى الكفر مع أنه فاسد لأن جزاء الكفر لا يكون كفراً آخر.
وحملها المعتزلة على أن المراد سنستدرجهم إلى العقوبات إما في الدنيا وفي الآخرة، وزيف بأن هذا الاستدراج والإمهال مما يزيد الكافر به كفراً وعتواً واستحقاقاً للعقاب، فلو أراد به الخير لأماته قبل أن يصير مستوجباً لتلك الزيادات من العقوبة بل كان يجب في حكمته ورعايته للأصلح أن لا يخلقه ابتداء، أو يميته قبل التكليف لما خلقه وألقاه في ورطة التكليف وأمهله ومكنه من المعاصي مع علمه بأن كل ذلك لا يفيده إلا مزيد استحقاق العقاب علمنا أنه ما خلقه إلا للنار كما قال ﴿ لقد ذرأنا لجهنم ﴾ الآية.
التأويل: ﴿ وإذا أخذ ربك ﴾ لم يقل "ربكم" ليعلم أن في الآية غموضاً لا يطلع عليه غيره وغير من أنعم الله به عليه من خواص متابعيه ، وأنه لم يكلم أحداً وهو يجيبه في العدم إلا بني آدم كلمهم وهم غير موجودين وأجابوه وهم معدومون فجرى بالجود ما جرى لا بالوجود، فهذا بدايتهم وإلى أن تنتهي نهايتهم بأن يكون الله سمعهم وأبصارهم وألسنتهم ﴿ إنما أشرك آباؤنا ﴾ بأن رضوا بالأثنينية وما جعلوا إلى الوحدة بالفناء في الله ﴿ بما فعل المبطلون ﴾ الذين أبطلوا استعداد الرجوع إلى الوحدة لله ﴿ ولعلهم يرجعون ﴾ بهذه الدلالات من البداية إلى النهاية وهو مقام الوحدة ﴿ فانسلخ منها ﴾ أي وقع فرخ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته فأدركته هزة الشيطان وجعلته من الهالكين ليعلم أن المعصوم من عصمة الله وأن السلك الواصل يجب أن لا يأمن مكر الله فلا يفتح على نفسه أبواب التنعم والترفه، ولا يميل إلى حب المال والجاه ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً ﴾ وهم مظاهر القهر ﴿ فادعوه بها ﴾ بأن تتصفوا بصفاته بالنيات الصالحات وبالأعمال الزاكيات ثم تتخلقوا بها بالأحوال بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله تعالى ﴿ والذين كذبوا بآياتنا ﴾ بأن لم توافق أقوالهم أفعالهم ﴿ سنستدرجهم ﴾ فينحطون عن مراتبهم بالتدريج والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ .
اختلف أهل التأويل في [نبأ] هذا: قال بعضهم: كان هذا نبيّاً فانسلخ منها، يعني: من النبوة وكفر بها.
لكن هذا بعيد محال أن يجعل الله الرسالة فيمن يعلم أنه يكفر به، أو يختاره لوحيه، وهو يعلم أنه ليس [هو] بأهل له؛ بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ .
وقال بعضهم: كان بلعم بن باعوراء أعطاه الله - - آيات فكفر بها وانسلخ منها.
وقيل: أعطي الاسم [المخزون الذي كان يستجاب له به] جميع ما يسأل ربه.
وقال بعضهم: كان أمية بن أبي الصلت؛ على [ما قال عنه - -]: إنه "آمن شعره وكفر قلبه".
وقال بعضهم: نزلت الآية في منافقي أهل الكتاب؛ قد كان أعطاهم الله الآيات، فكفروا بها وكذبوها.
ولكن لا ندري فيمن نزلت، وهو في جميع مكذبي الآيات، ليس يجب أن ننص واحداً، أو يشار إلى واحد نزلت فيه، ولكن نقول: إنها في جميع مكذبي الآيات.
وقوله: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ : خرج منها، و[قيل]: نزع منها.
وقيل: تركها؛ وكله واحد.
ثم يحتمل قوله: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا ﴾ أي: كانوا قبلوها مرة، ثم ردوها من بعد القبول.
ويحتمل: أن لم يقبلوها ابتداء فخرجوا منها وكذبوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ .
فيه دلالة أن الله لا يتبع الشيطان أحد ولا يزيغه إلا بعد أن كان منه الاختيار للضلال والميل إليه؛ حيث قال: ﴿ فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ إنما أتبعه الشيطان بعد ما كان منه الانسلاخ والنزع.
وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ﴾ قيل: كان في علم الله أن يكون في ذلك الوقت من الغاوين.
وقيل: كان من الغاوين، أي: صار من الغاوين إذا انسلخ منها وخرج، والغاوي: الضال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ : عصمناه حتى لا ينسلخ منها ولا يكذب بها، أي: لو شئنا لوفقناه لها حتى يعمل بها.
أو أن يقال: لو شئنا لعصمناه حتى لا يختار ما اختار، لكنه إذ علم منه أنه يختار ذلك ويميل إليه، شاء ألاّ يعصمه، ولا يوفقه، فكيفما كان فهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر: [أنه] لو شاء لرفعه بها، وكان له مشيئة الرفع، ثم أخبر أنه لم يرفع، ولو رفعه بها كان أصلح له في الدين؛ دل أنه قد يفعل به ما ليس هو بأصلح في الدين، وهم يقولون: [إن] المشيئة - هاهنا - مشيئة القهر والقسر، لا مشيئة الاختيار، لكن ما ذكرنا أن الإيمان في حال الاضطرار والقهر لا يكون إيماناً، فلا معنى لذلك، ولا يكون ذلك رفعاً؛ فيبطل قولهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ : هو ما ذكرنا؛ لما علم منه أنه يخلد إلى الأرض ويميل إليها، لم يعصمه ولم يرفعه.
والإخلاد إلى الأرض: قال الحسن: سكن إلى الأرض.
وكذلك قال الكيساني: [إن] الإخلاد في كلامهم: السكون إلى الشيء والركون إليه.
وقال أبو عبيدة: هو اللزوم للشيء.
وفي قوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ دلالة أن الإزاغة من الله وترك العصمة له؛ لما يكون من العبد الميل والركون إلى مخالفته، وترك الائتمار له، واتباع الهوى.
قال قتادة: قوله: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ يقول: لو شئنا لرفعناه من إيتائه الهدى، فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن يبتلى [من عباده من يشاء].
وقوله: ﴿ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ ذكر الأرض يحتمل أن يكون كناية عن الدنيا؛ كقوله: ﴿ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
ويحتمل أن يكون كناية عن الذل والهوان؛ لأن كل خير وبركة إنما يطلب من السماء، وهم إذا اختاروا ذلك اختاروا الذل والهوان.
وقال الحسن في قوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ الآية، قال: حال الشيطان بينه وبين أن يصحب الهدى بما مناه وزين له واتبع هواه، ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ ﴾ قال: هذا مثل الكافر، أميت فؤاده كما أميت فؤاد الكلب.
[وقوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ أي: ساء مثل الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في القرآن، قال]: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ ، صدق الله وبئس المثل ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، فتدبروا وتفكروا في أمثال الله التي ضرب واعقلوها؛ إلى هذا ذهب الحسن.
وقال غيره: وجه ضرب مثل الذي كذب بالآيات بالكلب، هو أن الكلب من عادته أنه يذل ويخضع لكل أحد؛ لما يطمع أن ينال منه أدنى شيء، ولا يبالي ما يصيبه من الذل والهوان في ذلك بعد أن ينال منه بشيء؛ فعلى ذلك الكافر والمكذب بالآيات لا يبالي ما يلحقه من الذل والهوان بعد أن يصيب من الدنيا شيئاً.
ويشبه أن يكون وجه ضرب المثل بالكلب؛ لما أن من عادة الكلاب [أنها] إذا ظفرت بالجيف تنكب لها، حتى إذا ينادي لها وتدعى لا تكترث إليه ولا تلتفت؛ فعلى ذلك هذا الكافر ينكب لكل جيفة ويخضع، ولا يلتفت إلى ما نودي ودعي إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ ﴾ .
أي: يخرج لسانه ويتنفس تنفساً [شديداً].
﴿ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ﴾ ومعناه - والله أعلم - أن الكلب إذا أصابه العطش والجوع لهث، وإذا لم يصبه لهث أيضاً، فعلى ذلك الكافر يميل إلى ذلك ويختار، أصابته شدة أو لم تصبه؛ أو كلام نحو هذا.
وقال قتادة: هذا مثل الكافر، ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب.
﴿ ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ضرب الله - عز وجل - مثل الكافر مرة بالكلب، ومرة بالميت، ومرة بالأعمى، ومرة بالتراب، ومرة بالأنعام، ونحو هذا؛ وذلك لما فيه من معاني ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ...
﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا ﴾ أمر رسوله ليقص أنباء الأمم السالفة على هؤلاء؛ ليكون زجراً وتحذيراً للكفار؛ ليعلموا ما حل بأولئك بصنيعهم؛ ليحذروا عن مثل صنيعهم، ويكون عظة وتذكيراً للمؤمنين؛ كقوله: ﴿ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا...
﴾ الآية، قد ذكرنا في غير موضع أن آياته، قيل: دينه.
وقيل: حججه وبراهينه.
وقوله: ﴿ سَآءَ مَثَلاً ﴾ \[أي ساء مثل\] الأفعال التي ضرب الله مثلها بالذي ذكر في القرآن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي ﴾ .
شهد الله - - أن من هداه فهو المهتدي؛ أي: من هداه الله في الدنيا فهو المهتدي في الآخرة، ومن يضلل الله في الدنيا فهو الخاسر في الآخرة، فلو كانت الهداية البيان والأمر والنهي - على ما ذكر قوم - لكان الكافر والمؤمن في ذلك سواء؛ إذ كان البيان والأمر والنهي للكافر على ما كان للمؤمن فلم يهتد، فدل أن في ذلك من الله زيادة معنى للمؤمن لم يكن ذلك منه إلى الكافر، وهو التوفيق والعصمة والمعونة، ولو كان ذلك للكافر لاهتدى [كما اهتدى] المؤمن، ولو كان بياناً لكان ذلك البيان من الرسل وغيره على قولهم؛ وكذلك قوله: ﴿ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ ﴾ أخبر أن من أضله فقد خسر؛ دل أنه كان منه زيادة معنى، وهو الخذلان والترك، أو خلق فعل الضلال، وليس على ما يقوله المعتزلة أنه قد هداهم جميعاً، لكن لم يهتدوا؛ فيقال لهم: أنتم أعلم أم الله؟!
كما قال لليهود: ﴿ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ ﴾ ، فظاهر الآية على خلاف ما يقولون ويذهبون.
<div class="verse-tafsir"
واقرأ -أيها الرسول- على بني إسرائيل خبر رجل منهم أعطيناه آياتنا فَعَلِمَهَا وفهم الحق الذي دلت عليه، ولكنه لم يعمل بها، بل تركها وانخلع منها، فلحقه الشيطان، وصار قرينًا له، فأصبح من الضالين الهالكين بعد أن كان من المهتدين الناجين.
<div class="verse-tafsir" id="91.enpRK"